← Фатава

Фатава · id 7687

لقاء الباب المفتوح

ابن عثيمين

Полный текст (6 569 стр.). Показаны 5426–5465 · переход к 5431.

стр. 5426

حكم الجماع في نهار رمضان جهلاً أو نسياناً هل يتصور الجهل أو النسيان في الجماع؟ الشيخ: اسأل الأزواج. السائل: إلى الآن قلنا في المفطرات بأربعة شروط: أن يكون ذاكراً، لكن هل نعمم -مثلاً- على جميع المفطرات؟ الشيخ: كل المفطرات، كل المحظورات في كل عبادة، لابد فيها من الشروط الثلاثة هذه، حتى في الصلاة لو تكلم الإنسان ناسياً أو جاهلاً لا يدري أن الكلام يبطل الصلاة، حتى في محظورات الإحرام. السائل: في طرف واحد في هذه العبادة، لكن الجماع من الطرفين. الشيخ: نعم. والطرفان ألا يمكن أن ينسوا، المهم نقول: إنه إذا وقع النسيان، أما كونه يمكن أو لا يمكن؟ فهذا عقلاً ممكن لا شك، صحيح أن النسيان في الأكل والشرب أكثر من الجماع، لكن ما دام لدينا قاعدة: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] فهو شامل لكل شيء. السائل: أحد الصحابة أتى الرسول ﷺ وقال: أتيت أمراً عظيماً وهلكت، لم يسأله الرسول ﷺ : هل كان جاهلاً أو ناسياً؟ الشيخ: قيل: إن الرسول ﵊ يعلم، قال: هلكت. وهذا يدل على أنه متعمد، ولهذا قال: (يا رسول الله! نسيت فأتيت أهلي) فلما قال: هلكت. علم بأنه كان متعمداً، ولكن لو أن الإنسان فعل ذلك -جَاَمَع- لكن لم يدرِ أن عليه كفارة، هل يعذر؟ لا يعذر، إذا علم أنه حرام فقد انتهك الحرمة فتجب عليه الكفارة حتى لو كان يقول: لو علمت أن هذه الكفارة ما فعلت. نقول: هذا ليس لك عذر. كالزاني مثلاً لو زنا وهو يعلم أن الزنا حرام، لكن لا يدري أنه يرجم إذا كان ثيباً، وقال: لو علم أنه يرجم ما فعل، نقول: هذا ليس لك بعذر.

стр. 5427

حكم صيام من أفطر على أذان من أذن قبل غروب الشمس فضيلة الشيخ! في رمضان أذن المغرب واتضح أن الشمس لم تغرب، وأكل وأفطر من سمعه، فهل يقضون هذا اليوم؟ لا. لا يقضون هذا اليوم، لماذا؟ لأن الذين أفطروا إن كانوا لا يشاهدون الشمس فقد بنوا على أذان المؤذن، وهم معذورون، وإن كانوا يرون الشمس فهم يظنون أن العبرة بالأذان فهم جاهلون أيضاً، فليس عليهم شيء. السائل: كانوا داخل مبنى لم يكونوا في الخارج حتى يشاهدوا الشمس. الشيخ: ما عليهم شيء، ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] الحمد لله الذي وسع علينا، لكن إذا علموا مثلاً: لو فرضنا أنهم طلعوا ووجدوا الشمس يجب عليهم الإمساك، لو علموا أن الشمس لم تغرب بعد أن أكلوا يجب عليهم الإمساك، حتى اللقمة التي في أفواههم يجب عليهم أن يلفظوها.

стр. 5428

ضوابط رفع اليدين في الدعاء بالنسبة لضوابط رفع اليدين في الدعاء، علماً أن هناك مواضع جاءت بها السنة في رفع اليدين للحج والمطر ويوم الجمعة والاستغاثة؟ نقول بارك الله فيك: رفع اليدين في الدعاء على ثلاثة أقسام: القسم الأول: ما وردت به السنة فهذا ظاهر أنها ترفع الأيدي فيه. والقسم الثاني: ما وردت السنة بخلافه، فهذا ظاهر -أيضاً- أنه لا يرفع فيه. والقسم الأول كثير وأيضاً القسم الثاني فمثلاً: لو أراد إنسان بين السجدتين أن يرفع يديه وهو يقول: رب اغفر لي وارحمني، نقول: لا. هذا بدعة، ولو أراد أن يرفع الخطيب في يوم الجمعة يديه في الدعاء، قلنا: لا. لا ترفع إلا في الاستسقاء والاستصحاء، الاستسقاء يقول: اللهم أغثنا، والاستصحاء يقول: اللهم حوالينا، ولو أراد أن يرفع يديه في دعاء الاستفتاح، قلنا: لا؛ لأن السنة وردت بخلافه. بقي القسم الثالث الذي لم ترد السنة به إثباتاً ولا نفياً، لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (إن الله حيي كريم يستحيي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفراً) ولقول النبي ﷺ في الرجل: (أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك) . هذا حكم رفع اليدين في الدعاء.

стр. 5429

الأخذ بالرخصة أفضل من الأخذ بالعزيمة أيهما أفضل: الأخذ بالعزيمة، أم الأخذ بالرخصة؟ الشيخ: فسر لي هذا ومثل؟ السائل: مثل: الغسل في الليلة الشاتية يعني: ترك الغسل والتيمم أفضل، أم الغسل؟ الشيخ: لا. التيمم أفضل، إذا كان يخشى على نفسه، أضف إلى هذا: هل الأفضل أن يغتسل بالماء البارد، أو يسخن الماء؟ أيهما أفضل؟ يسخن الماء، لا يقول: أنا أريد أن أدخل في قول الرسول ﵊: (إسباغ الوضوء على المكاره) نقول: لا. الرسول ما قال: شددوا، إذا أمكن استعمال الماء الساخن فهو أفضل. السائل: كيف يصرف حديث رسول الله ﷺ : (إن الله يحب أن تؤتى رخصه) ؟ الشيخ: يعني: إذا رخص الله لك بشيء فلا تشدد على نفسك.

стр. 5430

زكاة عروض التجارة بالنسبة لزكاة عروض التجارة، هل تدفع بالقيمة الحالية أم تدفع تكلفة البضائع؟ لا. تدفع القيمة الحالية، مثلاً: إذا اشتريتها بألف وتبيعها بألفين زكِ باعتبار من الألفين.

стр. 5431

حكم الدخان الخارج من النار إذا دخل جوف الصائم ما حكم الدخان الخارج من النار عند الصوم، إذا دخل الجوف هل هو مفطر يا شيخ؟! لا. كيف يفطر؟ المحذور ما يفعله بعض الناس إذا تطيب بالبخور جعله إلى أنفه ثم استنشقه هذا هو المحظور؛ لأن الدخان يصعد إلى خياشيمهم وربما ينزل إلى المعدة، وأما إنسان يريد أن يتطيب فلا بأس، حتى لو مسح الطيب على وجهه فلا بأس. انتبه لهذا؛ لأن بعض الناس يظنون أن الصائم ما يتطيب، وهذا غير صحيح.

стр. 5432

معنى صفة الملل يا شيخ! جزاك الله خيراً: الكلام عن صفات الله ، والتي هي قد تكون بالنسبة للمخلوق هي صفة نقص، مثل صفة الملل، فهل يمكن أن نقول: إن هذه صفةٌ يختص بها الله ، أم نقول: فعل؟ نحن نمل ونتضجر ويصعب علينا الشيء، لكن ربنا ملله ليس كمللنا، ملله يختص به ولا نستطيع أن نكيفه. كالغضب -مثلاً- إذا غضب الإنسان تصرف تصرفاً طائشاً، ربما يطلق نسائه، ويضرب أولاده، ويكسر أوانيه، لكن هل غضب الله يستلزم هذا؟ لا يستلزمه، فيجب أن تعلم أن جميع الصفات التي أثبتها الله لنفسه ورسوله واجبة، ولا يحل لأحدٍ أن يحرف الكلم عن مواضعه بحجة: أن هذا نقصاً بالنسبة لنا، هو نقص بالنسبة لنا، وليس نقص بالنسبة لله ، الجبروت والتكبر بالنسبة لنا خلقٌ سيئ وبالنسبة لله كمال، كما قال الله : ﴿الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر:٢٣] .

