← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 7689

شرح الورقات في أصول الفقه - الددو

محمد الحسن الددو الشنقيطي

Полный текст (132 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

شرح الورقات في أصول الفقه [١] إن لعلم أصول الفقه مكانة عظيمة بين العلوم الشرعية، فهو العلم الذي تعرف به مدارك الأحكام، وكيفية الاستنباط، فكان خير زاد لطالب العلم حتى ينفع نفسه ودينه وأمته. ومن المعلوم أن على طالب العلم أن يسلك سلم التدرج في شتى الفنون، لذا كانت رسالة الورقات للإمام الجويني من خير ما يبدأ به المبتدئون في هذا الفن، وقد بدأ المؤلف ﵀ بذكر تعريف أصول الفقه لفظاً ولقباً، ثم شرع في ذكر الأحكام الشرعية وشرحها.

стр. 2

أصول الفقه: أهميته، ومبدأ نشأته بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على من بعث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه، واستن بسنته إلى يوم الدين. هذا شرح ورقات إمام الحرمين في أصول الفقه، وهو تأليف صغير مختصر للتعريفات المبدئية في أصول الفقه، وضعه إمام الشافعية: أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني نسبة إلى جوينة من نيسابور، وقد ولد ﵀ سنة (٤١٩هـ) ، وتوفي سنة (٤٧٨هـ) ، وكان من مشاهير المتكلمين، والفقهاء الأصوليين، وقد ألف هذه الورقات لتكون مبدأً لطلاب العلم يعرفون به بعض مصطلحات أصول الفقه.

стр. 3

الكتاب والسنة يبحث فيهما من جهتين أصول الفقه علم من أهم العلوم الشرعية؛ لأنه علم يتوصل به إلى فهم الكتاب والسنة وأخذ الأحكام منهما؛ وذلك أن الكتاب والسنة يبحث فيهما من جهتين: جهة الورود، وجهة الدلالة: أما جهة الورود فهي النقل، بمعنى: التحقق من ثبوت نسبة القرآن إلى الله، والتحقق من ثبوت الحديث إلى النبي ﷺ ؛ وذلك بالرواية والإسناد. وأما جهة الدلالة، فمعناها: ما يراد بهذا الكلام، أي: ما يريده الله من عباده بهذا اللفظ، وما يريده النبي ﷺ من أمته بهذا اللفظ، وهاتان الجهتان لم يحتج الصحابة رضوان الله عليهم إلى بحثهما، أما جهة الورود فلسماعهم من النبي المعصوم ﷺ مباشرة، وأما جهة الدلالة فلأنهم أهل اللسان العربي على وجه السليقة، وكذلك لم تشتد حاجة التابعين إلى البحث فيهما. أما جهة الورود فلسماعهم من الصحابة المعدلين بتعديل الله تعالى لهم؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠] ، ويقول: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة:٩٦] ، فنفى عنهم الفسق بحلول الرضوان عليهم، وإذا انتفى عنهم الفسق وجب لهم ضده وهو العدالة؛ لأن المحل القابل للصفة لا يخلو منها أو من ضدها، ولم يحتج التابعون كذلك إلى البحث كثيراً في جهة الدلالة؛ لأنهم ما زالوا أهل اللسان العربي على وجه السليقة، ولم تختلط الحضارة العربية بعد بالحضارات الأخرى اختلاطاً مؤثراً، لكن حين جاء أتباع التابعين احتاجوا إلى البحث في الجهتين: أما جهة الورود فلأنهم لم يلقوا النبي المعصوم ﷺ ، ولم يلقوا الصحابة المعدلين بتعديل الله، وإنما لقوا التابعين وفيهم العدول وغير العدول، فاحتاجوا إلى البحث في جهة الورود، واحتاجوا كذلك إلى البحث في جهة الدلالة؛ لأن الحضارة العربية قد اختلطت بغيرها من حضارات أهل الأرض، وتغيرت الأوضاع عما كانت عليه، فانتقلت المدنية التي كانت في الحضارات الأخرى إلى جزيرة العرب، وانتقلت العرب أيضاً عن جزيرتهم، وتغيرت لغتهم، وداخلها كثير من المجاز ومن اللغات الأخرى، فاحتيج -إذاً- إلى البحث في الدلالة. ومن هنالك جاءت نشأة المذاهب، فليس للصحابة مذاهب ولا للتابعين مذاهب، وإنما بدأت المذاهب مع أتباع التابعين؛ للحاجة إلى البحث في هاتين الجهتين. وعلم أصول الفقه: هو علم اقتصاد الشريعة، فعلم الاقتصاد في علوم الدنيا: هو العلم الذي يمكن من خلاله تغطية الحاجيات غير المحصورة من الموارد المحصورة، وعلم أصول الفقه: هو العلم الذي يمكن من خلاله تغطية النوازل والوقائع غير المحصورة من النصوص المحصورة، فآيات القرآن الكريم بالعد الكوفي: (٦٢١٤) آية، وبالعد المدني: (٦٢٣٤) آية. وآيات الأحكام منها خمسمائة آية، وأحاديث النبي ﷺ التي وصلت إلينا بالنقل لا تتجاوز ثلاثمائة ألف حديث، وأحاديث الأحكام منها لا تتجاوز أحد عشر ألف حديث، ومواقع الإجماع محصورة قليلة، ومع هذا فالنوازل والوقائع لا حصر لها، فكل يوم يتجدد منها الكثير، ولله تعالى حكم في كل مسألة، وإنما يؤخذ ذلك بالاجتهاد على طرق الاستدلال المعروفة والفهم، وإنما يتم ذلك بأصول الفقه، فلما كان هذا العلم بهذه المثابة؛ احتيج إلى وضع مؤلفات فيه تبين مصطلحات أصحابه، وتبين مرادهم بكثير من الأمور التي تخفى على من سواهم، وأول من جمع كتاباً مستقلاً في هذا العلم هو محمد بن إدريس الشافعي المطلبي القرشي ﵀، وقد ولد سنة (١٥٠هـ) وتوفي سنة (٢٠٤هـ) ، وقد ألف فيه رسالته المشهورة، ثم بعده تتابع الناس على التأليف على هذا العلم.

стр. 4

مدرستا العلماء في أصول الفقه وقد اشتهر فيه مدرستان: إحداهما تسمى بمدرسة الفقهاء، وهي التي أخذ بها فقهاء الحنفية، وتنطلق من الفتاوي والمسائل التي تروى عن الأئمة، فيجمعون منها حشداً كبيراً فيجعلون منه قاعدة. والمدرسة الثانية: هي التي اشتهرت بمدرسة المتكلمين، وعليها سار فقهاء المالكية والشافعية والحنابلة، وهي تنطلق من أصل القاعدة، فتمثل لها ببعض الفروع، ولا تذكر من الفروع إلا ما كان مثالاً للقاعدة فقط، وهذه الطريقة هي التي كثرت التآليف عليها، وقد حاول بعض المتأخرين الجمع بين الطريقتين فألفوا بعض الكتب التي تجمع بين طريقة المتكلمين وطريقة الحنفية، وكثرت التآليف في أصول الفقه ما بين مطول ومختصر، ونظم ونثر، وهذه الورقات قد وضع الله لها القبول، فلاقت شهرة ورواجاً منذ عصر المؤلف إلى وقتنا هذا، ولم يزل الناس يشرحونها وينظمونها ويدرسونها ويحفظونها لأولادهم الصغار.

стр. 5

مقدمة الورقات بدأ المؤلف ﵀ بقوله: (بسم الله الرحمن الرحيم) وذلك اقتداء بالقرآن الكريم، فإن الله افتتحه بالبسملة، وبعدها بحمد الله ، وشرح البسملة يطول الكلام فيه، وقد تعرضنا له في شرح بعض الكتب الماضية. والمقصود هنا: أبدأ بسم الله الرحمن الرحيم. أو: أؤلف بسم الله الرحمن الرحيم، أي: مستعيناً باسم الله الرحمن الرحيم. قال ﵀: [هذه ورقات تشتمل على معرفة فصول من أصول الفقه، وذلك مؤلف من جزئين مفردين، أحدهما: الأصول والثاني الفقه] . بهذه المقدمة افتتح كتابه للتعريف أولاً بالكتاب، فقال: (هذه ورقات) ، والورقات: جمع ورقة، وذلك للقلة، أي: أنها أوراق قليلة ولا يقصد بها التطويل والتكثير، وهي مع ذلك تشتمل على معرفة فصول من أصول الفقه. فصول: الفصل ما اختص من العلم بما يجمعه، وغالباً ما تسمى الفصول لما يجتمع من مسائل العلم تحت باب واحد، فيفرق بحسب ما يجمعه إلى فصول، ولا يقصد بتلك الفصول المعروفة في الاصطلاح بهذا، وإنما يقصد بها مسائل من أصول الفقه، يهتم فيها أساساً بتعريف المقدمات الكبرى والاصطلاحات. وقوله: (على معرفة) ، أي: على تعريف فصول من أصول الفقه، ثم بدأ ذلك بتعريف أصول الفقه، وقال (وذلك) أي: أصول الفقه (مؤلف من جزئين) أي: هذا الاسم مؤلف من جزئين، والمقصود بالجزئين هنا: الكلمتان اللتان ألف منهما المركب الإضافي، وهو أصول الفقه. (من جزئين مفردين أحدهما الأصول) أي: أحد هذين الجزئين أصول، (والثاني الفقه) ، فهاتان الكلمتان منهما تألف اسم هذا العلم، فلهما تعريفان: تعريف بالمعنى الإضافي، وتعريف بالمعنى التركيبي، أما تعريفهما بالمعنى الإضافي فالمقصود به: تعريف الأصول بغض النظر عن إضافتها إلى الفقه، وتعريف الفقه بغض النظر عن إضافة الأصول إليه، ثم بعد ذلك التعريف يأتي التعريف بالمعنى اللقبي: وهو ما يدل عليه هذا الاسم.

