← Джавами‘

Джавами‘ · id 7688

دروس الحرم المدني للعثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (172 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

تفسير أوائل سورة الرحمن

стр. 37

تفسير قوله تعالى: (الرحمن) أما موضوع لقائنا هذا اليوم فإنا نتكلم بما تيسر على ما سمعناه من قراءة إمامنا سورة الرحمن. هذه السورة من أعظم السور، ففيها ابتدأ الله تعالى بهذا الاسم الكريم: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ [الرحمن:١] وهو مبتدأ وجملة ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ [الرحمن:٢] خبر المبتدأ، فما الرحمن؟ الرحمن اسم من أسماء الله، بل هو من أشرف أسمائه وأعظمها، والعجب أن المشركين ينكرونه، يقولون: ما الرحمن؟ ولا ندري ما الرحمن؟ حتى عند كتابة الصلح بينهم وبين الرسول ﷺ في الحديبية، النبي ﷺ لما قال: (اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، قالوا: ما نعرف الرحمن؟! ولكن اكتب: باسمك اللهم، فقال النبي ﷺ : اكتب باسمك اللهم -انتبه- ثم قال: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله -وذكر بقية الحديث- قالوا: ما نقبل، لو نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك، ولكن اكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله، فقال الرسول: اكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله) ثم ذكر الشروط. انظر يا أخي! كيف كان النبي ﷺ يراعي المصلحة في أمرٍ عظيم، في عدم كتابة اسم من أسماء الله، وفي عدم كتابة رسالته مع أنه حق، ولهذا قال: (إني والله لرسول الله وإن كذبتموني) تنازل عن اسم من أسماء الله وعن الإقرار برسالة الرسول ﵊، كل ذلك من أجل المصلحة، ولهذا لما بلغ النبي ﷺ الحديبية بركت الناقة، فزجرها فلم تقم، فقال الناس: خلأت القصواء -يعني: حرمت ولم تقدم- فقال النبي ﷺ : (والله ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق) دافع حتى عن البهائم، الظلم لا أحد يرضاه، تظلم الناقة ويقال: خلأت وهي ليست من عادتها، ولكن يقول الرسول ﵊: (ولكن حبسها حابس الفيل، والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها شعائر الله إلا أجبتهم إليها) وفعلاً هذا الذي حصل؛ أجابهم على هذا الأمر العظيم، محو اسم الرحمن من البسملة، والثاني محو وصفه بالرسالة ﵊ كل هذا لتعظيم حرمات الله، وتعرفون أيضاً أنه ذُكر شروط صعبة على المسلمين ومع ذلك قبلها، من أعظم الشروط: أن يرجع ولا يتموا العمرة، وأن يأتي من العام القادم، وألا يبقى إلا ثلاثة أيام، وأن من جاء منهم مسلماً رده إليهم، ومن ذهب إليهم من المسلمين لا يردونه، ما تقولون بهذا الشرط؟ إن ظاهره الحيف والجور، كيف نقول: من جاء منكم مسلماً رددناه إليكم، ومن جاءكم منا لا تردونه؟! ولهذا حاول عمر بن الخطاب ﵁ إلغاء هذا الشرط، وناقش الرسول ﵊، وقال: (يا رسول الله! ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى. قال: فلم نعطِ الدنية في ديننا؟ قال: إني رسول الله ولن أعصيه وهو ناصري) فدل هذا على أن الشروط هذه كانت بإقرار من الله ، ثم ذهب عمر إلى أبي بكر؛ لأن أبا بكر أخص الناس برسول الله ﷺ ، وهو الذي اتخذه خليلاً، وهو الذي قال عنه: (لو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر) ذهب يناقش أبا بكر، فكان جواب أبي بكرٍ ﵁ كجواب النبي ﷺ سواء بسواء، فكتبت الشروط، وقال النبي ﷺ مدافعاً عن هذا الشرط الثقيل: (أما من جاء منهم مسلماً فرددناه إليهم فسيجعل الله له فرجاً ومخرجاً، وأما من ذهب منا إليهم فلا رده الله) لأن من ذهب من المسلمين إلى الكفار يعني: أنه اختار الكفر على الإيمان، لكن من جاء منهم مسلماً ثم رده المسلمون، فإنه سيجعل الله له فرجاً ومخرجاً، ووقع الأمر كذلك. ما الذي حصل بعد هذا؟ قصة أبي بصير ﵁ حين جاء إلى النبي ﷺ مسلماً فألحقت به قريشٌ رجلين يطلبانه من الرسول ﵊، فلما وصل المدينة وإذا بالرجلين يلحقانه، فطلبا من الرسول ﵊ أن يرده إليهما وقالا للرسول: الشرط يا محمد! فرده معهما وذهبا به إلى مكة وفي أثناء الطريق جلسوا يطعمون، فأخذ سيف واحدٍ منهما وجعل يمدح السيف بعد أن سله، ثم ضرب به رقبة صاحبه، ولما فعل هرب صاحبه الذي لم يقتل إلى الرسول ﵊، فذهب أبو بصير بأثره حتى بلغ الرسول ﵊، وقال: (يا رسول الله! إن الله تعالى قد أبرأ ذمتك حين رددتني معهما، ولكن الله أنقذني -أو كلمة نحوها- فقال الرسول ﷺ : ويل أمه مسعر حرب لو يجد من ينصره) فعرف أبو بصير أن الرسول سيرده مرة ثانية، فخرج من المدينة ونزل في سيف البحر على جادة قريش، إذا ذهبوا بعيرهم إلى الشام راجعين إلى مكة، فصار كلما مرت عير لقريش أخذها؛ لأن قريشاً في ذلك الوقت كانوا حربيين بالنسبة لهذا الرجل، وإن كان بينهم العهد، لكن هذا الرجل رد إليهم فسمع به أناسٌ من الصحابة في مكة فخرجوا إليه واجتمعوا حتى كانوا عصابة، وفي النهاية رضخت قريش، وقالت: يا محمد! كف عنا هؤلاء وردهم! فرجعوا إلى المدينة. فالمهم أننا نقول: إن الرسول ﵊ لا يمكن أن يدع شيئاً تعظم فيه حرمات الله إلا فعله، وأن أسعد الناس بشفاعته من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه. فنسأل الله أن يدخلنا في شفاعته، وأن يسقينا من حوضه، وأن يجمعنا به في جنات النعيم. يقول الله : ﴿الرَّحْمَنُ﴾ والرحمن اسم من أسماء الله، وكل اسمٍ من أسماء الله يتضمن صفة من صفات الله، وليس في أسماء الله ما لا يدل على صفة إطلاقاً، لكن أسماء المخلوقين هل تدل على الصفات؟ لا. قد يقال: هذا (عبد الله) وهو من أكفر عباد الله، ليس فيه شيءٌ من صفات العبودية، وقد يقال: فلان اسمه (صالح) وهو من أفسد عباد الله، لكن أسماء الله لابد أن تتضمن صفة دل عليها هذا الاسم. ولذلك أنا أقول: كل اسمٍ متضمنٍ لصفة، وليس كل صفةٍ متضمنة لاسم، وبهذا نعرف أن الصفات أوسع من الأسماء، إذ قد يوصف الله بصفة ولكن لا يشتق منها اسم لله، ولكن كلما وجدت اسماً فإنه متضمن لصفة. مثلاً: الرحمن متضمن للرحمة، السميع للسمع، البصير للبصر، الحكيم للحكمة وهلم جرا، ولذلك غلط المعتزلة الذين يقولون أنهم عقلاء، فخالفوا العقل في قولهم: إن أسماء الله مجردة عن الصفات، نقول: كيف يمكن أن يسمى السميع ولا سمع له، هل هذا معقول؟! أبداً. ليس صحيحاً نقلاً ولا عقلاً. (الرحمن) من رحمة الله ما نراه من النعم الكثيرة واندفاع النقم، فكم لله علينا من نعمة!! ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [النحل:١٨] كلها من آثار رحمته؛ المطر من رحمته، نبات الأرض من رحمته، الأمن من رحمته، الرخاء في العيش من رحمته: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣] .

