Полный текст (6 569 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
الأسئلة
стр. 702
الدليل على أن الله تعالى يحفظ الدعاة إلى دينه ويحميهم
فضيلة الشيخ! كلف الله موسى ﵊ بدعوة فرعون إلى توحيد الله تعالى مع أنه كان ضعيفاً لا يملك شيئاً وفرعون كان طاغية، فهل في ذلك دليل على أن الله تعالى يحفظ الدعاة إلى دينه ويحميهم؟
لا شك أن الله لما أرسل موسى إلى فرعون وموسى ليس معه إلا أخاه هارون وفرعون معه كل جنوده؛ أن هذا يدل على أن المنصور من نصره الله، وكيف لا يكون النصر لموسى وهارون وقد قال الله له لما قال: ﴿قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾ [طه:٤٥] قال: ﴿قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦] فالذي معه الله لا يخاف، لا بد أن يكون منصوراً، ولذلك لما قال أبو بكر للنبي ﷺ وهما في الغار: (يا رسول الله! لو نظر أحدهم إلى قدمه لأبصرنا، قال: يا أبا بكر! لا تحزن إن الله معنا، فما ظنك باثنين الله ثالثهما) هل أحد يضرهما؟ أبداً.
وبهذه المناسبة أود أن أنبه على أنه يوجد في بعض الكتب أن العنكبوت ضربت على باب الغار نسيجاً وعش الحمامة وهذا لا صحة له، ليس هناك نسيج من العنكبوت وليس هناك حمامة على شجرة على باب الغار، إنما هي حماية الله ولهذا قال أبو بكر ﵁: [لو نظر أحدهم إلى قدمه لأبصرنا] لو نظر أحدهم إلى قدمه لأبصر النبي ﷺ وأبا بكر، ولكن الله أعمى أبصارهم فلم يروا أحداً في هذا الغار وانصرفوا عنه.
стр. 703
حكم إطلاق بعض الأبيات الشعرية الموهمة
في الأسبوع قبل الماضي كان لكم فتوى عن هذين البيتين: وقد قمت باستئذان صاحب السؤال، وكان لكم توقف فيهما:
أما لنا بعد هذا الذل معتصم يجيب صرخة مظلوم وينتصر
أما لنا بعد صلاح الدين يعصمنا وقد تكالب على استعبادنا الغجر
إي نعم.
هذان البيتان:
أما لنا بعد هذا الذل معتصم يجيب صرخة مظلوم وينتصر
إذا كان يريد الاعتصام بشخص وهو المعتصم فهذا شرك أكبر؛ لأنه دعا ميتاً ودعاء الأموات شرك، قال الله ﵎: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف:٥-٦] فجعل الله دعاءهم عبادة، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون:١١٧] فجعل الله ذلك كفراً، أما إذا كان لا يريد المعتصم نفسه إنما أراد أن يهيئ الله لنا قائداً عظيماً بطلاً كـ المعتصم فإن هذا لا بأس به، ولكن ينهى عن إطلاق هذا اللفظ على هذا الوجه؛ لأنه يوهم أننا ندعو المعتصم نفسه، وما أوهم الباطل فإنه ينبغي التحرز منه.
أما قوله في البيت الثاني:
أما لنا بعد صلاح الدين يعصمنا وقد تكالب على استعبادنا الغجر
هذا أيضاً يقال فيه كالأول، إذا كان يريد صلاح الدين نفسه فهذا أيضاً كفر؛ لأن صلاح الدين لا يعصم، صلاح الدين ميت لا يعصم أحداً، وإن أراد بذلك، ولا أظن أنه يصح أن يريد بذلك أن يأتي لنا برجل كـ صلاح الدين؛ لأنه قال:
أما لنا بعد صلاح الدين يعصمنا
والبيت فيه شيء من الركاكة.
وعلى كل حال هذا البيت بالنسبة للبيت الذي قبله أهون؛ لأنه كأنه يقول: ليس لنا أحد بعد صلاح الدين يعصمنا، فنقول له: إن هذا الإطلاق فيه نظر؛ لأن الذي يعصمك من الشر قبل صلاح الدين هو الله تعالى، ثم إن صلاح الدين ليس أعظم قائدٍ في الأمة الإسلامية، فأعظم قائد في الأمة الإسلامية هو رسول الله ﷺ ثم من تلاه من الخلفاء والقواد المسلمين كـ خالد بن الوليد وغيره.
وعلى كل حال مثل هذه الأبيات يجب على الإنسان أن يتحرز منها وألا يذكرها إلا مقرونةً ببيان أنها ليست بشيء، وأن إطلاقها لا يجوز.
стр. 704
حكم صلاة المأموم عن يسار الإمام إذا كانا اثنين
فضيلة الشيخ! شاب دخل المسجد وكان هناك رجل يصلي، فأراد أن يأتم به ولا يعرف أين موقف المأموم فوقف عن يساره، ثم جاء ثالث وأراد الدخول معهم في الصلاة فدفع المأموم إماماً وأخر الإمام إلى أن انتهت الصلاة فما الحكم؟
على كل حال هذا الذي حصل منهم لا شك أنه صدر عن جهل، والجهل في هذه الأمور يعفى عنه، وبذلك تكون صلاة الجميع صحيحة، لكن لو فرض أنه لم يأتهم ثالث وظلا هكذا: المأموم على اليسار والإمام على اليمين، فالصلاة صحيحة؛ لأنها أيضاً صادرة عن جهل؛ لأن السنة فيما إذا كان إمام ومأموم أن يكون الإمام عن يسار المأموم والمأموم عن يمين الإمام، هذه هي السنة.
فإذا كان أحدهما على عكس ذلك فصلاتهما صحيحة، لكن يبلغ فما بعد أن السنة أن يكون المأموم على يمين الإمام، وفي هذه الحال يكون وقوفهما متساوياً ولا يكون الإمام متقدماً على المأموم؛ لأنهما في هذه الحال يكونان صفاً واحداً، والصف الواحد يكون متساوياً.
وإذا جاء ثالث فمن الناس من يشكل عليه هل يدفع الإمام ويؤخر المأموم أو يكبر أولاً فنقول: أخر المأموم، ثم إذا استوى في مكانه كبر أنت، أو نقول: قدم الإمام فإذا استويت مع المأموم كبر؛ لأنه أحياناً يكون تقديم الإمام أسهل كما لو كان المكان الذي أمامه واسعاً، وأحياناً يكون تأخير المأموم أسهل كما لو كان المكان الذي أمامهم ضيقاً، والذي خلفهم واسعاً، المهم لا فرق بين أن يقدم الإمام أو يؤخر المأموم لكن لا يكبر قبل ذلك لئلا يلزم من ذلك حركة في الصلاة لا حاجة إليها.
السائل: ما المحذور إذا كان ذلك على علم؟ الشيخ: المحذور هنا أن الإمام ربما يستمر على نية الإمامة مع أنه صار مأموماً، وأما التحول من الإمامة إلى المأموم فهذا لا بأس به، فقد تحول أبو بكر ﵁ من كونه إماماً إلى كونه مأموماً عندما كان يصلي بالناس، فجاء النبي ﷺ ففي أثناء الصلاة تأخر أبو بكر وصار مأموماً والنبي ﷺ إماماً.