стр. 6

تعريف أصول الفقه لفظاً ولقباً فبدأ بتعريف هذين الجزئين، ومعنى قوله (مفردين) : أي: ليس واحد منهما مركباً، ولا يقصد الإفراد الذي يقابل التثنية والجمع، بل يقصد هنا أن كل واحد من هذين الجزئين غير مركب، فليس فيهما تركيب إضافي. قال ﵀: [فالأصل ما يبنى عليه غيره] : بدأ بالجزء الأول وهو الأصول، فذكر أن الأصول: جمع أصل، وعرف الأصل فقال: هو ما يبنى عليه غيره، وهذا في الاصطلاح، والأصل في اللغة: هو ما يبنى عليه غيره من أساس الدار، وعلى ما ينبت عليه غيره كأصل الشجر. قال ﵀: [والفرع ما يبنى على غيره] ذكر هنا مقابل الأصل وهو الفرع، وتعريفه في الاصطلاح: هو ما يبنى على غيره. ثم عرف الفقه، فقال: [الفقه معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد] . الفقه: مصدر فقه إذا فهم، وهو في اللغة الفهم، ومنه قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ [هود:٩١] أي: ما نفهم كثيراً مما تقول. وفي الاصطلاح: معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد، وتعريفه هنا بالمعرفة: يقصد به الذي يقوم بنفس الفقيه، أي: الصفة التي تقوم بنفس الفقيه ليكون بها فقيهاً، وإذا أردنا تعريفه كعلم من العلوم قلنا: العلم المتعلق بالأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد، فنجعله قسماً من أقسام العلوم يتعلق بالأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد. والأحكام: جمع حكم، وهو في اللغة: الإتقان، فيقال: أحكم الشيء. أي: إحكاماً وحكماً إذا أتقنه، ومنه قوله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود:١] . ويطلق كذلك على الإمساك، فيقال: أحكم السفيه، إذا أمسكه عن سفهه ورده عنه، ومنه قول جرير: أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم إني أخاف عليكم أن أغضبا أبني حنيفة إنني إن أهجكم أدع اليمامة لا تواري أرنبا وهو في الاصطلاح: إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه. إثبات أمر لأمر: كـ (قام زيد ومات زيد) ، و (هذا واجب وهذا حرام) . أو نفيه عنه: كـ (لم يقم زيد ولم يمت زيد) ، و (ليس هذا بواجب وليس هذا بحرام) ، فكل ذلك يسمى حكماً، وهو ينقسم باعتبار أصله إلى ثلاثة أقسام: إلى حكم شرعي، وحكم عقلي، وحكم عادي، فالذي يثبت أمراً لأمر أو ينفي أمراً عن أمر لا يخلو أن يكون شرعاً. أي: وحياً منزلاً من عند الله ، وما صدر عنه يسمى بالأحكام الشرعية. والشرع: معناه: البيان والإظهار، ويطلق أيضاً على الشرب، فيقال: شرع الأمر إذا بينه، ومنه شراع السفينة؛ لوضوحه وإظهاره، ويقال: شرعت الدابة إذا دخلت في الماء لتشرب منه، وتطلق الشريعة على الماء كماء الغدير أو البركة التي يشرب منه. وهو في الاصطلاح: ما أظهره الله من الأحكام لعباده وهيئه؛ لأن يكون معيناً تشرب منه المقاصد والتفصيلات. قال ﵀: [والحكم الشرعي: هو خطاب الله المتعلق بفعل المكلف من حيث إنه مكلف به] (خطاب الله) أي: هذا الذي يؤخذ منه الحكم الشرعي وهو الوحي. (خطاب الله) ، أي: كلامه الموجه إلى عباده سواء أنزل بلفظه ومعناه كالقرآن والحديث القدسي، أو أنزل بمعناه فعبر عنه النبي ﷺ بكلامه، وهو السنة النبوية، أو جاء دليله مجملاً وكلف المكلف بالاجتهاد في استنباطه واستخراجه، فاستخرجه العلماء، سواءً أجمعوا عليه فكان إجماعاً قطعياً، أو لم يجمعوا عليه فكان اجتهاداً قابلاً للقبول والرد. (خطاب الله المتعلق بفعل المكلف) فخرج بذلك خطاب الله المتعلق بذات الله، كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] فهذا في ذات الله وصفاته، وخرج كذلك خطاب الله المتعلق بذات المخلوق، كقوله تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦] خلقكم: هذا خطاب الله المتعلق بذات المخلوق. (من حيث إنه مكلف به) خرج بها خطاب الله المتعلق بفعل المكلف لا من حيث إنه مكلف به، بل من حيث هو مخلوق لله، كقوله: ﴿خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦] . (وما تعملون) هنا: خطاب الله المتعلق بفعل المكلف لا من حيث إنه مكلف به، بل من حيث هو مخلوق لله . والقسم الثاني: هو الحكم العقلي: وهو قضية، أي: أمر قابل للصدق والكذب لا يتوقف على شرع ولا على تجربة، إنما تؤخذ بالعقل المجرد، وعقول المكلفين متفاوتة، ودرجاتها متباينة، ولكن ما اتفق عليه من الإثبات والنفي هو حكم العقل، سواء كان ضرورياً أي: لا يحتاج في استنباطه إلى التأمل، أو كان نظرياً. أي: يحتاج في استنباطه إلى تأمل. والقسم الثالث: الحكم التجريبي العادي، وهو إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه بواسطة التكرر مع صحة التخلف، كما يحصل في إثبات أن عقاراً من العقاقير دواء لمرض محدد، فلم ينزل بذلك وحي ولا يقتضيه عقل، وإنما عرف من خلال التجربة والتكرار، فتكرر تجريبه على المصابين بهذا المرض، فلوحظ تأثيره فيهم جميعاً، فجعل علاجاً لذلك المرض، فهذا النوع هو الحكم العادي، ويمكن تخلفه بأن يستعمل مريض هذا الدواء فلا يستفيد منه شيئاً، ويستعمله آخر -مريض بنفس المرض- فيستفيد منه؛ وذلك بقدر الله ، ومثل هذا: الإحراق في النار، فإن الأصل أن النار تحرق الأشياء القابلة للاحتراق إذا لامستها، بحصول الشروط كالملامسة وانتفاء الموانع، كانتفاء الحائل، وأن يكون الشيء قابلاً للاحتراق، ولكن ذلك يمكن أن يستثنى منه، فإبراهيم ﵇ رمي في النار فما احترق؛ وذلك بقدر الله وقدرته، فهذه هي الأحكام. قوله: (التي طريقها الاجتهاد) فالأحكام الشرعية منها ما يأتي صريحاً في الوحي بنص القرآن أو بنص السنة، فلا يكون طريق معرفته الاجتهاد، وإنما طريق معرفته الوحي، فهذا لا يسمى فقهاً، بل هو من الأمور المتفق عليها التي جاءت في النص، فمثلاً: وجوب الصلاة والزكاة، ووجوب الطهارة، وإباحة البيع وتحريم الربا وتحريم الزنا، هذه أمور نصية لا يمكن أن تنسب إلى مذهب من المذاهب؛ لأنها ليست من اجتهاد أحد من الناس، وإنما هي وحي من عند الله . (التي طريقها) أي: طريق معرفتها. (الاجتهاد) ، والاجتهاد في اللغة: بذل الجهد في أيّ شيء، فيقال: اجتهد فلان في السير، أي: عدا فيه وجد، ويقال: اجتهد في الأمر. أي: بذل قصارى جهده فيه. والاجتهاد في الاصطلاح: بذل الفقيه وسعه في تحصيل ظن بالأحكام مأخوذ من أدلتها، فهو مختص بمن كان فقيهاً أي: متصفاً بشروط الاجتهاد، وبمن بذل كل وسعه -أي: كل طاقته- للوصول إلى ظن، فلا يلزم القطع بالاجتهادات، بل لا يمكن القطع بها، وقد كان مالك ﵀ يقول: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية:٣٢] ، فكل ما طريقه الاجتهاد يتعذر فيه القطع بتفاوت عقول الناس. وقوله: (في تحصيل علم) أي: الوصول إليه بتحصيل ظن. (بالأحكام الشرعية) : أي: بحكم شرعي قد جاء أصله في الوحي، ثم بذل الجهد في استخراجه واستنباطه. (بالأحكام الشرعية من أدلتها) أي: أن يكون ذلك مأخوذاً من الأدلة، وهذا التعريف الذي ذكره هنا للقفه تعريف مختصر، وللأصوليين تعريف مطول وهو: الفقه: هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلة. الفقه إذاً: هو العلم بالأحكام الشرعية، والعلم هنا لا يقصد به القطع، بل يقصد به الفهم والإدراك، فيشمل ذلك القطعيات والظنيات. (بالأحكام الشرعية) سبق تعريفها. (العملية) فذلك مخرج للعقائد، فإن العلم بها علم بالأحكام الشرعية غير العملية، بل النظرية المكتسب بخلاف الموحى، فالوحي لا يكتسب إنما هو اختيار من عند الله.