стр. 38

تفسير قوله تعالى: (علم القرآن) قال تعالى: ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ [الرحمن:٢] انظر! بدأ بالعلم قبل ذكر الخلق؛ لأن الإنسان بلا علم ليس إنساناً: ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْأِنْسَانَ﴾ [الرحمن:٢-٣] فبدأ بالعلم ولم يذكر إلا تعليم القرآن؛ لأن تعليم القرآن أفضل من أي تعليم كان، جميع العلوم بالنسبة لعلم القرآن ليست بشيء، كعلم العجائز بالنسبة لعلم العلماء بل أعظم، فالقرآن هو كل شيء، إذا وفق الله العبد لتعلمه نال السعادة في الدنيا والآخرة إذا عمل به، ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [البقرة:١٢١] فما هو القرآن؟ القرآن: هو الذي نزل على محمدٍ ﷺ ، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٢-١٩٥] أي: بلغة عربية بينة واضحة فصيحة. أول القرآن يبتدئ بالفاتحة وينتهي بسورة الناس، هذا هو القرآن الذي نزل على محمدٍ صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والذي قال الله عنه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] ولهذا لا زيادة فيه ولا نقص، هذا القرآن الذي نزل على محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم تلقاه الأصاغر عن الأكابر وسيبقى بإذن الله على هذا إلى أن يأذن الله بخراب العالم، فإذا أذن الله بخراب العالم فإنه ينزع من المصاحف وينزع من الصدور، إذا أعرض الناس عنه إعراضاً كلياً حينئذٍ ليس من الحكمة أن يبقى بين قومٍ لا يقدرونه قدره فينزع. إذاً: نقول: القرآن هو أشرف علمٍ يتعلمه الإنسان، ولهذا لم نذكر سواه لأنه أشرف العلوم، وفي اللقاء الماضي حثثتكم حثاً حثيثاً على تعلم القرآن حفظاً وتلاوة ومعنىً وعملاً، وذكرت لكم أن هذا هو عمل الصحابة، كانوا لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل.

стр. 39

تفسير قوله تعالى: (خلق الإنسان) قال تعالى: ﴿خَلَقَ الْأِنْسَانَ﴾ [الرحمن:٣] الإنسان هنا مفرد، لكن المراد به العموم؛ لأنه اسم جنس، والإنسان: هو البشر، وأول من خلق الله من البشر آدم ﵊، ولم يذكر خلق غيره؛ لأن أشرف المخلوقات جنساً هم البشر من حيث الجنس لا من حيث الأفراد؛ لأن بعض البشر أخس من الأنعام، قال الله تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان:٤٤] لكن البشر من حيث الجنس هم أفضل أجناس المخلوقات.

стр. 40

تفسير قوله تعالى: (علمه البيان) قال تعالى: ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن:٤] أي: علم الإنسان البيان، ما معنى البيان؟ البيان: التعبير عما في نفسه، ولهذا نجد أن الإنسان هو الذي يعبر عما في نفسه بعبارةٍ واضحة بينة، فإن قال قائل: هل البيان مختصٌ باللغة العربية؟ بمعنى: أن من ليس ينطق العربية فليس عنده بيان؟ الجواب لا. بيان كل قومٍ بلغتهم، وعلى حسب ما يفهمونه، قال الله ﵎: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم:٤] فالبيان عند العرب: هو النطق باللغة العربية الفصحى، والبيان عند غير العرب على حسب لغتهم، ولذلك نجد أن من الناس من يقوم خطيباً في الناس ثم يسحرهم بخطبته، يتحولون من الرأي الذي كانوا عليه والذي أراد هذا الخطيب أن يمحوه من نفوسهم فيتحولون عنه بسبب البيان، وفي الحديث: (إن من البيان لسحراً، وإن من الشعر لحكمة) .

стр. 41

تفسير إجمالي لأواخر سورة الرحمن قال تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن:٥] إلى آخر ما ذكر الله في هذه السورة، وفي النهاية قال: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٤٦] وذكر الجنتين، ثم ذكر جنتين أخريين، وقد اختلف العلماء: أيهما أفضل: الجنتان الأوليان أو الأخريان؟ والصواب: أن الجنتين الأوليين أفضل، إذا تدبرتها وجدت: ﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾ [الرحمن:٥٢] ، وفي الأخريين: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن:٦٨] أيهما أعم؟ الأولى. قال تعالى: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ﴾ [الرحمن:٥٠] ، وهناك: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾ [الرحمن:٦٦] والنضخ أقل من الجريان. ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ [الرحمن:٥٦] ، وهناك قال: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ [الرحمن:٧٢] وفرق بين قاصرات الطرف والمقصورات؛ قاصرات الطرف يعني: أن أزواجهن لا ينظرون إلى غيرهن، تقصر طرف زوجها عن غيرها؛ لأنها قد ملأت قلبه سروراً، وملأت بصره نظراً، أما هناك: مقصورات في الخيام، ومع هذا نقول: إن الحور المذكورات في الأوليين والأخريين أوصافهن للجميع، ولهذا تجد: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ﴾ [الرحمن:٥٠] ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾ [الرحمن:٦٦] ﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾ [الرحمن:٥٢] ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن:٦٨] كلها بلفظ التثنية، فيهما فيهما، لكن لما تكلم عن الحور قال: (فيهن) فأتى بالجمع، فيستفاد منه والله أعلم: أن هذه الأوصاف؛ أوصاف الحور العين ثابتة في كلٍ من الجنتين الأوليين والأخريين. وآخر الأمر قال: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٧٨] وقال في أثناء السورة: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦-٢٧] وهنا نسأل أهل النحو: لماذا قال: ((وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ)) و ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٧٨] ؟ قوله: (ذو) في قوله تعالى: ((وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ)) صفة لوجه و (وجه) مرفوعة لأنها فاعل والصفة تتبع الموصوف فجاءت مرفوعة. أما قوله (ذي) في قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٧٨] فهي مجرورة بالإضافة فكانت الصفة (ذي) ولم تكن (ذو) لماذا؟ لأن الموصوف بالجلال والإكرام هو وجه الله ، أما اسمه فهو اسم ليس ذا الجلال ولا ذو الجلال والإكرام، وذو الجلال والإكرام هو الرب ووجه الرب، وفي الآية: ((وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ)) [الرحمن:٢٧] إثبات صفة من صفات الله وهي الوجه لله ، وهناك آية أخرى تثبت الوجه لله وهي قول الله : ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] . وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥] فهذه آيات في القرآن الكريم، والحكم يثبت بخبر واحد عن الله أو عن الرسول ﵊ فكيف إذا تكرر؟ ومن هنا نأخذ: إثبات الوجه صفةً لله ، وهذا الوجه هل يمكن أن يكون مماثلاً لأوجه المخلوقين؟ لا. لقول الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ، ولأنه باتفاق العقلاء: إذا اشترك اثنان في اسم فإنه لا يلزم تماثل المسمى، أي أن: الاشتراك في الأسماء لا يلزم منه تماثل المسميات، فنحن نعلم أن للفرس وجهاً وللبعير وجهاً، فهل يمكن أن يكون هذا مثل هذا؟ حسب الواقع لا، لكن لو شاء الله لكانا سواءً. إذاً: إليكم قاعدة مفيدة في الأسماء والصفات: لا يلزم من الاشتراك بالأسماء تماثل المسميات، إذاً: نقول: لله وجه يليق بجلاله ولا يشبه أوجه المخلوقين.

стр. 42

الأسئلة

стр. 43

مشروعية زيارة القبور للرجال السؤال ماذا يستحب عند زيارة القبور؟ الجواب زيارة القبور نهى عنها النبي ﷺ في أول الأمر دفعاً للشرك، فلما رسخ الإيمان في قلوب الناس أمر بها، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها فإنها تذكركم الآخرة) وفي لفظٍ: (تذكر الموت) فإذا زار الإنسان القبور فليزرها متعظاً لا عاطفة، فبعض الناس يزور قبر أبيه أو قبر أمه عاطفة وحناناً ومحبة، وهذا وإن كان من طبيعة البشر، لكن الأولى أن تزورها للعلة التي ذكرها النبي ﵊ وهي تذكر الآخرة وتذكر الموت، هؤلاء الذين في القبور الآن هم كانوا بالأمس مثلك على ظهر الأرض والآن أصبحوا ببطنها مرتهنين بأعمالهم، لا يملكون زيادة حسنة ولا إزالة سيئة، فتذكر، وهل بينك وبين هذه الحال مدى معلوم؟ هل بينك وبين أن تكون في القبر مدى معلوم؟ لا. لأنك لا تدري متى يفجئوك الموت، قال النبي ﵊: (يوشك أن يأتيني داع الله فأجيب) . الإنسان لا يدري متى يموت، فإذاً: تذكر يا أخي! تذكر، أليس من الناس من خرج لعمل حاملاً حقيبته، ورجع محمولاً ميتاً؟! أليس كذلك؟ فنقول: تذكر الموت وتذكر الآخرة فهذا هو المطلوب من زيارة القبور. فلو قال قائل: هل للدعاء عند القبور مزية على الدعاء في غير ذلك المكان؟ فالجواب: لا. ومن قصد القبور ليدعو الله عندها فقد ابتدع وأخطأ؛ لأن أقرب مكانٍ يجاب فيه الدعاء هو المساجد، بيوت الله، أما القبور فلا، فإذا كان هذا هو حال القلب عند الزيارة التذكر، فماذا يقول باللسان؟ يقول ما جاء عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (السلام عليكم دار قومٍ مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم) ثم ينصرف. وأما ما يوجد الآن من كتيبات تقال عند زيارة البقيع فكلها بدعة، إلا ما وافق السنة، ولا ينبغي أن يتعب الإنسان نفسه بشيءٍ لم يرد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقصد التعبد به لله، لأنه إذا فعل ذلك فإنه لا يزداد من الله إلا بعداً.

