Полный текст (132 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
باب الأمر
بعد هذا قال: [باب الأمر] عقد هذا الباب للأمر، والأمر: مصدر أمر بالشيء إذا طلب وقوعه، وهو يطلق بقيد شيء، أي: بقيد الجزم، وبقيد لا شيء، أي: بقيد عدم الجزم، ولا بقيد شيء، أي: من غير تعرض لذكر الجزم أو نفيه، فالأول: وهو ما أطلق بقيد شيء: هو الأمر الدال على الوجوب.
والثاني: وهو ما أطلق بقيد لا شيء.
أي: بقيد عدم الجزم: وهو الأمر الدال على الندب.
والثالث: وهو ما أطلق لا بقيد شيء.
أي: لا بقيد الجزم ولا عدمه: هو الأمر المطلق، وكل هذه يبحثها الأصوليون.
стр. 37
الأمر بإيجاد الفعل أمر به
قال المصنف: [والأمر بإيجاد الفعل أمر به] .
الأمر قد يتعلق بالشيء مباشرة، مثل: (فحجوا) وقد يتعلق بسببه وما يتوقف عليه، فيكون ذلك أمراً به؛ لأن ما لا يتم الواجب المطلق إلا به فهو واجب، ومحل ذلك إن كان جزءاً من المأمور به، مثل غسل الوجه: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة:٦] فلا يمكن أن يتحقق إلا بغسل شيء من الرأس حتى يتحقق الإنسان أنه غسل كل الوجه، فما لا يتم الواجب المطلق إلا به فهو واجب، فيدخل ذلك الجزء في وجوب غسل الوجه، ومثله مسح شيء من الوجه مع الرأس أيضاً؛ لأن مسح الرأس لا يتحقق إلا بذلك، على القول بأن الواجب مسح الرأس كله، وأن الباء في قوله: ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة:٦] للإلصاق لا للتبعيض، وهو محل خلاف بين الفقهاء والأصوليين.
أما إن كان سبباً فإنه لا يجب سواء دخل في الطوق أو لم يدخل فيه، فالسبب الداخل في الطوق كجمع المال حتى يبلغ نصاباً لوجوب الزكاة، فالزكاة سبب وجوبها ملك النصاب ودوران الحول عليه، فلا يجب عليك أن تجمع المال حتى يبلغ نصاباً لتجب عليك الزكاة؛ لأنه سبب ولو كان داخلاً في الطوق، وما ليس داخلاً في الطوق -كتغريب الشمس لتجب عليك صلاة المغرب- فلا يجب؛ لأنه من المحال ولا تكليف بالمحال، أما إن كان شرطاً فإن كان داخلاً في الطوق كالطهارة للصلاة فهو واجب، وإن خارجاً عن الطوق كالنقاء من دم الحيض والنفاس فلا يجب؛ لأنه خارج الطوق أصلاً لا يستطيعه المكلف، ثم قال المصنف: [وبما لا يتم الفعل إلا به كالأمر بالصلاة أمر بالطهارة المؤدية إليها] ؛ لأن الطهارة شرط للصلاة وهي داخلة في الطوق.
ثم قال: (وإذا فعل خرج المأمور عن العهدة) إذا فعل المأمور ما أمر به خرج عن العهدة، فإذا أتى بالمأمور به على الوجه الصحيح، أجزأه ولم يخاطب به مرة أخرى؛ لأنه قد أتى به على الوجه المطلوب فتبرأ ذمته منه.
قال: [من يدخل في الأمر والنهي ومن لا يدخل] قد يكون مقتضى الأمر، أي: ما يقتضيه ليس من فعل المأمور مباشرة، بل من فعل غيره، وقد يكون الأمر متناولاً بعض المأمورين دون بعض والنهي كذلك فعقد هذا الفصل لذلك، وهو في جزئيات باب الأمر والنهي.
فقال: [يدخل في خطاب الله تعالى المؤمنون] فإذا قال سبحانه: ﴿أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣] فيشمل هذا كل مؤمن لله ، إلا إذا كان متصفاً بما يمنع دخوله في العموم كغير المكلف، ومن رفع عنه القلم، فلا يدخل في هذا الخطاب، ولهذا قال: [والساهي والصبي والمجنون غير داخلين في الخطاب] فالساهي، أي: غائب العقل في وقت الخطاب، سواء كانت غيبته عميقة كالإغماء أو خفيفة كالسهو.
والصبي: وهو غير البالغ، والمجنون: المصاب بما يغطي عقله، فهؤلاء غير داخلين في الخطاب، وأما المريض مرضاً دون ذلك بحيث لا يستطيع أداء الفعل في وقته، والمسافر الذي هو بالخيار له أن يفطر وله أن يصوم، فقد اختلف في دخولهما، فقيل: يدخلان في الخطاب؛ لأنه يلزمهما القضاء، ومثل ذلك: الحائض فيما يتعلق بالصوم دون الصلاة، والحائض لم تخاطب بالصلاة لا أداءً ولا قضاءً ولم تخاطب بالصوم أداءً، ولكنها خوطبت به قضاءً، فالقضاء هل هو بأمر جديد أو بالأمر الأول؟ والمريض والمسافر: هل تعلق بهما الخطاب في الوقت الأول، أو تجدد لهما خطاب في وقت القضاء وهو الوقت الثاني؟ هذا محل خلاف عند الأصوليين.
стр. 38
الأمر بالشيء نهي عن ضده، والنهي عن الشيء أمر بضده
قال: [والأمر بالشيء نهي عن ضده، والنهي عن الشيء أمر بضده] .
(الأمر بالشيء نهي عن ضده) أي: أن الأمر بالشيء نهي عن جميع أضداده، فإذا قلت لك: قم فهذا نهي عن الجلوس وعن الارتفاق وعن الاتكاء، فهو نهي عن جميع الأضداد؛ لأنك لا تكون ممتثلاً إلا إذا فعلت ما أمرت به، فإذا فعلت أي ضد من أضداده لم تكن ممتثلاً، فكان الأولى أن يقول: والأمر بالشيء نهي عن كل أضداده.
(والنهي عن الشيء أمر بضده) أي: بأحد أضداده فقط، فإذا قلت لك: لا تقم، فإنك تكون ممتثلاً إذا جلست، وإذا ارتفقت، وإذا اضطجعت، فكل ذلك امتثال، فالنهي عن الشيء أمر بضد واحد من أضداده، أما الأمر بالشيء: فهو نهي عن جميع أضداده.
стр. 39
هل الأمر يقتضي التكرار ؟
قال: [ولا يقتضي التكرار على الصحيح إلا إن دل الدليل على قصد التكرار] .
أي: أن الأمر في أصل صيغته لا يدل على التكرار، والتكرار هو فعل الشيء أكثر من مرة، فإذا قال الآمر: صل، فلا يقتضي ذلك تكرار الصلاة، بل تكفي في امتثاله صلاة واحدة على الصحيح.
(إلا إذا دل الدليل على قصد التكرار) إذا دل الدليل على قصد التكرار: سواء كان ذلك الدليل أيضاً حالياً أو مقالياً، فقد يكون مقالياً مثل: كلما غربت الشمس فصل، فلفظ (كلما) يقتضي التكرار: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥] والشهر متكرر فأنيط الأمر هنا بأمر متكرر فاقتضى ذلك التكرار، أما إذا لم يدل الدليل على قصد التكرار فإن الأمر مجرد عنه في الأصل، وهذا المقصود به هنا: الأمر المطلق الشامل، الدال على الوجوب والدال على الندب.
стр. 40
هل الأمر يقتضي الفورية ؟
قوله: [ولا يقتضي الفور] أي: أن الأمر أيضاً لا يقتضي الفورية، وهذا محل خلاف أيضاً بين الأصوليين، وقد ذهبت طائفة منهم إلى أن الأمر يقتضي الفور إذا تجرد عن القرائن، فإذا قال: افعل كذا، فلابد من المبادرة والمسارعة، وقالت طائفة أخرى: لا يقتضي الفور، بل يبقى مطالباً به، فمتى ما أداه حصل المقصود، والمقصود بالفور: المبادرة لأدائه، فالله تعالى يقول: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٧] ، والنبي ﷺ قال: (إن الله قد فرض عليكم الحج فحجوا) هل هذه الصيغة تدل على الفور أو على التراخي؟ محل خلاف بين الأصوليين، فقالت طائفة: كل من استطاع سبيلاً إلى الحج وأدرك وقته فيلزمه أن يبادر إليه، إذا لم يكن قد حج من قبل، وقال آخرون: بل يجب عليه ذلك في العمر مرة، ومتى ما أداه فإن ذلك يجزئ.
