← Фатава

Фатава · id 7687

لقاء الباب المفتوح

ابن عثيمين

Полный текст (6 569 стр.). Показаны 5286–5325 · переход к 5291.

стр. 5286

تفسير قوله تعالى: (يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان) قال تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن:٢٢] أي: من البحرين العذب والمالح (اللؤلؤ والمرجان) وهو قطعٌ من اللؤلؤ الأحمر جميل الشكل واللون، مع أنها مياه، وقوله تعالى: (منهما) أضاف الخروج إلى البحرين العذب والمالح، وقد قيل: إن اللؤلؤ لا يخرج إلا من المالح، ولا يخرج من العذب، والذين قالوا بهذا اضطربوا في معنى الآية: كيف يقول الله: (منهما) وهو من أحدهما؟ فأجابوا: بأن هذا من باب التغليب، أن يغلب أحد الجانبين على الآخر مثلما يقال: العمران لـ أبي بكر وعمر، ويقال: القمران للشمس والقمر، فهذا من باب التغليب، والمراد من واحدٍ منهما. وقال بعضهم: بل هذا على حذف مضاف والتقدير (منهما) أي: من أحدهما. وهناك قولٌ ثالث: أن تبقى الآية على ظاهرها لا تغليب ولا حذف، ويقول: (منهما) أي: منهما جميعاً اللؤلؤ والمرجان وإن امتاز المالح بأنه أكثر وأطيب. فبأي هذه الأقوال الثلاثة نأخذ؟ نأخذ بما يوافق ظاهر القرآن، وهذه قاعدة يجب أن تفهموها، فالله يقول: (يخرج منهما) فمن خالقهما وهو يعلم ماذا يخرج منهما، فإذا كانت الآية ظاهرها: أن اللؤلؤ والمرجان يخرج منهما جميعاً وجب الأخذ بظاهره، لكن لا شك أن المالح أكثر وأطيب، لكن لا يمنع أن نقول بظاهر الآية، بل يتعين أن نقول بظاهر الآية، وهذه قاعدة في القرآن والسنة: أننا نحمل الشيء على ظاهره ولا نؤول، اللهم إلا إذا كان هناك ضرورة لا بد أن نسير على ما تقتضيه الضرورة، أما بدون ضرورة فيجب أن نحمل القرآن والسنة على ظاهرهما. ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:٢١] لأن ما في هذه البحار وما يحصل من المنافع العظيمة فيهما نعمٌ كثيرة لا يمكن للإنسان أن ينكرها أبداً.

стр. 5287

الأسئلة

стр. 5288

سر وجود الملائكة هل الملائكة فيهم سر وجود؟ هذا السؤال لا ينبغي؛ لأن فيه تعمقاً وتنطعاً، فقد قال النبي ﷺ : (هلك المتنطعون) وسنأتيك يا أخي بقاعدة: أمور الغيب لا تسأل عنها، اقتصر على ما سمعت وما بلغك من الوحي واترك الباقي.

стр. 5289

الذكور والإناث في الملائكة هل الملائكة فيهم ذكور وإناث أم ذكور فقط، أم إناث فقط؟ هناك قاعدة للمؤمن الذي يريد أن يرتاح ويريح، ويتأدب مع الله ورسوله ألا يسأل عن شيء من أمور الغيب، نؤمن بها كما جاءت، ولذلك لو كان هذا السؤال فيه خير لكان أول من يسأل عنه الصحابة ﵃، وإن شاء الله سؤالك جيد؛ لأننا استفدنا هذه النصيحة، إن أمور الغيب لا تسأل عنها، لما قال رجلٌ للإمام مالك بن أنس ﵀: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] غضب، كيف تسأل كيف استوى؟ وقال له: ما أراك إلا مبتدعاً، وأمر به أن يخرج من مسجد الرسول ﵊ من المسجد النبوي.

стр. 5290

شرح حديث (بعث النار) هل ورد حديث أن الله قال: (يا آدم! أخرج بعثك من النار، قال: وما بعثي من النار؟ قال: من كل ألفٍ تسعمائة وتسعة وتسعين) وهل وردت رواية: أن من كل مائة تسعة وتسعين؟ لا، هذا الحديث الذي ذكره أن الله تعالى يقول يوم القيامة لآدم: (يا آدم! فيقول: لبيك وسعديك، فيقول: أخرج من ذريتك بعثاً إلى النار، فيقول: يا رب! وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين) كلهم في النار إلا واحد من الألف، فلما أخبر النبي ﵊ بهذا عظم ذلك على الصحابة: (قالوا: يا رسول الله! أينا ذلك الواحد؟) واحد من ألف في الجنة والباقي في النار، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (أبشروا! فإنكم في أمتين ما كانتا في شيءٍ إلا كثرتاه: يأجوج ومأجوج، منكم واحد ومنهم ألف، فكبر الصحابة وفرحوا فرحاً عظيماً) أما من كل مائة تسعة وتسعون فهذا غلط، ولا يصح.

стр. 5291

حكم من ركع والإمام ساجد سجود التلاوة لعدم العلم بذلك والدتي تصلي التراويح مع الإمام، فالإمام قرأ آية فيها سجود، والوالدة لا تراه لأنها تكون في الخلوة فهي تركع لأنها تظن أنه ركع ولا تدري إلا إذا قام الإمام قال: الله أكبر، فماذا تفعل؟ تستمر معه ولا تسجد؛ لأن هذا سجود تلاوة وليس داخل الصلاة، لكن إذا كانت ترى النساء التي حولها فعليها أن تسجد.

