الآراء الفقهية المعاصرة المحكوم عليها بالشذوذ في العبادات
تأليف: علي بن رميح بن علي الرميحي
دار التحبير للنشر والتوزيع - الرياض، السعودية
الطبعة: الأولى، ١٤٤٠ هـ - ٢٠١٩ م
تنبيه: وقع في المطبوع أخطاء طباعية، أرسل لنا المؤلف بتصويبها فأثبتنا الصواب [بين معكوفتين]
стр. 2
أصل هذا الكتاب رسالة علمية تقدم بها الباحث لنيل درجة الماجستير في الفقه، من كلية الشريعة بجامعة الامام محمد بن سعود الاسلامية بالرياض.
ونوقشت الرسالة عام (١٤٣٩ هـ)، وتألفت لجنة المناقشة من:
١/ د. سليمان بن أحمد الملحم .... مقرراً
٢/ أ. د. سعد بن تركي الخثلان .... عضواً
٣/ أ. د. احمد بن محمد الخليل .... عضوا
وقد أجازت اللجنة الرسالة بتقدير ممتاز.
стр. 3
- أ -
تَقْديم
أ. د. سعد بن تركي الخثلان
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، وبعد:
فإن الفقه في الدين من أجلّ المقامات وأرفعها، والتوفيق له توفيق لخير عظيم كما قال النبي ﷺ : "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين" متفق عليه، والفقه في الدين حتى يكون نافعًا للإنسان لابد أن يرتسم بمنهجية الاعتدال والارتباط بالدليل من الكتاب والسنة، والصدور عن أفهام الأئمة والعلماء الأثبات الذين تلقت الأمة علومهم بالقبول، والبعد عن الآراء الشاذة التي لا يخلو منها أي عصر.
وفي عصرنا الحاضر الذي انفتح فيه العالم بعضه على بعض عن طريق وسائل التقنية الحديثة والتواصل الاجتماعي، أصبح الترويج للآراء الشاذة وتتبعها ونشرها كبيرًا مما يضاعف المسؤولية على طلاب العلم الشرعي للتصدي وتفنيد تلك الآراء الشاذة، وتوضيح أنها غير مقبولة لدى عامة علماء الإسلام .. ، والعالِم وإن كان كبيرًا جليل القدر إلا أنه يبقى بشرًا، وقد تقع منه الزلّة .. ، وتتبع زلات العلماء ونشرها للناس مسلك خطير، وقد قال سليمان التيمي ﵀: (لو أخذت برخصة كل عالم أو زلة كل عالم اجتمع فيك الشر كله) نقله عنه
стр. 4
- ب -
الحافظ ابن عبد البر ﵀ في كتابه: جامع بيان العلم وفضله، ثم علق على مقولته بقوله: (هذا إجماع لا أعلم فيه خلافًا)، إلا إذا كان النشر من أجل بيان ضعفها إذا اشتهرت كما في هذه الرسالة.
وقد قام تلميذنا الشيخ: علي بن رميح الرميحي بجمع ما أمكن من "الآراء الفقهية المعاصرة المحكوم عليها بالشذوذ في قسم العبادات، ودراستها في أطروحته المقدمة لنيل درجة الماجستير من قسم الفقه بكلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وكنت عضوًا في لجنة مناقشة الأطروحة، وأفدت من قراءتها، ووافقته في الحكم على معظم المسائل التي أوردها بالشذوذ، وخالفته في مسائل معدودة بينتها أثناء المناقشة …
وقد سار الشيخ علي في دراسته لتلك المسائل على منهجية رائعة؛ حيث يذكر أولًا صورة المسألة، ثم تحرير محل الشذوذ، ثم يذكر وجه شذوذ ذلك القول، ثم يذكر أقوال العلماء في المسألة وأدلة كل قول ومناقشة ما يمكن مناقشته منها، ويذكر سبب الخلاف - إن وجد، ثم حكم نسبة ذلك الرأي للشذوذ.
وقد ظهر من هذه الدراسة التي قام بها الشيخ علي أن من أبرز أسباب الوقوع في الشذوذات هو: عدم اعتبار الإجماع، وعدم الاعتبار بفهم السلف وعلماء الأمة والصدور عن آرائهم مما يجعل القائل بالرأي الشاذ مخالفة لإجماع منعقد، أو أنه محدث لقول لم يسبق إليه في مسألة تكلم عنها العلماء السابقون ولم يذكروا هذا القول .. ، وكيف يخفي الحق على علماء الأمة على مدار أربعة عشر قرنًا ثم يأتي من يحدث قوة لم يسبق إليه يزعم أن قوله يدل له الكتاب أو السنة؟!
