Полный текст (6 569 стр.). Показаны 5881–5920 · переход к 5886.
стр. 5881
لقاء الباب المفتوح [٢١٢]
بدأ الشيخ حديثه عن أهمية تدبر القرآن الكريم، والحث على تفهم معانية والرجوع إلى كتب أهل العلم في التفسير، ثم تكلم عن تفسير آية من سورة الحديد، ذكر من خلالها حقيقة الإيمان بالله ورسوله، بالإضافة إلى أهمية الإنفاق والبذل، ويعود السبب إلى الأجور المترتبة على هذا الإنفاق، فقد حرص الصحابة رضوان الله عليهم على التنافس في هذا الباب.
стр. 5882
تفسير آية من سورة الحديد
الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم على نبينا محمد خاتم النبيين وإمام المتقين, وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين, أما بعد: فهذا هو اللقاء الثاني عشر بعد المائتين من اللقاءات التي تسمى لقاء الباب المفتوح, التي تتم كل يوم خميس وهذا الخميس هو الرابع والعشرون من شهر ربيع الأول عام ١٤٢٠هـ.
نبتدئ هذه الجلسة بما اعتدناه من تفسير القرآن الكريم.
وإني أقول لكم -أيها الإخوة-: إن القرآن الكريم نزل على محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ووصفه الله بأنه مبارك, وبيّن الحكمة من إنزاله فقال جل وعلا: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩] وهذا يعني: أنه لابد للمسلمين من أن يتدبروا القرآن, ويتفهموا معناه, وإلا لكانوا كالذين لا يقرءون, لأن الذي لا يفهم المعنى كالذي لا يفهم الوقت, قال الله : ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة:٧٨] فوصف هؤلاء الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني, أي: إلا قراءة, وصفهم بأنهم أميون أي: كالذي لا يقرأ ولا يكتب.
لذلك أحثكم -أيها الإخوة- ومن بلغه كلامي هذا على تدبر القرآن وتفهم معناه, لكن لا يقول فيه أحد برأيه بدون علم, لأن من قال برأيه في القرآن فليتبوأ مقعده من النار, وقد أخطأ ولو أصاب, والحمد لله كتب التفسير موجودة, لكن المراد الكتب التي يوثق بها وبمؤلفيها, لأن الذين تناولوا تفسير القرآن لهم مناهج ولهم مذاهب كلٌ منهم يحمل الآيات على مذهبه الذي كان يتبعه, فتجد تفسير المعتزلة يوافق منهج المعتزلة وآراءهم وعقائدهم, وكذلك الخوارج, وكذلك غيرهم من أهل الأهواء والبدع, لكن عليكم بالكتب الموثوق بها كـ تفسير ابن كثير وتفسير السعدي ﵀, فإنهما خير ما نعلم مما يتداوله الناس بينهم اليوم.
стр. 5883
تفسير قوله تعالى: (آمنوا بالله ورسوله)
الآية التي نريد أن نفسرها هي قول الله تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد:٧] (آمنوا) الخطاب للعباد كلهم, (بالله) رب العالمين (ورسوله) محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم, والأمر هنا للوجوب، الذي هو أشد أنواع الوجوب تحتماً, الإيمان بالله أن تؤمن بأنه رب العالمين, أن تؤمن بأنه الإله المعبود حقاً الذي لا يستحق العبادة إلا هو, أن تؤمن بأن له الأسماء الحسنى والصفات العليا, أن تؤمن بأنه الفعال لما يريد, أن تؤمن بأنه لا معقب لحكمه وهو السميع العليم, أن تؤمن بأن مرجع الخلائق إليه في الأحكام الشرعية وفي الأحكام الكونية, فمن يدبر الخلق؟! الله.
لا يدبر الخلق إلا الله .
من الذي يحكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون؟ الله .
رسوله محمد ﵊ أرسله الله تعالى إلى جميع الخلق الإنس والجن, وختم به النبوات, فلا نبي بعده والدليل: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب:٤٠] فلا نبي بعده, فمن ادعى النبوة بعده فهو كافر, يجب أن يقص عنقه إلا أن يتوب ويرجع.
стр. 5884
تفسير قوله تعالى: (وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه)
قال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد:٧] الإنفاق البذل, و (مما جعلكم مستخلفين فيه) أي: المال؛ لأن الله جعلنا مستخلفين في هذا المال, فهو الذي ملَّكنا إياه, فلا منة لنا على الله بما ننفق, بل المنة لله علينا بما أعطى، والمنة له علينا بما شرع لنا من الإنفاق, ولولا أن الله شرع لنا أن ننفق لكان الإنفاق ضياعاً وبدعة, ولكن شرع لنا أن ننفق, إذاً له المنة أولاً لما ملكنا من المال, وله المنة ثانياً بما شرع لنا من إنفاقه.
стр. 5885
تفسير قوله تعالى: (فالذين آمنوا وأنفقوا لهم أجر كبير)
قال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الحديد:٧] الذين آمنوا بمن؟! بالله ورسوله؛ لأنه قال: (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِه) وأنفقوا أي: مما جعلهم مستخلفين فيه لهم أجر كبير, والآيات كما تعلمون لهم أجر كبير, ولهم أجر عظيم ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام:١٦٠] فوصف الله الأجور على العمل بهذه الأوصاف كبير, وعظيم, وكثير؛ أما الكثير نأخذه من قوله: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا) وبهذا تعرف منة الله علينا والحمد لله, يأمرنا بالعمل ونعمل به ويأجرنا عليه أجراً كثيراً, أجراً عظيماً, أجراً كبيراً, منة عظيمة كبيرة, فعلينا أن نشكر الله, وأن ننفق مما جعلنا مستخلفين فيه.
وهل ننفق كل ما نملك أم بعضه؟ (وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ) (من) هذه هل هي للتبعيض أم هي لبيان ما ينفق منه؟ إذا كانت للتبعيض فالمعنى أنفقوا بعض ما جاءكم، ليس كله, وإذا جعلناها للبيان فالمعنى أنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه حسب ما تقتضيه المصلحة، إما الكل وإما البعض, فأيهما أحسن، أن نجعل من للتبعيض أم نجعل من للبيان؟ الثاني, إذا جعلناها للبيان صار الإنسان مخيراً أي: ينفق كل ماله أو بعض ماله أكثره أو أقله حسب ما تقتضيه المصلحة.
ومعلوم أنه كلما كان المعنى أوسع كان أولى بالأخذ به, والقرآن الكريم العظيم معانيه واسعة عظيمة, ولذلك حث النبي ﷺ مرة على الصدقة وكان الصحابة ﵃ يتسابقون إلى الخير, كل واحد يحب أن يكون هو السابق, فقال عمر ﵁: اليوم أسبق أبا بكر؛ لأن هذين الرجلين هما أخص الصحابة بالرسول ﵊, وأحب الصحابة إلى الرسول.
إن النبي ﷺ ، يحب أبا بكر ﵁ أشد من حب علي بن أبي طالب ﵁, مع أن علي بن أبي طالب ابن عمه وزوج ابنته, لكن أبا بكر يحبه أشد وأكثر, فقد سئل: (من أحب الناس إليك؟ قال: أبو بكر) وهذا كلامه, وكلامه صدق ولا شك في ذلك, يقول: (لو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر) .
المهم أن عمر كان هو وأبو بكر كفرسي رهان, يحب أن يسبقه, لا حسد لـ أبي بكر ولكن حباً للفضل لنفسه, قال: اليوم أسبق أبا بكر فجاء بنصف ماله لينفقه, أتى به للنبي ﵊ قال: (يا عمر ماذا تركت لأهلك؟ قال: تركت لهم الشطر أي النصف-) وجاء أبو بكر قال: (ما تركت لأهلك؟ قال: تركت لهم الله ورسوله) أي أنفق كل ماله, فقال عمر: والله لا أسابقك على شيء بعدها أبداً, عرف أنه يعجز أن يسبق أبا بكر.