стр. 5292

حكم تكفير الرافضة عموماً هل يكفر عامة الرافضة؟ أهل البدع ليسوا على قولٍ واحد، فهم يختلفون اختلافاً كثيراً، منهم من يكفر، ومنهم من هو دون ذلك، ومنهم العامي الذي لا يدري عن شيء، فلا يمكن الحكم عليهم بحكمٍ عام حتى ينظر في كل شخصٍ بعينه، وهكذا المعتزلة والجهمية وغيرهم من أهل البدع.

стр. 5293

حكم السلام على أهل المقابر عند المرور بجانب السور ما حكم السلام على أهل المقابر عند المرور من عند سور المقبرة؟ قال العلماء ﵏: إنه يسن السلام على أهل المقابر سواءً مررت أو وقفت، لكن كونك تقف وتدعو بما ورد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم خيرٌ من أنك تمر، لا سيما أن مرور الناس الآن بالسيارات في الغالب يكون سريعاً، فلا يكمل الإنسان ربع الذكر إلا وقد تعدى المقبرة.

стр. 5294

خصوصية إبراهيم ﵇ بدعوة التوحيد لماذا خص إبراهيم ﵇ بدعوة التوحيد مع أن جميع الأنبياء دعوا إلى التوحيد؟ كل الأنبياء جاءوا بالتوحيد، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥] لكن إبراهيم أبو العرب وأبو الإسرائيليين، وهو يدعو إلى التوحيد الخالص، واليهود والنصارى ادعوا أنهم أتباعه، والمسلمون هم أتباعه، فكان هو ﵊ قد خص بأنه أبو الأنبياء، وأنه صاحب الحنيفية وأمرنا باتباعه؛ لأننا نحن أولى بإبراهيم، كما قال : ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران:٦٨] وقال رداً على اليهود والنصارى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران:٦٧] .

стр. 5295

حكم إعطاء الحجام مالاً على الحجامة ما حكم إعطاء الحجام مالاً على الحجامة؟ لا بأس أن تعطي الحجام أجرته، كما قال عبد الله بن عباس ﵄: [إن أجرة الحجام ليست حراماً، ولو كانت حراماً ما أعطى النبي ﷺ الحجام أجرته] وصدق ﵁، لكن كسب الحجام خبيث -بمعنى: أنه رديء- لأنه ينبغي للحجام أن يتطوع ويتبرع؛ لأن في هذا إنقاذاً لإخوانه من الضرر والهلكة، فكونه يأخذ على هذا أجراً نقول: إن هذا الأجر رديء وليس حراماً، وهل يطلق الخبيث على الرديء وهو حلال؟ نعم، قال الله تعالى: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا﴾ [البقرة:٢٦٧] .

стр. 5296

حكم العمل كمحامٍ خاص أو عام عندنا في الكويت المحامي إما أن يكون خاصاً أو عاماً، والمحامي الخاص هو الذي يشتغل عادةً لحساب الدولة، ويقوم في الدفاع عن حقوق الدولة، ومن هذه الحقوق ما قد يختلج في النفس من حيث الحلال والحرام، فمثلاً من حيث متابعة الباعة المتجولين التي تحرم الدولة هذا النوع من التجارة، فهو يقوم بدور الشخص الذي يدافع عن الدولة تجاه الشخص الذي يشتغل بالتجارة، ولكن حرمتها السلطة. أما المحامي العام فهو يشتغل في كل الأنواع، فنرجو البيان فيما يتعلق بالمحامي الخاص والمحامي العام من حيث الشريعة؟ على كل حال المحامي معناه: المدافع الذي يحمي الحقوق، إذا كان بحق فلا بأس، أي: إذا كان هناك شخص له حق على آخر، ويعلم أنه محق، لكنه لا يستطيع أن يعبر، فوكل شخصاً آخر أقوى منه في العبارة ليدافع عنه، فهذا لا بأس به، ولهذا قال النبي ﵊: (إنكم تختصمون إليَّ، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، فأقضي له بنحو ما أسمع، فمن قضيت له بشيءٍ من حق أخيه فإنما أقتطع له جمرةً من النار، فليستقل أو يستكثر) . أما المحامي الذي يريد أن ينتصر لمن وكله بحق أو بباطل، فهذا لا يجوز. وأما التجول للبيع والشراء في بلدٍ تمنع الحكومة من ذلك، فأرى أنه لا يجوز أن يتجول ويبيع ويشتري؛ لأن السلطان له أن يأمر وينهى بما لا يخالف الشرع، ويرى أن من مصلحة التجارة ألا تكون فوضى ومنعاً من التجول، أو من التسوق في التجول، فلا حرج؛ لأننا لو قلنا: إن الإنسان يكون حراً في كل شيء، لا يمتثل لأمر الحكومة ولا يلتفت له لكان فوضى، بقي علينا أن نقول: على الحكومة أن تنظر في الموضوع، وألا تظلم أحداً، فإذا رأت مثلاً أن أصحاب الدكاكين يحتكرون السلع ويبيعونها بأكثر من ثمنها وأن المتجولين يبيعونها بأقل قطعاً؛ لأنهم ليس عليهم إيجارات ولا مسئولية، فيجب أن توفق بين هؤلاء وهؤلاء، فهنا نظران: النظر الأول: للحكومة، والثاني: للمتجول، المتجول لا يجوز أن يتجول والحكومة قد منعت من ذلك، والحكومة يجب عليها أن تنظر في أصحاب الدكاكين حتى لا يحتكرون السلع ويبيعونها بما شاءوا. لكن الشبه قد تقع على بعض المحامين باعتبار أنهم يمارسون هذه المهنة وهم يحتكمون إلى القوانين الوضعية، وهذا ليس بقانون وضعي، هذا قانون رأت الدولة أنه من المصلحة، وأما القوانين العامة فقد يحتاج أن ينظر الإنسان إلى كل قانون على حدة.