стр. 5433

حكم عمل الموظف الحكومي عند تاجر أنا موظف وأريد أن أعمل عند تاجر إما بالراتب وإما بالنسبة، هل هذا يجوز؟ الشيخ: وأنت موظف؟ السائل: نعم. أنا موظف. الشيخ: والدولة تمنع الاشتغال. السائل: تمنع أن أفتح محلاً تجارياً، لكني أشتغل تبع شخص بالراتب، أو بالنسبة؟ الشيخ: اسأل شئون الموظفين هل يجوز لك هذا، أم لا؟ السائل: بالنسبة لهم، الآن تذهب إلى البلدية وعندما يعطونك رخصة تفتح محلاً. الشيخ: الآن ما فتحت محلاً، لكن كنت تشتغل عاملاً عند تاجر؟ السائل: نعم. الشيخ: اسأل الجهات المسئولة عن هذا، هل هذا داخل في التجارة أم لا؟ إذا قالوا: لا بأس فلا بأس. السائل: بالنسبة لهم ليس لهم دخل أي: مثل الوزارة أو إدارة التعليم الشيخ: الوزارة أو ديوان الخدمة السائل: إدارة التعليم أو المدرسة لا تهتم بهذا الشيء، لكن البلدية الشيخ: إدارة التعليم يمكن ما تقول لك شيء، لكن هذا الذي سن النظام اسأله. السائل: البلدية. الشيخ: لا. البلدية مبلغة، النظام هذا إنما يصدره شئون الموظفين مداخلة: أو ديوان الموظفين. الشيخ: أو ديوان الموظفين اسألهم، وأطب مطعمك لا تأكل شيئاً حراماً السائل: نحن نسأل يا شيخ! الشيخ: أنا أقول: لا تظن أني أرطن معك أقول لكم كلكم: أطيبوا مطعمكم. مداخلة: هناك مدرسات يعملن باستمرار؟ الشيخ: مثل ما أقول لك: اسألوا المختصين. السائل: نحن سألناهم، قالوا: لا؛ لأنهم لا يعملون ورديتين يعملون وردية واحدة. الشيخ: أما إذا كان يمكن أن أقول: إذا كنت تشتغل في نفس الرئاسة فهذا من مصلحة الرئاسة. السائل: لا غير. الشيخ: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُود﴾ [المائدة:١] وأنت داخل معهم على عقد: أنك لا تتوظف ولا ترتشي.

стр. 5434

مسألة المضاربة تجارة لا يصدر ترخيص فيها مثلاً أنا عندي مال، فأرسل أحد الأشخاص ويشتري بضاعة فيبيعها ثم يرسل لي الربح أنا استشرت في وزارة التجارة قالوا: هذا لا يمنع؟ هذه لا بأس، لا يشترط، مثلاً الموظف لا بأس أنه يعطي الإنسان دراهم مضاربة، ويأخذ الدراهم يتجر بها وله نصف الربح أو الثلث حسب ما يتفقان عليه. السائل: حتى لو أحدد له من نفس البضاعة بضاعة معينة؟ الشيخ: لا بأس أبداً، لذلك ما باشرت العمل غاية ما هنالك أنك سلمت دراهم.

стр. 5435

اختلاف العلماء في كفر تارك الصلاة هل ممكن أن أستشهد بالأدلة العقلية على كفر تارك الصلاة، تقول: إنه لا يتقرب إلى الله بشيء ولا يعبد الله، ثم مثلاً أدحض شبهة المرجئة؛ لأنهم يقولون: إن الإيمان هو اعتقاد بالقلب، يقول: إن إبليس لم ينكر وجود الله تعالى، بل حلف وقال: ﴿فَبِعِزَّتِكَ﴾ [ص:٨٢] وقال: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الأعراف:١٦] فما رأيكم بالاستشهاد هذا يا شيخ؟! لا. لأن الذين قالوا: إنه لا يكفر، ليس هم من المرجئة، هذه مسألة الأدلة اختلف فيها الناس، يعني: كفر تارك الصلاة أو عدم كفره ليس مبنياً على مذهب الإرجاء، ولا شك أن مذهب الإرجاء خاطئ، وقولهم: إن الإيمان ما حل في القلب، نقول: هذا إبليس مؤمن بالله ويسأل الله ويدعو الله، ومع ذلك لم ينفعهم. سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

стр. 5436

لقاء الباب المفتوح [١٩٦] سورة الواقعة من السور التي تناول الشيخ تفسيرها بدءاً من آياتها الأولى في تصوير يوم القيامة وأهواله، وتعريجاً على ذكر أصناف الناس في ذلك اليوم، ومن ثم التحدث عن الصنف الأول وهم السابقون، وذكر حالهم في الجنة وما رزقوا فيها.

стр. 5437

تفسير آيات من سورة الواقعة الحمد الله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فهذا هو اللقاء السادس والتسعون بعد المائة من لقاءات الباب المفتوح التي تتم كل يوم خميس، وهذا الخميس هو الثامن عشر من شهر شوال عام (١٤١٩هـ) . نبتدئ هذا اللقاء بما جرت به العادة من الكلام بما ييسره الله من آيات الله، وقد انتهينا إلى سورة الواقعة، قال الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم. والبسملة آية من كتاب الله مستقلة ليست تابعة لما بعدها ولا لما قبلها، ولهذا كان القول الراجح: أنها ليست آيةً من الفاتحة، وأن الإنسان لو اقتصر في قراءته على: (الحمد لله رب العالمين) إلى آخر السورة لكان قد أتى بالركن وصحت صلاته، ولو جعلنا البسملة من الفاتحة لكانت صلاته باطلة، إذا لم يأتِ بالبسملة؛ لأنه نقص منها -أي: من الفاتحة آية- فالصواب الذي لا شك فيه أنها -أي: البسملة- ليست آية لا من الفاتحة ولا من غيرها. وأما قوله ﵎ في سورة النمل: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل:٣٠] فهذا نقلٌ لكتاب سليمان ﵇ وليس من القرآن الذي أنزله الله على محمدٍ صلى الله عليه وعلى آله وسلم تشريعاً لهذه الأمة، إنما هو كلامٌ منقول عما كتبه سليمان ﵇. (بسم الله الرحمن الرحيم) أي: أبتدئ أو أقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم سورة الواقعة.

стр. 5438

تفسير قوله تعالى: (إذا وقعت الواقعة) قال الله : ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ [الواقعة:١-٣] . حذف الله جواب الشرط في هذه الآيات من أجل أن يذهب الذهن في تقديره كل مذهب، أي: إذا وقعت الواقعة صارت الأهوال العظيمة، وصار انقسام الناس، وحصل ما حصل مما أخبر الله به ورسوله مما يكون في يوم القيامة، وقوله: (إذا وقعت الواقعة) كقوله: (الحاقة ما الحاقة) والمراد بذلك يوم القيامة، (ليس لوقعتها كاذبة) أي: ليس لوقعتها كذب، بل وقعتها حق ولابد، والإيمان بيوم القيامة أحد أركان الإيمان الستة التي أخبر بها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم جبريل حين سأله عن الإيمان، قال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره) وكثيراً ما يقرن الله تعالى الإيمان به بالإيمان باليوم الآخر؛ لأن الإيمان باليوم الآخر يحدو بالإنسان أن يعمل العمل الصالح وأن يبتعد عن العمل السيئ؛ لأنه يؤمن بأن هناك يوماً آخر يجازى فيه الإنسان المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته. (خافضة رافعة) يعني: هي خافضة رافعة، يعني: يُخفض فيها أناس ويُرفع فيها آخرون، من الذي يُرفع؟ قال الله : ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١] فأهل العلم والإيمان هم الذين لهم الرفعة في الدنيا والآخرة، ومن سواهم فإنهم موضوعون بحسب بعدهم عن الإيمان والعلم، إذاً: تَخفض أهل الجهل والعصيان، وترفع أهل العلم والإيمان، وكم من إنسان في الدنيا رفيع الجاه معظمٌ عند الناس يكون يوم القيامة من أحقر عباد الله، الجبارون المتكبرون يحشرون يوم القيامة كأمثال الذر يطأهم الناس بأقدامهم، مع أنهم في الدنيا متبخترون مستكبرون عالون على عباد الله، لكنهم يوم القيامة موضوعون مهينون قد أخزاهم الله .

стр. 5439

تفسير قوله تعالى: (إذا رجت الأرض رجاً) قال تعالى: ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجّاً * وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسّاً * فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثّاً﴾ [الواقعة:٤-٦] (إذا رجت الأرض) أي: زلزلت زلزلةً عظيمة، ولهذا قال: (رجاً) أي: رجاً عظيماً، وأنت تصور أنك ترجُ إناءً فيه ماء كيف يكون اضطراب الماء فيه؟ فالأرض يوم القيامة ترج بأمر الله ، وهذا كقوله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزلزلة:١] ، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج:١] إذاً (إذا رجت) أي: هزت وزلزلت (رجاً) أي: رجاً عظيماً، (وبست الجبال بساً) بعثرت وهبطت وصارت كثيباً مهيلاً ولهذا قال: (فكانت هباءً منبثاً) كالهباء الذي نراه حينما تنعكس أنوار الشمس في حجرةٍ مظلمة تجد هذا الهباء تحسه في خلال ضوء الشمس، (منبثاً) متفرقاً. هذه الجبال الصم الصلبة، التي يكون الصخر فيها أكبر من الجمال، بل ربما يكون الجبل الواحد صخرةً واحدة يكون يوم القيامة هباءً منبثاً بأمر الله ، فتبقى الأرض ليس فيها جبال ولا شجر ولا أودية ولا رمال كما قال الله : ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً * فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً﴾ [طه:١٠٥-١٠٦] (فيذرها) أي: الأرض ﴿لا تَرَى فِيهَا عِوَجاً وَلا أَمْتاً﴾ [طه:١٠٧] .

