← Джавами‘

Джавами‘ · id 7688

دروس الحرم المدني للعثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (172 стр.). Показаны 141–172 · переход к 146.

стр. 141

متى يكون الفرح إسلامياً السؤال يوجد ما يسمى بالأفراح الإسلامية وفيها يتأخر النساء أو يرجعن إلى بيوتهن عند الساعة الرابعة فجراً، فهل هذه أفراحٌ إسلامية؟ الجواب نعم هي أفراح إسلامية إذا لم يكن فيها محرم، إذا كانت الأغاني نزيهة، وكان الطرب بالدف فقط، فلا بأس بذلك، وهذه ليست مسألة دائمة حتى نقول: إن الإنسان يرهق نفسه، وقد: (نهى النبي ﷺ عبد الله بن عمر أن يبقى متهجداً كل الليل) نقول: هذه مسألة طارئة، فلنعط النفوس حظها من الفرح بشرط ألا يتضمن ذلك وقوعاً في محرم.

стр. 142

حكم الدعاء بقولك: (أطال الله عمرك) السؤال هل قولي داعياً: (أطال الله عمرك) دعاء لا يستجاب؟ الجواب أما كونه لا يستجاب فهذا أمره إلى الله ، والله يقول: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠] لكن لا ينبغي أن يدعو بطول البقاء إلا مقيداً، فيقول: أطال الله بقاءك على طاعته؛ لأن طول البقاء قد يكون ضرراً على الباقي، فشر الناس من طال عمره وساء عمله، قد يكون طول بقاء الرجل شراً من موته، لهذا ينبغي أن تقول: أطال الله عمرك في طاعته.

стр. 143

حكم الصلاة مستقبلاً حجرة النبي ﷺ السؤال ما حكم صلاة الفريضة مستقبلاً حجرة النبي ﷺ ؟ الجواب إذا صلى الفريضة أو النافلة مستقبلاً لحجرة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم والقبلة عن يمينه أو عن يساره أو خلف ظهره فصلاته غير صحيحة؛ لأنه لم يستقبل القبلة، وإذا استقبل الحجرة وهو مستقبل القبلة أي: أن الحجرة كانت بينه وبين القبلة فصلاته صحيحة، فإن قال قائل: أليس قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: (لا تصلوا إلى القبور) قلنا: إن قصد الرجل وتعمد أن يكون مصلياً إلى قبر الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقد وقع فيما نهى عنه الرسول، وأما إذا لم يقصد لكن صادف أن مكانه في الصف في هذا المكان الذي تكون الحجرة بينه وبين القبلة فهذا لا بأس به.

стр. 144

المقصود بالذراع في قوله ﷺ في بيان طول أهل الجنة: (وطول آدم ستين ذراعاً) السؤال ورد في الحديث عن الرسول ﷺ : (أن أهل الجنة -نسأل الله أن يجعلنا منهم- يدخلون الجنة على صورة يوسف بن يعقوب، وعمر عيسى بن مريم، وطول آدم ستين ذراعاً) السؤال: المقصود ذراع من؛ ذراع الرسول أو ذراع آدم أو ذراع الإنسان نفسه؟ الجواب الذراع المعهود في عهد النبي ﷺ : وهو ما بين المرفق ورءوس الأصابع، هذا الذراع، من هنا إلى أطراف الأصابع، فطولهم ستون ذراعاً، وهم على صورة واحدة أبناء ثلاث وثلاثين سنة، ولا تزيد الأعمار بزيادة السنوات؛ لأنه لا موت في الجنة، هم دائماً أبناء ثلاث وثلاثين سنة إلى ما لا نهاية له، اللهم اجعلنا منهم. اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قولٍ وعمل، والحمد لله رب العالمين.

стр. 145

دروس وفتاوى الحرم المدني لعام ١٤١٦هـ[٧،٦] تكلم الشيخ في مطلع هذا اللقاء على ما تيسر من تفسير أواخر سورة الزمر (وما قدروا الله حق قدره. الآيات) مبيناً معنى النفخ وماهيته، وأنواع الشهود على الإنسان يوم القيامة، وبيان الفرق بين سوق الكافرين إلى النار وسوق المتقين إلى الجنة، والتأكيد على أن خلود الكافرين في النار هو خلود أبدي، وختمها بذكر الشفاعات الخاصة بالنبي ﷺ .

стр. 146

تفسير آيات من سورة الزمر الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد خاتم النبيين وإمام المتقين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:

стр. 147

تفسير قوله تعالى: (وما قدروا الله حق قدره) فإننا استمعنا إلى قراءة إمامنا في هذه الليلة في صلاة المغرب من المسجد النبوي حيث قرأ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧] (ما قدروا) الفاعل يعود على المشركين، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧] يعني: أن هؤلاء المشركين لم يعظموا الله تعالى حق تعظيمه، مع أنه جل وعلا أعظم من كل شيء، (الأرض جميعاً قبضته يوم القيامة) جميعاً بما فيها من الأشجار والبحار والجبال والأنهار وغير ذلك كلها قبضته يوم القيامة. (والسماوات مطويات بيمينه) السماوات السبع على عظمها واتساعها (مطويات بيمينه) ومن الذي طواها؟ الله، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء:١٠٤] هذا الذي هذه عظمته كيف يشرك به مخلوقٌ حقير، لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، ولا غياً ولا رشداً؟! إن من أشرك بهذا الرب العظيم معه غيره لهو أسفه الناس بل هو أسفل الناس، لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة:١٣٠] وملة إبراهيم هي ما ذكره الله في قوله: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل:١٢٣] . ولهذا قال: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧] (سبحان) منصوبة لأنها مفعول مطلق عاملها يسبح فهي مفعول مطلق؛ لأنه وافق المصدر في المعنى وخالفه في اللفظ، حيث مصدر يسبح تسبيحة، هذه الكلمة (سبحان) لا يمكن أن يدخل معها عامل، كلما جاءت في القرآن أو السنة فهي منصوبة دائماً على المفعولية المطلقة ولا يذكر معها عامل. انظروا في السنة: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، كلما ذكرت لا يذكر معها العامل وتذكر بهذا اللفظ على أنها مفعول مثل: سبحانه، أي: تنزيهاً له، والذي ينزه الله عنه ثلاثة أشياء: أولاً: كل صفة نقص فالله منزه عنها. ثانياً: كل نقصٍ في كماله فالله منزه عنه، فكمال الله ليس فيه نقص، فلا نقص في علمه ولا في قدرته ولا في قوته ولا غير ذلك. ثالثاً: مماثلة المخلوقين، فالله منزه عنها. ما هو الدليل على ذلك؟ الدليل على الأول: أنه منزه عن كل نقص فليس موصوفاً بالعمى ، ولا بالصمم ولا بالخرس؛ لأن إبراهيم أقام الدليل العقلي على أبيه في قوله: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً﴾ [مريم:٤٢] فدل ذلك على أن الرب يجب أن يكون سميعاً بصيراً يغني عن عابده شيئاً، إذاً: الله تعالى منزه عن كل نقص. ثانياً: منزه عن كل نقصٍ في كماله، مثلاً: القوة من الكمال أليس كذلك؟ فالله منزه عن نقص هذه القوة، مهما عظم الفعل فإنه منزه عن نقص هذه القوة، ودليل ذلك: قول الله ﵎: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق:٣٨] أي: من تعبٍ وإعياء، وهذا نفي لنقص كماله جل وعلا. الثالث: منزه عن مماثلة المخلوقين والدليل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] وهذا خبر، وقوله تعالى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٧٤] فنفى المثل أولاً، ثم نهى أن نضرب الأمثال له ثانياً. إذاً: كلما تلوت: (سبحان الله) فاستحضر هذا المعنى: أنه منزه عن كل نقص، ومنزه عن النقص بكماله، ومنزه عن مماثلة المخلوقين. (تعالى) يعني: ترفع وتعاظم عن هذه الأصناف؛ لأن هذه الأصناف لا تغني من الحق شيئاً.