стр. 5297

حكم رد السلام على الجار المنتمي إلى الإسماعيلية لي جار من الطائفة الإسماعيلية يسلم عليَّ فهل لي أن أرد ﵇، وهل لي أن أسلم عليه أيضاً؟ نعم رد ﵇، عاملوهم بما يعاملونكم به، وادعوهم إلى الله ؛ لأن الإنسان مسئول عن الدعوة إلى الله ، والجار أحق بالدعوة إلى الله، فأنت ادعه إلى الله، إما أن تطلبه يزورك، أو تزوره أنت، وتدعوه إلى الله ، وتبين له الحق، والإنسان بفطرته مجبول على الحق، كما قال النبي ﵊: (كل مولودٍ يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه) .

стр. 5298

حكم تحنيط الميت وإنزاله القبر بالتابوت هل يجوز تحنيط الميت وإنزاله القبر في تابوت، وهذا يحصل عند بعض البلاد الإسلامية؟ لا يجوز أن يحنط، الميت إذا مات انتقل إلى الدار الآخرة، فلا يمكن أنه يحاول أن يبقى بدنه، وما الفائدة من بقاء بدنه؟ وربما يحنط ليبقى بدنه ويسلط الله عليه دواب أو هوام في قبره ويأكله. أما إذا كان من أجل أن ينتقل إلى بلد آخر، وإذا ما حنط فإنه يتغير، فإن الأرض واحدة. أما إنزاله القبر في التابوت فإنه لا يجوز إلا لحاجة، مثل أن تكون الأرض كلها ماء، هذا لا بأس، أما بدون حاجة فلا.

стр. 5299

المقصود بقوله تعالى: (تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها) ما المقصود بقوله تعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [إبراهيم:٢٥] ؟ المراد هذه الشجرة الطيبة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء، فلا تفوت سنة من السنوات أو وقت من الأوقات يكون فيها ثمر إلا أتته، أي: تؤتي ثمرها الذي يؤكل كل حين من وقت الثمار، وليس معنى (كل حين) بالليل والنهار كل السنة، لا.

стр. 5300

هالك عن ثلاث بنات وابنين وزوجة ثم مات أحد الأبناء مات أب عن ثلاث بنات وابنين وزوجة، والزوجة لها ابن وبنت من زوج آخر، ثم لحق به ابنه ولم يوزع الورث، هل يسقط حق الورثة من أبناء الأم؟ أولاً: أبناء الزوجة من غير زوجها الذي مات ليس لهم دخل في الميراث، والميراث للأبناء الذين هم من صلبه، وابنه الذي مات إن كان له ورثة كأبناء وزوجة فميراثه لهم، وإن لم يكن له أبناء كان أولى الناس به إخوانه.

стр. 5301

حكم استجواب الطلاب لإدارة المدرسة من غير سبب بالنسبة لأحوال المدارس الآن وما يقع من الأخطاء السلوكية من الطلاب، فهل لإدارة المدرسة الحق في الجلوس مع طلاب لم تظهر منهم أي بوادر خطأ أو معصية، هل يجوز لهم الجلوس معهم والاستفسار عن أشياء لم تبدر أصلاً منهم، يعني: من باب التأكد أو البحث عن العناصر المفسدة بين الطلاب، مع أن هذا الطالب لم يظهر منه شيء، فهل يجوز أن أسأله عن أحواله، وماذا عنده، وماذا وراءه وماذا؟ لا بد أن يكون هناك قرينة قوية توجب تهمته، فحينئذٍ لا بأس أن نبحث، ولكن لا يكون هذا بين الطلاب؛ لأنه إذا كان بين الطلاب يخشى على هذا المسئول أن يكون بريئاً فيتهمه الطلاب، أما إذا لم يكن إلا كلام التلاميذ بعضهم ببعض فهذا لا يقبل، فالتلاميذ كلامهم مشكل، هم أقران، بعضهم يحسد بعض، يتكلم فيه وهو غير صادق، إذا لم يكن هناك قرين لا يستدعى، فهذا لا يجوز.

стр. 5302

حكم وصف المدينة النبوية بالمنورة ما حكم قول: المدينة المنورة، وما العلة في ذلك؟ المدينة المنورة هذا اسم حادث ما كان معروفاً عند السلف وهم يقولون: إنها منورة، أي: إنها استنارت بالدين الإسلامي؛ لأن الدين الإسلامي ينور البلاد، ولا أدري قد يكون أول من وضعها يعتقد أنها نورٌ إلى الآن، وأنها تنورت بوجود الرسول ﷺ فيها، ما ندري عن نيته، لكن خيرٌ من هذه التسمية أن نقول: المدينة النبوية أفضل من المدينة المنورة، وإن كان ليس بلازم أيضاً، لو قلت المدينة كفى، ولذا تجد عبارات السلف كلهم مثلاً: ذهب إلى المدينة، رجع من المدينة، سكن المدينة، والرسول يقول: (المدينة خيرٌ لهم) ولم يقل: المنورة ولا النبوية، لكن إذا كان لا بد من وصفها، فإن النبوية خيرٌ من المنورة؛ لأن تميزها بالنبوة أخص من تميزها بالمنورة، إذ أننا إذا قلنا: المنورة التي استنارت بالإسلام صار ذلك شاملاً لكل بلد إسلامي فهو منور بالإسلام، فإذا كان لا بد أن تصف بها بشيء فصفها بالنبوية. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. وسبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

стр. 5303

لقاء الباب المفتوح [١٩٠] يتواصل حديث الشيخ عن تفسير آيات من سورة الرحمن مبيناً فيها حقيقة عظم مخلوقات الله في هذا الكون ثم مآل هذا الكون حيث لا يبقى إلا وجه ربك ، وفي خاتمة لقائه أجاب عن أسئلة متفرقة ومتنوعة.