стр. 5440

تفسير قوله تعالى: (وكنتم أزواجاً ثلاثة) قال تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاثَةً﴾ [الواقعة:٧] (وكنتم) الخطاب للآدميين عموماً، (أزواجاً) بمعنى: أصنافاً، كما قال الله : ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات:٢٢] (وأزواجهم) أي: أصنافهم، وقال تعالى: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ [ص:٥٨] أي: أصناف، فمعنى أزواجاً أي: أصنافاً ثلاثة لا رابع لهم: السابقون، وأصحاب اليمين، وأصحاب الشمال، فينقسم الناس يوم القيامة إلى ثلاثة أقسام لا رابع لهم ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة:٨-١٠] ذكرهم الله تعالى غير مرتبين في الفضل، أصحاب الميمنة بين السابقين وبين أصحاب الشمال في المرتبة، فبدأ الله بهم، ثم ثنى بأصحاب الشمال، ثم ثلث بالسابقون، لكن عند التفصيل بدأ بهم مرتبين على حسب الفضل، فبدأ بالسابقين، ثم بأصحاب اليمين، ثم بأصحاب الشمال، وهذا التفصيل المرتب خلاف الترتيب المجمل وهو من أساليب البلاغة. ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ أي: أنه أخبر بأن أحد الأصناف أصحاب الميمنة، ثم قال: ﴿مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ من هم؟ سيأتي إن شاء الله ذكرهم مفصلاً، ﴿وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ أي: ذوو الشؤم، وسيأتي أيضاً ذكرهم مفصلاً.

стр. 5441

تفسير قوله تعالى: (والسابقون السابقون) قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة:١٠] هؤلاء آخر الأصناف، وقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ أصح الأعاريب فيها أن قوله: (السابقون) مبتدأ وخبره (السابقون) أي: أن السابقين إلى الأعمال الصالحة هم السابقون إلى الثواب في الآخرة، فكأنه قال: السابقون هم السابقون، السابقون في الدنيا بالأعمال الصالحة هم السابقون في الآخرة بالثواب ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة:١١] المقربون إلى الله ، فهم في أعلى الجنان، وأعلى الجنان أقرب إلى الرحمن ؛ لأن الفردوس وهو أعلى درجات الجنة فوقه عرش الله ، فيكون قوله: (المقربون) أي: إلى الله (أولئك المقربون) إلى الله في جنات النعيم، فذكر منزله قبل ذكر منزلته، وكما يقال: الجار قبل الدار، وكما قال في امرأة فرعون: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ﴾ [التحريم:١١] (عندك) بدأت بالجوار، وهنا قال: ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ قبل أن يبدأ بذكر الثواب؛ لأن قربهم من الله فوق كل شيء، جعلنا الله وإياكم منهم.

стр. 5442

تفسير قوله تعالى: (أولئك هم المقربون) قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الواقعة:١١-١٢] أي: في هذا المقر العظيم الذي فيه (ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر) وأضاف الجنات إلى النعيم؛ لأن ساكنها منعمٌ في بدنه، منعمٌ في قلبه، كما قال الله في سورة الإنسان: ﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً﴾ [الإنسان:١٠-١١] نضرة في الوجوه وسروراً في القلوب، فهم في نعيم في جنات النعيم، نعيم البدن أو نعيم القلب أو هما؟ نعيم البدن ونعيم القلب، ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً﴾ [فاطر:٣٣] ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الإنسان:٢١] هذا من نعيم البدن ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلاً﴾ [الإنسان:١٧] ... ﴿كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً﴾ [الإنسان:٥] هذا من نعيم البدن أيضاً، ﴿فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ [فصلت:٣١] هذا من نعيم البدن، إلى غير ذلك مما ذكره الله من النعيم في الجنة، ولو لم يكن فيها إلا أن الإنسان يخلد فيها، لا يموت، ويصح فلا يسقم، ويشب -أي: يكون شاباً دائماً- فلا يهرم، وفوق ذلك كله النظر إلى وجه الله ، كما قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] أي: فوق الحسنى، فسر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (الزيادة) بأنها النظر إلى وجه الله -اللهم اجعلنا ممن ينظر إليك في جنات النعيم-.

стр. 5443

تفسير قوله تعالى: (ثلة من الأولين) قال تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة:١٣-١٤] (ثلة من الأولين) قيل: إن المراد بذلك الأمم السابقة (وقليلٌ من الآخرين) أي: أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعلى هذا القول تكون قلة هذه الأمة في اعتبار كافة الأمم السابقة، وليس المعنى: أن الذين يدخلون الجنة من الأمم السابقين باعتبار كل نبي أكثر من الذين يدخلون الجنة من هذه الأمة. وقيل المراد بالأولين: أول هذه الأمة، أي: ثلة من هذه الأمة وقليل من آخرها، وهذا القول هو الصحيح، بل هو المتعين؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (إني أرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة) أي: نصفهم، وفي حديثٍ آخر: (إن أهل الجنة مائة وعشرون صفاً، منهم ثمانون من هذه الأمة) وعلى هذا فلا يصح أن نقول: قليلٌ من هذه الأمة وكثيراً من الأمم السابقة، بل نقول: (ثلةٌ) أي: كثيرٌ من هذه الأمة من أولها، (وقليلٌ) من آخرها، ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ.

стр. 5444

تفسير قوله تعالى: (على سرر موضونة) قال تعالى: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ * مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ [الواقعة:١٥-١٦] (سرر) جمع سرير: وهو ما يتخذه الإنسان للجلوس والنوم، (موضونة) قال العلماء: منسوجة من الذهب، (متكئين عليها) أي: معتمدين على أيديهم وعلى ظهورهم، فهم في راحة في اليد وفي الظهر، (متقابلين) أي: يقابل بعضهم بعضاً، وهذا يدل على سعة المكان؛ لأن المكان إذا كان ضيقاً لا يمكن أن يكون الناس متقابلين، لماذا؟ لا يتسع لهم، لابد أن يكون صفاً وراء صف، لكن إذا اتسع المكان ووضعت لهم سرر دائرية تقابلوا ولو كثروا، وهذه الآية تدل على أن الأمكنة واسعة وهو كذلك، ولهذا كان أدنى أهل الجنة منزلة من ينظر في ملكه ألفي عام، ينظر أقصاه كما ينظر أدناه، لا إله إلا الله، عجباً! ولكن ليس بعجب؛ لأن الله على كل شيءٍ قدير، والجنة عرضها كعرض السماوات والأرض، من يحيط بسماءٍ واحدة، كيف وهي كعرض السماوات السبع، والسماوات السبع بعضها فوق بعض، وكلما كان الشيء فوق، كانت الدائرة أوسع، فمن يحيط بهذا إلا الله ، عرضها كعرض السماوات والأرض. إذاً هم متقابلون؛ لأن أمكنتهم واسعة، ولأن لديهم من كمال الأدب ما لا يمكن أن يستدبر أحدهم الآخر، كلهم مؤدبون، كلهم قلوبهم صافية، قال الله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧] ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن التدابر، والتدابر يشمل التدابر القلبي بحيث يكون كل واحد متجه إلى وجه، والتدابر البدني، إلا عند الحاجة والضرورة هذا شيء آخر، وإلا فمتى أمكن التقابل فهو أفضل، ولو أن أحداً يكلمكم وهو قد ولاكم ظهره، هل يكون استماعكم له ومحبتكم له كما لو كان يحدثكم مستقبلاً إياكم؟ لا، وهذا شيء مشاهد معلوم.