стр. 5
- د -
وأين أفهام العلماء على مر العصور السابقة عن هذا الفهم؟! وقد أجمع العلماء على أنه لا يخلو زمان من قائل بالحق، وأنه لاتزال طائفة من هذه الأمة على الحق ظاهرين ..
أسأل الله تعالى أن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه، وأن ينفع بهذا الكتاب ويبارك فيه وفي مؤلفه .. وأن يوفق الجميع لما يحب ويرضى،،،
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم،،،،
كتبه
أ. د. سعد بن تركي الخثلان
رئيس مجلس إدارة الجمعية الفقهية السعودية
والأستاذ في كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
١٨/ ٥/ ١٤٤٠ هـ
стр. 6
- هـ -
تَقْديم
أ. د. أحمد بن محمَّد الخليل
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فقد قرأت البحث الذي كتبه الشيخ / علي الرميحي بعنوان:
"الآراء الفقهية المعاصرة المحكوم عليها بالشذوذ قسم العبادات - جمعًا ودراسة" كاملًا حيث كنتُ أحد المناقشين للبحث.
ولا يخفى أن موضوع هذه الرسالة موضوعٌ مهم جدًا، لاسيما في وقتنا الحالي؛ حيث كثرت الأقوال الشاذة، بصفة لم تحدث في أي وقتٍ مضى فيما أظن.
وقد عالج الباحث الشيخ علي الرميحي موضوعَ الرسالة معالجةً علميةً دقيقةً.
وقد أعجبني نفس الباحث في بحثه، ولمست فيه البراعة في تحرير المسائل، وتحقيق الكلام فيها، بما يقل مثله في الرسائل المعاصرة.
стр. 7
- و -
وبالجملة فهذه الرسالة من أحسن الرسائل التي قرأتها، وفيها من الفوائد، والنقولات واللطائف، والنكت، والتحريرات الشيء الكثير الطيب.
نسأل الله أن ينفع بهذا الكتاب وبكاتبه إنه سميع عليم. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
كتبه
. د. أحمد بن محمَّد الخليل
٩/ ر بيع الآخر / ١٤٤٠ ه
стр. 8
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من بعثه الله رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه الطيبين، وعلى من اقتفى أثرهم واهتدى بهديهم إلى يوم الدين، أما بعد:
فإن الله قد أكمل لنا الدين، وحفظ الملة في مبناها ومعناها من التغيير والتبديل، فجعل في كل خلف حملة علم عدول ينفون عنها تحريف الغالين، وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، ولا يخفى على كل مسلم أن التعبد والتفقه له ميزان في الشريعة، كما قال الله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (١)، قال ابن عطية في تفسيره: (وهذه الآية تعم أهل الأهواء، والبدع، والشذوذ في الفروع، وغير ذلك من أهل التعمق في الجدل والخوض في الكلام، هذه كلها عرضة للزلل ومظنة لسوء المعتقد) (٢) وكلام العلماء في التحذير من الشذوذات، وإحداث الأقوال كثير (٣)، فكل قول جديد في مسألة قديمة غير نازلة فهو هدر ولا يجوز الفتيا به ولا العمل، فلا تجتمع أمة محمد ﷺ على ضلالة، ولا يمكن أن يغيب الحق عن جميعهم في العصور السالفة ثم يتبين لأحدٍ ممن بعدهم من الخلف.
стр. 9
والخلاف يكون سائغاً: إذا لم يكن في المسألة نص صحيح صريح، أو لم يكن في المسألة إجماع قديم؛ ولما ذكر السبكي مراعاة الخلاف ذكر شرط ذلك: (أن يقوى مدرك الخلاف، فإن ضعف ونأى عن مأخذ الشرع كان معدوداً من الهفوات والسقطات، لا من الخلافيات المجتهدات) (١).
وقد تتابع العلماء بقولهم وفعلهم على تبيين الهفوات و الشذوذات، ولابد في الأمة من قائم بذلك، كما قال أبو العباس ابن تيمية: (فإذا كان القول يخالف سنة أو إجماعاً قديماً وجب إنكاره وفاقاً) (٢).