стр. 148

تفسير قوله تعالى: (ونفخ في الصور) قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ [الزمر:٦٨] والنافخ فيه إسرافيل، و (الصور) قال العلماء: إنه قَرْنٌ عظيم سِعَتُهُ كما بين السماء والأرض، ينفخ فيه نفخة واحدة فيفزع الناس؛ لأنهم يسمعون صوتاً عظيماً عظيماً عظيماً، فيفزع الناس، ثم يصعقون، فيموتون جميعاً إلا من شاء الله، ولهذا قال: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر:٦٨] ، وفي سورة النمل: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [النمل:٨٧] والجمع بينهما: أنها نفخة يحصل بها أولاً فزع، ثم ماذا؟ قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨] (إذا) قال علماء النحو: إنها للمفاجأة، أي: ففي المفاجأة هم قيامٌ ينظرون، بمجرد النفخ، كما قال : ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس:٥٣] فسبحان القادر على كل شيء: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] نفخة واحدة فإذا هم قيام لدينا محضرون!! ثم قال : ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [الزمر:٦٩] (أشرقت) أي من نور الله ، ولهذا قال: (بنور ربها) وذلك أن الله ينزل للقضاء بين عباده، فتتشقق السماء بالغمام؛ والغمام: هو السحاب الأبيض النير، فيأتي الرب للقضاء بين عباده، لا إله إلا الله!

стр. 149

تفسير قوله تعالى: (وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب) قال تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ [الزمر:٦٩] أي كتاب يوضع؟ الكتاب الذي كتبت فيه الأعمال، الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، كل ما عمله الإنسان محصي مكتوب، إذا كان يوم القيامة وضع هذا الكتاب وأعطي كل إنسانٍ كتابه: إما باليمين أو بالشمال أو من وراء الظهر، وكل إنسان يقال له: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ [الإسراء:١٤] . ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ من يأتِ بالنبيين؟ يأتي بالنبيين رب العالمين ، يحضرهم من أجل أن يستشهدهم على إبلاغ أممهم، كما قال تعالى: ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ﴾ [الحج:٧٨] يؤتى بالنبيين فيشهدون أنهم بلغوا رسالة الله، وأن الحجة قامت على عباد الله، ويؤتى أيضاً بالشهداء؛ والشهداء هنا من باب عطف العام على الخاص، لأن النبيين شهداء، وهناك شهداء آخرون وهم العلماء، فإن العلماء يشهدون على الأمم بأنهم بلغوا رسالات الله؛ لأن العلماء -جعلنا الله وإياكم منهم- ورثة الأنبياء، والله هذا الإرث الذي ينبغي التسابق إليه، العلماء ورثة الأنبياء، لو سئل من وارث الرسول؟ أهي فاطمة؟ أم أمهات المؤمنين؟ أم أعمامه؟! لا. ورثة النبي محمد ﷺ هم علماء الأمة، العلماء شهداء؛ يشهدون بأنهم بلغوا رسالات الله لعباد الله، فيشهد العالِم يقول: أشهد يا رب! أني بلغت رسالة محمدٍ ﷺ إلى قومي. ومن الشهداء: شهداء يشهدون على الإنسان وهم من الإنسان، ألا وهي الأعضاء: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ [النور:٢٤-٢٥] ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس:٦٥] وحينئذٍ يقولون لجلودهم: ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾ [فصلت:٢١] ؟ و الجواب ﴿أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ) والذي خلقكم أول مرة قادر على أن ينطق جلودكم لتشهد عليكم: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ . إذاً: من الشهداء؟ الأنبياء، ثم العلماء، ثم الجوارح كلهم يشهدون على الإنسان. إذا قال قائل: النبيون عطف عليهم الشهداء، فنقول: هذا من باب عطف العام على الخاص. ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الزمر:٦٩] قضي بين الخلائق بالحق، والقاضي من؟ الله ، يقضي بين الخلائق بالحق في معاملتهم مع الله، وفي معاملتهم مع عباد الله، ولهذا قال النبي ﵊: (من تعدون المفلس فيكم؟ قالوا: من لا درهم عنده ولا متاع، قال: لا. المفلس من إذا كان يوم القيامة يأتي بحسناتٍ أمثال الجبال -حسنات عظيمة- فيأتي وقد ظلم هذا وشتم هذا، وضرب هذا وأخذ مال هذا، فيأخذ هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن بقي من حسناته شيء، وإلا أخذ من سيئاتهم وطرح عليه ثم طرح في النار) فيقضى بين الخلائق بالحق، وهذا بين المكلفين من بني آدم والجن. لكن: هل يقضى بين البهائم؟ الجواب: نعم. يقضى بين البهائم، كما أخبر بذلك النبي ﵊؛ لأن البهائم تحشر كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ * وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ [التكوير:٤-٥] فيقضى للشاة الجلحاء التي لا قرون لها من الشاة القرناء التي لها قرون؛ لأن العادة أن الشاة التي لها قرون تنطح الشاة التي ليس لها قرون، إذا كان يوم القيامة قضى الله بينهما. ﴿وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [الزمر:٦٩] لا يظلم أحدٌ شيئاً، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً﴾ [طه:١١٢] لا يظلم أحد بنقصٍ من حسناته، ولا بزيادة من سيئاته، أبداً؛ لأن الله تعالى كامل العدل، وهو يقضي بين عباده في ذلك اليوم بالحق.

стр. 150

تفسير قوله تعالى: (ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون) ثم قال تعالى: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [الزمر:٧٠] (ووفيت) يعني: وفى الله تعالى كل نفس ما عملت: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة:٢٨٦] . ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ ما أحسن هذه العبارة بعد قوله: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ﴾ ! لئلا يظن الظان أنه سيخفى شيءٌ من أعمال الإنسان، فلا يخفى شيءٌ من أعمال الإنسان، كل شيء معلومٌ عند الله مدون لا يزاد فيه ولا ينقص.

стр. 151

تفسير قوله تعالى: (وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمراً) قال تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً﴾ [الزمر:٧١] يساقون سوق إهانة وإذلال كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعّاً﴾ [الطور:١٣] يدفعون بعنف وشدة، ولا رأفة لهم ولا رحمة لهم -نعوذ بالله- يساقون إلى جهنم: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر:٧١] وهي تمثل لهم وكأنها سراب، والسراب: هو الذي يبدو للإنسان في البر وكأنه ماء ويعطشون عطشاً شديداً، ثم يسرعون إلى هذا السراب، كما قال تعالى: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْداً﴾ [مريم:٨٦] يريدون أن يشربوا، فإذا جاءوا وإذا هي النار، تفتح أبوابها أمامهم ويدفعون فيها دفعاً: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف:٣٨] فيدفعون في النار فيذوقون الألم والعذاب في أجسامهم، ثم يوبخون ليذوقوا العذاب في قلوبهم. ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ [الزمر:٧١] مقررين ومقررين: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى﴾ [الزمر:٧١] والهمزة هنا يقول علماء النحو: إنها للتقريب، فهي بمعنى الفعل الماضي، فمعنى: (ألم يأتكم) ؟ قد أتاكم، ونظيرها في المعنى قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح:١] أي: قد شرحنا لك صدرك، (ألم يأتكم رسل) من عند الله ، (منكم) من قومكم، من إنسانيتكم، ليسوا جناً أو ملائكة بل منكم، كل نبي يبعث إلى قومه، ومحمد ﵊ بعث إلى سائر الناس، فهو من الناس باعتباره بشراً مثلهم (يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ) يقرءونها عليكم، يعلمونكم إياها، يبينونها لكم، (وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا) يعظونكم ويخوفونكم من هذا اليوم، وقد قامت عليكم الحجة، ولهذا يقرون، يقولون: (بلى) أتانا رسلٌ منا وأنذرونا لقاء يومنا هذا، ولكن: ﴿وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر:٧١] وإذا حقت كلمة العذاب على الكافرين فإنهم لا يؤمنون، كما قال جل وعلا: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس:٣٣] في هذه الآية يقولون: حقت كلمة ربك، ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين، في آية أخرى أقروا بأنهم هم السبب: ﴿قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك:٩] إذاً: هم السبب في دخول النار؛ لأنها قد قامت عليهم الحجة؛ ولكنهم رفضوها والعياذ بالله.

