← Фатава

Фатава · id 7687

لقاء الباب المفتوح

ابن عثيمين

Полный текст (6 569 стр.). Показаны 5916–5955 · переход к 5921.

стр. 5916

صورة بيع العربون وحكمه ما صورة بيع العربون؟ وما حكمه؟ أن أقول اشتريت منك هذا التلفون بعشرة ريالات, هذه ريالان إن تم البيع فهو أول الثمن ويبقى ثمانية ريالات, وإن لم يتم البيع فالريالان لك, هذا جائز وفيه مصلحة, لأن البائع إذا ردت عليه السلعة سوف تنقص عند الناس لا سيما إذا علموا بذلك, فكون الريالين لي تكميلاً لما ينقص, والمشتري أيضاً يكون في حل كونه يخسر ريالين ولا يخسر عشرة، والعربون جائز.

стр. 5917

حكم لحوم أهل الكتاب لقد أفتيت سابقاً فيما يتعلق باللحوم المستوردة من بلاد أهل الكتاب بالجواز, فهل يجوز قياساً على ذلك أكل لحوم أهل الكتاب حتى في بلادهم, علماً بأنهم لا يذبحون بالذبح الشرعي؟ الله قال: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة:٥] وسكت, فما يعتقدونه طعاماً ولم يحرم بعينه فهو حلال ولا تسأل, إلا ما علمت يقيناً أنه حرام, فمثلاً الخنزير لا نأكله لأنه حرام بعينه, الظأن والمعز نأكلها إلا إذا علمنا أن هذه الشاة نفسها ذبحت على غير الطريقة الإسلامية, على أن بعض العلماء السابقين واللاحقين يقولون: حتى ولو خنقوها خنقاً وهم يعتقدونها حلالاً فهي حلال لك, لأن الله قال: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) فما اعتقدوه طعاماً فهو حلال لنا, لكننا لا نرى هذا. نرى أنه لابد من انهار الدم وذكر اسم الله عليه, إلا أننا إذا أتانا ممن تحل ذبيحته ليس علينا -بل ولا لنا- أن نسأل كيف ذبحتموه؟ وهل سميتم الله عليه؟ والدليل حديث عائشة عند البخاري قالت: (إن قوماً قالوا: يا رسول الله! إن قوماً يأتونا باللحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا؟ قال: سموا أنتم وكلوه) وهذه إشارة من الرسول ﵊ أنه لا ينبغي السؤال, عليك بفعل نفسك أنت، سم وكل.

стр. 5918

تملك المال الحرام لكسبه بطريق الإرث مباح إذا ورث إنسان مالاً من شخص وكان يعلم أن جزء من هذا المال مثلاً عشرة آلاف أو عشرين ألفاً أنه ربا صريح محرم, والباقي لا يعلم عنه أو مختلط, فماذا يفعل بالربا الصريح المحرم؟ لا بأس به هو حل له, لأنه ملكه بطريق مباح وهو إرث, إلا إذا علمت أن هذا مال فلان, وأن الميت غصبه فحينئذٍ لا يحل لك, وأما إذا كان محرماً لكسبه كالربا وما أشبه ذلك فهذا لا بأس به.

стр. 5919

حكم وقوع الطلاق ثلاثاً في مجلس واحد تحديد محل النزاع في مسألة الطلاق الثلاث بكلمة واحدة, هل هو المقصود به أن يقول: أنتِ طالق ثلاثاً أو أن يكون أنتِ طالق طالق طالق؟! هذه المسألة لا يمكن أن نفتي بها هكذا, إذا وقعت عليك قضية معينة فاستفت. -السؤال يا شيخ من ناحية التعليم أنا أريد أن أتعلم؟ -لا, لأن الذي عندك الآن طلبة علم وعوام, اسمح لي أن أقول هكذا, وهذه المسائل الدقيقة لا يفتى بها علناً, يعني بعض العلماء كانوا يفتون بها سراً, حتى المجد ابن تيمية ﵀ جد شيخ الإسلام كان يفتي أن الثلاث واحدة لكن سراً, فالمسائل العظيمة هذه لا يطلق الباب هكذا! ألم تعلم الآن لما فتح الباب بأن الطلاق قد يقع موقع اليمين صار العالم الآن لا تبالي, كل الذي يقول: إن ذهبتِ إلى فلانة، فأنتِ طالق مع أن المسألة تافهة, مع أن الأئمة الأربعة كلهم وجمهور الأمة على أن هذا طلاق ولو قصد اليمين, فالآن تجرأ الناس, يعني أنا أكاد أقول: إني أفتي بأن الطلاق الثلاث واقع, لأني رأيت الناس تتايعوا فيه, وعمر بن الخطاب ﵁ ما أوقعه إلا حين كثر في الناس, ففي هذه المسائل لا يفتح الباب هكذا, إذا كان لك مناقشة فبيني وبينك إن شاء الله.

стр. 5920

حكم إطالة الكم طول الكم هل يدخل في الإسبال؟ لكن هذا الكم هل هو إلى الكف أم إلى الأصابع؟ كل هذا جائز إلا إذا فعل الإنسان خيلاء, فنقول: يحرم من أجل الخيلاء.

стр. 5921

معاملة أهل الكتاب المعاصرين كمعاملة السابقين بالنسبة لليهود والنصارى الموجودين الآن، هل يعتبرون من أهل الكتاب أم أنهم انقرضوا ما بقي إلا قليل منهم؟ هم الآن يدينون بدين النصارى, واليهود يدينون بدين اليهود ويتعصبون له. هل كانوا يحرفون الكلم عن مواضعه في عهد الرسول؟ هل كان النصارى يقولون: إن الله ثالث ثلاثة؟ هل كفرهم الله بهذا؟ هل السورة التي فيها: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة:٧٣] هي التي فيها: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة:٥] ؟ هل كان هذا خافياً على الله؟ الحمد لله فهمت الجواب الآن.

стр. 5922

حكم التسمي بـ (أبرار، شيرين، نسرين) ما حكم الشرع في نظركم في بعض الأسماء والتي قد تكون مأخوذة من بعض آيات القرآن الكريم مثل آلاء وأنفال و (إسراء) و (معارج) و (أبرار) و (طه) و (يس) وكذلك الأسماء التي مثل (شيرين) و (نسرين) هل هي جائزة؟ على كل حال بالنسبة للرجال (أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن, وأصدقها حارث وهمام) والأسماء والحمد لله كثيرة ولا إشكال, أما ما جاء في القرآن فما كان خاصاً بالقرآن فلا يسمى به مثل: (بيان) ، (موعظة) وما أشبه ذلك, وما لم يكن خاصاً بالقرآن فإنه لا بأس بالتسمية به إلا إذا كان فيه تزكية, فـ (أبرار) مثلاً لا يسمى؛ لأن النبي ﷺ غير اسم (برة) وهي واحدة فكيف الأبرار؟! لكن (أفنان) و (أغصان) و (آلاء) و (أنفال) ما فيها شيء. السائل: بالنسبة لشيرين؟ الشيخ: لا أعرف شيرين, ما الذي يدل عليه ما معناه؟ السائل: يطلق على آلهة الفرس. الشيخ: إذاً: آلهة الفرس! لا يحل؛ تسمية الأشخاص بما فيه الشرك لا يجوز.