стр. 5445

تفسير قوله تعالى: (يطوف عليهم ولدان مخلدون) إذاً أهل الجنة على سرر متقابلين، ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ * مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ [الواقعة:١٥-١٦] وفي حال الاتكاء ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة:١٧] (الولدان) جمع ولد، أو جمع وليد، كغلمان جمع غلام، (يطوف عليهم) يتردد عليهم، (ولدانٌ مخلدون) أي: خلقوا ليخلدوا، وهم غلمان شباب، ﴿إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً﴾ [الإنسان:١٩] لجمالهم وصفائهم وكثرتهم وانتشارهم في أملاك أسيادهم، (إذا رأيتهم) أي: رأيت الولدان، وإذا كان الولدان تحسبهم لؤلؤاً منثوراً فإن السادة أعظم وأعظم. ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ [الواقعة:١٧-١٨] (أكواب) هي عبارة عن كئوس لها عروة، والأباريق أيضاً أواني لها عراوي، (وكأس من معين) ليس له عروة، وقوله: (من معين) أي: من خمرٍ معين. ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنْزِفُونَ﴾ [الواقعة:١٩] أي: لا يوجع بها الرأس ولا ينزف بها العقل، بخلاف خمر الدنيا فإنها توجع الرأس وتذهب العقل. ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنْزِفُونَ * وَفَاكِهَةٍ﴾ [الواقعة:١٩-٢٠] معطوفة على قوله: (بأكواب) أي: ويطوف عليهم الولدان بفاكهة ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ [الواقعة:٢٠] لطيبها منظراً وطيبها مشماً وطيبها مأكلاً، هذه الفاكهة طيبة في منظرها، طيبة في رائحتها، طيبة في مأكلها ومذاقها؛ لأن الله قال: ﴿مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ [الواقعة:٢٠] وكون الإنسان يعاف الشيء إما لقبح منظره، أو لقبح رائحته، أو لقبح مأكله، الفاكهة في الجنة لا، بل بالعكس، طيبة في لونها وحجمها وريحها ومذاقها، وسبحان الله! يؤتون بها متشابهة، متشابهة في اللون والحجم والرائحة، لكن في المذاق مختلفة، وهذا مما يزيد الإنسان فرحاً وسروراً، وإيماناً بقدرة الله ، ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة:٢١] أي: ويطوف عليهم هؤلاء الولدان بلحم طير وذكر لحم الطير؛ لأن لحوم الطير أنعم اللحوم وألذها، وهذا الطير من أين يتغذى؟ ليس لنا أن نسأل هذا السؤال؛ لأن أمور الغيب يجب علينا فيها أن نؤمن بها بدون السؤال عما لم يصل إلينا الخبر عنه، فنقول: إن كانت هذه الطيور تحتاج إلى غذاء فما أكثر ما تتغذى به؛ لأنها في الجنة، وإن كانت لا تحتاج إلى غذاء فالله على كل شيءٍ قدير. وإلى هنا ينتهي الكلام على ما منَّ الله به من تفسير هذه الآيات الكريمة، أسأل الله تعالى أن يجعلني وإياكم من السابقين السابقين إلى الخيرات، إنه على كل شيءٍ قدير.

стр. 5446

الأسئلة

стр. 5447

أسباب الثبات على الدين يا فضيلة الشيخ! لقد كثرت الفتن في هذا الزمن، فما هي أهم أسباب الثبات على دين الله ؟ أهم أسباب الثبات هو الإيمان بالله ، والرضا به، والقيام بطاعته بقدر الاستطاعة ويروى عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا رأيت شحاً مطاعاً، وهوىً متبعاً، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأيٍ برأيه، فعليك بخاصة نفسك، ودع عنك أمر العوام أو العامة) مع أن هذا الوصف لم ينطبق علينا الآن والحمد لله، نعم هناك (شح مطاع) تكالب الناس على حب المال وطلبه (دنيا مؤثرة) كذلك موجود، فإن كثيراً من الناس يؤثر الدنيا على الآخرة (هوىً متبع) كذلك موجود، حتى بين العلماء تجد بعض العلماء لا يريد إلا أن ينصر رأيه وهواه، بغض النظر عن كونه الصواب أو الخطأ، (وإعجاب كل ذي رأيٍ برأيه) هذا أيضاً من البلاء: أن الإنسان إذا رأى رأياً وإن كان ليس عالماً، رأى رأياً في أمور الدنيا مثلاً وأعجب به ولا ينصاع إلى غيره ولو تبين أنه الحق فهنا عليك بخاصة نفسك، فعلى الإنسان أن يصير إلى الله حسب ما جاء في القرآن والسنة، وحسب ما درج عليه السلف الصالح، ويتقي الله ما استطاع بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله على بصيرة.

стр. 5448

حكم الصوم لمن تسبب في حادث قتل وكان المقتول هو المخطئ السائل: عندي سؤال حول الصوم، صار عليَّ حادث توفي القبيلي وبعدما توفي القبيلي جاء المرور وقرر حادث الشيخ: ماذا قرر؟ السائل: القبيلي توفي، والمرور قرر حادث الخطأ على المتوفى (١٠٠%) ورحنا إلى الشيخ وقال بعض الناس: ما عليك صيام، وأنا صار في نفسي شك، لا أدري أصوم أم لا؟! الشيخ: ما سبب الحادث؟ السائل: كنت ذاهباً إلى جدة وهو قادم من الرياض، وعندما رأيت السيارة قد جاءت أمسكت (الفرامل) وكنت في جهة اليمين من الرصيف فطلعت عليَّ سيارة القبيلي وصار الحادث، وجاء المرور وقرر الحادث كما تقدم. الشيخ: هل تعدى عليك؟ السائل: نعم تعدى عليَّ، أنا ماسك يمين وهو حاد يساراً. الشيخ: معروف، هو يكون عن يسارك السائل: نعم على يساري وجاء نحوي وأنا ماسك (الفرامل) على اليمين، وبأمر الله توفي القبيلي؛ لكن بعض الناس قالوا: لا تصم -يا شيخ- وواحد قال: صم. الشيخ: لا تصم ليس عليك شيء السائل: ما عليَّ شيء الشيخ: نعم، ما جاء منك خطأ.

стр. 5449

علاج الخوف من الانتكاسة والحور بعد الكور من الشبهات التي يقذفها الشيطان في قلوب بعض الشباب ممن يحبون أهل الخير ويريدون أن يمشوا معهم: أن هناك أناساً سلكوا هذا الطريق ثم انتكسوا عنه، فيخافون أن يحصل لهم ما حصل لهؤلاء، فما توجيهكم لمثل هذا الأمر؟ توجيهنا أن هذا خطأ، وأن الإنسان يجب عليه أن يدين لله ويلتزم بدين الله، ولا يتشاءم، وهؤلاء الذين انتكسوا والعياذ بالله لانتكاستهم أسباب، منها: أن الإيمان لم يرسخ في قلوبهم، ولو رسخ الإيمان في قلوبهم ما انتكسوا؛ لأن الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب لم يؤثر عليها شيء كما قال هرقل لـ أبي سفيان. وهذا الذي يريد أن يلتزم يثبت على الإيمان ويدع عنه مصاحبة أهل الشر، ويبتعد عنهم، ويصحب أهل الخير، ويسأل الله الثبات.

стр. 5450

حكم تأخر بعض المأمومين عن الإمام وركوع الإمام قبل أن يكمل الفاتحة بعد التشهد الأول فضيلة الشيخ! بعض المأمومين يتأخر عن الإمام فهل يكون الإمام آثماً إذا ركع قبل أن يكمل الفاتحة من بعد التشهد الأول؟ أي إذا كان هناك شخص، وركع الإمام قبل أن يكمل المأموم الفاتحة؛ لأنه تأخر في الدخول مع الإمام. أقول بارك الله فيك: على الإمام أن يلتزم بالسنة في إمامته، وإذا التزم السنة فمن أخطأ فعلى نفسه، ولكن لا يخرج عن السنة ابتغاء مرضاة الناس كما يوجد بعض الأئمة يخفف التخفيف المخالف للسنة من أجل إرضاء الناس أو بعضهم، ثم تزين له نفسه، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (إذا أمَّ أحدكم الناس فليخفف) والمراد بالتخفيف هنا ما كان على نحو صلاة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولهذا قال أنس بن مالك: [ما صليت وراء إمامٍ قط أخف صلاةً ولا أتم صلاةً من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم] وعليه أن يراعي المأمومين، فمثلاً: إذا كان ما بعد التشهد الأول فالقراءة سرية، يقرأه الفاتحة آية آية، كما كان يقرأها وهو يجهر، فبعض الأئمة تجزم أنه فيما بعد التشهد الأول يقرأ الفاتحة بسرعة أكثر مما كان يقرأها في حال الجهرية، فالذي أرى أنه يقرأها مرتلة آية آية، أولاً: أن هذا هو السنة، والثاني: من أجل أن يتمكن من وراءه من قراءة الفاتحة. فهذا الذي يتأخر فلينظر إذا كان يتأخر لعذر، كرجلٍ يشق عليه القيام، فهنا نقول: إذا قام يقرأ الفاتحة ويكملها ولو ركعة واحدة، بل ولو ركع ورفع، يكمل الفاتحة ثم يركع ثم يرفع، ويتابع الإمام، وأما إذا كان يتأخر عن الإمام تكاسلاً فهذا يأثم بسبب تكاسله.

стр. 5451

الفرق بين منافقي زمن الرسول ﷺ ومنافقي هذا الزمان ما هو الفرق بين منافقي زمن الرسول ﷺ ومنافقي هذا الزمان؟ الفرق: أن المنافقين في زمن الرسول ﵊ منافقون في زمنه، والمنافقون في هذا الزمان منافقون في هذا الزمان، الزمان مختلف لا شك، والنفاق لا يختلف، النفاق هو النفاق في عهد الرسول ﷺ وفي عهدنا هذا، فكل من آمن ظاهراً وراءى الناس في إيمانه، ولكن قلبه والعياذ بالله ممتلئ كفراً، فهذا منافق، ثم إن كان ذا سيادة في قومه ودعوة لنفاقه صار مثل عبد الله بن أبي بن سلول نسأل الله العافية.

