← Джавами‘

Джавами‘ · id 7688

دروس الحرم المدني للعثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (172 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

يوم الجمعة لا يصام وحده ومن خصائص هذا اليوم: أنه لا يصام وحده إلا من صادف عادة فصامه، يعني: لا يمكن أن تفرد يوم الجمعة بصوم فإما أن تصوم يوم الخميس معه، وإما أن تصوم السبت، إلا من كان له عادة فصادف عادته، مثل أن يكون ممن يصوم يوماً ويفطر يوماً، فصادف يوم الجمعة يوم صومه فلا بأس يصوم ولا حرج، وكذلك لو كان يوم الجمعة يوم عرفة صم ولا حرج، وكذلك لو صادف يوم الجمعة يوم عاشوراء صم ولا حرج، ولكن يوم عاشوراء اختص بأنه يصام يومٌ قبله أو يومٌ بعده مخالفة لليهود. أما يوم السبت فصومه جائز لمن أضاف إليه الجمعة، وأما بدون الجمعة فلا تفرد يوم السبت بصوم، ما لم يفرده عادة أو يوماً مشروعاً صومه كيوم عرفة أو يوم عاشوراء.

стр. 72

ليس في يوم الجمعة مزية لزيارة القبور من خصائص هذا اليوم أعني يوم الجمعة: أنه عند بعض العلماء تسن فيه زيارة القبور، لكن هذا ليس بصحيح؛ فإن زيارة القبور مشروعة كل وقت، في الليل في النهار في الجمعة في الإثنين في الثلاثاء في الأربعاء، أي وقت يسن أن تزور المقابر، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه زار البقيع ليلاً صلوات الله وسلامه عليه ولا يختص بيوم الجمعة، وقد سبق لنا أن زيارة القبور لها فائدة عظيمة، وهي: (تذكر الآخرة) ، وفي لفظٍ آخر: (تذكر الموت) والمقصود بزيارة القبور تذكر الإنسان لحاله أنه الآن على ظهر الأرض يتمكن من الأعمال الصالحة، وغداً من أهل باطن الأرض الذين لا يتمكنون من العمل الصالح. هذا ما أردنا أن نتكلم عليه حول يوم الجمعة وما يتعلق بصلاة الجمعة، نسأل الله تعالى أن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح.

стр. 73

أحكام في السلام بقي علينا أن نتكلم على مسألة هامة، هذه المسألة المهمة العظيمة هي السلام، سلام الناس بعضهم على بعض أهو سنة أو حرام أو مكروه؟

стр. 74

مشروعية السلام أنت إذا لاقيت واحداً تسلم عليه أو لا تسلم عليه؟ تسلم عليه، العجب أنك الآن تسلم على بعض الناس خارجاً في المسجد أو داخلاً فيه ويستنكر يلتفت: ما هذا؟ كأنه لا يشاع السلام بين المسلمين أليس كذلك؟ ألم تدركوا هذا يا إخواني؟ أنا أدركته، إذا سلمت استنكروا: ما هذا؟ لماذا سلم؟ كأنه ليس ببلاد المسلمين، مع أن السلام له فضائل عظيمة: منها: أنه سببٌ لدخول الجنة، ودليل ذلك قول النبي ﷺ : (والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا) لا يوجد إيمان كامل إلا إذا تحاب المؤمنون وأحب بعضهم بعضاً؛ لأنه بدون المحبة لا يمكن أن تجتمع القلوب، ولا أن تتساوى الأفعال، لابد من المحبة، حتى لو حصل بينك وبين أخيك المؤمن سوء تفاهم فحاول أن تزيل أثر سوء التفاهم هذا حتى تعيد المحبة التي بينك وبين أخيك، وانظر الآن الفرق بين شخصٍ تسلم عليه فتجده مكفهراً طول الوقت، وربما يعرض عنك، ورجل تسلم عليه فينطلق وجهه سروراً ويضيء من السرور، تجد قلبك ينفتح له: (ألا أخبركم بشيء إذا فعلتموه تحاببتم: أفشوا السلام بينكم) أفشوا بمعنى: انشروا ووسعوا السلام بينكم.

стр. 75

كيفية السلام من يسلم: الكبير على الصغير، أو الصغير على الكبير؟ الصغير على الكبير. من يسلم: الراكب على الماشي، أو الماشي على الراكب؟ الراكب على الماشي. من يسلم: القليل على الكثير، أو الكثير على القليل؟ القليل على الكثير. وهل يسلم الإنسان (بالبوري) ؟! لا؛ لأنه إذا نهي عن السلام بالإشارة فهذا من باب أولى، لكن بعض الناس ينبه بالبوري ثم يقول: السلام عليكم، فيكون الأول ليس المقصود بالسلام لكنه للتنبيه، ومع ذلك الأحسن ألا يفعل وأن يسلم بالقول. إذا لم يسلم الصغير على الكبير هل تترك السنة فلا يسلم الكبير على الصغير؟ أو نقول: إذا لم يسلم الصغير فسلم أنت أيها الكبير؟ نقول: سلم أنت أيها الكبير! لأنه قد يكون الصغير في تلك الساعة ساهياً غافلاً، وقد يكون جاهلاً، فأنت سلم لتعلمه، ولهذا كان من هدي محمدٍ رسول الله ﷺ أنه كان يسلم على الصبيان إذا مر بهم، تواضعاً منه ﵊ وتعليماً للأمة، وهل يسلم القليل على الكثير؟ أنت الآن معك أربعة، لاقاكم رجلان ولم يسلما، أتسلمون؟ نعم. فيجب أن نسلم ولا نترك السنة تضيع لغفلة أو سهوٍ أو استكبار أو غير ذلك، إذاً: يسلم الصغير على الكبير، والقليل على الكثير، والراكب على الماشي، والماشي على القاعد، فإذا لم تحصل السنة ممن يطالب بها يسلم الآخر، ومن تواضع لله رفعه الله.

стр. 76

صيغة السلام ما هي صيغة السلام؟ السلام أن تقول: السلام عليك إذا كان واحداً، والسلام عليكم إذا كانوا جماعة. الدليل: أن رجلاً جاء فدخل المسجد وصلى صلاةً لا يطمئن فيها، ثم جاء إلى الرسول ﷺ ، فقال: (السلام عليك يا رسول الله! فرد ﵇، وقال: ارجع فصل فإنك لم تصل) ، وإذا كنت تخاطب اثنين فقل: السلام عليكم لأنه يجوز مخاطبة الاثنين بصيغة الجمع، وإذا كنت تسلم على أمك ماذا تقول؟ السلام عليكِ يا أمي! لماذا؟ لأن الكاف إذا خوطب بها امرأة تكون مكسورة، وإذا دخلتَ على خالاتك وهن أربع أو خمس ماذا تقول؟ السلام عليكن ورحمة الله وبركاته لأن الكاف للخطاب فتكون على حسب المخاطب. وبماذا يرد المسلم عليه؟ يعني يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، سلم عليك، قال: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، تقول: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، لا ما نع، المهم أن تقول: السلام عليك؟ خطأ. تقول: عليكم السلام ورحمة الله وبركاته، بالواو أو بدونها؟ بالواو، وبدونها أيضاً، يعني: وعليكم السلام أو تقول عليكم السلام، الواو أفضل وبدونها جائز، ما تقولون في رجل قلنا له: السلام عليك، فقال: أهلاً ومرحباً، وحياكم الله وتفضل، واليوم يوم سرور، وهذا من أفضل الأيام عندنا، وفقك الله وزادك علماً وتقوىً وهدىً، أيكون قد رد السلام؟ ما رد السلام، مع أنه ذكر سطرين يمكن أن فيها رد السلام. أقول: لو أن الإنسان ملأ الدنيا كلها بردٍ ليس فيه عليك السلام، فإنه لا يعد راداً للسلام ويكون آثماً؛ لأن رد السلام واجب بالمثل أو أحسن، لقول الله ﵎: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء:٨٦] فبدأ بالأحسن، ثم قال: أو ردوها، وهذا هو الواجب.

стр. 77

حكم ابتداء السلام على الكافر ورد السلام عليه هل يجوز للإنسان أن يسلم ابتداءً على الكافر أو لا؟ مررت برجل كافر؛ يهودي أو نصراني أو مجوسي؛ أو أي إنسان كافر تبدؤه بالسلام أو لا؟ مداخلة: لا. الشيخ: ما الدليل؟ مداخلة: لا أعرف؟ الشيخ: كيف تحكم بما لا تعرف دليله؟ على كل حال قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، لكن لا تحكم على شيء بالتحليل أو التحريم خاصة إلا إذا عرفت الدليل لقول الله تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل:١١٦] ، وقوله: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء:٣٦] لكن لا بأس للمقلد أن يقول: قال علماؤنا: كذا وكذا؛ لأنه مقلد. عندك دليل؟ مداخلة: قول الرسول ﷺ : (إذا رأيتم الكافر فضيقوا عليه حتى) . الشيخ: لا أعرف هذا اللفظ، هل أنت تجيز رواية الحديث بالمعنى؟ مداخلة: لا يجوز. الشيخ: إذاً: أخطأت. مداخلة: قول الرسول ﷺ : (إذا لقيتم أهل الكتاب فلا تبدءوهم بالسلام) . الشيخ: استرح، قال النبي ﵊: (لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام، وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه) فلا يجوز أن تبدأ اليهودي أو النصراني أو المشرك أو الشيوعي بالسلام، لكن إذا سلموا فهل يجب علي أن أرد، أو لا يجب؟ يجب، والدليل: قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء:٨٦] ما قال الله : إذا حيا بعضكم بعضاً، أو إذا حياكم مسلمون، أي إنسان يحييك بتحية فإن من عدالة الإسلام أن ترد عليه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل:٩٠] سلم عليه، فإذا قال النصراني: السلام عليك، ماذا تقول؟ عليك السلام، وإذا أدغم اللام، وقال: السام عليك، لا تدري أقال: السلام، أو قال: السام عليك، فعليك أن تقول: وعليك، هكذا أمرنا رسول الله ﷺ أن نقول إذا سلموا علينا: وعليكم، وقد علل الرسول ﷺ بقوله: (إن اليهود كانوا يقولون إذا سلموا عليكم: السام عليكم، فقولوا: وعليكم) قال أهل العلم: وهذا يدل على أنهم لو قالوا: السلام باللام الواضحة، فإنه يقال: وعليكم السلام، ولا بأس، لعموم قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء:٨٦] ، ولكن يبتلى بعض الناس ببلوى وأنا سأنظر كيف تحلونها: يكون رئيسه في عمله نصرانياً فيدخل المكتب يريد أن يتفاهم مع هذا الرئيس فهل يسلم أو لا يسلم؟ مداخلة: لا يسلم. الشيخ: لا يسلم، يزعل عليك ويسقطك، أنت لا تظن أنك إذا هجرت كافراً لا يبالي بك، لا. أبداً، قال الله تعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ﴾ [النساء:١٠٤] لا تفكر أنك إذا أهنته أنه لا يتأثر، لا. لابد أن يتأثر، فماذا تصنع؟ مداخلة: أرد عليه بأي تحية مثل: صباح الخير. الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك، يعني: ابتدئه بغير السلام؛ لأن الرسول قال: (لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام) بأي تحية، كما قال الأخ أقول: صباح الخير، ومع ذلك بإمكاني أن أقول صباح الخير لي وليس له، لأن التأويل بابه واسع.

