← Джавами‘

Джавами‘ · id 7688

دروس الحرم المدني للعثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (172 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

تفسير قوله تعالى: (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها) قال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] هذه نعمة عظيمة تشبه قول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] كل شيءٍ لا يمكنك ولا تستطيعه فهو ساقط عنك، وأنت غير مكلف به. وهذه قاعدة -يا إخواني! - في المأمورات، فلقاؤنا الليلة إن شاء الله قواعد، والقواعد خيرٌ من الفروع: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ هذه قاعدة المأمورات، كل شيءٍ لا تستطيعه من المأمورات يسقط عنك؛ لأن الله قال: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ، ثم إن كان لهذا الواجب بدل أتيت بالبدل، وإن لم يكن له بدل سقط عنك نهائياً. ومثاله: إذا ظاهر الرجل من زوجته، فقال لها والعياذ بالله: هي عليه كظهر أمه، هذا منكر وكذب، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً﴾ [المجادلة:٢] ماذا عليه؟ عليه أولاً: أن يعتق رقبة، هذا الواجب، لم يجد رقبة إما لعدم المال عنده وإما لعدم وجود الرقاب، فتسقط عنه الرقبة، يأتي دور: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [المجادلة:٤] يجب أن يصوم شهرين متتابعين لا يفطر بينهما إلا بعذرٍ شرعي أو عذر قدري، ولكن لم يستطع الرجل لضعفه أن يصوم شهرين متتابعين، لا في الشتاء ولا في الصيف، يسقط الصيام أو لا؟ يسقط إلى شيء ثالث: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً﴾ [المجادلة:٤] ما وجد، فقير لا يجد أن يطعم ستين مسكيناً، ماذا يكون؟ يسقط عنه، ودليل هذا قوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ . وقصة الرجل الذي جامع زوجته في نهار رمضان وهو صائم استمعوا لها وفيها فائدة أيضاً: جاء رجل إلى الرسول ﵊، وقال: (يا رسول الله! هلكت وأهلكت -هلك هو بنفسه وأهلك زوجته- وقعت على امرأتي في رمضان وأنا صائم -ماذا كان من الرسول ﵊ أنهره؟ ما نهره، ولا زجره، أمره بما يبرئ ذمته- أمره أن يعتق رقبة، قال: لا أجد، قال: صم شهرين متتابعين؟ قال: لا أستطيع، قال: أطعم ستين مسكيناً؟ قال: ما عندي -كل المراتب الثلاث لا يستطيعها- ثم جلس الرجل فجيء بتمر إلى الرسول ﵊، فقال له الرسول ﵊: خذ هذا تصدق به، أطعم منه ستين مسكيناً، فقال الرجل: أعلى أفقر مني؟ والله ما بين لابتيها أهل بيتٍ أفقر مني -سبحان الله! الإنسان عنده طمع، أعلى أفقر مني؟ - فضحك النبي ﵊ -اللهم صلِّ وسلم عليه، هذا يدعو الناس إلى دين الله بالبشر والابتسامة والضحك والتيسير والتبشير، ليس بالعنف والغضب والغيظ- ضحك النبي ﵊ حتى بدت نواجذه ثم قال: أطعمه أهلك) فرجع الرجل الذي خرج من عند زوجته وهو خائف، رجع وهو غانم؛ معه تمرٌ لأهله، وهل قال: وإذا قَدَرْتَ بعد ذلك فأطعم؟ لا. إذاً: سقط عنه حتى الإطعام؛ لأنه لا يستطيع، والله يقول: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ . مثال آخر: رجل قتل نفساً خطأً، فقلنا له: أعتق رقبة، قال: ما عندي، قلنا: صم شهرين متتابعين، قال: لا أستطيع، ماذا نقول؟ نقول له: ليس عليك شيء، يعني: الله ذكر خصلتين في كفارة القتل وهما: تحرير رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، وما ذكر الإطعام، إذاً: إذا قال هذا الذي وجبت عليه كفارة القتل: لا أجد الرقبة، قلنا: صم، قال: لا أستطيع الصيام، قلنا: ليس عليك شيء، لا يوجد إطعام، من أين نأخذ هذا الحكم؟ من قوله: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ هذه في الأوامر.

стр. 107

تفسير قوله تعالى: (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) تأتي النواهي: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] ماذا قال ربنا جل وعلا؟ (قال الله: قد فعلت) أي: لا أؤاخذكم إذا نسيتم أو أخطأتم، هذه الجملة الثانية في النواهي، فإذا فعل الإنسان معصية ناسياً أو فعل معصية مخطئاً لا يعلم أنها حرام فلا شيء عليه وكأنه لم يفعلها. نضرب أمثلة لهذا: رجل يصلي والذي يصلي لا يتكلم أبداً إلا مع الله؛ لأن النبي ﷺ قال: (إذا صلى أحدكم فإنه يناجي ربه) (تقول: ((الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)) [الفاتحة:٢] فيقول الله: حمدني عبدي) المهم لا يتكلم كلام آدميين، لكنه قرع عليه الباب واحد يستأذن، فسمع الباب وقال: تفضل -يقول للذي قرع الباب- لكنه ناسٍ أنه في الصلاة، ماذا يكون عليه؟ لا شيء، تبطل صلاته أو لا تبطل؟ لا تبطل، لماذا؟ لأنه ناسٍ غافل. رجل آخر يحب الخير ويحب أن يقوم بالواجبات فعطس إلى جنبه أحد المصلين وهو معه يصلي، فقال الذي عطس: الحمد لله، وهذا جائز ومشروع، إذا عطست وأنت تصلي قل: الحمد لله، الثاني زميله إلى جنبه قال: يرحمك الله، متأولاً؛ لأن يرحمك الله دعاء، وهو يتصور أن الدعاء في الصلاة لا يبطل الصلاة، ولو كان بكاف الخطاب، قال: يرحمك الله، فلما انتهت الصلاة، قال له بعض الحاضرين: أعد الصلاة لأنك تكلمت بكلام آدميين؛ تخاطب صاحبك تقول: يرحمك الله، فماذا نقول له بناءً على القاعدة التي ذكرها الله في الآية؟ نقول: لا شيء عليك، والذي قال: إن صلاتك باطلة ليس على صواب؛ لأن السنة تحكم بين الناس، والسنة وقعت بمثل هذه الصورة ولم يأمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من تكلم بإعادة الصلاة: (معاوية بن الحكم ﵁ دخل يصلي فعطس رجلٌ من القوم فقال: الحمد لله، فقال له معاوية: يرحمك الله، فرماه الناس بأبصارهم، رموه بأبصارهم -يعني: نظروا إليه نظرة إنكار؛ لأن الإنسان إذا نظر إليك نظر رضاً ما يقال رماك ببصره، لكن نظر إنكار- يقال: رموه بأبصارهم مستنكرين قوله، فقال: واثكل أمياه -يعني: تكلم مرة ثانية- فجعلوا يضربون أفخاذهم يسكتونه فسكت، فلما انتهت الصلاة، دعاه من بالمؤمنين رءوف رحيم ﷺ ، بعدما انتهت الصلاة دعاه قال معاوية: فبأبي هو وأمي! والله ما كهرني ولا نهرني -لا أنكر عليه بالوجه ولا باللسان، ما كهره ولا نهره- وإنما قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيءٌ من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن) أو كما قال، ولم يأمره بالإعادة. وهذا بناء على أن من فعل محذوراً جاهلاً فليس عليه شيء. وفي حديث أبي هريرة الثابت في الصحيح: (من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه) هذا إنسان نسي أنه صائم فمر على البراد، فشرب لأنه عطشان، ونسي أن كان صائماً، ماذا نقول له؟ لا شيء عليه. رجل آخر معه عنقود عنب، فجعل يأكل من العنقود ناسياً أنه صائم، فلما بقي حبة واحدة ذكر أنه صائم، فقال: سآكل هذه الحبة، إن كان العنقود الأول لا يفطرني فالحبة هذه لا تفطرني، وإن كان يفطرني فقد انتهى الموضوع، ماذا تقولون في هذا؟ أفطر بالحبة الأخيرة؛ لأنه كان الواجب عليه أن يتوقف ويسأل، ربما يقول قائل: هذا أكل الحبة جاهلاً، لكن نقول: هو مفرط، الواجب عليه أن يسأل. رجلٌ احتجم وهو صائم يظن أن الحجامة لا تفطر، أيفسد صومه؟ لا. لأنه جاهل. رجل أفطر يظن أن الشمس قد غربت ثم تبين أنها لم تغرب، فهل يفسد صومه؟ لا. رجل أكل بعد طلوع الفجر يظن أن قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧] أن المراد بالخيوط الحبال، وجعل يأكل ويشرب حتى تبين الحبل الأسود من الحبل الأبيض، أيفسد صومه؟ لا يفسد؛ لأنه كان جاهلاً. وقد وقعت هاتان القصتان في عهد الرسول ﵊: أما الأولى: فعن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: (أفطرنا في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في يوم غيمٍ ثم طلعت الشمس) ولم يأمرهم النبي ﷺ بالقضاء، ولو كان القضاء واجباً لأمرهم به لوجوب الإبلاغ عليهم، فلما لم يأمر به علم بأنه ليس بواجب، وهو داخل في القاعدة: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ . أما الثاني: فـ عدي بن حاتم ﵁ كان يريد أن يصوم، وفي الآية: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ فجعل تحت وسادته عقالين أحدهما أسود والثاني أبيض، وجعل يأكل وينظر إلى العقالين فلما تبين الأبيض من الأسود توقف، فأخبر بذلك النبي ﷺ ، ولم يأمره بالإعادة، لماذا؟ لأنه كان جاهلاً متأولاً؛ يظن أن هذا هو معنى الآية، فلهذا لم يلزمه النبي ﵊ بالقضاء. رجل محرم بالحج وفي ليلة العيد وهي ليلة مزدلفة، بعد أن رجع من عرفة كانت معه زوجته فجامعها، وهو يظن أن الحج قد انتهى، مستدلاً بقول النبي ﷺ : (الحج عرفة) فقال: قد انتهينا من عرفة والحمد لله وظن أنه يجوز أن يجامع زوجته فجامعها. وكان الجماع قبل التحلل الأول، وهو يفسد النسك، يعني: أن الحج فسد؛ لأن الجماع قبل التحلل الأول مع العلم والذكر يترتب عليه خمسة أمور: الإثم، وفساد النسك، والمضي فيه، والقضاء من العام القادم، وفدية وهي بدنة، لكن هذا الرجل جاهل فجاء يسألنا، ماذا نقول له؟ نقول: الحج صحيح ولا شيء عليك لأنك جاهل، والرب لما دعا المؤمنون: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال الله: قد فعلت. المهم -يا إخواني- خذوا هذه القاعدة معكم، في الأوامر: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ . وفي النواهي: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ فقال الله تعالى: قد فعلت. وعرفتم أمثلة واقعية من السنة في أن الإنسان المخطئ لا يعاقب، والناسي لا يعاقب، ولكن لاحظوا أنه متى زال العذر وجب التوقف عن المحظور، يعني: متى علم أو ذكر الإنسان بأنه الآن في محظور وجب عليه أن يتوقف.