стр. 152

تفسير قوله تعالى: (قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين) قال تعالى: ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر:٧٢] (قيل ادخلوا) الفاعل هنا لا يعلم؛ لأن الفعل هنا مبنيٌ لما لم يسم فاعله، فمن القائل؟ يحتمل أن القائل هو الله، ويحتمل أن القائل هم الملائكة: ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ (أبواب) جمع باب، وعدد أبواب جهنم سبعة، والدليل على أن أبواب النار سبعة: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ * لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر:٤٣-٤٤] فيدخلون أبواب جهنم داخرين، صاغرين ذليلين -والعياذ بالله- على أخس ما يكون، حتى إن الرب مع كمال رحمته ورأفته إذا قالوا: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٧] ماذا يقول؟ ﴿قَالَ اخْسَأُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨] وهذا أشد شيء عليهم أن يقول لهم الرب : ﴿اخْسَأُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ اندحروا، كونوا أذلاء ولا تكلمونِ، فحينئذٍ ييأسون من كل خير، نسأل الله العافية وأن ينجينا وإياكم من عذاب النار. قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [الزمر:٧٢] هل هذا الخلود أبدي أو أمدي؟ والأمدي: هو الذي يكون إلى مدة معينة، والأبدي: الدائم فلا نهاية له. خلودهم أبدي والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود:١٠٧] . القول الراجح الذي لا ينبغي العدول عنه: أن أهل النار مخلدون فيها أبد الآبدين: ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف:٧٥] ، حتى إنهم يقولون: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٩] ما قالوا: يرفع عنا العذاب يوماً واحداً، قالوا: يخفف، ولكن لا يجابون ولا يطاعون، إذاً: هم خالدون فيها أبد الآبدين، والدليل ثلاث آيات من كتاب الله، فقد قال الله تعالى في سورة النساء: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً * إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً﴾ [النساء:١٦٨-١٦٩] هذا نص صريح. وقال تعالى في سورة الأحزاب: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً لا يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً﴾ [الأحزاب:٦٤-٦٥] . وقال تعالى في سورة الجن: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً﴾ [الجن:٢٣] . وإذا كان الله قال ذلك في كتابه في ثلاث آيات من كتاب الله فلا عدول لنا عن ذلك إطلاقاً. فإن قال قائل: ماذا نجيب عن قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود:١٠٧] ؟ قلنا: الجواب عن هذا: أن قوله: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود:١٠٧] يعني: أن مكوثهم كان بمشيئة الله، ولا يمكن أن نثبت حكم هذه الآية التي فيها احتمال آخر وندع آيات فيها التصريح بالتأبيد.