стр. 78

الأسئلة

стр. 79

ما يقال عند قول المؤذن: (حي على الصلاة حي على الفلاح) السؤال حي على الصلاة، ماذا يقول من سمعها؟ وما معناها؟ الجواب يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله لأن النبي ﷺ أمر بذلك. ولكن أليس الناس الآن إذا أصابتهم مصيبة قالوا: لا حول ولا قوة إلا بالله، فهل هذه مصيبة إذا دعاك إلى الصلاة؟ المصيبة إن تركتها، لا حول ولا قوة إلا بالله هذه كلمة استعانة، قال النبي ﷺ لـ أبي موسى: (يا عبد الله بن قيس! ألا أدلك على كنزٍ من كنوز الجنة؟ قال: بلى، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله كنزٌ من كنوز الجنة) لأن معناها الاستعانة، كأنك تقول: أجيب وسمعاً وطاعة لكن لا حول لي ولا قوة إلا بالله. وما ذاك إلا لأن الرسول ﷺ أمرنا بها. وهذا جواب سديد لقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦] ، ولأن عائشة لما سألتها معاذة: (ما بال الحائض تقضي الصيام ولا تقضي الصلاة؟ قالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة) .

стр. 80

بيان معنى الساعة الأولى والثانية . في الحضور للجمعة السؤال يقول ﷺ : (من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الثانية فكأنما قرب بقرة. الحديث) فما هي الساعة وكيف تقدر؟ الجواب قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا -وهم هذه الأمة- فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر:٣٢] فضل الله يؤتيه من يشاء، فالذي يتأخر بعد الأذان آثم ظالمٌ لنفسه، والذي يأتي مع الأذان هذا مقتصد، والذي يأتي من قبل سابق بالخيرات، وقد بدأنا الآن: (من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، وفي الثانية بقرة، وفي الثالثة كبشاً أقرن -ما فضل الكبش الأقرن؟ لأنه دليل على قوته- ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة بيضة) ولكن ما هي الساعات التي أشار إليها الرسول ﵊ هل هي ساعاتنا هذه يعني: ستين دقيقة؟ أم ماذا؟ هي هذه الساعات، وهل تقدر الساعة الأولى بأنها طويلة أو قصيرة؟ الإمام يقدم الساعة السادسة حسب الترتيب في الحديث، لكن هذه الساعات الخمس السابقة على قدوم الإمام بماذا نقدرها؟ هل تجعل الأولى قصيرة من أجل أن يبادر الناس بالحضور، أو تجعل الساعات سواء؟ اختلف العلماء في هذه الساعة، منهم من قال: تبدأ بعد شروق الشمس، ومنهم من قال: بعد صلاة الفجر ويقسمون خمس ساعات على هذه، ما بين شروق الشمس إلى الأذان. ولكن هل تختلف طولاً وقصراً في الشتاء والصيف؟ وهل تختلف في الطول باختلاف الصيف وباختلاف الفصول؟ تختلف باختلاف الفصول، ففترة الشتاء بين الشروق والأذان قصيرة، وفي الصيف طويلة. ولا شك أن الذي يتأخر إلى مجيء الإمام قد حرم نفسه خيراً كثيراً لاسيما إذا لم يكن له شغل، وهنا أيضاً مشكلة: تجد بعض الناس يأتي ويتقدم لكن لا يشتغل بالعبادة، يأتي إليه أخوه أو صاحبه ثم يتكلمان، وربما يتكلمان في أعراض الناس والعياذ بالله في بيتٍ من بيوت الله، وهذا خطأ، إذا أتيت فصل وإذا مللت فاقرأ وإذا مللت سبح وهلل وكبر.

стр. 81

حكم الاغتسال للجمعة قبل وبعد طلوع فجر يوم الجمعة السؤال هل يجزئ الغسل للجمعة في ليلة الجمعة أي قبل طلوع فجر يوم الجمعة؟ الجواب لا يجزئ، لأن الغسل للجمعة لا يجزئ إلا إذا كان بعد طلوع الشمس، أما ما بين طلوع الشمس وطلوع الفجر فأنا أتردد فيه، وذلك لأن النهار شرعاً: ما بين طلوع الفجر وغروب الشمس، وفلكاً: ما بين طلوع الشمس وغروبها، فهل نحمل اليوم على اليوم الفلكي أو على اليوم الشرعي؟ من المعلوم أن نحمله على اليوم الشرعي، لكن يعكر على ذلك أن ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس وقتٌ لصلاة الفجر لا يندب الإنسان فيه إلى أن يتقدم إلى الجمعة، بل هو وقت صلاة فجر، فعلى كل حال نقول: أما من اغتسل بعد طلوع الشمس فقد أصاب السنة وامتثل الأمر ولا إشكال، وأما ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس فهو محل نظر، وعلى هذا فالاحتياط ألا يغتسل إلا بعد طلوع الشمس.

стр. 82

حكم من يستدل بحديث: (الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما) ويترك الصلاة إلا الجمعة السؤال من الناس من لا يصلي إلا صلاة الجمعة محتجاً بقول الرسول ﷺ : (الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما) ؟ الجواب ولو احتج بقول الرسول: (العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما) وترك الصلاة كان أفضل!! نعم. سبحان الله! الرسول ﷺ قال: (الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما -لكن قيد ذلك قال:- ما لم تؤت الكبائر) وأي كبيرة أعظم من ترك الصلاة؟! هذا فهم خاطئ، أعني الذي يقول: أنا أصلي الجمعة وأقول كما قال النبي ﵊: (الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما) نقول: الحديث مقيد: (ما لم تؤت الكبائر) وفي لفظٍ آخر: (إذا اجتنبت الكبائر) وأي كبيرة أعظم من ترك الصلاة؟ لا شيء؛ لأن ترك الصلاة كفر.

стр. 83

حكم الجمع بين الجمعة والعصر للمسافر السؤال قلتم حفظكم الله: لا يجمع إلى الجمعة ما بعدها -أي: صلاة العصر- ألا تحل الجمعة مكان الظهر؟ الجواب لا. لا تحل الجمعة مكان الظهر، والأصل وجوب فعل الصلاة في وقتها، لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾ [النساء:١٠٣] وإذا كانت الجمعة تخالف الظهر في أكثر من عشرين مسألة فلا يمكن إلحاقها بالظهر في الجمع؛ بأن تجمع عليها صلاة العصر.

стр. 84

حكم المواظبة على قراءة سورتي السجدة والإنسان فجر الجمعة السؤال هل من السنة المواظبة على قراءة سورتي السجدة والإنسان فجر الجمعة دائماً؟ الجواب نعم: (كان النبي ﷺ يقرأ بهما ويديم ذلك) وهذه اللفظة وإن لم تكن في الصحيحين لكنها لا تنافي ما في الصحيحين، لكن لو أنه خشي أن يظن العامة أن قراءتهما فرض فلا بأس أحياناً أن يقرأ بغيرهما مثلاً في الشهر مرة، في الشهرين مرة يقرأ بغيرهما يكون هذا جيداً.

стр. 85

حكم رفع اليدين والتأمين جهراً على دعاء الخطيب السؤال ما حكم رفع اليدين للمأمومين حينما يدعو الإمام أثناء الخطبة والتأمين جهراً؟ الجواب رفع اليدين عند الدعاء في الخطبة إنما يشرع في دعاء الاستسقاء فقط، يعني: مثلاً: في خطبة الجمعة دعا الإمام بالاستسقاء، قال: اللهم اسقنا، أغثنا هنا ترفع الأيدي، يرفعها الخطيب والمستمعون كلهم هكذا، في غير ذلك لا رفع، لا للخطيب ولا للمأمومين، ولهذا أنكر الصحابة ﵃ على بشر بن مروان حين رفع يديه في الدعاء في خطبة الجمعة، وإنما يشير الإمام إشارة عند الدعاء يشير هكذا إشارة إلى علو المدعو وهو الله ﵎. أما التأمين جهراً فإن ذلك ينافي كمال الاستماع إلى الخطبة، لكن إذا أراد أن يؤمن المأموم فليؤمن سراً، ولا حرج عليه في ذلك.