стр. 108

تفسير قوله تعالى: (ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا) قال تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] الإصر يعني: الثقل والأغلال، فالمؤمنون من هذه الأمة يسألون الله ألا يحمل عليهم إصراً كما حمله على الذين من قبلهم، فقال الله: قد فعلت بقوله تعالى في وصف الرسول ﵊: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف:١٥٧] فالله تعالى وضع الإصر والأغلال التي كانت على من سبقنا بهذا الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه. ونضرب لكم مثلاً: بنو إسرائيل لما عبدوا العجل ماذا ألزموا به لتصح توبتهم؟ قيل لهم: لا توبة لكم إلا أن تقتلوا أنفسكم، وهذا إصر وغل عظيم، توبتنا نحن ولله الحمد بيننا وبين الله، إذا تاب الإنسان إلى ربه وتمت شروط التوبة الخمسة والتي أمليناها عليكم سابقاً فإنها تقبل، والخمسة نذكرها بإيجاز: من يعطينا بإيجاز شروط التوبة الخمسة؟ ١. الإخلاص بأن لا يحمل الإنسان على التوبة مراعاة الناس أو الرفعة عندهم أو الجاه أو ما أشبه ذلك. ٢. الندم على فعل المعصية. ٣. الإقلاع عن الذنب. ٤. العزم على ألا يعود، ليس عدم الرجوع، لو قلنا: عدم الرجوع معناه: لو رجع إليه مرة ثانية لبطلت الأولى، أليس كذلك؟ لكن قلنا: العزم على ألا يعود، ولا نقول: ألا يعود، بل نقول: العزم على ألا يعود؛ لأنه إذا عزم ألا يعود ثم سولت له نفسه بعد ذلك أن يعود فالتوبة الأولى صحيحة. ٥. أن تكون في وقت التوبة، وما هو وقت التوبة بالنسبة لكل واحد على انفراد؟ قبل حضور الأجل، ما هو الدليل؟ قال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء:١٨] لا ينفع. فرعون لما أدركه الغرق ماذا قال؟ قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ﴾ [يونس:٩٠] انظروا -يا إخواني! - الذل، أعوذ بالله من الذل! فرعون ما قال: آمنت أنه لا إله إلا الله، قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ﴾ [يونس:٩٠] فجعل نفسه تبعاً لبني إسرائيل، بينما كان في الأول يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم، ذل نسأل الله العافية! لكن ماذا قيل له؟ (آالآن تتوب) يعني: آلآن تتوب وتؤمن أن لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ [يونس:٩١-٩٢] ننجيك ببدنك: بأن نبقى بدنك ظاهراً، أما روحك ففي النار، لماذا؟ ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس:٩٢] والذين كانوا خلفه هم بنو إسرائيل، أي: لتكون علامة على أنك هلكت. يا إخواني: بنو إسرائيل قد أفزعهم فرعون وآذاهم، وإذا غرق فرعون وقومه فقد يكون عند بني إسرائيل احتمال أن فرعون لم يغرق، فأنجى الله بدنه حتى يكون علامة على أنه هلك فيطمئن بنو إسرائيل. إذاً: شروط التوبة خمسة، كلها سهلة يستطيع الإنسان أن يقوم بها بدون كلافة، لكن بنو إسرائيل عليهم آصار وأغلال، ومن الآصار والأغلال: أن الإنسان إذا قتل أحداً وجب عليه -أي: على أولياء المقتول- أن يقتلوا القاتل وجوباً، لماذا؟ لأنه هكذا قال: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة:٤٥] . إلى قوله: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة:٤٥] لكن هذه الأمة قال الله لهم لما ذكر: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة:١٧٨] قال: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة:١٧٨] فالمهم أن الله تعالى رفع عنا والحمد لله الآصار التي كانت على من قبلنا.

стр. 109

تفسير قوله تعالى: (ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ...) قال تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة:٢٨٦] يسأل المؤمنون ربهم ألا يحملهم ما لا يطيقون، ولو شاء لحملهم ما لا يطيقون، ولكنه لرأفته ورحمته قال: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] . ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] هذه ثلاث جمل، هل معناها واحد؟ العفو: في مقابل التفريط في الواجبات، والمغفرة: في مقابل المعاصي وانتهاك المحرمات، والرحمة: هي إزالة أثر هذه الذنوب، أو الإخلال بالواجبات. والأصل يا إخواني في الكلمات التباين، ولهذا قيل: العطف يقتضي المغايرة، فإذا وجدتَ كلمتين وظننت أن معناهما واحد فلا تظن هكذا، نعم يأتي أحياناً عطف المرادف على مرادفه مثل قول الشاعر: فألفى قولها كذباً وميناً... المين: هو الكذب. ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا﴾ (أنت مولانا) أي: ولي أمرنا ومدبرنا وناصرنا: ﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٨٦] هذا من باب التوسل بالصفة؛ لأن الله مولى المؤمنين كما قال تعالى: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الأنفال:٤٠] نتوسل إلى الله تعالى بكونه مولانا أن ينصرنا على القوم الكافرين. هل القوم الكافرون منفصلون عنك أو متصلون بك؟! يعني: هل الكافر واحد آخر مختلف، أو شيء متصل بك؟! إذا قابلنا الكفار فإنا نسأل الله أن ينصرنا عليهم، وهذا واضح؛ لكن هناك كافر يجري منك مجرى الدم، من هو؟ هو الشيطان. الشيخ: (الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم) كما قال النبي ﵊ ذلك، والشيطان كافر، فتسأل الله أن ينصرك عليه بحيث لا تنخدع بغروره الذي حذرك الله منه في قوله: ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان:٣٣] أما كفار بني آدم فظاهرون. وإننا بهذه المناسبة سندعو الله فنقول: اللهم إنا نسألك بأنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت الأحد الصمد، يا ذا الجلال والإكرام! يا حي يا قيوم! يا منان! يا بديع السماوات والأرض! نسألك اللهم أن تنصر إخواننا المسلمين في البوسنة والهرسك على أعدائك وأعدائهم من الصرب الكافرين، ونسألك اللهم أن تنصر إخواننا في الشيشان على أعدائك وأعدائهم من الشيوعيين الملحدين، ونسألك اللهم أن تنصر إخواننا في كشمير على أعدائهم الوثنيين، ونسألك اللهم أن تنصر المسلمين في كل مكان على أعدائهم. ونسألك اللهم أن تؤلف بين قلوب المسلمين، وأن تجمع كلمتهم على الحق، وأن تهيئ لهم ولاة صالحين، يقودونهم بكتابك وسنة نبيك محمدٍ ﷺ . ونسألك اللهم أن تؤلف بين قلوب شعوبنا، شبابها، وشيوخها وكهولها، وذكورها وإناثها حتى لا تتمزق وتتفرق نسألك اللهم ذلك يا رب العالمين. ونختم هذا اللقاء بهذه الدعوة: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم، فإن هاتين الكلمتين قال فيهما رسول الله ﷺ : (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم) جدير بهاتين الكلمتين أن يقولهما الإنسان دائماً ما لم تشغله عن واجب، فلهذا أحث نفسي وإياكم على الإكثار من هاتين الكلمتين: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، هما على اللسان خفيفتان جداً، وهما في الميزان ثقيلتان، وحبيبتان إلى الرحمن.

стр. 110

الأسئلة

стр. 111

خطورة تصدر الجاهل للفتيا السؤال هل يجوز للإنسان أن يجتهد في إفتاء بعض الناس إذا كان لا يوجد من يفتي، أو لم يتوفر سؤال العلماء؟ الجواب يقول: هل يجوز أن يجتهد في الفتوى إذا لم يوجد عالمٌ يفتي؟ فنقول: إذا كان جاهلاً كيف يجتهد؟ وعلى أي أساسٍ يبني اجتهاده؟ والواجب على من لا يعلم الحكم أن يتوقف، وإذا سئل يقول: لا علم عندي. الملائكة لما قال لهم الله : ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:٣١] ماذا قالوا؟ ﴿سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة:٣٢] ، أما كونه يقول: إذا لم يجد عالماً يفتي أنا سوف أفتي، أخبط صواباً أو خطأ هذا غلط، لا يجوز، الواجب أن يقول للمستفتي: اسأل العلماء. والآن ولله الحمد الاتصالات سهلة، يتصل عن طريق الهاتف، عن طريق البريد السريع والبطيء، الحمد لله الأمر ميسر.

стр. 112

حكم صوت المرأة السؤال هل صدرت منكم فتوى بأن صوت المرأة ليس بعورة؟ الجواب نعم صدرت منا هذه الفتوى مستندين إلى قول الله ﵎ لنساء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب:٣٢] فنهى الله عن الخضوع بالقول، يعني: لا تخاطب المرأة الرجل بقولٍ لين يؤدي إلى الفتنة، أما مجرد الكلام فليس بعورة، وهذه النساء تأتي إلى النبي ﷺ تسأله بحضرة الصحابة ولا يقول لها: كلميني سراً؛ لأن صوتك عورة، فالصوت ليس بعورة، لكن الخضوع بالقول بأن يكون كلام المرأة ليناً يوجب الشهوة هذا هو الممنوع، لكن يبقى النظر في مخاطبة المرأة للرجل الأجنبي الذي ليس من محارمها، هذا هو الذي فيه تفصيل طويل عريض، وإلا لا يمكن أن نقول لامرأة مرت في السوق ولاقاها رجل: سلمي على الرجل، لا تسلم على الرجل، والرجل لا يسلم عليها أيضاً.

стр. 113

معنى قوله ﷺ في فضل المدينة: (من أحدث فيها حدثاً) السؤال صح في الحديث عن الرسول ﷺ في فضل المدينة: (من أحدث فيها حدثاً) ما هو الحدث؟ الجواب الظاهر والله أعلم أن الحدث: كل ما أوجب فتنة حسية أو معنوية، فالمبتدعة مثلاً إذا ابتدعوا ونشروا البدعة في المدينة فإنهم يستحقون ما دعا به الرسول ﵊. وكذلك من أحدث بقتل، أو نهب، أو سرقة، أو ما أشبه ذلك فإنه يستحق ما دعا به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما مجرد المعاصي الصغيرة أو الكبيرة التي لا تعد حدثاً وفتنة فإنها والله أعلم لا تدخل في هذا الحديث.

стр. 114

حكم إنشاء جماعة ثانية بعد الجماعة الأولى السؤال إذا قضيت الصلاة في المسجد النبوي، ثم أنشأ بعض المتأخرين جماعة فهل لهذه الجماعة أجر ألف صلاة؟ الجواب لا. ليس للجماعة الثانية أجر الجماعة الأولى، لكن الجماعة أفضل من الانفراد، بمعنى: أننا إذا دخلنا ونحن جماعة وقد انتهت الصلاة فالأفضل أن نصلي جماعة، لقول النبي ﷺ : (صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع رجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كان أكثر فهو أحب إلى الله) لكن أجر الجماعة الأولى لا تدركه الجماعة الثانية. وقد اشتهر عند بعض طلبة العلم أنه لا تقام الجماعة الثانية بعد الجماعة الأولى، وهذا ليس على إطلاقه، بل نقول: في المسألة تفصيل: فإن كان المسجد معداً للجماعات كالمساجد التي على الطرق عند المحطات أو بعيدة عن المحطة، فهذه تعاد فيها الجماعة بلا إشكال؛ لأنها لم تعد لجماعة خاصة راتبة، فكلما جاء جماعة ونزلوا صلوا بهذا المسجد، وهذا لا إشكال فيه، ولا أظن أحداً ينازع في أن الجماعة الثانية بعد الأولى مشروعة. القسم الثاني: أن يكون معتاداً في هذا المسجد أن تقام فيه جماعتان، فهذا بدعة وينهى عنه. القسم الثالث: أن يكون هذا المسجد له جماعة راتبة فدخل أناس بعد انقضاء الصلاة فهنا نقول: صلوا جماعة فهو أفضل، ويدل لهذا ما ذكرته من الحديث، حديث أبي بن كعب: (صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كان أكثر فهو أحب إلى الله) . وكذلك أيضاً الحديث الآخر: دخل رجلٌ قد فاتته الصلاة فقال النبي ﷺ : (من يتصدق على هذا فيصلي معه؟) فقام أحد الصحابة فصلى معه، فأقيمت جماعة بعد الجماعة الأولى، لكن هذه ليست راتبة فصارت إقامة الجماعتين في مسجدٍ واحد ينقسم إلى ثلاثة أقسام.