стр. 153

تفسير قوله تعالى: (وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمراً) قال تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً﴾ [الزمر:٧٣] اللهم اجعلنا منهم، اللهم اجعلنا منهم، اللهم اجعلنا منهم: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا. الآية﴾ [الزمر:٧٣] السوق هنا ليس كالسوق الأول في الكافرين سوق الكافرين، سوق إهانة وزجر: ﴿يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعّاً﴾ [الطور:١٣] ، وسوق هؤلاء المتقين سوق إكرام، ويدل بذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْداً * وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْداً﴾ [مريم:٨٥-٨٦] المتقون قال: نحشر، نجمعهم يفدون إلى الله، والوفد في العادة يكرم، فالفرق بين السوقين أن الأول أعني سوق الكافرين يكون للإهانة والذل، وأما سوق المتقين فإنه للإكرام: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ وهنا نسأل: ما هي التقوى التي ترد في القرآن كثيراً؟ التقوى: أن يتخذ الإنسان وقاية من عذاب الله، ولهذا يقول علماء التصريف: التقوى أصلها وقى من الوقاية، فما هو الذي يقي من عذاب الله؟ الذي يقي من عذاب الله هو: (امتثال أمره، واجتناب نهيه، وتصديق خبره) ثلاثة أشياء: امتثال أمره، والثاني: اجتناب نهيه، والثالث: تصديق خبره، هذا أجمع ما قيل في التقوى: أنها اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره، واجتناب نواهيه، وتصديق أخباره. وقيل في تعريفها: التقوى: أن تعمل بطاعة الله، على نورٍ من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك ما نهى الله، على نور من الله، تخشى عقاب الله. وقيل في تعريفها: خلِ الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقى واعمل كماشٍ فوق أرض الشوك يحذر ما يرى لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى ولكن أجمع ما قيل فيها هي ما ذكرناه أولاً: امتثال أمر الله، واجتناب نهي الله، وتصديق أخبار الله. هؤلاء هم الذين اتقوا ربهم يساقون إلى الجنة زمراً، أي: أفواجاً، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، أتجدون شيئاً أحسن من ذلك؟ أبداً. ولهذا يمثل للمرأة الحسناء بأنها بدر، فلا أحسن من هذا المنظر. يقول : ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا﴾ أي: جاءوا الجنة بعد العبور على الصراط: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ يا لها من تحية عظيمة! يقول: ﴿إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ وفي أهل النار، قال: ﴿إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر:٧١] والقرآن فصاحة وبيان، فلماذا قال في أهل النار: (إذا جاءوها فتحت) ، وفي أهل الجنة: (إذا جاءوها وفتحت) ؟ قال بعض النحويين: إن هذه الواو: واو الثمانية؛ لأن أبواب الجنة ثمانية كما قال النبي ﵊: (من توضأ فأسبغ الوضوء ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين، فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء) فقالوا: إن هذه واو الثمانية، وواو الثمانية تأتي في القرآن كثيراً، اقرأ قول الله تعالى: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ [التوبة:١١٢] جاءت الواو عند الوصف الثامن، وقالوا أيضاً اقرأ قول الله تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف:٢٢] ، واقرأ أيضاً: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً﴾ [التحريم:٥] جاءت الواو عند الوصف الثامن، ولكن هذا غلط، لا توجد واو تسمى واو الثمانية أبداً؛ لأن قوله: (ثيباتٍ وأبكاراً) إنما عطف أبكاراً بالواو على ثيبات؛ لأنه لا يمكن أن تكون المرأة ثيباً بكراً، فلابد أن تكون (ثيبات وأبكاراً) مغايرات للثيبات، بخلاف الصفات الست الأولى فإنه يمكن أن تجتمع في امرأة واحدة، على كل حال نقول: إن الواو هنا في أهل الجنة لها معنى أبعد غوراً مما ذكر هؤلاء أنها واو الثمانية، فما هو المعنى؟ المعنى: أن أهل الجنة إذا وصلوا الجنة لا يجدون أبوابها مفتوحة، يحبسون قليلاً حتى يشتد شوقهم إليها؛ لأن الإنسان كلما اشتد شوقه إلى الشيء صار إتيانه إياه على شوق أعظم، أليس كذلك؟ انظر إلى الجائع إذا طال عليه الجوع ثم قدم له الأكل يكون الأكل أشهى له بلا شك، كلما طال الأمد بين الأكلتين صار أشد شوقاً إلى الأكلة الثانية، فهم يحبسون عند أبواب الجنة، لا يجدونها مفتوحة، بخلاف أهل النار يبادرون بلفحها والعياذ بالله وسمومها، لكن أهل الجنة يحبسون إلى متى؟ إلى أن يظهر فضل النبي محمدٍ ﷺ ليشفع عند الله جل وعلا أن يفتح أبواب الجنة لأهل الجنة، فتقبل الشفاعة وتفتح الأبواب، ويكون النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أول من يدخل الجنة، إذاً: الحكمة من الواو هنا: أنهم ليسوا إذا جاءوها فتحت، بل إذا جاءوها حبسوا وأوقفوا على قنطرة بين الجنة والنار، فيهذبون وينزع ما في قلوبهم من غل، وتطهر القلوب حتى يدخلوا هذه الدار على أكمل حال، كما قال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧] أسأل الله تعالى برحمته وفضله أن يجعلنا وإياكم منهم آمين آمين آمين. هؤلاء لا يدخلون الجنة إلا على أكمل وجه، جميع الغل الذي كان في قلوبهم في الدنيا فإنه ينزع، مع أنه قد اقتص لبعضهم من بعض في عرصات القيامة، لكن هذا لإزالة ما في القلوب، أو ما علق بالقلوب من الغل والحقد. ثم يشفع النبي ﷺ حتى تفتح أبواب الجنة. وما دمنا ذكرنا الشفاعة فإن للرسول ﵊ ثلاث شفاعاتٍ خاصات به لا أحد يشفع فيها. شفاعته في أهل الموقف أن يقضى بينهم؛ لأن أهل الموقف تدنو منهم الشمس حتى تكون قدر ميل من رءوسهم، وحتى إنهم يعرقون من شدة الحر حتى يصل العرق إلى الكعبين وإلى الركبتين وإلى الحقوين وإلى الفم وبعضهم يلجمه العرق، ويلحقهم من الغم والكرب ما لا يطيقون؛ لأنهم يقفون خمسين ألف سنة، لا طعام ولا شراب ولا شيء، يقفون هذا الموقف العظيم فيلحقهم من الكرب ما لا يطيقون، فيقول بعضهم لبعض: انظروا من يشفع لنا إلى الله يريحنا من هذا الموقف، فيلهمون أن يذهبوا إلى آدم، آدم أبو البشر خلقه الله بيده، وعلمه أسماء كل شيء، وأسجد له الملائكة، فيصفونه بهذه الأوصاف، ويقولون له: ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا تشفع لنا عند الله؟ فيقول: لست بذاك، ثم يعتذر بأكله من الشجرة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة:٣٥] فوسوس لهما الشيطان فأكلا منها، قال الله تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه:١٢١-١٢٢] فصارت حال آدم بعد التوبة عليه أكمل من حاله قبل أن يأكل من الشجرة؛ لأنه تاب، فآدم يعتذر بأكل الشجرة، وتعرفون أن الشافع إنما يشفع عند المشفوع عنده إذا لم يكن بينهما ما يوجب الجفوة، ثم يأتون إلى نوح، ويقولون له: أنت أول رسولٍ أرسله الله إلى أهل الأرض اشفع لنا إلى ربك، فيذكر أيضاً عذراً، والعذر قال: إني سألت الله تعالى ما ليس لي ويعتذر، فيأتون إلى إبراهيم خليل الرحمن ، فيعتذر بأنه كذب ثلاث كذبات، وهن لسن كذبات في الواقع، لكن إنما لشدة حيائه من الله استحيا أن يكون شفيعاً وقد كذب هذه الكذبات مع أنها تورية وليست بكذب، ثم يأتون إلى موسى، فيعتذر بأنه قتل نفساً لم يؤمر بقتلها، ما هذه النفس؟ قتل قبطياً استغاثه عليه إسرائيلي فقتله موسى، وموسى ﵊ معروفٌ بالشدة، وكزه بيده فقضى عليه، إلى من يأتون؟ إلى عيسى؛ وعيسى بن مريم ﵊ لا يذكر شيئاً لكن يعترف بالفضل لأهله، يقول: اذهبوا إلى محمد، عبدٌ غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فانظروا كيف ألهم الله الخلق أن يأتوا هؤلاء الأنبياء الكرام! فمنهم من يعتذر، ومنهم من يعترف بالحق لأهله، الذي اعتذر أربعة: آدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، والذي اعترف عيسى، قال: ائتوا محمداً، عبدٌ غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيأتون إلى الرسول صلوات الله وسلامه عليه، فيستأذن من الله أن يشفع للناس، فيأذن له. وانظروا! محمدٌ لا يشفع إلا بإذن الله، يستأذن من الله ، رب العزة والعظمة أعظم من أن يشفع أي إنسانٍ أو مخلوقٍ عنده إلا بإذنه، فيستأذن فيرحم الله الخلق ويأذن له فيشفع فيهم، وبهذا يظهر إكرام الشافع ورحمة المشفوع عنده، أليس كذلك؟ مع أن الله قادر على أن يرفع هذا عنهم بدون شفاعة، لكن من أجل أن يظهر فضل الشافع، ورحمة الله تعالى بالعباد، وعظمته وسلطانه أنه لا يشفع أحدٌ عنده إلا بإذنه. فيقضي الله بين العباد، هذه الشفاعة العظمى خاصة بالرسول اعتذر عنها أبو البشر، وأولو العزم من الرسل حتى وصلت إلى محمد ﵊. الشفاعة الثانية: الشفاعة لأهل الجنة بدخول الجنة. الشفاعة الثالثة: شفاعته لعمه أبي طالب ووجه خصوصيته بذلك: أن أبا طالب مات على الكفر، ولا غرابة أن يموت عم الرسول ﵊ على الكفر كما أن آزر أبا إبراهيم مات على الكفر، لا غرابة؛ بل فيه دليل على

стр. 154

تفسير قوله تعالى: (وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده) قال تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ [الزمر:٧٤] قالوا حامدين لله : (الذي صدقنا وعده) وعدنا الجنة فحصلت، ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾ [الزمر:٧٤] (الأرض) قيل: إنها أرض الدنيا؛ لأن الله تعالى نصرهم وأورثهم أرض المشركين وديارهم وأموالهم، وقيل: المراد أرض الجنة، والأول أصح، أورثهم الله أرض الدنيا فكانت لهم، وجعلهم يتبوءون من الجنة حيث يشاءون كل واحد يذهب إلى الثاني بزيارة، وأنس، وسرور، وحبور. ﴿فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [الزمر:٧٤] هذا ثناء على هذا الأجر الذي حصل لهم، وهل هو من الله، أو هم يقولون ذلك إقراراً به؟ يحتمل هذا وهذا، والآية صالحة للجميع.

стр. 155

تفسير قوله تعالى: (وترى الملائكة حافين من حول العرش) قال الله تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ [الزمر:٧٥] (ترى) الخطاب لمن؟ ذكرنا فيما سبق أن الخطاب الموجه للرسول ينقسم إلى ثلاثة أقسام، من أي الأقسام هذا؟ من القسم الذي ليس فيه ما يدل على أنه خاص به، أو على أنه عام، وذكرنا الخلاف فيه، وأن الخلاف في ذلك يكاد يكون لفظياً. ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ يعني بذلك عرش الرحمن جل وعلا، ذلاً لله وتعظيماً له. ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ يعني: ينزهون الله عن كل ما لا يليق به، وسبق لنا أن التنزيه يكون في أمورٍ ثلاثة. ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ أي: قضي بين الخلائق، وانتهى كل شيء، أهل النار في النار -والعياذ بالله- خالدون مخلدون، وأهل الجنة في الجنة خالدين مخلدين. اللهم إنا نسألك في هذا الوقت المبارك ونحن في انتظار فريضة من فرائضك أن تجعلنا من الخالدين في جنات النعيم. ﴿وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (قيل) من الذي يقول؟ كلٌ يقول: الحمد لله رب العالمين، أهل الجنة والملائكة وكل أحد: (وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) وانظر كيف جاء الحمد في ابتداء الخلق وفي انتهاء الخلق، ففي ابتداء الخلق قال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام:١] . وفي النهاية عند دخول أهل الجنة الجنة وأهل النار النار قال: ﴿وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ووالله إن الحمد لله أولاً وآخراً، وهو ذو الثناء والمجد، ولا نحصي ثناءً عليه سبحانه، هو كما أثنى على نفسه. وإلى هنا انتهى ما يسر الله تعالى من الكلام على هذه الآيات الكريمة، ونبدأ الآن بالأسئلة.