الشاهد من هذا الحديث أن أبا بكر تصدق بجميع ماله, فإذا رأى الإنسان المصلحة في التصدق بجميع ماله وأن عنده من قوة التوكل, والاعتماد على الله, واكتساب الرزق، ما يمكنه أن يسترد شيئاً من المال لأهله ونفسه حينئذٍ نقول: تصدق بجميع مالك, إذا كان الأمر بالعكس.
كان رجلاً أخرق لا يعرف أن يكتسب, وليس هناك داعٍ أن ينفق كثيراً, فهنا نقول: الأولى أن تنفق بعض المال.
إذاً: (وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ) هل (من) للتبعيض أو للبيان؟ للبيان, أي: أنفقوا من هذا المال ما يكون فيه المصلحة, في هذه الآية دليل على أنه ينبغي للإنسان أن يحقق إيمانه ويثبته, وكلما رأى فيه تزعزعاً استعاذ بالله من الشيطان الرجيم ومضى في سبيله, وأن ينفق من المال.
وهنا سؤال: هل المال محبوب للنفوس؟ نعم, قال الله تعالى: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً﴾ [الفجر:٢٠] وقال الله : ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات:٨] أي: المال؛ لا يمكن أن يبذل الإنسان شيئاً محبوباً إليه، إلا لما هو أحب, فإذا بذل الإنسان المحبوب إليه ابتغاء رضوان الله, علمنا أن الرجل يحب رضوان الله أكثر من محبة المال, وبذلك يتحقق الإيمان.
أسأل الله تعالى أن يجعلني وإياكم من ذوي العلم الراسخ, والإيمان الثابت, إنه على كل شيء قدير.
стр. 5886
الأسئلة
стр. 5887
حكم من تحلل قبل أن ينتهي من العمرة بسبب التعب
رجل قام بأداء العمرة قبل ثمان سنوات, وأثناء الطواف أحس بتعب شديد وإعياء ولم يستطع إكمال العمرة وتحلل ولبس ملابسه وخرج من مكة فهل عليه شيء؟
منذ ثمان سنوات سبحان الله! منذ ثمان سنوات ما سأل عن دينه, لو ضاعت له شاة عرجاء لذهب يطلبها في الليل, وهذا الدين لا يسأل عنه إلا بعد ثمان سنوات انظر التفريط! هذا الرجل يلزمه على قول بعض العلماء أن يلبس الآن ثياب الإحرام ويذهب إلى مكة ويتم عمرته, فيطوف ويسعى ويقصر, وإن كان قد جامع في أثناء هذا فإنها فسدت عمرته فيكملها, ثم يأتي بعمرة جديدة قضاءً لما فسد, وإن كان قد تزوج بعد أن ألغى العمرة فنكاحه فاسد يجب أن يتجنب زوجته, وأن يجدد عقداً جديداً بعد أن يقضي العمرة, الذي أقوله الآن مذهب الإمام أحمد بن حنبل عند أصحابه.
وهناك قول آخر أن الإنسان إذا عجز عن إكمال النسك لمرض -ليس تعباً, لأن التعب يمكن أن يستريح ويكمل- فإنه يتحلل ولكن عليه هدي لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:١٩٦] هنا إشكال هل يحل قبل أن يذبح الهدي أو لا يحل؟ إذا قلنا: لا يحل؛ بقت المشكلة الأولى التي ذكرت, وإذا قلنا: يحل؛ فالأمر أهون ما عليه إلا أن يذبح فدية, فاسأل الرجل هل تعبه هذا أدى إلى مرضه، بحيث لا يستطيع أن يكمل العمرة لو استراح أم لا؟ إذا كان يستطيع فمعناه أنه لا زال في عمرته, فيذهب مباشرة ولكن المحضورات التي فعلها على القول الراجح لا تضره لأنه جاهل, إلا مسألة الزواج فإنه يجب عليه في هذه المدة أن يجدد العقد.
الخلاصة: نرى أنه إن كان هذا التعب أدى إلى مرض لا يستطيع أن يكمل فهذا ليس عليه إلا الهدي, وإلا فإنه لا يزال محرماً الآن يجب عليه الذهاب محرماً من بلده أو من بيته الآن ويكمل العمرة وليس عليه شيء فيما فعل من المحضورات لأنه جاهل, وإن كان قد عقد النكاح في هذه المدة فعليه أن يتجنب زوجته حتى يتم العمرة ويعقد من جديد.
стр. 5888
من حلف على ترك شيء ثم فعله
إذا حلف شخص على ترك شيء محرم ثم عاد إلى فعله, فلا خلاف أنه تلزمه الكفارة, لكن هل كلما عاد إلى فعل ذلك المحرم تلزمه الكفارة, أفيدونا؟ جزاكم الله خير.
أولاً: هذا السائل أجاب نفسه, وحكى الإجماع على ذلك, حيث قال: لا خلاف, وليس من الأدب إذا قدم الإنسان سؤالاً إلى عالم من العلماء أن يبتدر بالجواب, إذا كان عنده الجواب ما الفائدة؟! فمن الأدب أن يقول: ماذا تقول يا فلان! يوجد كذا وكذا وهو الذي يفصل, وهذه مهمة جداً بالنسبة للتأدب مع المسئول, أتعلم أن جبريل ﵊، لما جاء يسأل الرسول عن الإسلام والإيمان والإحسان كيف جلس؟! وعلى كل حال الصحيح عندنا أن الإنسان يعذر بالجهل, وإن فاتتك هذه.
أقول: إن الإنسان إذا حلف ألا يفعل شيئاً ثم فعله, فعليه كفارة يمين إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة, فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام, وإذا حنث انحلت اليمين كأنه لم يحلف, لكننا لا نرخص لهذا الرجل الذي حلف أن يأتي المعصية, بل عليه أن يتوب ولا يرجع.
стр. 5889
حكم لفظة (يرد الروح)
هناك لفظ شائع بين الناس عندما يجلس في مكان معين, يقول: هذا المكان يرد الروح؟
يعني يوجد السرور, مادام أننا نعلم المقصود، وأن هذا الشيء مشهور عند الناس فلا حرج.
стр. 5890
الوضوء المشروع يرفع الحدث وإن خالفته النية
إذا توضأ الإنسان للنوم ويريد أن ينام, ولكن حينما أراد أن ينام تذكر أنه يلزمه أن يوتر قبل أن ينام, فهل يوتر بهذا الوضوء؟
نعم, إذا توضأ الإنسان وضوءاً مشروعاً إما للنوم أو لقراءة القرآن أو ما أشبه ذلك, ثم أراد أن يصلي بهذا الوضوء فلا بأس, لأنه لما نوى الوضوء المشروع ارتفع حدثه, فيصلي ما شاء.
стр. 5891
إرجاع الدين إلى ورثة الدائن عند موته
رجل أخذ مبلغاً من المال من رجل غني ديناً, فقبل حلول المدة مات صاحب المال، الدائن, فهل يرد المال إلى أهله علماً بأنه يخشى ألا يصل المال إلى جميع ورثته وقد يتلفون هذا المال, وإذا كان كذلك فهل بإمكانه أن يتصدق بالمال نيابة عنه؟
هذا رجل استدان من رجل ديناً قرضاً أو ثمن مبيع أو أجرة عقار أو شيء, ثم مات من له الحق, فماذا يصنع المدين؟ نقول: يجب عليه أن يوصل الحق للورثة, فإذا قال: أراهم متفرقون أحدهم في مكة والثاني في المدينة والثالث في الرياض والرابع في مكان آخر, نقول: اذهب إلى المحكمة، وتحصل الإرث، وسلّم كل إنساناً ما يستحقه من الميراث, وإذا كان لهم وكيل ثابت وكالة شرعية فأعطها الوكيل، بذلك تبرأ ذمتك.