стр. 5923

اغتسال أحد الزوجين بفضل الآخر في الحديث (أن النبي ﷺ نهى أن تغتسل المرأة: فضل الرجل، والرجل بفضل المرأة، وليغترفا جميعاً) والحديث الثاني: (أن النبي ﷺ كان يغتسل بفضل ميمونة) كيف الجمع بينهما؟ الأول نهي إرشاد يعني ينبغي للرجل مع زوجته ألا ينفرد بالغسل وهي بالغسل, والأفضل أن يغتسلا جميعاً في إناء واحد وفي مكان واحد هذا معنى الحديث, وليس نهياً للتحريم بل ولا للكراهه لكنه نهي إرشاد بدل من أنك تغتسل في إناء والزوجة في إناء اجتمعا, وهذا هو هدي النبي ﷺ كان يغتسل هو وعائشة من إناء واحد, تختلف أيديهما فيه, حتى تقول: دع لي! دع لي! وهذا أيضاً مما يؤدي إلى قوة المحبة والرابطة بين الزوجين. أما اغتسال النبي ﷺ بفضل ميمونة فلأنها سبقته, ولم يصادف وقت اغتسالها بوقت اغتساله, فاغتسل بعدها, وعلى هذا يتبين ضعف ما ذهب إليه الفقهاء من أن الرجل لا يغتسل بما خلت به المرأة لطهارة واجبة, بل نقول يغتسل ولا حرج.

стр. 5924

صرف الفوائد الربوية في المشاريع الخيرية بعض الطلاب المبتعثين في الخارج عندهم إشاعة أن هناك فتوى تجيز أخذ الفوائد الربوية من البنوك في الخارج, واستثمارها في الجمعيات الخيرية, سواء في الخارج أو في الداخل, السبب هو أن بعض البنوك تستغل هذه الفوائد في توزيعها للجمعيات سواء نصرانية أو يهودية أو في أعمال ضد الإسلام, فالإشكالية الآن أن هناك بعضهم يصدق هذه الإشاعات على أنها فتاوى صدرت من علماء أو من طلاب علم معروفين, رأيك يا سماحة الشيخ؟ لا استحسان مع النص, ولا قبول لفتوى تخالف الكتاب والسنة, فالقرآن الكريم يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة:٢٧٨-٢٧٩] , وفي السنة أعلن النبي ﷺ يوم عرفة في حجة الوداع: (ربا الجاهلية موضوع -أي: الربا الذي كان في الجاهلية موضوع- وأول رباً أضعه من ربانا ربا العباس بن عبد المطلب) فوضع الربا الذي كان في الجاهلية قبل أن يحرم في الإسلام وأهدره, فكيف يمكن أن نستحسن مع هذا النص, أخذ هذا الشيء وصرفه في مصالح خيرية هذا لا يجوز, وكيف يقابل الإنسان ربه يوم القيامة وهو يقول كذا, وأنت تقول: نأخذه استحساناً, هذه أنا أرى أنها فتوى خاطئة ممنوعة. وأما قولهم أن هؤلاء يجعلونها في أشياء ضد المسلمين فكل مالهم من أولها لآخرها يريدون بها ضد المسلمين, إذاً لا تبايعهم ولا تشاريهم, إذا اشتريت منهم سلعة وزعمت أنهم يتخذونها من المسلمين فالربح الذي تعطيهم سيجعلونه ضد المسلمين ولا فرق, ثم هذا الربا هل هو كسب مالك؟ لأن مالك ربما يجعلونه ويتجرون به ويخسر, فليس من نماء ملكك, إنما هو رباً يضعونه هم بأنفسهم, فإذا كان كذلك فأنت ليس منك التفريط, وليس منك معونة على المسلمين, لأنه بكل سهولة تقول: هذا ليس ربحاً مالياً, أنا لا أدري ما الذي تصرفوا به أكسبوا أم خسروا. فالمهم -يا أخي! والكلام للجميع- لا تستحسنوا شيئاً نهى الله ورسوله عنه, وأنت إذا تركت هذا فقد كسبت أشياء كثيرة: ١- علم هؤلاء الكفار أنك مسلم حقاً؛ لأنهم كفار -ولا سيما علماؤهم- يعلمون أن الربا محرم, محرم في التوراة والإنجيل وفي الإسلام, فإذا تركت هذا علموا أنك مؤمن حقاً وأنك لن تقدم الدنيا على الآخرة. ٢- إذا تركت هذا ولا سيما إذا كان ملايين أوجب للمسلمين أن يكوِّنوا بنوكاً إسلامية, وينفردوا بمعاملاتهم كما سمعنا اليوم في الإذاعة في لندن أن المسلمين في إنجلترا يطالبون ببنوك إسلامية وأن الحكومة تدرس هذا الطلب, أما كوننا ننساب مع الناس ونستحسن بعقولنا ما منعه الشرع هذا خطأ, هذا من جنس ما استحسن المعطلة معطلة الأسماء والصفات من الأشاعرة وغيرهم استحسنوا أن ينكروا من صفات الله ما يثبته الله لنفسه, لحجة أن العقل ينكرها, عليك بكتاب الله وسنة رسوله, وهما المتبوعان لا التابعان. نسأل الله أن يرزقنا وإياكم التمسك بدينه والوفاة عليه, إنه على كل شيء قدير, وإلى هنا انتهى المجلس, والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 5925

لقاء الباب المفتوح [٢١٤] تحدث الشيخ ﵀ عن تفسير آيات من سورة الحديد، وقد تناول هذا التفسير إنكار الله على الكفار في عدم إيمانهم مع أنه قد تمت أسبابه، ثم إنكاره على الذين لا ينفقون في سبيله، ثم ذكر الشيخ مسألة مهمة، وهي: أن الدين الإسلامي دين العدل لا دين المساواة كما يزعم بعض الناعقين محذراً من هذه الدعوة ومبيناً خطرها.

стр. 5926

تفسير آيات من سورة الحديد الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. أما بعد: فهذا هو اللقاء الرابع عشر بعد المائتين من اللقاءات التي يعبر عنها بلقاء الباب المفتوح التي تتم كل يوم خميس، وهذا الخميس هو السادس من شهر جمادى الثانية عام (١٤٢٠هـ) . نبتدئ هذا اللقاء بتفسير آيات من كتاب الله مما انتهينا إليه في سورة الحديد.