وإن كان الأولى دفن المقالة الشاذة وعدم إشهارها إلا إنه يقال كما قال الإمام مسلم في مقدمة الصحيح -بعد أن ذكر أن الإعراض عن القول المطّرح أولى- استدرك فقال: (غير أنا لما تخوفنا من شرور العواقب واغترار الجهلة بمحدثات الأمور، وإسراعهم إلى اعتقاد خطأ المخطئين، والأقوال الساقطة عند العلماء، رأينا الكشف عن فساد قوله ورد مقالته بقدر ما يليق بها من الرد= أجدى على الأنام وأحمد للعاقبة إن شاء الله) (٣).
ولذلك فليس كل رأي شاذ يصلح أن يطرح للنقاش، إلاّ أنّه متى اشتهر هذا القول الشّاذّ، وتعلّق به أهل الأهواء، أو خُشي من ذلك؛ فإنّ في ذكره وبيان ضعف مأخذه من الكتاب والسّنة، ومن أقوال الأئمّة إسقاطًا له وإعذارًا إلى الله تعالى؛ كما كان الأئمّة يروون الأحاديث الموضوعة، ويُدوِّنونها في كتبهم، ويُصرِّحون بكذب راويها تحذيرًا
стр. 10
للأمّة، ولئلاّ تُركّب الأسانيد الصّحيحة عليها، بل إنّ في هذا المسلك حراسة للدّين، ودفاعًا عن حياض الشّريعة، وسيرًا على نهج أوائل أهل السّنة والجماعة في ردّهم على كلّ مخالفٍ بمخالفته المذمومة، فلا يزهق الباطل إلاّ إذا قُذف بالحقّ كما قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ (١).
وفي عصرنا هذا يتأكد الكلام السابق؛ لوجود من يروج لهذه الآراء الشاذة، ولانتشارها، ولسهولة الوصول إليها، ولاغترار بعض الناس بها، أضف إلى ذلك عدم قبول بعض العامة للتقليد وهذا هو الداء العصراني الذي فتك في كثير ممن تنكب عن توجيه ربه: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٢)، كل ذلك وغيره يؤكد ضرورةَ طرح هذه الآراء على مائدة البحث ووزنها بالميزان العلمي، ورحم الله الشيخ بكر أبو زيد حين قال: (لما كان في الشذوذ والترخص منابذة للشرع صان السالفون دينهم وعلمهم عن ذلك … لكن من الندرة بمكان أن ترى الجمع منها عند إمام، ومع جلالة القائلين بها فقد تنكبها العلماء وهجروها، ونابذوا القول بها أشد منابذة حتى أصبحت غير معتبرة في دواوين الإسلام.
أما في المعاصرة فترى فواقر الرخص، وبواقر الشذوذ يجتمع منها الكُثر في الشخص الواحد، وأجواء العصر المادي على أهبة الاستعداد باحتضان عالم الشقاق، فتحمل له العلم الخفّاق لنشر صيته في الآفاق، فيغتر بذلك أسير الحظ الزائل، ومازاد أن صار بوقاً ينفخ به العدو الصائل) (٣).
стр. 11
وكل ما ذكر من اطّراح للرأي الشاذ، والتحذير منه لايعني عدمَ احترام من صدر منه الشذوذ من أهل العلم، أو ترك بقية آرائه، بل كما قال الشاطبيّ عن زلة العالم: (لاينبغي أن ينسب صاحبها إلى التقصير، ولا أن يشنّع عليه بها، ولا ينتقص من أجلها، أو يعتقد فيه الإقدام على المخالفة بحتاً، فإن هذا كله خلاف ما تقتضيه رتبته في الدين) (١).
وما أحسن قولَ ابن عاصم في هذا المقام:
(ولايقال إنَّه تعمّدا … خلاف قصد الشرع فيما اعتمدَ
وواجبٌ في مشكلات الحُكم … تحسيننا الظنّ بأهل العلم) (٢)
واحترام العالم، وحسن الظن به، لايمنع من أن يرد القول الذي أخطأ به أو زلَّ فيه، وذلك مقتضى عدم العصمة لهم، والرد إلى الأدلة هو السلامة، قال القرطبي: (وإذا زل العالم لم يجز اتباعه، ورد قوله إلى الإجماع، وكذلك يجب أن يرد من زل منهم أو سها إلى الإجماع، فهو أولى من الإصرار على غير الصواب) (٣).