السائل:.
غير ملتزمين يخشى أنهم يتلفون المال؟ الجواب: ليس عليه شيء من معاصيهم؛ لأن هذا مالهم.
стр. 5892
إشكال حول لفظة (من تتبع رخص الفقهاء تزندق)
ما مدى صحة القول بأن من تتبع رخص الفقهاء تزندق؟
هذه أطلقها بعض العلماء, وقال: إن الذي يتتبع الرخص يكون زنديقاً؛ لأن الذي يتتبع الرخص لم يعبد الله وإنما عبد هواه, وجعل الدين ألعوبة بيده, يسأل هذا العالم على أنه هو الواسطة بينه وبين شريعة الله, وأن ما قاله العالم فهو حق, فإذا أعجبه فهو حق، وإذا لم يعجبه تركه وذهب لآخر يفتيه بأهون، وإذا أفتاه بأهون ولم يجز له أيضاً ذهب إلى ثالث ورابع وخامس, حتى يأتي من يفتيه ويقول: الخمر حلال, وقال: هذا العالم, هذا من وجهة كلام بعض العلماء, وقالوا: هذا من اتباع الهوى, وهو لا شك أنه من اتباع الهوى, لكن كونها تصل إلى حد الزندقة، فيه نظر.
ولهذا الصواب أن يقال: من تتبع الرخص فسق, أي: صار فاسقاً, والواجب على الإنسان ألا يتلاعب بدين الله, إذا سأل عالماً واثقاً من علمه وأمانته، وأن ما يقوله هو الشريعة، وجب عليه التمسك بها, قال أهل العلم: ولا يجوز أن يسأل غيره.
стр. 5893
حكم مخالفة المقلد لشيخه
سمعنا أنكم تنصحون طالب العلم الملتزم بالدراسة على شيخ معين ممن يثق في علمه وأمانته, فإذا كان عند هذا الشيخ مسألة تخالف الدليل فهل يأخذ بها هذا الطالب على اعتبار أنه مقلد, أو يخالفه في بعض المسائل التي يرى الصواب فيها عند غيره, أفتونا مأجورين؟
هذا سؤال غير وارد, لأنه لم يثق بهذا في علمه وأمانته, فمعنى ذلك أنه يعلمه بالدليل, وإذا كان كذلك كيف يأتي الطالب بالدليل من شيخ آخر؟! نعم له الحق إذا علم من شيخ آخر أنه يقول بخلاف شيخه وأتى بالدليل, أن يورد هذا على شيخه, فيقول: سمعت عالماً يقول هذا الحكم كذا والدليل قوله تعالى أو قوله ﷺ , وينظر رأي الشيخ, لأن بعض العلماء أحياناً يقول بالحق بحسب ما يفهم من الحق فيفوته إما العلم وإما الفهم, وهذا واضح الآن خصوصاً في الإخوة الذين -جزاهم الله خيراً- ينتسبون إلى الأخذ بالحديث, تجده يفهم الحديث على غير مراده, فجعل يفتي به, أو يفهم الحديث، وهناك حديث آخر مخصص أو مقيد أو ناسخ وهو لا يعلم به, فإذا كنت واثقاً من عالم وتلقيت العلم عنده واعتبرته شيخك, وأنه الواسطة بينك وبين شريعة الله, فإذا سمعت من عالم آخر يخالف قوله ويذكر الدليل أورده على شيخك, ربما يقول شيخك نعم, هكذا ورد, لكن هذا الحديث يخصصه الحديث الآخر.
مثال ذلك: سمعت شيخاً يقول: كل ما خرج من الأرض ففيه زكاة، قليلاً كان أو كثيراً, لقول النبي ﷺ : (فيما سقت السماء العشر, وفيما سقي بالنضح نصف العشر) , الآن حكم واستدل, حكم بماذا؟ أن بكل ما سقي ففيه العشر إذا كان سقته السماء, وفيما سقي بالنضح نصف العشر, ظاهر الحديث أنه سواء كان قليلاً أو كثيراً وسواء كان من الحبوب والثمار أو من الفواكه أو من غير ذلك, وأنت سمعت عالماً يقول هذا الكلام كل ما خرج من الأرض ففيه الزكاة قليله وكثيره، إما العشر أو نصف العشر، والدليل قوله ﷺ : (فيما سقت السماء العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر) وأنت سمعت من شيخك أنه لا تجب الزكاة إلا فيما كان خمسة أوسق فأكثر, العالم الذي قال لك فيما سقت السماء العشر, حكم بما ظهر له، عنده حديث عام غير مقيد ولا مخصص, لكن معلمك عنده علم أوسع، قال هذا الحديث عام مخصص فيما بلغ النصاب, الذي يبلغ فيه النصاب فيه الزكاة وما دونه ليس فيه زكاة.
السائل: إذا كان يعتمد على الكتب والأشرطة؟ الشيخ: لا يخالف الكتب والأشرطة، إذا كنت تعرف صوت العالم وأنت تثق بعلمه وأمانته فخذ به, لكن كلامي أن إنساناً -مثلاً- وثق بعالم وصار يتتلمذ على يديه ويحضر دروسه ويقرأ عليه ويعتمد قوله, سمع عالماً آخر يقول بخلاف قوله ويستدل, ليس له الحق أن يذهب إلى العالم الثاني حتى يراجع شيخه, فإذا راجع شيخه فقد يكون عنده علم أكثر من العلم الأول.
стр. 5894
حكم الحقوق التي تحدث بين الشباب
بالنسبة لما يحدث غالباً بين الشباب بما يسمى الحقوق, أحياناً قد يخطئ شخص على آخر مثل أن ينتقصه أو يقول فيه شيئاً, ولكن بنفس طيبة يأخذها ويتقبلها, لكن يقول: عليك حق لأنك قلت كذا وكذا فيكون عندك العشاء اليوم, والآخر كذلك يتقبلها بنفس طيبة؟
ما أرى هذا, لأن هؤلاء يلعبون إذا قال له: عبد الله, واسمه عبد الرحمن وأخطأ, قال: اسمي عبد الرحمن عليك حق! أو يقول: خذ الفنجان الحليب, ويأخذ الفنجان الشاي يقول: عليك حق! هذا تلاعب.
أما لو كان الأمر حقيقة أن الرجل المعتدى عليه غضب وانقبض وهجر الجلوس وذهبوا يترضونه وقالوا: نجعل لك حقاً, هذا لا بأس هذا حقيقة, لأنه أكل للمال بحق للإصلاح بين الناس.
الأول هل هو إصلاح بين الناس أم لعب؟ أنا سمعت بهذا كثيراً وأرى أنه من أكل المال بالباطل, على أي أساس يكون على هذا غرامة ٤٠٠ أو ٥٠٠ ريال على أي أساس؟ السائل: الشخص الذي أخطأ متقبل جداً! الشيخ: أصحاب الربا يتقبلون الربا جداً, أصحاب القمار الذين يتقامرون بالملايين راضين, تجد الإنسان يغلب بالقمار ويذهب كل ماله وهو راضٍ, هذه المسألة لها ضوابط شرعية, الله جعل المال قياماً للناس ليس لعباً, ولذلك يجب الكف عن ذلك, وعليكم أيضاً أن تنصحوا من ترونه يعمل هذا العمل, يقبل بأي حق؟ إذا كان صاحبكم هذا يريد أن يعزمكم، يعزمكم بدون هذا, حتى أن بعضهم يتعمد الخطأ من أجل أن يقولوا: عليك حق!
