Полный текст (6 569 стр.). Показаны 5146–5185 · переход к 5151.
стр. 5146
حكم مشروعية زيارة مسجد قباء يوم السبت والذهاب إليه راجلاً أو راكباً
فيما يخص تعبدي إلى الله بالذهاب إلى مسجد قباء كل يوم سبت مشياً على الأقدام أو راكباً أحياناً، هل يشرع هذا أم لا؟
الذهاب إلى مسجد قباء في المدينة كل يوم سبت من السنة؛ لأن النبي ﷺ كان يفعله، وهذا من حكمته؛ لأن الله تعالى قال له: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ﴾ [التوبة:١٠٨] والمسجدان: النبوي والقبائي كلاهما أسس على التقوى من أول يوم، مسجد قباء من أول يوم نزل فيه الرسول ﷺ قباء، مسجد المدينة من أول يوم وصل النبي ﷺ إلى المدينة، فكلاهما أسس من أول يوم، لكن لا شك أن المسجد النبوي أفضل، لهذا كان الرسول ﵊ يجعل يوم الجمعة للمسجد النبوي ويوم السبت لمسجد قباء.
فإذا تيسر لك أن تزور قباء كل يوم سبت راكباً أو راجلاً بحسب ما تيسر لك وتخرج من بيتك متطهراً وتصلي فيه ما شاء الله فهو خير.
стр. 5147
حكم إفراد الإقامة كاملة بما فيها (قد قامت الصلاة)
بعض الشباب في الإقامة يفرد حتى قوله: (قد قامت الصلاة) بحجة أن الرسول قال: الإقامة فرادى؟
هذا موضع نزاع بين العلماء، فحديث أنس: (أُمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة) .
استدل به بعض العلماء على أن الإقامة ليس فيها تكرار إلا (قد قامت الصلاة) والأمر في هذا واسع، لكن ينبغي للإنسان ألا يخالف أهل بلده في الأمور التي ليس فيها نص في المخالفة، لكن بعض الناس يكون مغرماً بداءٍ سيئ وعنوانه: (خالف تذكر) فتجده لا يبالي بمخالفة أهل البلد حتى وإن كانت المسألة اجتهادية، والذي أرى أن مسائل الاجتهاد لا ينبغي أن يخالف الإنسان فيها أهل بلده.
إلى هنا ينتهي هذا اللقاء.
стр. 5148
لقاء الباب المفتوح [١٨٤]
في هذه الآيات من سورة القمر يبين الله قوم صالح وما كانوا عليه من التكذيب والإنكار لرسوله ﵊، وهو ينذرهم ويحذرهم عقاب الله ، فما كان منهم إلا أن تعنتوا في سؤالهم وطلبوا من صالح أن يريهم آية تدل على صدق رسالته، فجعل الله لهم الناقة، فعتوا وذبحوا الناقة، فأرسل الله عليهم العذاب الأليم الذي جعله عبرة لمن بعدهم من الأمم.
стр. 5149
تفسير آيات من سورة القمر
الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد خاتم النبيين، وقائد الغر المحجلين، وإمام المتقين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذا هو اللقاء الرابع والثمانون بعد المائة من اللقاءات المعروفة بلقاء الباب المفتوح الذي يتم كل يوم خميس، وهذا الخميس العاشر من شهر صفر عام (١٤١٩هـ) وسيكون هذا اللقاء ختام هذا الفصل من الدراسة إلى أن تبدأ الدراسة إن شاء الله في الفصل الثاني بعد نحو ثلاثة أشهر، نسأل الله ﵎ أن يختم لنا ولكم بالخير.
стр. 5150
تفسير قوله تعالى: (كذبت ثمود بالنذر)
نبدأ هذا اللقاء كالعادة بالكلام بما يسر الله من تفسير كلامه العظيم، انتهينا إلى قول الله ﵎: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ [القمر:٢٣] أي: بما جاءهم من النذر، وهي الآيات التي جاء بها صالح ﵊، وديارهم معروفة الآن في بلاد الحجر في طريق تبوك من المدينة، كان صالح ﵊ مرسلاً إلى قومه يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له كسائر الأنبياء، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥] ، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ [النحل:٣٦] أرسله الله إلى قومه، وأعطاه آية وهي ناقة لها شربٌ ولهم شرب، أي: أن بئر الناقة الكبير الغزير الماء لها يومٌ تأتي إليه الناقة وتشرب، وقد ذكروا أن الذي يسقيها إناءً من الماء يحلب من لبنها بقدر ما أسقاها، وهذا من آيات الله أن ناقة تشرب ماءً ثم تخرجه في الحال لبناً فإن هذا ليس له عادة، ولكنها آية من آيات الله أراهم الله إياها حتى يعتبروا؛ لأن الله لم يرسل رسولاً إلا آتاه من الآيات ما يؤمن على مثله البشر رحمة منه وحكمة؛ لأنه لا يعقل أن رجلاً من بين الناس يأتي ويقول: إني رسول الله إليكم إلا إذا آتاه الله آياتٍ تدل على صدقه.
قال العلماء: وما من آية أوتيها نبيٌ من الأنبياء السابقين إلا كان لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم مثلها أو أشد.
ولكن قد تكون غير متوفرة في حياة الرسول ﵊ لكنها موجودة في أمته الذين اتبعوه، ولهذا كان من القواعد المقررة عند العلماء: أن كل كرامة لولي فهي آيةٌ للنبي الذي اتبعه؛ لأن هذه الكرامة تشهد بصدق ما كان عليه الولي، وهذا الولي تابع لرسولٍ سابق، فيكون في ذلك آية على أن هذا الشرع الذي عليه هذا الولي حق، وهذه تكون آية للنبي، فالقاعدة الآن: أن كل كرامة لولي فهي آية للنبي الذي اتبعه.
وعليه فنقول: من آيات موسى أنه ضرب الحجر وإذا ضربه انفجر عيوناً تنبع ماءً من حجر يابس، فهل كان للرسول ﷺ مثله؟
كان له أعظم، فإن النبي ﷺ جيء إليه بقدحٍ من ماء وليس مع الناس ماءٌ إلا ما في هذه الركوة، فوضع يده فيه فجعل الماء ينبع من بين أصابع يده كالعيون -سبحان الله! - هذه أعظم من آية موسى، يعني: آية موسى يخرج الماء من الحجر، وخروج الماء من الحجر معتاد، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة:٧٤] لكن هل جرت العادة أن يخرج الماء من الإناء الذي بينه وبين الأرض فاصل؟ لا.