стр. 44

بيان حقيقة موت النبي ﷺ السؤال يحتج بعض من يطلب الشفاعة من رسول الله ﷺ وهو ميت بقولهم: إن الأنبياء أحياء في قبورهم، وأن موسى قد رآه رسول الله ﷺ ، وأن موته ﷺ ليس كموت جميع الناس، كيف الرد عليه؟ الجواب الرد عليهم سهل، الرد عليهم: بأن النبي ﷺ ميت بلا شك، لقول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠] ، ولقوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران:١٤٤] ، وبأن الصحابة أجمعوا على أنه ميت، وغسلوه وكفنوه ودفنوه، وهل يمكن أن يجمع الصحابة على دفن نبيهم وهو حي؟!! سبحان الله! هذا لا يمكن، ولا المجانين يفعلون هذا، إذاً: هو ميت بلا شك. ولكن هناك حياة أخرى؛ حياة برزخية تثبت للشهداء، والأنبياء من باب أولى، قال الله ﵎: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩] حياة عند الله ليست حياة الدنيا: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ. ﴾ [آل عمران:١٧٠] إلى آخر الآية. فهذه حياة برزخية علمها عند الله لا ندري كيفيتها، ولهذا لا يحتاج فيها الميت إلى هواء، ولا إلى ماء، ولا إلى طعام، ولا غير ذلك، فهذا هو الجواب على هؤلاء الذين يقولون: إن الرسول ﷺ حيٌ في قبره، نحن نقول: نعم هو حي، لكن ليس كحياة الدنيا التي يمكن الإنسان فيها أن يعمل، وأن يطيع وأن يركع ويسجد إلى آخره. أما رؤية النبي ﷺ لموسى فهي أيضاً من الرؤيا التي لا نعلم كيفيتها، رآه يصلي في قبره لكن لا ندري كيفية ذلك، ونحن الآن نشاهد في رؤيا المنام بعض الأموات وهم يتطوعون لله ، ربما تشاهد أباك أو أخاك أو أحداً من أقاربك في المنام يصلي وهو ميت، فهذه المسائل أمور غيبية لا يحكم لها بحكم الأحياء. ومن المعلوم أنه ثبت في حديث المعراج: أن الأنبياء جمعوا للرسول ﵊ وصلى بهم إماماً، فهل نقول: إنهم في تلك الحال كحالهم في الدنيا قبل أن يموتوا؟ لا. هذه أمور غيبية ليس لنا أن نقول أو نعتقد إلا ما جاء به الشرع فقط.

стр. 45

حكم من يدعو القبور ويستغيث بالأموات ويذبح لهم قبل وبعد قيام الحجة عليه السؤال ما حكم الذين يدعون أمام القبور ويستغيثون بالأموات ويذبحون لهم، هل مثل هؤلاء قد قامت عليهم الحجة أم هم كفار؟ الجواب أما الذين يدعون الله عند القبور، ولا يدعون صاحب القبر فهؤلاء ليسوا مشركين؛ لأنهم يدعون الله، لكنهم مبتدعون، حيث ظنوا أن الدعاء عند القبور له مزية، لكن لا يكفرون. وأما الذين يستغيثون بالأموات فيقولون: يا ولي الله! أو ما أشبه ذلك: أغثني، أو ارزقني، أو أعطني فهؤلاء المشركون، وهم مشركون شركاً أكبر ينطبق عليهم قول الله : ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة:٧٢] وإننا ننعى إلى هؤلاء عقولهم كيف يدعون ميتاً هامداً لا يستطيع أن ينجي نفسه فيسألونه الغوث؟! ولهذا لا يجوز الاستغاثة بالأموات مطلقاً بل هي شرك أكبر، ولا يجوز الاستغاثة بالأحياء فيما لا يقدرون عليه، وأما الاستغاثة بالأحياء الحاضرين فيما يقدرون عليه فلا بأس به، وقد قال الله عن موسى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص:١٥] ، كذلك الذين يذبحون للأموات تعظيماً وتقرباً إليهم هم مشركون أيضاً، شركاً أكبر مخرجاً عن الملة، لقول الله ﵎: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام:١٦٢-١٦٣] فإذا كان محياك ومماتك لله لا أحد يحييك ولا أحد يميتك إلا الله فكذلك عبادتك؛ الصلاة والنسك لله ، فكما أن هؤلاء المقبورين لا يحيونك ولا يميتونك فكذلك لا يجوز أن تجعل لهم من صلاتك شيئاً أو من نسكك شيئاً، يعني: لا يجوز أن تصلي لصاحب القبر ولا أن تذبح له، فإن فعلت فإنك مشرك شركاً أكبر مخرجاً عن الملة. ومن ثم نهى النبي ﷺ عن الصلاة إلى القبر فقال فيما رواه مسلم عن أبي مرفد الغنوي: (لا تصلوا إلى القبور -يعني: لا تجعلوها بينكم وبين القبلة- ولا تجلسوا عليها) . والمراد هنا بالصلاة ليست الصلاة للقبور لكن الصلاة إلى القبور، وهي لمن؟ لله، لكن جعل القبر بينه وبين القبلة، أما الصلاة للقبور فهذه شرك. وأما قول السائل: هل هؤلاء يكفرون وقد قامت عليهم الحجة أو لا؟ فهذه مسألة نسبية؛ من الناس من تكون قد قامت عليه الحجة، ومن الناس من لا تكون قامت عليه الحجة، لكن من قامت عليه الحجة حكمنا بشركه وكفره بعينه، ومن لم تقم عليه الحجة حكمنا بأن هذا الفعل شرك وكفر، ولكن لا ينطبق على كل إنسان؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥] فلابد من بلوغ الرسالة على وجه المفهوم، وحينئذٍ تقوم الحجة، وإذا أشرك الإنسان بعد قيام الحجة عليه بأن هذا شرك حكمنا بشركه وكفره، ولهذا يتوهم بعض العامة أو بعض طلبة العلم أيضاً أننا لا نحكم على شخصٍ بعينه بكفرٍ أو شرك بل نقول: فعله شرك وفعله كفر، وهذا غلطٌ عظيم؛ لأنه يلزم من هذا أن جميع المشركين الذين قاتلهم الرسول لا نحكم بشركهم بأعيانهم، بل نقول: من انطبق عليه الوصف الذي جعله الشارع شركاً أو كفراً فإنه نحكم بكفره بعينه.

стр. 46

جواز ذهاب المرأة المسلمة إلى الطبيب عند الحاجة السؤال هل صدرت منكم فتوى بأنه لا يجوز للمرأة المسلمة أن تذهب إلى الطبيب وإن كان مسلماً حتى وإن اضطرت للذهاب لطبيبة كافرة؟ الجواب لم تصدر منا هذه الفتوى، وذهاب المرأة للطبيب عند الحاجة لا بأس به؛ لكن بشرط أن يكون معها محرمها، بحيث لا يخلو بها الطبيب، وإلا فإنه لا شك أن المرأة إذا احتاجت إلى أن يعالجها الرجال لا نقول: إن هذا حرام. وما أكثر ما ينسب إلينا، فنسأل الله أن يعين العلماء على الجهال.

стр. 47

حكم جلوس المرأة الحائض أو النفساء في المسجد من أجل طلب العلم السؤال هل يجوز للمرأة الجلوس في المسجد وهي حائض أو نفساء من أجل طلب العلم؟ الجواب لا يحل للمرأة أن تمكث في المسجد وهي حائض، ودليل ذلك حديث أم عطية: (أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر النساء أن يخرجن لصلاة العيد) حتى العواتق وذوات الخدور واللاتي لم يكن من عادتهن الخروج أمرهن أن يخرجن، لكن تقول: (وأمر الحيض أن يعتزلن المصلى) يعني: مصلى العيد، وهذا يدل على أن الحائض لا يجوز أن تمكث في المسجد ولو للدعاء ولو لطلب العلم. ثم إننا في وقتنا الآن يمكن للمرأة الحائض أن تكون خارج المسجد وتسمع الكلام بواسطة مكبر الصوت، نعم لو اضطرت إلى دخول المسجد فلا بأس، مثل أن تكون امرأة حائضاً وأهلها يريدون الدخول للطواف بالكعبة والسعي ولو مكثت تنتظرهم في المسعى لضاعت عنهم، وتريد أن تدخل معهم من أجل ألا تضيع فهذا ضرورة، ولا بأس به.