стр. 115

بيان اختلاف ساعات الجمعة التي نص عليها الحديث عن الساعات الوقتية السؤال قلتم يا سماحة الشيخ! إن ساعات يوم الجمعة الخمسة تختلف عن الساعات الوقتية، نرجو أن توضحوا لنا؟ الجواب حسناً الساعات التي بين أيدينا الآن محدثة ما كانت معروفة في عهد الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإذا كان الرسول يقول: من جاء في الساعة الأولى ومن جاء في الثانية ومن جاء في الثالثة ومن جاء في الرابعة ومن جاء في الخامسة، نقسم الزمن من طلوع الشمس يوم الجمعة إلى مجيء الإمام إلى خمسة أقسام، فإذا قدرنا أن بين طلوع الشمس إلى مجيء الإمام خمس ساعات، هنا تتوافق الساعة الوقتية والساعة التي جاءت في الحديث، وإذا قدرنا أنها أقل اختلف الحكم، وإذا قدرنا أنها أكثر اختلف الحكم أيضاً. أقول يعني: اقسم ما بين طلوع الشمس إلى مجيء الإمام إلى خمسة أقسام.

стр. 116

حكم الأكل والشرب حال المشي أو القيام السؤال فضيلة الشيخ! كيف نربط بين قوله ﷺ عن ابن عمر ﵄ قال: (كنا نأكل على عهد رسول الله ﷺ ونحن نمشي، ونشرب ونحن قيام) رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، وقول أنسٍ ﵁ عن النبي ﷺ : (أنه نهى أن يشرب الرجل قائماً، قال قتادة: فقلنا لأنس: فالأكل؟ قال: ذلك أشر أو أخبث) رواه مسلم؟ الجواب الجمع بينهما سهل؛ لأن النهي عن الشرب قائماً ليس للتحريم، بل هو من باب الأدب، ألا يشرب الإنسان قائماً فهو مكروه، والمكروه قال أهل العلم: إنه تبيحه الحاجة، يعني: ليس من شرطه الضرورة، ولهذا شرب النبي ﷺ من شنٍ معلق وهو قائم -القربة البالية القديمة تسمى شناً، والغالب أن القربة القديمة تكون أبرد من القربة الجديدة- شرب منها وهو قائم ﵊، وشرب من ماء زمزم وهو قائم، مع أن هذا ليس ضرورة، بإمكانه أن يجلس. فيكون ما رواه الترمذي من كونهم يأكلون ويشربون وهم يمشون لحاجة، يخشون إذا جلسوا مثلاً -وهم جماعة سائرون لغرض- أن يفوت غرضهم فيكون هذا جائزاً.

стр. 117

حكم الجمع والقصر للمسافر السؤال ما حكم الجمع والقصر في حالة المسافر إذا وصل إلى المدينة؟ الجواب أما إذا وصل المسافر إلى بلده فإنه ينتهي القصر والجمع؛ لأن القصر والجمع مربوطٌ بسبب وهو السفر، فإذا وصل إلى بلده انقطع السفر، ولهذا لو أنه دخل عليهم وقت الظهر وهو في البر لم يصل البلد، ثم وصل البلد كم يصلي؟ أربعاً، وهل يجمع الظهر مع العصر في هذا المثال؟ لا. لأنه انتهى السفر، ولو دخل عليه وقت الظهر وهو في بلده، ثم سافر قبل أن يصلي، أي: أذن الظهر وهو في بلده، ثم خرج قبل أن يصلي وصلى الظهر في البر في سفره كم يصلي؟ خرج بعد دخول الوقت، أي: دخل الوقت وهو مقيمٌ في بلده، ثم سافر وصلى في البر بعد أن خرج من البلد، كم يصلي؟ يصلي ركعتين، لقول الله ﵎: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ [النساء:١٠١] وهذا ضرب في الأرض، وصلى وهو ضاربٌ في الأرض فيصلي ركعتين، والعكس كما قلت لكم في المثال الأول: لو أدركته الصلاة وهو في البر ثم وصل إلى بلده فإنه يصلي أربعاً، يعني: انتهى الضرب في الأرض. ولكن إذا كان الإنسان في بلد غير بلده فإنه يجيب المؤذن ويصلي مع المسلمين، ويصلي أربعاً، لقول النبي ﷺ : (إنما جعل الإمام ليؤتم به) ، ولقوله: (ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا) ، ولقول ابن عباس ﵄ حينما سئل: [ما بال الرجل يصلي ركعتين ومع الإمام يصلي أربعاً؟ فقال: تلك هي السنة] وهذه المسألة تشتبه على بعض الناس تقول له: صل فقد أذن، قال: أنا مسافر، كأنه يقول: المسافر ليس عليه جماعة، وهذا فهم غلط، المسافر عليه صلاة جماعة، ولعلكم تذكرون أن الله تعالى قال في القرآن في حال الخوف: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ [النساء:١٠٢] فأمر بصلاة الجماعة في حال الخوف، ومعلوم أن الخوف الذي كان فيه الرسول كان في أسفاره، ففي حال الأمن من باب أولى، فنقول للمسافر: هل سمعت النداء؟ إذا قال: نعم، نقول له: أجب. كما أن المسافر أيضاً إذا نزل في بلد وحان وقت صلاة الجمعة وهو في نفس البلد وقال: أنا مسافر لا أذهب للجمعة، ماذا نقول له؟ نقول: ألست مؤمناً؟ فيقول: بلى، نقول: اسمع إلى قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩] . أما إذا كان الإنسان في السفر فهذا لا جمعة عليه ولا تصح عنه الجمعة أيضاً؛ لأن النبي ﷺ كان لا يقيم الجمعة في أسفاره، وقد قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) ، وقال: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) . وإذا أم المسافر أناساً مقيمين فماذا يصنع؟ الجواب: نقول: يصلي ركعتين، ويعلمهم بأنه مسافر فإذا سلم أتموا.

стр. 118

نصيحة لمن يشتغل بأمور الدنيا وهو في المسجد السؤال أطلب من فضيلتكم إعطاء نصيحة للنساء اللاتي يأتين الحرم ويشتغلن بأمور الدنيا، ولا يتممن الصفوف؟ الجواب نصيحة لهن وللرجال أيضاً: المساجد بنيت للصلاة وقراءة القرآن وما أشبه ذلك، ولهذا قال النبي ﵊: (إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك -ادع عليه بأن الله لا يربحه- فإن المساجد لم تبن لهذا) ، وقال: (إذا سمعتم من ينشد ضالة -يقول: من رأى الضالة- فقولوا: لا ردها الله عليك) لأن المساجد لم تبن لهذا، وقال للأعرابي الذي بال في جانبٍ من المسجد وقصته مشهورة: رجل أعرابي بدوي دخل مسجد النبي ﵊ ووجد فيه فسحة واحتاج إلى البول، ما خرج يطلب مكاناً يبول فيه، قال: هذا مكان فسيح فجعل يبول في مسجد الرسول ﵊، وهذا منكر، ولهذا زجره الصحابة، فنهاهم الرسول ﵊، وقال: (لا تزرموه) أي: لا تقطعوا عليه بوله، دعوه يكمل، انتهى الأعرابي من البول ثم قال الرسول ﵊: (أريقوا على بوله ذنوباً من ماء) صبوا عليه ماء، وإذا صبوا عليه الماء يطهر، فزالت المفسدة، أما الأعرابي فدعاه وقال له: (إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيءٌ من القذر والأذى، إنما هي للصلاة والتكبير وقراءة القرآن) أو كما قال ﵊، انظر الحكمة! كلمه باللطف، قال الأعرابي: (اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً) أعرابي تَحَجَّرَ رحمة الله ؛ لأن محمداً صلوات الله وسلامه عليه خاطبه باللطف واللين وتركه حتى يقضي بوله، والصحابة ﵃ زجروه، فأراد أن تكون الرحمة له وللرسول، نعم لو قال: (اللهم ارحمني ومحمداً) فلا مانع، لكن (ولا ترحم معنا أحداً) يتحجر رحمة الله، سبحان الله! وفعل النبي ﷺ هذا من باب درء أعلى المفسدتين بأدناهما، يعني: إذا كان لابد من ارتكاب مفسدتين إحداهما أخف؛ ارتكب الأخف، بقاؤه يبول أخف، أولاً: لأجل أن ينحصر البول في مكانٍ واحد، ثانياً: لئلا يتضرر هذا الأعرابي بانقطاع بوله؛ لأن البول إذا كان مستعداً للخروج ثم منعه الإنسان فيه ضرر عليه، ولأن الأعرابي لو قام كاشفاً ثوبه بدت عورته وصار البول يترشرش حول المكان، ولو أسدل ثوبه لتنجس الثوب وكان هناك مفسدة، فلهذا كان درء أعلى المفسدتين بأدناهما من الأمور المقررة شرعاً. وهذه أيضاً من الأمور التي ينبغي للإنسان أن ينتبه لها في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. أقول: المساجد لم تبن إلا للصلاة والذكر، والتحدث فيها بأمور الدنيا إذا كان من باب البيع والشراء، وإنشاد الضالة، أو كان يشوش على الآخرين فإنه يمنع، وأما إذا كان ليس فيه بأس، وإنما هو كلامٌ مباح فهذا لا بأس به بشرط ألا يشوش، ولهذا كان الصحابة ينشدون الأشعار في مسجد الرسول ﵊.