стр. 5927

تفسير قوله تعالى: (وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم) قال الله عز جل: ﴿وَمَا لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الحديد:٨] وهذه الآية معطوفة على الآية التي قبلها، وهي قوله تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ * وَمَا لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [الحديد:٧-٨] يعني: أي شيء يمنعكم من الإيمان بالله، وقد تمت أسباب وجوب الإيمان به، وذلك بدعوة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما قال : ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ﴾ [الحديد:٨] يعني أخذ الله ميثاقكم: العهد أن تؤمنوا به، وبرسله، فصار هناك سببان للإيمان. الأول: دعوة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إليه. والثاني: الميثاق الذي أخذه الله علينا، وذلك بما أعطانا من الفطرة والعقل والفهم الذي ندرك به ما ينفعنا ويضرنا، هذا هو الصحيح بمعنى الميثاق، وقيل أنه الميثاق الذي أخذه الله تعالى على بني آدم حين أخرجهم من ظهره إن صح الحديث الوارد في ذلك. المهم أن الله تعالى ينكر على من لم يؤمن ويقول: ما الذي حملك على ألا تؤمن وقد تمت أسباب وجوب الإيمان في دعوة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأخذ الميثاق؟! ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ يعني إن كنتم مؤمنين فالزموا الإيمان بالله ورسوله.

стр. 5928

تفسير قوله تعالى: (هو الذي ينزل على عبده آيات بينات) ثم قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الحديد:٩] لما ذكر أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يدعو إلى الإيمان، بين أنه ﷺ أتى بآيات بينات، أي علامات دالة على صدقه وأن ما جاء به فهو حق، ومعنى بينات: ظاهرات، فيما اشتملت عليه من القصص النافعة، والأخبار الصادقة، والأحكام العادلة، والفصاحة التامة، والبيان العجيب، حتى أن العرب وهم أئمة البلاغة وأمراؤها تحداهم الله عدة مرات أن يأتوا بمثل هذا القرآن فلم يستطيعوا، فيقول : ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ أي علامات دالة على أنه رسول الله حقاً، وأن ما جاء به فهو حق، وذلك لما اشتملت عليه من الأخبار الصادقة والأحكام العادلة والقصص النافعة، والفصاحة والبلاغة وغير ذلك مما هو معلوم. وقوله : ﴿لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحديد:٩] قوله: (لِيُخْرِجَكُمْ) يحتمل أن يكون المراد بذلك الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أي ليكون سبباً لإخراجكم من الظلمات إلى النور، ويحتمل أن يعود إلى الله ، أي ليخرجكم الله تعالى بهذه الآيات من الظلمات إلى النور وكلا المعنيين حق، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة:٢٥٧] وقال الله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [إبراهيم:١] فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سبب أن يخرج الناس من الظلمات إلى النور، وأما المخرج الحقيقي هو الله عز جل. والمراد بالظلمات ظلمات الجهل والشرك وظلمات العدوان والعصيان، فكل ما خالف الحق فهو ظلم، وكل ما وافقه فهو نور، فقوله عز جل: ﴿لِيُخْرِجَكُمْ﴾ الضمير يعود على من؟ إما على الله وإما على الرسول، ما هو الذي يؤيد أنه يعود إلى الله؟ قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة:٢٥٧] والذي يؤيد أنه يعود إلى الرسول؟ ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [إبراهيم:١] وإذا كانت الآية تحتمل معنيين، ولا منافاة بينهما، تحمل عليهما جميعاً، فالله المخرج حقيقة والرسول مخرج على أنه سبب. ﴿وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحديد:٩] الجملة هذه خبرية مؤكدة بإن واللام ﴿وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ والرأفة أرق الرحمة، والرحمة أعم، فهو رءوف رحيم أي ذو رحمة بالمؤمنين ، كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ [الأحزاب:٤٣] رحمة الله إما عامة وإما خاصة، فالعامة: الشاملة لجميع الناس، والخاصة: بالمؤمنين، كما قال : ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ [الأحزاب:٤٣] . فإذا قال قائل: أي رحمة من الله للكافر؟ أمده بأنعام وبنين وعقل وأمن ورزق بل إنه أي الكفار قد عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا، أليس كذلك؟ قال الله : ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً﴾ [النحل:٦١] فإذا سألك سائل: هل لله رحمة على الكافر؟ فلا تقل: نعم، ولا: لا، أما بالمعنى العام فنعم، ولولا رحمة الله به لهلك، وأما بالمعنى الخاص فلا، الرحمة الخاصة بالمؤمنين فقط كما قال عز جل: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ .

стр. 5929

تفسير قوله تعالى: (وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله) قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحديد:١٠] استمع لتعرف أن القرآن يتصل بعضه ببعض، قال الله تعالى في أول الآيات: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد:٧] ثم قال: ﴿وَمَا لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [الحديد:٨] ثم قال: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحديد:١٠] لما أمرنا أن ننفق مما جعلنا مستخلفين فيه قال: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يعني: أي شيء يمنعكم؟! والإنفاق في سبيل الله يشمل كل شيء أمر الله بالإنفاق فيه، ففي سبيل الله هنا عامة، وعليه يدخل في ذلك الإنفاق على النفس، والإنفاق على الزوجة، والإنفاق على الأهل، والإنفاق على الفقراء، واليتامى، والإنفاق في سبيل الله، كل ما أمر الله بالإنفاق فيه فهو داخل في هذه الآية، حتى على النفس، إنفاقك على نفسك صدقة، إنفاقك على زوجك صدقة، لكن لاحظ النية لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لـ سعد بن أبي وقاص: (واعلم أنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها) وهذا القيد لازم، فلابد من أن تبتغي بها وجه الله (إلا أجرت عليها) أي: أثبت عليها. إذاً: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ما المراد بالإنفاق في سبيل الله؟ كل ما أمر الله بالإنفاق فيه. ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد:١٠] يعني كيف لا تنفق والذي سيرث السماوات والأرض هو الله، ومن جملة ذلك مالك الذي بخلت به سيرثه الله ، فإذا وُرث مالك من بعدك، فإما أن يرثه صالح فيكون أسعد به منك، وإما أن يرثه مفسد فتكون خلفت له ما يستعين به على إفساده، أفهمتم هذا؟ إذا خلفت المال فإما أن تخلفه إلى من ينفقه في سبيل الله فيكون هو أسعد بمالك منك، وإما أن تخلفه لمفسد يستعين به على معصية الله فتكون أعنته على معصية الله بما خلفت له من المال. إذاً: ما هو اللائق بك؟ أن تنفقه في سبيل الله، حتى يكون لك غنماً، وتسلم من غائلته لو ورثه من يفسد به. وتذكر -يا أخي- عندما تفكر في الإنفاق فيأتيك الشيطان ويأمرك بالبخل ويعدك الفقر فكر أنك إذا خلفت هذا المال فلابد أن يورث، فهو لن يدفن معك، ويكون الإرث دائراً بين الأمرين السابقين اللذين ذكرتهما وهو: إما أن يرثه من ينفقه في سبيل الله فيكون أسعد بمالك منك، وإما أن يرثه من يستعين به على الفساد في الأرض فتكون أنت سبباً في الإفساد في الأرض ولابد من هذا.