стр. 48

حكم زيارة النساء لقبر النبي ﷺ السؤال ما حكم زيارة النساء لقبر الرسول ﷺ ؟ الجواب أقول: في هذا جواب ولعل أحدكم يجيب. مداخلة: إن النبي ﷺ منع من زيارة القبور عموماً، ثم أجازها للرجال ومنعها النساء لقوله ﷺ : (لعن الله زوارات القبور) . الشيخ: زيارة المرأة للمقبرة محرمة؛ (لأن النبي ﷺ لعن زائرات القبور) واللعن: هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله، ولا لعن على فعلٍ إلا من كبائر الذنوب، ولهذا قال العلماء: كل ذنبٍ كانت عقوبته اللعنة فهو من كبائر الذنوب، يبقى علينا زيارة النساء لقبر الرسول ﷺ ، يرى بعض العلماء أنه لا بأس أن تزور المرأة قبر الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأن زيارتها لقبره ليست زيارة حقيقية، كيف ذلك؟ القبر محاط بجدران، حتى لو وقفت عنده تريد الزيارة فهي لن تزور القبر، بينها وبين القبر كما قال ابن القيم: أحاطه بثلاثة جدران. بينها وبينه جُدُر، وليست كالتي تقف على القبر بدون أن يحول بينها وبينه شيء، ولهذا استثنى بعض العلماء هذه الزيارة وقال: إنها حقيقة ليست زيارة؛ لأن المرأة لا تباشر القبر، ولكن لا شك أن الاحتياط والأولى ألا تزور. ونقول للمرأة: هوني عليك! إذا قلتِ: السلام عليك أيها النبي! ورحمة الله وبركاته، فهناك أمناء ينقلون هذا السلام إلى الرسول ﷺ ، قال: (إن تسليمكم يبلغني أينما كنتم) فهي وإن كانت في أبعد ما يكون عن القبر إذا سلمت على الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإن هذا السلام يبلغه، فلتهون على نفسها، ولتعلم أنها والحمد لله لم تحرم الخير.

стр. 49

حكم زيارة الروضة النبوية السؤال الروضة هل فيها زيارة؟ الجواب الروضة ليس فيها زيارة، والروضة قال الرسول ﵊: (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة) وهذا عامٌ للرجال والنساء.

стр. 50

حكم استقبال قبر النبي ﷺ للدعاء والسلام عليه السؤال نرى بعض الناس في هذا المسجد يقف مستقبلاً قبر النبي ﷺ يسلم عليه من أي مكانٍ في المسجد فهل هذه الصفة مشروعة؟ الجواب إذا كان يريد بذلك أن يسلم على الرسول ﷺ نقول: ادن من القبر؛ فإن زيارة القبر لا بد فيها من الدنو، وإذا كنت تريد أن تدعو فهو على قسمين: الأول: أن توجه الدعاء للرسول ﵊، فهذا شركٌ أكبر يخرجك من ملة الرسول ﵊. الثاني: أن تدعو الله متوجهاً نحو القبر، فهذا بدعة ووسيلة إلى الشرك. ويا سبحان الله! هل من المعقول أن تنصرف عن بيت الله إلى قبر الرسول؟ أيهما أفضل: بيت الله الذي يجب على كل مسلم أن يتجه إليه في صلاته أو قبر الرسول؟ لا شك أن بيت الله أفضل؛ أفضل بقعة على وجه الأرض هو بيت الله الكعبة، فكيف يليق بك وأنت تدعي أنك تعبد الله أن تتوجه بدعائك إلى قبر الرسول ﵊ دون أن تتوجه إلى بيت الله، هذا من السفه، وهذا من إضلال الشيطان لبني آدم وإغوائه إياهم، وإلا فبمجرد أن يفكر الإنسان بقطع النظر عن الدين الشرعي يعلم أن هذا ضلالٌ وسفه. حينئذٍ نقول: الواقف على هذا الوجه يريد التسليم على الرسول ﷺ ماذا نقول له؟ نقول: اندفع قف على القبر، الواقف على هذا الوجه يدعو الله متوجهاً إلى القبر نقول: هذا بدعة ووسيلة إلى الشرك، وخطأ وضلال في الدين، وسفه في العقل؛ لأن توجهك إلى بيت الله أولى من توجهك إلى قبر الرسول ﵊. ثالثاً: إذا كان يتوجه هذا التوجه ليدعو الرسول فهو مشركٌ شركاً أكبر يخرجه من ملة الرسول ﵊. الأقسام إذاً ثلاثة: الأول: إن قصد دعاء النبي ﷺ فهو شركٌ أكبر يخرجه من الملة. الثاني: إن قصد دعاء الله فهو بدعة لأن التوجه إلى بيت الله أولى. الثالث: إن قصد السلام على النبي ﷺ قلنا له: ادن من القبر.

стр. 51

دفع شبهة أن قبر الرسول ﷺ بني عليه المسجد السؤال ما بالنا نتخذ من قبر الرسول مسجداً؟ الجواب هل اتخذنا من قبر الرسول مسجداً؟ هذا سؤال تلبيس وتشبيه على الناس، يريد هؤلاء القوم الذين يبنون المساجد على قبورهم أو يدفنون موتاهم في مساجدهم أن يلبسوا على العامة. إن قبر الرسول ﵊ منفرد في حجرة منفصلة، فالمسجد لم يبن على قبر الرسول لا شك؛ لأن المسجد سابقٌ على القبر، الرسول صلى في المسجد، والرسول ﷺ لم يدفن في المسجد، إذاً: انتفت الشبهة، المسجد لم يبن على القبر، والرسول ﷺ لم يدفن في المسجد، وإنما دفن في حجرة عائشة ﵂، ثم لما زيد في المسجد في عام (٩٤هـ) أدخلوا الحجرة، ولعل هذا من نعمة الله ، لأن وجودها في المسجد أحمى لها مما لو كانت خارج المسجد، وأحمى للأمة من الشرك مما لو كانت خارج المسجد، ولهذا تقول عائشة لما ذكرت بناء الأمم السابقة على قبور أنبيائهم قالت: (ولولا ذلك لأبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً) . وعلى هذا فلا شبهة في ذلك إطلاقاً، والأمر واضح ولله الحمد، ولذا نرى المسلمين منذ أدخلت الحجرة في المسجد إلى اليوم أقروا ذلك.

стр. 52

ما صح في الجلوس في المصلى بعد الفجر السؤال الذي يريد أن يجلس بعد صلاة الفجر ليذكر الله جل وعلا حتى تشرق الشمس إذا تحرك من مكانه هل عليه حرج؟ الجواب أولاً الحديث: (أنه جلس في مصلاه يذكر الله فإذا طلعت الشمس صلى ركعتين فكانت كعدل عمرة أو حجة) في نفسي منه شيء هل هو صحيح أو غير صحيح، لكن ثبت في صحيح مسلم: (أن النبي ﷺ كان يجلس حتى تطلع الشمس) يعني: حتى ترتفع وتزول عنها الصفرة. وعلى كل حال: إذا قدرنا أن الحديث صحيح فإنه يقول: (في مصلاه) هل المراد مصلاه: الذي هو جالسٌ فيه، أو مصلاه: مكان الصلاة وأعم من ذلك؟ لا شك أن بقاءه في مصلاه الذي صلى فيه الفجر أولى، إلا إذا كان هناك حلقة علم يقوم إليها يستمع العلم فإن طلب العلم أفضل من صلاة التطوع. قال الإمام أحمد ﵀: العلم لا يعدله شيء، وقال: تذاكر ليلة أحب إلي من إحيائها. لكن المراد العلم الذي يقصد به الإنسان رفع الجهل عن نفسه وعن أمته، وحماية الشريعة والعمل بها والدعوة إليها. والخلاصة في الجواب: أن نقول: بقاؤه في مكانه أولى، لكن لو قام منه من أجل استماع علم، أو قام منه ليتمشى خوفاً من استيلاء النعاس عليه فإنا نرجو أن يكون له الحظ في ذلك.