стр. 7

تعريف الدليل وأقسامه (من أدلتها) ، فاكتساب الأحكام لا يمكن أن يكون بالأوهام والتخمين، بل لابد فيه من الرجوع للأدلة، والأدلة جمع دليل، والدليل في اللغة المرشد، سواء أكان ذلك في الحسيات أو في المعنويات، فمن إطلاقه على الحسيات قول الشاعر: إذا حل دين على اليحصبي فقل له تزود بزاد واستعن بدليل سيصبح فوقي أقتم الريش واقعاً بقالي قلا أو من وراء دليل فالدليل هنا: هو الخريت الذي يعرف المسافات ويدل السائر فيها، ومن إطلاقه على المعنويات قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ [الفرقان:٤٥] ، (جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا) أي: علامة عليه مرشدة لوجوده. والدليل في الاصطلاح: هو ما يوصل بصحيح النظر فيه إلى العلم بمطلوب خبري، ويمكن أن تقول: ما يتوصل بصحيح النظر فيه -أي: بالنظر الصحيح فيه- إلى العلم بمطلوب خبري، فالتوصل إنما يكون بصحيح النظر -أي: النظر الصحيح- والنظر حركة النفس في المعقولات، وحركتها بالمحسوسات تسمى (بالتخيل) . فالنظر إذاً: هو التفكير، وهو صحيح وفاسد، فالصحيح من النظر: ما كان من الجهة التي يدل منها الدليل على مدلوله. والفاسد من النظر: ما كان من الجهة التي لا يدل منها على مدلوله، فمثلاً: الذي يريد أن يعمل دولاباً من خشب، إذا بحث في الخشب من جهة قدمه أو حداثته، أو من جهة ملك فلان له، أو نحو ذلك، فهذا الوجه لا يوصل إلى المراد، لكن إذا بحث من جهة استقامة الخشب واعوجاجه، ولينه وقساوته، أدى هذا إلى المطلوب؛ لأنه الوجه الذي يعين على صناعة الدولاب منه. (إلى العلم) أغلب إطلاق الأصوليين للدليل على ما يوصل إلى العلم أو الظن، وبعضهم يخص ما يوصل إلى العلم بهذا المصطلح: الدليل، ويطلق على ما يوصل إلى الظن الأمارة، ولكن ذلك في اصطلاح مندرس لم يسر عليه المؤلفون. وقوله: (إلى مطلوب خبري) المطلوب: ما تتعلق به النفس، والمقصود به: الأمر الذي يكون -قبل إقامة الدليل- عليه دعوى، ووقت إقامة الدليل مطلوباً، وبعد إقامة الدليل نتيجة، فهو نتيجة ذلك الدليل. وقوله: (خبري) منسوب إلى الخبر، فالكلام ينقسم إلى قسمين: إلى إنشاء وخبر، فالإنشاء: إيقاع معنىً بلفظ يقارنه في الوجود، كالطلب: قم اجلس وهكذا، فهذا إنشاء، والمعنى لم يوجد قبل قوله قم، ولا يتعلق به التصديق ولا التكذيب. وأما الخبر: فهو التحدث عن أمر سبق التحدث عنه، كقول: قمت بالأمس، أو كنت قائماً في مكان كذا، أو ستقوم، فهذا تحدث عن أمر لا يقارن وجوده التحدث به، وهو قابل للتصديق والتكذيب، فالخبر كله يقبل الصدق والكذب بخلاف الإنشاء فلا يقبلها، والذي يحتاج إلى الدليل هو ما يقبل الصدق والكذب؛ لأن ما لا يقبل التصديق أو التكذيب لا يحتاج فيه أصلاً إلى الدليل، إنما يحتاج إلى الدليل فيما يقبل التصديق والتكذيب، فلهذا قلنا: (إلى مطلوب خبري) . والأدلة تنقسم إلى قسمين: إلى أدلة إجمالية وأدلة تفصيلية، فالأدلة الإجمالية هي أجناس الأدلة: كالكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس. والأدلة التفصيلية: هي جزئيات هذه الأجناس، فمثلاً: الأدلة التفصيلية من الكتاب مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة:٦] ، فهذا دليل على وجوب غسل الوجه في الوضوء، والآية هي دليل وجوب الوضوء وهكذا، فهذا دليل تفصيلي لا دليل إجمالي. والفقه إنما يؤخذ من الأدلة التفصيلية، فهي التي يبحث فيها في علم الفقه، وأما أصول الفقه فإنما يتعلق البحث فيه بالأصول الإجمالية، والبحث فيه عن الكتاب كجنس للأدلة التفصيلية، والسنة كذلك وهكذا. إذاً: هذا تعريف الفقه، وبه يعرف أصول الفقه، فأصول الفقه -إذاً- بالمعنى اللقبي: هو العلم بالأدلة الشرعية الإجمالية وطرق الاستفادة منها وحال المستفيد. وإذا أردت الصفة التي يتصف بها الأصولي فتقول: هو العالم بالأدلة الشرعية الإجمالية وطرق الاستفادة منها وحال المستفيد. إذاً: هذا معنى أصول الفقه في المعنى اللقبي أنه: العلم بالأدلة الشرعية الإجمالية، أي: أجناس الأدلة، وطرق الاستفادة منها، أي: طرق أخذ الأحكام منها، وهذا يدل على أن الأحكام أيضاً تبحث في أصول الفقه. وحال المستفيد، أي: حال الذي يأخذ الأحكام من الأدلة وهو المجتهد. إذاً: هذه ثلاثة أمور ينتظمها أصول الفقه في الاصطلاح: أولاً: الكلام في الأدلة نفسها. ثانياً: الكلام في طرق دلالتها على الأحكام. ثالثاً: الكلام في شروط آخذها من الأحكام وهو (المجتهد) .

стр. 8

الأحكام الشرعية وأقسامها وقد اختلف في موضوع أصول الفقه، فقيل: هو الأدلة الشرعية، وقيل: هو الأحكام الشرعية، والواضح أنه جامع للأمرين، فهو الأدلة الشرعية الإجمالية والأحكام الشرعية كذلك؛ لأن الأمرين يبحث فيهما في أصول الفقه، ولهذا بدأ هو بالأحكام فقال: (الأحكام الشرعية) ، عقد هذا الباب لبيان أقسام الحكم الشرعي. قال: [والأحكام سبعة: الواجب، والمندوب، والمباح، والمحظور، والمكروه، والصحيح، والباطل] . والأحكام الشرعية تنقسم إلى قسمين: القسم الأول يسمى: بالأحكام التكليفية، والقسم الثاني يسمى: بالأحكام الوضعية. أما الأحكام التكليفية: فهي ما يكلف الله به الناس طلباً أو نهياً، طلباً لفعل أو تركاً أو تخييراً بينهما، فالطلب إما أن يكون جازماً أو غير جازم، فالجازم: هو الذي يسمى بالإيجاب، وغير الجازم: هو الذي يسمى بالندب، وطلب الترك إما أن يكون جازماً أيضاً، فهذا الذي يسمى بالتحريم، أو أن يكون غير جازم، وهذا الذي يسمى بالكراهة، والتخيير: هو الذي يسمى بالإباحة. فهذه الخمسة هي الأحكام التكليفية وهي منسوبة إلى التكليف، والتكليف: هو طلب ما فيه كلفة. أي: أن يطلب الشارع من عبده ما فيه كلفة. أي: مشقة، وهي مشقة الامتثال، ولا يقصد بها أن كل ما يكلفنا الله به فيه مشقة، فالمشقة بمعنى ما لا يقدر عليه مرفوعة أصلاً؛ لقوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨] ، وحصول المشقة يقتضى التيسير في الأحكام الشرعية، وإنما يقصد هنا: أن في ذلك طلباً لأمر لم يكن المكلف يفعله من تلقاء نفسه وإنما يفعله طاعة لله ، ففيها التماس للطاعة التماس للقرب من الله تعالى، فهذا معنى كونها تكليفاً بما فيه مشقة. وقد اختلف الناس في التكليف: هل هو إلزام ما فيه كلفة، أو طلب ما فيه كلفة؟ فمنهم من يعرفه بالإلزام؛ وذلك مقتضٍ لخروج المباح فليس فيه إلزام، ولخروج المندوب فليس فيه إلزام، ولخروج المكروه فليس فيه إلزام، فيدخل الواجب والمحرم فقط. وبعضهم يقول: هو طلب ما فيه كلفة، وهذا يدخل الصبي؛ فإنه يطلب منه أداء الواجبات على وجه الندب، وترك المحرمات على وجه الندب أيضاً، فالمحرمات في حقه مكروهة، والواجبات في حقه مندوبة، وليس هو ملزماً بذلك؛ لأنه غير مكلف، فإذا قلنا: التكليف: هو إلزام ما فيه كلفة، فإنه يخرج منه المندوب والمكروه والمباح، وإذا قلنا: التكليف: هو طلب ما فيه كلفة، فإن ذلك يقتضي أن يكون الصبي مكلفاً، وكلا الأمرين غير صحيح، فلا يقصد بالإلزام هنا معناه المتبادر، وإنما يقصد به أن يكون ذلك مما يقصد به التعبد والطاعة. قال: (والأحكام سبعة: الواجب والمندوب والمباح والمحظور والمكروه) وهذه في الواقع: هي متعلق الأحكام، فالحكم هو الخطاب، أي: الإيجاب والندب والإباحة والحظر الكراهة، فهذا هو الخطاب، أما متعلقه: فهو الواجب والمندوب والمباح والمحظور والمكروه.

стр. 9

أقسام الخطاب الوضعي المستقل فالمستقل أربعة أقسام هي: السبب، والعلة، والشرط والمانع. أما السبب: فهو ما جعله الشارع علامة على الحكم، على وجود الحكم التكليفي، ولم يدرك العقل وجه ترتيبه عليه: كزوال الشمس سبب لوجوب صلاة الظهر، وكغروبها سبب لوجوب صلاة المغرب، والعقل لا يدرك العلاقة بين الزوال وصلاة أربع ركعات، وبين الغروب وصلاة ثلاث ركعات وهكذا، فهذا النوع هو السبب. وقد عرفه القرافي: بأنه ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم؛ لأنه إذا وجد لزم أن يوجد ما علق عليه. ومن عدمه العدم، أي: أنه إذا لم يوجد لم يصح حصول ما علق عليه، كدخول الوقت فإنه سبب لوجوب الصلاة، لكن إذا لم يدخل لا يمكن أن تؤدى وليست بواجبة، ويمكن أن يعرف: بأنه ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته، فلزوم الصلاة بدخول الوقت ليس بذات الوقت، إذ قد تدخل ولا تجب على الإنسان؛ لأنه غير مكلف -مثلاً- في ذلك الوقت بسبب عدم بلوغه أو بسبب إغماء أو جنون، أو بسبب تلبسه بمانع كالحيض والنفاس ونحو ذلك، فالسبب قد لا يلزم من وجوده الوجود دائماً لذاته، بل مع حصول الشروط وانتفاء الموانع، لكن يلزم من عدمه العدم، فإذا لم يوجد السبب لا يمكن أن يوجد الحكم كدخول الوقت مثلاً. وأما العلة: فهي العلامة التي رتب الشارع الحكم التكليفي عليها، ويدرك العقل وجه ترتيبه عليها، كالإسكار علة لحرمة الخمر، والعقل يدرك وجه جعله كذلك، ووجه ذلك: أن الحفاظ على العقل من المقاصد الشرعية ومن ضرورات المكلفين، والخمر تذهب العقل؛ فلذلك يدرك العاقل وجه تحريم الشرع لشربها، ويعلم أن علة تحريمها أنها مسكرة. أي: مزيلة للعقل. وفي تعريف العلة اصطلاحاً يقال: (الوصف الظاهر) ؛ المنضبط الذي أناط الشارع به الحكم، فقوله: الوصف الظاهر: لأن العلة لا يمكن أن تكون أمراً خفياً لا يطلع عليه. (المنضبط) أي: الذي يكون المكلفون فيه سواء، بخلاف الأمور التي لا تنضبط في المشقة، فلا يمكن أن تجعل علة لحكم لتفاوت درجاتها وتفاوت الناس فيها. (الذي رتب الشارع عليه حكماً) ، أي: علقه به وأدرك المكلف وجه ترتيبه عليه. وأما الشرط: فهو ما ربط الشارع بوجوده وجود الحكم التكليفي وبانتفائه انتفاءه، ولهذا عرفه القرافي: بأنه ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته كالطهارة للصلاة، فإنه يلزم من عدمها العدم؛ لقول النبي ﷺ : (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث ما لم يتوضأ) ، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته، فإذا توضأ الإنسان لا تجب عليه الصلاة، فليس الوضوء موجباً للصلاة لكن عدمه مبطل لها. وأما المانع: فهو ما رتب الشارع على وجوده انتفاء الحكم، وقد عرفه القرافي أيضاً بقول: ما يلزم من وجوده العدم ومن عدمه الوجود -أو- ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم لذاته، كوجود الحيض والنفاس، فالحيض مانع من الصلاة ووجوده مانع من وجوب الصلاة، وانعدامه ليس موجباً للصلاة دائماً، بل موجب لها بحصول الشروط والأسباب وانتفاء الموانع الأخرى.