стр. 41
الأمر يدل على الوجوب ما لم تصرفه قرينة
قوله: [وهي عند الإطلاق والتجرد عن القرينة تحمل عليه] .
(وهي) أي: صيغة الأمر، (عند الإطلاق) معناه: عدم تقييده بقيد يصرفه عن ذلك، (والتجرد عن القرينة) أي: عدم وقوع القرينة الحالية التي تصرفه أيضاً عن ذلك، (تحمل عليه) أي: تحمل على استدعاء الفعل على وجه الوجوب، فالأمر في الأصل يحمل على الوجوب، ومحل هذا أمر الشارع، وأمر من هو أعلى؛ فإنه يحمل على الوجوب في الأصل، عند الإطلاق والتجرد عن القرينة، والقرينة: ما يقارن الشيء، وهي: إما حالية وإما مقالية، والمقصود بها هنا الحالية؛ لأن المقالية مذكورة في قوله: (عند الإطلاق) ، فقد خرجت القرينة الحالية بقوله: (عند الإطلاق) ، وخرجت القرينة الحالية بقوله: والتجرد عن القرينة، (تحمل عليه) ، أي: على طلب الفعل على وجه الجزم.
قال المصنف: [إلا ما دل الدليل على أن المراد منه الندب أو الإباحة] .
هذا الاستثناء منقطع؛ لأن ما دل الدليل على أن المراد به الندب والإباحة ليس عند الإطلاق والتجرد على القرينة.
فالمقصود: أن الأمر إذا لم يحتف بقرينة حالية أو مقالية تدل على عدم إرادة الوجوب؛ فإن محمله على الوجوب، ولكنه إذا دلت قرينة حالية أو مقالية على أن المقصود به الندب فإنه يصرف إلى الندب، أو دلت قرينة حالية أو مقالية على أن المقصود به الإباحة دل على الإباحة، فإطلاقه الأصلي الوجوب، مثل قول الله تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣] فهذا في الأصل للوجوب، وإذا احتفت به قرينة تقتضي عدم الوجوب عمل بتلك القرينة؛ وذلك فيما إذا قيل: افعل كذا إن شئت، كقول النبي ﷺ : (صلوا قبل المغرب ركعتين، ثم قال في الثالثة لمن شاء) ، وقال: (بين كل أذانين صلاة، ثم قال: لمن شاء) ، فهذا يقتضي الإباحة؛ لأنه قرنه بقرينة مقالية تقتضي التخيير، ومثل ذلك ما إذا كان الأمر بعد الحظر، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة:٢] ، فهذه قرينة تدل على عدم الوجوب، فلا يجب على من تحلل من الحج والعمرة أن يصطاد؛ لأن هذا الأمر جاء بعد النهي وهو قوله: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة:٩٦] ، ومثله قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٢٢] (فأتوهن) هنا صيغة أمر، ولكنها لا تدل على الوجوب؛ لأنها جاءت بعد حظر؛ لأنه قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة:٢٢٢] ، فجاء الأمر بعد الحظر.
والقرينة الحالية غير المقالية كما إذا كان سياق الأمر للإرشاد الطبي أو نحوه، كبعض الأوامر التي تأتي ويقصد بها الإرشاد، ويفهم من ذلك عدم الوجوب، أن النبي ﷺ ما قصد وجوب ذلك الفعل المأمور به، والإرشاد: قد يفهم من القرينة المقالية أيضاً، مثل قوله: (فزوروها فإنها تذكركم الآخرة) زوروها: هذا أمر بزيارة القبور، ولكنه ليس على سبيل الوجوب، بل على سبيل الإرشاد؛ لأنه قال: (فإنها تذكركم الآخرة) فبين العلة وهي قرينة مقالية تدل على عدم إرادة الوجوب.
стр. 42
تعريف الأمر وصيغته
قال: [والأمر: استدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه على سبيل الوجوب] والأمر تعريفه: استدعاء الفعل، أي: طلب وقوع الفعل، بالقول: فإنما يعرف ذلك بالقول سواء كان صريحاً باللفظ أو كان بإشارة أو كتابة كل ذلك من الأمر، وذلك القول لا يكون لفظ اكفف أو اترك، فذلك من باب النهي لا من باب الأمر.
(ممن هو دونه) فشرط العلو للآمر، وهذا خلاف بين الأصوليين: هل يشترط بالآمر العلو أو يطلق الأمر على طلب وقوع الفعل مطلقاً؟ والمناطقة يقسمون طلب الفعل إلى ثلاثة أقسام: فإن كان الطالب أعلى من المطلوب منه الفعل سمي ذلك أمراً، وإن كان أدنى منه سمي ذلك دعاءًً، وإن كان مساوياً له سمي ذلك التماساً.
قوله: (على سبيل الوجوب) أي: على سبيل الجزم، وهذا القيد مستغنىً عنه ولا حاجة إليه هنا؛ لأنه يخرج الأمر الذي لا يقتضي الجزم، ويخرج أيضاً الأمر المطلق الذي لا ينظر فيه إلى قيد الجزم ولا إلى قيد عدم الجزم.
قال المصنف: [والصيغة الدالة عليه افعل] .
هذا إثبات أن للأمر صيغة، وأن صيغته هي لفظ (افعل) ، فصيغة فعل الأمر قد تكون من الثلاثي كافعل، أو من الرباعي كعلِّم وأكرم، أو من الخماسي مثل: انطلق تعلَّم، أو من السداسي كاستخرج واستنبط، فكل ذلك من صيغة افعل، فلا يقصد بها هذا الوزن، وإنما يقصد بها فعل الأمر مطلقاً، فهو صيغة الأمر الأصلية، ومثل ذلك الفعل المضارع المقترن بلام الأمر: لتقم ولتنطلق ولتتعلم، فهو صيغة للأمر أيضاً.
стр. 43
هل الكفار مخاطبون بفروع الشرائع ؟
قال المصنف: [والكفار مخاطبون بفروع الشرائع] الكفار غير معذورين بكفرهم، فهم مخاطبون بفروع الشرائع، أي: تفصيلاتها الزائدة على أصل الإيمان، فيدخل في ذلك الصلاة والصوم والحج إلى آخر.
قال: [لأنهم مخاطبون بالإسلام] وهذه المسألة محل خلاف بين الأصوليين: فذهب جمهورهم إلى أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، لقول الله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ [المدثر:٤٢-٤٧] ، فهؤلاء كفار؛ لأنهم قالوا: (وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ) ومع ذلك مما سلكهم في النار ما بينوه عندما سئلوا: (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ) (قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ) (وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ) ، فتركوا الصلاة وتركوا الزكاة، (وكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ) وكانوا يكذبون، (وكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ) .
وقالت طائفة أخرى: هم غير مخاطبين بفروع الشريعة؛ لأنها لا تجزئهم ولا تصح منهم، فلو كانوا مخاطبين بها لأجزأهم فعلها، ومن المعلوم أن الكافر إذا صلى لا تصح صلاته، وإذا صام لا يصح صومه، وإذا حج لا يصح حجه، وإذا زكى لا تقبل منه زكاته: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣] ، ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر:٦٥] ، ﴿مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [البقرة:٢١٧] .
قال: [وبما لا تصح إلا به] أي: مخاطبون بما لا تصح الفروع إلا به وهو أصل الإيمان، وهو الإسلام؛ لقول الله تعالى: ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر:٤٣] .
الآيات.
لكن من المعلوم أن الكافر إذا أسلم لم يخاطب بقضاء شيء مما مضى، فلا يلزمه قضاء شيء من الماضي مع أنه كان مخاطباً به، لكنه إن مات على الكفر عذب على أصل الكفر وعلى الجزئيات التي تركها.
стр. 44
باب النهي
(والنهي) عقد هذا الباب للنهي: وهو ضد الأمر، فعرفه بقوله: [والنهي استدعاء الترك بالقول ممن هو دونه على سبيل الوجوب] ، فتعريفه ضد تعريف الأمر، (فهو استدعاء الترك) أي: طلب الترك، (بالقول) سواء كان باللفظ أو بالإشارة أو بالخط (ممن هو دونه) هذا شرط للعلو أو الاستعلاء، (على سبيل الوجوب) ليقتضي ذلك الجزم، والأولى عدم ذكر هذا في التعريف؛ لأن النهي أيضاً يطلق بقيد شيء -أي بقيد الجزم- فيدل على التحريم حينئذٍ.
وبقيد لا شيء -أي: بقيد عدم الجزم- فيدل على الكراهة، ولا بقيد شيء، فهو النهي المطلق الذي يشمل التحريم والكراهة.