стр. 5930

تفسير قوله تعالى: (لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل) قال تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ [الحديد:١٠] لا يستوي من أنفق منكم في سبيل الله وقاتل مع من لم ينفق ولم يقاتل، لا يمكن أن يستوي هذا وهذا؛ لأن دين الإسلام دين العدل في العمل والجزاء وليس كما يقول المحدَثَون المحدِثُون أنه دين المساواة، هذا غلط عظيم، لكن يتوسل به أهل الآراء والأفكار الفاسدة إلى مقاصد ذميمة، حتى يقول المرأة والرجل سواء، والمؤمن والفاسق سواء، والعربي والعجمي سواء، ولا فرق، وسبحان الله! أنك لن تجد في القرآن كلمة المساواة بين الناس، لابد من فرق، بل أكثر ما في القرآن نفي المساواة ((لا يَسْتَوِي)) [النساء:٩٥] ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩] وآيات كثيرة. فاحذر أن تتبعهم فتكون كالذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداءً، بدلاً من أن تقول: الدين الإسلامي دين مساواة قل: دين العدل الذي أمر الله به أن يعطى كل ذي حق حقه، أرأيت المرأة مع الرجل في الإرث سواء أم يختلفون؟ يختلفون، في الدية؟ دية المرأة نصف دية الرجل، وكذلك في العقيقة، فك الرهان: الذكر اثنتان والأنثى واحدة، وفي الدين المرأة ناقصة، إذا حاضت لم تصل ولم تصم، في العقل المرأة ناقصة: شهادة الرجل بشهادة امرأتين، وهلم جرا، الذين ينطقون بكلمة مساواة إذا قررنا هذا وأنه من القواعد الشريعة الإسلامية، ألزمونا بالمساواة في هذه الأمور، وإلا لصرنا متناقضين، فنقول: دين الإسلام هو دين العدل، فهو يعطي كل إنسان ما يستحق، حتى جاء في الحديث: (أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود) يعني إذا أخطأ الإنسان الوجيه الشريف في غير الحدود فاحفظ عليه كرامته وأقله، هذا الذي تقيله إذا كان من الشرفاء، إقالتك إياه أعظم تربية من أن تجلده ألف جلدة، لأنه كما قيل: الكريم إذا أكرمته ملكته، لكن لو جاء إنسان فاسق ماجن فهذا اشدد عليه بالعقوبة وعزره، ولهذا لما كثر شرب الخمر في عهد عمر بن الخطاب ماذا فعل؟ ضاعف العقوبة، بدل أربعين جعلها ثمانين. كذلك الحديث الصحيح الذي رواه أهل السنن: (من شرب فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب يعني الرابعة فاقتلوه) يعني هذا ليس فيه فائدة، ثلاث مرات نعاقبه ولكن لا فائدة، إذاً خيرٌ له ولغيره أن يقتل، إذا قتلناه استراح من الإثم، كما قال : ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران:١٧٨] . الخلاصة: التعبير بأن دين الإسلام هو دين المساواة خطأ والصحيح أنه دين العدل ولا شك. العجب أن هؤلاء الذين يقولون هذا الكلام يقولون: إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى) فيتناقضون، الحديث ما نفى مطلقاً قال: إلا بالتقوى، إذاً يختلفون بالتقوى أو ما يختلفون؟ يختلفون، ثم إن هذا الحديث أظنه لا يصح للنبي ﵊، لأنه قال: (إن الله اصطفى من بني إسماعيل كنانة، واصطفى من كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم) ففضل، ولا شك عندنا أن العرب -أعني جنس العرب- أفضل من جنس غير العرب، والدليل على هذا أن الله جعل في العرب أكمل نبوة ورسالة، وهي نبوة ورسالة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقد قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤] فالأجناس تختلف، وقال عليه الصلاة السلام: (خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا) احذر أن تتابع في العبارات التي ترد من المحدِثِين المحدَثَين حتى تتأملها وما فيها من الإيحاءات التي تدل على مفاسد ولو على المدى البعيد. أسأل الله أن يهدينا وإياكم الصراط المستقيم وأن يتولانا في الدنيا والآخرة إنه على كل شيء قدير.

стр. 5931

الأسئلة

стр. 5932

خطورة دعوى التقارب بين الأديان ما رأي فضيلتكم فيما يسمى بالتقريب بين الأديان كأن يكون هناك اجتماع بين المسلمين والنصارى لمحاولة تقوية الروابط بينهم، أو بين المسلمين: أهل السنة والرافضة جزاك الله خيراً؟ أرى بارك الله فيك أنه لا يجوز إطلاقاً أن نقر بأن النصارى على دين أو أن اليهود على دين، كلهم لا دين لهم؛ لأن دينهم منسوخ بدين الإسلام، فكوننا نقول: الأديان ما نقر بهذا أبداً، نقول: ليست اليهود على شيء وليست النصارى على شيء، والدين دين الإسلام، كما قال : ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥] . إذا كان كذلك فهل يمكن أن نقارب بين حق وبين منسوخ؟ لا يمكن، وما ذاك إلا مداهنة كما قال : ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم:٩] نعم إذا كان مقاربة خاصة محدودة بين شخص وآخر، لأجل أن يدعوه إلى دين الإسلام فهذا شيء آخر، لكن أن نداهن ونقول: أنتم يا يهود! على دين، وأنتم يا نصارى! على دين، ونحن على دين؛ والأديان كلها سماوية، فهذا لا يجوز. أولاً: التوراة التي بيد اليهود والإنجيل الذي بيد النصارى محرف مبدل مغير، فهو ليس على ما جاء به الرسل. ثانياً: أنه لو فرض أنهم على ما جاء به الرسل مائة بالمائة فهو منسوخ، والذي يحكم بالأديان ويشرعها هو الله الخالق ، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة:٤٨] فدين اليهود ودين النصارى انتهى ولا قيام له أبداً. أما بالنسبة للشيعة وأهل السنة فكل منهم يقول: إنه مسلم، ولكن يجب أن يوزن ذلك بميزان الحق، وينظر هل الخلاف بينهم كالخلاف بين الشافعي وأحمد وأبي حنيفة ومالك وسفيان الثوري وغيرهم أو خلاف جذري في العقيدة، إن كان الثاني فلابد أن يدعى هؤلاء إلى دين الإسلام، ويبين لهم أنهم على ضلال، ولا يمكن أن نقارب بين الإسلام وبين ما ليس بإسلام، ولذلك أنا أرى أنه يجب على علماء أهل السنة أن يدعوا إلى السنة دون أن يهاجموا بذكر بطلان مذهب الرافضة مثلاً الذين يسمون أنفسهم شيعة؛ لأن الإنسان مهما كان إذا كان له مبدأ وهوجم نفر وابتعد، لكن تبين له السنة، وتبين فضائل الصحابة ولا سيما الخلفاء الراشدين أبو بكر عمر عثمان علي، وإذا بُين الحق فالنفوس مجبولة على قبول الحق، لكن الذي يضر الناس الآن المهاجمة، وهذا غلط ليس من الحكمة، قال الله : ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام:١٠٨] مع أن سب آلهة المشركين واجب، لكن لا نسبه؛ لأنه إذا سببنا آلهتهم وهي باطلة سبوا إلهنا وهو حق، كذلك الآن الدعوة، أنا لا أحب من الدعاة أن يهاجموا، بل أحب أن يبينوا الحق، وإذا بان الحق فالنفوس مجبولة على قبوله.