стр. 705
الجمع بين أمر الله لموسى باللين مع فرعون وغلظة موسى على فرعون
فضيلة الشيخ! بالنسبة لقول الله : ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤] نجد في سورة الإسراء أن موسى حصل بينه وبين فرعون كلام فيه شدة وغلظة ومنه قول موسى: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً﴾ [الإسراء:١٠٢] كيف نجمع بين هذه الآية والقول باللين؟
الجمع بينهما أنه خاطبه باللين أولاً، فلما طغى وشمخ وارتفع كان حقه أن يهان، وهذا من التدرج في الدعوة إلى الله بالحكمة، تتكلم مع المدعو أولاً باللين والسهولة، فإذا أصر وعاند ليس جزاؤه إلا أن يغلظ عليه، كما قال الله تعالى: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت:٤٦] .
стр. 706
طرق قراءة كتب الحديث
فضيلة الشيخ! بالنسبة لدراسة الكتب الستة البخاري ومسلم والسنن هل تكون قراءة فقط، أو يقرأها مع الشرح، أو يقرأ كتاباً -مثلاً- مع الشرح ويقرأ الكتب الأخرى فقط أم كيف؟
قراءة كتب الحديث بارك الله فيك قسمان: قراءة يتوصل بها الإنسان إلى معرفة صحة الحديث وعدم صحته، وهذه تعتمد على معرفة أحوال الرواة وترجماتهم لأجل أن يعرف من هو المقبول ومن هو الذي لا يقبل، ومعرفة تاريخهم ليعرف هل السند منقطع أو غير منقطع، -فمثلاً- إذا قال شخصٌ عن فلان وقد علمنا أن الذي روى عنه ولد بعد موته عرفنا أن السند منقطع فلا بد من معرفة تاريخ الرواة، ولا بد -أيضاً- من معرفة ثبوت لقاء من روى عنه؛ لأنه قد يدلس فيروي عمن عاصره ما لم يسمعه منه.
فالذي يطلب علم الحديث على هذا النحو لا بد أن يقرأ الكتب الستة بأسانيدها ويبحث عن رجالها، ونحن نعلم أن العلماء مختلفون اختلافاً كبيراً في الرجال، فتجد هذا المحدث -مثلاً- يقول عنه الإمام أحمد إنه ثقة، ويقول عنه يحيي بن معين إنه منكر الحديث -مثلاً- ويقول ثالث إنه متروك.
وهذه المسألة قد تحير طالب العلم، فما موقفه إذا رأى الحفاظ الأئمة تكلموا في هذا الرجل كلاماً متبايناً؟ ننظر إلى متن الحديث، قد يكون متن الحديث شاذاً مخالفاً للأحاديث الصحيحة، فنعرف أن الذين تكلموا عن هذا الرجل بالقدح أصوب من الذين تكلموا عنه بالتعديل؛ لأن حديثه منكر بل ربما يأتي الحديث صحيح السند من حيث رجاله ومن حيث اتصال السند، ولكن يكون المتن منكراً أو شاذاً، قد يكون شاذاً لمخالفته للأحاديث الصحيحة فيرد.
فالحاصل أن الذي يطلب علم الحديث من أجل إثبات الحديث يجب أن يعتني بالرجال وتواريخ حياتهم وكلام الناس فيهم.
أما الذي يطلب الحديث من أجل فقه الحديث فهذا له طريق آخر لا يلزمه مثل ما يلزم الأول، بل ربما يكتفي بالحديث متناً، فإذا كان في صحيح البخاري وصحيح مسلم فالنفس مطمئنة إليه، وإذا كان في غيرهما يكفيه أن يقول -مثلاً- صححه فلان أو صححه فلان من الحفاظ المعتمدين، وإن لم يراجع السند، وأهم شيء في القرآن الكريم والسنة النبوية فقه النص ومعرفته وما يستنبط منه وما يترتب عليه لقول النبي ﷺ : (رُبَّ مبلغ أوعى من سامع، ورُبَّ حامل فقه غير فقيه) و (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) .
السائل: إذاً لا بد أن يبدأ طالب علم الحديث أول ما يبدأ بدراسة كتب المصطلح والرجال؟ الشيخ: نعم.
لا بد أن يكون عنده علم بالمصطلح إذا كان يريده على الوجه الأول.
السائل: والوجه الثاني؟ الشيخ: ليس بلازم؛ لأنه يكتفي -مثلاً- إذا صححه الحافظ ابن حجر، صححه فلان من الأئمة العلماء المحدثين الموثوقين فهذا كافٍ، فلا يذهب ينظر -مثلاً- في السند؛ لأنه لا دراية له بمصطلحات أهل العلم في ذلك.
السائل: وماذا عن الاستنباطات من الحديث والفوائد؟ الشيخ: قد يكون الإنسان في الاستنباطات ضعيفاً مع قوته في التخريج، ولهذا تجد فرقاً بين الفقهاء في استنباطهم الأحكام من الحديث والمحدثين.
стр. 707
حكم تأخير الأذان احتياطاً
يلاحظ على بعض المؤذنين أنهم يؤخرون الأذان دقيقة إلى دقيقتين في أغلب الأوقات وخاصة في الفجر والمغرب، وإذا سألتهم لماذا لا تتقيدون بتقويم أم القرى، يقولون: نحن نفعل ذلك زيادة في التأكيد، فهل عملهم هذا صحيح؟
لا مانع من الاحتياط بدقيقة أو دقيقتين خصوصاً الفجر، تقويم أم القرى فيه تقديم خمس دقائق، ولهذا يجب التحرز في هذه المسألة فينتظر الإنسان خمس دقائق قبل أن يصلي، أما المؤذنون فكما تعرفون منهم من يؤذن على توقيت أم القرى، ومنهم من يتقدم عليه ومنهم من يتأخر عنه كثيراً.
стр. 708
واجبنا تجاه السيرة
فضيلة الشيخ! منذ قليل ذكرت قصة العنكبوت وقصة الحمامة أنها غير صحيحة في حماية الرسول ﷺ وصاحبه أبي بكر، ولكن كتب السيرة تكتب هذا وغيره من القصص المختلقة المكذوبة سواء في الرسول ﷺ أو في الخلاف الذي وقع بين علي ﵁ ومعاوية بن أبي سفيان، وأعداء الإسلام حاولوا الدخول علينا وعلى الإسلام عن طرق القرآن ولكن حفظه الله، وعن طريق السنة، وقد جعل الله من يقوم بتمييز الصحيح من الضعيف، ولكن بعض كتب السيرة قد تكلمت على الصحابة، والسؤال يا شيخ: ما الذي يجب علينا تجاه السيرة؟
سيرة النبي ﷺ وغيره من الخلفاء تحتاج إلى تنقيح بلا شك؛ لأن التاريخ يدخله الهوى، فمن غَلب رفع ومن غُلب هضم، ونحن نضرب لكم مثالاً بالرؤساء الذين تعاقبوا على الدول العربية إذا هلك الإنسان منهم محي وطوي قيده، وإذا كان موجوداً جعل الرئيس الأعلى الذي ليس فوقه أحد، ويكتب هذا ويبقى إلى أن يموت فتجد -مثلاً- الذين لهم هوى في خلفاء بني أمية يمدحون هؤلاء الخلفاء مدحاً عظيماً، والذين هم على ضد ذلك يذمونهم ذماً عظيماً، ولهذا لا شك أن السيرة تحتاج إلى تحقيق وتحرير ليتبين الضعيف منها من القوي، وأنا إلى الآن ما وجدت أحداً فعل ذلك إلا شيئاً خفي علي لا أدري لكن في السيرة ما هو ثابت في صحيح البخاري وصحيح مسلم وهذا يعتمد.