قوله: [ويدل على فساد المنهي عنه] مقتضى الأمر التكليفي هو الوجوب -على الراجح- كما سبق عند الإطلاق، وقد يدل على الندب وقد يدل على الإباحة بالقرائن، والنهي مقتضاه التكليفي التحريم -على الراجح أيضاً- وقد يقتضي الكراهة، وأما مقتضاهما الوضعي فإن مقتضى الأمر الوضعي الصحة، ومقتضى النهي الوضعي البطلان والفساد.
ولهذا قال: (ويدل على فساد المنهي عنه) أي: يدل الأمر على فساد المنهي عنه، فإذا نهى الشارع عن أمر فليس لذلك الأمر حقيقة؛ لأن المعدوم شرعاً كالمعدوم حساً، فيدل على فساد المنهي عنه، فلا يترتب عليه أي أثر؛ لأنه فاسد.
قال المصنف: [وترد صيغة الأمر والمراد به: الإباحة أو التهديد أو التسوية أو التكوين] .
يقصد أن صيغة الأمر قد ترد لغير المعنى الأصلي؛ لقرينة تدل على ذلك، فقد ترد للإباحة كقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة:٢] ، فاصطادوا هنا لا تدل على الوجوب وإن كانت صيغة أمر، ولا تدل أيضاً على الندب، بل تدل على الإباحة.
وكذلك قد ترد صيغة الأمر للدلالة على التهديد، فلا يقصد بها حينئذ الأمر، كقول الله تعالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾ [إبراهيم:٣٠] ، فليس هذا أمراً بالتمتع على حقيقته، بل المقصود به التهديد، ومثله: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩] فهذا للتهديد.
ويرد كذلك للتسوية، وهي: التسوية بين الفعل والترك، وذلك مثل قول الله تعالى: ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الطور:١٦] ، فاصبروا هنا ليس الأمر فيها للوجوب، بل هو للتسوية؛ بدلالة ما بعدها، فالقرينة المقالية اقتضت صرف الأمر عن معناه الأصلي.
قوله: (أو للتكوين) وهو الإيجاد، كقول الله تعالى: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة:٦٥] ، فكونوا هنا ليس الأمر فيها للوجوب، وإنما هو للتكوين.
والقرائن أكثر مما ذكر، بل هذه أمثلة للقرائن، ومثلها في النهي، فقد يرد النهي على غير ما هو له: قد يرد للكراهة، وقد يرد للتهديد ونحو ذلك.
стр. 45
شرح الورقات في أصول الفقه [٣]
ينقسم اللفظ إلى عام وخاص ومطلق ومقيد وظاهر ومؤول وغير ذلك مما يذكره علماء الأصول ويفصلون في معاني ذلك وأمثلته وما يتعلق به من الأحكام.
стр. 46
باب العام
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله الأمين، ثم أما بعد: فقد قال المصنف [باب العام] عقد هذا الباب للعام، وهو في اللغة: وصف عمّ الشيء يعم فهو عام إذا شمل، والعام الشامل.
واصطلاحاً: لفظ يتناول الصالح له، من غير حصر دفعة.
(لفظ) ؛ لأن العموم من عوارض الألفاظ، أي: أنه يوصف به الألفاظ لا المعاني ولا الأجسام -هذا اصطلاحاً- وإن كان في الأصل يرد في المعاني وفي الأجسام.
(يتناول الصالح له) ، أي: ما يدخل تحته، أي: كل معانيه.
(من غير حصر) ، أي: كل ما يصدق به، من غير حصر في عدد محدد.
(دفعة) ، أي: في نفس الوقت يتناولهم جميعاً لا على سبيل البدلية، كالرجال: فهذا لفظ يتناول كل ذكر من بني آدم، فتناولهم دفعة واحدة، من غير حصر لهم بعدد محدد، وذلك بخلاف المطلق فإنه يتناول الصالح له من غير حصر على سبيل البدلية كرجل، فهو وإن كان يصدق على كل ذكر آدمي، إلا أنه لا يتناولهم جميعاً في وقت واحد، ودفعة واحدة، بل يتناولهم على سبيل البدلية، كل واحد منهم وحده، وذلك هو المطلق.
قال المصنف: [وأما العام فهو ما عمّ شيئين فصاعداً] أي: هو في اللغة: ما عم شيئين، أي: شمل شيئين فصاعداً، سواءً كان في الحسيات كعموم الظرف لمظروفه، وكعموم المطر للأرض، أو في المعنويات أو في الألفاظ، فكل هذا يسمى عموماً في اللغة.
قوله: [من قولك: عممت زيداً وعمراً بالعطاء] أو بالإحسان، فهذا من المعنويات.
[وعممت جميع الناس بالعطاء] ، فهذا من المعنويات أيضاً.
стр. 47
ألفاظ العموم
قال: [وألفاظه أربعة] .
ولم يعرفه اصطلاحاً، وقد عرفناه اصطلاحاً بأنه لفظ يتناول الصالح له من غير حصر دفعة.
[وألفاظه] أي: صيغ العموم [أربعة] وليس محصوراً فيما ذكر بل له صيغ أخرى.
[الاسم الواحد المعرف بالألف واللام] الاسم الواحد، أي: الاسم المفرد غير المثنى ولا المجموع، المحلى بأل الجنسية.
[واسم الجمع المعرف بأل] أي: الجمع المعرف بأل الجنسية أيضاً كالرجل والرجال.
[والأسماء المبهمة] أي: الموصولات، وأسماء الشرط، وأسماء الاستفهام، فهي الأسماء المبهمة، [كـ (من) فيمن يعقل و (ما) فيما لا يعقل، و (أََيُُّ) في الجميع، و (أين) في المكان، و (متى) في الزمان] فكلها من ألفاظ العموم.
قال: [و (ما) في الاستفهام والجزاء وغيره] أي: (ما) و (من) في الاستفهام، تقول من قام؟ وفي قوله تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ﴾ [طه:١٧] ، والجزاء، أي: الشرط ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [البقرة:١٩٧] ، فهذا يشمل الكثير والقليل فهو عام.
ثم قال: [ولا في النكرات] أي: النكرة في سياق النفي، فهي من ألفاظ العموم، سواء كان النفي بـ (لا) كما ذكر المؤلف، أو بغير (لا) كقولك: لا رجل في الدار، فهذا من ألفاظ العموم؛ لأنه نفي لوجود أيّ رجل في الدار.
قال: [والعموم من صفات النطق] أي: أن العموم من عوارض الألفاظ لا من عوارض المعاني ولا من عوارض الأجسام في الاصطلاح، وإلا فهو في الأصل من عوارض الأجسام: كعم الظرف مظروفه، وعم الحبل الحطب، ومن عوارض المعاني: كعممت الناس بالعطاء أو بالإحسان، وعممت زيداً وعمراً بالإحسان، ولكن المقصود به في الاصطلاح الأصولي: أنه من عوارض الألفاظ، فالألفاظ منها ما هو عام كما ذكر، وكغيره، مثل: (عامة، وكافة، وجميع) ، فكلها من ألفاظ العموم، وكالمضاف إلى الضمير، فإن النكرة إذا أضيفت للضمير تكون من ألفاظ العموم.
قال: [ولا تجوز دعوى العموم في غيره] أي: في غير صيغ العموم.
[من الفعل وما يجري مجراه] ، فالفعل سواء كان فعل أمر، مثل: (كلْ، اشرب) ، فهذا لا يدل على العموم، بل يمتثل بأكل أيَّ شيء، وشرب أيّ شيء، ولا يمكن أن يقصد به أكل كل شيء وشرب كل شيء، وما جرى مجراه مما يشبه الفعل من الأوصاف ونحوها ومن المطلق كله، فليس شيء من ذلك من قبيل العموم.
أما المفرد المحلى بأل، فمثل قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر:٢] أي: كل إنسان، فالإنسان هنا لفظ عام، والدليل على ذلك الاستثناء الذي بعده ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [العصر:٣] ، فالاستثناء معيار العموم، فلا يكون إلا من عموم.
والجمع المحلى بأل، كقول الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:١] ، فهذا شامل لكل مؤمن، وكقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور:٥٩] فالأطفال هنا جمع محلى بأل؛ فيعم كل الأطفال.
كذلك قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء:٣٤] ، فالرجال والأطفال جمع تكسير محلى بأل والمؤمنون جمع مذكر سالم محلى بأل، والنساء اسم جمع محلى بأل.
كذلك اسم الجنس ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة:٧٠] ، و ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ﴾ [الروم:٢-٣] ، فالبقر والروم كلاهما اسم جنس، فبقر مفردها بقرة، والروم مفردهم رومي.