стр. 5895
الوعد بالشراء لا يكون ملزماً
الوعد بالشراء هل هو ملزم, مثال البنك الأهلي عنده إدارة تسمى خدمات المصرفية الإسلامية، يقومون بالتقسيط على من يرغب، تطلب أي سلعة من عندهم فيطلبون من المتقدم تسعيرة يأتي بها, على سبيل المثال سيارة يقال لمن يريد شراءها: ائتِ بتسعيرة من المعرض, فيأتي بالتسعيرة فيقوم البنك بشراء هذه السيارة ثم يعقدون معه عقداً بعد أن تتحدد النسبة, لو أن الشخص غير رأيه عن هذا الشراء, هم الآن يبيعون السيارة للبنك وإذا كان فيها خسارة يتحملها من باب الوعد بالشراء, هل هذا جائز؟
ما رأيك لو أن البنك قال لهذا الرجل: أنا أعطيك خمسين ألف تشتري بها سيارة, على أن تكون بالتقسيط ستين ألفاً, أسألك: ماذا تقول حرام أم حلال؟ السائل: حرام.
الجواب: أليس مثله بالضبط أن يقول: اذهب وانظر السيارة التي تريد وأنا أشتريها بخمسين ألف وأبيعها بستين ألف مقسطة, أليست مثلها؟ يعني بدلاً من يأتي الربا صريحاً مثل الشمس يأتيه بالحيلة, والحيلة -يا إخواني- على المحرمات أخبث من إتيان المحرمات بصراحة, لأنك جمعت بين مفسدة الحرام وبين خداع رب العالمين , ولهذا حول اليهود الذين تحيلوا على السبت قردة قال تعالى: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة:٦٥] .
أقول: هذا حرام, وقولهم: إن البنك لا يلزم هذا إذا اشتريت هذا كلام لا فائدة فيه, هل هذا الذي جاء للبنك وقال: أريد السيارة الفلانية, هل يتصور أن يرجع وهو محتاج إليها؟! يتصور, وإذا قدر أن واحداً بالمليون رجع, فالبنك يحسبه بالقائمة السوداء، أن هذا لا يثق ببيعه وشرائه, لكن -والله- الإنسان يأسف كثيراً أن الأمة الإسلامية بدأت تتجرأ على الربا بالحيل والخداع، ويخشى أن تظهر فيها أوجاع ليست في الأمم السابقة, ويُخشى أن يضرب الله قلوب بعضهم ببعض.
السائل: عندهم هيئة شرعية؟ الشيخ: الفتاوى وغيرها المرد إلى من؟ إلى الكتاب والسنة, كل إنسان يعرف أن هذه حيلة أقرب من حيلة اليهود, اليهود لما حرم الله عليهم الشحوم ماذا فعلوا؟ قالوا: نذوب الشحم فيصير ودكاً, ثم نبيع الودك ونأكل ثمنه, هذه الحيلة أبعد, ومع ذلك قال النبي ﷺ : (قاتل الله اليهود إن الله لما حرم عليهم شحومها أذابوه ثم باعوه وأكلوا ثمنه) ولكن هذا الواقع المؤلم مصداق قول النبي ﷺ : (لتركبن سنن من كان قبلكم.
! قالوا: اليهود والنصارى؟ قال: فمن) وهو ارتكاب لما نهى عنه الرسول ﵊ حيث قال: (لا ترتكبوا ما ارتكب اليهود فتستحلوا محارم الله لأجل الحيل) .
стр. 5896
تأثير جماعة التبليغ في الواقع
ما رأيك في جماعة التبليغ والذهاب معهم كمبتدئ لوجود بعض الخطأ؟
هل لهذه الجماعة تأثير في هداية الناس؟ السائل: لا.
الجواب: هذا تكذيب بالواقع, كلامك هذا تكذيب بالواقع, والواقع أن لها تأثيراً عظيماً في هداية الناس, كم من فاسق صار مستقيماً, وكمن كافر أسلم, هذا شيء لا ينكره أحد, إلا من اتخذ منهم موقفاً معيناً فإن الحسنات تكون سيئات, وهذا معروف كما قال الشاعر:
وعين الرضا عن كل عيب كليلة كما أن عين السخط تبدي المساويا
حدثني من أثق به عن شخص لا أثق به إلا في هذه القضية, كان له ابن أخت فاسقاً فاجراً، ما من معصية ذكرت إلا ارتكبها, مظلم الوجه, سيئ الملكة, يقول في يوم من الأيام فقدنا هذا الرجل, بقي خمسة أشهر أو أكثر أو أقل تقريباً, فقلنا لعل الله أتى بسائق مجنون وارتطم به! ويقول بعد مدة ما بين صلاة الظهر وصلاة العصر, رجل يقرع الباب فقلنا من؟ -أي: الخال؛ لأن هذا ابن أخته- يقرع الباب السلام عليكم, والرجل هذا قال: أسأل الله ألا يبتليني! مَنْ الرجل المطوع الذي جاءنا في هذا الوقت؟ فقام وفتح الباب, وإذا بالرجل البهي المنور وجهه الملتحي, من أنت؟ قال: أنا ابن أختك, ولم يعرفه, قال: لو تريدني أن أعد لك الآن حجر البيت, وغرف البيت, وحمامات البيت, وأنواع الفرش في البيت لفعلت! المهم أنه قال له: ادخل, فدخل, وقال: ما الذي حولك إلى أن صرت إلى هذا الحال؟ قال: والله! الحقيقة إني ما عرفت الدنيا ولا أني مخلوق إلا بعد ما حصل, قال: ما الذي حصل؟ قال: جاءني إخوة من جماعة التبليغ واتصلوا بي وقالوا ادخل معنا في المسجد اسمع الذكر واسمع القرآن, ففعلت, ثم قالوا لي: اذهب إلى الحمام وتغسل وتنشط, وقالوا: اخرج معنا, فخرجت معهم, تسبيح وقراءة قرآن وصلاة وإيثار وخدمة, تعجبت قلت: هل هذا في عالم آخر غير عالمنا؟ يقول: فمشيت معهم وسبحان الله عرفت الآن أنني في الدنيا, استنار قلبي وهداني الله, وقصص كثيرة من هذا النوع أو القريب منه, فلهم تأثر بالغ.
لكن فيهم مسألتين: المسألة الأولى: الجهل, ليس عندهم علم, قد يكون أفراد منهم عندهم علم لكن غالبهم ليس عندهم علم.
المسألة الثانية: ما يذكر من البدع في القوم الذين خارج البلاد السعودية , على أن هذا غير مسلَّم, لأنه يوجد أناس من أهل القصيم ذهبوا إلى الأمكنة تلك ويقولون: والله ما رأينا شيئاً! بل كان الرجل يأتي منهم له تسعين سنة ثم يصلى المغرب ويخطب إلى العشاء, وبعد صلاة العشاء خطب إلى ثلث الليل, وهو كبير السن وكل كلامه ليس فيه ما ينتقد, ولما انتهى أتينا سلمنا عليه ولما عرف أننا من السعودية جلس وقال: الحقيقة نحن ما نريد إلا الحق, والواجب عليكم أنتم يا علماء السعودية إذا سمعتم عنا أي شيء بلغونا عنه.
فالحاصل أن الجماعة لا شك أن لهم تأثيراً بالغاً في إصلاح القلوب وإرجاعها, ولكنهم يحتاجون إلى علم.
стр. 5897
الجمع بين حديث: (لله مائة رحمة) وبين حديث: (إن الله خلق مائة رحمة)
حديث في صحيح البخاري: (لله مائة رحمة) ورد أيضاً لفظ في البخاري: (أن الله خلق مائة رحمة) فأشكل -يا شيخ- وصف الرحمة بالخلق؟!