стр. 10

أقسام الخطاب الوضعي التابع وأما القسم التابع: فهو الصحة، والفساد، والعزيمة، والرخصة، والأداء، والقضاء، والإعادة، فهذه سبعة أقسام هي أقسام متعلق الخطاب الوضعي التابع للخطاب التكليفي. أي: الذي لا يستقل بذاته. فالصحة من أقسام متعلق الخطاب الوضعي، فيوصف بها الحكم الشرعي التكليفي، فتعلق الحكم التكليفي يوصف بالصحة ويوصف بالفساد والبطلان، فيقال: هذه الصلاة صحيحة أو باطلة، وهذا العقد صحيح أو باطل، ومثل ذلك العزيمة والرخصة، فيقال: هذا الحكم عزيمة وهذا الحكم رخصة، وسيأتينا تعريف ذلك. فالصحة بمعنى موافقته للشرع، والبطلان بمعنى: مخالفته للشرع. والعزيمة بمعنى: ثبات الحكم وعدم تغييره. والرخصة بمعنى: تغيير الحكم إلى سهولة؛ بسبب عذر اقتضى ذلك مع بقاء سبب الحكم الأصلي، كأكل الميتة في حق من يخاف على نفسه الهلاك من الجوع، فهذا رخصة، فالحكم الشرعي الأصلي هو حرمة أكل الميتة: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة:٣] ، وسبب تحريمها قائم وهو خبثها والضرر المترتب على أكلها، لكن الحكم الشرعي هنا تغير إلى سهولة؛ لعذر وهو جوع هذا الإنسان الذي أبيح له أكل الميتة، مع قيام سبب الحكم الأصلي الذي هو الخبث في الميتة. وأما الأداء: فهو فعل العبادة في وقتها المحدد لها شرعاً. وأما القضاء: فهو فعلها خارج وقتها المحدد لها شرعاً، وسيأتي الكلام في فعل بعضها في الوقت وبعضها خارج الوقت: هل يسمى أداءً أو قضاءً؟ فقيل: يسمى أداء باعتبار بدايتها، وقيل: يسمى قضاء باعتبار نهايتها، وقيل: ما في الوقت أداء، وما كان خارجه قضاء. وأما الإعادة: فهي فعل العبادة ثانياً لخلل أو طلباً للأجر. (فعل العبادة ثانياً) . أي: بعد فعلها أولاً لخلل حصل فيها، كمن صلى إلى غير القبلة، فتلك الصلاة الأولى التي فعلها باطلة، فيصلها إلى القبلة في الوقت إعادة، وما كان منها لغير خلل كطلب الأجر، كمن صلى منفرداً ثم وجد جماعة في الوقت فأعاد تلك الصلاة مع الجماعة، ليس لأن صلاته الأولى باطلة، بل طلباً لزيادة الأجر، فهذه إذاً هي الإعادة، وهذه هي أقسام متعلق الخطاب الوضعي التابعة.

стр. 11

أقسام الخطاب الوضعي قال: (والصحيح والباطل) . وهذان القسمان من أقسام الخطاب الوضعي، والخطاب الوضعي في الاصطلاح: هو ما جعله الشارع علامة لغيره. وأقسام متعلق الخطاب الوضعي اثنان: القسم الأول: ما كان مستقلاً، والثاني: ما كان تابعاً.

стр. 12

شرح أقسام الخطاب التكليفي ثم شرح أقسام الخطاب التكليفي فقال: (فالواجب: ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه) .

стр. 13

المكروه (والمكروه: ما يثاب على تركه ولا يعاقب على فعله) . المكروه في الأصل يطلق -قديماً- على المحرمات؛ لأن الله تعالى في سورة الإسراء ذكر بعض المحرمات فقال: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء:٣٨] وفي القراءة الأخرى: (كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِئَةً عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا) فالمكروه هنا بمعنى الحرام، ولكن النبي ﷺ فرق بين المحرم والمكروه في بعض الأحاديث كقوله ﷺ : (إن ربكم حرم عليكم عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنع وهات، وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال) ، فهذا الحديث يفهم منه التفريق بين التحريم والكراهة، وقد عرف المصنف المكروه بأنه: ما يثاب على تركه ولا يعاقب على فعله. فالمكروه من تركه تقرباً إلى الله يثاب على ذلك الترك، ومن فعله لا يعاقب على فعله؛ لأن الشارع لم ينه عنه نهياً جازماً، وهذا التعريف مثل التعريفات السابقة يمكن أن يعترض عليه، بأن المكروه قد يتركه الإنسان بغير نية التقرب فلا يثاب على تركه، فالأولى في تعريف المكروه أن يقال: هو ما نهى الشارع عنه نهياً غير جازم.

стр. 14

المحظور (والمحظور: ما يثاب على تركه ويعاقب على فعله) . المحظور: في الأصل مشتق من الحظيرة. أي: الذي جعل الشارع عليه حظيرةً، والمقصود به المحرم الذي أحاطت به حدود الله التي لا يحل تعديها: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة:٢٢٩] ، والله تعالى يقول: ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء:٢٠] أي: ممنوعاً لا يمكن الوصول إليه، بل هو مبسوط للناس. ثم عرف الحرام بقوله: (ما يثاب على تركه ولا يعاقب على فعله) ، فمن فعله يعاقب على ذلك كشرب الخمر ونحو ذلك من المحرمات، ومن تركه يثاب على تركه، ومن فعله يعاقب على فعله، وهذا التعريف مثل تعريفاته السابقة يعترض عليه، بأنه قد يتركه الإنسان من غير نية فلا يثاب على ذلك، وقد يفعله مكرهاً أو مضطراً فلا يعاقب على ذلك. فالأولى في تعريف الحرام أن يقال: هو ما طلب الشارع تركه طلباً جازماً.

стр. 15

الواجب هذا تعريف للواجب بخاصة من خصائصه، وهو: أنه يترتب الثواب على فعله ويترتب العقاب على تركه كالصلاة، فمن فعلها يثاب عليها الثواب الجزيل العظيم، ومن تركها يعاقب على تركها العقاب العظيم. إذاً: فهي واجبة، ولكن هذا التعريف هو تعريف بالخاصة لا بالفصل، فهو رسم ويتعلق بأمر خفي؛ لأن الثواب والعقاب كلاهما أخروي، فيمكن أن يصلي الإنسان صلاة ولا يثاب عليها؛ لأنه فعل ذلك رياءً أو كان غافلاًَ عن صلاته غير حاضر فيها، فيمكن أن لا يثاب على فعله، ويمكن أيضاً أن لا يعاقب على تركه، كمن يتركها مكرهاً أو عاجزاً فلا عقاب حينئذٍ، فلذلك مقصوده عند حصول الشروط وانتفاء الموانع. والأولى في تعريف الواجب ما ذكرناه: ما أمر الشارع به أمراً جازماً، أو ما طلب الشارع من المكلف فعله طلباً جازماً.

стр. 16

المندوب ثم قال: (والمندوب: ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه) . فالمندوب: هو ما يثاب على فعله، فيتعلق بفعله الثواب عند الله ولا يعاقب على تركه، فمن تركه لا يعاقب على ذلك؛ كالرواتب والنوافل، كلها يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها، وهذا التعريف مثل سابقه، تعريف بالرسم، وقد بينا وجه الاعتراض عليه؛ لأنه يمكن أن يفعله الإنسان رياءً أو غير حاضر فلا يثاب عليه، ويمكن أيضاً أن يفعله مكرهاً عليه أو نحو ذلك فلا يثاب عليه.

стр. 17

المباح (والمباح: ما لا يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه) . المباح: ما لا يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه؛ لأن الإنسان فيه بالخيار إن شاء فعل وإن شاء ترك، ولكن الواقع أن هذا التعريف مثل سابقه فيه خلل، فالمباح إذا فعله الإنسان بقصد استباحة ما أحل الله له، وأخذ نعمة الله عليه فإن ذلك سبب للثواب، ولهذا فإن النبي ﷺ قال: (وفي بضع أحدكم صدقة قالوا: يا رسول الله! أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: نعم. أرأيتم إذا وضعها في حرام أكان عليه وزر؟! فكذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر) . ولكن الأمر مرتبط بالنية، فإذا نوى الإنسان استحلال ما أحل له، والاستغناء به عن الحرام فيثاب بهذه النية، وإذا لم ينوِ ذلك لم يثب على فعله ولا يعاقب على تركه مطلقاً.