وكذلك المحلى بأل العهدية إذا كان المعهود عاماً كان أيضاً من ألفاظ العموم، مثل: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ﴾ [البقرة:٣٠] ، فالملائكة معهودون هنا، لكن أل وإن كانت عهدية لكنها دخلت على الجمع المعهود فيه الجنس، فكان ذلك من ألفاظ العموم.
أما إذا كان المعهود مفرداً، كما قال تعالى: (كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾ [المزمل:١٥] ، ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل:١٦] ، فهو واحد فلا يقصد به العموم هنا.
أما الأسماء المبهمة فمثالها: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء:١٢٣] ، فـ (من) هنا شرطية، وكذلك (أين) (فأين تذهبون؟) أي: في أي اتجاه تذهبون؟ فهي من ألفاظ العموم.
وكذلك (متى) (مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢١٤] .
والنكرة في سياق النفي مثل: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧] ، وكل ذلك عام في كل ما يدخل تحته.
وكذلك النهي فهو مثل النفي، فالنكرة في سياق النهي عامة ﴿فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن:١٨] ، ومثل ذلك: الشرط ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ [التوبة:٦] ، فكل ذلك من ألفاظ العموم، وقد ترك المصنف ترك لفظ (كل) ولفظ (جميع) ولفظ (عامة) و (المضاف لمعرفة) ونحو ذلك.
كذلك النكرة في سياق الامتنان وفي سياق الإثبات في صور قليلة مثل: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾ [التكوير:١٤] ، و ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ [الانفطار:٥] فالأصل أن النكرة في سياق الإثبات للإطلاق لا للعموم، ولكنها قد ترد للعموم نادراً كما ذكرنا.
стр. 48
باب الخاص
ثم عقد هذا الباب للخاص، فقال: [الخاص] .
стр. 49
تعريف الخاص
والخاص ضد العام، وهو في اللغة: وصف خص الشيء يخص، وخص الشيء بكذا يخصه به، فالشيء خاص بمن خص به.
وهو في الاصطلاح: لفظ يتناول ما دل عليه على وجه محصور أو اللفظ الدال على محصور.
هذا الذي يسمى بالخاص.
стр. 50
أنواع العام
ولم يذكر المصنف أنواع العام والعام منه: ١- ما هو عام مراد به العموم، وباق على عمومه، كما ذكرنا من الأمثلة.
٢- ومنه عام مراد به الخصوص، مثل قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران:١٧٣] والمقصود بذلك بعض الناس دون بعض، ولا يقصد أن كل الناس قالوا لهم ذلك، كذلك ليس كل الناس قد جمعوا لهم، وكذلك قوله تعالى: ((ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة:١٩٩] ، فالمقصود بعض الناس دون بعض، أي: الحجاج أو إبراهيم ﵇.
٣- العام المخصوص، وهو العام الذي أريد به العموم في الأصل، ولكنه خصص بعد ذلك، فجيء بما يخصصه ببعض أفراده دون بعض، فذلك هو العام المخصوص.
قال: [والخاص يقابل العام] أي: يضاده.
وقوله: [والتخصيص تمييز بعض الجملة] أي: بحكم مستقل بها، أو الجملة هنا: ما يتناوله العام.
стр. 51
أقسام الخاص
قال: [وهو ينقسم إلى: متصل ومنفصل فالمتصل: الاستثناء والتقييد بالشرط، والتقييد بالصفة] أي: المخصص ينقسم إلى: متصل ومنفصل، فالتخصيص بالمتصل: كالاستثناء، والشرط، والتقييد بالصفة، فكل ذلك من المتصلات.
-فالتقييد بالاستثناء مثل قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [الفرقان:٦٨-٧٠] ، فهذا الاستثناء اتصل بالعموم السابق وهو (من يفعل ذلك) ، واستثني منه (من تاب) فالاستثناء هنا تخصيص بمتصل.
- ومثل ذلك الشرط: فهو يخصص أيضاً ما قبله، ويكون متصلاً به (تقتل المرأة إن قاتلت) فالمرأة هنا جنس محلى بأل فهي من ألفاظ العموم، (إن قاتلت) خصص هذا العام بالشرط الذي بعده، ومعنى ذلك: أنها إن لم تقاتل لا تقتل.
- وكذلك التقييد بصفة ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٧] ، (لله على الناس) الناس هنا من ألفاظ العموم؛ لأنه جنس محلى بأل، (من استطاع إليه سبيلاً) خص هذا العموم بالصفة، وهي صفة الاستطاعة.
والمخصص المتصل بأنواعه الثلاثة التي ذكرها هنا يحتاج إلى تفصيل؛ فلذلك قال: [الاستثناء: إخراج ما لولاه لدخل في الكلام] ، فإن الاستثناء الذي هو أحد المخصصات المتصلة تعريفه: هو إخراج ما لولاه -أي: لولا الاستثناء- لدخل في الكلام، كقولك: جاء القوم إلا زيداً، فلو قلت: جاء القوم، وسكت، لدلَّ ذلك على مجيء زيد، لكن إذا قلت: جاء القوم إلا زيداً، فالاستثناء أخرج زيداً من القوم.
قال المصنف: [وإنما يصح بشرط أن يبقى من المستثنى منه شيء] أي: لا يصح الاستثناء بحيث لا يبقى من المستثنى منه شيء، فلو قلت: له عليَّ عشرة إلا عشرة، فهذا باطل لا يمكن أن يصح، لكن إذا قلت: له عليّ عشرة إلا ثلاثة أو إلا أربعة فذلك جائز بالاتفاق، إذا كان دون النصف، فإذا كان النصف فصاعداً فهو محل خلاف، وهذا الخلاف فقهي لا أصولي، والذي سار عليه المؤلف أنه يصح الاستثناء حتى يبقى أقل شيء من العموم، فإذا قلت: له عليّ عشرة إلا تسعة، فهذا الاستثناء صحيح؛ لأن معناه الإقرار بواحد فقط.
[ومن شرطه أن يكون متصلاً بالكلام] أي: من شرط الاستثناء: أن يكون متصلاً بالكلام، فإن انفصل عنه وطال الانفصال كأن تقول: له عليّ عشرة، ثم بعد سكوت تقول: إلا تسعة، فهذا لا يقبل منه، إنما يقبل الاستثناء إذا كان متصلاً، وقد روي عن ابن عباس ﵄ القول بأن الاستثناء يصح ولو حصل الفصل، وقد جرى في هذا خلاف بين الأصوليين، وقد كان القاضي عبد الوهاب بن نصر المالكي ﵀ من أهل بغداد، وأراد الخروج منها غضباً لسوء معاملة أهلها له، فخرج فلقي بعض عوام الناس خرجوا ليجمعوا الحطب؛ ليبيعوه في بغداد، فإذا اثنان منهم يتكلمان في قضية الاستثناء، فقال أحدهما للآخر: لو لقيت ابن عباس ﵄ لقلت له: لو كان الانفصال في الاستثناء مقبولاً لقال الله تعالى لأيوب ﵇: استثن ولم يقل له: (خذ بيدك ضغثاً فاضرب به) ! فإن أيوب ﵇ حلف أن يضرب عدداً من الأسواط لا يتحمله المضروب، فبعد الندم على ذلك أمره الله أن يأخذ بيده ضغثاً من النخل -يجمع عدداً من العثاكيل- فيضرب به ولا يحنث، فجعل ذلك مانعاً من الحنث، ولو كان الاستثناء كافياً هنا لقال: استثن، قل: إن شاء الله، فيخرج من عهدة اليمين، فرجع القاضي إلى بغداد وترك سفره، وقال: بلد حطابه -أي: الذين يجمعون الحطب- يناقشون ابن عباس بالقرآن لا يخرج منها.
قال المصنف: [ويجوز تقديم الاستثناء على المستثنى منه] أي: يجوز أن يتقدم الاستثناء على المستثنى منه فتقول: له عليّ إلا ثلاثة عشر.
[ويجوز الاستثناء من الجنس ومن غيره] يجوز الاستثناء من الجنس وهذا الذي يسمى في اصطلاح النحويين بالاستثناء المتصل، قام القوم إلا زيداً، ومن غير الجنس وهو الذي يسمى بالاستثناء المنقطع، كقول الله تعالى: ﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ [البقرة:٣٤] أي: سجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس، فإبليس ليس من جنس الملائكة، فكان الاستثناء هنا منقطعاً.
قال المصنف [والشرط يجوز أن يتأخر عن المشروط، ويجوز أن يتقدم على المشروط] بين أن الشرط -الذي هو من المخصصات المتصلة أيضاً- يجوز أن يتأخر عن المشروط، ويجوز أن يتقدم على المشروط، فإن تأخر عنه فذلك الأصل؛ لأن من شأنه التأخر، مثل قول الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ [النساء:١٢] .