وقد كان يكفي لإسقاط بعض الأقوال: إقامة الإجماع وتثبيتُه أو تبيينُ المخالفةِ للنص الصريح، كما قال ابن تيمية: (ما علمناه بالاضطرار وقدح فيه بعض الناس بالنظر والجدل لم يكن علينا أن نجيب عن المعارض جواباً مفصلاً يبين حله، بل يكفينا أن نعلم أنه فاسد لأنه عارض الضروري وما عارضه فهو فاسد) (٤)، إلا إن إقامتهم لبعض الاستدلالات المعتبرة وظنهم ألا إجماع في بعض المسائل، استدعى الاستدلال و المناقشة، والجواب عن الاعتراضات.
стр. 12
أهمية الموضوع: تظهر في النقاط الآتية:
أولاً: ازدياد الآراء الشاذة المعاصرة وتتابعها.
ثانياً: وجود من يروج لهذه الآراء وينافح عنها.
ثالثاً: الانفتاح الإعلامي الذي سهل الوصول إلى هذه الآراء و الاقتناع بها.
رابعاً: الحاجة إلى تبيين خطأ الآراء الشاذة وعدم جواز اتباعها.
خامساً: ما سيأتي في أهداف الموضوع يبين أهميته أيضاً.
أسباب اختيار الموضوع:
تظهر بواعثُ اختياري لهذا الموضوع -إضافة لما سبق في أهميته- في النقاط الآتية:
أولاً: المدافعة عن الفقه الإسلامي من كل رأي دخيل.
ثانياً: تحذير الناس من الانسياق وراء الرأي إذا تبين شذوذه.
ثالثاً: عدم وجود رسالة سابقة في هذا الموضوع.
رابعاً: كونه جامعاً بين التأصيل و التطبيق.
خامساً: اشتمال هذا الموضوع على عدد من المسائل التي تحتاج إلى دراسة وتحرير.
سادسا: ضرورة استقصاء الفروع الفقهية المتعلقة بالموضوع ودراستها وتحليلها.
أهداف الموضوع: يهدف البحث في هذا الموضوع إلى ما يأتي:
١ - بيان حقيقة الرأي الشاذ وضابطه.
٢ - تبيين خطأ الرأي الشاذ بالحجج والأصول الشرعية.
стр. 13
(٣) جمع هذه الآراء في رسالة مما يسهل الوصول إليها وإلى الحجة في ردها.
(٤) خدمة العلم و العلماء، بتقريب هذه المسائل و تبيين أوجه ضعفها. …
(٥) التحري والإنصاف، لعل بعض ماقيل إنه شاذ، يتبين خلافه.
(٦) النصح للأمة، ببيان خطأ هذه الأقوال إذا تبين شذوذها، خصوصاً في زمننا … الذي سهل فيه الوصول إليها.
(٧) بيان كمال هذا الدين وأنه محفوظ.
(٨) إظهار سعة الفقه الإسلامي وقدرته على معالجة جميع القضايا قديمها وحديثها، دقيقها وجليلها.
(٩) إبراز جهود الفقهاء في التصدي لكل رأي دخيل.
(١٠) تصحيح مفهوم التيسير وأنه باتباع الشرع القويم.
(١١) إثراء المكتبة الفقهية بمعالجة موضوع يمس حياة الناس وتعاملاتهم المختلفة.
الدراسات السابقة: أولاً: أهم الدراسات العلمية ذات الصلة بالموضوع:
١) الشذوذ في الآراء الفقهية - دراسة نقدية-، للدكتور/ عبدالله السديس، رسالة دكتوراه من الجامعة الإسلامية.
٢) … الأقوال الشاذة التي حكاها ابن رشد في بداية المجتهد -جمعاً ودراسة- للشيخ/ صالح الشمراني، رسالة ماجستير من جامعة أم القرى.
٣) الآراء المحكوم عليها بالشذوذ (في الطهارة والصلاة) -جمعاً
стр. 14
ودراسة-، للدكتور/ تركي بن سليمان الخضيري، رسالة دكتوراه من المعهد العالي للقضاء في جامعة الإمام.