الرحمة تطلق على شيئين: رحمة هي وصف الله فهذه غير مخلوقة, وهذه لا يعلم كنهها إلا الله وليست محصورة بعدد, ورحمة أخرى مخلوقة فهذه تعلم بآثارها, وكذلك قد تحصى, ومن ذلك قول الله ﵎ للجنة: (أنتِ رحمتي أرحم بك من أشاء) مع أن الجنة ليست صفة من صفات الله, فالمقصود بهذه الرحمات المائة رحمات مخلوقة يلقيها الله ﵎ على الخلق, فألقى رحمة في الدنيا تتراحم بها الخلائق، حتى أن البهيمة لترفع حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه, ونحن رأينا من هذا عجائب! حتى الذر إذا دخل الماء جحره أخذ يحمل أولاده إلى مكان آمن شاهدت هذا بعيني, حتى السباع والقطط وغيرها, الذئبة إذا أخذت ولدها لا يمكن أن تتركه إلا أن تموت هي, من علمها هذا؟ الذي ألقى الرحمة.
стр. 5898
حكم الجهاد في هذا الزمن
ما حكم الجهاد في زمننا هذا هل هو فرض كفاية أم فرض عين؟ وإذا كان فرض كفاية متى يكون فرض عين على هذه الأمة؟
أولاً يجب عليك أن تعلم أن الجهاد لا يكون فرض عين على جميع المسلمين, هذا شيء مستحيل, قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ [التوبة:١٢٢] وبين الحكمة فقال: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة:١٢٢] أي: القاعدون, لأنهم لو انصرفت الأمة كلها للجهاد تعطلت بقية الشرائع والشعائر.
لكن يكون فرض عين في مواضع: الموضع الأول: إذا حضر الإنسان صف القتال فإنه يجب عليه أن يكمل, قال الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال:١٥-١٦] .
الموضع الثاني: إذا حصر العدو بلده, فهنا يجب عليه أن يقاتل دفاعاً عن نفسه وعن بلده الإسلامي.
الموضع الثالث: إذا استنفره الإمام -واضبط كلمة الإمام واكتبها بحرف كبير- إذاً لابد من إمام يقود الجيش الإسلامي, إذا استنفره الإمام يجب أن يخرج, فمثلاً يقول لأهل البلد: اخرجوا للجهاد يجب أن يخرجوا؛ لأن معصية ولاة الأمور محرمة, ولما وجه الخطاب لهؤلاء وجب عليهم أن يقوموا بذلك.
الموضع الرابع: إذا احتيج إليه بأن يكون هذا الرجل يعلم من استعمال هذا النوع من السلاح وغيره لا يعمله, فهنا يتعين عليه أن يباشر.
في غير هذه المواضع الأربعة لا يكون الجهاد فرض عين, ثم الجهاد -يا إخواني- لابد من راية إمام, لأنه سيصبح عصابات, لابد من إمام يقود الأمة الإسلامية, ولذلك تجد الذين قاموا بالجهاد من غير راية إمام لا يستقيم لهم حال, بل ربما يبادون عن آخرهم وإذا قدر لهم انتصار صار النزاع بينهم.
فعلى كل حال نسأل الله أن يعيننا على جهاد أنفسنا, نحن الآن بحاجة إلى جهاد النفس, القلوب مريضة والجوارح مقصرة والقلوب متنافرة, هذا يحتاج إلى جهاد قبل كل شيء.
سبحانك اللهم ربنا وبحمدك أشهد ألا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك, وإلى إشعار آخر إن شاء الله.
стр. 5899
لقاء الباب المفتوح [٢١٣]
لأهل العلم وحملته منزلة عظيمة في الإسلام، لا ينالونها إلا بضوابط، فإن حاملو العلم كان لزاماً عليهم أن يقوموا بحقه من العمل به، والدعوة إليه، والحرص على التزود منه.
وبعد هذه الاستهلالة عن العلم والعلماء، أوردت هذه المادة الكثير من الفتاوى العامة والفوائد والإجابات القيمة عن أسئلة الحاضرين.
стр. 5900
فضل العلم وواجبات حامليه
الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين, أما بعد: فهذا هو اللقاء الثالث عشر بعد المائتين من اللقاءات التي تسمى لقاء الباب المفتوح, التي تتم كل يوم خميس, وهذا الخميس هو التاسع والعشرون من شهر جماد الأولى عام (١٤٢٠هـ) .
نفتتح هذا اللقاء بما ينبغي أن نفتتح به هذا العام الدراسي, هذا العام الدراسي يستقبل فيه الناس الأعمال الدراسية, من السنة الابتدائية إلى الدراسات العليا, والذي ينبغي استقباله به هو أولاً إخلاص النية لله , بأن ينوي الإنسان بطلبه للعلم رضوان الله وامتثال أمره؛ لأن الله أمر بالعلم ورغب فيه فقال : ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩] وقال الله : ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١] والتحريض على الشيء يستلزم الأمر به, ولا شك أن هذه الشريعة الإسلامية قامت بالعلم والعمل.
стр. 5901
طلب العلم والجهاد في سبيل الله
وجعل الله العلم معادلاً للجهاد في سبيله، فقال : ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة:١٢٢] فبين الله أنه لا يمكن للمؤمنين أن ينفروا للجهاد في سبيل الله كلهم, وهذا يدل على أن الجهاد في سبيل الله لا يمكن أن يكون فرض عين على كل واحد كفرض الصلوات مثلاً, بل لابد أن يكون كل جهة من الشريعة الإسلامية لها أهلها القائمون بها, قال: (فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ) من كل فرقة طائفة لا كل فرقة أيضاً من الفرق في القبائل أو البلدان طائفة ليتفقهوا في الدين, أي: القاعدون, لأن معنى الآية: (فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ) وقعد طائفة, ليتفقهوا -أي: القاعدون- في الدين, (وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) .
فإذا علمت أن طلب العلم معادل للجهاد في سبيل الله فاعلم أنه جهاد في سبيل الله, وفي بعض الأحيان لا يمكن الجهاد إلا بالعلم, فالمنافقون مثلاً لا يمكن جهادهم بالسلاح؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما استؤُذِن في قتلهم أبى, وقال: (لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه) ولأن النفاق مستور, ونحن مأمورون بأن نعامل الناس بما يظهر من حالهم في الدنيا أما في الآخرة فأمرهم إلى الله, فالمنافق -مثلاً- لا يمكن جهاده بالسلاح بل بالعلم والمجادلة بالتي هي أحسن, والتخويف وما أشبه ذلك.
стр. 5902
أهمية العمل بالعلم
ثانياً: أن يكون طالب العلب متحلياً بما علمه من العلم, فهو أول مسئول عن تطبيق علمه؛ لأن العلم إما لك وإما عليك, كما قال النبي ﷺ : (القرآن حجة لك أو عليك) وليس هناك شيء وسط لا لك ولا عليك بل هو إما لك إن عملت به, وإما عليك إن لم تعمل به, فأنت الآن إذا كنت طالب علم كحامل سلاح, إما أن يكون عليك أن تصوبه إلى صدرك, وإما أن يكون لك تدافع به.
فيجب على طالب العلم إذا علم شيئاً من مسائل الدين أن يكون أول عامل به إن كان أمراً فعله, وإن كان نهياً اجتبنه؛ ولأن الإنسان إذا عمل بعلمه بارك الله له في العمل, وحفظه عليه, وزاده منه, كما قال : ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد:١٧] ولأن طالب العلم إذا عمل بعلمه وثق الناس به, وصار أسوة للمسلمين في مقاله وفعاله, وما أكثر الذين يقتدون بالعالم في فعله أكثر من قوله, وما أكثر الذين ينتقدون العالم أكثر وأكثر إذا رأوه لا يطبق علمه, فإنهم يقولون: لو كان هذا صادقاً في العلم لكان هو أول من يعمل به, فعليك -أخي- بالعمل بما علمت حتى يبارك الله لك في علمك, وينفع الله بك أكثر.