стр. 86

حكم التسليم على من يعلم عدم رده للسلام السؤال إذا دخلت إلى المنزل وسلمت على أهلي ولم يرد عليَّ منهم أحد، فهل أترك السلام؟ الجواب لا تترك السلام، إذا سلمت على إنسان ولم يرد عليك فذكره قل: يا أخي! لماذا لم ترد؟ وأرشده إلى وجوب الرد، ولكن إذا علمت أن هذا الرجل لا يرد السلام فهل تسلم أو تقول: لا أسلم لئلا أعرضه للإثم؟ اشتبه على بعض الناس، فقال: إذا علمت أن المسَلَّم عليه لا يرد السلام فلا تسلم؛ لأنك إذا سلمت ولم يرد كان آثماً فتكون أنت السبب في إثمه، فنقول: هذا خطأ، هذه نظرية خاطئة؛ لأنه إذا قصر هو في الواجب عليه فلا ينبغي لي أن أقصر فيما أمر به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين قال: (أفشوا السلام بينكم) فأنت سلم وإذا لم يرد فانصحه وقل: يا أخي! أنت يجب عليك إذا سلم عليك أخوك المسلم أن ترد ﵇.

стр. 87

حكم الجمع بين غسل الجنابة وغسل الجمعة السؤال ما حكم الجمع بين غسل الجنابة وغسل الجمعة؟ الجواب لا بأس بذلك، يعني: مثلاً إذا كان الإنسان جنباً واغتسل ونوى بذلك رفع الجنابة والاغتسال للجمعة فلا حرج في هذا، كما لو أن الإنسان دخل المسجد وصلى ركعتين ينوي بهما الراتبة وتحية المسجد فلا بأس، وهنا نقول: المسألة لا تخلو من أقسامٍ ثلاثة: أن ينوي غسل الجنابة فقط. أن ينوي غسل الجنابة والجمعة. أن ينوي غسل الجمعة فقط. بقي قسم رابع لكن لا يمكن أن يرد وهو: ألا ينويهما، وهذا غير وارد. فإذا نوى غسل الجنابة أجزأ عن غسل الجمعة إذا كان بعد طلوع الشمس، وإذا نواهما جميعاً أجزءه ونال الأجر لهما جميعاً، وإذا نوى غسل الجمعة لم يكفه عن غسل الجنابة، لماذا؟ لأن غسل الجمعة واجبٌ عن غير حدث، وغسل الجنابة واجبٌ عن حدث، فلابد من نية ترفع هذا الحدث. وإن كان بعض العلماء قال بالغسل مرتين لكنه لا وجه له، لأن السنة أتت: (من غسل واغتسل، وبكر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام ولم يلغ) فقول: (غسل واغتسل) بعض العلماء يقول: غسل الأذى ونظف بدنه، واغتسل اغتسال الجنابة المعروف، وبعضهم يقول: من غسل: أي من جامع زوجته؛ لأن جماعه إياها يستلزم أن تغتسل وهذا يدل على أن الغسل الواحد يكفي.

стр. 88

الدليل على تحريم إفراد صيام يوم السبت السؤال ما الدليل على صيام يوم قبل يوم السبت أو بعده؟ الجواب الدليل على أنه لا يفرد يوم السبت بصوم: أن النبي ﷺ قال (لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم، ولو أن يمضغ أحدكم غصن عنبٍ) أو كما قال ﵊، وهذا الحديث اختلف فيه العلماء، وهذا الحديث بعض العلماء قال: إنه شاذ، فيكون ضعيفاً، لأنه يخالف الحديث الثابت في الصحيحين أن النبي ﷺ دخل على إحدى نسائه وهي صائمة يوم الجمعة -أو دخلت عليه- فقال لها: (أصمتِ أمس؟ قالت: لا. قال: أتصومين غداً؟ قالت: لا، قال: فأفطري) ، وفي قوله: (أتصومين غداً) دليل على جواز صوم السبت في غير الفريضة، فيكون هذا الحديث شاذاً، ومن شرط صحة الحديث ألا يكون معللاً ولا شاذاً. ومن العلماء من قال: إنه منسوخ. ومنهم من قال: إنه يحمل على صومه منفرداً، وهذا ما ذهب إليه الإمام أحمد ﵀.

стр. 89

متى يشير المصلي بإصبعه في التشهد ؟ السؤال متى يشير المصلي بإصبعه في التشهد؟ الجواب يشير بإصبعه في التشهد كلما دعا، أي: عند الدعاء، كما جاء في الحديث وإن كان في صحته نظر: (يحركها يدعو بها) فمثلاً: إذا قلت: (التحيات لله والصلوات الطيبات) فهل تشير؟ لا تشير؛ لأنه ليس فيها دعاء هذه ثناء على الله. (السلام عليك أيها النبي! ورحمة الله وبركاته) أتشير؟ تشير لأنه دعاء. (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) تشير لأنه دعاء. (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد) تشير لأنه دعاء. (اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد) تشير لأنه دعاء. (أعوذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال) تشير لأنه دعاء.

стр. 90

حكم صيام التطوع إذا أثر على أداء واجب السؤال أحياناً أصوم الإثنين والخميس وأعقد النية على الصيام في الليل، وفي الصباح أذهب إلى عملي ولكن في بعض الأيام أشعر بالتعب والنعاس مما يضطرني للإفطار، فهل لي ذلك؟ الجواب أولاً: نقول للإنسان الذي له عمل رسمي: إذا كان صومه يخل بالعمل فإن صومه حرام، سواء الإثنين أو الخميس أو الأيام البيض، لماذا؟ لأن القيام بعمل الوظيفة واجب وصوم التطوع ليس بواجب، ولا يمكن أن يضيع الإنسان الواجب من أجل فعل المستحب، وهذه نقطة يخطئ فيها كثيرٌ من الناس؛ يتهاونون في أداء الواجب ويفعلون السنة، فهم كالذين يبنون قصراً ويهدمون مصراً، وهذا غلط. أما إذا كان الإنسان عنده قوة على تحمل العطش والجوع والهلع، أو كان في أيام الشتاء نهارٌ قصير وجوٌ بارد ولا يؤثر على عمله فليصم. وجواب السؤال -نحن ذكرنا الآن قاعدة عامة- لكن جواب السؤال: أن هذا الرجل الذي وجد من نفسه كسلاً وضعفاً عن أداء الواجب نقول: أفطر وجوباً، يجب عليك أن تفطر وتقوم بالعمل الواجب.

стр. 91

حكم الثوب الذي يُلبس إلى أنصاف الساقين السؤال هل الثوب الذي يلبس إلى أنصاف الساقين يعتبر ثوب شهرة في هذه الأيام؟ الجواب هو عند الناس يشيرون إليه بالأصابع إذا رأوا رجلاً من قومٍ يعتادون أن يكون اللباس نازلاً، أما إذا كان من قومٍ يعتادون رفع الثياب، لأن في بعض البلاد تجد ثيابهم قصيرة من أصل، وتجدها إلى نصف الساق والباقي في السروال، فهذا يعتبر لباس شهرة. ثم إنني أقول: ينبغي ألا نتشدد في هذا الأمر، أي: في رفع الثوب، لأن الأمر كله واسع، والصحابة منهم من يكون ثوبه إلى أسفل من نصف الساق، وعلى رأسهم أبو بكر الصديق ﵁ ثوبه نازل وأقره النبي ﵊، والدليل على أن ثوبه نازل أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما ذكر عقوبة من يجر ثوبه خيلاء قال: (يا رسول الله! إن أحد شقي إزاري يسترخي عليَّ إلا أن أتعاهده، فقال: إنك لست ممن يصنع ذلك خيلاء) ومن لازم كونه يسترخي عليه أن يكون أنزل من نصف الساق؛ لأنه لو كان إلى نصف الساق ونزل حتى وصل إلى ما تحت الكعبين تبدو عورته من فوق ضرورة، يعني: لو كان إزار يصل إلى نصف الساق، والأزر كما تعرفون في الغالب إلى السرة، إذا استرخى ونزل ينكشف ما فوق، وهذا دليل واضح على أن الأمر والحمد لله في هذا واسع، ولا ينبغي أن يعلق الإنسان الولاء والبراء على تقصير الثوب أو تطويله، لكن من رأى أخاه قد نزل ثوبه أسفل من الكعبين فلينصحه وليحذره، فإن الرسول ﷺ قال: (ما أسفل من الكعبين ففي النار) لكن لا ينتقده إذا رآه قد وصل إلى قريب الكعب، ويقول: خالفت السنة، وقد قال النبي ﷺ : (من رغب عن سنتي فليس مني) فجعله في ذلك فاعلاً لكبيرة، هذا غلط، بل ينبغي للإنسان أن ينظر الأدلة من جميع الجوانب، أما أن ينظر إلى الأدلة من جانبٍ واحد فهو كما قال بعض العلماء: كالناظر بعيني أعور، والأعور لا يبصر إلا بعينٍ واحدة من جانب واحد، لو أن واحداً أرسل عليه المسدس من عند عينه العوراء هل يشاهده؟ لا يشاهده، لذلك ينبغي للإنسان أن يتأنى في الحكم على الشيء، وفي الولاء والبراء؛ لأن المسألة منهاجية، إذا انزرعت في القلوب العداوة والبغضاء والكراهية، لحصل الخلل في الأمة، وأعداء الإسلام سواء من المنافقين والملحدين والمعلنين بكفرهم، أعداء الإسلام يتمنون أن تتفرق الأمة الإسلامية شيعاً، وهذا أطيب ما يكون لقلوبهم؛ لأن تفرق الأمة والعداوة بينها يفككها ولا يكون لها قوة.