стр. 156

الأسئلة

стр. 157

بيان شفاعته ﷺ لمن مات في المدينة السؤال جاء في فضل المدينة حديث الرسول ﷺ : (من استطاع منكم أن يموت في المدينة فليمت بها أكون له شفيعاً أو شهيداً يوم القيامة) أو كما قال ﷺ ، حدثنا يا شيخ! عن هذه الشفاعة؟ الجواب هذه الشفاعة كغيرها من الشفاعات، لكن هذا تخصيص بعد تعميم، وإلا فالنبي ﷺ يكون شفيعاً لأمته جميعاً ممن لم يمت على الكفر، وأما من مات على الكفر فلا شفاعة له، لقول الله تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨] إلا ما كان خاصاً في عمه أبي طالب.

стр. 158

بيان أن النبي ﷺ لا يشفع لأبويه السؤال ذكرتم في حديثكم شفاعة الرسول ﷺ لعمه أبي طالب، فهل يشفع الرسول ﷺ لأبويه أم لا؟ الجواب لا يشفع النبي ﷺ لأبويه، فإن النبي ﷺ استأذن من الله أن يستغفر لأمه فلم يأذن له؛ لأنها داخلة في عموم قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ [التوبة:١١٣] واستأذن ربه أن يزور قبرها اتعاظاً واعتباراً فأذن له، فزاره وبكى ﵊ بكاء الحنان على الأم، بكاءً طبيعياً، وبكى من معه من الصحابة فيما أظن.

стр. 159

الجمع بين قوله تعالى: (إذا الشمس كورت) وحديث: (تدنو الشمس من رءوس الخلائق يوم القيامة) السؤال كيف يمكن الجمع بين قوله تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير:١] ، وحديث: (تدنو الشمس من الخلائق يوم القيامة) ؟ الجواب ورد في يوم القيامة أشياء متغايرة ولكننا نسأل كم مقدار يوم القيامة؟ خمسون ألف سنة، تتغير فيها الأمور؛ تدنو الشمس من الخلائق، وتكور بعد ذلك، وكذلك أيضاً تلقى في النار إهانة لعابديها، فيوم القيامة ليس يوماً أو شهراً أو سنة، وانظر إلى قول الله ﵎: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران:١٠٦] ، وقوله: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً﴾ [طه:١٠٢] واختلاف بين الزرقة والسواد، كذلك أيضاً أخبر عن المشركين أنهم يقولون: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:٢٣] ، وفي آية أخرى قال: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً﴾ [النساء:٤٢] فهم في الأول قالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:٢٣] في الآية الأولى، وفي الثانية قال: ﴿لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً﴾ لأن الحوادث تتغير؛ مرة يوقفون ومرة لا يوقفون، فكل ما أتاك من اختلافات في اليوم الآخر فإنما ذلك لطول مدته وتغير الأحوال فيه.

стр. 160

حكم حجز الأماكن في المساجد السؤال ما قولكم في قضية حجز الأماكن في المساجد وخاصة في الحرمين، مع شيء من التفصيل جزاكم الله خيراً؟ الجواب يرى بعض أهل العلم أنه لا بأس بحجز الأماكن، وهذا هو المشهور عند الحنابلة: أنه لا بأس أن يحجز الإنسان وثم إذا حضر صلى فيه. ويرى آخرون أنه لا يجوز هذا؛ وذلك لأن المساجد بيوت الله فتكون لمن سبق، ومن المعلوم أن من وضع منديلاً أو قلماً أو مفاتيح فليس هو السابق، إنما السابق ما وضعه في هذا المكان، وحينئذٍ يكون ظالماً لمن يأتي من بعده وهو أحق منه بهذا المكان، ولكن الصحيح أن في هذا تفصيلاً: من حجز مكاناً له وهو في نفس المسجد فلا بأس، أو خرج لحاجة يقضيها ويرجع كما لو خرج ليتوضأ، أو خرج ليأتي بكتاب نسيه، أو خرج ليأتي بحاجة يحتاجها في المسجد، فهذا لا بأس به، فهذا القول المفصل هو الوسط: أن من حجز مكاناً وهو في المسجد فلا بأس، لكن يجب أن يلاحظ أن الصفوف إذا وصلت إلى مكانه من الصف الأول فإنه يتقدم إلى الصف الأول لئلا يتخطى رقاب الناس.

стр. 161

إثبات انتقال أهل الدرجات السفلى في الجنة إلى الدرجات العليا السؤال الجنة كما هو معلوم درجات، هل ينتقل أهل الدرجات السفلى إلى العليا بقصد الزيارة أو العكس؟ الجواب يقول الله في أهل الجنة: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ [فصلت:٣١] وهذه الآية عامة شاملة، كل ما يشتهيه الإنسان يجده فيها، ومن ذلك إذا اشتهى أن يزور صاحباً له مرتبته فوق منزلته، فلا مانع من ذلك لعموم الأدلة، ولكن يقول الله : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور:٢١] هذا هو الذي يرقى المنازل حتى يلتحق بالعالي، إذا كان الإنسان له ذرية؛ والذرية: هم الصغار من أولاده؛ فإنهم يرقون حتى يصلوا إلى منزلته، ولهذا قال: ﴿وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ﴾ . أما من انفصل من الأولاد وكان له زوج أو ذرية هذا منزلته في مكانه، ولو أنه أراد أن يزور أباه أو أحداً من أقاربه فلا مانع من ذلك فيما يظهر من نصوص الكتاب والسنة.

стр. 162

دعوة لزيارة المدينة النبوية السؤال يا شيخ! يقول هذا المحب: تحييك طيبة والشمال المورج وتشكو إليك الهجر والهجر محرج قلوب أحبتكم وأرضٌ تودكم بهم الأزد أزد الله أوس وخزرج ويا فضيلة الشيخ! نحتج عليك احتجاجاً شديد اللهجة حيث أنكم لا تأتون إلى المدينة إلا مرة في العام وفي ذلك تقصير في حقنا؟ الجواب على كل حال أنا أشكر الجميع، وإني مسرور بهذه الزيارة؛ لأني وجدت والحمد لله إقبالاً على العلم وحرصاً عليه، وجدت من لا يغضي بطرفه عن النظر إلى المعلم، وجدت من يقيد ويكتب، امتحنت بعضكم في مراجعة ما سبق فوجدته قد أدرك، كل هذا يسرني كثيراً، ولكن يقول الشاعر: ما كل ما يتمنى المرء يدركه تجري الرياح بما لا تشتهي السفن ونشكو إلى الله قلة الفراغ، لكن إن شاء الله تعالى ما دام الأمر كما شاهدت الآن من الحرص سوف يكون لنا زيارات إن شاء الله في المستقبل وعن قريب إن شاء الله. أما الأبيات فلا أستطيع الآن أن أرد عليها لأني لست بشاعر، لكن لعلي بعد شهر أتمكن من ذلك، وكل يوم أكتب بيتاً ويسهل الله إن شاء الله.