стр. 5304

تفسير آيات من سورة الرحمن الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد خاتم النبيين وإمام المتقين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فهذا هو اللقاء التسعون بعد المائة من اللقاءات التي يعبر عنها بلقاء الباب المفتوح التي تتم كل يوم خميس، وهذا الخميس هو اليوم الثاني من شهر رجب من عام (١٤١٩هـ) . نبتدئ هذا اللقاء بما اعتدناه من الكلام على آياتٍ من كتاب الله ، ابتدأنا بسورة (الرحمن علم القرآن) .

стр. 5305

تفسير قوله تعالى: (وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام) قال تعالى: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ﴾ [الرحمن:٢٤] و (له) أي: لله ملكاً وتدبيراً وتيسيراً، (الجوار) بحذف الياء للتخفيف، وأصلها: الجواري جمع جارية، وهي السفينة تجري في البحر، كما قال الله : ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ﴾ [لقمان:٣١] . (المنشآت) أي: التي أنشأها صانعوها ليسيروا عليها في البحر، وقالوا: (في البحر) متعلق بـ (الجوار) ، أي: الجواري في البحر، وليست فيما يظهر متعلقة بالمنشآت -أي: الجواري التي تنشأ في البحر- لأن السفن تصنع في البر أولاً ثم تنزل في البحر، وقوله: (كالأعلام) تشبيه، والأعلام جمع علم، وهو الجبل، كما قال الشاعر: وإن صخراً لتأتم الهداة به كأنه علمٌ في رأسه نار أي: كأنه جبل، ومن شاهد السفن في البحار رأى أن هذا التشبيه منطبقٌ تماماً عليها، فهي كالجبال تسير في البحر بأمر الله ، وإنما نص الله عليها؛ لأنها تحمل الأرزاق من جانبٍ إلى جانب، ولولا أن الله تعالى يسرها لكان في ذلك فواتح خيرٍ كثير للبلاد التي تنقل منها والبلاد التي تنقل إليها. وفي هذا العصر جعل الله ﵎ جواري أخرى لكنها تجري في الجو كما تجري هذه في البحر، وهي الطائرات، فهي منةٌ من الله كمنته على عباده في جواري البحار، بل ربما نقول: إن السيارات أيضاً من جواري البر، فتكون الجواري ثلاثة أصناف: بحرية، وبرية، وجوية، وكلها من نعم الله ، ولهذا قال: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:٢٥] أي: بإي نعمةٍ من نعم الله تكذبان، والخطاب للإنس والجن.

стр. 5306

تفسير قوله تعالى: (كل من عليها فان) قال : ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦-٢٧] (كل من عليها) أي: على الأرض (فانٍ) أي: داثر من الجن والإنس والحيوان والأشجار، قال الله ﵎: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً * وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً﴾ [الكهف:٧-٨] أي: خالية، وقال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً * فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً﴾ [طه:١٠٥-١٠٦] أي: يذر الأرض قاعاً صفصفاً، أو يذر الجبال بعد أن كانت عالية شامخة (قاعاً) كالقيعان مساوية لغيرها صفصفاً ﴿لا تَرَى فِيهَا عِوَجاً وَلا أَمْتاً﴾ [طه:١٠٧] .

стр. 5307

تفسير قوله تعالى: (ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام) قال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] أي: يبقى الله ذو الوجه الكريم. وكان بعض السلف إذا قرأ هاتين الآيتين وصل بعضهما ببعض، قال: ليتبين بذلك كمال الخالق ونقص المخلوق؛ لأن المخلوق فان والرب باق، وهذه ملاحظة جيدة أن تقول: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦-٢٧] وهذا هو محط الحمد والثناء على الله ، أن تفنى الخلائق إلا الله ، وقوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] فيه إثبات الوجه لله ، ولكنه وجهٌ لا يشبه أوجه المخلوقين، لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] أنت تؤمن بأن لله وجهاً، لكن يجب أن تؤمن بأنه لا يماثل أوجه المخلوقين بأي حالٍ من الأحوال، لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [الشورى:١١] . ولما ظن أهل التعطيل أن إثبات الوجه يستلزم التمثيل أنكروا أن يكون لله وجهاً، وقالوا: المراد بقوله: (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ) أي: ثوابه، أو أن كلمة (وجه) زائدة، وأن المعنى: (ويبقى ربك) ولكنهم ضلوا سواء السبيل، خرجوا عن ظاهر القرآن وحرفوه، وخرجوا عن طريق السلف الصالح، ونحن نقول: إن لله وجهاً -لإثباته في هذه الآية- لا يماثل أوجه المخلوقين لنفي المماثلة في قوله: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ) وبذلك نسلم، ونجري النصوص على ظاهرها المراد بها. وقوله: (ذو الجلال) أي: ذو العظمة (والإكرام) أي: إكرام من يطيع الله ، كما قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ [المعارج:٣٥] فإذاً الإكرام: أي أنه يكرم من يستحق الإكرام من خلقه، ويحتمل أن يكون لها معنىً آخر: وهو أنه يكرم من أهل العباد فيمن خلقه، فيكون الإكرام هذا المصدر صالحاً للمفعول والفاعل، فهو مُكِرم ومكَرم. ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:٢٨] وهذه الآية تكررت عدة مرات في هذه السورة، وبينا معناها: أنه بإي نعمة من نعم الله تكذبان يا معشر الجن والإنس، وهذا كالتحدي لهم؛ لأنه لا يستطيع أحدٌ أن يأتي بمثل هذه النعم.