стр. 92

حكم اقتناء ومشاهدة التلفاز السؤال عندي تلفازٌ في البيت ولا أشاهد فيه المحرمات، ولكن أولادي يشاهدون فيه أفلام الكرتون فقط، فما حكم ذلك؟ الجواب نصيحتي لكل مسلم أن يتجنب التلفاز وإدخاله بيته، لاسيما مع وجود الدشوش التي هي كالسرطان في الأمة، ولا يقتصر شرها على صاحب البيت، بل تنتشر إلى من حوله، فنصيحتي لكل مسلم نصيحة أخوية: أن يتجنب إدخال التلفاز بيته؛ لأنه يسلم ويسلم أهله، وهو لا يدري فلعله اليوم يمكنه أن يسيطر على نفسه وعلى أهله، ولكنه غداً لا يتمكن، يغلب، أو يموت فيرثه أهله من بعده ويكون كل مرأىً محرماً رأوه يكون إثمه أو يكون له نصيبٌ من إثمه؛ لأنه هو الذي تسبب في جلبه إلى البيت. فنصيحتي لإخواني: ألا يقتنوا هذا، والحمد لله الأخبار موجودة في غير التلفاز، موجودة في الراديو والأحاديث النبوية والمواعظ والقرآن فهو موجود في غير التلفاز، لكن لو فرض أنك زرت صديقاً لك ووجدته قد فتح التلفاز على الأخبار، فهل يحرم عليك مشاهدتها؟ الجواب: لا. لا يحرم؛ لأن مشاهدة الأخبار المجردة ليست فيها شيء، كأنك تطل على هؤلاء من فرجة، فلا بأس به، لكن الكلام على الاقتناء، والاقتناء شيء والمشاهدة شيء آخر، الاقتناء نصيحتي لكل مسلمٍ ألا يقتنيه، أما المشاهدة فعلى حسب ما يعرض فيه من خيرٍ أو شر، فإذا كان شراً الآن يكسره وينتهي منه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] ، وإذا كان البيت لأبيه، وأبوه هو الذي جاء بذلك ولا يستطيع هو أن يفعل شيئاً فقد قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] وإذا فتح التلفاز على مشاهداتٍ محرمة فليترك المجلس.

стр. 93

حكم شراء العرائس للأطفال السؤال ما حكم شراء العرائس والدمى للطفل الصغير مع أنها على هيئة الإنسان تماماً؟ الجواب الاحتياط ألا يشتريها للصغار، هذه الدمى التي تكون على صورة الإنسان بالضبط الاحتياط هو ألا يشتريها، وهناك بدل عنها وجدت الآن دمى ليست على نفس الصورة تماماً فيستغنى بهذه عن هذه، ويرخص للصغار ما لا يرخص للكبار؛ لأن الصغار تعتقد البنت أن هذه العروسة بنتها تجدها تحامي عليها، تضعها أمام المكيف وتفتح المكيف عليها من أجل أن تبردها في الصيف، وتدفيها في الشتاء، وتعتقد أنها بنتها، وتنطق البنت الصغيرة إذا جاءت تقابل بين عروستين تجي تنطق، تقول: كيف أنتم؟ كيف الزواج؟ كيف كذا؟ كيف كذا؟ يعني: تعتقد كأنها أمر صحيح، وهذا يعلمها ما هو في مستقبل أمرها، ولهذا يرخص للصغار في هذا الأمر ما لا يرخص للكبار، لكن كما قلت لكم أولاً: ينبغي أن نستغني عن هذه الصور التي تحكي هيئة الإنسان تماماً بالصور الأخرى التي من العهن -القطن والصوف- وفيه كفاية.

стр. 94

حكم العمل لدى شخص يستعمله في الحرام السؤال أنا مكفول وكفيلي يبيع المحرمات مثل الدخان وغير ذلك، فهل المال الذي آخذه حلال؟ الجواب لا يجوز للإنسان أن يؤجر نفسه لشخصٍ يستعمله في الحرام، يعني: مثلاً لو جاء إنسان وقال: أريد أن تكون عندي دلالاً في بيع شيء محرم، فإن هذا حرام، لقول الله ﵎: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢] .

стр. 95

حكم أكل اللحوم المستوردة السؤال ما رأيكم في الدجاج المستورد من الدول الغير مسلمة ومكتوب عليها: مذبوحٌ على الطريقة الإسلامية؟ الجواب أنا رأيي أن الدجاج الموجود عندنا أنه حلال؛ لأنه يرد من بلادٍ يحل ذبح أهلها، وهي بلاد النصارى أو اليهود، وقد تحرى أهل العلم عندنا عن هذا الموضوع واتصلوا بالمسئولين عن الاستيرادات، وقالوا: إنه لا يرد إلا شيءٌ قد ضمنا أنه ذبح ذبحاً شرعياً، فأرى أنه لا بأس أن يأكله الإنسان ولكن ليسم الله عند الأكل، وفي صحيح البخاري عن عائشة ﵂: (أن قوماً أتوا إلى رسول الله ﷺ وقالوا: إن قوماً يأتوننا باللحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟ قال: سمُّوا أنتم وكلوا. قالت: وكانوا حديثي عهدٍ بكفر) وحدثاء العهد بالكفر قد يخفى عليهم وجود الفتنة بالذبح، فأذن لهم الرسول ﷺ أن يأكلوا مع الشك في أنهم سموا أو لا، وقال: (سموا أنتم وكلوا) ولهذا أخذ العلماء من هذا الحديث قاعدة مفيدة وهي: أن الفعل إذا صدر من أهله فالأصل فيه الصحة والسلامة، هذا الذبح ذبحه مسلم أو يهودي أو نصراني، هل الذابح أهل للذكاة؟ أهل للذكاة؛ لأن أهل الذكاة ثلاثة أصناف: المسلمون، واليهود، والنصارى، فإذا ذبحه مسلم فالأصل الحل، وإذا ذبحه يهودي فالأصل الحل، وإذا ذبحه نصراني فالأصل الحل، كل فعلٍ صدر من أهله فالأصل فيه الصحة والسلامة، ولولا ذلك للحق الأمة مشقة عظيمة، لولا ذلك لقلنا: إذا باع عليَّ إنسان قلماً الظاهر أنه ملكه أليس كذلك؟ باع علي قلماً أخرجه من جيبه في غير المسجد وقال: تشتري هذا؟ فاشتريته بعشرة ريالات الأصل أن القلم قلمه، وأن البيع صحيح، لكن ألم يكن هناك احتمال أن يكون سرقه؟ هناك احتمال، هل نقول: لا يصلح البيع حتى نعلم من أين جاءه هذا القلم؟ أبداً، لا نقول هذا؛ لأننا لو قلنا ذلك وسألناه لقال: والله اشتريته من فلان، أتينا بفلان تعال: من أين جاءك القلم؟ قال: اشتريته من فلان، تعال يا فلان! من أين جاءك هذا القلم؟ حتى نصل إلى مصانع في أمريكا أو في بلدٍ آخر، وهذا لا يمكن أن يقول به أحد، الأصل أن كل فعلٍ صدر من أهله فهو صحيح وسليم.

стр. 96

حكم الذهاب إلى بلاد الكفار السؤال هل يجوز للشخص أن يذهب إلى بلاد الكفر لتعلم اللغة أو بعض العلوم الأخرى؟ الجواب أنا أرى أنه لا يجوز للإنسان أن يذهب إلى بلاد الكفر إلا بثلاثة شروط انتبهوا لها: الشرط الأول: أن يكون عنده علمٌ يدفع به الشبهات؛ لأن بلاد الكفر فيها من يورد الشبهات من الكافرين أنفسهم ومن أهل البدع الذين هناك، في بلاد الكفر أمم على بدعٍ مضلة، فإذا لم يكن عند الإنسان علمٌ يدفع به الشبهات التي تورد عليه فلا يذهب، لأن حماية الدين أولى من كل شيء. الشرط الثاني: أن يكون عنده دينٌ يحميه عن الشهوات. بلاد الكفر فيها شهوات، فيها والعياذ بالله الزنا وشرب الخمر آفات وآفات، إذا لم يكن عند الإنسان دينٌ يحميه عن الشهوات فربما يقع فريسة لشهوات نفسه. الشرط الثالث: الحاجة إلى ذلك، فإن لم يكن حاجة فلا، ولهذا نرى من الخطأ أولئك القوم الذين يذهبون بعوائلهم إلى بلاد الكفر في الإجازة للتنزه، لما في ذلك من إضاعة المال لأنهم ينفقون أموالاً كثيرة، وإضاعة الوقت، والغياب عن بلاد الإسلام التي يسمعون فيها في كل وقت صلاة: الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، هذا لا يوجد في بلاد الكفر، كيف يغيب الإنسان عن هذا، أما يخشى أن يموت هناك وهو لم يسمع أذاناً؟!! ثم لما يحصل للأولاد، والصغار كما تعلمون رءوسهم كالمسجل إذا شاهدوا شيئاً انطبع في رءوسهم ولم يتغير، وهذا خطر عظيم، فنرى أن هؤلاء الذين أنعم الله عليهم بالنعم يجب عليهم أن يشكروها، وأن يبذلوها فيما ينفع دنيا أو أخرى، وإلا أضاعوا أموالهم ووقعوا فيما نهى الله عنه، وفيما نهى عنه رسول الله ﷺ في قوله حيث نهى عن إضاعة المال.

стр. 97

حكم من تاب من سماع وسرقة أشرطة الأغاني وأراد إرجاع الأشرطة السؤال شخص سرق أشرطة أغانٍ، ثم تاب من استماع الأغاني، فهل عليه أن يرجعها إلى صاحبها علماً أنها غير موجودة لديه الآن؟ الجواب الواجب عليه حين تاب أن يمسح هذه الأشرطة وجوباً وينبغي أن يملأها بأشياء نافعة، وأما أن يردها إلى صاحبها والأغاني باقية فيها فلا يجوز؛ لأن هذا إقرار على منكر.

стр. 98

حكم الألعاب الشعبية للرجال السؤال ما حكم الألعاب الشعبية للرجال كالزير والعرض وغيرها؟ الجواب هذه ليس لنا جوابٌ عليها.