стр. 18

شرح بعض الأحكام الوضعية ثم عرف بعض الأحكام الوضعية، فقال: (والصحيح ما يتعلق به النفوذ ويعتد به) .

стр. 19

الباطل قال: (والباطل ما يتعلق به النفوذ ولا يعتد به) . عرف الباطل بأنه ما لا يتعلق به النفوذ. أي: لا يكون الحكم معه نافذاً، فلا يسقط الخطاب السابق، كمن صلى صلاة باطلة بغير طهارة مثلاً، فإن ذلك لا يسقط عنه الصلاة؛ لأن الشارع لا يعتد بها أصلاً، ومثل هذا العقد الباطل التزوج بالخامسة مثلاً أو نحوها، فهذا النكاح باطل لا يتوقف عليه التوارث، ولا وجوب الصداق، ولا جواز الاستمتاع، ولا تلزم به الحقوق كالنفقة والسكنى.

стр. 20

الصحيح فالصحيح: ما يتعلق به النفوذ، أي: ينفذ ويلزم ترتب أثره عليه. ويعتد به، أي: يعتبر قائماً شرعاً فيسقط التكليف عن المكلف بالفعل إذا أداه على ذلك الوجه، فالصلاة الصحيحة يعتد بها فلا تلزم إعادته إذ هي صحيحة. والصحيح في اللغة: معناه السليم من المرض الذي ليس فيه عيب، ومنه قول الشاعر: وليل يقول المرء سواء صحيحات العيون وعورها (صحيحات العيون) ، أي: السليمات المبصرات. (وعورها) ، أي: اللواتي لا تبصر، والصحيح توصف به العبادة والعقد، فيقال: هذه عبادة صحيحة. أي: رافعة للتكليف بها، وحينئذ يوافقها الإجزاء، والإجزاء بمعنى: أنه لا يطلب إعادة تلك العبادة ولا قضاؤها؛ لأنها صحيحة. (ويوصف به العقد فيقال: هذا بيع صحيح أو نكاح صحيح) . ومعنى ذلك: أنه يترتب عليه الأثر، فالبيع الصحيح أثره: ملك البائع للثمن وملك المشتري للسلعة، والنكاح الصحيح يترتب عليه: جواز الاستمتاع وملك الزوجة للصداق، وترتب الحقوق التي تترتب على النكاح الصحيح من الإرث ووجوب النفقة والسكنى وغير ذلك.

стр. 21

تعريف العلم والجهل قال: (والفقه أخص من العلم) . هذه بعض المصطلحات التي يقدم بها الأصوليون بين يدي البحث في هذا العلم، فيذكرون تعريف العلم والجهل وغير ذلك، فقال: والفقه أخص من العلم، أي: أن الفقه في الاصطلاح: هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلته التفصيلية، فهو أخص من العلم؛ لأن العلم يشمل العلم بالأحكام الشرعية، والعلم بالأحكام العادية، والعلم بالأحكام العقلية، والعلم بغير الأحكام أصلاً، ويشمل أيضاً العلم بالأحكام الشرعية النظرية غير العملية، والعلم بالأحكام الشرعية العملية غير المكتسبة؛ كل ذلك يشمله العلم ولا يشمله الفقه. وعرف العلم بقوله: (والعلم: معرفة المعلوم على ما هو به في الواقع) فالعلم: هو معرفة المعلوم. أي: ما يتعلق به العلم على ما هو به. أي: على حقيقته وصفاته. (في الواقع) ، أي: الحاصل. والمقصود: أن معرفة الشيء على حقيقته تسمى علماً به، أما معرفة الشيء على غير حقيقته -كمعرفته باعتقاد أمر غير واقع فيه- فيعد من الغلط والجهل به، فلا يسمى ذلك علماً. وذكر المعلوم في هذا التعريف مقتض لحصول الدور؛ لأن العلم لا يعرف إلا بتعريفه وتعريفه فيه المعلوم، والمعلوم لا يعرف إلا بالعلم، فيقتضي هذا الدور؛ فلذلك لا يمكن أن يعرف الشيء بما تتوقف معرفته على معرفته، فيمكن أن يقال في تعريف العلم: معرفة الشيء على ما هو عليه، أو على ما هو به في الواقع. قال: (والجهل: تصور الشيء على خلاف ما هو به في الواقع) العلم خلافه الجهل، والجهل يطلق على خلاف العلم وخلاف الحلم، فيقال: هذا جاهل. بمعنى: غير عالم، ويقال: هذا جهول. أي: صاحب نزق وخفة وطيش ونقص عقل، الأول من الجهل الذي هو خلاف العلم، والثاني من الجهل الذي هو خلاف الحلم. والجهل في الاصطلاح: هو تصور الشيء على خلاف ما هو به في الواقع، إذا كان الإنسان يتصوره، وهذا النوع من الجهل هو الذي يسمى بالجهل المركب، فالجهل قسمان: عدم تصور الشيء أصلاً، وهذا الجهل البسيط، وتصوره على خلاف ما هو عليه، وهذا الجهل المركب، فكون الإنسان يظن أن الفقه هو علم الحساب فهذا جهل مركب؛ لأنه تصور هذا العلم على خلاف ما هو عليه، وكونه لا يعرف مدلول الفقه -أصلاً- فهذا هو الجهل البسيط.

стр. 22

شرح الورقات في أصول الفقه [٢] ينقسم العلم إلى قسمين: ضروري، ونظري، وله أربع مراتب: أعلاها اليقين، ثم الظن، ثم الشك، ثم الوهم. أما الكلام فينقسم إلى: خبر، وإنشاء. ومن وجه آخر ينقسم إلى: حقيقة، ومجاز. وللأمر تعريف وصيغة، وقد لا يدل على الوجوب لقرينة حالية أو مقالية، ولا يقتضي التكرار ولا الفورية. كذا النهي له تعريف وصيغة، وقد لا يدل على التحريم لقرينة حالية أو مقالية.

стр. 23

أقسام العلم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فقد قال المصنف: [أقسام العلم] . عقد هذا الباب لبيان تقسيمات العلم وتعريف أقسامه، بعد أن عرف العلم وما يقابله وهو الجهل. فقال: [والعلم الضروري: ما لا يقع عن نظر واستدلال، كالعلم الواقع بإحدى الحواس الخمس] . فقسم العلم هنا إلى ضروري ونظري.

стр. 24

نسبته إلى غيره من العلوم وكذلك نسبته إلى غيره من العلوم: فنسبة أصول الفقه إلى غيره من العلوم نسبة العموم والخصوص الوجهي؛ لاشتراكه مع بعض هذه العلوم في بعض الأبحاث، ولانفراده بكثير من البحوث التي يختص بها، فبعض الأبحاث تجدها في أصول الفقه وفي علم البلاغة، وبعضها تجدها في أصول الفقه وفي علم التفسير، وبعضها في أصول الفقه وفي علم الحديث وهكذا. فمثلاً: الكلام على تعريف القرآن وبيان المتواتر منه وغير المتواتر هذا يدرس في أصول الفقه وفي علم القراءات والتفسير، والكلام على السنة بتعريفها وطرق نقلها وشروط الناقل، وما يشترط له من العدالة والضبط، كل ذلك يدرس في أصول الفقه وفي مصطلح الحديث، وكذلك الكلام في الحقيقة والمجاز مما يدرس في أصول الفقه ويدرس في علم البلاغة، وكذلك الأمر والنهي وهكذا.

стр. 25

فضله وفائدته وأما فضله: فقد سبق ذلك في المقدمة التي قدمناها، وفائدته: هي الفهم عن الله وعن رسوله ﷺ ، وسير الإنسان على بصيرة من أمر دينه، بحيث لا يكون مقلداً تقليداً أعمى، واسم هذا العلم هو: أصول الفقه أو علم الأصول، ومسائله: وهي هذه التي ذكرها هنا في قوله: (وأبواب أصول الفقه) . هذه هي المقدمات العشر التي يفتتح الناس بها العلوم للتعريف بها.

стр. 26

مراتب العلم قال: [والظن: تجويز أمرين أحدهما أظهر من الآخر] . بالنسبة للعلم ينقسم إلى أربعة أقسام: القسم الأول منه: اليقين: وهو الذي يقتضي حصول تمام العلم، بحيث لا يبقى الإنسان متردداً في معلومه، ويليه الظن: وهو حصول جمهور العلم، بحيث يكون الحصول أرجح لدى الإنسان من خلافه. والشك: هو استواء الطرفين، فيبقى الإنسان متردداً بين الأمرين، واقفاً بينهما حائراً. والوهم: هو مقابل الظن. أي: الاحتمال المرجوح؛ فإن كانت الاحتمالات كلها على وجه واحد كان ذلك يقيناً، وإن كان جمهور الاحتمالات على وجه كان ذلك ظناً، والجانب الذي يقابله -وهو الاحتمالات القليلة- يسمى وهماً، وإن كانت الاحتمالات متساويه في الجانبين بحيث يتردد الإنسان فيهما فهذا الشك. قال: (والظن: تجويز أمرين أحدهما أظهر من الآخر) أي: المظنون أظهر من الآخر والآخر هو الموهوم. قال المصنف: [والشك: تجويز أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر] ، فيكون الإنسان متردداً بينهما، ولم يعرف الوهم هنا: وهو تجويز أمرين أحدهما أظهر من الآخر، فالمرجوح منهما هو الوهم، فهو يقابل الظن. ولم يعرف اليقين كذلك؛ لأن تعريفه هو تعريف العلم السابق: معرفة الشيء على ما هو به. ثم عاد لتعريف الأصول بالمعنى اللقبي فقال: [وعلم أصول الفقه طرقه على سبيل الإجمال وكيفية الاستدلال بها] ، أي: أن علم أصول الفقه بمعناه اللقبي: هو أدلة على سبيل الإجمال، (بالطرق) المقصود بها الأدلة، على سبيل الإجمال. أي: الإجمالية، وكيفية الاستدلال بها. أي: كيفية أخذ الأحكام منها، فيشمل ذلك معرفة الأحكام أيضاً، ويشمل الكلام في المستدل الذي هو المجتهد ببيان شروط الاجتهاد والتقليد ومراتب المجتهدين، فكل ذلك داخل في الاستدلال بها.