стр. 5452

حكم صلاة وصيام النساء المتبرجات بالنسبة للنساء المتبرجات الغير متحجبات هل صحيح أنه لا تقبل صلاتهن ولا صيامهن؟ النساء المتبرجات عاصيات، والعاصي يقبل صيامه وصلاته وصدقته، ولو عصى، وربما تكون صلاته وصدقته وصيامه سبباً لمغفرة ذنوبه؛ لأن الموازين يوم القيامة بالقسط، فقد ترجح الحسنات على السيئات، وحينئذٍ لا تضره السيئات؛ لأن من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية، وقد تتساوى الحسنات والسيئات فيكون الإنسان من أهل الأعراف، الذين يكونون في منزلة بين الجنة والنار، وفي النهاية يكونون من أهل الجنة، وقد تزيد السيئات فيكون مستحقاً للعقوبة في النار، ثم قد يعفو الله عنه وقد لا يعفو، وأما الذي يحبط العمل ولا ينفع معه العمل فهو الكفر والعياذ بالله، هذا هو الذي لا ينفع معه العمل، حتى لو تصدق الكافر وبنى المساجد والمدارس وطبع الكتب وأنفق على الفقراء وأهل العلم، فإنه لا يقبل منه. فالمتبرجة عاصية من جملة العصاة يجب عليها أن تتوب إلى الله وتقلع عن التبرج، وأما صلاتها وصيامها وصدقتها فمقبولة إذا تمت الشروط.

стр. 5453

عقوبة من سب الذات الإلهية أو الرسول أو الصحابة أو استهزأ بالدين السائل: بعض الدعاة يطالب أن يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على عشر سنوات وبغرامة لا تقل عن ثلاثة آلاف دينار، ولا تزيد عن عشرة آلاف دينار أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من ارتكب علناً أو في أي مكان عام أو مكان يستطيع فيه سماع أو رؤية من كان في ذلك المكان بالقول أو في الكتابة أو الرسوم أو الصور أو غيرها من وسائل النشر والإعلام أو بأية وسيلة من وسائل التعبير الأخرى ما من شأنه المساس بالذات الإلهية، أو الأنبياء، أو الصحابة، أو الدين، أو بالتعرض بالطعن والسخرية والاستهزاء أو التجريح، كما يعاقب بالحبس مدةً لا تتجاوز ثلاث سنوات وبغرامة لا تتجاوز ألف دينار، أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من ارتكب علناً أو في مكان عام أو بوسيلة من وسائل التعبير المشار إليها في الفقرة السابقة ما من شأنه الطعن في المذاهب الدينية أو الدعوة إلى الطائفية أو إثارة الفتنة أو مناهضة الوحدة الوطنية. فضيلة الشيخ! هل لهؤلاء الدعاة وجهة نظر للمطالبة بهذه العقوبة الغير شرعية لمن يمس الذات الإلهية، يعني: فهم يقولون: إن هذا أخف الضررين. أو الواجب يعني غير ذلك؟ ولما كان لفضيلتكم كلمة مسموعة عند هؤلاء أحببنا أن نسمع رأيكم. الشيخ: أنا ما فهمت السؤال. هؤلاء يطالبون بأن من سب الله أو رسوله أو كتابه أو دينه ماذا يجب عليه؟ السائل: أن يحبس عشر سنوات ويغرم بثلاثة آلاف دينار، أو يعاقب بإحدى العقوبتين، يعني: لو أن واحداً سب الله أو الدين فللقاضي أن يحكم عليه بغرامة ثلاثة ألف دينار تكون عقوبة له، فلا يعاقب بعقوبة أخف من هذه، فلذلك طالبوا بهذه العقوبات. الشيخ: لكن من سب الله أو رسوله أو كتابه أو دينه فهو مرتد يجب أن يقتل، ويقتل على أنه كافر، فلا يغسل، ولا يكفن، ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، وإنما يخرج به إلى البرية ويحفر له حفرة يرمس فيها كما ترمس جيفة الشاة، وليس له سوى ذلك. لكن اختلف العلماء فيما لو تاب، فقال بعضهم: لا تقبل توبته سواءً كان مرتداً أو كان كافراً أصلياً، وبعضهم يقول: إن كان كافراً أصلياً قبلنا توبته لقول الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال:٣٨] وهذا عام، وإن كان مرتداً لم تقبل توبته، بل يقتل على كل حال، وتوبته فيما بينه وبين ربه يوم القيامة. وفصَّل بعضهم في هذا، فقال: أما من سب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيجب أن يقتل حتى لو تاب، حتى لو صار يثني على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في كل مكان، فإننا نقتله، لكن إذا تحققنا من توبته عاملناه في أحكام الآخرة معاملة المسلم بمعنى: أننا نغسله ونكفنه ونصلي عليه وندفنه مع المسلمين، وإن لم تظهر توبته أنها صحيحة عاملناه معاملة المرتد. أما من سب الله فإنه إذا تاب وعلمنا توبته وأنه صادق فإننا نرفع عنه القتل ونحكم بأنه مسلم. وهذا القول التفصيلي هو الصواب، لكن لو رأى ولي الأمر أن هذا الذي سب الله مع توبته أن يقتل لئلا يجرأ أحدٌ مثله فله ذلك، ويكون هنا قتله تعزيراً لا ردة. السائل: هل ما تفضلت به هو الحكم الشرعي، يقال: لو طالبنا بالحكم لا يستجاب لنا، فهم يطالبون بهذه الأحكام يقول: بما أن ولاة الأمر لا يطبقون الحكم الذي تفضلت به فأقل الأحوال أن نطالب بهذا، وهو أن يغرم أو أن يحبس، أقصد هذه المطالبة هل هي شرعية أم لا؟ الشيخ: هذه المطالبة غلط، وليست بصحيحة، بل يجب علينا أن نطالب بالحكم الشرعي، ثم إن هدى الله الولاة إلى تطبيق هذا المطلوب وإلا بقي الحكم الشرعي ثابتاً؛ لأننا لو تنازلنا عن الحكم الشرعي إلى عقوبة أخف بقيت هذه العقوبة قانوناً شرعياً، ولم يلتفت إلى أنه يقتل مرتداً أو ما أشبه ذلك، فلا أرى التنازل أبداً في دين الله، كما لو قال مثلاً: أنا لو أمرت شخصاً أن يصلي الصلوات الخمس ما صلى أبداً، لكن لو قلت: صلِّ الظهر والعصر وأنت منها مستيقظ والعشاء والفجر لا تصلِّ، هل نقبل التنازل؟ لا نقبل.

стр. 5454

حكم أخذ أجرة العمل المنتدب إذا كان العمل قد ينتهي قبل الفترة المحددة للانتداب أنا موظف وتأتينا نحن الموظفون انتدابات خارج منطقة الرياض للإشراف على تركيبات أجهزة كمبيوتر، وتأتي انتدابات لمدة خمسة أيام أو ستة أيام محسوبة لنا، لكن لو اجتهدنا ممكن ننهيها في يومين، بما أنه لا نحتاج وجود موظفين ممكن حتى العصر أو في الليل، فهل يجوز أن آخذ مقابل الانتداب الزائد؟ إذا كان -بارك الله فيك- الانتداب لعمل فمتى أنهيت العمل استحققت الانتداب ولو زادت المدة، كالمثال الذي ذكرت، انتدبتم لعمل ترتيب أشياء أو غيره لمدة خمسة أيام وأنهيتموها في يومين فلا حرج عليكم أن تأخذوا الجعل الذي جعل لكم لمدة خمسة أيام، أما إذا كان على زمن فهذا لابد أن تستغرق الزمن، كما لو انتدبتم لتعملوا خمسة أيام فلابد أن تعملوا خمسة أيام، أما إذا قيل: انتدبتم لعمل فكما قلت لك إن أنجزتموه في وقته المحدد أو قبله فلا حرج.

стр. 5455

حكم أخذ هدايا من البنوك بسبب وضع المال عندها فضيلة الشيخ! بعض البنوك تعطي لمن يضع حسابه فيها للحفظ فقط لا للربا ولا لغيره هدايا فهل يجوز له استعمالها أم لا؟ أنت تعلم -بارك الله فيك- أن وضع الدراهم عند البنوك ليس وديعة إنما هو قرض، وتسمية الناس له وديعة غلط؛ لأنك إذا أعطيت البنك الدراهم هل هو يحفظها في صورتها ويجعلها محفوظة عنده حتى تأتي، أو يدخلها في صندوق ويستعملها؟ يدخلها في صندوق ويستعملها، إذاً هو قرض، وإذا كان قرضاً فإنه لا يجوز للمقرض أن يأخذ ممن استقرض منه شيئاً، لا هدية ولا غيره، إلا إذا قبض ما أقرضه، فإنه لا بأس إذا أهداه بعد أن يستوفي منه، لا حرج عليه أن يقضي، وكذلك لو كانت البنوك تهدي لمن وضع المال فيها هدية عامة تهديها لكل أحد مثل: أن بعض البنوك تهدي تقاويم، فلا بأس أن يقبلها؛ لأن هذه التقاويم تهدى لمن أقرضهم المال ومن لم يقرضهم.