стр. 99

استئجار النساء لضرب الدفوف السؤال ما حكم استئجار النساء لضرب الدف؟ الجواب استئجار النساء للدف في ليلة العرس لا بأس به، لماذا؟ لأنه استئجارٌ على عملٍ مباح، بل هو مسنون، وما كان عوضاً عن حلال فهو حلال، ولكن أسمع أن في استئجارهن إسرافاً؛ لأن المرأة تستأجر بمائة ريال وقيل: بخمسة آلاف ريال. تعمل ساعة واحدة بمائة ريال، أو بخمسة آلاف ريال، وإذا كان كذلك صار إضاعة للمال، خمسة آلاف ريال تعطى لامرأة لتضرب بالدف لمدة ساعة أو ساعتين، هذا إضاعة للمال. وبعض النساء المغنيات الضاربات بالدف يلقين هذا بمكبرات الصوت، فيحصل بذلك فتنة، لأنه ربما تكون المرأة صوتها رخيم يثير الفتنة، ويحصل بذلك أذية على الجيران، لكن مرجع هذه إلى المسئولين في البلد يجب عليهم أن يمنعوا ما يكون فيه أذى أو فتنة. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 100

دروس وفتاوى الحرم المدني لعام ١٤١٦هـ[٤] في هذا اللقاء تكلم الشيخ بما فتح الله عليه من تفسير أواخر سورة البقرة، حيث تطرق فيها إلى وسائل دفع الوسوسة، وبيان سعة مغفرة الله تعالى، والتحذير من التسرع في الفتيا، ووجوب التصديق والعمل بالآيات، وبين جملة من القواعد والأحكام الفقهية في مسائل التكليف، وبيان أنواع من التخفيف على هذه الأمة والتي كانت موجودة في الأمم السابقة.

стр. 101

تفسير أواخر سورة البقرة الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. أما بعد: فإننا استمعنا إلى ما قرأه إمامنا في هذه الليلة في صلاة المغرب، وهي ليلة السبت الحادي عشر من شهر ربيع الثاني عام (١٤١٦هـ) في المسجد النبوي، وقد قرأ في الركعة الأولى آخر سورة البقرة، وفي الركعة الثانية آخر سورة النحل، وكل الآيات مهمة جداً، ولكن نبدأ بالأول فالأول، نتكلم على الآيات التي قرأها من آخر سورة البقرة.

стр. 102

تفسير قوله تعالى: (لله ما في السماوات وما في الأرض) قال الله : ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة:٢٨٤] ما: اسم معنى، اسم موصول يعم كل ما في السماوات والأرض فهو لله، لا يشركه فيه أحد، كما قال الله ﵎: ﴿لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَه﴾ [سبأ:٢٢-٢٣] . وفي الآية حصر، أي: حصر ملك السماوات والأرض لله وحده؛ والحصر: تخصيص شيء بشيء، فما هو طريق الحصر في هذه الآية؟ طريق الحصر أنه قدم ما حقه التأخير، فقوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ لو أردنا أن نعربها لقلنا: (ما) مبتدأ، و (لله) خبره، فقدم الخبر، وتقديم الخبر يفيد الحصر والاقتصار، فملك السماوات والأرض لله وحده، أما ملكنا نحن لما نملكه، كملك الإنسان لقلمه أو لساعته أو لثوبه فهذا ملكٌ قاصر، ولهذا لا يحل لنا أن نتصرف في هذا الملك إلا حسب ما أذن الله لنا فيه، أرأيتم لو أن إنساناً أراد أن ينفق ماله أيملك هذا؟ لا. لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً﴾ [النساء:٥] يعني: فيفسدوها، ونهى النبي ﷺ عن إضاعة المال. ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ انتبه لهذه الجملة من الآية: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ هذه الجملة شديدة على الإنسان؛ إن الإنسان إذا أضمر في نفسه شيئاً حاسبه الله سواء أبداه أو أخفاه، هذا صعب جداً، ولهذا نزلت الآية بعدها، وهي قول الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] فالحمد لله رب العالمين، ما لا يمكنك مما تحدثك به نفسك فإنه لا يضرك شيئاً ولو كان أعظم عظيم، لقوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] ، ولقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم) اللهم لك الحمد، نعمة امتن الله بها علينا، حديث النفس لا منتهى له، النفس تحدث الإنسان بأشياء ربما تكون فضيعة، ربما تكون كفراً وشركاً وإلحاداً، ولكن هل يؤاخذ على هذا؟ لا. لا يؤاخذ، إنما يجب عليه أن يفعل ما يطرد به هذا الحديث الذي حدثت به النفس، وهو -أي: ما يطرد هذا الحديث- شيئان، وصفهما لنا طبيب الأمة محمدٌ صلى الله عليه وعلى آله وسلم حيث قال: (وليستعذ بالله ولينته) كلمتان: إحداهما تستطيعها وباختيارك وهي الانتهاء، والثانية: بإذن الله تستعيذ بالله. ومعنى الاستعاذة بالله: الالتجاء والاعتصام، أعوذ بالله، أي: ألتجئ إلى الله وأعتصم به، مِمن؟ من الشيطان؛ لأن الذي يلقي هذه الوساوس في القلوب هو الشيطان. الصحابة ﵃ شكوا إلى الرسول ﵊ هذا، وقالوا: (يا رسول الله! إننا نجد في نفوسنا ما نحب أن نخر من السماء ولا نتكلم به) ، وفي حديثٍ آخر: (ما نحب أن يكون أحدنا حممة -أي: فحمة محترقة- ولا يتكلم به، فقال ﵊: أوجدتم ذلك؟ قالوا: نعم. قال: هذا صريح الإيمان) وما معنى (صريح الإيمان) ؟ الصريح من كل شيء خالصه، وإنما كان هذا صريح الإيمان؛ لأن الشيطان يحاول أن يكدر هذا الصريح، ولو كان الصريح كدراً ما حاول، ولهذا قيل لـ ابن مسعود أو ابن عباس: [إن اليهود يقولون: إننا لا نفكر في صلاتنا ولا نوسوس في صلاتنا -يعني: ونحن المسلمون نفكر في الصلاة، نفكر كثيراً بأشياء لا فائدة منها- فقال ابن عباس: وما يفعل الشيطان بقلبٍ خرب] يعني: ماذا يفعل فيه، قلب خربان لا يقربه الشيطان لأنه خارب، إنما يأتي الشيطان للقلوب الصحيحة ليمرضها، والصالحة ليفسدها، وقال النبي ﵊: (لا يزال الناس يتساءلون: من خلق كذا؟) يعني: من خلق السماوات؟ الجواب الله، من خلق الأرض؟ الله، من خلق الشمس؟ الله، من خلق القمر؟ الله، من خلق النجوم؟ الله، ثم يأتي الشيطان يقفز بهم ويقول: من خلق الله؟ أعوذ بالله، قال النبي ﷺ : (فإذا وجد أحدكم ذلك فليستعذ بالله، ولينته) وهذه من نعمة الله. فعليك أخي المسلم! ألا تستولي عليك هذه الوساوس حتى تنخدع وتخضع لها بل اطردها، اطردها بشيئين هما: الاستعاذة بالله، والإعراض عنها، انته عنها، صد عنها، لا تهمك، اشتغل بما بين يديك وانسها حتى تزول بالكلية، وهل هذا يشمل الوساوس في العلاقات بين الزوجين؟ بمعنى: لو أن الشيطان حدثك في نفسك بأنك طلقت زوجتك، أتطلق؟ لا. إنسان يحدث نفسه، يقول: هذه زوجة ليست صالحة، هذه أتعبتني، هذه فعلت ما فعلت، ثم يقول في نفسه: هي طالق دون أن ينطق بها بلسانه، تطلق أو لا؟ لا تطلق، ولهذا ليطمئن أولئك الذين يلقي الشيطان في قلوبهم أنهم طلقوا زوجاتهم دون أن يتكلموا بذلك ليطمئنوا أن زوجاتهم باقيات وأنهن لم يطلقن، وهذه من نعمة الله . وإن هم الإنسان أن يفعل معصية، ولكن تذكر عظمة الله، تذكر عقاب الله، تذكر ما تحدثه المعاصي في القلوب؛ لأن المعاصي سهام القلوب تخرق القلوب حتى تتلف، لما تذكر هذا خاف الله وترك الهم بالمعصية، ماذا يكون عليه؟ يأثم أو لا يأثم؟ لا يأثم بل يؤجر، يكتبها الله تعالى حسنة كاملة، ولله الحمد، قال في الحديث: (لأنه تركها من جرائي) معنى من جرائي: أي من أجلي. فهذه من نعمة الله أن حديث النفس لا أثر له، ولكن اخش واحذر أن يتسلط عليك الشيطان حتى يكون هذا الحديث انفعالاً وإرادة فتهلك. يقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ يكون الله تعالى قد أعلمنا في الآية الثانية: أنه إذا كان هذا الأمر ليس بوسعنا فإننا غير مكلفين به، ونبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم أخبرنا: بأن الله تجاوز عنا ما حدثت به أنفسنا ما لم نعمل أو نتكلم: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ يعني: إذا حاسبنا الله على ما في قلوبنا فإن المشيئة التامة له؛ إن شاء غفر وإن شاء عذب. وفي الآية إثبات مشيئة الله وأنه يفعل ما يشاء، لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه ولا يسأل عما يفعل؛ لأنه لا يفعل شيئاً إلا لحكمة سواء علمناها أم لم نعلمها. وفي آية أخرى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] هذه الآية أوجبت للعصاة الذين يعصون الله بغير الشرك أن يتهاونوا، وإذا نهيته عن معصية ارتكبها يقول: الله غفور رحيم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ هكذا الشيطان يوسوس لهم، يجعلهم يعملون بالمتشابه من القرآن ويتركون المحكم. ولكن هل أنت على ثقة من أن تكون ممن شاء الله أن يغفر لهم؟ أجيبوا يا جماعة؟ لا؛ لأنه ما قال: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك) ولم يقيده، بل قيده فقال: (لمن يشاء) فهل أنت على ثقة أنك ممن شاء الله أن يغفر له؟ لست على ثقة. ثم إن المعاصي يجر بعضها بعضاً، ولذلك حرم النظر للمرأة التي ليست بينك وبينها محرمية، لماذا؟ نظرة فقط حرام؟ لأنه يجر إلى الزنا، فالمعاصي في الواقع مشترك بعضها ببعض، إذا تهاونت بمعصية هون عليك الشيطان ما هو أعظم منها، ثم ما هو أعظم، حتى يوصلك إلى الشرك. واستمع إلى الذين غمرت قلوبهم المعصية ماذا قالوا عن آيات الله؟ ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [المطففين:١] يعني: هذه (سواليف) وليست بشيء، قال الله : ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤] انظر المعاصي تجعل الإنسان يتصور أن آيات الله أساطير الأولين؛ لأنه لا يصل معناها إلى قلبه والعياذ بالله، بل هو قلب مغلق، فلا يصل الإيمان بهذه الآيات إلى قلبه، ولا تفيد قلبه شيئاً؛ لأنه قد ران على قلبه ما كان يكسب. فالمعاصي يا أخي! احذرها ولا تتهاون بها: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٨٤] (والله على كل شيء قدير) كل شيء، وهذه الكلمة فيها عمومٌ، كل شيء موجود فهو قادر على إعدامه بلحظة، وكل شيء مفقود فهو قادر على إيجاده بلحظة: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] والله على كل شيء قدير فما هي القدرة؟ القدرة هي: فعل الفاعل بلا عجز، يعني: أن يفعل الفاعل والشيء بلا عجز. وما هي القوة؟ أن يفعل الشيء بلا ضعف، انتبه للفرق! كثير من الناس لا يفرق بين القدرة والقوة، والواقع أن بينهما فرقاً؛ القوة ضدها الضعف، والقدرة ضدها العجز، واستمع للفرق بين هذا وهذا من القرآن: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً﴾ [الروم:٥٤] هذه تدل على أن ضد القوة الضعف. وضد القدرة العجز، استمع: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً﴾ [فاطر:٤٤] ولم يقل: قوياً؛ لأن ضد العجز القدرة. وهنا أضرب لكم مثلاً حسياً يبين لكم الفرق بين القدرة