стр. 27

أبواب أصول الفقه قال: [وأبواب أصول الفقه] أي: الأبواب التي اشتهر تقسيم الأصول إليها في زمان المؤلف، وليس معنى ذلك: انحصار هذا العلم في هذه الأبواب التي ذكرها، بل قد اعتاد المتأخرون من الأصوليين تقسيمه على اعتبار الأدلة الإجمالية، فيعقدون الباب الأول للكتاب، والباب الثاني للسنة، والباب الثالث للإجماع، والباب الرابع للقياس، والباب الخامس للاستدلال بالأدلة الأخرى المختلف فيها، والباب السادس لتعارض الأدلة وطرق الجمع بينهما والترجيح، والباب السابع للاجتهاد. فهذا الذي جرى عليه المتأخرون، وهو أضبط وأكمل، أما التبويب الذي ذكره المصنف في قوله: [وأبواب أصول الفقه أقسام الكلام، والأمر والنهي، والعام والخاص، والمجمل والمبين، والظاهر والمؤول، والأفعال، والناسخ والمنسوخ، والإجماع، والأخبار، والقياس، والحظر، والإباحة، وترتيب الأدلة، وصفة المفتي والمستفتي، وأحكام المجتهدين] . فهذا التقسيم غير حاصل، وترتيبه أيضاً غير مبني على درجات القوة، وأقسام الكلام هو أول باب عقده من هذه الأبواب، ثم أتبعه بأنواع الأبواب الأخرى، بالكلام فيها على وجه الاختصار والتعريف، فلا نحتاج الآن إلى تعريف هذه الأمور؛ لأن كل واحد منها عقد له باب مستقل، وسنعرفه فيه، وإنما قصدنا وضع خطة كتابه، ليتبين ما سيتكلم عليه في هذا الكتاب، وهذا الذي يسميه المعرفون بالعلوم بالمسائل؛ فيجعلون لكل علم مقدمات وهي معرفة موضوعه، وقد سبق أن موضوع أصول الفقه: الأحكام الشرعية وأدلتها. وواضعه: وهو أول من وضع مصطلحاته، وليس لهذا العلم واضع محدد، لكن أول من ألف فيه كتاباً مستقلاً الشافعي. و (حده) : أي: تعريفه، وقد سبق تعريف أصول الفقه، و (مستمده) أي: ما أخذ منه، وهو النصوص الشرعية، وكلام العرب، ومصطلحات المتكلمين وعلم الكلام أيضاً.

стр. 28

العلم الضروري فالضروري: منسوب إلى الضرورة، بمعنى: الذي يضطر الإنسان إليه، فالإنسان مضطر لأن يعرفه بذاته. قال: والعلم الضروري ما لا يقع عن نظر واستدلال، أي: ما لا يتوقف على نظر واستدلال، والنظر كما قلنا: هو الفكر. والاستدلال: هو إقامة الدليل، فالضروري هو: ما لا يحتاج إلى التأمل، وما لا يحتاج إلى حركة النفس فيه. قوله: (كالعلم الواقع بإحدى الحواس الخمس) فالمرئيات والمسموعات والمذوقات والمشمومات والملموسات كلها يحصل بها العلم الضروري، فلا يحتاج الإنسان فيها إلى تأمل، فمن سمع كلام إنسان جزم بأنه متكلم، وبأن هذا الكلام صدر منه، ومن رآه يفعل فعلاً جزم بذلك دون أن يحتاج إلى تأمل أو إقامة دليل عليه وهكذا، ولهذا قال: (كالعلم الواقع بإحدى الحواس الخمس: وهي السمع والبصر والشم واللمس والذوق) . وهذه في الواقع ليست هي الحواس، بل هذه وظائف الحواس، فالحواس جمع حاسة، والحاسة التي تحس، وهي العين والأذن والفم والأنف واليد، فهذه هي الحواس، لكن وظيفتها هي الإحساس، والإحساس أنواعه هي هذه الخمس: السمع والبصر والشم واللمس والذوق. قوله: (أو بالتواتر) وهو ما نقله عدد من الناس تحيل العادة تواطؤهم على الكذب عن عدد، حتى اتصل العدد بذلك المشاهد أو المحسوس، فهذا الذي يسمى بالتواتر، فهو إخبار عدد تحيل العادة تواطؤهم على الكذب عن مثلهم لمحسوس. فالتواتر لا يكون إلا في المحسوسات، فالعقليات لا يحتاج فيها إلى الراوية بالتواتر ولا بالآحاد، وما لا تتعلق به الحواس الخمس لا ينفع فيه الخبر المتواتر ولا يثبته التواتر، وإنما التواتر فيما يشاهد بإحدى الحواس الخمس، والتواتر في الأصل التوافق، والعلم الذي يحصل بالتواتر قطعي، كقطع الإنسان الذي لم ير مكة بوجودها أو بوجود البيت الحرام، فهذا القطع ضروري لا يحتاج إلى التأمل؛ لأنه من عدد تحيل العادة تواطؤهم على الكذب، فاستقر في ذهنه، ولم يعد قابلاً للنقاش لديه. ومثل ذلك: ما يحصل للإنسان بخبر من الأخبار سمعه من عدد كثير من الناس فاستيقن به، كمعرفة الإنسان أنه ابن فلان وأن فلاناً والده، وكمعرفة نسبه إلى أجداده وآبائه بالنقل المتواتر، فيستقر ذلك في ذهنه ويجزم به، ولم يعد قابلاً للنقاش لديه. والتواتر: إنما يكون بحصول عدد الذين لا يمكن أن يتواطئوا على الكذب عادة، وهذا يختلف باختلاف الناس، فمن الناس من يحصل له العلم بإخبار عدد يسير، إذا جاءت الدواعي متوافرة على عدم كذبهم، ولم تقتض الدواعي كذبهم بوجه من الوجوه، فليسوا من سن واحدة، ولم يخبروا بذلك في مكان واحد، ولا في وقت واحد، فذلك يقطع به، ويعد متواتراً لحصول العلم اليقيني. والمتواتر كالقرآن -مثلاً- فقد نقله في كل عصر من عصور هذه الأمة الملايين من الناس عمن فوقهم، إلى أن وصل إلى النبي ﷺ فكان متواتراً لا يمكن الشك فيه.

стр. 29

العلم النظري قال المصنف: [وأما العلم المكتسب: فهو ما يقع عن نظر واستدلال] ، والمقصود به: العلم النظري، والمكتسب، أي: الذي يكتسبه الإنسان بعد تعب فيه. (فهو ما يقع عن نظر) والنظر: حركة النفس في المعقولات وهو الفكر، (واستدلال) أي: إقامة للدليل، وعرف النظر بقوله: [والنظر: هو الفكر في حال المنظور فيه] أي: حركة النفس فيما تتعلق به، وذكر المنظور هنا في تعريف النظر فيه إشكال كما سبق في تعريف العلم، فيمكن أن يعرف النظر بأنه: حركة النفس في المعقول. أي: فيما يتعلق به العقل، أما حركة النفس في المحسوس فتسمى تخيلاً. قال: (والاستدلال: طلب الدليل) الاستدلال في الأصل: طلب الدليل؛ لأن الاستفعال يدل على الطلب، لكن في هذا الكلام الاستدلال بمعنى: إقامة الدليل. (والدليل: هو المرشد إلى المطلوب؛ لأنه علامة عليه) ، والدليل في اللغة: هو المرشد إلى المطلوب سواء كان حسياً مثل الدليل الذي يدل الناس في السفر على الطريق، أو معنوياً مثل الدليل الذي يؤخذ منه حكم وقد سبق ذلك.

стр. 30

أقسام الكلام قال المصنف: [أقسام الكلام] . والكلام في اللغة: يطلق على عدة أمور، منها الخط، كقول عائشة ﵂: (ما بين دفتي المصحف كلام الله) والذي بين الدفتين هو الخطوط. وكذلك يطلق الكلام على الإشارة، كقول الشاعر: إذا كلمتني بالعيون الفواتر رددت عليها بالدموع البوادر ولم يعلم الواشون ما كان بيننا وقد قضيت حاجتنا بالضمائر ويطلق الكلام كذلك على ما يفهم من حال الشيء. يا دار عبلة بالجواء تكلمي وعمي صباحاً دار عبلة واسلمي

стр. 31

أقسام الحقيقة قال المصنف: [والحقيقة: إما لغوية وإما شرعية وإما عرفية] . الحقيقة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: إلى حقيقة لغوية، أي: استعمال اللفظ على معناه الأصلي المتبادر في اللغة، كما ذكرنا في الأسد، فاستعماله اللغوي الحقيقي هو الحيوان المفترس، وإما شرعية: وذلك كاستعمال الصلاة في العبادة المخصوصة، فإن الشارع خصها بذلك، فكانت حقيقة في العبادة المخصوصة، وتطلق على غير ذلك، كالدعاء (من كان صائماً فليصل) أي: فليدع، فيكون ذلك مجازاً شرعياً. والعرفية أي: ما تعارف الناس عليه بعد أصل اللغة، كالدابة: فهي حقيقة عرفية في ذوات الحافر، وهي في الأصل تطلق على كل ما يدب على وجه الأرض، لكن تعارف الناس على إطلاقها على الخيل والبغال والحمير فقط.