السائل: توجد بعض الكتب التي تتكلم عن بعض الصحابة كأمثال أبي موسى الأشعري وقد وصفته بالغباء في قصته مع عمرو بن العاص في قصة التحكيم، وقصة التحكيم هذه ليست صحيحة كما سمعت في الجامعة في دراستي؟ الشيخ: نفس الشيء أيضاً يتكلمون عن غير أبي موسى ممن هو أفضل من أبي موسى الأشعري في هذه المسائل.
ولهذا مسألة السياسة مشكلة الآن، لو ذهبت إلى بعض كتب التاريخ التي كتبها المؤرخون الذين يميلون إلى آل البيت وجدت عجباً، ولو قرأت في كتب التاريخ التي تميل إلى بني أمية لوجدت عجباً، لكن كما قلت لك: لا بد أن يكون السند صحيحاً.
стр. 709
حكم النذر المباح
فضيلة الشيخ! مما درست أن هناك أنواعاً للنذر: فهناك نذر واجب، ونذر طاعة، ونذر مباح، ونذر معصية، وسمعت أن النذر المباح لا يجب القضاء فيه بل يجوز الكفارة، ويجوز أن يقضيه فكيف؟ الشيخ: ماهو النذر المباح الذي فهمت؟ السائل: مثلاً: يقول عليَّ نذر أن أقرأ كتاب كذا أو أبيع سيارتي؟
النذر المباح حكمه حكم اليمين، فإذا قال: لله عليَّ نذر أن أبيع سيارتي، أو لله عليَّ نذر أن أشتري البيت الفلاني قلنا له: أنت الآن بالخيار إن شئت فافعل وإن شئت فلا تفعله وكفر كفارة يمين؛ لأن هذا نذر مباح، ونذر الطاعة أن يقول: عليَّ نذر أن أصوم غداً يعني: يوم الإثنين، ونذر المعصية أن يقول: لله عليَّ أن أهجر فلاناً وهو لا يستحق الهجر.
السائل: رجل نذر أن يشتري لوالدته -مثلاً- كذا وكذا من أي الأنواع؟ الشيخ: هذا من أنواع نذر الطاعة إذا كان هذا مما يسر الأم أو تحتاجه الأم؛ لأنه حينئذ يدخل في البر، وبر الوالدين من الطاعة فيلزمه أن يشتري ذلك لها إلا إذا قالت: لا أريده، فإذا قالت: لا أريده فإنه لا يلزمه أن يشتريه لها، وفي هذه الحالة ينبغي أن يكفر كفارة يمين.
стр. 710
الضابط في استخدام الجلود
فضيلة الشيخ! ما هو الضابط في استخدام الجلود وما يحل من ذلك وما يحرم؟
من المعلوم أن الجلود في السوق هي جلود مدبوغة، والجلود المدبوغة عند كثير من العلماء طاهرة، وإن كانت من حيوان نجس، والصحيح أنها ليست بطاهرة إذا كانت من حيوان نجس؛ لأن نجس العين لا يطهر لو غسل بماء البحر، أما إذا كانت الجلود مما هو مباح الأكل ولكن لا تدري أنت هل هي جلود مذبوحة أو ميتة فلا يهمنك؛ لأنه حتى لو كانت جلود ميتة أو جلود حيوانٍ مذبوح على غير الطريقة الإسلامية فإنها إذا دبغت تكون طاهرة مثل بعض الفراء، تكون مبطنة بجلد من جلود الضأن الصغار فنقول: البسها ولا حرج عليك، حتى لو فرض أنها من ميتة أو فرض أنها مما ذكي ذكاة غير شرعية؛ لأنه إذا دبغ فإنه يطهر لقول النبي ﷺ : (أيما إهاب دبغ فقط طهر) ومر بشاة يجرونها ميتة لـ ميمونة، فقال: (هلا أخذتم إهابها قالوا: يا رسول الله! إنها ميتة، قال: إذا دبغ الإهاب فقط طهر) .
стр. 711
حكم الحيوانات التي لا يؤكل لحمها من حيث النجاسة
فضيلة الشيخ! هل كل حيوان لا يؤكل لحمه نجس؟
نعم.
كل ما لا يؤكل فهو نجس إذا مات، أما في الحياة ففيه تفصيل، الهرة وما شابهها طاهرة إلا بولها وعذرتها ودمها، وأما السباع التي ليست مما يطوف علينا ويكثر التردد علينا فهي نجسة.
стр. 712
حكم الشروع في خطبة الجمعة قبل الوقت والصلاة قبل الزوال
هناك بعض الخطباء يدخلون إلى المسجد يوم الجمعة ويشرعون في الخطبة قبل الوقت وربما أقيمت الصلاة ولم يحن وقت الزوال فما صحة ذلك؟
هذه المسألة -أي: الشروع في الخطبة والصلاة يوم الجمعة قبل الزوال- فيها خلاف بين العلماء، فمنهم من قال: إنها لا تجوز حتى تزول الشمس، ومنهم من قال: إنها تجوز، والصحيح أنها تجوز قبل الزوال بساعة أو نصف ساعة أو ما قارب ذلك، ولكن الأفضل بعد الزوال حتى عند القائلين بأنه يجوز أن تتقدم ساعة ونحوها؛ وذلك لأن المؤذن إذا أذن وسمعه من في البيوت فإنهم ربما يتعجلون فيصلون الظهر فيحصل بذلك غرر للناس، ثم إن زوال الشمس بالاتفاق شرطٌ لإقامة صلاة الجمعة على وجه الأفضلية، ولكن من العلماء من أجاز التقديم على الزوال ومنهم من لم يجزه، ولكنهم متفقون على أن تأخيرها حتى تزول الشمس أفضل، ولو صلى قبل الزوال على الرأي الذي يقول بجوازها قبل الزوال فلا بأس، لكن بزمنٍ قريب.
وهنا مسألة بالنسبة لوقتنا الآن: لا نحبذ أن أحداً يصلي مبكراً وحتى لا تتخذ عادة عند الناس، وكان النبي ﷺ إذا أتاه قومٌ بصدقتهم قال: (اللهم صلِّ على آل فلان) فإذا لم تتخذ شعاراً فلا بأس، وكذلك إذا لم تتخذ على وجه التعيين -مثلاً- بأن يقول: اللهم صلِّ على آل تيمية، اللهم صلِّ على آل عبد الوهاب، وما أشبه ذلك فهذا لا بأس به، لكن اتخاذها شعاراً كلما ذكر فيه ﷺ هذا لا يجوز؛ لأنه قد يتوهم واهم بأن هذا نبي من الأنبياء.