стр. 53

السبب الشرعي لصحة اقتناء الجواري السؤال قد ذكرتم في اللقاء الماضي جواز شراء الجواري -الإماء- إذا كان ذلك بسببٍ مشروع ولم تذكروا هذا السبب؟ الجواب إذا كان الرق ثبت بسببٍ شرعي، أي: بطريق شرعي، وذلك لأنه يوجد أناس يبيعون بناتهم، فهل إذا باعوهن يكن أرقاء؟ لا. ويوجد أناس يسرقون البنات ويبيعونهن، هل يكون هذا طريقاً شرعياً؟ لا. فالطريق الشرعي أصله: هو أن المسلمين إذا قاتلوا الكفار وغلبوهم واستولوا على أهليهم صار النساء سبياً وكن أرقاء بهذا السبي.

стр. 54

صحة أثر: (نزول القرآن إلى السماء الدنيا جملة واحدة) السؤال هل يصح أثر ابن عباس في نزول القرآن إلى السماء الدنيا جملة واحدة، ثم نزوله بعد ذلك مفرقاً؟ الجواب الله أعلم، إنما الذي دل عليه القرآن أن الله يتكلم بالقرآن ويتلقاه جبريل منه، ثم ينزل به على رسول الله ﷺ ، ولهذا نجد في القرآن التعبير بصيغة الماضي عن أمر وقع، مثل: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ﴾ [المجادلة:١] لو كان الله تكلم بهذه الكلمة قبل أن يحدث ما حدث، لكان هذا إخبار عن شيء مستقبل بلفظٍ يدل على المضي، فـ (قد سمع) تدل على أن هذا المسموع قد سمع، وأن الله تكلم في ذلك بعد وقوعه. ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة:١٤٤] ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ [آل عمران:١٢١] وآيات كثيرة كلها تدل على أن الله تكلم بالقرآن، حين إنزاله، لأن الله يتحدث عن أمور وقعت سابقة على إنزال القرآن، وهذا يدل على أن الله يتكلم به إذا أراد أن ينزله على محمدٍ ﷺ .

стр. 55

الضابط في خروج المسلم من دائرة أهل السنة والجماعة السؤال ما هو الضابط في خروج المسلم من دائرة أهل السنة والجماعة؟ الجواب ما هو الضابط في خروج الإنسان من البيت؟ إنسان في بيته فما هو الضابط في خروجه؟ الضابط أن يخرج من الباب، إذا خرج من الباب قل: خرج من البيت، فالضابط إذاً في الخروج عن أهل السنة والجماعة أن يخرج عن طريقهم، هذا الضابط: في أسماء الله وصفاته، في القدر، في كل شيء يخالفهم في العقيدة، فمثلاً: إذا قال: أنا لا أثبت من صفات الله إلا ما أثبته عقلي. والذي يثبته عقله من الصفات هي سبعة أو عشر أو عشرون أو ثلاثون، هل خرج عن طريق أهل السنة؟ نعم. لماذا؟ لأن أهل السنة يثبتون كل ما أثبته الله لنفسه من الصفات. فلو قال في القدر: إن الله لم يخلق أفعال العباد، إنما يخلق أفعال نفسه، فهو خلق السماوات، والأرض والشمس، والقمر، والنجوم، ولكن لا يخلق ركوع الإنسان وسجوده، خرج عن دائرة أهل السنة ولا شك؛ لأن أفعالنا مخلوقة لله ، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦] ، وقال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾ [الفرقان:٢] وأفعالنا من صفاتنا، وإذا كانت ذواتنا مخلوقة لله كانت صفاتنا كذلك مخلوقة لله.

стр. 56

حكم الدعاء بـ (يا ساتر) السؤال هل يصح قولنا: يا ساتر؟ وهل الساتر صفة أو اسم من أسماء الله؟ الجواب الساتر صفة من صفات الله، ولا أعلم بأساً فيما أعلم إذا قال: يا ساتر! استر عليَّ؛ لأن الساتر على الإطلاق هو الله ، لكن بدلاً من ذلك يقول: يا رحمان استر عليَّ؛ لأن الرحمة عامة شاملة لكل ما يحصل به المطلوب، ويزول به المرغوب.

стр. 57

حكم أخذ الورثة إعانة مادية طلبها المورث وجاءت بعد موته السؤال رجل توفي عن امرأة وهي حامل وأنجبت بعده بنتاً، وبعد مدة تزوجت المرأة برجل آخر، وكان الزوج الأول مقدماً معروضاً يطلب فيه عادة، وبعد مدة طويلة من موت الرجل الأول وزواج المرأة أتت العادة، والسؤال: هل المرأة ترث من هذه النقود المذكورة أم لا؟ الجواب سأجيب عما يتعلق بهذا السؤال، وهو طلب العادة، هل يجوز للإنسان أن يرفع إلى الحكومة طلب عادة أو لا يجوز؟ الجواب: لا يجوز، إلا إذا كان محتاجاً، لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب: (ما جاءك من هذا المال وأنت غير مستشرفٍ ولا سائلٍ فخذه) وهذا يدل على أنه لا يجوز السؤال، فلا يجوز للإنسان أن يقدم طلباً من الحكومة أن تصرف له شيئاً عادة أو غير عادة، إلا إذا كان محتاجاً وإلا فليتنزه عن ذلك. أما: هل يكون للبنت التي مات أبوها وهي حامل أو لا يكون، فهذا يرجع إلى القضاء وليس إلى الفتوى، اذهبوا إلى المحكمة وإن شاء الله خيراً.

стр. 58

دروس وفتاوى الحرم المدني ١٤١٦هـ[٣] كان هذا اللقاء في ليلة الجمعة ولهذا فقد تكلم فيه الشيخ حول خصائص الجمعة، فبعد أن بين فضل الجمعة وذكر شيئاً من أحكامها شرع في ذكر خصائص الصلاة وعدَّد سبعاً منها، ثم انتقل إلى ذكر خصائص يوم الجمعة، ثم أعقبها ببيان أن لا خصوصية في يوم الجمعة لزيارة القبور، ثم ختم هذا اللقاء بذكر جملة من أحكام السلام تطرق فيها إلى مشروعيته وكيفيته وصيغته وحكم التسليم ابتداء على الكافر ورد السلام عليه.

стр. 59

أحكام وخصائص صلاة الجمعة الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمدٍ خاتم النبيين، وإمام المتقين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فإنه جرت العادة أن يكون بداية اللقاء الكلام على ما تيسر من تفسير ما سمعناه في قراءة المغرب، ولكن نظراً لأن هذه الليلة ليلة الجمعة، ينبغي أن نتكلم عن شيء من خصائص هذا اليوم العظيم. هذا اليوم العظيم يوم الجمعة يومٌ جعله الله تعالى عيداً للأسبوع، وما طلعت الشمس ولا غربت على يومٍ أفضل من يوم الجمعة باعتبار أيام الأسبوع، وخير يومٍ طلعت عليه الشمس يوم عرفة باعتبار أيام السنة. هذا اليوم يوم العيد منَّ الله به على هذه الأمة وأضل اليهود والنصارى، فصار لليهود يوم السبت، وصار للنصارى يوم الأحد، وضلوا عن يوم الجمعة الذي فيه ختم الله خلق السماوات والأرض؛ لأن الله تعالى خلقها في ستة أيام أولها الأحد وآخرها الجمعة، وفيه ابتداء خلق آدم؛ خلق الله آدم يوم الجمعة، وفيه أخرج من الجنة وأهبط إلى الأرض، فيكون مبدأ خلق البشر يوم الجمعة، وفيه تقوم الساعة فيكون منتهى الخلق أيضاً يوم الجمعة، فهو يومٌ عظيم، ولهذا اختص بأحكامٍ نذكر منها ما تيسر: من ذلك: أنه اختص بفرض صلاة الجمعة، وهذه الصلاة يشترط فيها الجماعة باتفاق المسلمين، فلا تصح صلاة الجمعة من منفرد، لا في البيت كالمرأة والمريض، ولا في المساجد، بل لابد من الجماعة فيها، فلو قدر أن إنساناً صلى وحده يوم الجمعة، وقال: أريد أن تكون جمعةً، قلنا له: إن صلاتك غير صحيحة، ويجب عليك أن تعيدها، هذه الصلاة لابد فيها من جمع ثلاثة فأكثر، غيرها من الصلاة تنعقد باثنين؛ بإمام ومأموم، أما الجمعة فلابد فيها من الجمع ثلاثة فأكثر، واختلف العلماء ﵏ في العدد الذي لابد منه في صلاة الجمعة، فمنهم من قال: أربعون رجلاً، فلو كان هناك قرية صغيرة ليس فيها إلا ثلاثون رجلاً فإنهم لا يقيمون الجمعة؛ لأنه لابد أن يكون العدد أربعين. وقال بعض العلماء: يكفي اثنا عشر رجلاً؛ لأن الصحابة الذين انفضوا عن رسول الله ﷺ لما رأوا التجارة لم يبق منهم إلا اثنا عشر رجلاً، وهذا يدل على أن اثني عشر رجلاً يكفي في عدد الجمعة. ومنهم من قال: يكفي في عدد الجمعة ثلاثة، فلو فرض أن قرية ليس فيها مستوطنون سوى ثلاثة نفر فإنها تقام الجمعة؛ لأنه يحصل بها الجمع، إمام يخطب، ومؤذنٌ يدعو، ومأموم مجيب، وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة:٩] هذا من المنادي المؤذن، ولابد من خطيب ولابد من مدعو: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا﴾ [الجمعة:٩] وهذا القول أرجح الأقوال: أنه يكفي في عدد الجمعة ثلاثة، إمامٌ يخطب، ومؤذن يدعو، ومأموم مجيب، فنقول: لو صلى الإنسان غير الجمعة كالظهر مثلاً، لو صلى وحده أتجزئه الصلاة؟ الجواب نعم. تجزئه وتبرأ بها ذمته، لكن إن كان ممن تجب عليه الجماعة كان آثماً، وإن كان ممن لا تجب عليه الجماعة كان غير آثم.