стр. 5456

حكم الشرب قائماً هل النهي عن الشرب الماء واقفاً للتحريم؟ هو على أصل التحريم، ولكن يظهر من فعل الرسول ﵊ أنه ليس للتحريم وإنما هو للكراهة، وهذه المسألة اختلف فيها الأصوليون إذا ورد فيها النهي مطلقاً هل هو للتحريم أو لا؟ وإذا ورد الأمر مطلقاً هل هو للإيجاب أو للاستحباب؟ وليس هناك ضابط بيّنٌ يحسم الموضوع، لكن الشيء الذي يجب علينا أن نسلكه: أننا إذا سمعنا أمر الله ورسوله ما نقول: هل هو للاستحباب واللزوم، ما نقول هذا؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦] ولا عهِدنا أن الصحابة ﵃ إذا أمرهم الرسول بأمر أنهم يقولون: هل هذا مؤكد -يا رسول الله- للوجوب أو للاستحباب، كانوا يمتثلون على الفور، إلا إذا شكوا هل الرسول أمر به تعبداً أو أمر به مشورة؟ فهنا يسألون كما جرى لـ بريرة مع زوجها مغيث، فإن بريرة أَمَة مملوكة، عتقت والمملوكة إذا عتقت وزوجها مملوك خيرناها إن شاءت بقت معه وإن شاءت فسخت النكاح، خيّرها النبي ﷺ هل تحب أن تبقى مع زوجها، أو تفسخ النكاح؟ فقالت: أفسخ النكاح، ففسخت النكاح لنفسها، وكان زوجها يحبها حباً شديداً حتى كان يجري وراءها في أسواق المدينة يبكي، فيقول النبي ﷺ : (ألا تعجبون من حب مغيث لـ بريرة وبغض بريرة لـ مغيث) هذا عجب!! إذ أن العادة أن القلوب شواهد تتبادل الحب والبغض، ثم أمرها أن ترجع إلى زوجها، قالت: (يا رسول الله! أأنت تشير عليَّ أم تأمرني؟ إن كنت تأمرني فسمعاً وطاعة، وإن كنت تشير عليَّ فلا رغبة لي فيه. قال: بل أشير. ) أما إذا علمنا أنه أَمَرَ تعبداً فلا ينبغي أن نقول: هل الأمر للاستحباب أو للوجوب. وكذلك يقال في النهي، صوَّر نفسك كأن الرسول أمامك ﵊، قال لك: لا تفعل. هل يليق بك أن تقول: يا رسول الله! أنت جازم أو ما أنت جازم؟ لا يجوز، أو أمرك هل يليق لك أن تقول: يا رسول الله أنت جازم أو ما أنت جازم؟ ما يليق، افعل يا أخي، إن كان واجباً أثبت عليه ثواب الواجب، وإن كان مستحباً أثبت عليه ثواب المستحب، لكن إن تركت فأنت على خطأ، إنما لو تورط الإنسان ووقع في المخالفة فعل المنهي أو ترك المأمور حينئذٍ يسأل، يقول: هل الأمر للوجوب أو هل النهي للتحريم من أجل يحدث توبةً للمخالفة، أما في أول الأمر فقل: سمعنا وأطعنا ولا تتردد.

стр. 5457

مراتب القدر الأربعة والإيمان بها يا شيخ! معلوم أن مذهب أهل السنة والجماعة في القدر: الإيمان بمراتب القدر الأربع، ولكن في مقابلة إقناع الشخص الذي قد يحتج بالقدر أو ينقدح في ذهنه الاحتجاج بالقدر على المعصية، نقول له مثلاً: هل يصح أن نقول له: كل ما في الأمر أن الله علم هذا الأمر قبل وقوعه لتمام علمه، أو لابد أن نعدد المراتب، فنقول: الله علم ذلك وشاءه وخلقه وأوجده، فربما يقع في قلبه أنه مجبر على فعل هذه المعصية؟ هذا يسير، نقول: هذا قدره الله عليك، لكن أنت حين مباشرتك إياه، هل تعلم أن الله قدره عليك؟ -نسأل- هل تعلم قبل أن تسرق أن الله قدر أن تسرق؟ إذاً لماذا تقدم على السرقة، أنت لا تعلم بأن الله كتب عليك السرقة إلا إذا سرقت، فيكون فعلك باختيارك، لكن بعد أن تفعل تعلم أن الله قدر عليك هذا، ولماذا لا تقدِّر أن الله قدر لك العفاف والغنى وتترك السرقة، لماذا لا تقدِّر هذا؟ أنت في خيار الآن لو وقع منه شيء فلا بأس أن يحتج بالقدر، لو وقع منه الشيء وندم وقال: والله مع الأسف! لكن هذا شيء مقدر، يعني: رجل شرب الخمر فقيل له في ذلك، قال: والله! إني أكره ما يكون عندي الخمر، لكن هذا شيء مقدر وقدر الله وما شاء فعل، وأنا تائب إلى الله، هذا لا بأس به؛ لأنه بتوبته اندفع عنه اللوم وارتفع عنه اللوم، واحتجاجه بالقدر لعموم مشيئة الله . ومن ذلك (أن النبي ﷺ طرق علي بن أبي طالب ﵁ وفاطمة ﵂ ليلاً، فوجدهما نائمين فقال لهما: ألا تصليان؟ يعني: يلومهما أنهما لم يقوما للصلاة، فاحتج علي ﵁ بالقدر وقال: إن أنفسنا بيد الله ، ولو شاء الله أن يوقظنا لأيقظنا فذهب النبي ﷺ وهو يقول: ﴿وَكَانَ الْأِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾ [الكهف:٥٤] ) ولم ينكر عليه الاحتجاج بالقدر. ومن ذلك أيضاً قول آدم لما احتج عليه موسى (أخرجتنا ونفسك من الجنة، قال: أتلومني على شيء كتبه الله عليَّ. ) ففرق بين إنسان يحتج بالقدر ليبرر موقفه من فعل المعصية ويستمر فيها، وإنسان احتج بالقدر مع توبته إلى الله ورجوعه. الثاني لا بأس به، ويدل على هذا حديث وهو: (احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا، فإن لو تفتح عمل الشيطان، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل) ولهذا أنكر الله على الذين أشركوا وقالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ [الأنعام:١٤٨] مع أنه قال لنبيه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ [الأنعام:١٠٧] لأن أولئك يحتجون بالقدر لدفع اللوم عنهم، وعذرهم في استمرارهم على الشرك، وأما قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ [الأنعام:١٠٧] فالمراد تسلية الرسول ﷺ حتى لا يلحقهم الندم الشديد على شركهم؛ ليبين أن الله تعالى هو الذي شاء أن يشركوا. السؤال: أي العبارتين أتم فنقول: كل ما في الأمر أن الله علم هذا الأمر؟ الشيخ: لا. لا. لأنك لو قلت هذا أنكرت أن يكون من مشيئة الله. السائل: أحسنت، بارك الله فيك!

стр. 5458

حكم السلام والجلوس مع الشيعة بحكم العمل السائل: أحسن الله إليك! أنا في عمل يكثر فيه الشيعة عندنا فهل يجوز السلام عليهم والجلوس معهم؟ الشيخ: أنا أرى أن نعاملهم كما يعاملوننا تماماً؛ لأنه ليس من العدل أن يعاملك شخص وتعامله بأسوأ مما يعاملك به، حتى إن أهل الكتاب وهم يهود أو نصارى إذا سلموا علينا وجب علينا أن نرد عليهم، حتى لو قال لك اليهودي أو النصراني: السلام عليك، قل: عليك السلام؛ لأن النبي ﷺ قال: (إن أهل الكتاب إذا سلموا عليكم يقولون: السام عليكم، فقولوا: وعليكم) وهذا يقتضي أنهم إذا قالوا: السلام، نقول: عليكم السلام؛ لأنه لو فرضنا أنهم قالوا: السام بلفظ صريح، قلنا: وعليكم، ما معنى وعليكم؟ فالنبي ﵊ أمرنا أن نرد على أهل الكتاب بقولنا: وعليكم؛ لأنهم يقولون: السام عليكم، فقلنا: وعليكم. انظر إلى أدب الإسلام الرفيع، فنحن لا نقول: وعليكم السام، نقول: وعليكم، حتى نكون أحسن منهم رداً؛ لأنه فرق بين أن يقول: وعليكم، وأن يقول: وعليكم السلام، الثاني أشرف. السائل: نحن نسلم عليهم. الشيخ: هل هم يبدءونكم أم لا؟ السائل: يبدءون. الشيخ: قابلوهم بمثل ما يعاملوكم به، ثم اعلم -يا أخي- أن الشيعة ليس كلهم كفار، يختلفون اختلافاً عظيماً، فهم فرق كثيرة، راجع كتاب الملل والنحل تجد الفرق، ثم إن هناك عامياً بحتاً، لا يعرف الحق، ربما لو دعوته بأقل عبارة لاستجاب لك، أو على الأقل تشكك بما هو عليه من الباطل، ومع كثرة الممارسة يرجع إلى الحق -والحمد لله- الآن كثيرون، ومما سمعنا كثيرٌ منهم ترك هذا المذهب الباطل ورجع إلى الحق.