стр. 103

تفسير قوله تعالى: (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون) قال الله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥] (آمن الرسول) من الرسول؟ محمد رسول الله ﷺ ، (بما أنزل إليه من ربه) وهو ما ذكره الله في قوله: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء:١١٣] فالرسول ﵊ آمن بالكتاب والسنة، ولهذا كان هو يشهد بأنه رسول الله، يشهد لنفسه بأنه رسول الله، ولا بد أن يكون كذلك؛ لا بد أن يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله. والإيمان بالله يتضمن أربعة أمور: ١/ الإيمان بوجوده. ٢/ الإيمان بربوبيته. ٣/ الإيمان بألوهيته. ٤/ الإيمان بأسمائه وصفاته. ولا حاجة أن نطيل الكلام فيها لأنها سبقت في لقاءات ماضية. (كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ) الملائكة: هم عبادٌ خلقهم الله ليقوموا بطاعته، وهم كما قال الله : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ [فاطر:١] فنؤمن بالملائكة عموماً، ونؤمن بمن عرفنا أسماءهم خصوصاً، ومن أسمائهم: ١- جبريل: وهو أفضل الملائكة، وهو موكل بالوحي. ٢- إسرافيل: موكل بنفخ الصور. ٣- ميكائيل: موكل بالقطر والنبات. هل جمع النبي ﷺ بين هؤلاء الثلاثة في حديثٍ واحد؟ نعم. جمع النبي ﷺ هؤلاء الثلاثة في استفتاح صلاة الليل، يقول في استفتاح صلاة الليل: (اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراطٍ مستقيم) الله أكبر! الرسول يقول: (اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك) فكيف بنا نحن المعرضون للخطر والخطأ؟!! أكثر الناس إذا قال قولاً يظن أنه على الصواب، يقول: هذا هو الصواب، وما عداه فهو خطأ، سبحان الله! هل تدري هل هديت إلى ما اختلف فيه من الحق بإذن الله؟! لا تدري، لست معصوماً، قد تخطئ وقد تصيب، وإذا كان النبي ﵊ يسأل ربه هذا السؤال، فجديرٌ بنا نحن أن نسأل الله هذا السؤال، ولاسيما عندما يورد علينا استفتاء، فإن الإنسان ينبغي له أن يلجأ إلى الله بقلبه ولسانه وحاله أن يوفقه للصواب؛ لأن المفتي -يا إخواني! - معبر عمن؟ عن الله، معبر عن الله فليست المسألة هينة، ومع الأسف أن من الناس الآن من يتسابقون إلى الفتيا أيهم يفتي، وليس عندهم من العلم ما يجعلهم أهلاً للفتيا. السلف الصالح هل كانوا يتسابقون في الفتيا أو يتدافعونها؟ يتدافعونها، كل واحد يقول: اذهب للثاني، لأن الإنسان يخشى، والله نخشى من الفتيا، ولولا أن الإنسان يخشى من كتمان العلم، أو أن السائل يذهب إلى إنسان جاهل ويفتيه لكان الإنسان يتوقف عن الفتيا ليسلم، لكن من استفتي وعنده علم فإن عدم إقدامه على الفتيا ليس بسلامة بل هو عطب. هؤلاء الثلاثة كان الرسول ﵊ يذكرهم في استفتاح صلاة الليل. ((وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ)) نعرف من الكتب أشياء ويخفى علينا أكثر الكتب، فنؤمن بالكتب إجمالاً، وأن كل رسولٍ أرسله الله أنزل معه كتاباً حقاً ولكن نعرف من الكتب: أول ما يدخل في الكتب القرآن لا شك، كتاب الله. التوراة منزلة على من؟ على موسى. الإنجيل على عيسى. الزبور على داود. ((صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى)) ، أما صحف إبراهيم فلا نعرف لها إلا هذا الاسم، وأما صحف موسى فقيل: إنها التوراة وقيل: غيرها، والله أعلم. (لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ) لا نفرق بين نوح أول الرسل ومحمد ﷺ آخر الرسل، بماذا لا نفرق؟ بالتصديق والإيمان، نؤمن بأنهم رسل من عند الله حقاً، ونؤمن بما صح عنهم من الأخبار، وأما الأحكام فإن شريعتنا ناسخة لجميع الشرائع، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ﴾ [المائدة:٤٨] فللقرآن السيطرة على جميع الكتب، لو جاء في التوراة أو الإنجيل حكم وصح صحة لا ريب فيها، ولكنه يخالف ما في القرآن؛ فالعبرة بما في القرآن، هذا بالنسبة للأحكام، أما الأخبار فإنها لا تنسخ، وكل ما صح من الأخبار عن الكتب السابقة فهو حق، لكن تعلمون أن الكتب السابقة لم يتكفل الله تعالى بحفظها، بل قال: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ [المائدة:٤٤] فجعل حفظها لمن أنزل عليهم، ولكنهم لم يقوموا بالحفظ، بل حرفوا وبدلوا وغيروا. إذاً: الكتب أولها: القرآن، الرسل أولهم: نوح وآخرهم محمد صلى الله عليهم وسلم أجمعين.

стр. 104

تفسير قوله تعالى: (وقالوا سمعنا وأطعنا) قال تعالى: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة:٢٨٥] الضمير يعود على من؟ على الرسول والمؤمنين؛ لأنه قال: (آمن الرسول والمؤمنون) (وقالوا) أي: الرسول ومن آمن به: (سمعنا وأطعنا) ليسوا يقولون: (سمعنا وعصينا) ولكن يقولون: (سمعنا وأطعنا) أي: امتثلنا ما أمرنا به وتركنا ما نهينا عنه. ومن الطاعة: تصديق الخبر، ولهذا لو قال قائل: لماذا لم يقولوا: سمعنا وصدقنا؟ لأن الكتب فيها أوامر ونواه وفيها أخبار، الطاعة للأوامر والنواهي، والتصديق للأخبار، نقول: ومن الطاعة أن نصدق بالأخبار؛ لأنه يجب علينا أن نصدق بكل خبرٍ جاء في هذه الكتب إذا صح به النقل، ثم إنه يجب أن نسمع ونطيع سواء علمنا الحكمة أم لم نعلم، ومن كان لا يطيع إلا إذا علم الحكمة فإنه ليس بمؤمن، انتبه! لماذا؟ لأنه اتبع هواه، إذا قال الإنسان: أنا لا أصلي حتى أعرف الحكمة من الصلاة! لا أتطهر حتى أعرف الحكمة! قلنا: إذاً لست بمؤمن! المؤمن يقول: (سمعنا وأطعنا) صل الظهر أربعاً، قال واحد: حسناً ولكن ما الحكمة، لماذا أربعاً؟ لماذا لم تكن ركعتين أو ستاً؟ يقول: لا يصلي هو، هل هذا مؤمن؟! لا. المؤمن يقول: (سمعنا وأطعنا) ولهذا قال الله تعالى في سورة الأحزاب: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ [الأحزاب:٣٦] .

стр. 105

تفسير قوله تعالى: (غفرانك ربنا وإليك المصير) ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥] ونصبت غفرانك مع أنها في أول الجملة، وكان فيما يبدو أن تكون بالرفع، لكنها منصوبة بفعل محذوف، أي: نسألك غفرانك، يقولون: (سمعنا وأطعنا) ثم يقولون: (نسألك غفرانك) لأن الإنسان وإن أطاع فقد يكون في عمله نقص وقصور، ولهذا نصلي وأول ما نبدأ به بعد الصلاة أن نقول: أستغفر الله أستغفر الله أستغفر الله؛ لأن الإنسان لا يخلو من خلل، وهنا قالوا: (سمعنا وأطعنا) ثم قالوا: (غفرانك) خشية أن يكون فيما أطاعوا الله فيه شيءٌ من النقص، قال الله تعالى: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٨] بعدما يصلون ويتهجدون يتفرغون للاستغفار، سبحان الله! وهم قد تهجدوا في الليل، فلماذا يسألون بالاستغفار في آخر الليل؟ خوفاً من أن يكون في عبادتهم نقص، وهذه ملاحظة ينبغي للإنسان أن ينتبه لها، لا تقل: أنا صليت وبرئت الذمة وحصلت القربة من الله، لا. لا تقل هكذا، لعله يكون فيها نقص، حسناً يقول: ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾ قد يقول المبتدي في النحو: لماذا لم تكن ربِنا، صفة للكاف التي محلها الجر؟ أنا لا أظن أن أحداً لا يعرف إعراب (ربَنا) ممن شم رائحة النحو، فهي منادى حذفت منه ياء النداء، ربنا يعني: يا ربنا! نسألك غفرانك، ونعم الرب ربنا جل وعلا، وما أقربه من الداعي: (وينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له) اللهم اجعلنا ممن يتعرضون لهذا النداء يا رب العالمين. يقول: ﴿رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ هل المراد إليك المصير في عبادتنا فلا نشرع إلا ما شرعت، إليك المصير في تدبير أمورنا فأنت تدبر أمورنا، إليك المصير يوم القيامة، هل يشمل هذه الثلاثة وغيرها مما مصيره إلى الله؟ أو خاص بيوم القيامة؟ الجواب يشمل، وسنعطيكم فائدة في التفسير: إذا رأيت الآية تشمل معانٍ متعددة لا ينافي بعضها بعضاً، وليس بعضها أولى من البعض، فاحملها على العموم، وهذه قاعدة تفيد طالب العلم. انظروا إلى قول الله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ * وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير:١٧-١٨] ماذا قال المفسرون في (عسعس) ؟ قالوا: أقبل، وبعضهم قال: أدبر، أي قالوا: إن الله أقسم بالليل حين إقباله، وبعضهم قال: أقسم بالليل حين إدباره، والآية تشمل التفسيرين، إذاً: (عسعس) من أفعال الأضداد، في اللغة العربية أفعال تكون للشيء وضده. فعلى أيها تحمل الآية؟ نحملها على العموم، يعني: على المعنيين جميعاً، نقول: أقسم الله تعالى بالليل إذا أقبل والليل إذا أدبر؛ لأن إقبال الليل وإدباره من أعظم آيات الله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ * وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [القصص:٧١-٧٣] . إذاً: قول الله تعالى: (وإليه المصير) يشمل العموم: المصير في الآخرة، المصير في الشرع، المصير في القدر، كل شيء، المصير إلى الله ، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم:٤٢] ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ [العلق:٨] .