стр. 119

حكم صبغ الشعر للمرأة السؤال ما هي صبغة الشعر الجائزة للمرأة؟ وما حكم قص الشعر أسفل من شحمة الأذن؟ الجواب الأصباغ مما خلق الله لنا في الأرض. وما خلقه الله في الأرض فهو حلال، كل ما في الأرض حلالٌ لنا؛ لأن الله امتن علينا بذلك: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً﴾ [البقرة:٢٩] إن كان حيواناً فهو حلال، إلا ما قام الدليل على تحريمه، ولهذا لو وجدت طيراً فصدته فقال لك زميلك: هذا حرام لا تأكله، وقلت أنت: هذا حلال سآكله، من المطالب بالدليل؟ الذي حلل أو الذي حرم؟ الذي حرم، فالأصل الحل. والأصباغ مما خلق الله لنا في الأرض فالأصل فيها الحِل، لكن يمنع من صبغٍ يحاد به الصابغ سنة الله ، وذلك صبغ الشيب بالسواد فإن هذا حرام، لا يجوز للإنسان أن يصبغ الشيب بالسواد؛ لأن هذا مضادٌ لسنة الله ، سنة الله أن الإنسان إذا كبر يبيض شعره كما قال زكرياء: ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً﴾ [مريم:٤] هذا أمر لابد منه، فإذا جاء الإنسان يموه على أنه شاب قام بصبغ اللحية بالسواد؛ لأجل أن من رآه يقول: هذا شاب عمره خمس وثلاثون سنة، وربما يكون له سبعون سنة، أيجوز هذا؟ لا يجوز لأمور: أولاً: إن النبي ﵊ قال: (غيروا هذا الشيب وجنبوه السواد) . وثانياً: ورد وعيد شديد على من صبغ بالسواد -والعياذ بالله- فهو حرام، وقد قال بعض الشعراء: يسود أعلاها وتأبى أصولها ولا خير في فرعٍ إذا خانه الأصل أصوله بيضاء، لابد بعد يومين أن يظهر البياض من الأصول، فأعلاها مسود ولكن خانه أسفل. أنت على كل حال العبرة بالقوة والجلد، وكم من إنسانٍ كبير السن وشيخ؛ ولكن همته وعمله عمل الشاب، وكم من إنسان بالعكس، إذاً: ما الذي يحرم من الأصباغ؟ الأسود الذي يغير به الشيء، فإن خلط الأسود بأحمر بأن خلط الكتم بالحناء يجوز أو لا يجوز؟ يجوز؛ لأنه ليس أسود خالصاً، وما حكم غير الأسود من الألوان؟ ينظر: إذا كان هذا اللون لا يصبغ به إلا نساء الكافرين صار حراماً، لماذا؟ لأنه تشبه بالكفار، إذا كان هذا الصبغ لا يصبغ به إلا نساء الكافرين صار حراماً من أجل التشبه لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (من تشبه بقومٍ فهو منهم) أتدرون ماذا علق على هذا الحديث شيخ الإسلام ابن تيمية؟! قال: أقل أحوال هذا الحديث التحريم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم؛ لأنه قال: فهو منهم، فأقل أحواله أن يكون التشبه حراماً. أما مسألة قص الرأس، فقص الرأس أيضاً يفصل فيه: إذا كان قصاً عميقاً بحيث يكون هذا الرأس للمرأة كرأس الرجل فهذا حرام، ما الدليل؟ (لعن النبي ﷺ المتشبهات من النساء بالرجال) . وإذا كان ليس كذلك لاحظنا أمراً آخر: هل هذا القص يكون على صفة قص نساء الكافرين؟ فهو يكون حراماً لأنه تشبه بنساء الكافرين: (ومن تشبه بقومٍ فهو منهم) ، أما إذا لم يكن مشابهاً لقص نساء الكافرين فقد اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: إنه محرم. والقول الثاني: إنه مكروه. والقول الثالث: إنه مباح. هذه أقوال ثلاثة ذكرها أهل العلم في هذه المسألة.

стр. 120

حكم غسل الجمعة، وبيان ضعف حديث: (من توضأ فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل) السؤال ذكرتم أن غسل الجمعة واجبٌ، وجاء في حديث: (من توضأ فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل) ألا يصرف هذا الأولَ من الوجوب إلى الاستحباب؟ الجواب يقول الشاعر: كناطحٍ صخرة يوماً ليوهنها فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل الوعل ينطح الصخرة لكي يفتتها، وما الذي تكسر؟ قرن الوعل، فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل، هذا الحديث بارك الله فيكم حديثٌ مرسل، وفي صحته إلى الرسول نظر، ثم إن أسلوبه ليس عليه الطلاوة؛ طلاوة الكلام النبوي: (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل) أنت إذا سمعت كلام الرسول ﵊، ولاسيما إذا كنت تكثر من قراءة الأحاديث النبوية تجد له رونقاً وطلاوة ليس كهذا الكلام، فالحديث هذا ضعيف، ولا يمكن أن يقاوم حديث أبي سعيد الذي أخرجه الأئمة السبعة بلفظٍ صريحٍ واضح: (غسل الجمعة واجب على كل محتلم) وعلى هذا فلا تعارض بين الحديثين لعدم مقاومة الحديث حديث سمرة السابق ذكره لحديث أبي سعيد.

стр. 121

معنى حديث: (إن الله خلق آدم على صورته) السؤال ما معنى الحديث: (إن الله خلق آدم على صورته) ؟ الجواب يقول الرسول ﵊: (إن الله خلق آدم على صورته، ونهى أن يقبح الوجه أو يضرب) وقد اختلف العلماء في معنى هذا الحديث بعد أن صححوه، أما من أنكر صحته فهذا له بابٌ وجواب، لكن من أثبته اختلفوا فيه على وجهين: الوجه الأول: خلق آدم على صورته أي: على الصورة التي اختارها الله ، فتكون من باب إضافة المخلوق إلى خالقه، مثل: ناقة الله، وبيت الله، وما أشبه ذلك. الوجه الثاني: خلق الله آدم على صورة الرب ، ولكن لا يلزم أن يكون مماثلاً له؛ لأن الله تعالى قال في كتابه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] ، فإذا قال قائل: كيف يكون غير مماثل وقد قال على صورته؟ قلنا: لا يلزم من الصورة التماثل، ألم يكن قد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال في أهل الجنة: (أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر) هل يلزم أن يكونوا مماثلين للقمر؟ لا يلزم أن يكونوا مماثلين له، فلا يلزم من كون الشيء على صورة الشيء أن يكون مماثلاً للشيء، وهذا واضح، وقد ضربنا لكم مثالاً في أهل الجنة: أنهم يدخلون الجنة أول زمرة على صورة القمر، ولا يلزم التماثل.

стр. 122

حكم شد الرحال إلى قبر الرسول ﷺ السؤال هل يجوز شد الرحال إلى قبر رسول الله ﷺ ؟ الجواب لماذا تشد الرحال إلى قبر الرسول؟ نسأل يقول: ليسلم عليه، نقول: إن الله قد كفاك، أي إنسان يسلم على الرسول في أي مكان فإن تسليمه يبلغه، لماذا تشد الرحال؟ تكلف الناقة وتكلف نفسك، ولا تسلم أجرة تذكرة وغير ذلك؟ فلا يجوز أن يشد الإنسان الرحال لزيارة قبر النبي ﷺ ؛ لأن أقل ما فيه أنه إضاعة مال، وإضاعة المال محرمة، لكن لو شد الرحال للمسجد النبوي فيجوز؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى) وإذا وصلت إلى المسجد قم بزيارة قبر الرسول ﵊، زر قبر الرسول وصاحبيه أبي بكر وعمر ﵄، وقم بزيارة أمير المؤمنين عثمان ﵁ في البقيع، وبزيارة أهل البقيع كلهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يزور البقيع، ولكن تزور البقيع بأي شيء؟ ما الحكمة في ذلك؟ زيارة القبور ليس لأجل أن تدعو الله عندها، ولا أن تستغيث بأهل القبور، قال النبي ﷺ وهو المشرع للأمة المبين لحكم الشريعة: (زوروا القبور فإنها تذكركم الموت) وفي لفظٍ: (تذكركم الآخرة) هذا المقصود، هؤلاء القوم هم الآن في بطن الأرض، لا يملكون زيادة حسنة ولا نقص سيئة من أعمالهم، وأنت الآن على ظهر الأرض تستطيع أن تزيد حسنة في حسناتك أو أن تستغفر من سيئة، فتذكر الموت، تذكر الآخرة وهي دار الجزاء، هذا هو المقصود، وهل عندك عهدٌ من الله أنك ستبقى مدة بعد هذه الزيارة؟ لا. إذاً: يا أخي! ما تدري لعلك تزور هؤلاء الموتى صباحاً ويزورك أقاربك في هذه القبور مساءً، فاستعد للموت، تب إلى الله مما فرطت في حق الله، ومما فرطت في حق عباد الله، هذا هو المقصود من زيارة القبور. أما الدعاء عندها فلا، إذا أردت أن تدعو الله فادع الله في بيوته وهي المساجد، أما أن تخرج هناك لتدعو فهذا غلط. وأقبح من ذلك أن يخرج ليدعو أهل القبور، يقول: يا ولي الله! يا سيدي! يا فلان! افعل لي كذا وكذا، ارزقني، هذا ماذا نعتبره؟ نعتبره شركاً أكبر يستحق فاعله ما ذكره الله في قوله: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة:٧٢] . نسأل الله تعالى أن يختم لنا ولكم بالتوحيد والإخلاص والسنة إنه على كل شيء قدير.

стр. 123

حكم من استعان بساحر ثم تاب السؤال لقد استعنت بأحد السحرة في موضوعٍ هام فهل عليَّ إثم؟ وما هي الكفارة؟ الجواب الجواب على هذا السؤال يكون بيني وبين السائل، فهو بعد أن فعل جاء يسأل، الإنسان يجب عليه إذا أراد أن يقدم على شيء يجب عليه أن يسأل عنه أولاً، أرأيتم لو أن إنساناً أراد أن يسافر إلى مكة من المدينة هل يسأل عن الطريق أولاً، أو يذهب يتيه في البراري ثم يجيء يسأل؟ يسأل أولاً، وطريق الآخرة كطريق الدنيا، الطريق المعنوي كالطريق الحسي، لا تسلك طريقاً إلا بعد أن تعرفه، أما بعد أن يفعل الشيء يأتي يسأل؟ ولهذا نحن بهذه المناسبة نحث إخواننا الذين يذهبون إلى العمرة أو إلى الحج ألا يقدموا على ذلك حتى يعرفوا كيف يحرمون، كيف يطوفون، كيف يسعون، كيف يقصرون أو يحلقون حتى يعبدوا الله على بصيرة.

стр. 124

دروس وفتاوى الحرم المدني لعام ١٤١٦هـ[٥] عقب الشيخ في هذا اللقاء على ما ذكره في اللقاء الماضي من تفسير أواخر سورة البقرة، ثم تطرق إلى موضوع مهمٍ حول قوله تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) مبيناً طريق الدعوة إلى الله حيث يشترط في الداعية الإخلاص والعلم بما يدعو واستعمال الحكمة والموعظة الحسنة مع المدعو.