(إن لم يكن لهن ولد) شرط، وهو متأخر عن المشروط وهو: (لكم نصف ما ترك أزواجكم) ، فمحل ميراث الزوج لنصف مال زوجته إن لم يكن لها ولد.
ويجوز أن يتقدم عليه، مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٦] .
(إن كن أولات حمل) هذا شرط، وهو متقدم على المشروط وهو: (فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن) فجاء الشرط متقدماً على المشروط.
стр. 52
المطلق والمقيد
ثم عقد هذا الباب للمطلق والمقيد فقال: [والمقيد بالصفة يحمل عليه المطلق] :
стр. 53
تعريف المطلق
المطلق في اللغة: وصف للمفعول، من أطلقه يطلقه فهو مطلق، أي: أرسله.
وهو في الاصطلاح: اللفظ الذي يتناول ما صلح له على سبيل البدلية لا دفعة واحدة، فرجل -مثلاً- نكرة في سياق الإثبات، يتناول كل ذكر آدمي، لكنه لا يمكن أن يتناولهم دفعة واحدة، فلا يصدق في الرجال جميعاً في وقت واحد، بل يصدق بواحد وواحد وواحد حتى يأتي على كلهم.
стр. 54
تعريف المقيد
والمقيد أيضاً: وصف للمفعول من قيده يقيده فهو مقيد، أي: جعل فيه قيداً، والقيد: ما يحد الحركة، والمقصود به هنا: ما يحد من الإطلاق، فيعطل اللفظ عن بعض ما يصدق عليه، كالتقييد بالوصف في قول الله تعالى ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢] ، فالرقبة مطلقة؛ لأنها نكرة في سياق الإثبات، وقيدت بعد ذلك بالصفة حين قال: (مؤمنة) فخرج ما سواها من الرقاب فلا يمتثل به الأمر.
стр. 55
هل يحمل المطلق على المقيد ؟
قال: [والمقيد بالصفة يحمل عليه المطلق] : قد يرد الأمر بلفظ مطلق في مكان، ويرد بلفظ مقيد في مكان آخر، أو قد يرد النهي بلفظ مطلق في مكان، ويرد بلفظ مقيد في مكان آخر، وقد اختلفوا في ذلك: فقيل: يحمل المطلق على المقيد، وقيل: يبقى المطلق على إطلاقه والمقيد على قيده، فمثال ذلك في الأمر: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) قد جاء هذا الأمر دون قيد بالإيمان في كفارة القتل، وجاء بالقيد بالإيمان في كفارة الظهار، فقيل: يحمل المطلق على المقيد، فلا تجزئ رقبة في الكفارة إلا إذا كانت مؤمنة، ومثاله في النهي: قول النبي ﷺ : (من جر ثوبه خيلاء لم يرح رائحة الجنة) ، وقوله: (ما أسفل من الكعبين في النار) ، فهذا نهي عن الإسبال، فاللفظ الأول قيد فيه النهي بأن يكون ذلك على وجه الخيلاء، واللفظ الثاني أطلق فيه ذلك دون قيد، فهل يحمل المطلق على المقيد؟ هذا محل الخلاف.
قال: [والمقيد بالصفة يحمل عليه المطلق كالرقبة قيدت بالإيمان في بعض المواضع، وأطلقت في بعض المواضع، فيحمل المطلق على المقيد] ، فيشترط في كل الرقاب أن تكون مؤمنة.
стр. 56
أنواع التخصيص
ثم قال: [ويجوز تخصيص الكتاب بالكتاب، وتخصيص الكتاب بالسنة] : رجع المصنف هنا للتخصيص المنفصل بعد ذكره التخصيص المتصل.
стр. 57
التخصيص المنفصل
١- أما التخصيص المنفصل -أي: بالتخصيص المنفصل- فقد يكون التخصيص بالحس، وذلك مثل قول الله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف:٢٥] فالمحسوس أن السماوات ما دمرت، وأن الأرضين ما دمرت، وأن الجبال ما دمرت، فالمقصود: تدمر كل شيء أذن لها في تدميره، من أبنية عاد وأشجارهم ومنافعهم.
٢- وكذلك من المخصصات المنفصلة: العقل، فإنه يخصص العموم، كقول الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر:٦٢] فالعقل يقتضي أن الله لم يخلق نفسه فهو غير مخلوق، فهذا تخصيص بالعقل.
٣- ثم بعده التخصيص بالنص، وهو الذي فصل فيه المؤلف فقال: [يجوز تخصيص الكتاب بالكتاب] ، أي: أن يأتي العموم في الكتاب، ثم يأتي بعده نص آخر من الكتاب يقتضي تخصيصاً، وذلك مخصص منفصل، فقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨] ، فهذا اللفظ جاء عاماً في كل مطلقة سواء كانت مدخولاً بها أو غير مدخول بها، ولكنه خصص بنص آخر، وهو قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب:٤٩] فهذا اللفظ تخصيص للفظ الآخر.
- وكذلك يجوز [تخصيص الكتاب بالسنة] ، فالله تعالى يقول في كتابه بعد ذكر المحرمات من النساء وهن خمس عشرة امرأة قال: ﴿وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا * حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا * وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:٢٤] والمحصنات هن المتزوجات.
﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:٢٢-٢٤] بالسبي، كما إذا كن متزوجات في الكفر فسبين في الغزو، فإن السبي يهدم النكاح.
﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء:٢٤] ، (أحل لكم ما وراء ذلكم) فـ (ما) هنا من ألفاظ العموم، وهي مقتضية أن كل ما عدا الخمس عشرة امرأة حلال، ولكن خصص ذلك النبي ﷺ في السنة بقوله: (لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها) ، وقوله ﷺ : (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) ، فهذا تخصيص لعموم قوله تعالى: (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) .
- كذلك يخصص الكتاب أيضاً بالإجماع، ولم يذكر ذلك هنا في النص؛ لأن الإجماع في الراجح لابد أن يكون معتمداً على مستند، وذلك المستند من النص هو المخصص الحقيقي، وإنما يدل الإجماع على التخصيص به فقط، وذلك مثل قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور:٤] ، فهذه الآية عامة في الحر والعبد، لكنها خصصت بالإجماع بأن العبد القاذف يجلد على النصف من الحر، ولم يرد ذلك في النص، لكنه إنما جاء في الإماء في حد الزنا في قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء:٢٥] ، فحمل المسلمون العبد الذكر على الأمة الأنثى في تجزؤ الحد مطلقاً، وكان ذلك بالإجماع، فانعقد الإجماع على هذا.
- وكذلك قد يخصص الكتاب بالقياس، وذلك مثل قول الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢] فيقاس العبد الزاني على الأمة في تنصيف الحد؛ لأن الأمة ذكر فيها التنصيف ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء:٢٥] فيقاس العبد الذكر على الأنثى.
- كذلك قال: [وتخصص السنة بالكتاب] يخصص عموم السنة بالكتاب أيضاً، وذلك مثل قول النبي ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله) ، فإن ذلك خصص بقول الله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة:٢٩] فالحديث أطلق القتال حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، والآية خصصت من ذلك من قبل دفع الجزية، فإنه تقبل منه الجزية ولا يقاتل.
- قال: [وتخصيص السنة بالسنة] كذلك تخصص السنة بالسنة، ومثاله: قول النبي ﷺ : (فيما سقت السماء العشر) ، فهذا عام في القليل والكثير، وقد خصصته السنة بقول النبي ﷺ : (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة) ، فالحديث الأول عام في القليل والكثير، والحديث الثاني خصصه بأن ذلك في خمسة أوسق فما فوقها.
[وتخصيص النطق بالقياس، ونعني بالنطق قول الله تعالى وقول رسوله ﷺ ] أي: أن الكتاب والسنة كلاهما يخصص بالقياس.
فتخصيص الكتاب بالقياس كما سبق في قياس العبد على الأمة في تنصيف حد الزنا.
وأما تخصيص السنة بالقياس، فمثاله قول النبي ﷺ : (البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام) ، فخص من الحديث العبد قياساً، فيتنصف الحد في حقه قياساً على الأمة.
وهذا معنى قوله: [ونعني بالنطق] أي: المنطوق، وهو الكتاب والسنة، أي: قول الله تعالى، وقول رسوله ﷺ .
стр. 58
المجمل والمبين وتعريفهما
قال المصنف: [المجمل والمبين] عقد هذا الباب للمجمل والمبين، فالمجمل: هو اللفظ الخفي الدلالة خفاء راجحاً، أي: لا عموم فيه أو إطلاق.