стр. 106

تفسير قوله تعالى: (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها) قال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] هذه نعمة عظيمة تشبه قول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] كل شيءٍ لا يمكنك ولا تستطيعه فهو ساقط عنك، وأنت غير مكلف به. وهذه قاعدة -يا إخواني! - في المأمورات، فلقاؤنا الليلة إن شاء الله قواعد، والقواعد خيرٌ من الفروع: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ هذه قاعدة المأمورات، كل شيءٍ لا تستطيعه من المأمورات يسقط عنك؛ لأن الله قال: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ، ثم إن كان لهذا الواجب بدل أتيت بالبدل، وإن لم يكن له بدل سقط عنك نهائياً. ومثاله: إذا ظاهر الرجل من زوجته، فقال لها والعياذ بالله: هي عليه كظهر أمه، هذا منكر وكذب، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً﴾ [المجادلة:٢] ماذا عليه؟ عليه أولاً: أن يعتق رقبة، هذا الواجب، لم يجد رقبة إما لعدم المال عنده وإما لعدم وجود الرقاب، فتسقط عنه الرقبة، يأتي دور: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [المجادلة:٤] يجب أن يصوم شهرين متتابعين لا يفطر بينهما إلا بعذرٍ شرعي أو عذر قدري، ولكن لم يستطع الرجل لضعفه أن يصوم شهرين متتابعين، لا في الشتاء ولا في الصيف، يسقط الصيام أو لا؟ يسقط إلى شيء ثالث: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً﴾ [المجادلة:٤] ما وجد، فقير لا يجد أن يطعم ستين مسكيناً، ماذا يكون؟ يسقط عنه، ودليل هذا قوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ . وقصة الرجل الذي جامع زوجته في نهار رمضان وهو صائم استمعوا لها وفيها فائدة أيضاً: جاء رجل إلى الرسول ﵊، وقال: (يا رسول الله! هلكت وأهلكت -هلك هو بنفسه وأهلك زوجته- وقعت على امرأتي في رمضان وأنا صائم -ماذا كان من الرسول ﵊ أنهره؟ ما نهره، ولا زجره، أمره بما يبرئ ذمته- أمره أن يعتق رقبة، قال: لا أجد، قال: صم شهرين متتابعين؟ قال: لا أستطيع، قال: أطعم ستين مسكيناً؟ قال: ما عندي -كل المراتب الثلاث لا يستطيعها- ثم جلس الرجل فجيء بتمر إلى الرسول ﵊، فقال له الرسول ﵊: خذ هذا تصدق به، أطعم منه ستين مسكيناً، فقال الرجل: أعلى أفقر مني؟ والله ما بين لابتيها أهل بيتٍ أفقر مني -سبحان الله! الإنسان عنده طمع، أعلى أفقر مني؟ - فضحك النبي ﵊ -اللهم صلِّ وسلم عليه، هذا يدعو الناس إلى دين الله بالبشر والابتسامة والضحك والتيسير والتبشير، ليس بالعنف والغضب والغيظ- ضحك النبي ﵊ حتى بدت نواجذه ثم قال: أطعمه أهلك) فرجع الرجل الذي خرج من عند زوجته وهو خائف، رجع وهو غانم؛ معه تمرٌ لأهله، وهل قال: وإذا قَدَرْتَ بعد ذلك فأطعم؟ لا. إذاً: سقط عنه حتى الإطعام؛ لأنه لا يستطيع، والله يقول: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ . مثال آخر: رجل قتل نفساً خطأً، فقلنا له: أعتق رقبة، قال: ما عندي، قلنا: صم شهرين متتابعين، قال: لا أستطيع، ماذا نقول؟ نقول له: ليس عليك شيء، يعني: الله ذكر خصلتين في كفارة القتل وهما: تحرير رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، وما ذكر الإطعام، إذاً: إذا قال هذا الذي وجبت عليه كفارة القتل: لا أجد الرقبة، قلنا: صم، قال: لا أستطيع الصيام، قلنا: ليس عليك شيء، لا يوجد إطعام، من أين نأخذ هذا الحكم؟ من قوله: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ هذه في الأوامر.

стр. 107

تفسير قوله تعالى: (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) تأتي النواهي: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] ماذا قال ربنا جل وعلا؟ (قال الله: قد فعلت) أي: لا أؤاخذكم إذا نسيتم أو أخطأتم، هذه الجملة الثانية في النواهي، فإذا فعل الإنسان معصية ناسياً أو فعل معصية مخطئاً لا يعلم أنها حرام فلا شيء عليه وكأنه لم يفعلها. نضرب أمثلة لهذا: رجل يصلي والذي يصلي لا يتكلم أبداً إلا مع الله؛ لأن النبي ﷺ قال: (إذا صلى أحدكم فإنه يناجي ربه) (تقول: ((الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)) [الفاتحة:٢] فيقول الله: حمدني عبدي) المهم لا يتكلم كلام آدميين، لكنه قرع عليه الباب واحد يستأذن، فسمع الباب وقال: تفضل -يقول للذي قرع الباب- لكنه ناسٍ أنه في الصلاة، ماذا يكون عليه؟ لا شيء، تبطل صلاته أو لا تبطل؟ لا تبطل، لماذا؟ لأنه ناسٍ غافل. رجل آخر يحب الخير ويحب أن يقوم بالواجبات فعطس إلى جنبه أحد المصلين وهو معه يصلي، فقال الذي عطس: الحمد لله، وهذا جائز ومشروع، إذا عطست وأنت تصلي قل: الحمد لله، الثاني زميله إلى جنبه قال: يرحمك الله، متأولاً؛ لأن يرحمك الله دعاء، وهو يتصور أن الدعاء في الصلاة لا يبطل الصلاة، ولو كان بكاف الخطاب، قال: يرحمك الله، فلما انتهت الصلاة، قال له بعض الحاضرين: أعد الصلاة لأنك تكلمت بكلام آدميين؛ تخاطب صاحبك تقول: يرحمك الله، فماذا نقول له بناءً على القاعدة التي ذكرها الله في الآية؟ نقول: لا شيء عليك، والذي قال: إن صلاتك باطلة ليس على صواب؛ لأن السنة تحكم بين الناس، والسنة وقعت بمثل هذه الصورة ولم يأمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من تكلم بإعادة الصلاة: (معاوية بن الحكم ﵁ دخل يصلي فعطس رجلٌ من القوم فقال: الحمد لله، فقال له معاوية: يرحمك الله، فرماه الناس بأبصارهم، رموه بأبصارهم -يعني: نظروا إليه نظرة إنكار؛ لأن الإنسان إذا نظر إليك نظر رضاً ما يقال رماك ببصره، لكن نظر إنكار- يقال: رموه بأبصارهم مستنكرين قوله، فقال: واثكل أمياه -يعني: تكلم مرة ثانية- فجعلوا يضربون أفخاذهم يسكتونه فسكت، فلما انتهت الصلاة، دعاه من بالمؤمنين رءوف رحيم ﷺ ، بعدما انتهت الصلاة دعاه قال معاوية: فبأبي هو وأمي! والله ما كهرني ولا نهرني -لا أنكر عليه بالوجه ولا باللسان، ما كهره ولا نهره- وإنما قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيءٌ من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن) أو كما قال، ولم يأمره بالإعادة. وهذا بناء على أن من فعل محذوراً جاهلاً فليس عليه شيء. وفي حديث أبي هريرة الثابت في الصحيح: (من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه) هذا إنسان نسي أنه صائم فمر على البراد، فشرب لأنه عطشان، ونسي أن كان صائماً، ماذا نقول له؟ لا شيء عليه. رجل آخر معه عنقود عنب، فجعل يأكل من العنقود ناسياً أنه صائم، فلما بقي حبة واحدة ذكر أنه صائم، فقال: سآكل هذه الحبة، إن كان العنقود الأول لا يفطرني فالحبة هذه لا تفطرني، وإن كان يفطرني فقد انتهى الموضوع، ماذا تقولون في هذا؟ أفطر بالحبة الأخيرة؛ لأنه كان الواجب عليه أن يتوقف ويسأل، ربما يقول قائل: هذا أكل الحبة جاهلاً، لكن نقول: هو مفرط، الواجب عليه أن يسأل. رجلٌ احتجم وهو صائم يظن أن الحجامة لا تفطر، أيفسد صومه؟ لا. لأنه جاهل. رجل أفطر يظن أن الشمس قد غربت ثم تبين أنها لم تغرب، فهل يفسد صومه؟ لا. رجل أكل بعد طلوع الفجر يظن أن قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧] أن المراد بالخيوط الحبال، وجعل يأكل ويشرب حتى تبين الحبل الأسود من الحبل الأبيض، أيفسد صومه؟ لا يفسد؛ لأنه كان جاهلاً. وقد وقعت هاتان القصتان في عهد الرسول ﵊: أما الأولى: فعن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: (أفطرنا في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في يوم غيمٍ ثم طلعت الشمس) ولم يأمرهم النبي ﷺ بالقضاء، ولو كان القضاء واجباً لأمرهم به لوجوب الإبلاغ عليهم، فلما لم يأمر به علم بأنه ليس بواجب، وهو داخل في القاعدة: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ . أما الثاني: فـ عدي بن حاتم ﵁ كان يريد أن يصوم، وفي الآية: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ فجعل تحت وسادته عقالين أحدهما أسود والثاني أبيض، وجعل يأكل وينظر إلى العقالين فلما تبين الأبيض من الأسود توقف، فأخبر بذلك النبي ﷺ ، ولم يأمره بالإعادة، لماذا؟ لأنه كان جاهلاً متأولاً؛ يظن أن هذا هو معنى الآية، فلهذا لم يلزمه النبي ﵊ بالقضاء. رجل محرم بالحج وفي ليلة العيد وهي ليلة مزدلفة، بعد أن رجع من عرفة كانت معه زوجته فجامعها، وهو يظن أن الحج قد انتهى، مستدلاً بقول النبي ﷺ : (الحج عرفة) فقال: قد انتهينا من عرفة والحمد لله وظن أنه يجوز أن يجامع زوجته فجامعها. وكان الجماع قبل التحلل الأول، وهو يفسد النسك، يعني: أن الحج فسد؛ لأن الجماع قبل التحلل الأول مع العلم والذكر يترتب عليه خمسة أمور: الإثم، وفساد النسك، والمضي فيه، والقضاء من العام القادم، وفدية وهي بدنة، لكن هذا الرجل جاهل فجاء يسألنا، ماذا نقول له؟ نقول: الحج صحيح ولا شيء عليك لأنك جاهل، والرب لما دعا المؤمنون: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال الله: قد فعلت. المهم -يا إخواني- خذوا هذه القاعدة معكم، في الأوامر: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ . وفي النواهي: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ فقال الله تعالى: قد فعلت. وعرفتم أمثلة واقعية من السنة في أن الإنسان المخطئ لا يعاقب، والناسي لا يعاقب، ولكن لاحظوا أنه متى زال العذر وجب التوقف عن المحظور، يعني: متى علم أو ذكر الإنسان بأنه الآن في محظور وجب عليه أن يتوقف.