стр. 5308

تفسير قوله تعالى: (يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن) ثم قال : ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الرحمن:٢٩] (يسأله) أي: يسأل الله (من في السماوات والأرض) الذي في السماوات هم الملائكة يسألون الله ، ومن سؤالهم أنهم يستغفرون للذين آمنوا، يقولون: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [غافر:٧] إلى آخره، ويسألهم من في الأرض من الخلائق، وسؤال أهل الأرض لله على قسمين: القسم الأول: دعاء بلسان المقال، وهذا إنما يكون من المؤمنين، فالمؤمن يسأل ربه دائماً حاجاته؛ لأنه يعلم أنه لا يقضيها إلا الله ، وسؤال المؤمن ربه عبادة، سواءً حصل مقصودك أم لم يحصل، فإذا قلت: يا رب! أعطني كذا، فهذه عبادة، كما جاء في الحديث: (الدعاء عبادة) وقال تعالى شاهداً لهذا الحديث: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠] فقال: (ادعوني) ثم قال: (إن الذين يستكبرون عن عبادتي) وهذا دليل على أن الدعاء عبادة، هذا دعاءٌ بلسان المقال. القسم الثاني: دعاءٌ بلسان الحال، وهو أن كل مخلوق مفتقر إلى الله، ينظر إلى رحمته، فالكفار مثلاً ينظرون إلى الغيث النازل من السماء، وإلى نبات الأرض، وإلى صحة الحيوان، وإلى كافة الأرزاق، وهم يعلمون أنهم لا يستطيعون أن يوجبوا ذلك في أنفسهم، فهم إذاً يسألون الله بلسان الحال، وذلك إذا مستهم الضراء واضطروا إلى سؤال الله بلسان المقال، سألوا الله بلسان المقال، ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [لقمان:٣٢] إذاً: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الرحمن:٢٩] من الذي في السماوات؟ الملائكة، وضربنا لكم مثلاً من أسئلتهم، من في الأرض؟ الإنس والجن، والسؤال -أي: سؤال أهل الأرض- ينقسم إلى قسمين: بلسان المقال، ولسان الحال. ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ ومن يحصي الأيام؟ لا أحد إلا الله ، ومن يحصي الشئون التي تقع في الأيام؟ لا أحد إلا الله . (كل يوم هو في شأن) يغني فقيراً ويفقر غنياً، يمرض صحيحاً ويشفي سقيماً، يؤمن خائفاً ويخوف آمناً وهلم جراً، كل يوم يفعل الله تعالى ذلك، وهذه الشئون التي تتبدل هل هي عبث، أو عن حكمة؟ عن حكمة لا شك، قال الله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً﴾ [المؤمنون:١١٥] ، وقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْأِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾ [القيامة:٣٦] فنحن نؤمن أن الله لا يقدر قدراً إلا لحكمة، لكن قد نعلم هذه الحكمة وقد لا نعلمها، ولهذا قال: (كل يومٍ هو في شأن) . ولكن اعلم أيها المؤمن: أن الله تعالى لا يقدر لك قدراً إلا كان خيراً لك، إن أصابته ضراء صبر وانتظر الفرج، وقال: دوام الحال من المحال، فينتظر الفرج فيكون خيراً له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيراً، وليس هذا الشيء لأحد إلا للمؤمن. ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:٣٠] نقول فيها ما قلنا في الآيات السابقة أن المعنى: بإي نعمةٍ من نعم الله تكذبان؟ لا نكذب بأي شيءٍ من آيات الله ومن نعم الله، بل نقول: هي من عند الله فله الحمد وله الشكر. من نسب النعمة إلى غير الله هل هو مكذب؟ الجواب: نعم مكذب، وإن لم يقل: إنه مكذب، قال تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة:٨٢] وهذه الآية يعنى بها، قولهم: مطرنا بنوء كذا وكذا، وقد قال النبي ﷺ وهو يحدث أصحابه على إثر مطرٍ كان، قال لهم بعد صلاة الصبح: (هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: أصبح من عبادي مؤمنٌ بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمنٌ بي كافرٌ بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمنٌ بالكوكب) .