стр. 5933

حكم إهداء القُرب للأموات ما القرب التي تهدى ويصل نفعها إلى الميت؟ أولاً: -بارك الله فيك- أصل الإهداء إلى الأموات ليس مشروعاً ولا مسنوناً، لا صدقة ولا عمرة ولا حجاً ولا شيء، والمشروع هو الدعاء، والدليل على هذا قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) والحديث الآن في سياق عمل أم في سياق دعاء؟ عمل، عدل النبي ﵊ عن العمل للميت إلى الدعاء له، فدل هذا على أن هذا المشروع، أما العمل فليس بمشروع، ولكن هل ينفع الميت إذا أهديت إليه العمل أو لا؟ نقول: ما جاءت به السنة فلا مناص عنه، كالصدقة فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أذن لـ سعد بن عبادة ﵁ أن يتصدق بمخرافه لأمه، وأذن للرجل الذي قال: (يا رسول الله! إن أمي افتلتت نفسها وأظنها لو تكلمت لتصدقت، أفأتصدق عنها؟ قال: نعم) وأذن للرجل الذي كان يلبي عن شبرمة قال: (أحججت عن نفسك؟ قال: لا، قال: حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة) وأذن في قضاء صوم النذر، وفي الحج عن العاجز الذي لا يرجى زوال عجزه، فما جاءت به السنة، فهو ما حكمت به السنة، فهل نقيس عليه جميع الأعمال؟ اختلف في هذا أهل العلم، فمنهم من قال: الأصل أن عمل الإنسان لنفسه كما قال : ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٩] وقال: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة:١٣٤] وما جاء استثناؤه في السنة فعلى العين والرأس، أما الباقي فلا، ومنهم من قال: إن هذه المسائل التي جاءت بها السنة قضايا أعيان يعني: ليست ألفاظاً لها عموم، فلا ندري لو أن أحداً استأذن من الرسول ﵊، أن يسبح لأبيه أو يقرأ لأبيه هل يمنعه أم لا؟ ما ندري، وإذا كانت السنة جاءت بهذا الأصل أي بأصل جواز إهداء القرب فالعموم أولى، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وكذلك أيضاً قبله الإمام أحمد قال: أي قربة فعلها وجعل ثوابها لميت مسلم أو حي نفعه، لكن مع ذلك لا نحبذ هذا، ونقول: الدعاء للميت أفضل، دعوة واحدة أفضل من ألف درهم، اجعل العمل لنفسك فأنت محتاج إذا مت سوف تتمنى أن يكون لك حسنة واحدة، واجعل الدعاء لميتك هذا هو السنة.

стр. 5934

حكم الخارج من البدن غير البول والغائط هل خروج الدم عن طريق الرعاف أو الجرح من الجسم ينقض الوضوء؟ لا، كل ما خرج من البدن لا ينقض الوضوء إلا البول والغائط، أما الدم والقيء والقيح وما يسميه النساء بالطهر الذي يسيل من فرج المرأة دائماً، حتى إن بعض العلماء قال: سلس البول فلا ينقض الوضوء أيضاً، إذا تطهر الإنسان أول مرة فإنه لا ينتقض وضوءه ما لم يحدث بحدث آخر، وعلل ذلك بأنه لا يستفيد من الوضوء، إذ أن الحدث دائم فلا فائدة من الوضوء، نعم لو انتقض وضوءه من ريح مثلاً وفيه سلس بول فهنا يجب أن يتوضأ، وهذا القول ليس ببعيد من الصواب، وكنت بالأول أرى أنه ينقض الوضوء وأنه لا يجوز أن يتوضأ الإنسان للصلاة إلا بعد دخول وقتها لكن بعد أن راجعت كلام العلماء واختلافهم، وقوة تعليل من علل بأن هذا الوضوء لا فائدة منه إذ أن الحدث دائم تراجعت عن قولي الأول، وهذا القول أرفق بالناس بلا شك، ولا سيما بالنسبة للنساء اللاتي يخرج منهن هذا السائل الدائم، ولا سيما في أيام الحج والعمرة عندما تذهب المرأة مثلاً إلى المسجد من بعد المغرب لتصلي صلاة العشاء، إذا قلنا بانتقاض الوضوء، يعني لابد أن تبتدئ الوضوء بعد دخول الوقت، فصار في هذا مشقة عظيمة، لا سيما في أيام الزحام، شيء فيه مشقة على المسلمين، والدليل فيه ليس بواضح، وقد قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥] وقال: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨] . والظاهر أيضاً أن الذي يصيب النساء هو الذي يصيب النساء السابقات، ولم يبلغ أن الرسول ﵊ أمر النساء أن تتوضأ لوقت كل صلاة، غاية ما هنالك المستحاضة على خلاف في هذا؛ فإن مسلماً ﵀ أشار إلى أن قوله: توضئي لكل صلاة لم يصح، ولذلك حذفها عمداً من حديثه، المهم الشيء المعتاد لا ينقض إلا البول والغائط فقط والريح لأنه ثبت به الحديث. السائل: خروج الفاحش النجس ما المقصود به؟ الشيخ: لا يضر، والفاحش النجس: هو الدم والقيء، والصحيح أن دم الإنسان وقيء الإنسان طاهر، لأنه لا يوجد دليل على النجاسة، كثرةً وقلةً، ما دام أنه لا يوجد دليل فالأصل الطهارة.

стр. 5935

حكم السجود للبشر رجل أو كفيل عنده عامل، وهذا العامل كافر، فألح العامل على الكفيل بالسفر إلى أهله فامتنع، فسجد العامل أمام الكفيل فيقول الكفيل فرحمته شفقة مني وسمحت له بالسفر؟ الشيخ: لما أشرك به أليس كذلك؟ السائل: والله! هذا نظره، يقول: شفقة مني؟! الشيخ: المهم لما سجد ولما أشرك بالله رق له، فهذا خطأ ومن أكبر الخطأ. السائل: بدون قصد هذا. المهم على كل حال شيء مضى، لكن انصح هذا الكفيل وقل: تب إلى الله ، كان الواجب عليه لما سجد له أن ينهاه وينهره، ويقول: السجود لله، لكن نظراً لجهله أرجو الله ألا يعاقبه، أليس النبي ﵊ لما قال له رجل: (ما شاء الله وشئت، أنكر عليه وقال: أجعلتني لله نداً؟!! بل ما شاء الله وحده) على كل حال بلغ سلامي للكفيل وقل له: يتوب إلى الله ويستغفر، وكان عليه أنه لما سجد له أن يقول له: هذا ما يصلح، هذا لا يجوز إلا لله، ربما لو قال له في هذه الحال ربما ينتبه ويعرف أنه على خطأ.