стр. 5903
أهمية الدعوة إلى الله
وينبغي لطالب العلم أن يدعو إلى الله تعالى بعلمه, بل يجب أن يدعو إلى الله تعالى بعلمه, لأن الله تعالى إذا علمك علماً فقد أخذ عليك ميثاقاً أن تبينه وتدعو إلى الله به, قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران:١٨٧] , ورجل لا يدعو الناس بعلمه كتابه خير منه, لأن الكتاب قد ينتفع به في المستقبل, وأما هذا الذي لا يدعو فإنه حجر غير نافع, فالواجب على كل من آتاه الله علماً أن يبلغه لقول النبي ﷺ : (بلغوا عني ولو آية) لا تقل أنا ما وصلت إلى حد الاجتهاد, متى علمت المسألة وتيقنتها فعلم الناس إياها, وبلغهم إياها, ولا تحقر نفسك، فإنك إذا علمت شخصاً وانتفع، وعلمه آخر وانتفع، صار لك مثل أجورهم, فالدال على الخير كفاعل الخير.
ولكن في هذا الحال يجب التثبت من العلم؛ لأن بعض الناس يدعو وهو يظن أنه عالم وليس بعالم, فالواجب أن تتثبت إما من عالم تثق به وإما إذا كان عندك ملكة تستطيع أن تفهم المسائل من الكتب فافعل, وينبغي لطالب العلم أن يحرص على نشر علمه في كل مناسبة, في المجالس, في المجتمعات, في الصحف والمجلات, في المطويات والرسائل, المهم أن ينشر علمه ما استطاع؛ لأنه إذا فعل ذلك كسب خيراً كثيراً, وصار خيره أفضل من خير التاجر الذي يبذل المال ليلاً ونهاراً لمن ينتفع به, والعلم ليس له مئونة في نشره وبيانه, ولا ينقص في بذله بل يزيد كما قيل في العلم:
يزيد بكثرة الإنفاق منه وينقص إن به كفاً قبضتَ
стр. 5904
أهمية تقييد العلم
وينبغي لطالب العلم أن يقيد ما علمه, خصوصاً القواعد والضوابط والمسائل النادرة لئلا تفوته, فكثيراً ما يستحضر الإنسان مسألة نادرة ليست قريبة يدركها الإنسان بأدنى تأمل, ثم يعتمد على حفظه ويقول: هذه إن شاء الله لا أنساها, فينساها سريعاً, فقيد المسائل خصوصاً النادرة أو القواعد أو الضوابط حتى يكون لديك رصيد, وقد قيل: (قيدوا العلم بالكتابة) وقيل:
العلم صيد والكتابة قيده قيد صيودك بالحبال الواثقة
فمن الحماقة أن تصيد غزالة وتتركها بين الخلائق طالقة
стр. 5905
أهمية احترام المعلم
وينبغي لطالب العلم أن يحترم معلمه, وأن يجعله في منزلة الأب, فإن الأب إذا كان يغذيك بما يقوم به البدن, فهذا يغذيك بما يقوم به الإيمان والعمل, فاحترم المعلم بقدر المستطاع, واحترام المعلم يؤدي إلى الإنتاج؛ لأن المعلم إذا رأى من تلاميذه أنهم يحترمونه احترمهم, وزاد في إنتاجه وفي تعليمه إياهم, لكن إذا كان الأمر بالعكس انعكس الأمر, بمعنى أنه إذا رأى الأستاذ من تلاميذه أنهم لا يحترمونه لم يحترمهم, ولم يحرص على منفعتهم, بل كان يعلمهم وهو كاره لمقابلتهم, فاحترم المعلم, وإذا أخطأ وتيقنت خطأه فلا تقم أمام التلاميذ ترد عليه, لأن هذا غير لائق وهذا يوجد انتقاص المعلم، والطلاب إذا انتقصوا المعلم لم ينتفعوا منه, بل بإمكانك أن تتركه حتى يخرج من مكان الدرس ثم تكلمه بهدوء وتبين له ما رأيته من خطأ, فقد تكون أنت المخطئ, فإذا حصل التفاهم فلابد من الوصول إلى الحق مع حسن النية, فإذا رجع الأستاذ عن خطئه في المقابلة التالية فهذا هو المطلوب، وإن لم يرجع فحينذٍ لك العذر أن تقوم وتورد إشكالاً لا تعليماً بمعنى لا تقوم كأنك معلم له, تقول: يا أستاذ! أخطأت! مثلاً, لكن تورد إشكالاً فتقول: لو قال قائل كذا وكذا حتى يتم الأمر على الوجه المطلوب مع احترام المعلم.
أسأل الله تعالى أن يجعل عامنا هذا عام خير وبركة وأن يرزقنا العمل بما علمنا مع الإخلاص والمتابعة إنه على كل شيء قدير.
стр. 5906
الأسئلة
стр. 5907
حكم العمل لنيل الأجر الدنيوي والأخروي من الطاعة
جاءت أدلة عن النبي ﷺ أن هناك نوعاً من الطاعات إذا فعلها الإنسان يؤجر عليها في الدنيا والآخرة, مثل: (تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب) وكذلك أيضاً: (ما نقص مال من صدقة) كذلك: (صلة الرحم وبر الوالدين تطيل في العمر وتكثر الرزق) فهل الإنسان إذا فعل هذه الطاعة لكي يكثر ماله ويطيل في عمره يؤجر في الآخرة؟
نعم هذا سؤال مهم, الشريعة الإسلامية والحمد لله جاء فيها حوافز دينية ودنيوية, لأن الله تعالى علم نقص العبد واحتياجه إلى ما يشجعه, ونقص العبد واحتياجه إلى ما يردعه, فجاءت الأعمال الصالحة يذكر فيها ثواب الآخرة وثواب الدنيا, تشجيعاً للمرء لأن المرء محتاج لهذا في الدنيا والآخرة كما قال الله : ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [البقرة:٢٠١-٢٠٢] فلا حرج على الإنسان أن يعمل العمل الصالح ملاحظاً ما رتب عليه من ثواب الدنيا, ولا ينقص أجره شيئاً؛ لأنه لو كان هذا ينقص العبد شيئاً ما ذكره الله ورسوله, لكن هذه من باب الحوافز, ثم ما يحصل للقلب من الطاعات جدير بأن يشجع الإنسان عليها, كذلك بالعكس النواهي, جاءت الحدود والتعزيرات حتى يرتدع الناس عما فيه الحد, فالزنا حده للبكر أن يجلد مائة جلدة ويطرد من البلد لمدة سنة, وفي الثيب أن يرجم, الإنسان ربما يكون عنده ضعف إيمان ولا يردع عن الزنا إلا مثل هذه العقوبات, فهذه من حكمة الشرع, حتى أن النبي ﷺ كان يقول في بعض غزواته: (من قتل قتيلاً فله سلبه) أي: ما معه من سلاح وثياب وغيرها.
стр. 5908
الأرض هي مركز الكون
مادة الجغرافيا التي تدرس أذكر أن الأرض هي مركز الكون والشمس تدور حولها, هل هذا موافق لما هو موجود في القرآن؟
هذا الذي في القرآن, أن الأرض هي المركز والشمس تدور عليها, الدليل قول الله ﵎: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾ [الكهف:١٧] فأضاف الله الطلوع والغروب إلى الشمس, وأضاف إليها التزاور والقرض, وقال الله : ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يس:٣٨] فظاهر القرآن أن الشمس هي التي تدور على الأرض, ويجب علينا أن نأخذ بهذا الظاهر, لأن الذي يتكلم بهذا هو الخالق , وهو أعلم بخلقه من غيره, ولا يمكن أن نكذب هذا ونلجأ إلى قول العصريين أن الأرض هي التي تدور, وبدورانها يكون اختلاف الليل والنهار, إلا إذا علمنا علماً يقينياً أن هذا هو الواقع فحينئذٍ نؤول الآيات عن ظاهرها إلى ما يوافق هذا الواقع, أما مجرد قولهم فإنا نقابل قولهم بقول الله الخالق, ونقول: الأرض هي المركز والشمس تدور عليها, والقمر يدور عليها, والنجوم تدور عليها, وليس هذا هو الموجود في كتب الفلكيين المتأخرين, المعروف عنهم أن الأرض هي التي تدور وبدورانها يكون اختلاف الليل والنهار, ولكن هذا غير مسلَّم إلا إذا علمناه كما نعلم ثيابنا التي علينا, لأنه لا يمكن أن نخالف ظاهر القرآن والسنة لكلام أي إنسان, حتى أن النبي ﷺ قال لـ أبي ذر وقد غربت الشمس: (أتدري أين تذهب؟ قال: الله ورسوله أعلم, قال: فإنها تذهب وتسجد تحت العرش فتستأذن فإن أذن لها وإلا رجعت من حيث جاءت) هذا صريح بأن الشمس هي التي تغيب وهي التي تذهب فما بالنا ندع هذا؟ إذا كان يوم القيامة والإنسان واقف بين يدي الله وكان عقيدته على خلاف ذلك ما حجته عند الله؟ قول فلان وفلان ليس بحجة.