стр. 163

منهجية لطالب العلم المبتدئ السؤال ما نصيحة فضيلتكم لمن بدأ بطلب العلم بِمَ يبدأ، وما الأهم فالأهم؟ الجواب أنا عندي أن أهم شيء في طلب العلم أن يتعلم الإنسان تفسير كلام الله ؛ لأن كلام الله هو العلم كله، قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل:٨٩] ، وكان الصحابة لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل، فتعلموا القرآن والعلم والعمل جميعاً، هذا أهم شيء عندي، وعلى هذا فيبدأ الشاب ولاسيما الصغار من الشباب بحفظ القرآن، والآن حفظ القرآن ولله الحمد متيسر، في المساجد حلقات يحفظون القرآن وعليهم أمناء من القراء يحفظونهم القرآن. ثم إنه بهذه المناسبة أود من إخواني الأغنياء أن يولوا أهتماماً بهذه الحلقات؛ في تشجيعهم مادياً ومعنوياً، وليعلموا أنهم إذا شجعوا تعليم القرآن فإن لهم مثل أجر المعلم، لقول النبي ﷺ : (من جهز غازياً فقد غزا) ولأن الله قال: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة:٢] ولم يأمرنا بالتعاون إلا لننال أجراً، لذلك أحث إخواني الأغنياء على دعم هذه الحلقات بالمال، سواء كان مالاً نقداً، أو كان عقارات توقف لهذه الحلقات تنفعه بعد موته، وأحث أيضاً القائمين على حلقات القرآن أحثهم على أن يهتموا بإنشاء ما يدر على هذه الحلقات في المستقبل؛ لأن التبرع المقطوع ينتهي، لكن إذا حرصوا على أن يؤسسوا منشأة من عمارات يؤجرونها، أو دكاكين، أو ما أشبه ذلك، كان هذا حماية لهذه الحلقات من التوقف في المستقبل. بعد ذلك السنة النبوية لأنها مصدر التشريع الثاني، لا أقول الثاني بالترتيب المعنوي، لكن بالترتيب الذكري، وإلا فما ثبت في السنة كالذي ثبت في القرآن سواء بسواء؛ لأن الله يقول: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء:١١٣] فليحفظ السنة. ومن الكتب المختصرة في السنة عمدة الأحكام، مختصرة وهي أيضاً موثوقة؛ لأن جامعها ﵀ جمع فيها ما اتفق البخاري ومسلم على إخراجه، ولم يشذ عن هذا القيد الذي تقيد به ﵀ إلا في أحاديث يسيرة، وإذا ترقى الإنسان شيئاً ما فليحفظ بلوغ المرام؛ بلوغ المرام من أحسن ما ألف في الحديث؛ لأنه يذكر الحديث ويذكر مرتبته فيعطي الإنسان قوة وقدرة على معرفة مرتبة الحديث، وذلك لأن الحديث ليس كالقرآن الكريم، القرآن الكريم لا نحتاج إلى البحث في سنده، لماذا؟ لأنه ثابت ليس فيه إشكال بل هو متواتر، أما السنة فلا يتم الاستدلال بها إلا بأمرين: الأول: صحة الحديث. والثاني: دلالة الحديث على الحكم المطلوب. ولهذا إذا قال لك إنسان: هذا حرام، فنقول: ما الدليل؟ فإن قال: لقول النبي ﷺ : كذا وكذا، تسلم ولا تقل: أثبت الدليل؟ أطالبك بصحة النقل، هات دليلاً على أن هذا ثابت عن الرسول؛ لأنه توجد أحاديث ضعيفة وكذلك أحاديث مكذوبة على الرسول ﵊: (حب الوطن من الإيمان) هذا حديث مشهور عند العامة والخاصة، ويقولون: هذا حديث صحيح: (حب الوطن من الإيمان) وليس بصحيح، هذا موضوع، ما قاله الرسول ﵊. (خير الأسماء ما حمد وعبد) يقول: هذا حديث عن الرسول ﷺ ، سم ابنك أحمد، أو محمداً، أو حميداً، أو محمود، أو يقول: سم عبد الله، أو عبد الرحمن، أو عبد العزيز، أو عبد الوهاب؛ لأن النبي ﷺ قال: (خير الأسماء ما حمد وعبد) وهذا ليس بحديث، ولا يصح عن النبي ﵊، ولا يجوز أن ينسب للرسول، لكن الثابت: (أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن) المهم أن السنة يحتاج المستدل بها إلى أمرين: الأمر الأول: نطالب المستدل بصحة الحديث. ثانياً: هل هذا الحديث الذي ثبت عن النبي ﷺ يدل على الحكم أم لا؟ في القرآن لا نطالب المستدل بالآية على إثباتها؛ لأن القرآن ثابت بالنقل المتواتر تواتراً لفظياً يأخذه الصغير عن الكبير. ذكرنا أولاً: نعتني بالقرآن حفظاً وتفسيراً. ثانياً: بالسنة، ولكن السنة لابد أن نتثبت من صحة الحديث، إلا أنني أرشدتكم إلى كتابين أحدهما: عمدة الأحكام، والثاني: بلوغ المرام. بعد ذلك في الفقه، الفقه استشر فيه المعلم المباشر؛ لأنك قد تتفقه على المذهب الشافعي مثلاً فهنا نأخذ بما ألفه الشافعية، وقد تتفقه على مذهب الحنابلة فخذ بما كتبه الحنابلة، وقد تتفقه على مذهب أبي حنيفة ومذهب مالك خذ من الكتب في هذه المذاهب ما يرشدك إليه المعلم المباشر، ولكن لاحظ أنك إذا تفقهت على مذهب من المذاهب فلا تتعصب لهذا المذهب، وتأخذ برخصه وعزائمه سواء وافقك الدليل أم خالفك؛ هذا حرام لا يجوز؛ لأن من أوجب الأخذ بقول أحدٍ غير الرسول ﵊ فقد ضاد الرسول، إنما لا حرج أن يتفقه الإنسان على مذهب معين، ولكن حين تتفجر ينابيع المعرفة أمامه ويرتفع في العلم؛ فعليه أن يأخذ بما دل عليه الدليل ولا يتعصب لمذهبه. بقي علينا في النحو، الذي يستطيع أن يحفظ ألفية ابن مالك فليحفظها؛ لأنها الخلاصة كما قال ﵀ في آخرها: أحصى من الكافية الخلاصة؛ خلاصة النحو، ومن لم يستطع فما دون ذلك. أما العقيدة فهناك كتب كثيرة في العقيدة أحسن ما رأيت من المتون المختصرة في العقيدة: العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، أولها كله في إثبات الصفات بالآيات، وليس هو بكلام فلان وفلان، ثم في سنة الرسول ﵊، ثم ذكر كلاماً كثيراً في مسائل كثيرة في العقيدة في كتاب التوحيد، كتب التوحيد كثيرة ولله الحمد لكن من أحسنها كتاب التوحيد لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀، فإنه من أحسن ما كتب في هذا الموضوع.

стр. 164

الصلاة والسلام على النبي ﷺ تبلغه أينما كان المصلي والمسلم السؤال قال النبي ﷺ : (من صلى عليَّ عند قبري سمعته، ومن صلى عليَّ نائياً وكل بها ملكٌ يبلغني، وكنت له شهيداً أو شفيعاً) رواه البيهقي والخطيب عن أبي هريرة ﵁، السؤال: هل هذا الحديث صحيح؟ الجواب نطالب مورده بصحة النقل، إذا صح عنده الحديث فليأت به، أما المعروف فهو أن النبي ﷺ إذا صُلي عليه أو سُلم عليه في أي مكان فإنه يبلغه، قال ﵊: (إن تسليمكم يبلغني حيث كنتم) .