стр. 125

تعقيب على أواخر سورة البقرة الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: ففي اللقاء الماضي قرأ إمامنا في صلاة المغرب آخر سورة البقرة وآخر سورة النحل، وذكرنا أن موضوع الآيات التي قرأها مهمٌ جداً، وتكلمنا على آخر سورة البقرة بما تيسر، وذكرنا ما من الله به على عباده فيما يتعلق بالأوامر وفيما يتعلق بالنواهي، الذي ذكره الله تعالى بما يتعلق بالأوامر هو قوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] . والذي يتعلق بالنواهي هو قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] . وذكرنا أنه يؤخذ من الجملة الأولى قاعدة مهمة فيما يتعلق بالواجبات وهي: أن الواجبات تسقط عن العاجز، فإن كان لها بدل أتي بالبدل، وإن لم يكن لها بدل سقطت. من الواجبات التي تسقط بالعجز ولها بدل كفارة الظهار. فكفارة الظهار يجب فيها عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً. ويصح أن نمثل بالطهارة: يجب الماء فإن لم يجد فالتراب -التيمم- فإن لم يجد صلى ولو بلا وضوءٍ ولا تيمم؛ لأن الواجبات تسقط بالعجز، وهذه قاعدة ليست من رأي فلانٍ وفلان، ولا من فكر فلانٍ وفلان، ولكنها من رب العالمين الذي قال في كتابه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] فهذه عبادته يسقط الله عن عباده ما لا يستطيعون. أما في النواهي فالقاعدة فيها: أن الجاهل والناسي يسقط عنه الإثم وما يترتب على الفعل من فدية أو كفارة فإنه يسقط عنه، ولهذا أيضاً أمثلة كثيرة: لو تكلم الإنسان في صلاته جاهلاً بتحريم الكلام فما حكم صلاته؟ صلاته صحيحة، والدليل: أن رجلاً دخل في الصلاة فسمع آخر حين عطس فقال: الحمد لله، فقال له: يرحمك الله. إلى أن قال النبي ﷺ لهذا الرجل الذي تكلم: (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن) أو كما قال، ولم يأمره بالإعادة. بقي علينا شيءٌ لم تدل عليه الآية، وربما يؤخذ من الآية كما سنبين وهو الإكراه: إذا أكره الإنسان على فعل محرم فهل يترتب على هذا الفعل إثم أو فدية أو كفارة؟ الجواب لا يترتب، ودليل هذا قول الله ﵎ في القرآن الكريم: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل:١٠٦] فإذا كان الرجل لا يؤاخذ في الإكراه على الكفر وهو أعظم المعاصي، فعدم مؤاخذته في الإكراه على ما دونه من باب أولى، على أنه جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه) وبناء على هذه القاعدة الثالثة وهي: سقوط الإثم والفدية والكفارة بالإكراه، بناءً على ذلك لو أن الرجل أكره زوجته وهي صائمة فجامعها فهل يفسد صومها؟ لا يفسد. وهل عليها كفارة؟ ليس عليها كفارة؛ لأنها مكرهة، وهكذا أيضاً لو أكرهها على ذلك وهي في حجٍ أو عمرة فإنه ليس عليها فدية، وليس عليها إثم للقاعدة التي ذكرناها والتي أخذناها من كلام الرب ، ربما يؤخذ هذا، أي: سقوط الإثم والكفارة والفدية من قوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] ؛ لأن المكره لا يستطيع أن يتخلص، ولهذا لو أكرهه من يتمكن من دفع إكراهه فإنه يترتب عليه الحكم. ما تقولون في رجل أجبرته زوجته على أن يطلقها، وقالت: إما أن تطلق وإما أن تقتل نفسها، وهي قادرة على أن تنفذ هذا، السكين بيدها، فطلق، هل يقع الطلاق أو لا؟ لا يقع الطلاق لأنه مكره، كيف كان مكرهاً؟ لأنها تريد أن تقتل نفسها وهي قادرة على أن تنفذ، وهذا من أشد ما يكون من الإكراه، لذلك نقول: لا يقع الطلاق، وهكذا جميع الأحكام لا تترتب على المكره، وذكرنا الدليل لهذا.

стр. 126

تفسير قوله تعالى: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) أما آخر سورة النحل وهي موضوع درسنا الآن فهي قول الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥] الخطاب في قوله: (ادع) لمن؟ للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقيل: إن الخطاب لكل من يصح أن يتوجه إليه الخطاب، النبي ﵊ وغيره؛ لأن القرآن نزل للأمة جميعاً، فإذا قال الله: (ادع) فالخطاب لكل مؤمن أن يدعو إلى الله، واعلم أن الخطاب الموجه في مثل هذه الصيغة ينقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: أن يكون في السياق ما يدل على العموم. والقسم الثاني: أن يكون هناك دليلٌ على الخصوص. والقسم الثالث: ألا يكون فيه دليلٌ لهذا ولا لهذا. مثال الأول: قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق:١] فهنا وجه الخطاب أولاً إلى الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ثم قال: (إذا طلقتم) والخطاب هنا للعموم بدليل الجمع، وعلى هذا فيكون الخطاب الموجه للرسول ﵊ له وللأمة بالنص: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ . الثاني: أن يكون هناك دليل على الخصوص، فهنا يختص الحكم بالرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، مثاله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة:٦٧] ، ومثل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح:١-٢] إلى آخر السورة، فهذا يختص بالرسول ﵊. القسم الثالث: ما يكون لا دليل فيه لهذا ولا لهذا؛ مثل هذه الآية الكريمة: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ [النحل:١٢٥] الخطاب موجه للرسول ﵊ لوحده، أو لكل من يصح خطابه؟ على قولين، واعلم أن الخلاف شبيه باللفظ في هذه المسألة؛ لأن الذين يقولون: إنه خاص بالرسول ﵊ يقولون: إن أمته يشملها الحكم باعتبار الأسوة، لقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١] . فإذا قال قائل: ما الأصل: الخصوصية أم العموم؟ فنقول: الأصل العموم، ولهذا لما أراد الله الخصوصية نص عليها فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾ [الأحزاب:٥٠] فما هو الدليل على الخصوص؟ ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾ يعني: أباح الله له أن يتزوج بالهبة؟ ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ إذاً: هذا يدل على أنه إذا لم يدل دليل على أن الحكم خاص بالرسول وجب التعميم، وخذها قاعدة: كل حكمٍ ثبت للرسول ﷺ فهو ثابتٌ للأمة إلا بدليل. وعلى هذا فنقول: إن قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ يشمل الرسول ﷺ وغيره. وقوله: ﴿إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ ما هو سبيل الله؟ سبيل الله تعالى شرعه؛ لأنه طريق يوصل إلى الله ؛ ولأن الله تعالى هو الذي شرعه فأضيف إليه، فيكون الشرع مضافاً إلى الله لوجهين: الوجه الأول: أنه موصل إلى الله. والوجه الثاني: أنه هو الذي شرعه لعباده وبينه لهم حتى يصلوا إلى الله : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ هنا إذا تأملنا كلمة (سبيل) وجدنا أنها تضاف أحياناً إلى الله كما في هذه الآية، وأحياناً تضاف إلى المؤمنين كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [النساء:١١٥] فأضاف السبيل هنا إلى المؤمنين، فكيف نجمع بين الآيتين؟ مرة يضاف إلى الله ومرة يضاف إلى المؤمنين؟ نقول: الجمع بينهما سهل: أضيف إلى المؤمنين لأنهم هم السالكون له، وأضيف إلى الله لأنه شرعه وموصلٌ إليه، ومثل ذلك كلمة الصراط: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ﴾ [الشورى:٥٢-٥٣] ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٦-٧] فمرة أضاف الصراط إلى الله، ومرة أضاف الصراط إلى المؤمنين الذين أنعم الله عليهم، فكيف نجمع؟ أضيف إلى المؤمنين الذين أنعم الله عليهم؛ لأنهم هم الذين سلكوه، وأضيف إلى الله لأنه شرعه والموصل إليه.

стр. 127

الإخلاص في الدعوة إلى الله قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ [النحل:١٢٥] في هذا دليل على وجوب الإخلاص، أن تدعو إلى سبيل الله هذا إخلاص؛ وذلك لأن الدعاة لهم إرادات؛ من الناس من يدعو إلى سبيل الله لكن انتقاماً من المدعو، أو انتصاراً لرأي، هذا الذي يدعو انتقاماً من المدعو أو انتصاراً لرأيه هل يكون داعياً إلى الله، أو إلى سبيل الله؟ لا. يوجد أناس الآن يدعون إلى الله لكن يريدون أن ينصروا قولهم، ولذلك يصعب عليهم جداً أن يتراجعوا عنه ولو كان خلاف الحق؛ لأنهم يريدون أن يكون الكلام لهم أو سلطة الرأي لهم، وهذا لا شك مجانبٌ للإخلاص تماماً، هذا يدعو إلى الهوى وليس يدعو إلى الهدى. إنسان آخر يدعو انتقاماً من الشخص، هذا أيضاً غلط، الواجب أن تدعو إلى الله، وإلى سبيل الله لإصلاح عباد الله، وليس انتقاماً منهم، ولا انتصاراً لرأيك، ولكن لإصلاحهم، وإذا كان كذلك أي لإصلاح الخلق؛ فسوف يسلك الإنسان أقرب الطرق إلى حصول المقصود.

стр. 128

اشتراط العلم في الدعوة إلى الله وقوله جل وعلا: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ يتبين أنه لابد من العلم، لماذا؟ لابد أن تعلم ما تدعو إليه أنه من شرع الله، فتعلم أولاً ثم ادع ثانياً، أما أن تدعو إلى سبيل الله وأنت لا تعلم سبيل الله فكيف يمكن هذا؟! ولهذا قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف:١٠٨] على علم، فلابد أن يكون الإنسان عالماً بما يدعو إليه، وأنه حق ومن شريعة الله. أما مجرد أن ينقدح في ذهنه أن هذا حق بدون دليل شرعي فإنه لا يجوز أن يتكلم، لأن الله يقول: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء:٣٦] ، ويقول الله جل وعلا: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٣] لابد أن يكون الإنسان عالماً بالشرع، فلو رأيت إنساناً يصلي ولكنه لا يطمئن في صلاته، يقول: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، ثم يسجد بدون أن يطمئن، هل يصح أن تقول له: إن صلاتك باطلة بدون علم؟ لا يصح؛ لأنه كيف تدعو إلى شيء لا تدري عنه؟ لكن إذا كنت تعلم أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال للذي كان يصلي ولكنه لا يطمئن، قال: (ارجع فصلِ فإنك لم تصلِ) حينئذٍ يكون عندك دليل ويمكن أن تدعو إلى الله. لابد أيضاً أن يكون عالماً بحال المدعو، وإلا فلا يجوز أن يتكلم، لابد أن تكون عالماً بحال المدعو وأنه يحتاج إلى دعوة، وأنه ممن عنده علم أو ممن ليس عنده علم، ودليل هذا قول النبي ﷺ لـ معاذ وقد بعثه إلى أهل اليمن، قال: (إنك تأتي قوماً أهل كتاب) لماذا أخبره بحالهم؟ من أجل أن يعرف كيف يخاطب هؤلاء؛ لأن خطاب العالم ليس كخطاب الجاهل، خطاب العالم لابد أن يكون عندك قدرة على مجادلته، إذ إن العالم الذي كان على باطل لا يمكن أن يقبل أو يستقبل الدعوة بسهولة؛ لأن عنده علماً، فتجده عندما تدعوه إلى الحق يجادل لإبطال الحق وإحقاق الباطل الذي كان عليه، فلابد أن تعلم لو أنك أردت أن تدعو نصرانياً إلى الدين الإسلامي يحتاج أن تعرف أنه نصراني وأن عقيدته التثليث مثلاً، يقول: إن الله ثالث ثلاثة، فيحتاج أن تعرف كيف ترد عليه فيما لو احتج عليك بباطل وإلا لهزمت، وهزيمة الداعي إلى الله والذي بنى دعوته على غير علم هذه مصيبة، ليست مصيبة عليه وحده بل مصيبة على ما يدعو إليه من الدين، فلابد أن تكون عالماً بحال المدعو. انظروا إلى قصة الرجل الذي دخل والنبي ﷺ يخطب يوم الجمعة فجلس، هل دعاه الرسول ﵊ إلى أن يصلي ركعتين قبل أن يعلم حاله؟ لم يدعه حتى علم بحاله، ووجه ذلك أن الرجل لما دخل جلس فقال له: (أصليت؟ قال: لا، قال: قم فصل ركعتين) . إذا وجدت إنساناً يأكل في رمضان هنا في المدينة هل أنكر عليه من أول الأمر؟ لا أنكر عليه حتى أقول: أمسافر أنت؟ أو أنت ممن يحل له الفطر؟ لكن لو وجدت شخصاً من أهل البلد أعرف أنه من أهل البلد وأنه لا عذر له في الفطر فحينئذٍ أنكر عليه، أذكره لعله نسي، وعجباً من بعض العامة يقولون: إذا رأيت إنساناً يأكل في رمضان فلا تذكره لماذا؟ لأن الرسول ﷺ قال: (من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه) ما دام الله أطعمه وسقاه لا تحرمه، لا تقطع رزقه، دعه يأكل ويشرب، وهذا غلط، الواجب أن يذكر المؤمن أخاه؛ لأن النبي ﷺ : لما سها في صلاته، قال: (إنما أنا بشرٌ مثلكم أنسى كما تنسون؛ فإذا نسيت فذكروني) فيجب على المؤمن أن يذكر أخاه، وهذا من باب التعاون على البر والتقوى، أما قوله: هذا رزق ساقه الله إليه دعه يأكل ويشرب، هذا غلط.