стр. 713
مدى صحة تسمية ملك الموت بعزرائيل
وردت أسماء الملائكة مثل جبريل وإسرافيل وملك الموت، وقد ورد أن ملك الموت عزرائيل فهل هذا صحيح أم لا؟
الملائكة عليهم الصلاة والسلام وردت أسماء بعضهم مثل جبريل الموكل بالوحي، وإسرافيل الموكل بنفخ الصور، وميكائيل الموكل بالقطر والنبات يعني: بالأمطار ونبات الأرض، وهؤلاء الثلاثة كان النبي ﷺ يذكرهم في استفتاح صلاة الليل فيقول إذا استفتح صلاة الليل: (اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم) .
وإنما كان يتواصل بهؤلاء الثلاثة؛ لأن هؤلاء الثلاثة كل واحد منهم موكل بما فيه حياة، فجبرائيل موكل بما فيه حياة القلوب، وميكائيل موكل بما فيه حياة الأرض، وإسرافيل موكلٌ بما فيه حياة الأبدان، إذا نفخ في الصور؛ لأنه هو موكل للنفخ في الصور، وأما ملك الموت فإنه لا يصح تسميته بعزرائيل وإنما يقال فيه: ملك الموت، كما قال الله : ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة:١١] ولم يصح عن النبي ﷺ أن اسمه عزرائيل، وأما مالك خازن النار فقد جاء في القرآن: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف:٧٧] .
стр. 714
معنى: (أن النبي ﷺ كان يخطب يوم الجمعة ونحن حوله)
فضيلة الشيخ! ذكر البخاري في كتاب يوم الجمعة حديثاً قال: عن أبي سعيد الخدري (أن رسول الله ﷺ كان يخطب يوم الجمعة ونحن حوله) فهل يدل ذلك على مشروعية التحول أو الالتفات إلى الإمام حتى ولو كان في طرف الصف؟
لا.
معنى (نحن حوله) أي: أننا نحرص أن نكون قريبين منه، وليس المعنى أنهم يتحوطون عليه أو يستديرون عليه، وإنما فيه أن الرسول ﷺ كان يخطب وكانوا يحرصون أن يكونوا قريبين منه وإلا فهو يخطب الناس وهم على صفوفهم، بل ورد حديث ينهى عن التحلق يوم الجمعة لما في ذلك من التضييق على المصلين في المسجد، وفيه أيضاً ما توهمته من أن المراد أنهم يتحوطون حوله ويتحلقون.
السائل: لو كان الالتفات بالرأس؟ الشيخ: الالتفات بالرأس لا بأس به، يعني: أن ينظر الإنسان إلى الخطيب حال الخطبة هذا لا بأس به، بل هذا طيب؛ لأنه يشد انتباه الإنسان أكثر، وقد روي عن الصحابة ﵃ (أن النبي ﷺ كان إذا خطب استقبلوه بوجوههم) .
стр. 715
حد المعلوم من الدين بالضرورة
فضيلة الشيخ! نريد حداً للمعلوم من الدين بالضرورة؟
المعلوم من الدين بالضرورة هو ما لا يمكن لأحد من المسلمين جهله، كوجوب الصلاة -مثلاً- وتحريم الخمر والزنا وما أشبه ذلك، هذا من المعلوم من الدين بالضرورة، فأما الشيء الذي لا يعلم بالضرورة إلا بعد البحث والنظر فهذا ليس مما يعلم من الدين بالضرورة.
стр. 716
حكم الزواج بامرأة زانية
فضيلة الشيخ! رجل تزوج من امرأة وقد حملت منه سفاحاً، فهل العقد صحيح وهل الطفل ينسب إليه؟
هذه المسألة تحتاج إلى إجابة خاصة، وينظر هل هذا وقع أو لم يقع، وينظر أيضاً ما يحيط به من الشبهات، وما أشبه ذلك، وعلى كل تقدير: فإن المرأة الزانية لا يحل نكاحها إلا بعد التوبة، وكذلك الزاني لا يصح أن تتزوجه إلا بعد التوبة، لقول الله ﵎: ﴿الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٣] أما هذه القضية فتحتاج إلى فتوى خاصة.
стр. 717
حكم من فاتته ركعتا الاستسقاء
فضيلة الشيخ! بالنسبة لصلاة الاستسقاء إذا دخل جماعة والإمام يخطب وقد صليت الركعتان، هل يصلونها أم يجلسون في الخطبة؟ وهل تقضى؟
إذا لم يدركوا صلاة الاستسقاء فقد فاتت، ولكنهم إذا جاءوا والإمام يخطب يصلون ركعتين تحية المسجد ثم يجلسون لاستماع الخطبة والتأمين على دعاء الإمام.
السائل: أم يصلون جماعة؟ الشيخ: لا يصلونها جماعة؛ لأنها فاتت.
стр. 718
حكم قراءة الفاتحة وأذكار الصلاة بالقلب
فضيلة الشيخ! بعض الناس في الصلاة يقرءون الفاتحة والأذكار بالقلوب ولا يقرءونها باللسان فهل تجزئهم؟
لا يصلح أن يقال قرأ فلان إلا بنطق، فأما إذا أمرها على قلبه فهذا لم يقرأ ولا تجزئه في الصلاة؛ لأنه ترك الفاتحة في الحقيقة، وترك التسبيح، وترك التكبير، لكن اختلف العلماء هل يشترط أن يسمع نفسه بمعنى أن يكون لحركات لسانه وشفتيه صوت يسمعه أو لا يشترط؟ والصحيح أنه لا يشترط أن يسمع نفسه لكن يشترط أن ينطق.
стр. 719
تحديد مدة النفاس
فضيلة الشيخ! إن من النساء من تسقط الجنين بعد مضي شهرين أو ثلاثة، وتترك الصلاة وغيرها وتعتبره نفاساً، فما حكم ذلك بعد مضي تقريباً ثلاثين سنة أو أقل بقليل أو أكثر بقليل، وما هي المدة التي تحدد النفاس؟ الشيخ: السؤال أوله فيه إبهام، كلمة تسقط الجنين يسقط الجنين من نفسه، أو تحاول إسقاطه؟ السائل: يسقط من نفسه بقضاء الله .
الشيخ: يقول العلماء ﵏: إن النفاس لا يثبت إلا إذا تبين في الجنين خلق إنسان، يعني: إذا كان متميزاً يده ورجله ورأسه، فإنه إذا أسقط فإن الدم الخارج معه نفاس، وأما قبل التخليق فليس بنفاس، ومعلوم أنه لا يمكن التخليق قبل ثمانين يوماً لحديث ابن مسعود ﵁ قال: (حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق فقال: إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون علقة مثل ذلك) يعني أربعين يوماً (ثم يكون مضغة مثل ذلك) ومعلوم أن المضغة كما قال الله في القرآن: ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج:٥] .