стр. 5936

تنفيذ وصية الأب إذا جرت إلى فتنة أو معصية رجل أوصى ابنه الكبير قبل أن يموت على ألا يزوج أخواته صغاراً حتى يتخرجن من الجامعة؛ لأن الرجال اليوم لا يوثق بهم، حيث يتزوجون النساء ويطلقوهن متى شاءوا، فتصبح المرأة لا حول لها ولا قوة، فإن درست وتخرجت من الجامعة وحصل الفراق بينها وبين زوجها تتوظف وتستغني عن سؤال الناس، وبعد موت الأب كبرت أخواته فخشي على أخواته الفتنة في دخول الجامعة من وجود الاختلاط والفساد وما أشبه ذلك فهل له عدم تنفيذ وصية أبيه؟ وإذا كان الجواب بـ (نعم) فماذا تقولون في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ [البقرة:١٨١] وجزاكم الله خيراً؟ أقول: هذه الوصية لا عبرة بها ولا يعمل بها، بل متى خطب المرأة رجل كفء ورضيت به تزوجت، ولا عبرة بوصية أبيها. وأما قوله تعالى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ﴾ [البقرة:١٨١] فالمراد به الوصية النافعة، أما غيرها فقد قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة:١٨٢] وهذا لا شك أنه جنف، فهذه شابة تريد الزواج نقول: لا، حتى تتخرجي من الجامعة، ولا ندري ربما ترسب مرتين أو ثلاثاً وتبقى سنوات، المهم أن هذه الوصية جائرة ولا تنفذ.

стр. 5937

حكم من يطوف حول القبور ويذبح لها إذا كان الرجل من القبورية، يسجد للقبور ويطوف حول القبور ويذبح للأضرحة ويعد هذه الأشياء من الإسلام، علماً بأن دعوة الإسلام ما وصلت إليه وهو لا يعرف معنى التوحيد ولا كلمة التوحيد، فما الحكم عليه هل نعتبره من المسلمين أو من المشركين؟ هل بلغته الدعوة على وجه صحيح أو لا؟ إن لم تبلغه الدعوة على وجه صحيح، وهو ينتسب إلى الإسلام فهو مسلم ظاهراً، أما في الآخرة فأمره إلى الله، أما إذا كانت الدعوة بلغته، لكن قال أنه وجد آباءه على هذا فهذا كافر، لأنه كالذين قال الله فيهم ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٢] .

стр. 5938

عدم صحة القول بأن الحجامة تورث النسيان أنا شخص أريد الحجامة، ولكني سمعت أن الحجامة تورث النسيان فما رأي فضيلتكم؟ الحجامة من الأدوية السنية، فإذا كان الإنسان عنده دم كثير فاسد فلابد من الحجامة، وحينئذٍ يعرض الأمر على طبيب مختص، فإذا قال: لابد من الحجامة فلابد منها، ثم اعلم أن الإنسان إذا حجم أول مرة اعتاد بدنه على هذا، وصار لابد أن يحتجم كل عام وإلا غشى عليه الدم، وإذا لم يحتجم أصلاً فإنه في الغالب لا يحتاج إليه. أما أنها تورث النسيان فلا، كيف الرسول يبين أنها من الأدوية النافعة ونقول: إنها تورث النسيان، هذا ليس بصحيح. النسيان من أكبر أسبابه معصية الله ، كما قال الله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة:١٣] .

стр. 5939

السنن البعدية بعد صلاة الجمعة كيف يجمع بين قول النبي ﵊: (إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربعا) وبين فعله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه كان يصلي في بيته ركعتين حفظكم الله؟ اختلف بهذا أهل العلم فقال بعضهم: إنه يصلي ستاً، ركعتان ثبتتا بالسنة الفعلية، وأربع بالسنة القولية هذا قول. قول ثاني: أن المعتبر القول، وهو أن يصلي أربعاً فتكون سنة الجمعة أربعاً فقط. القول الثالث: التفصيل: إن صلى في المسجد صلى أربعاً؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (إذا ﷺ أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربعاً) ولم يقيد، فيكون إن صلى في المسجد فأربع، وإن صلى في بيته فركعتان، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يعني التفصيل، والحمد لله الأمر واسع يعني: لو أنه ذهب إلى البيت وصلى أربعاً بتسليمتين كان حسناً ما يضر إن شاء الله.

стр. 5940

حكم فك السحر بالسحر نسأل عن فك السحر بالسحر للضرورة بعدما ذهب الإنسان إلى القراء وقُرئ عليه ولم ينفك هذا السحر؟ وجزاكم الله خيراً. يتابع القراءة ويشفيه الله .

стр. 5941

هل الأعمال المباحة تكتب في الصحف الأعمال والأقوال المباحة هل تكون في ميزان حسنات العبد أو في ميزان سيئاته؟ وهل هناك أقوال وأعمال لا يثاب الإنسان عليها ولا يعاقب؟ تكلمنا قبل قليل عن العدل، فإذا كان العمل ليس مأموراً به ولا منهياً عنه وفعله الإنسان، ما هو العدل؟ لا يثاب ولا يعاقب، ولهذا العلماء أجمعوا على ما دل عليه الكتاب والسنة من أن هناك قسماً في الشريعة الإسلامية يسمى الحلال أو المباح ليس فيه ثواب ولا عقاب، إلا إذا كان وسيلة لمطلوب شرعاً ففيه ثواب، أو كان وسيلة لمحرم ففيه عقاب، ولهذا لو قال لنا قائل: ما تقولون في شراء الماء للصلاة؟ قلنا: فيه أجر أو ما فيه أجر؟ فيه أجر، ولو أن أحداً اشترى سلاحاً ليقاتل به المسلمين، فيه إثم أو لا؟ فيه إثم، مع أن أصل الشراء والبيع حلال. السائل: لكن قول بعض السلف يا شيخ: (أني أحتسب على الله نومتي وقومتي) ؟ الشيخ: لأنه ينوي بالنوم الاستعانة على الطاعة، وينوي بالقيام العمل الصالح والدعوة إلى الله وما أشبه ذلك.

стр. 5942

لقاء الباب المفتوح [٢١٥] الإنفاق في سبيل الله من أعظم الأعمال الصالحة والتي تسبق الجهاد بالنفس في كثير من الآيات، ولقد مدح الله المنفقين قبل صلح الحديبية وقاتلوا وزادهم درجة على الذين جاءوا من بعدهم وأنفقوا وقاتلوا وكلاً وعد الله الحسنى، في ظلال آيات سورة الحديد كان للشيخ بيان وتفسير لها وحث على الإنفاق في سبيل الله.