стр. 129

استعمال الحكمة والموعظة الحسنة مع المدعو يقول الله : ﴿بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥] . هذه ثلاثة أوصاف للدعوة، هل هي أوصاف مقترنة؟ أو أوصاف مترتبة؟ يعني: بعضها في حال وبعضها في حال، أو هي مقترنة يعني: تدعو بحكمة وموعظة ومجادلة؟ الجواب الحال يقتضي أن تكون مرتبة، أولاً: بالحكمة، ببيان الحق ودليله من الكتاب والسنة، واعلم أنني أحب لكل داعية أن يقرن دعوته بالدليل، أولاً: لبراءة الذمة، وثانياً: ليطمئن المدعو؛ لأن المدعو إذا قيل له: هذا حرام، أو هذا واجب لقوله تعالى، أو لقول الرسول ﷺ يطمئن بلا شك، ويكون له حجة عند الله ، فإذا أمكنك أن تذكر الدليل للمدعو كان هذا خيراً، لما فيه من إبراء الذمة، وثانياً: اطمئنان المدعو، هذا الرجل رجل ليس عنده رد للدعوة وليس عنده مجادلة يكفي أن تدعوه بالحكمة، واعلم أن الحكمة كما قال الله : ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ [البقرة:٢٦٩] . لو رأيت رجلاً يستغيث بصاحب قبر: يا سيدي! يا مولاي! يا ولي الله! أغثني، مثلاً: يستغيث بصاحب القبر، نحن نعلم أن الاستغاثة بصاحب القبر شركٌ أكبر مخرج عن الملة، فهذا الذي يستغيث بصاحب القبر نقول: لو مت على هذا لكنت من أصحاب النار، أصحاب النار المخلدين فيها، لقول الله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة:٧٢] . رأيت رجلاً يستغيث بقبر، هل تأتي مباشرة وتقول: أنت كافر! أنت مشرك! قد حرم الله عليك الجنة؟ لا. ولا يجوز أن تقول هذا، وإن كان واقع الحال هو ما ذكرت، لكن لا يجوز، هذا تنفير، اذكر له الحق، والحق مطابقٌ تماماً للفطرة، قل: يا أخي! أو لا تقل: يا أخي! هذه مشكلة، هل تقول لهذا الذي يستغيث بالقبر: يا أخي! تعال هذا شرك بالله، أو لا تقول: يا أخي؟! هو على كل حال هذا الرجل الذي يستغيث بالقبر لا تظن أنه يستغيث به وهو يعتقد أنه شركٌ مخرج عن الإسلام أبداً، هذا إذا كان ينتسب إلى الإسلام، فإذاً: يصح أن تقول: يا أخي! باعتبار أنه يرى نفسه مسلماً، وإن شئت فقل: يا أخي! باعتبارٍ آخر وهو أنه باعتبار ما يكون، وإن شئت فقل: يا رجل! وتسلم من هذا الإشكال: استغث بالله ، كما قال الله تعالى لنبيه ﵊ وأصحابه: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال:٩] الاستجابة مرتبة على الاستغاثة، والفاء تدل على الترتيب والتعقيب، استغث بالله حتى يستجيب الله لك وربك على كل شيء قدير، وهذا المخلوق الذي أنت الآن تستغيث به هو ميت هامد ربما تكون الأرض أكلته ولا يبقى من جسده إلا عجب الذنب ولا ينفعك، ثم بعد ذلك ترغبه في التوحيد، أترون أن هذا يقبل، أو لو قيل له: أنت مشرك، وهذا شرك، ومن أشرك بالله حرم الله عليه الجنة؟ الذي وبخته وأنكرت عليه بشدة هذا لا يقبل في الغالب، لكن من أتيته بلطف وموعظة حسنة قبل. والموعظة الحسنة هل هي بالصيغة أو بالكيفية؟ بمعنى هل أنت تسوق له الأدلة من الكتاب والسنة على وجهٍ يقنع، أو حتى بالكيفية؟ الجواب: بالأمرين جميعاً، بكيفية السياق، وبأقرب ما يمكن أن يقتنع به، حتى لو ضربت له الأمثال افعل، ألم يكن الله يضرب الأمثال للذين يدعون من دون الله؟ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾ [العنكبوت:٤١] ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾ [الرعد:١٤] الذي يريد أن يشرب من النهر، ويخرج يديه باسطاً إياهما أيبقى شيء من الماء؟ لا. إذاً: هؤلاء الذين يدعون من دون الله لا يستجيبون لهم إطلاقاً؛ لأن هذا الذي يريد أن يشرب وقد بسط كفيه لا يمكن أن ينال ماءً. المرتبة الثالثة: إذا دعوناه بالحكمة ولم يفعل، بالموعظة الحسنة ولم يفعل، نأتي إلى المجادلة؛ لأن الذي لا يقبل بالموعظة سوف يجادل، فنجادله لكن بالتي هي أحسن، أقرب طريق يوصل إلى الحق اتبعه. وأنا أذكر لكم الآن مجادلة وقعت بين إبراهيم الخليل ﵊ وبين رجلٍ مشرك متمرد: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة:٢٥٨] فإذا كان ربك يحيي ويميت فأنا أحيي وأميت، إذاً: أنا رب كربك، فقال له إبراهيم: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة:٢٥٨] جادله بماذا؟ بالتي هي أحسن، جادله بأمرٍ لا يتمكن من الرد عليه، ولهذا قال: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة:٢٥٨] في البداية رد على إبراهيم لما قال إبراهيم: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة:٢٥٨] ، جادل وقال: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة:٢٥٨] هل هذه دعوى منه أنه يحيي ويميت؟ أو أنه منزل على حالٍ من الأحوال؟ الظاهر أنه منزلٌ على حالٍ من الأحوال؛ الأحوال: هو أنه يؤتى إليه بالرجل الذي استحق القتل فلا يقتله، ويدعي أن هذا إحياء، وليس إحياءً في الواقع الرجل حي من قبل، أو يؤتى إليه بالرجل لا يستحق القتل فيقتله، فيقول: هذا إماتة. وهذا غير صحيح، هذا ليس إماتة لكنه فعل سببٍ يقتضي الموت، ولو شاء الله ألا يموت هذا الذي قتل لم يمت، ألم تعلموا أن الدجال يأتيه الرجل الشاب ويقول: أشهد أنك الدجال الذي أخبرنا عنك رسول الله! فيقطعه قطعتين ويمشي بينهما، ثم يدعوه فيقوم يتهلل، من الذي أحياه؟ الله ، فالمهم هذا الرجل قال بعض العلماء أراد بقوله: أنا أحيي وأميت أنه يؤتى إليه بالرجل لا يستحق القتل فيقتله، وادعى أن هذا إماتة، ويؤتى إليه بالرجل يستحق القتل فيرفع عنه القتل وادعى أن هذا إحياء، وقيل: إن هذه دعوى منه وليس يريد أن ينزلها على حالٍ من الأحوال، يعني: ادعى أنه يحيي ويميت، وعلى كلٍ فإبراهيم عدل عن هذا الذي يمكن أن يكون جدلاً إلى أمرٍ لا يمكنه أن يتخلص منه وهو ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة:٢٥٨] هل يمكن أن يدعي أنه يأتي بها من المغرب؟ لا يمكن؛ لأن هذا أمرٌ معلوم بالبداهة: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:٢٥٨] ، ولهذا ينبغي للمجادل أن يسلك أقرب طريق لإفحام الخصم، لا يتابعه؛ لأنه ربما إذا تابعته صعد بك جبلاً لا تستطيع رقيه، لكن ائت بأمر لا يتخلص منه، واعدل عن جوابه الذي أورد الشبهة فيه حتى تقضي عليه نهائياً. المهم: حالنا بالنسبة لدعوة الناس تنقسم إلى أقسام: الأول: الدعوة بالحكمة. والثاني: إذا لم يقتنع نعظه بترغيبٍ وترهيب. والثالث: إذا جادل نجادله بالتي هي أحسن. وهناك أمر رابع لم يذكر في هذه الآية، وهو إذا كان ظالماً: فإننا لا نجادله، لقول الله ﵎: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت:٤٦] ؟ هؤلاء لا نجادلهم بالتي هي أحسن، بل نجالدهم بالسيف؛ لأنهم معاندون، فصار الأقسام إذاً أربعة؛ ثلاثة ذكرت في آية واحدة، والرابع في آية أخرى. نسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم من دعاة الحق وأنصاره، وأن يهب لنا منه رحمة إنه هو الوهاب. وإني أدعو إخواني الداعين إلى الله أن يستعلموا الأسهل والأيسر، ولهذا كان الرسول يبعث الناس للدعوة إلى الحق ويقول: (يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين) فكل شيء يرغب الناس في الحق اتبعه فأنت على خير.

стр. 130

الأسئلة

стр. 131

حكم جمع وقصر الصلاة عند الوصول إلى بلد المسافر السؤال فضيلة الشيخ! تكلمتم في اللقاء الماضي جزاكم الله خيراً عن الجمع والقصر في السفر، وسؤالي: إنني كنت مسافراً راجعاً من مكة إلى المدينة وقمت بتأخير صلاة الظهر إلى صلاة العصر، وعند وصولنا إلى المدينة قمنا وصلينا الظهر والعصر جمعاً وقصراً في وقت العصر فهل هذا صحيح؟ الجواب ننظر: هل هذا الرجل الذي قدم من مكة إلى المدينة قدم إلى بلده؛ فإن كان كذلك فعليه الآن أن يعيد صلاة الظهر أربعاً وصلاة العصر أربعاً؛ لأنه لما وصل إلى البلد انتهى السبب الذي يبيح الجمع ويطلب فيه القصر، أما إذا كان ليس من أهل المدينة ولكنه مر بها مسافراً فعمله صحيح، فيصلي الظهر ركعتين والعصر ركعتين مجموعتين.