стр. 165

حكم لعب الورق (البلوت) السؤال ما حكم اللعب بالورق (البلوت) في أوقات الصلاة؟ الجواب أولاً: لتعلم يا أخي المسلم! أنك إنما خلقت لعبادة الله، وأن كل ساعة ولحظة تمضي عليك بدون عبادة الله فهي خسارة وضياع، وإذا كان النبي ﷺ قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت) فالفعل من باب أولى، افعل خيراً وإلا فاترك، ونحن حسب ما سمعنا عن لعب الورق (البلوت) أنها تأكل الوقت أكلاً كالنار في الهشيم، وأن الوقت يضيع وتمر الساعات الكثيرة وكأنها دقائق، وهذا يعني أن الإنسان أضاع وقته الثمين بهذا اللعب، واستمع إلى قول الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون:٩٩-١٠٠] ما قال: لعلي أبني فيما تركت قصوراً، وأشتري سيارات، لا: (لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ) فلا يليق بالمؤمن أن يضيع أوقاته في مثل هذا اللعب، وقد صرح من أهل العلم من صرح بأن لعبها حرام، وممن صرح بذلك شيخنا عبد الرحمن بن السعدي ﵀.

стр. 166

معنى قوله ﷺ : (إنما هي هذه ثم ظهور الحصر) السؤال هل يصح حديث أبي داود وسعيد بن منصور: أن النبي ﷺ قال لأزواجه في حجة الوداع: (إنما هي هذه ثم ظهور الحصر) ؟ الجواب ثم ظهورَ الحصر، يعني: ثم الزمن ظهور الحصر، الحصر: جمع حصير، المعنى: هذه ثم بعد ذلك الْزَمْنَ البيوت، وهذا إشارة من النبي ﷺ إلى أن أزواجه ينبغي ألا يحججن، لكن في آخر خلافة عمر بن الخطاب ﵁ خاف من التبعة، فأذن لهن أن يحججن، فحج من أراد منهن الحج في آخر خلافة عمر بن الخطاب؛ لأنه خاف من منعهن. ومن ثم نقول: في هذا الزمان الذي كثر فيه الحجاج كثيراً جداً، ويحصل في الحج من المشقة والتعب والاختلاط بالرجال ومزاحمة الرجال ما يحصل نقول: لو أن المرأة اكتفت بفرضها وإذا كان عندها فضل مال تعين به من يريد أن يحج فرضاً، فإنها إذا أعانت من يريد أن يحج فرضاً صار لها مثل أجره، خير من كونها تذهب وتزاحم وتتعب، وربما تهلك، وكذلك أيضاً لو جاءنا رجل يقول: أنا أريد أن أحج تطوعاً أو أبذل ما أحج به في مساعدة إخواننا المسلمين في البوسنة والهرسك؟ نقول له: ساعد هؤلاء المجاهدين في سبيل الله، الذين يدافعون عن أوطانهم ويدافعون عن دينهم، ويدافعون عن أعراضهم، وعن صبيانهم، أفضل من أن تجعل هذا في الحج والعمرة.

стр. 167

حكم تأخير صلاة الفجر عن وقتها يومياً من غير تعمد السؤال ما حكم الذي يصلي الفجر متأخراً عن وقته يومياً ومن غير تعمد؟ الجواب هذا يسأل، يقول: إنسان لا يصلي الفجر إلا بعد خروج الوقت يومياً ومن غير تعمد ما حكمه؟ نقول: ما الذي يمنعه؟ النوم، ما دواء هذا النوم؟ له دواءان: الدواء الأول سابق، والدواء الثاني لاحق. أما السابق: فأن يقلل من السهر، قلل من السهر، ولهذا كان النبي ﷺ يكره الحديث بعد العشاء؛ لئلا ينام الإنسان عن التهجد أو عن صلاة الفجر، نقول: بدل أن تبقى حتى تكون الساعة الثانية عشرة نم إذا كانت الساعة عشرة، كم ساعة تزيد؟ ساعتان، وأظن بعض الناس يتأخر إلى ما بعد الثانية عشرة تعلمون هذا؟ ما السبب؟ نم مبكراً كي تصحو مبكراً، هذا علاجٌ سابق. العلاج اللاحق: اجعل عندك منبهاً (ساعة) وإذا كان نومك ثقيلاً فاشتر ساعة صوتها قوي، وإذا خفت إذا جعلتها عند الوسادة وسمعتها تغلقها وأنت بين النوم واليقظة فأبعدها عنك، وإذا خفت إذا أبعدتها ألا تسمع صوتها فاجعلها في تنكة؛ لكي يكون الصوت قوياً، وكل إنسان يمكن إذا كان مجتهداً أن يصل إلى مراده، لكن أكثر الناس عنده تهاون نسأل الله لنا ولهم الهداية، ولكني أخبركم بارك الله فيكم: أن أي إنسان يؤخر الصلاة عن وقتها بلا عذرٍ شرعي فصلاته باطلة ولو صلى ألف مرة، مردودة عليه، لقول النبي ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) ومعلومٌ أن تأخير الصلاة عن وقتها بلا عذر عمل ليس عليه أمر الله ورسوله، فيكون مردوداً. ومن الأعذار أن ينام ولا يجد موقظاً له لقول النبي ﷺ : (من نام عن صلاةٍ أو نسيها؛ فليصلها إذا ذكرها) هذا عذر، كذلك لو نسي، إنسان مثلاً كثير النسيان أو تشاغل بشغل شد فكره فنسي، هذا عذر أيضاً، أو إنسان مضى عليه الوقت بسرعة فما شعر إلا وقد خرج الوقت، هذا عذر. بقي نقطة: هل من العذر إذا كان الإنسان مريضاً وثيابه ملطخة بالنجاسة، ولا يستطيع أن يتوضأ ولا أن يتيمم؟ هل من العذر أن يؤخرها عن وقتها؟ الجواب: لا. صلِّ على حسب ما تبدو عليه لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] .

стр. 168

بدعية إقامة الموالد السؤال فضيلة الشيخ! بماذا تردون على من يقول: إن الموالد فعلها الصحابة وأنها ليست بدعة؟ الجواب يسير أن نقول: أثبت هذا، ومثل هذا لو فعل لكان مما توافرت الدواعي على نقله، ولكن المسلمين مكثوا ثلاثة قرون؛ القرن الأول والثاني والثالث، لم تكن هذه البدعة موجودة، ولما مضى خير القرون حدثت هذه البدعة. ثم نقول: رويدك أنت الآن تريد أن تتقرب إلى الله بهذا؟ إذا قال: نعم، نقول: تقرب إلى الله بما هو معلوم، ولذلك تجد بعض الذين يحضرون هذه (الموالد) والصواب (المولد) لأن (المولد) واحد وليست (الموالد) تجدهم فاترين في سننٍ أهم إن صح أن نقول هذا سنة، فاترين في الصلاة مع الجماعة، بعضهم حليق، بعضهم مسبل، بعضهم يرابي، بعضهم يؤخر الصلاة حتى عن وقتها، فهل إنسان يكون على هذه الحال ثم يقيم مولداً بدعياً للرسول ﵊، لا دليل عليه لا من الكتاب، ولا من السنة، ولا من عمل الصحابة، نقول: يا أخي! رويدك، اترك ما فيه الشك إلى أمرٍ لا شك فيه.

стр. 169

حكم صلاة وجماع النفساء إذا طهرت قبل الأربعين السؤال رجل ولدت زوجته وفي أيام النفاس طهرت وانقطع الدم عنها في اليوم العشرين فتطهرت ثم جامعها، ثم بعد يومين جاءها الدم مرة أخرى، فما الحكم؟ الجواب لا حرج عليك في هذا؛ لأن المرأة إذا طهرت من نفاسها قبل تمام الأربعين فإنها تصلي وتصوم ويأتيها زوجها، ومن وجبت صلاتها حل جماعها، والصلاة أعظم من الجماع، فعلى هذا متى طهرت المرأة النفساء ولو بعد خمسة أيام من نفاسها فإنه يلزمها أن تغتسل، وأن تصلي وأن تصوم إن كان ذلك في رمضان، ويجوز لزوجها أن يجامعها، ويجوز أيضاً أن تقرأ القرآن، وكل ما يحل للطاهرات يحل لها. وإذا عاد فينظر: هل هو دم نفاس، أو دم حدث من حمل ثقيل، أو من جراحة، أو ما أشبه ذلك، حسب الحال.