إذاً هذه أعظم.
موسى ﵊ ضرب البحر فانفلق فكان أسواقاً يابسة، وهذه لا شك آيةٌ عظيمة، جرى لهذه الأمة أعظم من هذه، مشوا على الماء دون أن يُضْرَب لهم طريقٌ يابس، مشوا على الماء المائع الهين الذي يغوص فيه من يقع فيه بدوابهم وأرجلهم ولم يغرقوا، في قصة العلاء الحضرمي، وفي قصة سعد بن أبي وقاص ﵁، مشوا على الماء، وهذا أعظم من أن يمشوا على الأرض التي تتفرق عنها الماء.
فالمهم: أنه ما من نبيٍ بعثه الله إلا أعطاه من الآيات ما يؤمن على مثله البشر، قلنا: هذا رحمةً وحكمة، رحمةً بالناس من أجل أن تحملهم هذه الآيات على التصديق فينجون من عذاب الله، حكمة لأنه ليس من الحكمة أن يقوم إنسان من بين الناس ويقول: أنا رسول الله، حتى يؤتى آيات.
من آية صالح هذه الناقة لها شرب ولثمود شرب، لها يوم ولهؤلاء يوم، هذه من آيات الله، وقع مثلها للرسول ﵊ في الهجرة، فإنه مر براعي غنم وعنده ماعز أو ضأن ليس فيها لبن فمسح النبي ﷺ ضروعها فجعلت تدر باللبن.
стр. 5151
تفسير قوله تعالى: (فقالوا أبشراً منا واحداً نتبعه)
يقول : ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ [القمر:٢٣] النذر: جمع نذير والمراد به الآيات التي أوتيها صالح ﵊، فقالوا من جملة ما قالوا في تكذيبهم: (أَبَشَراً مِنَّا وَاحِداً نَتَّبِعُهُ﴾ [القمر:٢٤] نسأل الله العافية! أنكروا الآيات ما كأنها أتتهم، يعني: أنتبع بشراً منا واحداً.
لا نقبل، وهذا النفي بمعنى الإنكار، يعني: لا يمكن أن نتبع واحداً منا.
стр. 5152
تفسير قوله تعالى: (إنا إذاً لفي ضلال وسعر)
قال تعالى: ﴿إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ﴾ [القمر:٢٤] يعني: إنا إن اتبعناه لفي ضلال وسعر، أي: لفي جهل وفي عذاب، كأنه وعدهم بأنهم إن اتبعوه اهتدوا ونجوا من النار، فقالوا بالعكس: لو اتبعناك لضللنا واعترفنا بالسُّعُر: بالنار، عكس ما قالوا، هذا من أشد المراغمة للرسل عليهم الصلاة والسلام والمحادة لله ﵎.
стр. 5153
تفسير قوله تعالى: (أألقي الذكر عليه من بيننا)
قال تعالى: ﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [القمر:٢٥] هذا أيضاً استفهام احتقار، يعني: كيف يلقى الذكر عليه من بيننا؟ ما الذي ميزه؟ وكل هذا شبهات لا دلالات، فكونه بشراً لا يمنع أن يكون رسولاً، بل لابد أن يكون رسول البشر بشر؛ لأن الله قال: ﴿وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ * وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام:٨-٩] يعني: لو أرسلنا ملكاً للزم أن نجعله بصورة البشر حتى يختلط بالناس ويأتلف بهم، وإذا جعلنا الملك بشراً لبسنا عليهم ما يلبسون، فعادت المسألة مختلطة.
إذاً ننظر الآن: الشبهة الأولى: أنهم قالوا: إنه بشر، الثانية: أنه منا، لا يتميز علينا بشيء، الثالثة: أنه واحد لم يؤيد، والله يقول: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ * إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس:١٣-١٤] قويناهم، هؤلاء يقولون: واحد ما يكفي، لابد أن يعزز بثانٍ وثالث، الرابع: ﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [القمر:٢٥] يعني: كيف يلقى عليه الذكر والوحي من بيننا؟! هذا لا يمكن.
إذاً: أربع شبهات وهم يرونها حججاً توجب رد صالح ﵊، والواقع أنها ليست بحجة، بل هي شبه وتضليل، وهكذا المبطلون يا إخوان! في كل زمانٍ ومكان يوردون الشبه على الحق، ولكن الله لابد أن يبين الحق ليهلك من هلك عن بينه، ويحيا من حي عن بينة، ثم قالوا: ﴿بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ﴾ [القمر:٢٥] (بل) هنا لإبطال دعواهم، و (كذاب) صيغة مبالغة وفي نفس الوقت وصف؛ لأن كلمة فعال تأتي للمبالغة، وتأتي للوصف، فإذا قلت: فلان نجار، يعني: من النجارين، وإلا ما ينجر إلا مرة واحدة، وإذا قلت: فلان حداد لكثرة استعمال الحديد صارت مبالغة، هم يرونه -والعياذ بالله- أنه كذاب موصوفٌ بالكذب ليس له صفة إلا الكذب، وكثرة الكذب أيضاً (أشر) أي: بطر، متعالٍ، متعاظم، مستكبر، مدع ما ليس له.
стр. 5154
تفسير قوله تعالى: (سيعلمون غداً من الكذاب الأشر)
قال الله تعالى: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ﴾ [القمر:٢٦] سيعلمون غداً، متى؟ يوم القيامة، والسين هنا للتحقيق والتقريب؛ لأنك إذا قلت: سيقوم زيد.
فهذا تأكيد وتقريب أيضاً، فإذا قال قائل: التحقيق معروف أنه حق، أن الساعة آتية لا ريب فيها، لكن كيف التقريب؟ قلنا: إن الله يقول: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً﴾ [الأحزاب:٦٣] ، ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى:١٧] ومن الأمثال العابرة: كل آتٍ قريب.
الذي بقي عليه ألف سنة أقرب من الذي لم يمض عليه إلا عشر دقائق، لأن الذي مضى عليه عشر دقائق لا يمكن أن يرجع، لكن المستقبل لا بد أن يأتي: ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ﴾ [الأنعام:١٣٤] .