والمضغة لا يأتي طور الجنين إليها إلا بعد تمام ثمانين يوماً، فإذا كانت المرأة تعلم متى الحمل وأنه لم يمض عليه إلا أقل من ثمانين يوماً فليس بنفاس، والسؤال الآن يقول مضى شهران، والشهران ستون يوماً، وعلى هذا فيعتبر هذا الدم الذي حصل ليس دم نفاس ولا يلزمها إلا قضاء الصلاة، وإذا كانت جاهلة لا تدري فليس عليها شيء، لا قضاء ولا غيره.
стр. 720
حكم إدخال الكتب التي تحتوي على صور إلى المساجد
فضيلة الشيخ! مما لا يخفى عليكم أنه الآن قد اقترب الامتحان وكثر الشباب الذين يدرسون في المساجد، ومن المعروف خاصة في الابتدائي والثانوي والمتوسط وبعض الجامعات أنه يكون عندهم بعض الكتب التي تحوي الصور، فما حكم إدخال هذه الكتب إلى المسجد للدراسة؟
أما الصور الظاهرة البارزة كالتي تكون على الغلاف -مثلاً- فإنه لا يجوز أن يدخل بها المسجد؛ لأن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة، وإذا كانت الملائكة تتأذى من ريح البصل والكراث فتتأذى من هذه الصورة التي تمنعها -أي: تمنع الملائكة من دخول المسجد- أما إذا كانت خفية وليست مقصودة بذاتها فأرجو ألا يكون بذلك بأس؛ لأنها خفية داخل الكتاب، وأيضاً هي غير مقصودة وإن رأى الإنسان أن يفعل ما هو الأكمل والأفضل فليطمس على وجهها فإذا طمس على وجهها زال ما بها.
стр. 721
ضابط التشبه بالكفار
فضيلة الشيخ! يوجد نوع من القماش (الجينز) يفصل بطرق مختلفة لملابس الأطفال بنين وبنات يمتاز بالمتانة، والإشكال أن هذه الخامة يلبسها الكفار وغيرهم بطريقة البنطلون الضيق وهو مشهور معروف، والسؤال: هل استعمال هذا القماش بأشكاله المختلفة غير البنطلون الضيق بمعنى استعماله لمتانته وجودته؛ هل يدخل في التشبه وجزاكم الله خيراً؟
التشبه بمعناه أن يقوم الإنسان بشيء يختص بالمتشبه بهم، فإذا استعمل هذه القماشة أو غيرها على وجه يشبه لباس الكفار فقد دخل في التشبه، أما مجرد أن يكون لبس الكفار من هذا القماش ولكن يفصل على وجه آخر مغاير للباس الكفار فإن ذلك لا بأس به ما دام مخالفاً لطريقة الكفار، حتى لو اشتهروا بهذا القماش ما دام أن الهيئة ليست على هيئة ما يلبسه الكفار، فلا بأس.
стр. 722
حكم الصلاة خلف الصف منفرداً قبل إتمام الصف الأول
فضيلة الشيخ! رجل دخل في مسجد لصلاة المغرب فوجد المصلين في حالة ركوع، وكان جانب الصف من الجهة الأخرى لم يكتمل فصلى في الصف الثاني ولم ينتصف في الصف، فدخل بعده آخر فصلى بجانب الرجل جهلاً بحاله، فلما انتهت الصلاة أتى الإمام إليهما وسأل عن الأول، وقال: عليه إعادة الصلاة؛ لأنه لا صلاة لمنفرد خلف الصف، فما رأيكم في هذا أفادكم الله؟
رأيي في هذا أن الرجل الذي صف وحده خلف الصف مع وجود مكان له في الصف الذي أمامه أن صلاته باطلة، لاسيما إذا رفع من الركوع قبل أن يدخل معه أحد، فإن دخل معه أحد قبل أن يرفع من الركوع فقد صحح بعض أهل العلم صلاته، وقال: إن هذا الرجل أدرك جميع الصلاة مع الرجل الآخر الذي صف فتصح صلاته لكن من نظر إلى حديث: (لا صلاة لمنفرد خلف الصف) فإنه يظهر منه أن من كبر وحده بدون عذر فصلاته باطلة؛ لأن تكبيرة الإحرام ركن من أركان الصلاة.
السائل: يا شيخ! وإذا كان لا يدري أن الصف لم يكتمل؟ الشيخ: الواجب عليه ألا يصف وحده حتى يتيقن أن الصف الذي أمامه قد كمل، كيف يأتي ويصف ولا يدري، لا بد أن يدري.
السائل: وهل عليه إعادة الصلاة؟ الشيخ: ليس عليه إعادة الصلاة؛ لأنه جاهل بالحكم.
стр. 723
حكم استقدام الخادمات المسلمات سواء بمحرم أو بغير محرم
فضيلة الشيخ! أريد أن أسأل عن استقدام الخادمات المسلمات وقد حصل بعض النقاش بيني وبين بعض الشباب يريد استقدامهن؛ سواء كان معها محرم أو ليس معها محرم جزاكم الله خيراً؟
أولاً: لا بد أن نوجه نصيحة إلى إخواننا عموماً، وهو أنه لا ينبغي أن يستقدموا خادمات أو خدماً إلا عند الحاجة أو الضرورة؛ وذلك لأن هؤلاء الخدم إذا جاءوا فإنهم سوف يكلفون الإنسان نفقات لا حاجة له إلى إنفاقها ولا ضرورة، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه نهى عن إضاعة المال.
ثانياً: أن بعضهن غير مؤتمنات تلك الأمانة التي نثق بها، لهذا أقول: لا ينبغي أن نستقدم خدماً ولا خادمات إلا بشروط: فبالنسبة للمرأة أولاً: لا بد أن يكون معها محرم، فإن لم يكن معها محرم فإنه لا يجوز استقدامها لقول النبي ﷺ : (لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم) فإذا استقدمتها وليس معها محرم فهذه مخالفة لنهي الرسول ﷺ .
ثانياً: أن يكون محتاجاً إليها، فإن لم يكن محتاجاً إليها وإنما يقصد بذلك الترفيه وسقوط الكلفة ولو كانت يسيرة عن أهله ففي جواز ذلك نظر.
ثالثاً: ألا يخشى الفتنة، فإن خشي على نفسه الفتنة أو على أحد من أولاده إن كان عنده أولاد فإنه لا يجوز أن يعرض نفسه لذلك.
رابعاً: أن تلتزم ما يجب عليها من الحجاب بحيث تغطي وجهها ولا تكشفه، ولا يصح أن يستدل بقول الله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [النور:٣١] لا يصح الاستدلال بذلك على أنه يجوز للخادمة أن تكشف وجهها لمن هي عنده؛ لأن المستخدم لم يملكها وإنما هي أجيرة عنده، والأجيرة كالأجنبية في مسألة الحجاب.
خامساً: ألا يخلو بها، فإن كان ليس عنده أحد في البيت فإنه لا يجوز أن يستقدمها مطلقاً، وإن كان عنده أحد في البيت وأهل البيت يذهبون عن البيت ويبقى وحده مع هذه الخادمة فإن ذلك لا يجوز؛ لقول النبي ﷺ : (لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم) .