стр. 5309

الأسئلة

стр. 5310

فضائل شهر رجب هل للعمرة في رجب أصل في السنة، وقول بعض الناس: العمرة الرجبية، وهل هي تفضل العمرة في رمضان أو دونها أو شيءٍ من ذلك؟ أقول أولاً: إن شهر رجب أحد الأشهر الحرم الأربعة وهي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب، هذه الأشهر كان تحريمها معروفاً حتى في الجاهلية، فكانوا في الجاهلية يحرمون فيها القتال، حتى إن الرجل ليجد قاتل أبيه في هذه الأشهر ولا يتعرض له، وجاءت في الشريعة الإسلامية بتأييد هذا، فحرم الله القتال في هذه الأشهر الأربعة، وإنما كانت قريش تحرم هذه الأشهر الأربعة؛ لأن الشهور الثلاثة للحج، ذو القعدة شهرٌ قبل الحج، والمحرم شهرٌ بعد الحج، وذو الحجة شهر الحج، فكانوا يحرمون القتال فيها ليأمن الناس الذاهبين إلى الحج والراجعين منه، وفي رجب كانوا يعتمرون ولذلك حرموه، لكن لم تأتِ السنة باستحباب الاعتمار في رجب، بل قال عمر ﵁: [إن ذلك كان شهراً يعتمر فيه أهل الجاهلية فأبطله الإسلام] أي: أبطل استحباب العمرة فيه، ومن السلف من كان يعتمر فيه حتى قال عبد الله بن عمر: [إن النبي ﷺ اعتمر في شهر رجب] ولكن عائشة ﵂ قالت: [إنك وهمت] وقالت: [إن الرسول ﵊ لم يعتمر إلا في أشهر الحج] اعتمر في أشهر الحج أربع عمرات: عمرة الحديبية، وعمرة القضاء، وعمرة الجعرانة، وعمرة حجه، فسكت عبد الله بن عمر. وعلى هذا فنقول: إن ابن عمر ﵁ وَهِمَ في كون الرسول ﵊ اعتمر في رجب، لكن روي عن بعض السلف أنهم كانوا يعتمرون فيه، فمن اعتمر دون أن يعتقد أن ذلك سنة فلا بأس، وأما أن نقول: إنها من السنن التابعة للشهر فلا، ولم ترد العمرة في شهرٍ من الشهور إلا في أشهر الحج وفي شهر رمضان. ثانياً: بهذه المناسبة أود أن أقول للأخ السائل: هناك من يخص رجب بالصيام، فيصوم رجب كله وهذا بدعة وليس بسنة، حتى إن أبا بكر الصديق ﵁ دخل على أهله فوجدهم قد جمعوا كيزاناً للماء مستعدين للصيام في رجب، فكسر الكيزان وقال: [أتريدون أن تشبهوا رجب برمضان] وكان عمر بن الخطاب ﵁ يضرب الناس إذا رآهم صائمين حتى يضع أيديهم في الطعام في رجب، فليس للصوم في رجب فضيلة، بل هو كسائر الشهور، ومن كان يعتاد أن يصوم الإثنين والخميس استمر، ومن كان يعتاد أن يصوم أيام البيض استمر، وليس له صيامٌ مخصوص. ثالثاً: يوجد في بعض البلاد الإسلامية صلاةٌ في أول ليلة جمعة من رجب بين المغرب والعشاء يسمونها صلاة الرغائب اثنتا عشر ركعة، وهذه أيضاً لا صحة لها، وحديثها موضوع مكذوب على الرسول ﵊، قال شيخ الإسلام: إنه موضوع مكذوب باتفاق أهل المعرفة بالحديث. إذاً لا صلاة مخصوصة في رجب، لا في أول ليلة جمعة منه، ولا في ليلة النصف منه، شهر رجب في الصلوات كغيره من الشهور. رابعاً: زيارة المسجد النبوي، يعتقد بعض الناس أن لزيارة المسجد النبوي في رجب مزية، ويفدون إليه من كل جانب، ويسمون هذه الزيارة: الزيارة الرجبية، وهذه أيضاً بدعة لا أصل لها، ولم يتكلم فيها السابقون حتى من بعد القرون الثلاثة؛ لأن الظاهر أنها حدثت متأخرة جداً فهي بدعة، لكن من زار المدينة في رجب لا لأنه شهر رجب فلا حرج عليه، إنما أن يعتقد أن لزيارة المسجد النبوي في رجب مزية فقد أخطأ وضل، وهو من أهل البدع في هذه المسألة. خامساً: يعتقد كثيرٌ من الناس أن المعراج الذي حصل لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى السماوات كان في رجب في ليلة السابع والعشرين منه، وهذا غلط، هم يعتقدون أنه في ليلة السابع والعشرين ويحتفلون في تلك الليلة، وعليه فيكونون قد غلطوا من وجهين: الوجه الأول: من الناحية التاريخية، فإنه لم يثبت ولم يقل أحد من العلماء السابقين: إنه كان في رجب، بل قالوا: إنه كان في ربيع الأول، وبعضهم قال: في رمضان، والصواب: أنه في ربيع الأول. الوجه الثاني: الاحتفال بها، لو فرض جدلاً أنها ليلة السابع والعشرين من رجب فإن الاحتفال بها بدعة؛ لأنهم يحتفلون بها ويعتقدون ذلك ديناً وقربة إلى الله ، فهي من البدع ولا يجوز الاحتفال بها؛ لعدم صحتها من الناحية التاريخية، ولعدم مشروعيتها من الناحية التعبدية، ومن المؤسف جداً أن بعض المسلمين يحتفلون بهذه الليلة ويعطلون العمل في صباحها، وربما يحضر رؤساء الدول، وهذا من الغلط الذي عاش فيه المسلمون مدةً كثيرة. والواجب على طلبة العلم بعد أن استبانت السنة والحمد لله أن يبينوا للناس، والناس قريبون، إن كثيراً من هؤلاء لا يحتفلون بهذا الاحتفال إلا محبةً لله ولرسوله، وإذا كان هذا هو الحامل لهذا الاحتفال، فإنه بمجرد أن يبين لهم الحق، وهم قاصدون للحق حقيقة سيرجعون للحق.