إذاً (سيعلمون) السين هنا للتحقيق والتقريب: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ﴾ [القمر:٢٦] غداً يوم القيامة، سمي غداً لأنه يأتي بعد يومك، سيعلمون من الكذاب الأشر، فمن هو الآن؟ أصالح أم ثمود؟ ثمود، سيعلمون يوم القيامة من هو الكاذب الأشر أصالح هو الكذاب الأشر، أم هؤلاء؟ وهذا وعيدٌ عظيم: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء:٢٢٧] الإنسان في غفلة عن هذا اليوم العظيم، قال الله تعالى: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا﴾ [المؤمنون:٦٣] أي: بل قلوبهم في غمرة مغطاة عن عمل الآخرة: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ [المؤمنون:٦٣] يعني: أعمال الدنيا هم لها عاملون، أتى بجملة اسمية، يعني: أنهم محققون للعمل فيه، لا يتركونها ولا يفرطون فيها وأما الآخرة فهم في غفلةٍ منها.
стр. 5155
تفسير قوله تعالى: (إنا مرسلو الناقة فتنة لهم)
قال تعالى: ﴿إِنَّا مُرْسِلُو الْنَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ﴾ [القمر:٢٧] (إنا) يعني: نفسه جل وعلا، وأتى بها بصيغة الجمع تعظيماً له جل وعلا؛ لعظمة صفاته وكثرة كمالاته، وكثرة جنوده، فلذلك يكني عن نفسه بصيغة التعظيم: ﴿إِنَّا مُرْسِلُو الْنَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ﴾ [القمر:٢٧] يعني: باعثوها (فتنة لهم) اختباراً، هل يؤمنون أو لا يؤمنون؟ وماذا كان الأمر؟ آمنوا أو لا؟ ما آمنوا، وفي هذا إشارة إلى أن الله تعالى قد يظهر للإنسان من الآيات ما يؤمن على مثله البشر حتى إذا استكبر كان استكباره عن علم، فكان عقابه أشد وأوجع، ولهذا جعل الله الناقة فتنة؛ لأنها أظهرت الحق لهم ولكن لم يقبلوا، وانتبه لهذا الاستدراج من الله ، انتبه، إذا يسر الله لك أسباب المعصية لا تفعل، فإن الله ربما ييسر أسباب المعصية للإنسان فتنةً له، أرأيتم أصحاب السبت من بني إسرائيل، يسرت لهم أسباب المعصية فتنة، وهي أنَّ الله حرم عليهم صيد السمك يوم السبت، فكانت الحيتان تأتي يوم السبت شرعاً على وجه الماء، وبكثرة عظيمة، لكنهم ملتزمون لم يصيدوا السمك يوم السبت، فلما طال عليهم الأمد عجزوا عن ملك أنفسهم فرجعوا إلى طبيعتهم وهي الغدر والحيلة والمكر، فاحتالوا على صيد السمك، صاروا يجعلون شباكاً يوم الجمعة، فتأتي الحيتان تدخل في الشباك فإذا كان يوم الأحد أخذوا الحيتان، وهذه حيلة واضحة، فقلبهم الله قردة، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة:٦٥] في صدر هذه الأمة حرم الله على المحرمين الصيد: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة:٩٥] فبعث الله الصيد عليهم وهم محرمون، تناله أيديهم ورماحهم، يعني: أن الزاحف يمسكونه باليد مثل الأرنب مثلاً، والغزال، يمسكه الواحد بيده، ورماحكم -أي: الطائر- كان الطير لا يناله إلا بالسهم؛ لأنه بعيد، لكن صار الطير يطير وكأنه على الأرض الرمح يدركه، فتنة، هنا يسر الله لهم أسباب المعصية، لكن الصحابة ﵃ خير الناس لم يصد أحدٌ منهم صيدةً واحدة ﵃، بينما بنو إسرائيل تحيلوا وخدعوا الله، أما سلف هذه الأمة وفقنا الله وإياكم لمرافقتهم في الدنيا في أعمالهم وفي الآخرة في مساكنهم، فإنهم لم يأخذوا.
فهنا الناقة أرسلها الله تعالى فتنة لثمود لكن ما أغنتهم.
стр. 5156
تفسير قوله تعالى: (فارتقبهم واصطبر)
قال تعالى: ﴿فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ * وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ [القمر:٢٧-٢٨] (فارتقبهم) يعني: ارتقب عذابهم، أو ارتقب أفعالهم وانظر ماذا يفعلون، (واصطبر) يعني: اصبر، لكن فيها التاء زائدة، وأصل (اصطبر) اصتبر بالتاء للمبالغة، لكن قلبت التاء طاءً لعلةٍ تصريفية اقتضتها اللغة العربية، يعني: أن الله قال لرسولهم صالح: ارتقب هؤلاء، (واصطبر) اصبر فإن النصر قريب.
стр. 5157
تفسير قوله تعالى: (ونبئهم أن الماء قسمة بينهم)
قال تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ [القمر:٢٨] أخبرهم أن الماء قسمة بينهم، كلٌ له شرب وللناقة شرب، ولهذا قال: ﴿كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ [القمر:٢٨] أي: كل شربٍ يحضره من يستحقه إما الناقة وإما هم، وبقوا على هذا لكن لم يستمروا، ما استمروا على ذلك.
стр. 5158
تفسير قوله تعالى: (فنادى صاحبهم فتعاطى فعقر)
قال تعالى: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾ [القمر:٢٩] نادوا صاحبهم الذي يرونه قوياً شجاعاً وقالوا له: هذه الناقة ضايقتنا، لو أننا عقرناها لكنا نشرب كل يوم، فطلبوا منه أن يعقرها -نسأل الله العافية- هل هذا الصاحب الشجاع الذين يرونه أشد منهم إقداماً بقطع النظر عن اسمه يعني: بعض المفسرين سماه لكن ما يهم، هل تأبّى؟ ما تأَبّى ولا تأخر، بل بادر.
قال تعالى: ﴿فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾ تعاطى: تفاعل، من العطاء يعني: بذل نفسه وبسرعة، الفاء تدل على السرعة في قوله: ﴿فَتَعَاطَى﴾ من حين نادوه على الفور وافق: ﴿فَعَقَرَ﴾ عقر الناقة -نسأل الله العافية- قطع أطرافها أولاً، ثم نحرها ثانياً، وهي من آيات الله ، ومن مصالحهم، لكن نسأل الله العافية نفوسهم لا تقبل: ﴿فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾ .
стр. 5159
تفسير قوله تعالى: (فكيف كان عذابي ونذر)
قال تعالى: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ [القمر:٣٠] يقول الله يخاطب الإنسان (كيف كان عذابي ونذر) هل وقع موقعه؟ وهل كان شديداً؟
نعم، كان في موقعه وكان شديداً، ما هذا العذاب؟ ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [القمر:٣١] صيح بهم والعياذ بالله مع الرجفة، ففي السماء أصوات، وفي الأرض رجفان، أخذتهم الرجفة والصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين كأن لم يغنوا فيها، كأنهم ما وجدوا.
стр. 5160
تفسير قوله تعالى: (إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة)
قال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ [القمر:٣١] أي: الحظار يجعله الإنسان لغنمه، لا أدري هل تعرفون هذا أم لا؟ البدوي في البادية يجعل للغنم حظاراً من الشجر اليابس، ومن عسبان النخل، وما أشبه ذلك؛ لئلا تخرج؛ ولئلا تعدو عليها السباع، هذا الحظار مع طول الزمن والشمس والرياح يتفتت حتى يتلاشى، كان هؤلاء الأقوياء الأشداء المكذبين لرسولهم كهشيم المحتظر، أي: كالحظار حينما يتلف، وهذا من آيات الله وتمام قدرته وسلطانه: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] فكانوا كهشيم المحتظر: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧] سبق تفسيرها، وقلنا: إن المعنى: أن الله تعالى يسر القرآن، أي: يسر معانيه لمن تدبره، ويسر ألفاظه لمن حفظه، فإذا اتجهت اتجاهاً سليماً إلى القرآن للحفظ يسره الله عليك، وإذا اتجهت اتجاهاً حقيقياً إلى التدبر وتفهم المعاني يسره الله عليك: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧] (هل) هذه للتشويق، يشوقنا الله إلى أن ندكر القرآن فنتعظ به، جعلنا الله وإياكم ممن يتلونه حق تلاوته لفظاً ومعنىً وعملاً إنه على كل شيءٍ قدير.
стр. 5161
الأسئلة
стр. 5162
جواز وضع المال في البنك لضرورة
فضيلة الشيخ! إذا كان عند الإنسان رصيدٌ من المال هل يجوز أن يضعه في بنك الرياض أو البنك الأهلي إذا كانت تتعامل بالمعاملات ربوية، خصوصاً أن البنك الأهلي جعل قسماً منه سماه بنكاً إسلامياً ووضع له لجنة شرعية، هل يجوز للإنسان أن يضع رصيده فيه؟
إذا كان الإنسان محتاجاً لذلك، إما خوفاً على ماله، أو لأي سبب من الأسباب، فلا حرج عليه أن يضعه في هذه البنوك، لكن يختار أقلها معاملةً بالربا.
والقسم الإسلامي عندما نعلم عنه، ما دام أنه إسلامي وهناك لجنة شرعية؛ نرجو الله أن يكونوا صادقين في هذا، فيوضع في هذا القسم من البنك.
стр. 5163
حكم صيام التطوع في السفر إذا كان معتاداً على الصيام
فضيلة الشيخ: شخص اعتاد أن يصوم الأيام البيض، والإثنين والخميس، ويسافر بعض الأيام إلى أهله، فهل يصوم هذه الأيام؟ والشق الثاني يقول: إن بعض أقربائي وأهلي علموا بأني أصوم هذه الأيام وأخشى أن يصيبني فيها رياء، فهل أترك هذه الأيام وصيامها؟
صيام النفل كسائر التطوعات إن شاء الإنسان صامها وإن شاء تركها، لكن لا ينبغي للإنسان إذا عمل عملاً إلا أن يثبته، لقول النبي ﷺ لـ عبد الله بن عمر: (يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم من الليل فترك قيام الليل) .
فأقول للأخ: استمر، وإذا كنت مسافراً فانظر الأيسر لك: إن كان الأيسر أن يصومه صام، وإن كان الأيسر أن يفطر أفطر.
وأما خوف الرياء فلا يهتم به؛ لأن الشيطان يخوف الرجل إذا رآه مقبلاً على العبادة فيقول: أنت مراءٍ، فليستعذ من الشيطان الرجيم وليمضِ في عمله ولا يهمه هذا.
стр. 5164
التفصيل فيمن يخرج منه قطرة بول بعد الوضوء
إذا انتهيت من الوضوء واتجهت إلى الصلاة أحس بخروج قطرة من البول من الذكر، فماذا عليَّ؟
الذي ينبغي أن يُتلهى عن هذا ويُعرض عنه، كما أمر بذلك أئمة المسلمين، ولا يلتفت إليه، ولا يذهب ينظر في ذكره، هل خرج أو لا؟ وهو بإذن الله إذا استعاذ بالله من الشيطان الرجيم وتركه يزول عنه، أما إذا تيقن يقيناً مثل الشمس فلابد أن يغسل ما أصابه البول وأن يعيد الوضوء لأن بعض الناس إذا أحس ببرودة على رأس الذكر ظن أنه نزل شيء، فإذا تأكد فكما قلت لك، وهذا الذي تقول ليس فيه سلس؛ لأن هذا ينقطع، السلس يستمر مع الإنسان، أما هذا فهو بعد الحركة يخرج نقطة أو نقطتين، هذا ليس بسلس؛ لأنه إذا خرجت نقطتان وقف، فهذا يغسل ويتوضأ مرة ثانية وهكذا يفعل دائماً وليصبر وليحتسب.
стр. 5165
الجمع بين حديث: (لا تسبوا الأموات) وحديث: (أن جنازة مرت على رسول الله فأثنوا عليها شراً فقال: وجبت)
ما الجمع بين حديث: (لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا) وحديث: (أن جنازة مرت على النبي ﷺ فأثنوا عليها شراً، فقال: وجبت) ؟
الجمع بينهما: أنه إذا كان في حال مرور الجنازة لا بأس به، وأما إذا كان بعد ذلك فلا حاجة له ولا فائدة منه.