стр. 132

حكم استعمال حبوب منع الحمل السؤال هل يجوز أن يعطي زوجته حبوب منع الحمل وذلك لأنها تتأذى من الحمل؟ الجواب أولاً: ننصح الرجال والنساء ألا يستعملوا هذه الحبوب؛ لأن هذه الحبوب تبين أنها ضارة بكلام الأطباء وبالواقع؛ فإنها تفسد الدورة العادية، وتوجب انحطاط قوة المرأة، وربما تؤثر على الرحم، وربما تؤثر على الجنين إن قدر أن تحمل، هذه واحدة. ثانياً: لا تستعمل الحبوب؛ لأن المطلوب من هذه الأمة تكثير النسل لقول النبي ﷺ : (تزوجوا الودود الولود) الولود: كثيرة الولادة، وإذا كان هذا مرغوب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلا ينبغي أن نعدل عما يرغبه الرسول ﵊، وأما كون المرأة تتأذى بالحمل فهذا أمرٌ طبيعي، يقول الله : ﴿وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ﴾ [لقمان:١٤] ، وقال في الآية الثانية: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً﴾ [الأحقاف:١٥] هذا أمر لابد منه، هل يمكن أن يكون في بطن المرأة ولد يكبر وينمو بدون أن تتعب؟! هذا شيء مستحيل خلاف الفطرة، فلابد من الوهن، من الضعف، من الكره، ولكن نبشر المرأة أنه لا يصيبها من هذا الحمل تعب أو كسل، أو خمول أو ضعف إلا أثيبت عليه، كما أخبر النبي ﵊ أن الرجل يكفر الله عنه حتى بالشوكة إذا أصابته، فنقول لهذه المرأة: أبشري بالخير! إن الأذى الذي ينالك من الحمل كفارة لما حصل من الذنوب، ثم إن احتسبت الأجر صار كفارة وثواباً، لهذا لا نشير باستعمال هذه الحبوب. أما بالنسبة للزوج فلا يحل له أن يكره زوجته على أخذ الحبوب كما يفعله بعض السفهاء من الشباب المتزوجين يقول: أعطيها حبوباً حتى تبقى سنة أو سنتين لا تحمل، هذا غلط، ولا يحل له أن يكرهها على أخذ الحبوب، ولا يلزمها أن تطيعه أيضاً، لو قال: كلي الحبوب، قالت: لا. فلها ذلك؛ لأن لها حقاً في الولادة، ولهذا حرم العلماء على الرجل أن يعزل عن زوجته إلا برضاها، أتعرفون العزل؟! الظاهر أن غير المتزوج لا يعرف العزل، والمتزوج يعرفه؛ وهو أن الرجل إذا جامع زوجته ثم قرب إنزاله نزع من الجماع حتى يكون الماء خارج المكان لئلا تحمل، قال أهل العلم: يحرم على الزوج أن يعزل عن زوجته إلا برضاها، وعللوا ذلك: بأن لها حقاً في الولد، ولذلك كان القول الصحيح: أنه إذا تبين الرجل عقيماً فإن للزوجة أن تفسخ النكاح إذا شاءت، لماذا؟ لأن لها حقاً في الولد، بعض النساء لا تتزوج إلا من أجل الولد، إذاً: استفدنا الجواب حتى لا نبتعد: لا يجوز للزوج أن يكره زوجته على أخذ حبوب منع الحمل، ولا يلزمها أن تطيعه، هذا واحد. ثانياً: لا نشير على الزوج ولا على الزوجة بتناول هذه الحبوب لما فيها من الإضرار، وأما التأذي بالحمل فهذا أمرٌ ليس علة صحيحة، كل امرأة تتأذى من الحمل.

стр. 133

حكم لبس البنطال للمرأة أمام زوجها ومحارمها السؤال لقد ذكرتم في فتوى سابقة أن حكم لبس المرأة للبنطلون حرام، فهل في لبسه حرام إذا كان أمام محارمها أو للتزين لزوجها؟ الجواب البنطلون الذي يشبه بنطلون الرجال حرام لما في ذلك من التشبه، وأما ما لا يشبه بنطلون الرجال فإنه وسيلة قريبة إلى هتك حرمة العورة؛ لأن البنطلون كما تعلمون يصف حجم الفخذين والعجيزة والساق، وربما كان اليوم واسعاً فضفاضاً لا يصف كثيراً وبعد أيامٍ قليلة تستعمل النساء ما كان ضيقاً، وربما تستعمل ما كان لونه كلون الجلد فتبقى وكأنها عارية. يقول بعض الناس: إذا لبست هذا عند زوجها وليس في البيت أحد أو في غرفة النوم، فما الحكم؟ الجواب: إذا كان هذا يشبه بنطلون الرجل فهو حرام، وإذا كان لا يشبهه فلماذا تلبسه عند زوجها؟ وما الفائدة؟ أليس يجوز أن تتعرى أمام زوجها؟ يجوز، وكونها متعرية أدعى للشهوة إذا كانت تريد هذا، ولذلك من وحي الشيطان أن يزين للنساء لبس البنطلون، فالمرأة مأمورة بالتستر والحشمة والبعد عن مواضع الفتنة.

стр. 134

حكم زيارة قبر النبي ﷺ للنساء السؤال ما حكم زيارة قبر الرسول ﷺ للنساء؟ الجواب يرى بعض العلماء أن زيارة النساء لقبر النبي ﷺ جائزة، ويقول: إنها ليست زيارة في الواقع؛ لأن بين المرأة إذا وقفت وبين الرسول ﷺ حواجز، جدران متعددة، فهي في الواقع لم تزره وإن سمت ذلك زيارة، ولهذا أباحوا أن تزور المرأة قبر النبي ﷺ . ويقول بعض العلماء: إنها لا تزور قبر النبي؛ لأن النبي ﷺ لعن زائرات القبور، وهذه زيارة عرفاً، وإن لم تكن زيارة في الحقيقة فهي عرفاً زيارة، ثم إنا نقول: الأمر فيه شبهة، وما دام فيه شبهة فإن النبي ﷺ يقول: (من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه) . ثم نقول للمرأة: أبشري! أنت إذا سلمتِ على الرسول ﷺ ولو في أقصى المسجد، ولو في أقصى مكانٍ في الأرض فإن تسليمك عليه يبلغه، ولا حاجة أن تقفي على القبر، ونقول أيضاً: كل مؤمن يسلم على الرسول ﵊ في كل يوم تسع مرات فرضاً فلا حاجة إلى أن تتكلف المرأة حتى تقف على قبر النبي ﷺ مع الشبهة. وهل يقول المسلم إذا سلم على الرسول: السلام عليك أيها النبي! أو: السلام على النبي؟! جاء في صحيح البخاري عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: [كنا نقول في عهد النبي ﷺ : السلام عليك أيها النبي! وبعد موته نقول: السلام على النبي!] لكن هذا اجتهادٌ من عبد الله بن مسعود ﵁، وليس كل مجتهدٍ مصيباً، والدليل على هذا: أن النبي ﷺ علم أمته، قال: (قولوا: السلام عليك أيها النبي!) إلى يوم القيامة، ولم يقل: قولوا ذلك ما دمت حياً، ثم إن الصحابة في عهد الرسول ﵊ إذا قالوا: السلام عليك، هل يريدون أن يسمع الرسول ويكون خطاباً مباشراً؟ الجواب: لا. لأنهم يعلمون أن الذي في طرف الصف لا يسمعه الرسول، والذين في مكة وفي غيرها من البلاد لا يسمعه الرسول حتى في حياته، إذاً: ليس خطاباً مباشراً، لكن قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إنه جاء بصورة الخطاب لقوة استحضار المرء في السلام على الرسول ﵊، كأنه أمامه يقول: السلام عليك، وصح عن عمر في موطأ مالك أنه قال على المنبر وهو يتلو التشهد: [السلام عليك أيها النبي! ورحمة الله] ولا شك أن عمر أعلم من عبد الله بن مسعود ﵁ ولا سيما وأنه أعلنه على الملأ ولم يقل أحدٌ من الناس إنه ليس كذلك، وعلى هذا فيكون قول ابن مسعود ﵁ رأياً رآه ولكنه ليس مصيباً في ذلك، لأن المجتهد يخطئ ويصيب. وابن مسعود ﵁ مع علمه وفقهه ليس معصوماً، ولا أحد يتكلم بالشريعة معصوم من الخطأ أبداً إلا الرسول ﵊. ابن مسعود ﵁ جاءه رجل استفتى أبا موسى الأشعري ﵁ في مسألة فرضية: في رجل توفي عن بنت، وبنت ابن، وأخت شقيقة؟ أبو موسى الأشعري قال: للبنت النصف وما بقي فللأخت، لكنه ﵁ قال: وأتِ ابن مسعود فسيوافقني على ذلك، فذهب الرجل إلى ابن مسعود وقال له: إنه استفتى أبا موسى الأشعري في هذه المسألة وقال: للبنت النصف وما بقي فللأخت، وأت ابن مسعود فسيوافقني على ذلك، فقال عبد الله بن مسعود: [لقد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين -يعني: لو وافقته لكنت ضالاً وما أنا من المهتدين- لأقضين فيها بقضاء رسول الله ﷺ : للبنت النصف، ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين، وما بقي فللأخت] أبو موسى قاله عن اجتهاد، وفق للصواب أو لا؟ لم يوفق، وفضل الله يؤتيه من يشاء، ابن مسعود ﵁ وفق للصواب مستدلاً بقضاء رسول الله ﷺ ، فلا يعني أن ابن مسعود ﵁ إذا أخطأ في مسألة فإن كل قضاياه خطأ، أبداً ابن مسعود من أفقه الصحابة وأكثرهم فتوى ﵁.

стр. 135

حكم زكاة المال العائد من الشقق المؤجرة السؤال أفتونا مأجورين في زكاة المال العائد للشخص من الشقق المؤجرة بحيث أن المبلغ للشقة الواحدة لا يملكه الشخص دفعة واحدة بل يكون على دفعات المرتين أو الثلاث؟ الجواب كل الأجور التي يستلمها الإنسان شيئاً فشيئاً، إن أنفقها من حيث استلامها فلا زكاة فيها ما لم يكن قد تم الحول على العقد، مثال ذلك: رجل أجر هذه الشقة بعشرة آلاف، تمت السنة فقبض عشرة آلاف، يلزمه أن يزكيها، لماذا؟ لأنه تم عليها الحول، ورجل آخر أجر شقة بعشرة آلاف مقدمة، يعني: يسلمها المستأجر عند العقد، فأخذ صاحب الشقة العشرة آلاف ثم أنفقها على أهله، أو على تعمير الشقة، أو غير ذلك، هل في العشرة آلاف زكاة؟ لا. لماذا؟ لأنه لم يحل عليها الحول، ومن شرط وجوب الزكاة: أن يتم الحول عليها. أما الشقة نفسها فليس فيها زكاة؛ لأن كل شيء أعد للأجرة لا زكاة فيه؛ من عقار، أو سيارات أو معدات أو غير ذلك، إلا الحلي من الذهب أو الفضة ففيه الزكاة على كل حال إذا بلغ النصاب.

стр. 136

حكم الصرف والتسليم مؤجلاً السؤال نريد قولاً فصلاً في مسألة الصرف، نحن في السودان نبيع الريال السعودي بالجنيه السوداني ويكون تسليم الريال في هذه البلاد، والجنيه بعد حينٍ في السودان، فهل هذا جائز؟ الجواب القول الفصل فيما نراه في هذه المسألة: أن الأوراق النقدية يجري فيها ربا النسيئة دون ربا الفضل، لأن الربا نوعان: ربا نسيئة: وهو ما تأخر فيه القبض بين الصنفين الربويين. وربا فضل: وهو ما زاد فيه على الجانب الآخر. وأضرب لكم مثلاً: بعت درهماً بدرهمين نقداً يداً بيد، هذا ربا فضل، لماذا؟ لأن الفضل هو الزيادة، وكذلك إن بعت ديناراً ذهباً بدينارين نقداً يداً بيد، هذا ربا فضل، أما بعت ديناراً بدينار ولم تقبض هذا نسيئة، ولو بعت ديناراً بدينارين ولم تقبض. ففيه الاثنان الفضل والنسيئة؛ الفضل للزيادة، والنسيئة للتأخير. هذه الأوراق النقدية نرى أن الذي يجري فيها هو ربا النسيئة، وعلى هذا فإذا قدرنا أن عشرة ريالات سعودية بخمسين جنيهاً سودانياً -هذا سعرها في السوق- فجاء إنسان محتاج إلى جنيهات سودانية وقال: أعطني بالعشرة أربعين لا خمسين، يجوز أو لا يجوز؟ يجوز؛ لأن ربا الفضل لا يكون في باب النقود هذه، لكن أعطني خمسين بعشرة ولكن مع تأخير القبض هذا لا يجوز؛ لأن ربا النسيئة يجري في هذه النقود، الدليل أنه لا يجوز: قول النبي ﷺ : (إذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم -شرط- إذا كان يداً بيد) على هذا نقول للأخ الذي باع نقوداً سعودية بنقود سودانية: لا بد من التقابض. إذا كانت الدولة تمنع من خروج ذلك فهل يمكن مثلاً أن يعطيه الآن ريالات سعودية ويحيلها على بنك هناك وعند وصول الحوالة إلى المستحق يتفق مع البنك على شراء الجنيه السوداني بما يساويه هناك، فإذا كان لا يمكن فمن أجل الضرورة نقول: لا بأس أن تسلم دراهم سعودية وتأخذ عوضها هناك جنيهات سودانية للضرورة.