стр. 5311

حكم من يؤذي المسجد برائحته هناك جماعة في المسجد تريد أن تطرد عمالاً يصلون معهم بحجة رائحة العرق الكريهة وأنهم يوسخون المسجد، والذي يدعوهم إلى هذا طالب علم هناك أفتاهم بأن يطردوهم بحجة أن النبي ﷺ طرد الذي أكل البصل والثوم، فما رأيكم يا شيخ؟ إذا كانت الرائحة مؤذية لا تحتمل فهم يمنعون من دخول المسجد، ويؤمرون بأن يزيلوا هذه الرائحة بقدر الإمكان ويحضروا إلى المسجد، وليس معنى ذلك: أن نمنعهم من دخول المسجد ونقول: صلوا حيث شئتم! لأننا لو قلنا لهم هذا؛ لفتحنا لهم أبواب الكسل، لكن نقول: نمنعكم وفي الوقت التالي تنظفون أنفسكم وتحضرون، وبهذا يحصل المطلوب ويزول المكروه. أما إذا كانوا لا يستطيعون القدوم إلا هكذا فيقال لهم: صلوا جماعة في محلكم، ودعوا مساجد الناس للناس.

стр. 5312

العمال وتأخيرهم للصلاة أغلب العمال إذا جاءوا وفاتتهم الصلاة لا يصلون جماعة، كل واحد يصلي وحده وبعضهم يصلي مثلاً الظهر والعصر مع المغرب بعدما ينتهي؟ يعلمون، العلم دواء كل شيءٍ هؤلاء العمال تجدهم مثلاً في بلادهم لا يأمرهم ولا ينهاهم أحد، أو ربما أنهم في أطراف البلاد أو في الصحاري، ولا يعينهم أحد على شيء، فدعوهم يرجعون إلى أهليهم منتفعين منكم بالرزق الديني والدنيوي.

стр. 5313

راكب رمى بنفسه من نافذة السيارة خالي يعمل سائق تاكسي وينقل الناس من بلدٍ لآخر، وفي مرةٍ من المرات نقل الناس وهو في أثناء السير رمى أحد الركاب بنفسه من نافذة السيارة فوقع في الأرض وأخبر من كان في جواره فرجع وأسعفه إلى المستشفى ثم جلس فترةً فتوفي، فأخذ منه الدية، فهل يلحق خالي شيء من الصيام أو غيره، جزاكم الله خيراً؟ هذا فيه تفصيل: إن كان السائق قد طلب منه هذا الرجل أن يتوقف لاحتياجه إلى البول أو الغائط أو التقيؤ وأبى وجب عليه أن يكفر إما بعتق رقبة إن استطاع أو بصيام شهرين متتابعين، وإن كان هذا من غير علمه ولم يتمكن من الوقوف فلا شيء عليه، أما لو تمكن من الوقوف بأن رأى الرجل يحاول فتح الباب، ويمكنه في هذه الحالة أن يتوقف عن السير أو يوقف الرجل فهو مفرط فعليه الكفارة.

стр. 5314

حكم حج الصغير قبل البلوغ إذا حج الصبي قبل أن يبلغ ثم بلغ هل يلزمه أن يحج مرةً أخرى؟ لا تجزئه الحجة الأولى، لا بد أن يحج مرةً ثانية؛ لأن الحجة التي وقعت منه أولاً وقعت على أنها نفل لا على أنها فرض، فيجب عليه أن يعيد الحجة مرةً ثانية وتكون الأولى تطوعاً.

стр. 5315

حكم إقران كلمة (لا إله إلا الله محمد عبده ورسوله) في غير التحيات فضيلة الشيخ: هل يجوز قرن كلمة: لا إله إلا الله محمد عبده ورسوله في غير التحيات؟ وما رأيكم فيمن ينكر ذلك؟ نعم يجوز أن يقول الإنسان: لا إله إلا الله محمد رسول الله، أو يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ويقول: لا إله إلا الله محمد عبده ورسوله، كل هذا جائز، لكن الصيغة التي وردت أفضل من غيرها. ومن أنكر ذلك في غير التحيات فليأتِ بالدليل، فما دام أنه جائز في التشهد فإنه يجوز في غيره.

стр. 5316

حكم إخراج صدقة الفطر نقوداً لماذا لا يجزئ صدقة الفطرة بالفلوس أي: الدراهم؟ لا يجزئ إخراج زكاة الفطر إلا من الطعام، لقول عبد الله بن عمر ﵄: (فرض النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم زكاة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير) فعين، وقال أبو سعيد الخدري ﵁: (كنا نخرجها على عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم صاعاً من طعام) . ولأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فرضها صاعاً من طعام: تمر أو شعير أو زبيب أو إقط، وهذه الأربعة في الغالب مختلفة القيمة، أي: يندر جداً أن يكون صاع التمر مثل صاع الشعير أو مثل صاع الزبيب أو مثل صاع الأقط، فرضها النبي ﵊ صاعاً من الطعام، والطعام مختلف القيمة، فدل هذا على أنها لا تجزئ من القيمة. لكن لو فرضنا أننا في بلد لا يقبلون إلا الدراهم، يقول: خذوا الطعام وبيعوه، فإن أبوا صرفناها إلى بلدٍ آخر.