стр. 5166
حكم من أدرك الإمام ساجداً فانتظر حتى يقوم ثم دخل معه
هناك كثير من المصلين عندما يدخلون المسجد يجدون الإمام قد رفع من الركوع فينتظرون إلى أن يقوم ظانين أنهم لا يؤجرون على ذلك ولا يأخذون أجراً؟
أقول: هذا غلطٌ منهم؛ لأن النبي ﷺ قال: (إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا) فهو يقول: (فما أدركتم فصلوا) وهؤلاء أدركوا السجود فليصلوا، وفي حديثٍ آخر وإن كان ضعيفاً: (إذا أتى أحدكم الصلاة والإمام على حال، فليصنع كما يصنع الإمام) وهذا الأصح أنه موقوف، لكن على كل حال: (ما أدركتم فصلوا) يغني عنه، فيدخلون معه، يكبرون تكبيرة الإحرام، ولا يستفتحون، بل يسجدون في الحال، وهل إذا سجدوا يكبرون؟ عند فقهائنا ﵏: أنهم لا يكبرون إذا سجدوا، قالوا: إن هذا انتقال إلى ركنٍ آخر لا تدرك به الصلاة، وأيضاً: انتقال إلى ركنٍ آخر لا يلي الركن الذي هو فيه وهو القيام، ولذلك لو أدرك الإمام راكعاً لكبر أولاً للإحرام، ثم كبر للركوع، أما هذا فيكبر للإحرام ثم يسجد بدون تكبير، لكن لو كبر أرجو ألا يكون فيه بأس.
стр. 5167
رجل خطب امرأة فدفع لها المهر ولم يتم العقد ثم مات
فضيلة الشيخ رجل خطب امرأة ودفع لها (الشبكة) ولم يتم العقد، ثم قدر الله عليه الموت، هل المرأة لها شيء من الإرث أم لا؟ وإن كان ليس لها شيئاً فهذه (الشبكة) هل تعود إلى أهل الرجل أم لا؟
أما الميراث فليس لها ميراث؛ لأنه لم يتم عقد النكاح، فليست زوجةً له.
وأما (الشبكة) فمحل نظر، قد يقول قائل: إنها تعود إلى ورثة الخاطب؛ لأنه لم يتم الزواج، وقد يقال: إنها لا ترجع إلى ورثة الخاطب؛ لأنه لا تفريط من المرأة ولا رجوع في الخطبة فهي لها.
والاحتياط: أن تردها إلى ورثة الخاطب، والاحتياط لورثة الخاطب أن يجعلوها للمرأة المخطوبة.
стр. 5168
حكم الدعاء على الشخص بقوله: (الله يحصده العافية)
فضيلة الشيخ! من باب العون إذا أراد أن يدعو شخص على شخص قال: الله يحصده العافية، ما حكم هذا القول؟
ماذا يريد بقوله: (الله يحصده العافية) ؟ يريد أن يمنعه العافية ولا بأس في ذلك، لكن لو قال: الله يمنعه العافية، والله يحرمه العافية لكان أحسن، ولو عفا لكان أحسن وأحسن لقول الله تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة:٢٣٧] .
стр. 5169
كلمة توجيهية لمن يعتقدون أن للأولياء بعد موتهم كرامات ويتمسحون بتراب القبور
هل من كلمة توجيهية لأولئك القوم الذين يعتقدون في الأولياء الذين توفوا أن لهم كرامات ما زالت باقية؟ وما زالوا الآن يتبركون بالآثار التي لا تنفع بشيء كأن يأتون إلى القبر فيتمسحون بالتراب؟
نقول: الأموات الذين ماتوا حتى لو علمنا صلاحهم قبل موتهم وأنهم من أولياء الله الذين آمنوا وكانوا يتقون، فإن آثارهم الحسية ذهبت لا شك، لكن قد يكون للإنسان آثار معنوية تعد من كراماته، كقبول كتبه ومؤلفاته، فمثلاً شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، لا شك أن قبول الناس لكتبه وانتفاعهم بها من كرامات الله لهذا الرجل، فإن هذه كرامة باقية، لكن الكرامة الحسية بمعنى: أن تنزل البركة في ذكره أو ما أشبه ذلك هذا لا يجوز، وانتبه لقوله: الأولياء: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٣] لأن بعض المدعين للولاية هم من الأعداء وليسوا من الأولياء، فقد سمعنا أنه يوجد أناس في الصوفية وغير الصوفية يقولون: إنهم أولياء لله، وهم أعداءٌ لله، تجده يرى نفسه في مقام الربوبية، ويرى أن من الأولياء من هو أفضل من الأنبياء، ويرى أن لأئمتهم من المنزلة ما لا يبلغه ملكٌ مقرب ولا نبي مرسل، وما أشبه ذلك، هل نعد هذا من أولياء الله أو من أعداء الله؟ هذا من أعداء الله بلا شك، حتى ولو ادعى الولاية، حتى لو فرض أن الله أجرى على يديه أشياء خارقة للعادة فهي إما من الشياطين وإما ابتلاء من الله ؛ لأن الميزان في الولاية وفي العداوة هو هذا الذي ذكره الله بقوله: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢-٦٣] هذا هو الميزان، وما أحسن ما قال شيخ الإسلام ﵀ -كلمتان مأخوذتان من آية الولاية- قال: (من كان مؤمناً تقياً كان لله ولياً) .
وقال: (بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين) .
أخذاً من قول الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤] فهاتان قاعدتان عظيمتان والميزان لا يبخسان، من الولي؟ المؤمن التقي، من الإمام؟ الصابر والموقن بآيات الله .
وأما أن يأتي إلى القبر ويتمسح بالتراب فهذا حسي، هذا ما يجوز، التبرك بتراب القبر جهل وضلال: أولاً: تراب القبر لم يمس هذا الرجل المدفون هو في الأعلى، ما له علاقة به.
والثاني: أن هذا التراب تبول عليه الكلاب، كيف يتبرك به؟! والثالث: أن هذا لا يفيد وإن أفاد فهو امتحان من الله .
стр. 5170
معنى قوله تعالى: (وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون)
ما معنى قوله تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧] ؟
أي: ظهر لهم من عذاب الله ما لم يكن على بالهم، كما قال قبلها: ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾ [الزمر:٤٨] المعنى: أن هؤلاء المكذبين للرسل ما كانوا يظنون أن هذا سيقع، أن ما وعدت به الرسل وأوعدت سيقع، فظهر لهم ما لم يكونوا يحتسبون، لكن هذا هل يفيد؟ لا، والله! ما يفيد.