стр. 32

أقسام المجاز قوله: [والمجاز إما أن يكون بزيادة أو نقصان أو نقل أو استعارة] . هذه أقسام المجاز بعد أقسام الحقيقة، فالمجاز: إما أن يكون بزيادة أو نقصان أو نقل أو استعارة. قال: (فالمجاز بزيادة) مثل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] ، أي: بزيادة في الكلام يمكن في الأصل الاستغناء عنها، ولكنها جيء بها لأمر آخر؛ وذلك مثل قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ، فالكاف هنا زيادة في الكلام، فأصل الكلام: ليس مثله شيء، ولا يقصد أنه ليس مثل مثله شيء، ولكن الكاف جاءت لتأكيد ذلك المعنى، فكانت زيادة مفيدة خارجة في الأصل عن أصل الوضع، فسميت مجازاً بالزيادة. ثم قال: [والمجاز بالنقصان: مثل قوله تعالى: واسأل القرية] ، أي: اسأل أهل القرية، فهذا نقص في الكلام، فخرج به الكلام عن استعماله الأصلي المتبادر، فكان مجازاً بالنقص، ثم قال: [والمجاز بالنقل: كالغائط فيما يخرج من الإنسان] أي: نقل اللفظ عن معناه الأصلي إلى معنىً آخر ملتبس به، له به التباس أو علاقة، فالغائط، في الأصل لفظ يطلق على الغائر من الأرض أو المطمئن منها، ولكن الشارع نقله للدلالة على الحدث الخارج من البدن: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [النساء:٤٣] ، فاستعمل الغائط إذاً في معنىً آخر غير معناه الأصلي بالنقل. قوله: [والمجاز بالاستعارة، كقوله تعالى: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ﴾ [الكهف:٧٧]] . (أو استعارة) الاستعارة معناها: طلب الإعارة، والمقصود بها في الاصطلاح: التشبيه الذي حذفت أداته، فالشيء يشبه بغيره، ولكن تحذف أداة التشبيه فيجعل كذلك؛ وذلك مثل قولك: زيد أسد، أي: كالأسد. فهذا استعارة؛ لأن المقصود هنا تشبيهه بالأسد؛ فحذفت أداة التشبيه فقلت: زيد أسد.

стр. 33

تعريف الكلام وأقل ما يتركب منه والكلام في الاصطلاح: هو اللفظ المركب الموضوع لمعنى، والنحويون يشترطون فيه الإفادة وقصد الإفادة، بأن يكون مفيداً، وأن يكون مقصوداً للإفادة، واللفظ في اللغة: مصدر لفظ الشيء إذا رماه أو تركه، فيقال: لفظت الدابة الحشيش إذا تركته، ويقال: لفظ فلان الحصاة إذا رمى بها، ومنه قول غيلان: عشية ما لي حيلة غير أنني بلفظ الحصى والخط في الرمل مولع والمقصود باللفظ هنا: الصوت الخارج من الفم، المشتمل على بعض الحروف الهجائية، فقولنا: (الصوت) هو ما يحصل عند اجتماع الأجرام أو افتراقها مما يسمع، وقولنا: (الخارج من الفم) خرج به أصوات الأجرام عند اجتماعها وافتراقها، أي: إلا ما كان خارجاً من فمه. قولنا: (المشتمل على بعض الحروف) خرج به أصوات البهائم التي لا تشتمل على بعض الحروف الهجائية، والهجائية المنسوبة إلى الهجاء وهو الخط، فخرج بذلك حروف المعاني، فقد لا يكون اللفظ مشتملاً عليها، وقولنا: (المركب) مخرج للكلمة الواحدة فلا تسمى كلاماً في الاصطلاح، و (المفيد) يشمل الدلالة على معنى، فاللفظ الذي لا يوضع لمعنىً كديزٍ الذي هو مقلوب زيدٍ لا فائدة فيه، فلا يمكن أن تدل الألفاظ -وهي غير مستعملة- على معنى ولا أن تكون كلاماً. قال المصنف: [فأما أقسام الكلام: فأقل ما يتركب منه الكلام اسمان، أو اسم وفعل، أو فعل وحرف، أو اسم وحرف] . قوله: (أقل ما يتركب منه الكلام) دل هذا على أن الكلام لابد أن يكون مركباً، والكلمات ثلاث هي: (الاسم، والفعل والحرف) ، فالاسم: ما دل على المسمى. والفعل: ما دل على حركة المسمى. والحرف: ما دل على معنى من إثبات أو نفي أو تأكيد أو نحو ذلك. قوله: (وأقل ما يتركب منه الكلام اسمان) مثل قولك: ذا أحمد، فذا: اسم مبتدأ، وأحمد: خبره. أو اسم وفعل، مثل: استقم، فالفعل: استقم، والاسم: هو ضمير مستتر فيه، أي: أنت، ومثل: قام زيد، فقام: فعل، وزيد: اسم، ومنها تركبت الجملة الفعلية، فكان هذا كلاماً مفيداً، ولهذا قال: (فأقل ما يتركب منه الكلام اسمان) مثل: زيد قائم، ذا أحمد، أو (اسم وفعل) مثل: قام زيد أو يقوم زيد. قال: (أو فعل وحرف) وهذا لا يكون أبداً، فالكلام لا يتركب من فعل وحرف، بل الاسم لابد منه في الكلام؛ لأنه لا يمكن أن يصدر فعل إلا بفاعل، فلا يمكن أن يوجد كلام بغير اسم. قوله: (أو اسم وحرف) : هذا أيضاً لا يكون إلا على تقدير، فلابد في الكلام من اسمين، وهما ركنا الإسناد، أو اسم وفعل، ويكونان ركنين للإسناد أيضاً، فلا يتركب الكلام من حرف وغيره وحدهما، بل لابد من اسم وفعل أو اسمين، كما قال ابن مالك ﵀ في الكافية: وهو من اسمين كزيد ذاهب واسم وفعل نحو فاز التائب وما كان على تقدير من وجود حرف واسم مثل: يا فلان! في النداء، فهو على تقدير فعل ينوب عنه الحرف المذكور، معناه: أدعو فلاناً.

стр. 34

تقسيم الكلام باعتبار الخبر والإنشاء قال المصنف: [والكلام ينقسم إلى: أمر ونهي وخبر واستخبار] . هذا تقسيم آخر للكلام بعد تقسيمه الأول إلى أنواع المركبات، ينقسم الكلام أيضاً إلى أمر ونهي، وخبر واستخبار، وفي الأصل ينقسم الكلام إلى إنشاء وخبر، فالإنشاء: إحداث معنى بلفظ يقارنه في الوجود: كبعت، وأعطيت، وخذ، ومن أنت؟ وكيف حالك؟ وكيف أنت؟ فهذا إنشاء. والقسم الثاني هو الخبر: وهو التحدث عن أمر قد حصل أو يحصل. أما الأمر والنهي فكلاهما من الطلب، والطلب من أقسام الإنشاء، والاستخبار كذلك وهو الاستفهام، وأما الخبر: فهو قسم مستقل بذاته، وهو الذي يقبل التصديق والتكذيب، مثل: جاء زيد مات زيد. قال: [وينقسم أيضاً إلى تمن وعرض وقسم] . هذا التقسيم كله غير حاصل، ويقصد أن من أقسام الكلام ما يسمى بالتمني، وهو من الإنشاء، كقولك: ليت زيداً قادم، فهذا تمنٍ، والعرض، مثل: (ألا تأكلون) ، والقسم: (والله لتفعلن كذا) ، وكل هذه من الإنشاء، مثل الأمر والنهي والاستخبار. فالتقسيم غير حاصل، وكان الأولى أن يذكر في أقسام الكلام هنا أنه ينقسم إلى قسمين: إلى إنشاء وخبر، فالإنشاء يدخل فيه أنواع الطلب كلها، وهي: الأمر والنهي، والعرض والتحضيض، ويدخل فيه التمني وإنشاء العقود، ويدخل فيه الاستخبار الذي هو الاستفهام. والخبر إما أن يكون بجملة اسمية: كزيد قائم، أو بجملة فعلية: كقام زيد.

стр. 35

تقسيم الكلام باعتبار الحقيقة والمجاز قال المصنف: [ومن وجه آخر ينقسم إلى حقيقة ومجاز] . هذا تقسيم آخر للكلام، فهو ينقسم إلى: حقيقة ومجاز، قال: (فالحقيقة: ما بقي في الاستعمال على موضوعه) ، الحقيقة: هي اللفظ المستعمل أولاً، أي: اللفظ الذي بقي على ما استعمل فيه في أول ما عرف. والمقصود بذلك: اللفظ المستعمل في معناه المتبادر إلى الذهن، فاللفظ قد لا يكون له إلا معنى واحد في الأصل، فهذا المعنى هو الذي وضع له ذلك اللفظ، فاستعماله فيه هو الحقيقة، واستعماله لمعنى آخر ليس معناه الأول بواسطة تشبيه أو نقل يسمى مجازاً. فعلم أن الحقيقة والمجاز لا يكونان إلا في المركب، فاللفظ المفرد يحمل في الأصل على الحقيقة، فكلمة (أسد) باللفظ المفرد تطلق على الحيوان المفترس المعروف، لكن إذا كانت في أثناء الكلام فيمكن أن تكون على الحقيقة، ويمكن أن تكون على المجاز، مثل: جاء أسد، يمكن أن يكون معناه رجل شجاع، ويمكن معناه الحيوان المفترس المعروف. وقوله في تعريف الحقيقة: [فالحقيقة ما بقي في الاستعمال على موضوعه] . (ما بقي) أي: ما بقي شائعاً. (في الاستعمال) ، أي: في استعمال الناس له. (على موضوعه) ، أي: على ما وضع له على دلالته الأصلية. ثم قال: [وقيل: ما استعمل فيما اصطلح عليه من المخاطبة] ، وقد اختلف في اللغة هل هي وضعية -أي: اتفق الناس على وضعها- أو هي توقيفية من عند الله ، فإذا قلنا: هي توقيفية من عند الله، فلا يقصد بذلك كل ألفاظها، بل ما يحصل به التفاهم في كل لغة، وإلا فإن كل لغة قابلة للثراء والنماء، فتزداد بكثير من الألفاظ المشتقة من أصولها الموجودة، ويندرس منها كثير من الألفاظ كذلك، وهي: الألفاظ التي توصف بالغرابة مع طول الزمن، فكثير من الألفاظ التي كان العرب يستخدمونها لا نستخدمها نحن اليوم، وهي من لغة العرب، لكن لم تعد مستعملة اليوم، وكثير من الألفاظ التي نستخدمها نحن اليوم لم تكن مستخدمة في لغة العرب قديماً، ومع ذلك فالجميع من لغة العرب، والغريب منها والمحدث أو المعرب. أو غير ذلك كله من لغة العرب؛ لأنه جارٍ على قواعدها، وترتيب حروفها. والحقيقة: مشتقة من (حق) بمعنى: ثبت واستقر، لا من الحق الذي هو خلاف الكذب، فليس المجاز كذباً، ولو كان كذلك لما جاز وروده في الوحي، فقول الله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ [يوسف:٨٢] ، وقوله تعالى: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ﴾ [الكهف:٧٧] لا يمكن أن يكون هذا كذباً، ولو كانت الحقيقة من الحق الذي هو خلاف الكذب لكان ضدها يوصف بالكذب! وهذا غير ممكن، فالحقيقة هنا: من الحق، الذي هو الثابت المستقر، (فحق عليهم القول) بمعنى: استقر عليهم وتحقق فيهم، فهذا معنى الحقيقة. قال المصنف: [وقيل: ما استعمل فيما اصطلح عليه من المخاطبة] ، أي: ما اصطلح الناس عليه، واتفقوا عليه من المخاطبة في أصل الكلام. قال المصنف: [والمجاز ما تجوز عن موضوعه] . المجاز في اللغة: مكان الجواز، أي: العبور، فتقول: هذا مجاز، أي: باب يجاز منه إلى غيره، وهو في الاصطلاح: ما تجوز عن موضوعه، أي: ما نقل عما وضع له في الأصل، بمعنى: اللفظ الذي استعمل في غير ما وضع له، أو اللفظ الذي استعمل ثانياً، استعمالاً غير الاستعمال المعهود المتبادر إلى الذهن.