стр. 5317

حكم تغيب الإمام عن المسجد وتوكيل غيره إمام يوكل من هو أفضل منه، هل يأثم إذا تغيب وترك المسجد بعض الأحيان؟ لا يحل له ذلك، وما يأخذه من راتب فحرامٌ عليه، أما إذا كان بعذر لا بأس به، مرض الإنسان ولزم الفراش لمدة شهر أو شهرين ليس عليه شيء، لكن عليه أن ينوب من يقوم باللازم، أما إنسان يذهب يميناً ويساراً بدون عذر، ويقول: أنا وكلت إنساناً أقرأ مني وأعلم مني، هذا حرام عليه، وإذا كان لا يستطيع أن يقوم بالصلوات الخمس؛ فليقدم الاستقالة للجهة المسئولة وهناك من سيتقدم إلى المسجد، وهذا المال حرام؛ لأنه يأخذه في مقابلة عمل، والمقابل لا بد أن يجر ما يقابله.

стр. 5318

حكم خروج يد المرأة في الصلاة ما حكم خروج يد المرأة في الصلاة؟ إذا خرج كف المرأة فقط وهي تصلي فبعض العلماء يقول: لا بأس به، وأن الكف والقدم ليس من العورة، لكن الأفضل للمرأة ألا تتساهل في هذا وأن تستر كفيها وقدميها كما تستر بقية جسدها إلا وجهها.

стр. 5319

حكم من لم يستطع القيام بكفارة القتل شخص عليه كفارة القتل لا يستطيع العتق ولا الصيام، هل يعدل إلى الإطعام، أم تسقط عليه الكفارة؟ لا تسقط عنه، كفارة القتل نوعان فقط: إما العتق وإما الصيام؛ لأن الله تعالى لم يذكر ثالثاً، ولو كان الثالث واجباً لذكره الله كما ذكره في كفارة الظهار، فقد ذكر الله في كفارة الظهار: عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً، وفي كفارة القتل لم يذكر الإطعام، وعلى هذا نقول: إذا عجز عن العتق والصيام سقطت عنه.

стр. 5320

حكم لبس الحرير للرجال ما حكم لبس الحرير للرجال وما الدليل على ذلك؟ حكم لبس الحرير على الرجال حرام؛ لأن النبي ﷺ قال: (أحل الذهب والحرير لإناث أمتي وحرم على ذكورها) إلا إذا كان هناك ضرورة، مثلاً: لم يجد إنسان سوى ثوب الحرير فلا حرج أن يلبسه حتى تزول ضرورته، أي: حتى يجد ثوباً مباحاً.

стр. 5321

حكم البقاء مع رجل لا يصلي إلا بعد خروج وقت الصلاة زوجي لا يصلي إلا بعد خروج الوقت في صلاة الفجر، فما حكم بقائي معه؟ إذا كان هذا الزوج يصلي بقية الصلوات فإنه ليس بكافر، ولا حرج أن تبقى معه، لا سيما إن كانت ذات عيال وتخشى إن فارقته من الضياع، ولكن عليها أن تناصحه، وأن تخوفه بالله؛ لأنه إذا أخر صلاة الفجر عن غير عذر وصلاها بعد طلوع الشمس فصلاته باطلة ومردودة عليه.

стр. 5322

حكم الوفاء بالنذر المحرم لو نذر إنسان بنذر محرم فهل يجب أن يفي بهذا النذر أم لا؟ لا، إذا نذر فعل شيءٍ محرم فقد حرم أن يوفي به، لقول النبي ﷺ : (من نذر أن يعصي الله فلا يعصيه) فلو نذر ألا يكلم عمه مثلاً فالنذر حرام، وعليه أن يكلم عمه وأن يطعم عشرة مساكين، ولو نذر ألا يصلي مع الجماعة فعليه أن يصلي ويطعم عشرة مساكين، فمن نذر فعل شيءٍ محرم سواءً كان واجباً أو ترك معصية فإنه لا يوفي به ولكن عليه أن يكفر كفارة يمين.

стр. 5323

حكم شراء الذهب بالدين ما حكم شراء الذهب بالدين مع اتفاق الطرفين؟ وما حكم البدل في الذهب؟ شراء الذهب بالدين محرم؛ لأنه يجب في شراء الذهب أن يكون يداً بيد، إلا إذا اشترى الذهب بما لا ربا فيه؛ بأن يشتري الذهب بسيارة أو بطعام أو بلباس أو بأرضٍ عنده مثلاً، المهم أنه إذا اشترى الذهب بشيءٍ لا ربا فيه فلا بأس أن يتفرقا قبل التقابض، أما إذا اشتراه بدراهم فإنه لا يجوز التفرق حتى يتقابض الطرفان، لقول النبي ﷺ حين ذكر أصناف الأموال التي فيها الربا قال: (فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد) . ولو كان هناك اتفاق بين الطرفين واشتراط بنفس المبلغ، فلا يجوز؛ لأن هذا ربا إلا أن يسلم المبلغ كاملاً. أما المبادلة بالذهب فلا بد من شرطين: الشرط الأول: أن يتساويا في الميزان، وزنهما سواء. الشرط الثاني: القبض قبل التفرق. وسبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

стр. 5324

لقاء الباب المفتوح [١٩١] تجلى تعجيز الله لخلقه في أكثر من صورة، وتبدو هذه الصورة واضحة في قوله تعالى: (يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض) الآية. وفي إطار هذه الآية ومضمونها والآيات التي بعدها كان للشيخ وقفة في تفسيرها وشرحها.

стр. 5325

تفسير آيات من سورة الرحمن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فهذا هو اللقاء الحادي والتسعون بعد المائة من اللقاءات المعروفة باسم لقاء الباب المفتوح التي تتم كل يوم خميس، وهذا هو يوم الخميس السادس عشر من شهر رجب من (١٤١٩هـ) . نبدئ هذا اللقاء كما هي العادة بتفسير آياتٍ من كتاب الله .
следующие страницы →