وفي البيت أيضاً لا يخلو بها، وإذا تحقق هذا الشرط بألا يكون هناك خلوة لكن بقية الشروط هل إذا جاءت إليه تعطيه القهوة والشاي والغداء والعشاء وهي كاشفة أم لا؟ السائل: قد يحصل نزاع بين الأخوين ويقول الأخ الذي يريد خادمة لزوجته: أنا لا أريد البقاء مع إنسان لا يحبني ولا يقدرني ولا يطيعني، ثم يحصل نزاع وشقاق بينهم قد يصل إلى قطع الرحم؟ الشيخ: قطع الرحم ليس بلازم، فقد يخرج الإنسان عن البيت والصلة موجودة، فإذا كان أحدهما لا يرضى وقال: والله لا أرضى أن تكون في بيتي ونحن لسنا بحاجة لها، لا أرضى أن تكون في البيت وهي متكشفة، فله أن يخرج ولا يعد متسبباً بقطع الرحم، يخرج ويزورهم بين حينٍ وآخر.
مادامت العلة في ذلك أن المرأة جاءت بلا محرم، وأنها ربما تنتهك الحجاب ولا تتحجب، فلا عليه شيء.
стр. 724
مدى صحة القول بأن قول الزور من مبطلات الصيام
فضيلة الشيخ! بعض أهل العلم يستشهد بقوله ﷺ : (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) على أن قول الزور من مبطلات الصيام، فهل هذا في محله؟
هذا غير صحيح، وتوجيه الحديث مثل قوله ﷺ : (إن الإنسان ليصلي وما كتب له من صلاته إلا نصفها إلا ربعها إلا عشرها) وما أشبه ذلك، فالمراد أن الصوم الكامل هو الذي يصوم فيه الإنسان عن قول الزور والعمل به والجهد، أما الصيام فمعروف كما قال تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:١٨٧] .
فهذا هو الصيام: أن يصوم عن هذه الأشياء وما شابهها، وأما الصوم عن القول المحرم والعمل المحرم فلا شك أنه أكمل وأفضل وهذه هي الحكمة من الصوم، ولكنه ليس شرطاً فيه، قال الإمام أحمد: لو كانت الغيبة تفطر ما كان لنا صيام، من يسلم من الغيبة، ولذلك قال ﷺ : (من لم يدع قول الزور والعمل به) ما قال بطل صومه أو صيامه لا يقبل بل قال: (ليس لله حاجة) : يعني ليست هذه الحكمة من الصوم، الحكمة من الصوم أن يصوم عما حرمه الله.
стр. 725
حكم إمامة الأعرج
فضيلة الشيخ! يوجد إنسان حافظ للقرآن وهو إنسان أعرج وعليه جهاز هل تجوز إمامته عند الحاجة؟
نعم.
يجوز للإمام أن يكون عاجزاً عن القيام والركوع والسجود؛ لأن صلاته تصح وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه صلّى بأصحابه قاعداً فقاموا فأشار إليهم أن اجلسوا، فلما سلم أخبرهم بأن الإمام يؤتم به، وقال: (وإذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً) فالصواب أنه متى صحت صلاة الإنسان صحت إمامته.
стр. 726
حكم ختانة النساء
فضيلة الشيخ! بالنسبة لختان المرأة هل هو على سبيل الوجوب أو على الندب؟
الصحيح من أقوال أهل العلم في مسألة الختان القول الوسط وأنه واجب على الذكور دون النساء، والفرق ظاهر؛ لأن قلفة الرجل لو بقيت لكان في ذلك ضرر عليه من حيث البول، وكان في ذلك أيضاً تلويث، يعني: البول يحتقن بين القلفة والحشفة بخلاف المرأة، فالصواب من أقوال أهل العلم في هذه المسألة أنه واجب في حق الذكور سنة في حق النساء، وبعض العلماء يقول: إنه واجب على الجميع، وبعضهم يقول: ليس واجباً على الجميع بل هو سنة، والصواب الوسط أنه على الرجال واجب وعلى النساء سنة.
стр. 727
حكم تسمية البنات بأسماء من القرآن
فضيلة الشيخ! كثر السؤال عن تسمية بعض الناس بناتهم بأسماء من القرآن مثل (بيان) وبعضهم يسمون (إيمان) فهل هذا صحيح أم لا؟ وهل يغير الاسم إذا كانت لا تصح التسمية بهذه الأسماء؟
نعم.
الأصل في التسمية الإباحة إلا ما دل الدليل على كراهته بعينه أو بمثله -فمثلاً- اسم (برة) واسم (أبرار) ، واسم (إيمان) ، كل هذا ينهى عنه، يعني: يُغيَّر؛ لأن النبي ﷺ غير اسم برة إلى زينب وإلى جويرية، وأما ما لا يشبه ذلك فلا بأس به -فمثلاً- (أفنان) ما فيه بأس، (أغصان) ما فيه بأس، (جنا) ما فيه بأس، أما (بيان) فلا أرى أن يسمى به وكذلك (إيمان) لأن فيه شيئاً من التزكية و (أبرار) كذلك.
стр. 728
حكم التصوير الفوتغرافي
فضيلة الشيخ! يوجد أحد الشباب أشكل عليه أمر التصوير إشكالاً كبيراً، ويقول: هناك أحاديث صريحة عن الرسول ﷺ بتحريمها وإنه جائز في حال الضرورة وعنده إشكالات كثيرة نريد بسطها؟
الواقع أنه ليس هناك إشكال؛ لأن التصوير الذي كان في عهد الرسول ﷺ فيه مضاهاة لخلق الله؛ ليس عندهم آلات تعكس الصورة، في عهد الرسول ﷺ كانوا يرسمون باليد، والراسم باليد مضاهٍ لخلق الله، لأن هذا عمله بيده هو الذي قدر العين، قدر الأنف، قدر الشفتين وما أشبه ذلك فيكون مضاهياً لخلق الله، وأما في وقتنا الحاضر فإن المصور لا يفعل هذا، ولا يصور بيده، وإنما ذلك بآلة تنعكس على ما أمامها سواء كان رجلاً أو حيواناً أو شجراً أو أي شيء فيطبع فيها، لكن الإنسان ليس له عمل في تخطيطها وتكييف عينيها وشفتيها وأنفها، فليس هذا من التصوير في شيء.
فلا إشكال عليك أبداً، استعن بالله لكن لا تعملها على وجه العبث أو الذكرى أو ما أشبه ذلك، ولكن يتوقف عليها أن يدخل الإنسان المدرسة -مثلاً- أو يتوظف في وظيفة ينفع المسلمين بها أو أن يسافر لحاجة فلا إشكال فيها.
الآن لا ينضبط الناس إلا بالصورة، وإلا كان كل إنسان يأتي يزور عليك ويقول: أنا فلان الفلاني وليس هو كذلك.
السائل: ولكن تحريم التصوير في الأحاديث أطلق ولم يقيد؟ الشيخ: لا.
وصفهم بأنهم يضاهون بخلق الله وهذا تقييد.