٤ - الآراء المحكوم عليها بالشذوذ (في الزكاة والصيام والحج) -جمعا ودراسة-، للدكتور/ محمد بن عبدالله الطيار، رسالة دكتوراه من المعهد العالي للقضاء في جامعة الإمام.
٥ - الآراء المحكوم عليها بالشذوذ (في المعاملات وفقه الأسرة)، للدكتور/ عمر بن علي السديس، رسالة دكتوراه من المعهد العالي للقضاء في جامعة الإمام.
٦ - القول الشاذ وأثره في الفتيا، تأليف أ. د. أحمد بن علي المباركي، وهذا البحث أصله محاضرة ألقيت، ثم أضاف إليها وأكملها بعد ذلك.
ثانياً: الموازنة بينها وبين موضوع الرسالة.
الرسائل العلمية السابقة في الآراء الشاذة القديمة ولم تُخصص لدراسة الآراء الشاذة المعاصرة، وغالبها تأصيل أو نقد لآراء شاذة قديمة، و لتوضيح ذلك فهذه موازنة ومقارنة بين الرسائل السابقة و موضوع هذه الرسالة:
١/ الشذوذ في الآراء الفقهية - دراسة نقدية-، للدكتور/ عبدالله السديس، رسالة دكتوراه من الجامعة الإسلامية، وأكثر هذه الرسالة
стр. 15
تأصيل، ومجموع الآراء التي درسها (١٥) رأياً فقط وهي قديمة أيضاً، ولم يذكر من المسائل التي سأبحثها إلا مسألة واحدة وهي (عدم وجوب زكاة عروض التجارة) وسبب بحثي لها وجود من ذهب إلى هذا الرأي من المعاصرين.
٢/ الأقوال الشاذة التي حكاها ابن رشد في بداية المجتهد -جمعاً ودراسة- للدكتور/ صالح الشمراني، رسالة ماجستير من جامعة أم القرى، وهذه الرسالة أيضاً ليست في المسائل الشاذة المعاصرة بل التي عند ابن رشد فقط، وأجتمع معه في مسألة قديمة قال ابن رشد بشذوذها ثم أظهرها بعض المعاصرين وهي: (صحة إمامة المرأة للرجال).
٣/ الآراء المحكوم عليها بالشذوذ (في الطهارة والصلاة) -جمعاً ودراسة-، للدكتور/ تركي بن سليمان الخضيري، رسالة دكتوراة، وجميع الآراء في هذه الرسالة قديمة وليست معاصرة، ولم ينص في المقدمة أيضاً على بحث الآراء المعاصرة، وأجتمع معه في بعض المسائل القديمة التي قيل بشذوذها ثم أظهرها بعض المعاصرين وهي: (جعل المائعات كلها كالماء إذا وقعت فيها النجاسة وأنها لاتنجس إلا بالتغير)، (وجوب غسل يدي النائم قبل غمسهما في الإناء)، (جواز قراءة الجنب للقرآن)، (بطلان صلاة من لم يصل على النبي ﷺ في التشهد الأخير)، (لا إعادة للصلاة لمتعمد تركها في وقتها)، (صحة صلاة التطوع من المضطجع القادر على القيام)، (صحة إمامة المرأة للرجال)، (جواز الجمع بين الصلاتين في الحضر لعذر المشقة مطلقا)، (وجوب صلاة الجمعة على المسافر)، (سقوط صلاة الجمعة وصلاة الظهر عمن صلى العيد إذا وافقت يوم الجمعة)، (جواز الزيادة على أربع تكبيرات في صلاة الجنازة)، وسبب بحثي لها كما سبق وجود من ذهب إلى هذا الرأي من المعاصرين.
стр. 16
٤/ الآراء المحكوم عليها بالشذوذ (في الزكاة والصيام والحج) -جمعا ودراسة-، للدكتور/ محمد بن عبدالله الطيار، رسالة دكتوراه، وهذه كسابقتها فجميع الآراء في هذه الرسالة قديمة وليست معاصرة، ولم ينص في المقدمة أيضاً على بحث المسائل المعاصرة، وأجتمع معه في بعض المسائل وهي: (عدم وجوب الزكاة في عروض التجارة)، (عدم وجوب الصيام على من رأى هلال رمضان وحده وردت شهادته)، (وجوب الكفارة دون القضاء على من جامع في نهار رمضان متعمدا)، (عدم وجوب القضاء في الحقنة والسعوط للصائم)، (جواز دخول مكة دون إحرام)، وسبب بحثي لها كما سبق وجود من ذهب إلى هذا الرأي من المعاصرين.