والمبين: هو اللفظ الواضح الدلالة لتخصيص فيه أو تقييد.
والمجمل في اللغة: مفعل بصيغة اسم المفعول بالوصف من أجمله، أي: أذابه، والإجمال الإذابة: أجمل الشحم إذا أذابه، والكلام الذي لا تتضح دلالته كالشحم المذاب، وهو في الاصطلاح: ما افتقر إلى البيان، كما قال المصنف: [المجمل: ما افتقر إلى البيان] ، والمقصود بافتقاره، أي: افتقارنا نحن في فهمه إلى البيان، أي: ما افتقرنا نحن في فهمه إلى البيان، وذلك لأسباب كثيرة هي أسباب الإجمال، منها: ١- عدم معرفة المراد بسبب الاشتراك في الدلالة، كقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة:٢٣٧] ، الذي بيده عقدة النكاح يمكن أن يقصد به الزوج أو الولي، كذلك في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨] هل المقصود الحيض أو الطهر؟ فالقرء يطلق على الحيض، كقول الراجز: يا رب ذي ضغن على قارضي له قروء كقروء الحائض ويطلق على الطهر، ومنه قول الأعشى: أفي كل يوم أنت عازم غزوة تشد لأقصاها عزيم عزائكا مورثة مالاً وفي الحي رفعة لما ضاع فيها من قروء نسائكا فالقروء هنا بمعنى الأطهار.
٢- وقد يكون الإجمال راجعاً إلى كون المفرد نفسه خفيَّ الدلالة: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير:١٧] ، فيمكن أن يكون معناه: الإقبال، ويمكن أن يكون معناه: الإدبار.
٣- وقد يكون ذلك للاشتراك في دلالة الحرف، كقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة:٦] ، الباء هنا يمكن أن تكون للإلصاق، ويمكن أن تكون للتبعيض.
٤- ومن أسباب الإجمال كذلك عدم معرفة الصفة، كالعام إذا لم يرد له بيان، مثل: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣] فهذا محتاج في معرفته إلى البيان، فبين النبي ﷺ الصلواتِ الخمس، وبين الزكاة.
قال المصنف: [والبيان: إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز التجلي] .
البيان في الأصل هو: الإظهار، اسم مصدر بيَّن الشيءَ بيانًا إذا أظهره.
وفي الاصطلاح: [إخراج الشيء من حيز الإشكال] (إخراج الشيء) أي: الدليل.
[من حيز الإشكال إلى حيز التجلي] أي: إلى حيز الظهور، والتجلي: من جلاه إذا أظهره.
стр. 59
تعريف النص
ثم قال المصنف: [والنص: ما لا يحتمل إلا معنى واحدًا] هذا ليس من المجمل ولا من المبين، بل هو من الألفاظ الأخرى المقاربة للمعنى.
من مصطلحات الأصوليين أيضاً: النص.
والنص لغة: يُطلق على الإسراع في السير، ومنه حديث: (إذا وجد فرجة نصَّ) أي: أسرع، ويُطلق على الرفع، ومنه: المنصة، وهي: المكان المرتفع الذي يرتفع عليه المتكلم، ومنه قول امرئ القيس: وجيد كجيد الريم ليس بفاحش إذا هي نصته ولا بمعطل أي: رفعته، ومنه قولهم: ونص الحديث إلى أهله فإن السلامة في نصه أي: في رفعه إلى قائله ونسبته إليه.
والنص في الاصطلاح: ما أفاد معنى لا يحتمل غيرَه، هذا في اصطلاح المتكلمين.
والمتكلمون يقسمون الكلام إلى: واضح الدلالة، وخفي الدلالة.
فواضح الدلالة، ينقسم إلى قسمين هما: النص والظاهر.
وخفي الدلالة، ينقسم إلى قسمين هما: المجمل والمتشابه.
- والحنفية يقسمون واضح الدلالة إلى أربعة أقسام هي: المفسَّر، والمبيَّن، والنص، والظاهر.
- ويقسمون خفي الدلالة إلى أربعة أقسام: الخفي، والمجمل، والمشكل، والمتشابه.
وكل هذا اصطلاحٌ.
قال المصنف: [وقيل: ما تأويله تنزيله] أي: على ما جاء عليه.
- فالتأويل بمعنى: بروزه إلى العيان، بعد أن كان خفياً، وقد قال ابن رواحة ﵁: خلوا بني الكفار عن سبيله نحن ضربناكم على تنزيله واليوم نضربكم على تأويله (نحن ضربناكم على تنزيله) وذلك عندما أنزل قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ﴾ [الفتح:٢٧] .
(واليوم نضربكم على تأويله) وذلك عند تحققه بعمرة القضاء، فقوله: ما تأويله تنزيله، أي: أول ما نزل نزل واضحاً لاخفاء فيه، فهذا الذي يسمى بالمبين، وأما ما كان تأويله بعد تنزيله فهو المجمل.
قال: [وهو مشتق من منصة العروس] وليس كذلك، بل كلاهما مشتق من النص الذي هو الرفع، [من منصة العروس] أي: المكان الذي تجلى عليه العروس، أي: تظهر عليه، [وهو الكرسي] .
стр. 60
الظاهر والمؤول وتعريفهما
قال المصنف: [الظاهر والمؤول والظاهر: ما احتمل أمرين أحدهما أظهر من الآخر] : الظاهر: هو مقابل النص، وهو فاعل وصف من ظهر إذا اتضح، فالظاهر واضح الدلالة.
وهو في الاصطلاح: ما احتمل أمرين أحدهما أظهر من الآخر، فهو دون النص في الظهور.
(ما احتمل أمرين) أي: معنيين أحدهما أظهر من الآخر.
ثم قال: (ويؤول الظاهر بالدليل) : يؤول، أي: يرجع إلى أصله، والتأويل: إرجاع الشيء إلى غيره، من آل إليه يؤول، أي: رجع، وإذا أول سمي بالمؤول، ويؤول الظاهر بالدليل، فلا تأويل إلا بدليل، ويسمى الظاهر حينئذ بالدليل، فدليل التأويل هو الذي يصرف به اللفظ عن ظاهره إلى غيره، فالظاهر إذن قسمان: ظاهر من جهة اللفظ -أي: لفظه ظاهر- وظاهر من جهة الدليل، أي: دل الدليل على تأويله فأصبح ظاهراً في المعنى الآخر الذي كان خفياً فيه.
стр. 61
شروط التأويل
وللتأويل شروط، فمن شروط التأويل: أن يكون بدليل فلا يمكن أن يؤول بغير دليل.
ومنها: أن يكون اللفظ قابلاً للتأويل، فإن كان اللفظ صريحاً لا يقبل التأويل فلا يمكن تأويله.
ومنها: أن يقع فيه موجب للتأويل.
ومنها: أن يكون اللفظ الذي أول إليه محتملاً.
أي: مقبولاً في العربية، فلا يمكن أن يحمل اللفظ على ما لا تقتضيه اللغة بوجه من الوجوه، فذلك تأويل فاسد.
стр. 62
أسباب الظهور
والظهور له أسباب: فيمكن أن يكون الظهور بسبب الحقيقة، فالحقيقة مقدمة على المجاز، وكذلك الإثبات مقدم على الحذف، فما لا يقتضي حذفاً أولى مما فيه حذف، والعموم كذلك مقدم على الخصوص، فكون اللفظ متناولاً لكل ما يصلح له أولى من تخصيصه، هذه هي أوجه الظهور، أو أسباب الظهور.
стр. 63
باب الأفعال
باب الأفعال: الأفعال: جمع فعل، والمقصود بها هنا نوع من أنواع الأدلة، وهي أفعال رسول الله ﷺ ، فإن من الأدلة الإجمالية السنة، وهي: أقوال النبي ﷺ وأفعاله وتقريراته مما يصلح دليلاً لحكم شرعي، ولما كانت أفعال النبي ﷺ أنواعاً بدأ بتصنيفها، فقال: [فعل صاحب الشريعة لا يخلو إما أن يكون على وجه القربة والطاعة أو غير ذلك] .
ومعنى قوله: (على وجه القربة والطاعة) أي: أن يكون تشريعاً وبياناً لما أرسله الله به.
قوله: (أو غير ذلك) معناه: أو أن يكون غير ذلك بأن يكون جبلة: كالعطاس، والنوم، والأكل، والشرب وغير ذلك، أو أن يكون متردداً بين الأمرين، بين الجبلة والتشريع: كالضجعة بعد ركعتي الفجر، وكجلوس الاستراحة، أو أن يكون فعلاً بوظيفة من وظائفه: كالإمامة العظمى، والقضاء، والإفتاء، وقيادة الجيش.