стр. 5171
حكم خبر الإسرائيليات
هل ثمود اختاروا مكاناً خاصاً بين الجبال فدعا صالح ﵇ فخرجت الناقة وهم ينظرون؟
قيل: إن الناقة خرجت من صخرة، قالوا له: إن كنت صادقاً فأخرج لنا من هذه الصخرة ناقة، فدعا الله فخرجت، لكن هذا من الإسرائيليات التي لا نؤمن بها ولا نصدقها ولا نكذبها، والله أعلم.
стр. 5172
حكم من دخل المسجد ولم يصل تحية المسجد ينتظر الإمام
بعد المغرب نرى أحد الطلبة إذا تأخر الإمام خمس دقائق أو عشر دقائق يقف ولا يصلي تحية المسجد، ولما سألناه يقول: أنا أقرأ وأنا واقف حتى يأتي الإمام؛ لأنه ما بقي إلا خمس دقائق أو عشر دقائق بين الأذان والإقامة، وتكلمنا كثيراً في هذا الأمر، وما زالوا يكررون هذا الفعل، ما ندري هل لهم وجه أو لا؟
أولاً بارك الله فيه: هذا من تثبيط الشيطان، وعجباً لهؤلاء أن يقفوا ينتظرون الإمام وهم لا يدرون متى يأتي ربما يتأخر كثيراً، أليس كذلك؟ هذا أمر.
الثاني: كيف يقفون ولا يصلون والرسول ﷺ قال: (صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب، ثم قال: لمن شاء) كراهية أن يتخذها الناس عادة، فهذا من جهلهم، ثم من يقول: إن الواقف ليس كالجالس، وقوفهم هذا كالجلوس، والرسول ﷺ يقول: (لا يجلس حتى يصلي ركعتين) بناءً على أن الغالب أن الإنسان إذا دخل المسجد يجلس ولا يقف، فوقوفهم هذا بمعنى الجلوس، وربما يستدل بقول الرسول في أن الحائض لا تطوف على أن الدوران بمنزلة الجلوس؛ لأن الحائض لا يحل لها أن تجلس في المسجد.
أنت نصحت وجزاك الله خيراً، وأنا إن شاء الله تعالى إن ذكرت تكلمت في هذا، وليست هذه فقط، حتى أيضاً من العجائب: إذا رأوا الإمام قاموا وإن لم تقم الصلاة، لو كان الإمام منشغلاً ذهب مثلاً يميناً أو يساراً، أو رجع، أو دخل وذكر أنه على غير وضوء فذهب يتوضأ يبقى هؤلاء واقفون؟!
стр. 5173
حكم رفع اليدين في مواطن الإجابة حال الدعاء على الدوام والاستمرار
فضيلة الشيخ: سؤالي حول رفع اليدين في الدعاء في الأوقات التي يرجى فيها الإجابة، إذا كان ذلك باستمرار، كالثلث الآخر من الليل أو بين الأذان والإقامة؟
بارك الله فيك! رفع اليدين في الدعاء من آداب الدعاء، ومن أسباب الإجابة، فالأصل أن ذلك مشروع إلا إذا وجد سببه في عهد الرسول ﷺ ولم يرفع فيكون غير مشروط، ولهذا أنكر الصحابة على بشر بن مروان لما رفع يديه في خطبة الجمعة في الدعاء، وقال الرسول ﵊: (لا أزيد على الإشارة) اعلم أن الأصل في الدعاء هو رفع اليدين؛ لأنه من الآداب وأسباب الإجابة، إلا إذا وجد هذا الشيء في عهد الرسول ﷺ ودعا ولم يرفع فالأفضل عدم الرفع، وينكر على من رفع.
السائل: عدم ورود ذلك عن النبي ﷺ مع الترغيب فيه هل يدل هذا على أن المقتضى كان موجوداً؟ الشيخ: مثل ماذا؟ السائل: لأن رفع اليدين يقول أحد الإخوة جزاه الله خيراً لما رآني أرفع يدي بين الأذان والإقامة ويكون ذلك دائماً تقريباً يقول: إن النبي ﷺ ما ثبت عنه، فيقول الأخ هذا: إن هذا ما ورد عن النبي ﷺ ، ولو فعله لنقل، فيقول: أنت استمرارك على هذا يدخل في قسم البدعة؟ الجواب: على كل حال: هذا خطأ فيما نرى، أولاً الرسول ﵊ لم يكن يدعو إلا عند الإقامة، ما يدريه أنه يرفع يديه وما يرفع يديه.
والثاني: أن الأصل هو استحباب رفع اليدين في الدعاء إلا إذا ورد دليل على خلافه لحديث: (إن الله حيي كريم يستحيي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفراً) هذه واحدة.
الثانية: أن الرسول ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء، فلو أن لمد اليدين تأثيراً في قبول الدعاء ما ذكره الرسول ﵊، كما هي القاعدة: (إن عدم النقل ليس نقلاً للعدم) .
стр. 5174
حكم وضع سور على القبر إذا كان داخل المسجد
فضيلة الشيخ: إذا كان في المسجد قبر هل يكفي أن يبنى حوله جدار أو سور، واستدلوا على ذلك أن قبر النبي ﷺ داخل المسجد وعليه سور؟
بارك الله فيك! أنا أقول لك قاعدة مفيدة في هذا وفي غيره: أهل الباطل جعل الله لهم شبهات حتى تزيغ قلوبهم والعياذ بالله، قال الله ﵎: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٧] ولهذا قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم) هل قبر الرسول ﵊ أحدث في المسجد؟ إن قالوا: نعم، نقول: كذبتم، الصحابة ما دفنوه في المسجد، وإن قالوا: لا، قلنا: إذاً ما في ذلك حجة؛ لأن قبر الرسول ﵊ كان في بيته الذي مات فيه، وكان في ذلك الوقت منعزلاً عن المسجد، لم يدخل في المسجد إلا قريباً من خمسة وتسعين أو ستة وتسعين من الهجرة، أدخل في المسجد؛ لأنهم اضطروا إلى توسيعه، وكأنه لم يتيسر لهم في ذلك الوقت إلا أن يكون الاتساع من هذه الجهة، وأبقوا الحجرة قائمة بجدرانها ما دخلت في المسجد، فالنبي ﷺ لم يدفن في المسجد، ولم يبن المسجد على قبره، لكن أهل الباطل يتشبثون بالشبهات؛ لأن قلوبهم زائغة والعياذ بالله، والعجب أنهم يتشبثون بالمتشابهات والمحكم يتركونه.