стр. 170

استعمال العطور المختلطة بالكحول السؤال ما حكم استعمال العطور المختلطة بالكحول؟ الجواب إذا كان الخلط يسيراً لا يؤثر فيها فلا بأس بذلك، وإذا كان الخلط كثيراً يؤثر فيها فإن الأولى اجتنابها، وألا يتطيب الإنسان بها، ولكن لا بأس أن يستعملها للحاجة كما لو احتاج إلى تعقيم جرح، أو ما أشبه ذلك، ومع هذا فليست بنجسة، لو أصابت الثياب أو الجسم فإنه لا يجب أن تغسل لأنها ليست بنجسة، فلا دليل على نجاسة الخمر، بل إن الدليل يدل على طهارة الخمر الحسية لأنك إذا تأملت الآية: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة:٩٠] تبين لك أن المراد بالرجس هنا الرجس العملي، لقوله: (رجس من عمل) ولأن الله ذكر معه -أي مع الخمر- الميسر والأنصاب والأزلام وهذه ليست نجسة نجاسة حسية بالاتفاق، ويدل على هذا: أن الصحابة ﵃ لما نزل تحريم الخمر أراقوها في الأسواق وفي الشوارع، ولو كانت نجسة ما حل أن تراق في الأسواق، إذ لا يجوز أن تلوث أسواق المسلمين بالنجاسات، ثم إن النبي ﷺ لم يأمرهم بغسلها كما أمرهم بغسل الأواني حين حرمت الخمر يوم خيبر، ثم إن هناك دليلاً واضحاً جداً وهو: (أن رجلاً أتى إلى الرسول ﵊ ومعه راوية خمرٍ -والراوية قربة كبيرة- فأهداها إلى الرسول ﵊ بعد أن حرمت الخمر، فقال النبي ﷺ : إنها حرمت ولا يجوز للإنسان أن يقبل هدية محرمة؟ فتكلم رجلٌ مع صاحب الراوية بكلامٍ سر، فقال النبي ﷺ : بما سررته، قال: قلت بعها، قال: لا. إن الله إذا حرم شيئاً حرم ثمنه، ففتح الرجل فم الراوية وأراق الخمر في حضرة النبي ﵊ ولم يقل له: اغسل الراوية، ولو كان الخمر نجساً لقال له: اغسلها. فعندنا الآن دليلان على طهارة الخمر الحسية: الدليل الأول: عدم الدليل على نجاستها، والأصل في الأشياء الطهارة. والدليل الثاني: هذه الأدلة التي سقتها لكم.

стр. 171

عفو الشيخ ابن عثيمين عمن اغتابه و السؤال أطلب من فضيلتكم السماح لي والدعاء بالمغفرة والتوفيق لأنني قد اغتبتك في عدة مجالس والآن أنا أتوب إلى الله فاسمح لي؟ الجواب أما إذا كان هذا الرجل أو غيره من الناس اغتابني تديناً، بمعنى: أنه رأى أني أخطأت في أمر واغتابني في ذلك فهذا على كل حال معفوٌ عنه، وأما إذا كان اغتابني بدون تثبت، فماذا أقول؟ أقول: هذه محل نظر، لكن أقول: عفا الله عن كل من اغتابني، وأسأل الله تعالى أن يعاملني وإياه بعفوه، وهو مني في حل.

стр. 172

حكم ذهاب النساء إلى الكوافير السؤال ما حكم ذهاب النساء إلى (الكوافير) مع العلم أن بعضهن يشبهها بالماشطة التي كانت على عهد رسول الله ﷺ ؟ الجواب إذا كان التحسين تحسيناً جائزاً فلا بأس به، وهذا هو المشط الذي كان على عهد الرسول ﵊. وإن كان محرماً فلا يجوز، فمثلاً: إذا كانت تنقش بالمنقاش شعر الوجه فهذا حرام، بل ومن كبائر الذنوب؛ لأن النبي ﷺ لعن النامصة والمتنمصة؛ والنمص: نتف شعر الوجه، ولكن نقول: نتف شعر الوجه هذا أمرٌ معروف أنه نمص، لكن أحياناً يظهر للمرأة في محل الشارب شعر حتى يخضر شاربها في بعض الأحيان، فمثل هذه لا بأس أن تزيله بالأدهان المعروفة التي تزيل الشعر. أما بقية الجسم فإن أخذ شعره محل نظر، فمن العلماء من قال: لا يجوز؛ لأن هذا داخلٌ في قول الله تعالى عن الشيطان: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء:١١٩] ، ومنهم من أباح ذلك، وذلك أن الأخذ من الشعر ينقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم مأمور به، وقسم منهيٌ عنه، وقسم مسكوتٌ عنه. قسم مأمورٌ به: مثل العانة والإبط والشارب، هذا مأمور بإزالته، لكن الشارب يقص قصاً ولا يحلق حلقاً؛ لأن حلق الشارب تشويه، حتى إن بعض العلماء قال: ينبغي أن يؤدب فاعله، أما قصه وحفه فهذا من السنة، الإبط يسن فيه النتف، العانة يسن فيها الحلق، هذه ثلاثة شعور مأمور بإزالتها، أو تخفيفها بالنسبة للشارب. قسم آخر منهيٌ عنه: وهو اللحية، منهيٌ عنها، يحرم على الإنسان أن يحلق لحيته، والعجب الذي لا ينقضي أنك ترى كثيراً من المسلمين اليوم يحلقون لحاهم مع أن إعفاء اللحية هدي من؟ هدي الرسل عليهم الصلاة والسلام، فها هو رسول الله ﷺ له لحية كثة، وها هو هارون قال لموسى: ﴿يَا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي﴾ [طه:٩٤] وحلق اللحية هدي من؟ هدي المجوس والمشركين، فيا سبحان الله! أنت مؤمن بالله ورسوله أتفضل هدي المجوس والمشركين على هدي سيد المرسلين؟!! لا والله، ولهذا ننصح إخواننا بالكف عن هذا العمل الذي يعلن الإنسان فيه مخالفته لله ولرسوله، لأن اللحية في الوجه، كل إنسان يلاقيك وهو حالقٌ لحيته يقول: أشهدك أني قد خالفت الرسول -أعوذ بالله- وهذا خطير خطيرٌ جداً، فحلق اللحية حرام. ومن ذلك أيضاً ما أشرنا إليه: النمص: وهو نتف شعر الوجه، هذا من المحرم. بقي علينا المسكوت عنه كشعر الذراع وشعر الصدر وشعر الساق هذا مسكوت عنه، فمن العلماء من يقول: إنه لا بأس بأخذه؛ لأن ما سكت الله عنه ورسوله فهو عفو. ومنهم من قال: إنه يكره، ومنهم من قال: يحرم؛ لأنه من تغيير خلق الله، ولكني أرى أن الأولى ألا يأخذه إلا إذا كان مشوهاً، لكن كثرة الشعر في الرجال رجولة، أما في النساء ربما يكون مشوهاً للمرأة، فالرجل لا يحب أن يرى امرأته وعليها شعرٌ كثير في الساق والذراع فتخففه ولا بأس. والكوافير إذا كانت تنمص فهذا حرام، وإذا كانت كان لا تنمص ينظر: هل أجرتها بقدر عملها أو أكثر؟ فإن كان أكثر فيكون هذا من الإسراف. وليُعلم أن العروس الحسنة ألقى الله المحبة بينها وبين زوجها فهي لا تحتاج إلى كوافير، وإن كانت الأخرى فهي لو تُجمل أجمل تجميل ما نفعها ذلك، ونسأل الله أن يجمع بين العروسين على كل خير، وأن يوفق الجميع لما فيه الخير والصلاح.