стр. 5943

تفسير آيات من سورة الحديد الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. أما بعد: فهذا هو اللقاء الخامس عشر بعد المائتين من لقاءات الباب المفتوح التي تتم كل يوم خميس، وهذا الخميس هو العشرون من شهر جمادى الثانية عام (١٤٢٠هـ) . نبتدئ هذا اللقاء بما ييسر الله مما وقفنا عليه في تفسير القرآن الكريم، الذي أدعو فيه جميع المسلمين إلى أن يتدبروا كلام الله ؛ لأنه لا يمكن العمل بالقرآن إلا إذا فُهم معناه.

стр. 5944

تفسير قوله تعالى: (وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث السماوات والأرض) انتهينا إلى قول الله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد:١٠] يعني أي شيء يمنعكم من الإنفاق في سبيل الله ، والمال ليس بباق لكم فإنكم سوف تخلّفونه، ولهذا قال: ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد:١٠] وقد قال بعض أهل العلم: إن الشح بإنفاق المال سفه في العقل، لأن هذا المال إما أن يفنى في حياتك فتعدمه، وإما أن يبقى بعد موتك فيرثه أهل الخير فينفقونه ويكون أجر الإنفاق لهم، أو يرثه أهل شر فيستعينون به على معصية الله، فأنت خاسر على كل حال، وهنا يقول الله : ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد:١٠] فإنه لن يبقى هذا المال لكم بل سيورث وترجع الأمور كلها إلى الله ﵎.

стр. 5945

تفسير قوله تعالى: (لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل) قال تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ [الحديد:١٠] أي: لا يكونون سواءً، الذي أنفق من قبل الفتح -والمراد بالفتح هنا صلح الحديبية الذي جرى بين النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وبين قريش، وذلك في ذي القعدة من العام السادس من الهجرة- وسمي فتحاً لأنه صار فيه توسيع للمسلمين، وتوسيع أيضاً للمشركين، اختلط الناس بعضهم ببعض وأمن الناس بعضهم من بعض، حتى يسر الله أن نقضت قريش العهد فكان من بعد ذلك الفتح الأعظم فتح مكة في السنة الثامنة من الهجرة في رمضان.

стр. 5946

تفسير قوله تعالى: (أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا) قال الله : ﴿أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ [الحديد:١٠] وذلك لأن الأولين أنفقوا وقاتلوا وسبقوا إلى الإسلام، وكان الإسلام في حاجة لهم ولإنفاقهم فكانوا أفضل ممن أنفق من بعد وقاتل، والله يقضي بالعدل بين عباده، ولكن لما كان تفضيل السابقين قد يفهم منه ألا فضل للاحقين قال: ﴿وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد:١٠] (كلاً) من الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا، والذين أنفقوا من بعده وقاتلوا، وعدهم الله الحسنى، يعني: الجنة.

стр. 5947

تفسير قوله تعالى: (والله بما تعملون خبير) قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [الحديد:١٠] أي: عليم ببواطن أموركم كظواهرها لا يخفى عليه شيء، وإذا كان عالماً بها فسوف يجازي جل وعلا كل عامل بما عمل، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٧-٨] والمراد بالفتح هنا صلح الحديبية، والمراد بالحسنى: الجنة. إذاً كل الصحابة وعدهم الله تعالى الجنة، فنحن نشهد لكل الصحابة أنهم في الجنة، لكن لا نشهد لأحد بعينه إلا من شهد له الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

стр. 5948

تفسير قوله تعالى: (من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له وله أجر كريم) ثم قال حاثاً ومرغباً على الإنفاق في سبيله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ [الحديد:١١] أي: أين الذين يقرضون الله قرضاً حسناً، أي: ينفقون فيما أمرهم بالإنفاق فيه، وأشار الله في هذا إلى شيئين: الإخلاص والمتابعة، الإخلاص في قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ [الحديد:١١] أي: لا يريد سوى الله ، والمتابعة في قوله: ((حَسَناً)) [الحديد:١١] لأن العمل الحسن ما كان موافقاً للشريعة الإسلامية، وهذان -أعني: الإخلاص والمتابعة- هما شرطان في كل عمل: أن يكون مخلصاً لله وأن يكون متابعاً فيه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وصف الله تعالى الإنفاق في سبيله بالقرض تشبيهاً بالقرض الذي يقرضه الإنسان غيره؛ لأنك إذا أقرضت غيرك فإنك واثق من أنه سيرد عليك، وهكذا أيضاً العمل الصالح سيرد على الإنسان بلا شك، ولهذا قال: ﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ [الحديد:١١] المضاعفة هنا الزيادة، وقد بيَّن الله ﵎ قدرها في سورة البقرة، فقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦١] فأنت إذا أنفقت درهماً، فإن جزاءه سبعمائة درهم ثواباً من عند الله ، والله فضله أكثر من عدله وأوسع، ورحمته سبقت غضبه، إذاً يضاعفه له إلى سبعمائة بل إلى أكثر، كما جاء في الحديث إلى أضعاف كثيرة ﴿وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ [الحديد:١١] أي: حسن واسع وذلك فيما يجده في الجنة، ففيها ما لا عينٌ رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

стр. 5949

تفسير قوله تعالى: (يوم ترى المؤمنين والمؤمنات) ثم قال الله : ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الحديد:١٢] أي: اذكر للأمة يوم ترى أيها الإنسان المؤمنين والمؤمنات يوم القيامة ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ يكون من الأمام ومن اليمين، أما من الأمام فلأجل أن يقتدي الإنسان به، لأن النور إذا كان أمام الإنسان تبعه، وأما عن اليمين فتكريماً لليمين، يكون بين أيديهم وبأيمانهم. وقوله: ((يَسْعَى نُورُهُمْ)) يفيد أن هذا النور على حسب الإيمان؛ لأن الحكم إذا علق بوصف كان قوياً بقوة ذلك الوصف وضعيفاً بضعفه. إذاً نورهم على حسب إيمانهم. قال تعالى: ﴿بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ﴾ تقوله الملائكة لهم: (بشراكم) أي: ما تبشرون به (اليوم) يعني يوم القيامة ﴿جَنَّاتٌ﴾ وهذه الجنات فيها ما لا عينٌ رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ [الزخرف:٧١] فيها ما يشاءون كما قال الله : ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣٥] وجمعها بأنها جنات متعددة متنوعة درجات مختلفة حسب قوة الإيمان والعمل. وقوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أي: تسير والأنهار جمع نهر، وقد بين الله ﵎ في سورة القتال أنها أربعة أنواع ﴿أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفّىً﴾ [محمد:١٥] وهذه الأنهار لا تحتاج إلى حفر ساقية ولا إلى جدولة، تسير على سطح الأرض حيث شاء أهلها، قال ابن القيم ﵀: أنهارها من غير أخدود جرت سبحان ممسكها عن الفيضانِ لا تذهب يميناً ولا شمالاً إلا حيث أراد أهلها، وقوله: ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ إشارة إلى علو قصورها وأشجارها، يعني: تكون هذه الأنهار من تحت هذه القصور العالية والأشجار الرفيعة ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: ماكثين فيها، وقد جاءت آيات متعددة بأن هذا المكث دائم، ليس فيه زوال ولا انقطاع ولا تغير ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (ذلك) المشار إليه ما وعدهم الله به، الجنات التي تجري من تحتها الأنهار (هو الفوز العظيم) (هو) ما يسميه العلماء ضمير فصل، وهو مفيد للتوكيد والاختصاص، أي: هذا الذي ذُكر هو الفوز العظيم، لأنه لا فوز مثله كما أنه لا فوز أعظم منه، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهله إنه على كل شيء قدير.