стр. 5175
حكم الإيثار في القربات
الشيخ: هل يشرع الإيثار في الطاعات والقربات إلى الله، كأن يكون في الصف الأول فيقدم زميله؟
أما في الواجبات فلا يجوز الإيثار، الإيثار في الواجبات لا يجوز كإنسان عنده ماء، وهو على غير وضوء وصاحبه على غير وضوء، إن أعطاه صاحبه لم يتوضأ، وإن توضأ به لم يتوضأ صاحبه، فهنا لا يجوز أن يعطي الماء صاحبه، لماذا؟ لأن الواجب عليه استعماله، كذلك أيضاً: إنسان معه ثوبٌ وقد ضاق وقت الصلاة وصاحبه ليس معه ثوب، فإن آثر به صاحبه صلى عرياناً والوقت ضيق، وإن صلى به صلى صاحبه عرياناً، هنا لا يجوز أن يؤثر.
أما غير الواجبات فإن رأى في ذلك مصلحة فلا بأس، مثل: أن يأتي والده فيتأخر عن الصف الأول ليدخل والده، وهو يعرف أن والده إذا فعل به هذا انشرح صدره؛ فهذا نعم يؤثره، وإن كان ليس به مصلحة فلا يؤثره.
стр. 5176
تقديم العرف في مسألة النفقة على الزوجة وعلاجها
من المعلوم أن النفقة من الزوج على زوجته واجبة، ولكن ذكر -يا شيخ- صاحب الزاد: ولا تجب إلى طبيبٍ ونحوه فهل هذا صحيح؟
الدواء للزوج على زوجته على المذهب لا تجب؛ لأنها أمرٌ طارئ خارج عن النفقة.
والصحيح في هذا أن نتبع العرف: إن جرت العادة أن الزوج يداوي زوجته وجب عليه، وإن لم تجر العادة في ذلك لم يجب، وأظن العرف عندنا يختلف، النفقات الباهظة -مثلَا- لو تحتاج إلى عملية في الخارج لا تلزم الزوج، والشيء اليسير يلزم الزوج، والميزان عندك اجعله دائماً بين يديك، وهو قول الله ﵎: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:١٩] ، وقول الرسول ﷺ : (ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف) فاتبعوا العرف في هذا.
стр. 5177
لقاء الباب المفتوح [١٨٥]
لقد قص الله لنا أقوام كثير من الأنبياء، وكيف كانت دعوة رسلهم لهم، وفي نهاية المطاف يصرون على استكبارهم وعنادهم؛ فيذيقهم الله العذاب الأليم، ومن هذه الأقوام المكذبة قوم لوط حين كانوا يرتكبون الفاحشة النكراء، ويكذبون رسول الله لوط، ولم يؤمنوا به، وعند ذلك حق عليهم العذاب من الله ، فقتلهم الله شر قتلة!
стр. 5178
تفسير آيات من سورة القمر
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد: فإننا نستأنف هذا اللقاء المسمى بـ (لقاء الباب المفتوح) الذي يتم كل يوم خميس بعد أن تركناه مدة الإجازة الصيفية؛ نظراً لأن الناس يتفرقون هنا وهناك، فنستفتح هذا الاستئناف هذا اليوم الخميس التاسع عشر من شهر جمادى الأولى عام (١٤١٩هـ) ، نسأل الله ﵎ أن يمن علينا وعليكم بالعلم النافع والعمل الصالح.
كنا رأينا أن يكون ابتداء اللقاء تفسير الآيات الكريمة في سور المفصل.
стр. 5179
تفسير قوله تعالى: (كذبت قوم لوط بالنذر)
وانتهينا إلى قوله تعالى في سورة القمر: (كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ﴾ [القمر:٣٣] قوم لوط هم أناس كفروا بالله وأشركوا به، وكان ما اختصوا به من المعاصي هذه الفعلة القبيحة الشنيعة وهي اللواط أي: إتيان الذكر الذكر، وحذرهم نبيهم من هذا وقال لهم: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ [الشعراء:١٦٥-١٦٦] ولكنهم والعياذ بالله استمروا على هذا حتى جاءهم العذاب، وهذه السورة ذكر الله تعالى فيها قصة الأنبياء على سبيل الإجمال فقال فيما سبق ما تقدم الكلام عليه، وقال هنا: (كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ﴾ النذر: جمع نذير، وهي الكلمات التي أنذرهم فيها لوط ﵊، وجمعها يدل على أنه كان يكرر عليهم هذا، ولكنهم أبوا وأصروا على هذا الفعل، فبين الله عقوبتهم بقوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِباً إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ [القمر:٣٤] (حاصباً) يعني: شيئاً يحصبهم من السماء، أمطر الله عليهم حجارة من سجيل فهدمت بيوتهم حتى كانت عاليها سافلها؛ لأن البناء إذا تهدم صار أعلاه أسفله.
(إلا آل لوط) وآل لوط هم أهل بيته إلا زوجته كما قال تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٥-٣٦] نبي يبعث إلى قومه ولم يتبعه إلا أهل بيته إلا امرأته أيضاً فكانت كافرة، ومع ذلك فهو صابر حتى أذن له بالخروج: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ أي: في السحر في الصباح، وذلك أن هؤلاء القوم أخذهم العذاب صباحاً كما ابتدئ عذاب عادٍ بالصباح: ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً﴾ [الحاقة:٧] لأنه ابتدئ في الصباح، فأخذهم العذاب -والعياذ بالله- في الصباح، فأهلكهم الله.
стр. 5180
تفسير قوله تعالى: (نعمة من عندنا كذلك نجزي من شكر)
قال تعالى: ﴿نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ [القمر:٣٥] أي: أنعمنا على آل لوطٍ نعمة من عند الله من وجهين: الوجه الأول: أن الله أنجاهم.
والوجه الثاني: أن الله أهلك عدوهم.
لأن إهلاك العدو من نعمة الله، فصارت نعمة الله على آل لوط بالنجاة وإهلاك العدو.