فالواجب علينا أن نأخذ بظاهر القرآن والسنة في هذا الأمر, إلا إذا علمنا علم اليقين كما نعلم ثيابنا التي علينا بأن الأرض هي التي تدور وبدورانها يكون اختلاف الليل والنهار فحينئذٍ نسلم, ثم لنا الفسحة أن نؤول الكتاب والسنة لما يوافق الواقع, لأن القرآن والسنة لا يخالفان الواقع.
стр. 5909
بين طلب العلم ومخالطة الناس
كان من طريقة علماء السلف رضوان الله عليهم البارزين أنهم كانوا يعاملون العامة ويصبرون على أذاهم في سبيل التأثير عليهم, ومحاولة دعوتهم إلى الصراط المستقيم, ألا ترى أنه ينبغي لطالب العلم كذلك الدخول في أوساط الناس ومعاملتهم بالحسنى, والصبر على أذاهم, وقضاء حوائجهم, والشفاعة لهم؛ لأن بعض طلبة العلم -يا شيخ- يترفع عن ذلك بدعوى أن هذا قد يشغله عن طلب العلم, والدخول في أوساط الناس بدعوى أنهم مقصرون, ولديهم بعض التقصير في بعض السنن أو بعض الواجبات يجعله يترفع عنها, فكيف يجمع بين هذا الأمر؟
لا شك أن مخالطة الناس والصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم, لكن إذا كانوا يشغلونه عما هو أهم, فالقواعد الشرعية تقتضي أن نبدأ بالأهم فالأهم, والإنسان لو بقي يتلقى كلما يطلب الناس منه لانشغل حتى عن الصلوات, في وقتنا الحاضر ما أكثر الذي يتكففون يطلبون المال, وما أكثر الذين يطلبون الشفاعة, ولو فتح الإنسان الباب للناس في هذا الأمر لانشغل حتى عن الفريضة, لكن تارة وتارة, ويفرق بين الشيء الملح والشيء غير الملح, فيجب التفريق.
ثم أيضاً إذا رأى الإنسان من مخالطة الناس أنهم يمتهنونه ولا يهابون قوله ولا توجيهه فليختصر, لأن بعض الناس إذا خالط الناس وصار يضحك معهم ويمزح معهم ويجعل نفسه كواحد منهم لا يهابوه ولا يأخذون بقوله, لكن قد يكون مع أناس ينزل إلى هذه المرتبة لأنه يعرف قدره في نفوسهم حتى لو خالطهم هذا الاختلاط ومع الآخرين لا يمكن أن يخالطهم هذا الاختلاط, والإنسان طبيب نفسه.
стр. 5910
رؤية الله في المنام
هل يرى الله في المنام؟
إن الله يعلم بما أوحاه إلى نبيه ﷺ , فالقرآن كلام الله كأنما يخاطبك الله به, كما قال : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً﴾ [النساء:١٧٤] هذا يكفيك عن رؤية الله, ورؤية الله في الدنيا يقظة لا تمكن, حتى موسى ﵊ وهو من أولي العزم من الرسل لما سأل الله الرؤية, قال الله له: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] أي: لا يمكن أن تصبر على رؤيته, ثم ضرب له مثلاً فقال: ﴿انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً﴾ [الأعراف:١٤٣] صار الجبل كالرمل حينئذٍ خر موسى صعقاً, وعلم أنه ليس بإمكانه أن يرى الله .
أما رؤيته في المنام فقد رأى النبي ﷺ ربه في المنام كما في حديث اختصام الملأ الأعلى, أما غير الرسول فذكر عن الإمام أحمد أنه رأى ربه والله أعلم هل يصح هذا أم لا يصح؟ لكن نحن لسنا في حاجة في الهداية إلى رؤية الله , حاجتنا أن نقرأ كلامه ونعمل بما فيه, وكأنما يخاطبنا, ولهذا ذكر الله أنه أنزل الكتاب على محمد وأنزله إلينا أيضاًَ حتى نعمل به, ولا تشغل نفسك بهذه الأمور, فإنك لن تصل إلى نتيجة مرضية, عليك بالكتاب والسنة والعمل بما فيهما.
стр. 5911
ضرورة تحديد أجر الأجير
رجل بنى بيتاً بتسعمائة ألف ريال ولكن لم يكتمل البناء, والمالك ليس معه مال, فعرض المالك البيت في السوق ولم يُبَعْ, فأتوا أناس آخرون وعرضوا مبلغاً إضافياً لتكملة البناء, واشترطوا على تكملة البناء في بيعه يتناصفون الربح مع المالك, هل يجوز؟
لا يجوز هذا لأنه مجهول, لابد أن يتفقوا على تكميل البيت بشيء معين, وإذا اتفقوا على شيء معين انتهى الموضوع, والربح يكون للمالك.
السائل: يعني المالك يشرط عليهم (٥%) من الربح؟ الشيخ: أبداً يقول المالك كملوا ما بقي مثلاً بعشرة آلاف أو عشرين ألف مقطوع.
السائل: يعني يدفعون فرضاً مائة ألف تكملة ويقول لهم: لكم عشرة آلاف زيادة؟ الشيخ: يتفق مع هذا الشخص أن يكمل البناء بعشرة آلاف أو بمائة ألف أو بمليون, بعد التكملة تعطونه أجرته وانتهى.
стр. 5912
كسب الحجام خبيث وليس حراماً
ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (كسب الحجام خبيث) وفي المقابل في الحديث الآخر أنه أعطى الحجام أجره, فكيف الجمع بين هذا الحديثين؟
ثبت عنه أنه سمى البصل والكراث ونحوها خبيثاً, هو حلال أم حرام؟ حلال, هذا مثله, خبيث أي: كسب رديء, فلا ينبغي للحجام أن يأخذ أجرة, وإن أخذ فبقدر العمل فقط بدون ربح, ولكنه ليس حراماً, ولهذا احتج ابن عباس ﵄ بإعطاء النبي ﷺ أجر الحجام على أنه حلال, فقال: احتجم النبي ﷺ وأعطى الحجام أجره ولو كان حراماً ما أعطاه, والخبث يكون له معاني كثيرة, قال الله : ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة:٢٦٧] ما المراد بالخبيث؟ الخبيث الرديء, ليس كل خبيث حراماً, قد يكون مراد الخبيث الرديء, أو الذي يكرهه الناس مثلاً.
стр. 5913
حكم تقبيل المصحف
ما حكم تقبيل المصحف, ومع توجيه ما يروى عن بعض الصحابة أنهم كانوا يقبلونه ويضعونه على صدورهم؟
لا أظنه يصح عن الصحابة, هذا بدعة محدثة أخيراً, والصواب أنها بدعة وأنه لا يقبل, ولا شيء من الجمادات يقبل إلا شيء واحد وهو الحجر الأسود, وغيره لا يقبل, احترام المصحف حقيقة بألا تمسه إلا على طهارة, وأن تعمل بما فيه, تصديقاً للأخبار وامتثالاً لأوامره واجتناباً لنواهيه.