стр. 729
حكم ترك الجهر بالقراءة في الصلاة الجهرية
فضيلة الشيخ! إمام كبر لصلاة المغرب ونسي أنه إمام، سها بأمر أشغله ثم قرأ الفاتحة وشرع في السورة التي بعد الفاتحة سراً، ثم تذكَّر ثم أعاد قراءة الفاتحة، فالسؤال يا شيخ! لو قدر أنه كبر وهو إمام ولم يقرأ سورة الفاتحة جهراً فماذا على المأمومين؟
ليس عليهم شيء، غاية ما هنالك أنه لم يجهر بالقراءة والجهر بالقراءة سنة ليس واجباً، ولو تركه الإنسان عمداً فلا شيء عليه.
السائل: المأمومون لم يسمعوا قراءة الفاتحة ولم يقرءوها؟ الشيخ: المأموم لابد أن يقرأ الفاتحة حتى في الصلاة الجهرية؛ لعموم قوله ﷺ : (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) .
السائل: هم ينتظرون من الإمام أن يقرأها حتى يقرءوا بعده؟ الشيخ: هذا غريب منهم، فكيف ينتظرون هذه المدة الطويلة ولم ينتبهوا، فالظاهر أنه غشيهم أيضاً النسيان.
على كل حال: من صلى ولم يقرأ الفاتحة يجب عليه إعادة صلاته ولو بعد سنين أو أشهر، فلا بد من الإعادة.
стр. 730
وقت النهي عن التحلق يوم الجمعة
فضيلة الشيخ! بالنسبة للنهي عن التحلق يوم الجمعة هل يقصد به قبل الصلاة مباشرة أو بعد صلاة الفجر؟
الظاهر أن التحلق قبل أن يحضر الناس إلى المسجد لا بأس به، وإنما نهى الرسول ﷺ لئلا يضيقوا على الناس الذين يأتون الصلاة، وغالباً بعد الفجر لا يوجد أناس.
стр. 731
حكم سفر الخادمة بدون محرم
إذا كانت الخادمة جاءت مع عائلة -مثلاً- وهي بدون محرم هل يجوز ذلك؟
هذا لا يجوز ولابد من محرم، المرأة لا يمكن أن تأتي إلا بمحرم.
стр. 732
لقاء الباب المفتوح [١٧]
فسر الشيخ في مستهل هذا اللقاء آيات من سورة النازعات، وضمن إيضاحه لمعانيها تكلم عن: مصير الإنسان وما سيلاقيه، وتذكره لما عمل من خير وشر، وأنه مكتوب، وتحدث عن أنواع وأقسام النفس، وبعد ذلك ركز على نصيحة حول سوء الخاتمة، وحسن الخاتمة والحرص على أن يموت الإنسان والله راضٍ عنه.
стр. 733
تفسير آيات من سورة النازعات
الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد خاتم النبيين وإمام المتقين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: هذا هو اليوم الذي نلتقي فيه بإخواننا في هذا الشهر، كما هو مقرر في كل يوم خميس، نسأل الله أن يجعلها لقاءات مباركة، ونبدأ هذا اللقاء بتفسير آيات من كتاب الله وقد بدأنا من سورة النبأ إلى آخر القرآن، ووقفنا على قوله: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا.
﴾ [النازعات:٢٧-٢٨] إلى آخر السورة.
стр. 734
تفسير قوله تعالى: (أأنتم أشد خلقاً أم السماء بناها)
يخاطب الله عباده يقول: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ [النازعات:٢٧] وأراد بهذا الاستفهام تقرير إمكان البعث؛ لأن المشركين كذبوا النبي ﷺ بالبعث، وقالوا: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس:٧٨] ؟ فيقول الله : ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ السَّمَاءُ﴾ [النازعات:٢٧] والجواب معلوم لكل أحد أن السماء أشد خلقاً، كما قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر:٥٧] .
(بناها) هذه الجملة لا تتعلق بالتي قبلها، ولهذا ينبغي للقارئ إذا قرأ أن يقف عند قوله: ﴿أَمْ السَّمَاءُ﴾ [النازعات:٢٧] ثم يستأنف فيقول: ﴿بَنَاهَا﴾ [النازعات:٢٧] فالجملة استئنافية لبيان عظمة السماء، (بناها) أي: بناها الله، وقد بين الله في آية أخرى في سورة الذاريات أنه بناها، فقال: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات:٤٧] أي بقوة ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات:٤٧] .
стр. 735
تفسير قوله تعالى: (رفع سمكها فسواها)
قال تعالى: ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾ [النازعات:٢٨] (رفع) أي: عن الأرض، ورفعها بغير عمد، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [الرعد:٢] (فسواها) أي: جعلها مستوية وجعلها تامة كاملة كما قال تعالى في خلق الإنسان: ﴿يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الانفطار:٦-٧] أي: جعلك سوياً تام الخلقة، فالسماء كذلك سواها الله .
стр. 736
تفسير قوله تعالى: (وأغطش ليلها وأخرج ضحاها)
قال تعالى: ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾ [النازعات:٢٩] أغطشه، أي: أظلمه، فالليل مظلم، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء:١٢] .
﴿وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾ [النازعات:٢٩] فالشمس تخرج كل يوم من مطلعها وتغيب في مغربها.
стр. 737
تفسير قوله تعالى: (والأرض بعد ذلك دحاها)
قال تعالى: ﴿وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا * وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا * مَتَاعاً لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ﴾ [النازعات:٣٠-٣٣] .
(وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ) أي: بعد خلق السماوات والأرض (دَحَاهَا) وبين هذا الدحو بقوله: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا * وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ [النازعات:٣١-٣٢] وكانت الأرض مخلوقة قبل السماء كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت:٩-١٢] .
فالأرض مخلوقة قبل السماء، لكن دحوها وإخراج الماء منها والمرعى كان بعد خلق السماوات: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا * وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ [النازعات:٣١-٣٢] أي: جعلها راسية في الأرض تمسك الأرض لئلا تضطرب بالخلق ﴿مَتَاعاً لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ﴾ [النازعات:٣٣] أي: جعل الله تعالى ذلك متاعاً لنا نتمتع به فيما نأكل ونشرب، ولأنعامنا، أي: مواشينا من الإبل والبقر والغنم وغيرها.
стр. 738
تفسير قوله تعالى: (فإذا جاءت الطامة الكبرى)
ولما ذكر الله عباده بهذه النعم الدالة على كمال قدرته، ذكرهم بمآلهم الحتمي الذي لا بد منه، فقال : ﴿فَإِذَا جَاءَتْ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى﴾ [النازعات:٣٤] وذلك قيام الساعة، وسماها طامة؛ لأنها داهية عظيمة تطم كل شيء سبقها، (كبرى) أي: أكبر من كل طامة ﴿فَإِذَا جَاءَتْ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى * يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ مَا سَعَى﴾ [النازعات:٣٤-٣٥] بيان لهذا اليوم الذي تكون فيه الطامة الكبرى، وهو اليوم الذي يتذكر فيه الإنسان ما سعى، يتذكره، ويجده مكتوباً عنده يقرأه بنفسه، قال الله تعالى: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ [الإسراء:١٣-١٤] إذا قرأه تذكر ما سعى، أي: ما عمل، أما اليوم فإنا قد نسينا ما عملنا، عملنا أعمالاً كثيرة منها الصالح ومنها اللغو ومنها السيئ، لكن كل هذا نُسي، وفي يوم القيامة يُعرض علينا هذا في كتاب، ويقال: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ﴾ [الإسراء:١٤] أنت بنفسك: ﴿كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ [الإسراء:١٤] فحينئذٍ يتذكر الإنسان ما سعى ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَاباً﴾ [النبأ:٤٠] .