стр. 5950

الأسئلة

стр. 5951

الأفضلية في الصلاة: إلى الصف الأيمن أم الأيسر ؟ لو حضر الإنسان إلى الصلاة هل الأفضل أن يأتي في آخر الصف إلى اليمين أو في الروضة من اليسار؟ أولاً: كلمة (الروضة) هذه لا أصل لها، وقول العوام: إن الروضة ما كان خلف الإمام أو عن يمينه أو عن شماله وقريباً منه هذه لا أصل لها. سؤال الأخ يقول: هل الأفضل الأيمن مطلقاً أي: من الصف أو إذا بَعُدَ فاليسار أفضل منه إذا كان أقرب؟ الجواب: اليسار أفضل إذا كان أقرب إلى الإمام، ودليل ذلك: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يقل: أتموا الأيمن فالأيمن، إنما قال: (أتموا الأول فالأول) ولذلك نقول في الأول والثاني: الأول أفضل من الثاني وإن كان الثاني خلف الإمام والأول في طرف الصف، لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر أن نكمل الأول فالأول، أما اليمين فلم يقل: أتموا الأيمن فالأيمن، ولو كان الأيمن أفضل مطلقاً لقال: أتموا الأيمن فالأيمن، وعلى هذا فنقول: إذا تقارب اليمين والشمال فاليمين أفضل، وإذا تساوى اليمين والشمال فاليمين أفضل، أما مع البعد فاليسار أفضل؛ وذلك لدنوه من الإمام، والدنو من الإمام معتبر شرعاً. ويدل لهذا أيضاً أن المسلمين كانوا في أول الأمر إذا كانوا ثلاثة يصفون صفاً واحداً، ويكون أحدهما عن يمين الإمام والثاني عن يساره، ثم نسخ هذا إلى أن يتقدم الإمام إذا كانوا ثلاثة، فدل هذا على أنه إذا تساوى اليمين والشمال فاليمين أفضل، وإلا فاليسار أفضل، لو كان اليمين أفضل مطلقاً لكان الثلاثة واقفون بحيث يكون الاثنان عن يمين الإمام، وهذه مسألة تخفى على كثير من طلاب العلم فضلاً عن العوام، في بعض المساجد تجد الصف الأيمن يكاد يتم والأيسر ما فيه إلا واحد أو اثنان وهذا غلط، هذا إذا قلنا بأن قوله: وسط الإمام ضعيف، أما إذا قلنا بأنه حسن فهي أصلاً لا يتنازع فيها اثنان، صار الأيمن أفضل إذا تساوى الأيمن والأيسر أو تقاربا فرق رجل أو رجلان، أما إذا كان الفرق بيناً فاليسار أفضل.

стр. 5952

حكم الملابس التي تظل في المغسلة أكثر من الفترة المشروط مكوثها عندهم مغسلة ملابس فيها ملابس مضى عليها أكثر من شهرين ولا يعرف أصحابها، مع أنه من ضمن الشروط في الفاتورة أن المغسلة غير مسئولة عن الملابس التي يتركها أصحابها أكثر من شهرين، هل لصاحب المغسلة أخذها إما للاستعمال أو البيع أو التصدق بها، وإذا أخذها ثم طالب بها صاحبها بعد أن تصرف بها فهل يلزم رد ثمنها أم لا؟ إذا كان مشروطاً على صاحب الثياب أنه إذا تأخر لمدة شهرين فلا حق له فهو الذي تأخر، وإذا تمت الشهران إما أن يتصدق بها صاحب المغسلة إن وجد من يقبلها ويلبسها، أو يبيعها ويتصدق بثمنها، لكن أرى أن ينتظر بعد الشهرين عشرة أيام أو خمسة عشر يوماً؛ لأنه ربما يكون صاحبها قد أقبل، ولكن تعطلت سيارته أو حصل له مرض فالأفضل أن ينتظر.

стр. 5953

حكم بيع وشراء الأقنعة المخيفة هناك الآن أقنعة مخيفة على شكل صور تباع في المحلات يشتريها الناس ويلبسونها هل فيها شيء؟ أولاً: أرى أن هذه الأقنعة محرمة في بيعها وشرائها واقتنائها واستعمالها؛ لأنها مضيعة للمال ولا فائدة فيها إطلاقاً، وكل شيء لا فائدة فيه فبذل المال فيه محرم؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن إضاعة المال. ثانياً: أنها مشوهة ترعب الصبيان وتخيفهم، وتبقى هذه الصورة المرعبة في مخيلة الصبي إلى أن يموت إلا أن يشاء الله، فلا أرى جوازها؛ بل أرى منعها، ولا يجوز للإنسان أن يشتريها، أو يبيعها، أو يقتنيها، أو يستعملها.

стр. 5954

حكم الهجرة من بلاد المسلمين إلى دول غربية كافرة ما حكم الهجرة من بلاد المسلمين إلى دولة غربية أو كافرة؟ الهجرة بارك الله فيك هي الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام وليس من بلد الإسلام إلى بلد الشرك، اللهم إلا أن يضطهد الإنسان في بلد الإسلام، ويمنع من إقامة شعائر دينه، ويكون في بلد الكفر يستطيع أن يقيم شعائر الدين وأن يدعو إلى الله ، فهنا انتقاله خير من بقائه، إلا إذا كان انتقاله يسبب ضرراً على الآخرين الملتزمين، يعني لو قلنا: ارتحلوا من هذه البلاد التي يضطهد فيها الملتزم ثم رحلوا واحداً واحداً بقيت البلاد على المفسدين، ففي هذا الحال نقول: اصبر وابق في بلدك وتساعد مع إخوانك في إصلاح الأمور بالتي هي أحسن. حتى أنا أرى ما دام بقاؤه فيه مصلحة للموجودين الإخوة الآخرين الملتزمين فليبق وإن شاء الله سوف يفرج الله له.

стр. 5955

حكم وضع اليد اليمنى على اليسرى بعد القيام من الركوع هل ورد دليل ثابت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأنه وضع يده اليمنى على اليسرى بعد القيام من الركوع؟ روى البخاري ﵀ عن سهل بن سعد ﵀ قال: (كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى أو كفه اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة) هكذا جاء في صحيح البخاري ويستثنى من هذا السجود؛ لأن اليدين على الأرض، ويستثنى من هذا الجلوس لأن اليدين على الفخذين، ويستثنى من هذا الركوع؛ لأن اليدين على الركبتين، وما بقي إلا القيام قبل الركوع وبعده، وهذا هو الدليل.
следующие страницы →