стр. 36

باب الأمر بعد هذا قال: [باب الأمر] عقد هذا الباب للأمر، والأمر: مصدر أمر بالشيء إذا طلب وقوعه، وهو يطلق بقيد شيء، أي: بقيد الجزم، وبقيد لا شيء، أي: بقيد عدم الجزم، ولا بقيد شيء، أي: من غير تعرض لذكر الجزم أو نفيه، فالأول: وهو ما أطلق بقيد شيء: هو الأمر الدال على الوجوب. والثاني: وهو ما أطلق بقيد لا شيء. أي: بقيد عدم الجزم: وهو الأمر الدال على الندب. والثالث: وهو ما أطلق لا بقيد شيء. أي: لا بقيد الجزم ولا عدمه: هو الأمر المطلق، وكل هذه يبحثها الأصوليون.

стр. 37

الأمر بإيجاد الفعل أمر به قال المصنف: [والأمر بإيجاد الفعل أمر به] . الأمر قد يتعلق بالشيء مباشرة، مثل: (فحجوا) وقد يتعلق بسببه وما يتوقف عليه، فيكون ذلك أمراً به؛ لأن ما لا يتم الواجب المطلق إلا به فهو واجب، ومحل ذلك إن كان جزءاً من المأمور به، مثل غسل الوجه: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة:٦] فلا يمكن أن يتحقق إلا بغسل شيء من الرأس حتى يتحقق الإنسان أنه غسل كل الوجه، فما لا يتم الواجب المطلق إلا به فهو واجب، فيدخل ذلك الجزء في وجوب غسل الوجه، ومثله مسح شيء من الوجه مع الرأس أيضاً؛ لأن مسح الرأس لا يتحقق إلا بذلك، على القول بأن الواجب مسح الرأس كله، وأن الباء في قوله: ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة:٦] للإلصاق لا للتبعيض، وهو محل خلاف بين الفقهاء والأصوليين. أما إن كان سبباً فإنه لا يجب سواء دخل في الطوق أو لم يدخل فيه، فالسبب الداخل في الطوق كجمع المال حتى يبلغ نصاباً لوجوب الزكاة، فالزكاة سبب وجوبها ملك النصاب ودوران الحول عليه، فلا يجب عليك أن تجمع المال حتى يبلغ نصاباً لتجب عليك الزكاة؛ لأنه سبب ولو كان داخلاً في الطوق، وما ليس داخلاً في الطوق -كتغريب الشمس لتجب عليك صلاة المغرب- فلا يجب؛ لأنه من المحال ولا تكليف بالمحال، أما إن كان شرطاً فإن كان داخلاً في الطوق كالطهارة للصلاة فهو واجب، وإن خارجاً عن الطوق كالنقاء من دم الحيض والنفاس فلا يجب؛ لأنه خارج الطوق أصلاً لا يستطيعه المكلف، ثم قال المصنف: [وبما لا يتم الفعل إلا به كالأمر بالصلاة أمر بالطهارة المؤدية إليها] ؛ لأن الطهارة شرط للصلاة وهي داخلة في الطوق. ثم قال: (وإذا فعل خرج المأمور عن العهدة) إذا فعل المأمور ما أمر به خرج عن العهدة، فإذا أتى بالمأمور به على الوجه الصحيح، أجزأه ولم يخاطب به مرة أخرى؛ لأنه قد أتى به على الوجه المطلوب فتبرأ ذمته منه. قال: [من يدخل في الأمر والنهي ومن لا يدخل] قد يكون مقتضى الأمر، أي: ما يقتضيه ليس من فعل المأمور مباشرة، بل من فعل غيره، وقد يكون الأمر متناولاً بعض المأمورين دون بعض والنهي كذلك فعقد هذا الفصل لذلك، وهو في جزئيات باب الأمر والنهي. فقال: [يدخل في خطاب الله تعالى المؤمنون] فإذا قال سبحانه: ﴿أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣] فيشمل هذا كل مؤمن لله ، إلا إذا كان متصفاً بما يمنع دخوله في العموم كغير المكلف، ومن رفع عنه القلم، فلا يدخل في هذا الخطاب، ولهذا قال: [والساهي والصبي والمجنون غير داخلين في الخطاب] فالساهي، أي: غائب العقل في وقت الخطاب، سواء كانت غيبته عميقة كالإغماء أو خفيفة كالسهو. والصبي: وهو غير البالغ، والمجنون: المصاب بما يغطي عقله، فهؤلاء غير داخلين في الخطاب، وأما المريض مرضاً دون ذلك بحيث لا يستطيع أداء الفعل في وقته، والمسافر الذي هو بالخيار له أن يفطر وله أن يصوم، فقد اختلف في دخولهما، فقيل: يدخلان في الخطاب؛ لأنه يلزمهما القضاء، ومثل ذلك: الحائض فيما يتعلق بالصوم دون الصلاة، والحائض لم تخاطب بالصلاة لا أداءً ولا قضاءً ولم تخاطب بالصوم أداءً، ولكنها خوطبت به قضاءً، فالقضاء هل هو بأمر جديد أو بالأمر الأول؟ والمريض والمسافر: هل تعلق بهما الخطاب في الوقت الأول، أو تجدد لهما خطاب في وقت القضاء وهو الوقت الثاني؟ هذا محل خلاف عند الأصوليين.

стр. 38

الأمر بالشيء نهي عن ضده، والنهي عن الشيء أمر بضده قال: [والأمر بالشيء نهي عن ضده، والنهي عن الشيء أمر بضده] . (الأمر بالشيء نهي عن ضده) أي: أن الأمر بالشيء نهي عن جميع أضداده، فإذا قلت لك: قم فهذا نهي عن الجلوس وعن الارتفاق وعن الاتكاء، فهو نهي عن جميع الأضداد؛ لأنك لا تكون ممتثلاً إلا إذا فعلت ما أمرت به، فإذا فعلت أي ضد من أضداده لم تكن ممتثلاً، فكان الأولى أن يقول: والأمر بالشيء نهي عن كل أضداده. (والنهي عن الشيء أمر بضده) أي: بأحد أضداده فقط، فإذا قلت لك: لا تقم، فإنك تكون ممتثلاً إذا جلست، وإذا ارتفقت، وإذا اضطجعت، فكل ذلك امتثال، فالنهي عن الشيء أمر بضد واحد من أضداده، أما الأمر بالشيء: فهو نهي عن جميع أضداده.

стр. 39

هل الأمر يقتضي التكرار ؟ قال: [ولا يقتضي التكرار على الصحيح إلا إن دل الدليل على قصد التكرار] . أي: أن الأمر في أصل صيغته لا يدل على التكرار، والتكرار هو فعل الشيء أكثر من مرة، فإذا قال الآمر: صل، فلا يقتضي ذلك تكرار الصلاة، بل تكفي في امتثاله صلاة واحدة على الصحيح. (إلا إذا دل الدليل على قصد التكرار) إذا دل الدليل على قصد التكرار: سواء كان ذلك الدليل أيضاً حالياً أو مقالياً، فقد يكون مقالياً مثل: كلما غربت الشمس فصل، فلفظ (كلما) يقتضي التكرار: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥] والشهر متكرر فأنيط الأمر هنا بأمر متكرر فاقتضى ذلك التكرار، أما إذا لم يدل الدليل على قصد التكرار فإن الأمر مجرد عنه في الأصل، وهذا المقصود به هنا: الأمر المطلق الشامل، الدال على الوجوب والدال على الندب.

стр. 40

هل الأمر يقتضي الفورية ؟ قوله: [ولا يقتضي الفور] أي: أن الأمر أيضاً لا يقتضي الفورية، وهذا محل خلاف أيضاً بين الأصوليين، وقد ذهبت طائفة منهم إلى أن الأمر يقتضي الفور إذا تجرد عن القرائن، فإذا قال: افعل كذا، فلابد من المبادرة والمسارعة، وقالت طائفة أخرى: لا يقتضي الفور، بل يبقى مطالباً به، فمتى ما أداه حصل المقصود، والمقصود بالفور: المبادرة لأدائه، فالله تعالى يقول: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٧] ، والنبي ﷺ قال: (إن الله قد فرض عليكم الحج فحجوا) هل هذه الصيغة تدل على الفور أو على التراخي؟ محل خلاف بين الأصوليين، فقالت طائفة: كل من استطاع سبيلاً إلى الحج وأدرك وقته فيلزمه أن يبادر إليه، إذا لم يكن قد حج من قبل، وقال آخرون: بل يجب عليه ذلك في العمر مرة، ومتى ما أداه فإن ذلك يجزئ.
следующие страницы →