стр. 739
تفسير قوله تعالى: (وبرزت الجحيم لمن يرى)
ثم قال: ﴿وَبُرِّزَتْ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى﴾ [النازعات:٣٦] أعاذنا الله وإياكم منها، (وبرزت) أظهرت، تجيء وتقاد بسبعين ألف زمام، كل زمام معه سبعون ألف ملك يقودونها، إذا ألقي فيها الظالمون في مكان ضيق مقرنين، ﴿دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُوراً﴾ [الفرقان:١٣] وتأتي جهنم وتبدو -والعياذ بالله- لمن يرى ويبصر فتنخلع القلوب ويشيب المولود، ولهذا قال: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:٣٧-٣٩] هذان الوصفان هما وصفان لأهل النار، الطغيان وهو: مجاوزة الحد، وإيثار الدنيا على الآخرة بتقديمها على الآخرة وكونها أكبر هم للإنسان، فإذا قال قائل: ما هو الطغيان؟ قلنا: الطغيان مجاوزة الحد كما ذكرناه آنفاً، وحد الإنسان مذكور في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] فمن جاوز حده ولم يعبد الله فهذا هو الطاغي؛ فأنت مخلوق لعبادة الله لا لتأكل وتتمتع وتتنعم كما تتمتع الأنعام، فاعبد الله فإن لم تفعل فقد طغيت، وهذا هو الطغيان.
وقوله: ﴿وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [النازعات:٣٨] هما متلازمتان، فإن الطاغي عن عبادة الله مؤثر للحياة الدنيا؛ لأنه يتعلل بها عن طاعة الله، ويتلهى بها عن طاعة الله، إذا أذن الفجر آثر النوم على الصلاة، إذا قيل له: اذكر الله آثر اللهو على ذكر الله وهكذا، وقوله: ﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:٣٩] أي: هي مأواه، والمأوى هو: المرجع والمقر، وبئس المقر مقر جهنم أعاذنا الله وإياكم منها.
стр. 740
تفسير قوله تعالى: (وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى)
قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ [النازعات:٤٠] أي: خاف القيام بين يديه؛ لأن الإنسان يوم القيامة سوف يقرره الله بذنوبه، ويقول: عملت كذا وعملت كذا، كما جاء في الحديث الصحيح، فإذا أقر قال الله له: (قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم) هذا الذي خاف هذا المقام ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى﴾ [النازعات:٤٠] أي: عن هواها، والنفس أمارة بالسوء، لا تأمر إلا بالشر، ولكن هناك نفس أخرى تقابلها وهي النفس المطمئنة؛ لأن للإنسان ثلاثة أنفس: مطمئنة، وأمارة، ولوامة، وكلها في القرآن.
أما المطمئنة: ففي قوله تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٧-٣٠] .
وأما الأمارة بالسوء: ففي قوله تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف:٥٣] .
وأما اللوامة: ففي قوله تعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة:١-٢] .
والإنسان يحس بنفسه بهذه الأنفس، يرى في نفسه أحياناً نزعة خير يحب الخير ويفعله، هذه هي النفس المطمئنة، ويرى أحياناً في نفسه نزعة شر فيفعله، هذه هي النفس الأمارة بالسوء.
تأتي بعد ذلك النفس اللوامة التي تلومه على ما فعل، فتجده يندم على ما فعل من المعصية، أو لوامة أخرى تلومه على ما فعل من الخير -والعياذ بالله- فإن من الناس من يلوم نفسه على فعل الخير، وعلى مصاحبة أهل الخير، ويقول: كيف أصحب هؤلاء الذين يصدوني عن حياتي وشهواتي وعن الهوى وما أشبه ذلك.
فاللوامة نفس تلوم الأمارة بالسوء، وتلوم المطمئنة تارة أخرى، فهي في الحقيقة نفس بين نفسين، تلوم النفس الأمارة بالسوء إذا فعلت السوء وتُنَدِّم الإنسان، وقد تلوم النفس المطمئنة إذا فعلت الخير -نسأل الله العافية- يقول الله : ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:٤٠-٤١] الجنة هي دار النعيم التي أعدها الله لأوليائه، ففيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، قال الله تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة:١٧] هكذا جاء في القرآن وجاء في الحديث القدسي: (أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر) .
هذه الجنة يدركها الإنسان قبل أن يموت كيف ذلك؟ إذا حضر الأجل ودعت الملائكة النفس للخروج وقالت: اخرجي أيتها النفس المطمئنة إلى رضوان الله، وتبشر النفس بالجنة، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ﴾ [النحل:٣٢] متى يقولون؟ حين الوفاة ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٣٢] فيبشر بالجنة، فتخرج روحه راضية متيسرة سهلة، ولهذا لما حدث النبي ﷺ فقال: (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه، قالت عائشة: يا رسول الله! كلنا يكره الموت، قال: ليس الأمر كذلك) كلنا يكره الموت هذه طبيعة، ولكن المؤمن إذا بشر بما يبشر به عند الموت أحب لقاء الله، أحب الموت، وسهل عليه، وأن الكافر إذا بشر بما يسوءه -والعياذ بالله- عند الموت كره لقاء الله وهربت نفسه، وتفرقت في جسده، حتى ينتزعها منه كما ينتزع السفود من الشعر المبلول، والشعر المبلول إذا جر عليه السفود -وهو معروف عند الغزَّالين- يكاد يمزقه من شدة سحبه عليه.
هكذا روح الكافر -والعياذ بالله- تتفرق في جسده؛ لأنها تبشر بالعذاب فتخاف، ولهذا يوجد بعض الناس -والعياذ بالله- يسود وجهه، ولونه في الحياة أحمر، وحدثني من أثق به -وأقسم لي أكثر من مرة- وهو ممن يباشرون تغسيل الموتى، يقول: والله مرت عليّ حالتان لا أنساهما أبداً، غسلت اثنين بينهما زمن، يقول: الوجه أسود مثل الفحم -والعياذ بالله- والبدن طبيعي؛ لأنه يبشر بما يسوءه، والإنسان إذا بشر بما يسوءه تغير.
فالجنة فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وقلت: إن الإنسان قد يدركها قبل أن يموت بما يبشر به، ولا يخفى علينا ما جاء في السيرة النبوية أن أنس بن النضر ﵁ قال: (والله إني لأجد ريح الجنة دون أحد) وهذا ليس معناه الوجدان الذوقي، إنما هو وجدان حقيقي -كما أشار إليه ابن القيم ﵀ من أن بعض الناس قد يدرك الآخرة وهو في الدنيا- ثم انطلق أنس فقاتل وقتل ﵁، فالحاصل أن الجنة فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
следующие страницы →