стр. 60

الوقت شرط في صحة صلاة الجمعة من خصائص هذه الصلاة العظيمة أنها لا تصح إلا في الوقت، ولهذا قال العلماء: من شروط صحة الجمعة: الوقت، وفي غيرها قالوا: من شروط الصلاة: دخول الوقت، وحينئذٍ نسأل: ما الفرق بين قولنا: من شروط صحة الصلاة الوقت، ومن شروط صحة الصلاة دخول وقت الصلاة؟ هل بين العبارتين فرق أو هما شيءٌ واحد؟ الفرق بين قولنا: من شروط صحة الصلاة دخول الوقت، وقولنا: من شروط صحة الصلاة الوقت، أننا إذا قلنا: من شروط صحة الصلاة الوقت فإنها لا تصح لا قبله ولا بعده، وإذا قلنا: من شروط صحة الصلاة دخول الوقت لم تصح قبله وصحت بعده، ولكن هل تصح الصلاة بعد الوقت لمن أخرها عمداً أو لا؟ لا تصح. ولمن أخرها نوماً أو نسياناً؟ تصح، الصلاة التي غير الجمعة لو أن إنساناً نام ولم يستيقظ، وليس عنده من يوقظه فلم ينتبه إلا حين خرج الوقت فإنها تصح، يصليها وصلاته صحيحة؛ لأن النبي ﷺ قال: (من نام عن صلاةٍ أو نسيها فليصلها -متى؟ - إذا ذكرها) هذا بالنسيان، وإذا استيقظ هذا في حق اليقظة، ولهذا لما نام النبي ﷺ وأصحابه عن صلاة الفجر وهم في سفر فلم يستيقظوا إلا في طلوع الشمس صلاها ولم يدعها، لكن لو أخر الصلاة عمداً عن وقتها بلا عذر شرعي فهل تصح الصلاة؟ لا تصح، والدليل قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) ومؤخر الصلاة عن وقتها بلا عذر عمل عملاً ليس عليه أمر الله ورسوله فيكون عمله مردوداً. وكذلك أيضاً ربما يستدل بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة:٢٢٩] والمخرج للصلاة عن وقتها بلا عذرٍ متعدٍ لحدود الله فيكون ظالماً والظالم لا يقبل منه: ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام:٢١] .

стр. 61

الجمعة لا تكون إلا في الأوطان من خصائص صلاة الجمعة: أنها لا تكون إلا في الأوطان في المدن والقرى، أما غير الجمعة ففي أي مكان، والدليل على هذا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يسافر الأسفار الطويلة وتمر به الجمعة ولم يكن يقيمها في السفر، ولو كانت الجمعة واجبة على المسافر لأقامها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، واعجبوا أن يوم عرفة في حجة الوداع صادف يوم الجمعة، ومع ذلك لم يصل النبي ﷺ يوم عرفة صلاة الجمعة كما في حديث جابر الطويل الذي رواه مسلم: (أن النبي ﷺ نزل بالوادي فخطب الناس -خطبة معروفة بليغة- ثم أمر بلالاً فأذن ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر) هكذا قال جابر ﵁، ولقد ضل من قال: إن الجمعة تقام في السفر، وخرج عن هدي النبي ﷺ ، وعليه إذا فعل أن يعيدها إن كان يريد إبراء ذمته وإقامة حجته عند الله ؛ لأن هذا ليس موضع اجتهاد حتى يقال: لا إنكار في مسائل الاجتهاد، هذا السنة فيه واضحة أجلى من النهار في ارتفاع الشمس، ولا عذر لأحد أن يقيم صلاة الجمعة في السفر إطلاقاً، لكن لو صادف أنك في بلد نازل تريد أن تواصل السفر في آخر النهار وجب عليك أن تصلي مع المسلمين؛ لأن الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٩] والمسافر من المؤمنين فيشمله الخطاب.

стр. 62

صلاة الجمعة لا يجمع إليها ما بعدها ومن خصائص هذه الصلاة: أنه لا يجمع إليها ما بعدها، والذي بعدها ما هو الأصل؟ صلاة العصر، فلا تجمع صلاة العصر إلى صلاة الجمعة، فلو أن الإنسان كان مسافراً نازلاً من بلد، ويريد أن يواصل السير بعد صلاة الجمعة، وصلى مع الناس صلاة الجمعة؛ فإنه لا يضم إليها العصر، لماذا؟ لأن السنة إنما وردت في الجمع بين الظهر والعصر، وصلاة الجمعة ليست صلاة ظهر بالاتفاق، لا أحد يقول: إن صلاة الجمعة صلاة ظهر، وعلى هذا فنقول: واصل السفر وإذا دخل وقت العصر وأنت في السفر فصل حيثما أدركتك الصلاة.

стр. 63

الجهر بالقراءة في صلاة الجمعة ومن خصائص هذه الصلاة العظيمة: أن القراءة فيها تكون جهراً، وغيرها سراً، إلا ما كان مثلها في جمع الناس فتكون جهراً، ولهذا نرى أن صلاة العيدين تكون القراءة فيها جهراً، الكسوف جهر، حتى في النهار لو كسفت الشمس فالقراءة فيها جهر، الاستسقاء جهر؛ لأن الناس مجتمعون، فهذا الاجتماع الموحد جعل القراءة في الصلاة جهراً ولو كانت نهارية. إذاً: من خصائص صلاة الجمعة أن القراءة فيها جهر، بخلاف الظهر، وذلك من أجل أن يجتمع هذا الجمع الكبير على قراءة واحدة وهي قراءة الإمام.