стр. 108

تفسير قوله تعالى: (ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا) قال تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] الإصر يعني: الثقل والأغلال، فالمؤمنون من هذه الأمة يسألون الله ألا يحمل عليهم إصراً كما حمله على الذين من قبلهم، فقال الله: قد فعلت بقوله تعالى في وصف الرسول ﵊: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف:١٥٧] فالله تعالى وضع الإصر والأغلال التي كانت على من سبقنا بهذا الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه. ونضرب لكم مثلاً: بنو إسرائيل لما عبدوا العجل ماذا ألزموا به لتصح توبتهم؟ قيل لهم: لا توبة لكم إلا أن تقتلوا أنفسكم، وهذا إصر وغل عظيم، توبتنا نحن ولله الحمد بيننا وبين الله، إذا تاب الإنسان إلى ربه وتمت شروط التوبة الخمسة والتي أمليناها عليكم سابقاً فإنها تقبل، والخمسة نذكرها بإيجاز: من يعطينا بإيجاز شروط التوبة الخمسة؟ ١. الإخلاص بأن لا يحمل الإنسان على التوبة مراعاة الناس أو الرفعة عندهم أو الجاه أو ما أشبه ذلك. ٢. الندم على فعل المعصية. ٣. الإقلاع عن الذنب. ٤. العزم على ألا يعود، ليس عدم الرجوع، لو قلنا: عدم الرجوع معناه: لو رجع إليه مرة ثانية لبطلت الأولى، أليس كذلك؟ لكن قلنا: العزم على ألا يعود، ولا نقول: ألا يعود، بل نقول: العزم على ألا يعود؛ لأنه إذا عزم ألا يعود ثم سولت له نفسه بعد ذلك أن يعود فالتوبة الأولى صحيحة. ٥. أن تكون في وقت التوبة، وما هو وقت التوبة بالنسبة لكل واحد على انفراد؟ قبل حضور الأجل، ما هو الدليل؟ قال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء:١٨] لا ينفع. فرعون لما أدركه الغرق ماذا قال؟ قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ﴾ [يونس:٩٠] انظروا -يا إخواني! - الذل، أعوذ بالله من الذل! فرعون ما قال: آمنت أنه لا إله إلا الله، قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ﴾ [يونس:٩٠] فجعل نفسه تبعاً لبني إسرائيل، بينما كان في الأول يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم، ذل نسأل الله العافية! لكن ماذا قيل له؟ (آالآن تتوب) يعني: آلآن تتوب وتؤمن أن لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ [يونس:٩١-٩٢] ننجيك ببدنك: بأن نبقى بدنك ظاهراً، أما روحك ففي النار، لماذا؟ ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس:٩٢] والذين كانوا خلفه هم بنو إسرائيل، أي: لتكون علامة على أنك هلكت. يا إخواني: بنو إسرائيل قد أفزعهم فرعون وآذاهم، وإذا غرق فرعون وقومه فقد يكون عند بني إسرائيل احتمال أن فرعون لم يغرق، فأنجى الله بدنه حتى يكون علامة على أنه هلك فيطمئن بنو إسرائيل. إذاً: شروط التوبة خمسة، كلها سهلة يستطيع الإنسان أن يقوم بها بدون كلافة، لكن بنو إسرائيل عليهم آصار وأغلال، ومن الآصار والأغلال: أن الإنسان إذا قتل أحداً وجب عليه -أي: على أولياء المقتول- أن يقتلوا القاتل وجوباً، لماذا؟ لأنه هكذا قال: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة:٤٥] . إلى قوله: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة:٤٥] لكن هذه الأمة قال الله لهم لما ذكر: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة:١٧٨] قال: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة:١٧٨] فالمهم أن الله تعالى رفع عنا والحمد لله الآصار التي كانت على من قبلنا.

стр. 109

تفسير قوله تعالى: (ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ...) قال تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة:٢٨٦] يسأل المؤمنون ربهم ألا يحملهم ما لا يطيقون، ولو شاء لحملهم ما لا يطيقون، ولكنه لرأفته ورحمته قال: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] . ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] هذه ثلاث جمل، هل معناها واحد؟ العفو: في مقابل التفريط في الواجبات، والمغفرة: في مقابل المعاصي وانتهاك المحرمات، والرحمة: هي إزالة أثر هذه الذنوب، أو الإخلال بالواجبات. والأصل يا إخواني في الكلمات التباين، ولهذا قيل: العطف يقتضي المغايرة، فإذا وجدتَ كلمتين وظننت أن معناهما واحد فلا تظن هكذا، نعم يأتي أحياناً عطف المرادف على مرادفه مثل قول الشاعر: فألفى قولها كذباً وميناً... المين: هو الكذب. ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا﴾ (أنت مولانا) أي: ولي أمرنا ومدبرنا وناصرنا: ﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٨٦] هذا من باب التوسل بالصفة؛ لأن الله مولى المؤمنين كما قال تعالى: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الأنفال:٤٠] نتوسل إلى الله تعالى بكونه مولانا أن ينصرنا على القوم الكافرين. هل القوم الكافرون منفصلون عنك أو متصلون بك؟! يعني: هل الكافر واحد آخر مختلف، أو شيء متصل بك؟! إذا قابلنا الكفار فإنا نسأل الله أن ينصرنا عليهم، وهذا واضح؛ لكن هناك كافر يجري منك مجرى الدم، من هو؟ هو الشيطان. الشيخ: (الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم) كما قال النبي ﵊ ذلك، والشيطان كافر، فتسأل الله أن ينصرك عليه بحيث لا تنخدع بغروره الذي حذرك الله منه في قوله: ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان:٣٣] أما كفار بني آدم فظاهرون. وإننا بهذه المناسبة سندعو الله فنقول: اللهم إنا نسألك بأنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت الأحد الصمد، يا ذا الجلال والإكرام! يا حي يا قيوم! يا منان! يا بديع السماوات والأرض! نسألك اللهم أن تنصر إخواننا المسلمين في البوسنة والهرسك على أعدائك وأعدائهم من الصرب الكافرين، ونسألك اللهم أن تنصر إخواننا في الشيشان على أعدائك وأعدائهم من الشيوعيين الملحدين، ونسألك اللهم أن تنصر إخواننا في كشمير على أعدائهم الوثنيين، ونسألك اللهم أن تنصر المسلمين في كل مكان على أعدائهم. ونسألك اللهم أن تؤلف بين قلوب المسلمين، وأن تجمع كلمتهم على الحق، وأن تهيئ لهم ولاة صالحين، يقودونهم بكتابك وسنة نبيك محمدٍ ﷺ . ونسألك اللهم أن تؤلف بين قلوب شعوبنا، شبابها، وشيوخها وكهولها، وذكورها وإناثها حتى لا تتمزق وتتفرق نسألك اللهم ذلك يا رب العالمين. ونختم هذا اللقاء بهذه الدعوة: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم، فإن هاتين الكلمتين قال فيهما رسول الله ﷺ : (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم) جدير بهاتين الكلمتين أن يقولهما الإنسان دائماً ما لم تشغله عن واجب، فلهذا أحث نفسي وإياكم على الإكثار من هاتين الكلمتين: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، هما على اللسان خفيفتان جداً، وهما في الميزان ثقيلتان، وحبيبتان إلى الرحمن.

стр. 110

الأسئلة
следующие страницы →