стр. 5459

حكم الهدايا التي تهديها البنوك السائل: الهدايا التي تهديها البنوك كالتقاويم وتحمل اسم البنك، أليس في هذا دعاية لهم وإقرار؟ الشيخ: أنت لو أعطوك لا تودع عندهم شيئاً، هم يريدون أكثر، يمكن أكبر ما يريدون أن تكون دعاية لا إحساناً للغير، لكن دعه عندك أنت ولا تجعله دعاية، دعه مثلاً في غرفتك الخاصة حتى لا يغتر أحد ويقول: ما دمت أنت تشجع هؤلاء فالأمر في هذا سهل. ما أرى في هذا شيئاً، لكن إن خفت أنت وهذا يرجع إلى كل إنسان بنفسه، إن خفت من هذا مثلاً يهون عليهم أمر البنوك فلا تقبلها. السائل: أليس فيه إقرار لهم؟ الشيخ: لا. ليس فيها إقرار.

стр. 5460

حكم الأفلام الكرتونية التي يقال: إنها إسلامية، أو أفلام الحيوانات بالنسبة للأطفال يا شيخ السلام عليكم، بالنسبة -يا شيخ- للأطفال، الذي عنده أبناء وجاء لهم بفيديو وأفلام كرتونية إسلامية أو يقال: إنها إسلامية أو أفلام الحيوانات أو تصوير الحيوانات وتعريفهم على الحيوانات، هل في ذلك شيء يا شيخ؟! أما مسألة الأفلام التي فيها الاطلاع على الحيوانات من طيور وسباع وغيرها أو على مخلوقات الله في الكون، هذه لا بأس بها، وأما مسألة القصص البطولية وما أشبهها فلا أراها، وأضرب لهذا مثلاً: يوجد قصة لـ محمد الفاتح، هذه القصة إذا سمعها الطفل وشاهدها انقدح في ذهنه أن بطل الأبطال في الإسلام هو محمد الفاتح، وهذا غلط، هذا له محذور بعيد لا يدركه من ألف هذا الفيلم، ومعلوم أن محمد الفاتح عليه ما عليه ونسأل الله له العفو، لكن لا ينبغي أننا نلقن صبياننا منذ نعومة أظفارهم بأن هذا الرجل هو بطل الإسلام، لذلك المحذور. كذلك أيضاً يوجد أفلام في تصوير أصحاب الأخدود، من قال: إن أصحاب الأخدود على هذا الشكل؟ لا نعلم، والخلق يتضاعف منذ أن خلق آدم إلى هذه الأمة، بمعنى: يتناقص، فقد كان آدم طوله ستون ذراعاً وما زال الخلق ينقص إلى هذه الأمة، ومن الذي أعلمنا أن أصحاب الأخدود كانوا على هذا الشكل، فهذا كذب، ثم من يعلم أن عددهم كما يشاهد، قد يكون آلافاً مؤلفة، أو أقل من هذا المشاهد، فمثل هذه الأشياء ينبغي للإنسان أن يتفطن لغور المسألة، وما هي النتيجة الاقتصادية.

стр. 5461

نظرة في حديث: (إذا جلس الرجل بين شعب زوجته ثم جهدها) حديث النبي ﷺ : (إذا جلس الرجل بين شعب زوجته ثم جهدها) في الحديث وجب الغسل حتى لو لم يولج فيها. لا يمكن هذا يا رجل! إلا إذا جَاَمَع، الظاهر إنك ما تزوجت أنت. السائل: سمعته من أحد طلاب العلم وقال هذا وكان يقول: لا غسل إلا إذا أولج فيها. الشيخ: لا، لابد منه، لكن الرسول ﵊ يكني عن الشيء الذي يستحيا من ذكره بما يدل عليه. سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك ونتوب إليك.

стр. 5462

لقاء الباب المفتوح [١٩٧] إن مرتبة الحج في الدين الإسلامي عظيمة، فهو أحد أركان الإسلام، وقد أوجبه الله تعالى على عباده في كتابه، وبين النبي ﵊ منزلته في الدين، وفرضية الحج جاءت في الكتاب والسنة، أما شروطه التي يجب أن تتوفر في الحاج، فهي: الإسلام، والعقل، والبلوغ، والحرية، والاستطاعة البدنية والمالية.

стр. 5463

مرتبة الحج في الدين الإسلامي وبعض أحكامه الحمد الله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فهذا هو اللقاء السابع والتسعون بعد المائة من لقاءات الباب المفتوح التي تتم كل يوم خميس، وهذا الخميس هو الثاني من شهر ذي القعدة عام (١٤١٩هـ) . وبما أننا قرب وقت الحج فإني أرى أن نجعل اللقاءات الثلاثة هذه في الحج، وما يتعلق به؛ لأن أحكام الحج تخفى على كثيرٍ من الناس، حتى على طلبة العلم، فمنهم من يغلو فيها، ومنهم من يخفف، ومنهم المتوسط. في هذا اللقاء نتحدث عن مرتبة الحج في الدين الإسلامي، وعن فرضيته، وعن شروط فرضيته. فأما الأول فنقول: إن مرتبة الحج في الدين الإسلامي أنه أحد أركان الإسلام، أوجبه الله تعالى على عباده في كتابه، وبيَّن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم منزلته في الدين، فقال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٩٧] وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت الحرام) وفيهم أناس يعبدون الحجر، وأناس يعبدون الشجر، وأناس يعبدون التمر، حتى ذكروا أنهم في الجاهلية يصنعون عجوة -أي: عبيطة- من التمر على شكل تمثال، ثم يعبدونها، وإذا جاعوا أكلوها، سبحان الله! معبود يؤكل، تباً لهذا المعبود. إذاً هذه الآلهة هل هي حق أم باطل؟ باطل؛ لقول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج:٦٢] فما معنى: لا إله إلا الله إذاً؟ لا معبود حقٌ إلا الله، و (أن محمداً رسول الله) محمد هو بن عبد الله الهاشمي القرشي خاتم النبيين، (رسول الله) أي: أرسله إلى الناس كافة، بل إلى الإنس والجن. مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله: الإخلاص، أن تخلص العبادة لله، لا ترائي ولا تسمع، ولا تشرك مع الله أحداً فيها، ومقتضى شهادة أن محمداً رسول الله: أن تصدقه فيما أخبر، وتمتثل أمره فيما أمر، وتجتنب نهيه فيما نهى عنه وزجر، وتتعبد إلى الله بشريعته، لا تبتدع فيها ما ليس منها، ولذلك صارت شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ركناً واحداً؛ لأن كل عبادة لا بد فيها من إخلاصٍ ومتابعة. (وتقيم الصلاة) أي: تأتي بها قائماً مستقيماً بشروطها وأركانها وواجباتها، وأكملها بمكملاتها، ومن شروط الصلاة: الطهارة من الأحداث والأنجاس شرط من الشروط، واستقبال القبلة شرط من الشروط، وتكبيرة الإحرام ركن من الأركان، والتشهد الأول واجب من واجباتها، وتكرار التسبيح ثلاث مرات سنة. إذاً تقيم الصلاة: تأتي بشروطها وأركانها وواجباتها وتكملها بمكملاتها. (وتؤتي الزكاة) أي: تعطي الزكاة الواجبة بالمال لمستحقيها -لمن يستحقها من الناس- وهذا لا نتكلم عليه؛ لأنه يحتاج إلى وقت طويل، ويأتي إن شاء الله في وقته. (وتصوم رمضان) أي: تمسك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس تعبداً لله ﵎. (وتحج البيت) هذا هو الشاهد. إذاً مرتبة الحج من دين الإسلام أنه ركنٌ من أركان الإسلام.

стр. 5464

فرضية الحج أما فرضية الحج فقد جاءت في الكتاب والسنة وإجماع المسلمين إجماعاً قطعياً ضرورياً. ففي الكتاب: قال الله : ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران:٩٧] والمراد بالكتاب: القرآن. وفي السنة: قال النبي ﷺ : (إن الله كتب عليكم الحج، فقام رجل وقال: يا رسول الله! أفي كل عام؟ قال: لو قلت: نعم. لوجبت ولما استطعتم، الحج مرة فما زاد فهو تطوع) . أما الإجماع: فإن المسلمين أجمعوا كلهم على فرضية الحج.