стр. 64

ساعة الإجابة تصادف صلاة الجمعة من خصائص صلاة الجمعة: أنها تصادف ساعة الإجابة التي قال عنها ﷺ : (لا يوافقها عبدٌ مسلم وهو قائمٌ يصلي يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه) وهذه نعمة عظيمة، هذه ليست موجودة في صلاة الظهر مثلاً، لكنها في صلاة الجمعة، فأرجى ساعات الجمعة بالإجابة هي وقت الصلاة، وذلك لأمور: أولاً: لأن ذلك جاء في صحيح مسلم من حديث أبي موسى الأشعري ﵁. وثانياً: أن هذا اجتماع من المسلمين على عبادة واحدة بقيادة واحدة، يعني: إمام واحد، وهذا الاجتماع يكون أقرب إلى الإجابة، ولهذا في يوم عرفة حين اجتمع المسلمون على صعيد عرفة ينزل الله إلى السماء الدنيا يباهي بهم الملائكة ويجيب دعاءهم، لذلك احرص يا أخي! على الدعاء في هذا الوقت وهو وقت صلاة الجمعة، لكن متى تدخل هذه الساعة ومتى تخرج؟ تدخل من حين أن يدخل الإمام إلى أن تقضى الصلاة، فلننظر الآن متى ندعو، دخل الإمام وسلم وبعد ذلك الأذان؛ الأذان ليس فيه دعاء فيه إجابة للمؤذن، بعد الأذان هناك دعاء، بين الأذان والخطبة هناك دعاء، تقول بعد الأذان: (اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة والقائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه اللهم مقاماً محموداً الذي وعدته، إنك لا تخلف الميعاد) . ثم تدعو بما شئت، ما دام الخطيب لم يشرع في الخطبة فأنت في حل فادع الله بما شئت، كذلك أيضاً بين الخطبتين تدعو الله بما شئت من خيري الدنيا والآخرة، كذلك أيضاً في أثناء الصلاة في السجود: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد) كما ثبت ذلك عن رسول الله ﷺ ، أقرب ما تكون من الرب وأنت ساجد، لماذا؟ لأن هذه الهيئة -أعني هيئة السجود- أكمل ذل للإنسان، أي عضو فيك أشرف؟ الوجه، أين تضعه في السجود؟ في الأرض موطئ الأقدام، فرأسك وجبهتك محاذية أصابع رجليك، بهذا الذل والخضوع العظيم صار الإنسان أقرب ما يكون من ربه جل وعلا؛ لأن من تواضع لله رفعه: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد) استغل هذه الفرصة أكثر من الدعاء، بأي شيء تدعو؟ بالذي تريد من خيري الدنيا والآخرة، لو قال الإنسان في دعائه: اللهم ارزقني سيارة جميلة، يصلح؟ يصلح، قال النبي ﷺ : (ليسأل أحدكم ربه حتى شراك نعله) حتى شراك النعل، ثم الدعاء نفسه عباده، فإذا دعوت الله بأي غرض، لو قال الطالب وهو في أيام الامتحان: اللهم ارزقني نجاحاً إلى درجة ممتاز، يصلح؟ يصلح، هذا دعاء لله تخاطب الله، والممنوع مخاطبة الآدميين، لكن مخاطبة الله بالدعاء ليست ممنوعة. ولكن هل هناك محل دعاء ثانٍ في الصلاة؟ بعد التشهد كما في حديث ابن مسعود حين ذكر النبي ﷺ التشهد ثم قال بعده: (ثم ليتخير من الدعاء ما شاء) وكلمة: (ما شاء) عند علماء الأصول تفيد العموم؟ الدليل على أن الاسم الموصول يفيد العموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر:٣٣] (أولئك هم) هذه جماعة، (والذي) مفرد، فما الذي أوجب أن يخبر عن المفرد بالجماعة؟ الذي أوجب ذلك أن الاسم الموصول يفيد العموم، ومثل ذلك اسم الشرط يفيد العموم، والدليل على هذا قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٧-٨] فهذه تفيد العموم ولما ذكر النبي ﷺ الخيل وأثنى عليها وما فيها من الأجر، قالوا: يا رسول الله! فالحمر، قال: (لم ينزل عليَّ فيها إلا هذه الآية الشاذة والفاذة: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٧] * ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٨] ) هذه تعم كل شيء. إذاً: اسم الموصول يفيد العموم، فقول الرسول ﵊ في حديث ابن مسعود: (ثم ليتخير من الدعاء ما شاء) يفيد عموميتها، وأما قول بعض الفقهاء ﵏: إنه لا يجوز للإنسان أن يدعو في صلاته بشيءٍ من ملاذ الدنيا؛ فإنه قولٌ ضعيف يخالف الحديث، وإذا كان الإنسان في أزمة اقتصادية فإلى من يلجأ؟ إلى الله، يدعو الله . فصار عندنا الآن في ساعة الإجابة وقت صلاة الجمعة عدة مواطن للدعاء، فانتهز الفرصة يا أخي! انتهز الفرصة في الدعاء في صلاة الجمعة لعلك تصادف ساعة الإجابة. هناك أيضاً ساعة أخرى ترجى فيها الإجابة من نفس اليوم، وهي ما بعد العصر إلى أن تغرب الشمس، لكن هذا القول أشكل على بعض العلماء وقال: إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (وهو قائمٌ يصلي) وبعد العصر لا توجد صلاة، أجاب عنهم العلماء، فقالوا: إن منتظر الصلاة في حكم المصلي لقول النبي ﷺ : (ولا يزال في صلاةٍ ما انتظر الصلاة) .

стр. 65

وجوب الغسل لصلاة الجمعة ومن خصائص هذه الصلاة: أنه يجب الغسل لها كما يغتسل الإنسان للجنابة، يجب أن يغتسل لها كما يغتسل للجنابة وجوباً، في الشتاء وفي الصيف، الدليل: قول النبي ﷺ : (غسل الجمعة واجبٌ على كل محتلم) (واجب) من القائل: واجب؟ الرسول ﵊ وهو أعلم الخلق بشرع الله، ولا يمكن أن يطلق على شيءٍ مستحبٍ أنه واجب، لو كان كذلك لكان الأمر خطيراً فهو أعلم الخلق بشريعة الله، وهو أفصح الخلق بما ينطق به، وهو أنصح الخلق للخلق، نعم والله! أنصح الخلق للخلق، وهو أصدق الخلق خبراً، نعم. هو يقول: (غسل الجمعة واجب) بعد أن قدمت لك هذه المقدمات احكم أنت، غسل الجمعة واجب، ثم قرن الوجوب بما يقتضي التكليف وهو قوله: (على كل محتلم) لأن المحتلم هو الذي تجب عليه الواجبات، والمحتلم معناه: ليس الذي احتلم بالفعل، المحتلم بالفعل يجب عليه الغسل من الجنابة ولو في الإثنين والثلاثاء والأربعاء، لكن غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم. أظن أننا لو قرأنا هذه العبارة في مصنفٍ من مصنفات الفقه لم يبق عندنا شكٌ بأن المؤلف يرى الوجوب، فكيف والناطق به محمد رسول الله صلوات الله وسلامه عليه. ثم إن في الغسل فائدة للبدن تنشيطاً وتنظيفاً، ويدل للوجوب ما جرى بين عمر وعثمان ﵄: كان عمر يخطب الناس فدخل عثمان في أثناء الخطبة فكأن عمر لامه على تأخره، قال: والله يا أمير المؤمنين! ما زدت على أن سمعت الأذان فتوضأت ثم أتيت -مشغول- قال له عمر أمام الناس وهو يخطب: والوضوء أيضاً -يعني: تقتصر على الوضوء أيضاً وتأتي متأخراً- وقد قال النبي ﷺ : (إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل) فكلمه بنوعٍ من التوبيخ، واستدل على ذلك بقول الرسول ﷺ : (إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل) .

стр. 66

لا راتبة قبل الجمعة وكذلك أيضاً من خصائص هذه الصلاة العظيمة: أنه ليس لها راتبة قبلها، لأن المؤذن إذا أذن فالخطيب حاضر سوف يبدأ بالخطبة، وإن شاء التطوع بعد الخطبة حرام، ولو فعل لكان آثماً والصلاة غير مقبولة إلا فيمن دخل والخطيب يخطب فإنه لا يجلس حتى يصلي ركعتين لما ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ : (أن رجلاً دخل يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب فجلس فقال: أصليت؟ قال: لا. قال: قم فصلِ ركعتين وتجوز فيهما) لذلك ليس لها سنة قبلها، الظهر لها سنة راتبة قبلها أربع ركعات بتسليمتين، أما الجمعة فليس لها راتبة قبلها، لكن من جاء قبل الأذان الثاني فليتطوع بما شاء، بدون حد. هل لها راتبة بعدها؟ نعم. لها راتبة بعدها، ثبت عن النبي ﷺ أنه يصلي بعدها ركعتين في بيته، وقال: (إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربعاً) فعندنا الآن سنة قولية وسنة فعلية، القولية أربع ركعات، والفعلية ركعتان، كيف نجمع بينهما؟ هل نأخذ بالسنة الفعلية، أو بالسنة القولية، أو نأخذ بهما جميعاً، أو نفصل؟ كم الاحتمالات الآن؟ أربعة: هل نأخذ بالسنة القولية فنقول: سنة الجمعة أربع ركعات. أو بالسنة الفعلية فنقول: سنة الجمعة ركعتان. أو نجمع بينهما فتكون السنة ست ركعات. أو نفصل والتفصيل أذكره لكم إن شاء الله، فالاحتمالات أربعة: من العلماء من قال: السنة ركعتان في البيت؛ لأن هذا فعل النبي ﷺ ، وقد قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١] . ومن الناس من قال: السنة أربع، سواءٌ صلاها في البيت أو في المسجد، لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربعاً) وقوله مقدم على فعله عند التعارض. ومنهم من قال: الاحتياط أن يأتي بالسنة الفعلية والقولية فيصلي ستاً. أما شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ففصل، قال: إن صلى في بيته فالسنة ركعتان فقط؛ لأن الرسول لم يزد على ركعتين في بيته، وإن صلى أربعاً ففي المسجد، وهذا تفصيلٌ لا بأس به. إذاً: تفارق الجمعة الظهر بأنه ليس لها راتبة قبلها، وراتبتها بعدها ركعتان إن صلى في البيت، وأربع إن صلى في المسجد.