стр. 137

حكم من بدل الشرع وتحاكم إلى القوانين الوضعية السؤال هل كل من بدل الشرع وتحاكم إلى القوانين الوضعية كافر؟ الجواب الواقع أن هذه المسألة دقيقة ولا يمكن أن نفتي بها فتوى عامة في مثل هذا المجلس؛ لأنه ربما يفهمها بعض الناس على غير الصواب، ثم يذهب يكفر كل إنسان حتى وإن لم يكن كافراً، وحينئذٍ تقوم الفتن بين الناس، ويكون التكفير سهلاً على المرء حتى لو أن القاضي مع التزامه بحكم الشرع حكم في مسألة ما بخلاف الشرع قال: هذا حكم بغير ما أنزل الله فهو كافر مباح الدم والمال لا يصير هذا، هذه مسألة لا يمكن الفتوى فيها على سبيل العموم في مثل هذا المجلس؛ لأن الناس أحياناً يفهمون الجواب خطأً، فنستميح السائل العذر في عدم الفتوى فيها.

стр. 138

حكم من رمى الجمرة ولم تسقط الحصى في الحوض أو شك في سقوطها السؤال شخص رمى الجمرة الأولى في الحج وكان الزحام شديداً فلم تسقط في الحوض، فهل يعيد الرمي الآن؟ الجواب أما الآن فلا، وإذا رمى الإنسان الجمرة فله خمس حالات وأرجو الانتباه: الحالة الأولى: أن يعلم سقوطها في الحوض. الحالة الثانية: أن يعلم أنها لم تسقط في الحوض. الحالة الثالثة: أن يغلب على ظنه أنها سقطت في الحوض. الحالة الرابعة: أن يغلب على ظنه أنها لم تسقط في الحوض. الحالة الخامسة: أن يتردد، فلا يستطيع الترجيح. هذه خمس حالات ولا تخرج الحالة عن هذه الخمس: فإذا علم أنها لم تسقط في الحوض فعليه أن يعيدها. وإذا علم أنها سقطت في الحوض فقد أجزأت، هل يمكن أن يعلم أنها سقطت في الحوض؟ نعم يمكن، يمشي حتى يقف على الحوض فيتيقن ما في الحوض. ومن رمى الجمرات وغلب على ظنه أنها لم تسقط في الحوض، يعيدها. وإذا: غلب على ظنه أنها سقطت في الحوض، تجزئه. أما إذا تردد، يعني: لم يترجح عنده أنها سقطت في الحوض أو خارج الحوض، يعيدها؛ لأن الأصل عدم سقوطها في الحوض، فصار يعيدها في أحوالٍ ثلاث: إذا علم أنها لم تسقط في الحوض، وإذا غلب على ظنه أنها لم تسقط، وإذا تردد. ولا يعيد في حالتين: إذا علم أنها سقطت في الحوض، وإذا غلب على ظنه أنها سقطت في الحوض. ونقول لهذا الأخ: إذا كان يغلب على ظنك وأنت واقف في المرمى أنها سقطت في الحوض فقد أجزأت، ولكن لو طرأ عليك الشك بعد مفارقة المكان فلا عبرة بذلك، أحياناً الإنسان يرمي الجمرات من بعد وحين وقوعها في المرمى يغلب على ظنه أنها وقعت فيه، لكن بعد أن يفارق المكان يأتيه الشيطان يقول: ما سقطت في الحوض فلا تجزئك، ثم يبقى معالجاً لنفسه فهنا نقول: لا يضرك الشك، الشك بعد فراغ العبادة لا يؤثر، وهذه قاعدة مهمة جداً، الشك بعد فراغ العبادة لا يؤثر في العبادة، بعض الناس إذا انتهى من الصلاة وسلم جاءه الشيطان: ما قرأت الفاتحة، ما سجدت إلا مرة، يُطرح الشكُ هنا؛ لأن الشك بعد فراغ العبادة لا أثر له، وفي ذلك بيت يقول فيه الناظم: والشك بعد الفعل لا يؤثر وهكذا إذا الشكوك تكثر وكثير من الناس كثير الشكوك؛ لا يكاد يفعل عبادة إلا شك، هذا أيضاً يطرح الشك، ولا يلتفت إليه لأن هذا هو وسواس.

стр. 139

حكم مخالفة الشرط المتفق عليه السؤال ما الحكم في رجلٍ يعمل لدى رجلٍ آخر واشترط عليه الثاني ألا يعمل عند غيره، ودوامه ثمان ساعات، فهل لو عمل في وقت فراغه يكون مقصراً في ذلك الشرط؟ الجواب إذا التزم بهذا الشرط حين العقد وجب عليه الوفاء به لقول النبي ﷺ : (الشرط جائزٌ بين المسلمين إلا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً) وهذا الشرط لا يحرم حلالاً ولا يحل حراماً، فهو صحيح، وإذا كان صحيحاً وجب الوفاء به، لقول الله ﵎: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء:٣٤] ، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١] فإذا قال قائل: كيف تمنعونه من العمل في وقتٍ هو فيه فارغ؟ قلنا: لم نمنعه بل هو الذي التزم بذلك، لماذا لم يقل لمن استأجره: أنا لا أقبل بهذا الشرط لأنه وقت الفراغ لا أقصر عليك بشيء، فإذا كان هو الذي ارتضى لنفسه هذا الشرط والتزم به فإنه يجب عليه أن يوفي به.

стр. 140

حكم وقوع الطلاق المعلق بشرط السؤال أنا رجلٌ قلت لزوجتي: لا تذهبي إلى ذلك البيت، فذهبت، فقلت: والله إن ذهبت أنت طالق، فهل يتم هذا الطلاق إذا ذهبت؟ الجواب أما على المذاهب الأربعة؛ مذهب الشافعي، ومالك، وأبي حنيفة، وأحمد فإن الزوجة تطلق حتى ولو أراد اليمين فإن الزوجة تطلق؛ لأن هذا طلاقٌ معلق على شرط، فإذا وجد الشرط وقع المشروط. واختار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أنه إن أراد الطلاق طلقت، وإن أراد تأكيد المنع وتهديد المرأة فإنها لا تطلق لكن عليه كفارة يمين. وما اختاره الشيخ ﵀ فهو الصواب إن شاء الله، لكن مع ذلك ننصح جميع إخواننا المسلمين أن يبتعدوا عن هذا القول، لأنكم كما ترون الآن أكثر الأمة، وجميع الأئمة يرون أن الطلاق يقع، ويكون جماع هذا الرجل لزوجته جماعاً محرماً؛ لأنها طالق ما لم ينو الرجعة إذا كان له رجوع، فالمسألة خطيرة وقد قال النبي ﵊: (من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت) .

стр. 141

متى يكون الفرح إسلامياً السؤال يوجد ما يسمى بالأفراح الإسلامية وفيها يتأخر النساء أو يرجعن إلى بيوتهن عند الساعة الرابعة فجراً، فهل هذه أفراحٌ إسلامية؟ الجواب نعم هي أفراح إسلامية إذا لم يكن فيها محرم، إذا كانت الأغاني نزيهة، وكان الطرب بالدف فقط، فلا بأس بذلك، وهذه ليست مسألة دائمة حتى نقول: إن الإنسان يرهق نفسه، وقد: (نهى النبي ﷺ عبد الله بن عمر أن يبقى متهجداً كل الليل) نقول: هذه مسألة طارئة، فلنعط النفوس حظها من الفرح بشرط ألا يتضمن ذلك وقوعاً في محرم.

стр. 142

حكم الدعاء بقولك: (أطال الله عمرك) السؤال هل قولي داعياً: (أطال الله عمرك) دعاء لا يستجاب؟ الجواب أما كونه لا يستجاب فهذا أمره إلى الله ، والله يقول: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠] لكن لا ينبغي أن يدعو بطول البقاء إلا مقيداً، فيقول: أطال الله بقاءك على طاعته؛ لأن طول البقاء قد يكون ضرراً على الباقي، فشر الناس من طال عمره وساء عمله، قد يكون طول بقاء الرجل شراً من موته، لهذا ينبغي أن تقول: أطال الله عمرك في طاعته.

стр. 143

حكم الصلاة مستقبلاً حجرة النبي ﷺ السؤال ما حكم صلاة الفريضة مستقبلاً حجرة النبي ﷺ ؟ الجواب إذا صلى الفريضة أو النافلة مستقبلاً لحجرة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم والقبلة عن يمينه أو عن يساره أو خلف ظهره فصلاته غير صحيحة؛ لأنه لم يستقبل القبلة، وإذا استقبل الحجرة وهو مستقبل القبلة أي: أن الحجرة كانت بينه وبين القبلة فصلاته صحيحة، فإن قال قائل: أليس قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: (لا تصلوا إلى القبور) قلنا: إن قصد الرجل وتعمد أن يكون مصلياً إلى قبر الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقد وقع فيما نهى عنه الرسول، وأما إذا لم يقصد لكن صادف أن مكانه في الصف في هذا المكان الذي تكون الحجرة بينه وبين القبلة فهذا لا بأس به.

стр. 144

المقصود بالذراع في قوله ﷺ في بيان طول أهل الجنة: (وطول آدم ستين ذراعاً) السؤال ورد في الحديث عن الرسول ﷺ : (أن أهل الجنة -نسأل الله أن يجعلنا منهم- يدخلون الجنة على صورة يوسف بن يعقوب، وعمر عيسى بن مريم، وطول آدم ستين ذراعاً) السؤال: المقصود ذراع من؛ ذراع الرسول أو ذراع آدم أو ذراع الإنسان نفسه؟ الجواب الذراع المعهود في عهد النبي ﷺ : وهو ما بين المرفق ورءوس الأصابع، هذا الذراع، من هنا إلى أطراف الأصابع، فطولهم ستون ذراعاً، وهم على صورة واحدة أبناء ثلاث وثلاثين سنة، ولا تزيد الأعمار بزيادة السنوات؛ لأنه لا موت في الجنة، هم دائماً أبناء ثلاث وثلاثين سنة إلى ما لا نهاية له، اللهم اجعلنا منهم. اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قولٍ وعمل، والحمد لله رب العالمين.

стр. 145

دروس وفتاوى الحرم المدني لعام ١٤١٦هـ[٧،٦] تكلم الشيخ في مطلع هذا اللقاء على ما تيسر من تفسير أواخر سورة الزمر (وما قدروا الله حق قدره. الآيات) مبيناً معنى النفخ وماهيته، وأنواع الشهود على الإنسان يوم القيامة، وبيان الفرق بين سوق الكافرين إلى النار وسوق المتقين إلى الجنة، والتأكيد على أن خلود الكافرين في النار هو خلود أبدي، وختمها بذكر الشفاعات الخاصة بالنبي ﷺ .
следующие страницы →