стр. 5914
طلب العلم لأجل الدنيا شرك أصغر
الآن يقال عن بعض أهل العلم: إذا أراد إنسان بعلمه ابتغاء الدنيا فقط لا يريد الآخرة فهذا شرك, فهل المقصود بالشرك الشرك الأصغر أم الشرك الأكبر؟
شرك أصغر, ولهذا جعلوا على من طلب علماً مما يبتغى به وجه الله لا يريد إلا أن ينال عرضاً من الدنيا لم يرح رائحة الجنة, أما علوم الدنيا فلا بأس كالهندسة والصناعة وما أشبه ذلك, لكن علم الشريعة لا تنوِ به إلا حفظ الشريعة.
стр. 5915
خطورة البحث في الغيبيات
ورد في الحديث عن النبي ﵊ أنه قابل الأنبياء في السماء في حديث المعراج وهذا بعد موتهم إلا عيسى, فهل نقول: إن النبي ﵊ بعد موته في السماء الآن بمنزلته, لأن بعض أهل العلم يرى بضعف حديث أن الأرض حرمت (إن تأكل أجساد الأنبياء) فما رأيكم؟
رأينا أن نقف في أمور الغيب على ما جاء به النص ولا نبحث, وهذا من التعمق والتنطع, البحث في أمور الغيب غلط عظيم, فالرسول ﵊ قابل الأنبياء في السموات وسلم عليهم وردوا ﵇ ورحبوا به, وصلى بهم أيضاً في بيت المقدس, وأخبر أن الأرض حرم الله عليها أن تأكل أجساد الأنبياء فنقف على هذا, فأما جسد الرسول ﵊ فلا شك أنه في الأرض وكذلك أجساد الأنبياء, وأما أرواحهم فالله قال في الشهداء ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩] والأنبياء أفضل من الشهداء, لكن مع ذلك نسكت كما سكت الله ورسوله.
وإياك في أمور في الغيب أن تحاول أن تتقدم ولو خطوة واحدة على ما جاء به النص! لا في هذا الأمر ولا في أسماء الله وصفاته, لأن الزلة عظيمة, والصحابة ﵃ أشد منا حرصاً على العلم, وعندهم من هو أعلم منا الرسول ﵊ ومع ذلك لا يسألونه عن مثل هذه الأمور, أنت عليك بما يختص بك, ما الذي يجب عليه اعتقاده, ما الذي يجب عليه فعله من طهارة وصلاة وزكاة وغيرها.
أنا لم أجد طمأنينة أكثر من الوقوف على ما ورد في أمور الغيب, ولا نبحث وراءها.
стр. 5916
صورة بيع العربون وحكمه
ما صورة بيع العربون؟ وما حكمه؟
أن أقول اشتريت منك هذا التلفون بعشرة ريالات, هذه ريالان إن تم البيع فهو أول الثمن ويبقى ثمانية ريالات, وإن لم يتم البيع فالريالان لك, هذا جائز وفيه مصلحة, لأن البائع إذا ردت عليه السلعة سوف تنقص عند الناس لا سيما إذا علموا بذلك, فكون الريالين لي تكميلاً لما ينقص, والمشتري أيضاً يكون في حل كونه يخسر ريالين ولا يخسر عشرة، والعربون جائز.
стр. 5917
حكم لحوم أهل الكتاب
لقد أفتيت سابقاً فيما يتعلق باللحوم المستوردة من بلاد أهل الكتاب بالجواز, فهل يجوز قياساً على ذلك أكل لحوم أهل الكتاب حتى في بلادهم, علماً بأنهم لا يذبحون بالذبح الشرعي؟
الله قال: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة:٥] وسكت, فما يعتقدونه طعاماً ولم يحرم بعينه فهو حلال ولا تسأل, إلا ما علمت يقيناً أنه حرام, فمثلاً الخنزير لا نأكله لأنه حرام بعينه, الظأن والمعز نأكلها إلا إذا علمنا أن هذه الشاة نفسها ذبحت على غير الطريقة الإسلامية, على أن بعض العلماء السابقين واللاحقين يقولون: حتى ولو خنقوها خنقاً وهم يعتقدونها حلالاً فهي حلال لك, لأن الله قال: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) فما اعتقدوه طعاماً فهو حلال لنا, لكننا لا نرى هذا.
نرى أنه لابد من انهار الدم وذكر اسم الله عليه, إلا أننا إذا أتانا ممن تحل ذبيحته ليس علينا -بل ولا لنا- أن نسأل كيف ذبحتموه؟ وهل سميتم الله عليه؟ والدليل حديث عائشة عند البخاري قالت: (إن قوماً قالوا: يا رسول الله! إن قوماً يأتونا باللحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا؟ قال: سموا أنتم وكلوه) وهذه إشارة من الرسول ﵊ أنه لا ينبغي السؤال, عليك بفعل نفسك أنت، سم وكل.
стр. 5918
تملك المال الحرام لكسبه بطريق الإرث مباح
إذا ورث إنسان مالاً من شخص وكان يعلم أن جزء من هذا المال مثلاً عشرة آلاف أو عشرين ألفاً أنه ربا صريح محرم, والباقي لا يعلم عنه أو مختلط, فماذا يفعل بالربا الصريح المحرم؟
لا بأس به هو حل له, لأنه ملكه بطريق مباح وهو إرث, إلا إذا علمت أن هذا مال فلان, وأن الميت غصبه فحينئذٍ لا يحل لك, وأما إذا كان محرماً لكسبه كالربا وما أشبه ذلك فهذا لا بأس به.
стр. 5919
حكم وقوع الطلاق ثلاثاً في مجلس واحد
تحديد محل النزاع في مسألة الطلاق الثلاث بكلمة واحدة, هل هو المقصود به أن يقول: أنتِ طالق ثلاثاً أو أن يكون أنتِ طالق طالق طالق؟!
هذه المسألة لا يمكن أن نفتي بها هكذا, إذا وقعت عليك قضية معينة فاستفت.
-السؤال يا شيخ من ناحية التعليم أنا أريد أن أتعلم؟ -لا, لأن الذي عندك الآن طلبة علم وعوام, اسمح لي أن أقول هكذا, وهذه المسائل الدقيقة لا يفتى بها علناً, يعني بعض العلماء كانوا يفتون بها سراً, حتى المجد ابن تيمية ﵀ جد شيخ الإسلام كان يفتي أن الثلاث واحدة لكن سراً, فالمسائل العظيمة هذه لا يطلق الباب هكذا! ألم تعلم الآن لما فتح الباب بأن الطلاق قد يقع موقع اليمين صار العالم الآن لا تبالي, كل الذي يقول: إن ذهبتِ إلى فلانة، فأنتِ طالق مع أن المسألة تافهة, مع أن الأئمة الأربعة كلهم وجمهور الأمة على أن هذا طلاق ولو قصد اليمين, فالآن تجرأ الناس, يعني أنا أكاد أقول: إني أفتي بأن الطلاق الثلاث واقع, لأني رأيت الناس تتايعوا فيه, وعمر بن الخطاب ﵁ ما أوقعه إلا حين كثر في الناس, ففي هذه المسائل لا يفتح الباب هكذا, إذا كان لك مناقشة فبيني وبينك إن شاء الله.
стр. 5920
حكم إطالة الكم
طول الكم هل يدخل في الإسبال؟
لكن هذا الكم هل هو إلى الكف أم إلى الأصابع؟ كل هذا جائز إلا إذا فعل الإنسان خيلاء, فنقول: يحرم من أجل الخيلاء.
следующие страницы →