стр. 5465

شروط وجوب الحج أما شروط الوجوب: الإسلام، والعقل، والبلوغ، والحرية، والاستطاعة. الإسلام: ضده الكفر، فالكافر لا يجب عليه الحج، نقول: أولاً تشهد وأسلم، ثم نقول: يجب عليك الحج. العقل: ضده الجنون، فلو فرض أن إنساناً -نسأل الله العافية- منذ صغره وهو مجنون، ومات فليس عليه حج؛ لأن جميع العبادات تسقط عن المجنون إلا واحدة فقط وهي الزكاة فإنها تجب في مال المجنون؛ لأن الزكاة محلها المال وليس الذمة، وهذه قاعدة مفيدة لطالب العلم. الثالث: البلوغ، فالصغير لا يجب عليه الحج حتى لو أحرم، فمثلاً: إنسان معه غلامٌ له عشر سنوات، أحرم ثم تضايق من الإحرام وخلعه يجوز أم لا يجوز؟ يجوز؛ لأنه غير مكلف، فالصغير لا يجب عليه الحج، لا ابتداءً ولا استمراراً، فبماذا يحصل البلوغ؟ البلوغ يحصل بواحد من أمورٍ ثلاثة بالنسبة للذكور، وواحد من أمورٍ أربعة بالنسبة للنساء: الأول: تمام خمسة عشر سنة، وعلى هذا قد يكون الرجل بالغاً في آخر النهار، غير بالغ في أول النهار؟ فمثلاً: إذا قدرنا أن ولادته في الساعة الثانية عشرة في اليوم الثاني من ذي القعدة في هذا اليوم يتم له خمسة عشر سنة، أول النهار قبل الساعة الثانية عشرة بالغ أم غير بالغ؟ غير بالغ، وآخر النهار بالغ، هذه واحدة. ثانياً: نبات العانة، أي: الشعر الخشن الذي حول القبل، من ذكر أو أنثى. ثالثاً: إنزال المني بشهوة، يقظةً كان أو مناماً. هذه ثلاث علامات للبلوغ بالنسبة للذكور والإناث، بقي أمر رابع للمرأة فقط وهو الحيض، فمتى حاضت المرأة ولو كان لها عشر سنوات فهي بالغ. الشرط الرابع: الحرية، وضدها العبودية، العبد لا يجب عليه أن يحج؛ لأنه لا يستطيع، فإن العبد ماله لسيده حتى لو كان عنده مليون ريال، فماله لسيده، لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (من باع عبداً وله مال فماله للذي باعه إلا أن يشترطه المبتاع) قال: (للذي باعه) ولم يقل: ماله له، إنما للذي باعه وهو سيده. الخامس: الاستطاعة. وهي: أن يتمكن من الحج بدنياً ومالياً، الفقير ليس عليه حج، ما دام يحتاج إلى مال فليس عليه حج، أما إذا كان لا يحتاج إلى مال كما لو قدرنا أنه من أهل مكة وهو فقير لكن يستطيع أن يمشي إلى عرفة، فهنا لا نشترط أن يكون عنده مال، لماذا؟ لأنه قادر، لا يحتاج إلى مال. البدنية: أن يكون قادراً ببدنه على أداء النسك، فإن كان عاجزاً، فقال العلماء ﵏: إن كان عجزه مستمراً وعنده مال وَكَّلَ من يحج عنه، كالشيخ الكبير، وكالمريض بمرضٍ لا يرجى برؤه، فهذا لا يجب عليه الحج بنفسه، لكن إذا كان عنده مال أن يوكل من يحج عنه، وإن كان عاجزاً عجزاً طارئاً يرجى أن يزول، كإنسان مريض بكسر والكسر يجبر، مثلاً: أصيب بكسرٍ في أول شهر ذي الحجة ولا يستطيع، فهل الكسر يرجى أن يبرأ أم لا؟ يرجى أن يبرأ، نقول: هذه السنة لا تخرج، حج من العام القادم إذا كان لديك مال، ولا يوكل أحداً؛ لأن التوكيل إنما يكون عند العجز المستمر، أما العجز الطارئ الذي يمكن أن يزول فهنا ينتظر حتى يزول عجزه. إذا كان الإنسان عنده مال وعليه دَّين، مثلاً: عنده عشرة آلاف وعليه دين عشرة آلاف، هل يلزمه الحج؟ لا يلزمه؛ لأن وفاء الدَّين واجب، فيجب عليه أن يوفي الدَّين أولاً، ثم يحج بعد وفاء الدَّين إن بقي عنده مال، فإذا قال: إن عليه ديناً يحل بعد سنة، وعنده مال يمكن أن يحج به هذه السنة، فهل يلزمه؟ نقول: إذا كان يرجو أنه يجد وفاءً عند تمام السنة فليحج، وإن كان لا يرجو فلا يحج، الذي يرجو مثلاً: إنسان موظف في الوقت الحاضر ليس عنده ما يوفيه، لكن إذا مرت السنة أمكنه أن يوفي، نقول: حج، ومن ذلك الذين عندهم أقساط لبنك التنمية العقاري، عنده الآن مال يوفي القسط، لكن القسط لم يحل بعد، وفي أمله أنه إذا حل القسط يوفي، فهل يحج أم لا؟ يحج، لا مانع الآن، هذه شروط وجوب الحج. ومن نعمة الله أن جعل للعبادات شروطاً لينضبط الناس، ويعرف من تجب عليه العبادة ومن لا تجب، ولو لم تكن هذه الشروط لكانت المسألة فوضى، كلٌ يقول: الحج واجب عليَّ، وكلٌ يقول: الحج ليس بواجب، فهذه الشروط التي وضعها الله ورسوله في العبادة لا شك أنها مقتضى الحكمة؛ لأنها تضبط الناس ويتبين من تجب عليه العبادة ومن لا تجب، ويكون الناس على بصيرة في دينهم، وإذا أراد الحج فليختر الصحبة التي لديها علم ودين، أما العلم؛ فلئلا يقع في مخالفة وهو لا يعلم، وأما الدين؛ فلئلا يحصل التهاون في بعض مناسك الحج فاختر أن يكون صاحبك في سفر الحج من ذوي العلم والدين، ولأن الإنسان إذا اختار صحبة ذات علمٍ ودين فإنه يكتسب منهم علماً وديناً، وكم من إنسان اكتسب بصحبة شخصٍ في سفر خيراً كثيراً أو شراً كثيراً، وليكن مع أصحابه حسن الخلق، يكون بشوشاً سهلاً ليناً خدوماً نشيطاً في العمل يخدم أصحابه في سقي الماء وطبخ الطعام وغير ذلك؛ لأن هذا من محاسن الأخلاق، ويقال: إنما سمي السفر سفراً؛ لأنه يسفر عن أخلاق الرجال، يسفر أي: يبين ويظهر أخلاق الرجال. واحرص على أن يكون معك مالٌ زائد عن الحاجة؛ لأنه ربما تطرأ أمور ليست على بالك، فإذا كان معك مال أمكنك أن تسدد هذه الحاجة من الدراهم التي معك، وكفاك أن تقول: يا فلان أقرضني، يا فلان تصدق عليَّ، أكثر من النفقة ما استطعت ما دمت واجداً، وربما تكون الحاجة لغيرك من الصحبة، يحتاج إلى شيء فتعينه أو تقرضه، فحمل زيادة النفقة من الأمور المطلوبة. واحرص على أداء الصلاة مع الجماعة، لا تقل: إني مسافر، فالمسافر تجب عليه الصلاة مع الجماعة كما تجب على المقيم، ألم ترو أن الله تعالى أنزل على عبده قوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء:١٠٢] فأوجب الله صلاة الجماعة حتى في الخوف؛ لأن الجماعة فرض واجب حتى إن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ قال: إن الجماعة شرط لصحة الصلاة، فمن صلى منفرداً مع قدرته على الجماعة فلا صلاة له، ولكن الصحيح: أنه له صلاة إلا أنها ناقصة جداً. واحرص على أن تؤدي النسك على الوجه المطلوب كما سيأتي إن شاء الله بيانه في اللقاءات القادمة. أسأل الله أن يمن علينا وعليكم بالعلم النافع والعمل الصالح. ومن الاستطاعة: أن يكون للمرأة محرم، فلا تحج المرأة بدون محرم، حتى لو بقيت سنوات، وإذا لقيت ربها وهي لم تحج لعدم وجود المحرم فلن يؤاخذها الله ولن يعذبها؛ لأن الحج لم يجب عليها حيث إنها لا تستطيع أن تحج لعدم وجود المحرم، ولذلك بلغوا النساء اللاتي ليس لهن محارم وتضيق صدورهن إذا لم يحججن، بلغوهن بل بشروهن بأنه لا حرج عليهن، وأن الحج لا يجب عليهن كما لا تجب الزكاة على الفقير، وبشروهن بالخير، وقولوا لهن: ما دمتن لا تجدن المحرم فلا حج عليكن، وإذا وجدتن المحرم وتمت الشروط فأدين الحج. وإلى هنا انتهى هذا الكلام، نسأل الله أن ينفع به.
следующие страницы →