﴿كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ﴾ [القمر:٣٥] أي: مثل هذا الجزاء وهو الإنجاء والنعمة، نجزي من شكر نعمة الله، وشكر نعمة الله تعالى -أيها الإخوة- هو القيام بطاعته وليس مجرد قول الإنسان: أشكر الله.
بل لابد من القيام بالطاعة، ولهذا من قال: أشكر الله.
وهو مقيم على معاصيه فإنه ليس بشاكر، بل هو كافر بالنعمة، مستهزئٌ بالله ، إذ أن مقتضى النعمة أن يشكر الله، ولكنه عكس الأمر، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ [إبراهيم:٢٨-٢٩] فكل من شكر الله فإن الله تعالى ينجيه ويهلك عدوه.
стр. 5181
تفسير قوله تعالى: (ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر)
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا﴾ [القمر:٣٦] يعني: أن لوطاً ﵊ أنذر قومه البطشة وهي الأخذ بالقوة ﴿فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ [القمر:٣٦] أي: تشككوا فيه، ولم يؤمنوا به.
стр. 5182
تفسير قوله تعالى: (ولقد راودوه عن ضيفه)
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ﴾ [القمر:٣٧] يعني: أن قومه راودوه عن ضيفه الذين جاءوا إليه من الملائكة، وكان الله تعالى قد بعث إليه الملائكة على صورة شبابٍ مرد ذوي جمال وهيئة امتحاناً من الله ، فلما سمع قوم لوط بهؤلاء الضيوف أتوا يهرعون إليه، يسرعون يريدون هؤلاء الضيوف ليفعلوا بهم الفاحشة والعياذ بالله، فراودوه عن ضيفه فطمس الله أعينهم.
أما كيف طمس أعينهم هل جبريل ضربهم بجناحه أو غير ذلك الله أعلم، إنما علينا أن نؤمن بأن الله تعالى طمس أعينهم حتى أصبحوا لا يبصرون.
﴿فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ [القمر:٣٧] والأمر هنا للامتهان، أو إنه أمرٌ كوني، يعني: أن الله أمرهم أمر إهانة، أو أمراً كونياً أن يذوقوا العذاب، ومثل هذا قول الله ﵎ عن صاحب الجحيم: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان:٤٩] فإن هذا الأمر أمر إهانة بلا شك، وليس أمر إكرام، ولا أمر إباحة.
стр. 5183
تفسير قوله تعالى: (ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر)
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ * فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ [القمر:٣٨-٣٩] أي: أن العذاب صبحهم وأتاهم في الصباح على حين قيامهم من النوم واستقبالهم يومهم وهم فرحون، كل واحدٌ منهم يفكر فيما يفعل في هذا اليوم، فإذا بالعذاب يقع بهم -نسأل الله العافية- ﴿فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ .
من العبر في هذه الآية: أن هؤلاء الذين قلب الله فطرتهم وطبيعتهم قلب الله عليهم البنيان برميهم بحجارة من سجيل، فتهدم البنيان حتى صار أعلاه أسفله، وقيل: إن الله تعالى قلب بهم ديارهم، اقتلعها من أساسها، حتى رفعها ثم قلبها، فإن صح هذا فالله على كل شيء قدير، وإن لم يصح فليس علينا إلا أن نأخذ بظاهر القرآن أنهم أمطروا بحجارة من سجيل فتهدم البناء عليهم.
أخذ أهل العلم من ذلك: أن اللوطي يقتل بكل حال، الفاعل والمفعول به، وهذا هو القول الراجح، أن اللوّاط يجب فيه القتل على كل حال، وليس كالزنا، الزنا يفرق فيه بين المتزوج وغير المتزوج، أما اللواط فيقتل فيه على كل حال ما دام الفاعل والمفعول به بالغين عاقلين فإنه يجب قتلهما بكل حال إلا المكره، فإنه ليس عليه شيء، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أجمع الصحابة ﵃ على قتل الفاعل والمفعول به إلا أنهم اختلفوا كيف يقتلان؟ فقال بعضهم: يقتلان بالرجم بالحجارة حتى يموتوا، وقال بعضهم: يقتلان بأن يلقيا من أعلى مكانٍ في البلد ويتبعان بالحجارة، وحرق أبو بكر ﵁ اللوطية بالنار، وكذلك خالد بن الوليد وأحد خلفاء بني أمية حرقوهم بالنار لعظم جرمهم والعياذ بالله، ولأن هذه الفاحشة إذا انتشرت في قومٍ صار رجالها نساءً، وصار الواحد منهم يتتبع فحول الرجال حتى يفعلوا به الفاحشة والعياذ بالله، وانقلبت الأوضاع، وضاع النسل بمعنى: أن الناس ينصرفون إلى الذكور ويدعون النساء اللاتي هن حرث للرجال والتحرز منه صعب؛ لأنه لا يمكن أن نجد اثنين ونقول: كيف صحبت هذا مثلاً؟ لكن لو وجدنا رجلاً وامرأة يمكن التحرز منهم، فلذلك كان دواء المجتمع من هذه الفعلة القبيحة الشنيعة أن يقتل الفاعل والمفعول به، وقد جاء في ذلك حديث عن النبي ﷺ أنه قال: (من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به) .
ولهذا يجب علينا -أيها الإخوة- أن نحترز من هذا غاية الاحتراز، وأن نتفقد أبناءنا أين ذهبوا؟ ومن أين جاءوا؟ ومن أصدقاؤهم؟ وهل هم على الاستقامة أو لا؟ حتى نحمي المجتمع من هذا العمل الخبيث.
стр. 5184
تفسير قوله تعالى: (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر)
ثم قال : ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:٤٠] يسر الله القرآن للذكر لحفظه ولفهم معناه، وهذا الخبر يراد به الحث على حفظ القرآن وعلى تدبر معناه؛ لأنه ميسر سهل، وأنت جرب تدبر في آيات الله لتفهم معناها، وانظر كيف ييسر الله لك فهمها حتى تفهم منها ما لا يفهمه كثيرٌ من الناس، ولهذا قال: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:٤٠] والاستفهام هنا للتشويق، يعني: هل أحد يدكر، يتذكر، يتعظ بما في القرآن؟
стр. 5185
الأسئلة
следующие страницы →