وغير ذلك.
стр. 64
أفعال النبي
قال المصنف: [فإن دل الدليل على الاختصاص به يحمل على الاختصاص وإن لم يدل لا يخصص به] ، وذلك ثلاثة أنواع: النوع الأول منه: ما دل الدليل على وجوبه عليه، فيسن لأمته: كالسواك، وقيام الليل، وصلاة الضحى، وقضاء دين الميت المعسر.
والنوع الثاني: أن يدل الدليل على حرمته عليه ﷺ ، فيكره لأمته: كأكل كل ذي رائحة كريهة، ولبس ما فيه وسخ ونحو ذلك، فما حرم على النبي ﷺ فذلك يكره لأمته.
والنوع الثالث: ما دل الدليل على جوازه له ﷺ دون غيره، فيحرم على أمته: كالتزوج بأكثر من أربع، وكالزواج بلا ولي ولا صداق، وكالخلوة بالأجنبية، والحكم للأقارب، والحكم مع غيبة الخصم، فكل ذلك دل الدليل على جوازه له هو، وهو محرم على غيره من الأمة، فلهذا قال: [فعل صاحب الشريعة لا يخلو إما أن يكون على وجه الطاعة أو القربة أو غير ذلك، فإن دل الدليل على الاختصاص به يحمل على الاختصاص] معناه: أن الأصل عدم الاختصاص، ولهذا احتيج فيه إلى الدليل، فإن دل الدليل على الاختصاص به يحمل على الاختصاص، [وإن لم يدل لم يختص به] ؛ لأن الأصل أنه مبلغ عن الله تعالى، وفيه أسوة حسنة لكل المؤمنين: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١] .
ثم قال: [فيحمل على الوجوب عند بعض أصحابنا] : ذهب بعض الشافعية إلى أن فعل النبي ﷺ في معرض البيان يدل على الوجوب.
[ومن أصحابنا من قال يحمل على الندب] : وهذا مذهب جمهور الأصوليين، فإنهم يقسمون السنة إلى الأقسام الثلاثة، فيقولون: القول تؤخذ منه الأحكام الخمسة، والفعل يؤخذ منه حكمان فقط وهما: الندب والإباحة، والتقرير يؤخذ منه حكم واحد وهو الإباحة فقط، ومنهم من قال: يتوقف فيه، فإن كان على غير وجه القربة والطاعة فيحمل على الإباحة في حقه وحقنا، ويحمل على أنه من الجبلة فيكون جائزاً في حقه وفي حقنا: كالعطاس والنوم الاستيقاظ ونحو ذلك، فهذه من أفعال البشر المعتادة فيجوز في حقه وفي حقنا، ولا يشرع الاقتداء به فيها، ومثل هذا هيئات اللباس: كالعمامة والرداء والإزار وتقلد السيف ونحو ذلك، فهذا يدل على أحسن الهيئات وأقربها للفطرة، لكنه لا يطلب من أحد أن يتأسى به فيها فلا يثاب فاعل ذلك، ولا يشرع الاقتداء به في ذلك، فلهذا قال: [فإن كان على غير وجه القربة والطاعة فيحمل على الإباحة في حقه وفي حقنا، وإقرار صاحب الشريعة على القول هو قول صاحب الشريعة] ، أي: إقرار النبي ﷺ للقائل في قوله -إذا كان ذلك تحت حكمه وبمجلسه وبعلمه- فإنه يحمل على رضاه به.
والإقرار ينقسم إلى قسمين: تقرير بالاستحسان، وتقرير بالسكوت.
فالتقرير بالاستحسان: كتقريره لقول مجزز المدلجي حين رأى أقدام زيد بن حارثة وابنه أسامة قد خرجت من كساء لبساه، فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض.
قالت عائشة: (فدخل عليّ رسول الله ﷺ تبرق أسارير جبهته مسروراً، فقال: أما علمت أن مجززاً المدلجي رأى أقدام زيد وأسامة قد خرجت من كساء يلبسانه، فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض) ، فأقر القيافة، وفي ذلك رد على المنافقين، فإن زيداً شديد البياض، وابنه أسامة شديد السواد، وكان المنافقون يطعنون في نسب أسامة، فجاء هذا الأعرابي الذي يعرف الأثر والتشبيه، فشبه أقدام أسامة بأقدام زيد ففرح رسول الله ﷺ بذلك، فدل هذا على تقريره للقيافة.
ومثل ذلك: إقراره بالسكوت: كإقراره لبعض ما جرى بحضرته، كقوله للأنصاري حين رآه يصلي بعد الفجر: (ألم تشهد معنا الصلاة؟ قال: بلى.
قال: فماذا كنت تصلي؟ قال: ركعتا الفجر استعجلت عنها بالصلاة) فسكت، فهذا السكوت دليل على الإباحة، ومثله إقرار الفعل كما قال المصنف: [وإقراره على الفعل كفعله] ، فقد ثبت أنه أكُل الضب على مائدته، وأنه أهدي إليه ضب مشوي فقال: (لم يكن في بلاد قومي فأجدني أعافه) ، فاجتره خالد بن الوليد فأكله، وكل ذلك في بيت النبي ﷺ وبإقراره، فدل هذا على جواز أكل الضب.
قال المصنف: [وما فعل في وقته في غير مجلسه، وعلم به ولم ينكره، فحكمه حكم ما فعل في مجلسه] .
والمقصود بذلك أيضاً: إذا كان تحت إمرته، بخلاف ما لم يكن تحت إمرته، كما كان في العهد المكي من أفعال أهل الجاهلية، ولو لم يصرح بإنكاره؛ فإن سكوته عنه ليس إقراراً له، أما ما كان بالمدينة تحت إمرته فحصل وعلم به ولم ينكره فيعتبر ذلك إقراراً منه له، فحكمه حكم ما فعل في مجلسه، ويضاف على هذا: ما فعل في عهد النبي ﷺ من بعض المؤمنين ولو لم يعلم به النبي ﷺ ، لكن لم ينزل الوحي بإنكاره، وقد كان ظاهرة منتشرة بينهم، فيعتبر ذلك إقراراً من الله لهم، إذ لو كان منكراً لنزل الوحي بإنكاره، ودليل هذا قول جابر ﵁ كنا نعزل والقرآن ينزل، وقد بين أن هذه الظاهرة كانت منتشرة في وقت نزول الوحي، فلم ينزل القرآن بإنكارها وتحريمها، فدل ذلك على جوازها، وهذا من إقرار الله ، وهو أبلغ من إقرار النبي ﷺ .
стр. 65
شرح الورقات في أصول الفقه [٤]
عقد المصنف باباً للنسخ، لتعريفه، وبيان أقسامه، وألحق به باباً في التعارض بين الأدلة، وكيف يجمع بينها، ثم عقد باب الإجماع وعرفه وذكر بعض شروطه، وأتبعه بمسألة: هل قول الصحابي حجة على غيره؟ وشرع في باب الأخبار، وعرف الخبر، وذكر أقسامه.
стр. 66
باب النسخ وتعريفه
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فقد قال المصنف: [النسخ] عقد هذا الباب لبيان النسخ وذكر أقسامه، والنسخ معناه في اللغة: الإزالة، فيقال: نسخت الرياح الأثر، إذا أزالته وغيرته، ويقال: نسخت الشمس الظل؛ إذا أزالته.
ويطلق أيضاً على النقل، فيقال: نسخ الكتاب إذا نقله، فهذا معناه في اللغة.
وأما معناه في الاصطلاح: فهو تغيير الحكم الشرعي بخطاب متراخ عنه.
والمقصود بالحكم الشرعي: ما كان خطاباً أيضاً، فلا تنسخ البراءة الأصلية ولا ينسخ بها؛ لأن الأحكام كلها إنما نزلت على براءة أصلية سابقة لها، فلو اعتبر ذلك نسخاً لكانت الأحكام كلها ناسخة لأمر قد سبق، وهو البراءة الأصلية وعدم التكليف، ولا ينسخ أيضاً إلا بالخطاب، فلا نسخ بالقياس، ولا بالاجتهاد، ولا بالإجماع، وإنما يحصل النسخ بالوحي المنزل.