стр. 67

خصائص يوم الجمعة أما يوم الجمعة فله خصائص، نحن الآن تكلمنا عن خصائص الصلاة، ويوم الجمعة له خصائص منها:

стр. 68

سنية قراءة سورة الكهف كاملة يوم الجمعة فيسن للإنسان أن يقرأ فيه سورة الكهف كاملة، وليس في فجر يوم الجمعة كما يفعله بعض الأئمة الجهال، بل في غير الصلاة؛ لأن فجر يوم الجمعة يقرأ فيه بسورتين معروفتين سورة السجدة وسورة الإنسان، ويقرأ سورة الكهف في اليوم: خارج الصلاة قبل صلاة الجمعة أو بعدها، يجوز هذا وهذا، سواء قرأت سورة الكهف قبل صلاة الجمعة أو بعدها يحصل الأجر، بخلاف الاغتسال فإنه لابد أن يكون قبل الصلاة.

стр. 69

قراءة سورتي السجدة والإنسان فجر يوم الجمعة ومنها: أي: من خصائص يوم الجمعة: أنه يقرأ في فجره: (ألم * تنزيل) السجدة في الركعة الأولى، و (هل أتى على الإنسان) في الركعة الثانية، اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وما يفعله بعض الجهال من الأئمة حيث يقسم (ألم * تنزيل) السجدة بين الركعتين، أو يقتصر على نصفها ويقرأ نصف (هل أتى) فهو خطأ، نقول لهذا: إما أن تقرأ بالسورتين كاملتين، وإما أن تقرأ بسورة أخرى لئلا تخالف السنة، لأن هناك فرقاً بين من يقرأ بسورتين أخريين فيقال: هذا فاتته السنة، لكن من قرأ بسورة (ألم * تنزيل) السجدة وقسمها في الركعتين، أو قرأ نصفها ونصف (هل أتى) ، فهذا خالف السنة، وفرق بين المخالفة وبين عدم فعل السنة؛ لأن الأول أشد.

стр. 70

الإكثار من الصلاة على النبي ﷺ ومن خصائص يوم الجمعة: أنه ينبغي فيه إكثار الصلاة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أكثر من الصلاة على نبيك محمد ﵊ الذي هو أعظم الخلق حقاً عليك، أعظم حقاً من أمك وأبيك، ويجب أن تفديه بنفسك ومالك، أكثر من الصلاة عليه يوم الجمعة؛ لأن النبي ﷺ أمر بذلك.

стр. 71

يوم الجمعة لا يصام وحده ومن خصائص هذا اليوم: أنه لا يصام وحده إلا من صادف عادة فصامه، يعني: لا يمكن أن تفرد يوم الجمعة بصوم فإما أن تصوم يوم الخميس معه، وإما أن تصوم السبت، إلا من كان له عادة فصادف عادته، مثل أن يكون ممن يصوم يوماً ويفطر يوماً، فصادف يوم الجمعة يوم صومه فلا بأس يصوم ولا حرج، وكذلك لو كان يوم الجمعة يوم عرفة صم ولا حرج، وكذلك لو صادف يوم الجمعة يوم عاشوراء صم ولا حرج، ولكن يوم عاشوراء اختص بأنه يصام يومٌ قبله أو يومٌ بعده مخالفة لليهود. أما يوم السبت فصومه جائز لمن أضاف إليه الجمعة، وأما بدون الجمعة فلا تفرد يوم السبت بصوم، ما لم يفرده عادة أو يوماً مشروعاً صومه كيوم عرفة أو يوم عاشوراء.

стр. 72

ليس في يوم الجمعة مزية لزيارة القبور من خصائص هذا اليوم أعني يوم الجمعة: أنه عند بعض العلماء تسن فيه زيارة القبور، لكن هذا ليس بصحيح؛ فإن زيارة القبور مشروعة كل وقت، في الليل في النهار في الجمعة في الإثنين في الثلاثاء في الأربعاء، أي وقت يسن أن تزور المقابر، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه زار البقيع ليلاً صلوات الله وسلامه عليه ولا يختص بيوم الجمعة، وقد سبق لنا أن زيارة القبور لها فائدة عظيمة، وهي: (تذكر الآخرة) ، وفي لفظٍ آخر: (تذكر الموت) والمقصود بزيارة القبور تذكر الإنسان لحاله أنه الآن على ظهر الأرض يتمكن من الأعمال الصالحة، وغداً من أهل باطن الأرض الذين لا يتمكنون من العمل الصالح. هذا ما أردنا أن نتكلم عليه حول يوم الجمعة وما يتعلق بصلاة الجمعة، نسأل الله تعالى أن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح.

стр. 73

أحكام في السلام بقي علينا أن نتكلم على مسألة هامة، هذه المسألة المهمة العظيمة هي السلام، سلام الناس بعضهم على بعض أهو سنة أو حرام أو مكروه؟

стр. 74

مشروعية السلام أنت إذا لاقيت واحداً تسلم عليه أو لا تسلم عليه؟ تسلم عليه، العجب أنك الآن تسلم على بعض الناس خارجاً في المسجد أو داخلاً فيه ويستنكر يلتفت: ما هذا؟ كأنه لا يشاع السلام بين المسلمين أليس كذلك؟ ألم تدركوا هذا يا إخواني؟ أنا أدركته، إذا سلمت استنكروا: ما هذا؟ لماذا سلم؟ كأنه ليس ببلاد المسلمين، مع أن السلام له فضائل عظيمة: منها: أنه سببٌ لدخول الجنة، ودليل ذلك قول النبي ﷺ : (والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا) لا يوجد إيمان كامل إلا إذا تحاب المؤمنون وأحب بعضهم بعضاً؛ لأنه بدون المحبة لا يمكن أن تجتمع القلوب، ولا أن تتساوى الأفعال، لابد من المحبة، حتى لو حصل بينك وبين أخيك المؤمن سوء تفاهم فحاول أن تزيل أثر سوء التفاهم هذا حتى تعيد المحبة التي بينك وبين أخيك، وانظر الآن الفرق بين شخصٍ تسلم عليه فتجده مكفهراً طول الوقت، وربما يعرض عنك، ورجل تسلم عليه فينطلق وجهه سروراً ويضيء من السرور، تجد قلبك ينفتح له: (ألا أخبركم بشيء إذا فعلتموه تحاببتم: أفشوا السلام بينكم) أفشوا بمعنى: انشروا ووسعوا السلام بينكم.

стр. 75

كيفية السلام من يسلم: الكبير على الصغير، أو الصغير على الكبير؟ الصغير على الكبير. من يسلم: الراكب على الماشي، أو الماشي على الراكب؟ الراكب على الماشي. من يسلم: القليل على الكثير، أو الكثير على القليل؟ القليل على الكثير. وهل يسلم الإنسان (بالبوري) ؟! لا؛ لأنه إذا نهي عن السلام بالإشارة فهذا من باب أولى، لكن بعض الناس ينبه بالبوري ثم يقول: السلام عليكم، فيكون الأول ليس المقصود بالسلام لكنه للتنبيه، ومع ذلك الأحسن ألا يفعل وأن يسلم بالقول. إذا لم يسلم الصغير على الكبير هل تترك السنة فلا يسلم الكبير على الصغير؟ أو نقول: إذا لم يسلم الصغير فسلم أنت أيها الكبير؟ نقول: سلم أنت أيها الكبير! لأنه قد يكون الصغير في تلك الساعة ساهياً غافلاً، وقد يكون جاهلاً، فأنت سلم لتعلمه، ولهذا كان من هدي محمدٍ رسول الله ﷺ أنه كان يسلم على الصبيان إذا مر بهم، تواضعاً منه ﵊ وتعليماً للأمة، وهل يسلم القليل على الكثير؟ أنت الآن معك أربعة، لاقاكم رجلان ولم يسلما، أتسلمون؟ نعم. فيجب أن نسلم ولا نترك السنة تضيع لغفلة أو سهوٍ أو استكبار أو غير ذلك، إذاً: يسلم الصغير على الكبير، والقليل على الكثير، والراكب على الماشي، والماشي على القاعد، فإذا لم تحصل السنة ممن يطالب بها يسلم الآخر، ومن تواضع لله رفعه الله.
следующие страницы →