قال المصنف: [وأما النسخ فمعناه لغة: الإزالة] يقال: نسخت الشمس الظل؛ إذا أزالته، [وقيل: معناه النقل، من قولهم نسخت ما في هذا الكتاب أي: نقلته] وحكايته للخلاف في هذا لا وجه لها، بل هو في اللغة يطلق على هذين المعنيين وعلى التغيير، قال: [وحده -أي: تعريفه- هو الخطاب الدال على رفع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه، لولاه لكان ثابتاً مع تراخيه عنه] ، وهذا تعريف للناسخ لا للنسخ، فالخطاب الدال على رفع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم هو الناسخ، فلو قال: هو رفع الحكم الثابت بخطاب متقدم على وجه لولاه لكان ثابتاً مع تراخي الرفع أو تراخي الخطاب عنه، لكان ذلك تعريفاً للنسخ، والمقصود برفع الحكم: إزالته وتغييره، والحكم هنا المقصود به: الحكم الشرعي فقط.
قوله: [الثابت بالخطاب] ، أي: الذي أنزل به وحي.
[المتقدم] فالمتقدم لا ينسخ المتأخر.
[على وجه لولاه لكان ثابتاً] ، أي: لولا ذلك الوجه لكان الحكم ثابتاً.
[مع تراخيه عنه] أي: تأخره عنه، فلو جاء متصلاً به لاعتبر ذلك تخصيصاً ولم يعتبر نسخاً، وهذا التراخي ليس له مدة محددة، بل قد يحصل بالقرب، كما حصل في قصة الصدقة بين يدي النجوى، فإن الله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [المجادلة:١٢-١٣] ، فنسخ ذلك الحكم على القرب، وذلك بفضل الله ورحمته، وقد نسخ قبل التمكن من الفعل، فدل ذلك على جواز النسخ قبل التمكن من الفعل.
стр. 67
أنواع النسخ
стр. 68
النسخ إلى بدل وإلى غير بدل
ثم قال: [والنسخ إلى بدل وإلى غير بدل] ، أي: يجوز النسخ إلى بدل، بأن تنزل آية أخرى بدل تلك، أو حكم آخر بدل الحكم الذي نسخ، ويجوز النسخ إلى غير بدل، أي: بالإحالة إلى ما كان من البراءة الأصلية، وهذا محل خلاف بين الأصوليين، فقد ذهب جمهورهم إلى أن النسخ لا يكون إلا إلى بدل؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة:١٠٦] ، فلا بد من البدل الذي هو خير أو مثل للمنسوخ، والآخرون يقولون: البراءة بدل وهو خير أو مثل؛ لأن الله كان تعبدنا بذلك الحكم ثم لما نسخه تعبدنا بالإباحة فيه، فكان ذلك إلى غير بدل، وحمل عليه نسخ الصدقة بين يدي نجوى رسول الله ﷺ ، فقيل: هي من النسخ إلى غير بدل، وقيل: بل ذكر البدل وهو: إقام الصلاة وإيتاء الزكاة؛ لأنه قال: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [المجادلة:١٣] فذلك من النسخ إلى بدل.
стр. 69
النسخ إلى ما هو أغلظ وإلى ما هو أخف
قال المصنف: [وإلى ما هو أغلط، وإلى ما هو أخف] أي: يجوز النسخ إلى ما هو أغلط بالزيادة في الحكم، أو إلى ما هو أخف بالأسهل، وهذا أيضاً محل خلاف بين الأصوليين، فذهب بعضهم إلى: أن النسخ لا يكون إلا بالأسهل؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة:١٠٦] فالأسهل هو الخير أو المماثل، وأما الأشد فلا يكون كذلك، والذين يرون صحة النسخ بالأغلظ والأشد، يقولون: الأشد خير من المنسوخ؛ لأنه أكثر منه أجراً، وقد عرف النسخ بالأخف مثل قوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ﴾ [الأنفال:٦٥] ، فنسخ بقوله:: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال:٦٦] ، فكان ذلك تخفيفاً، وأما النسخ بالأغلظ، فمثله ما ورد من التحريم بعد الإباحة: كتحريم لحوم الحمر الأهلية بعد إباحتها، وذلك مما تكرر فيه النسخ، فقد تكرر النسخ في أربع مسائل وهي: ١- القبلة، فقد كان النبي ﷺ بمكة يصلي إلى البيت الحرام، ثم لما هاجر صلى إلى الشام سبعة عشر شهراً، ثم نسخت القبلة فأعيدت إلى البيت الحرام.
٢- وكذلك منها متعة النكاح، فقد حرمت بإعلان رسول الله ﷺ النهي عنها، ثم أذن فيها في بعض الغزوات، ثم حرمها وبقيت على التحريم.
٣- ومثل ذلك: الحمر الأهلية، فقد حرم رسول الله ﷺ أكلها، ثم في إحدى الغزوات أذن بأكلها لجوع الناس، ثم بعد ذلك حرمها فاستمرت على التحريم.
٤- ومثل ذلك: الوضوء مما مست النار، فإنه ﷺ كان يتوضأ مما مست النار، ثم ترك الوضوء من ذلك، وكان آخر الأمرين منه ترك الوضوء مما مست النار.
وهذه الأربع هي التي نظمها الحافظ ابن حجر ﵀ بقوله: النسخ ذو تكرر في أربع جاءت بها الكتب والأخبار في قبلة ومتعة وحمر كذا الوضو مما تمس النار
стр. 70
نسخ اللفظ وبقاء الحكم
قال المصنف: [ويجوز نسخ الرسم وبقاء الحكم] .
يقصد: أن أقسام النسخ منها: نسخ اللفظ وبقاء حكمه، كآية الرجم التي كانت في سورة الأحزاب، وهي: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله) ، وكانت هذه الآية ثابتة في سورة الأحزاب، فنسخ لفظها وبقي حكمها، وعمل به رسول الله ﷺ فرجم خمسة أشخاص، وهم اليهوديان، وماعز، والغامدية، وصاحبة العسيف، وكذلك عمل به خلفاؤه الراشدون فقد رجم عمر ﵁ امرأتين، ورجم عثمان كذلك امرأة، ورجم علي بن أبي طالب ﵁ شراحة، فكل هؤلاء رجموا بهذه الآية التي نسخ لفظها وبقي حكمها، لهذا قال: [ويجوز نسخ الرسم] والمقصود به: المكتوب والمقروء، أي: اللفظ، [وبقاء الحكم] ، أي: بقاء حكم ذلك اللفظ الذي نسخ.
стр. 71
نسخ الحكم وبقاء الرسم
قال: [ونسخ الحكم وبقاء الرسم] أي: يجوز أيضاً أن ينسخ الحكم ويبقى اللفظ متلواً فيما يتلى من القرآن، كقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة:٢٤٠] ، فهذه الآية بقي لفظها ونسخ حكمها، بالآية التي قبلها في رسم المصحف، وهي متأخرة عنها في النزول، وهي ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة:٢٣٤] ، وكذلك قول الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:١٨٠] ، فقد نسخ هذا الحكم، وبقي اللفظ مما يتلى، ومثل ذلك: قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ [الأنفال:٦٥] ، فقد نسخت هذه الآية بالآية التي بعدها وهي قول الله تعالى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الأنفال:٦٥-٦٦] ، فهذه الآية ناسخة لسابقتها، وقد أثبتت سابقتها في الرسم، وبقيت مما يتعبد بتلاوته، لكن لا يعمل بحكمها، فالحكم قد نسخ.
стр. 72
أنواع النسخ باعتبار الناسخ
قال المصنف: [ويجوز نسخ الكتاب بالكتاب، ونسخ السنة بالكتاب وبالسنة] .
ذكر المصنف أنواع النسخ باعتبار الناسخ، فالناسخ: إما كتاب وإما سنة، والمنسوخ في كل واحد منهما: إما كتاب وإما سنة، ومذهب الشافعي أن الكتاب لا ينسخ بالسنة، وأن السنة لا تنسخ بالكتاب، ومذهب الجمهور حصول النسخ بينهما.
стр. 73
نسخ الكتاب بالكتاب
فيجوز نسخ الكتاب بالكتاب بالاتفاق، مثلما ذكر في آيتي العدة وآيتي العدد في الغزو، فآية العدة جاء فيها قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا﴾ [البقرة:٢٤٠] ، ونسخ ذلك بقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة:٢٣٤] ، وآيتا العدد جاء فيهما قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ * الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال:٦٥-٦٦] .
стр. 74
نسخ الكتاب بالسنة
ويجوز كذلك نسخ الكتاب بالسنة على الراجح، مثل قول الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:١٨٠] ، فقد نسخ ذلك بقول النبي ﷺ : (إن الله تعالى قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث) .
стр. 75
نسخ السنة بالكتاب
وكذلك نسخ السنة بالكتاب، ومثاله: نسخ استقبال الشام في الصلاة بقول الله تعالى: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة:١٤٤] .
فهذا الكتاب ناسخ للسنة.
следующие страницы →