٥/ الآراء المحكوم عليها بالشذوذ (في المعاملات وفقه الأسرة)، للدكتور/ عمر بن علي السديس، رسالة دكتوراه. وهذه أيضا كالرسالتين السابقتين فجميع الآراء قديمة وليست معاصرة، ولم ينص في المقدمة أيضاً على بحث الآراء المعاصرة، ولا أجتمع معه في أي مسألة لأنه ليس في العبادات.
٦/ القول الشاذ وأثره في الفتيا، تأليف أ. د. أحمد بن علي المباركي، وأكثر هذا البحث تأصيل، ومجموع الآراء التي درسها (٨) آراء فقط وهي قديمة أيضاً، ولا أجتمع معه في أي مسألة.
ثالثاً: الإضافة العلمية لموضوع الرسالة (ما انفرد به عن الدراسات السابقة).
سيضاف في هذا البحث (٢٧) رأياً لم يبحث في الرسائل السابقة.
ومن المعلوم أن بحث الآراء الشاذة المعاصرة أولى؛ لأن القديمة بعضها ميّت ولايوجد من يقول به، بخلاف الآراء المعاصرة التي
стр. 17
مازال من يقول بها ينافح عنها، أو لمن قال بها طلاب يتعصبون لها، فكان لابد من طرحها للبحث العلمي، إضافة إلى الآراء القديمة التي أحياها بعض المعاصرين فإنها تبحث أيضاً، كما سيأتي في الضابط.
وهذا سرد للآراء التي انفرد بها هذا البحث:
(١) طهارة الخمر.
(٢) طهارة الدم الكثير.
(٣) جواز استعمال آنية الذهب والفضة في غير الأكل والشرب.
(٤) تحريم ختان الإناث.
(٥) تقييد جواز المسح على الخفين بوجود الحاجة.
(٦) جواز حلق اللحية.
(٧) وجوب قص ما زاد عن القبضة من اللحية.
(٨) القول ببدعية النقاب.
(٩) جواز التصوير المجسم لما له نفس.
(١٠) سنية وضع اليدين على الصدر في الصلاة.
(١١) بدعية وضع الكفين على بعضهما بعد الرفع من الركوع.
(١٢) وجوب متابعة الإمام إذا زاد في صلاته وعلم المأموم بالزيادة.
(١٣) وجوب التقيد بما محله قبل السلام أو بعده في سجود السهو.
(١٤) بدعية الذكر بالسبحة.
(١٥) عدم جواز الزيادة على إحدى عشرة ركعة في التراويح.
(١٦) مشروعية الاقتصار على خطبة واحدة في العيد.
(١٧) تحريم الذهب المحلق.
стр. 18
(١٨) عدم وجوب زكاة الأوراق النقدية.
(١٩) تحريم صيام يوم السبت.
(٢٠) القول بأن محاذاة الميقات كون الميقات واقعاً بين ميقاتين على خط واحد.
(٢١) عودة الحاج محرماً بعد حله إذا لم يطف قبل الغروب يوم النحر.
(٢٢) عدم وجوب الفدية في فعل المحظور أو ترك الواجب إلا في حلق الرأس والوطء قبل التحلل.
(٢٣) جواز الأضحية بغير بهيمة الأنعام.
(٢٤) قصر جهاد الكفار على الدفع فقط.
(٢٥) جواز قتل نساء وأطفال الكفار إذا قتلوا نساءنا وأطفالنا.
(٢٦) جواز تولي الكافر رئاسة الدولة.
(٢٧) جواز بناء الكنائس في بلاد المسلمين.
وأما منهج البحث وطريقته فهو في الآتي:
(١) أعنون المبحث بالرأي المراد بحثه.
(٢) أمهّد للمبحث إن احتاج المقام إلى تمهيد.
(٣) أصوِّر المسألة المراد بحثها تصويراً دقيقاً قبل بيان حكمها، وأحرر محل الشذوذ.
(٤) أذكر من قال بهذا الرأي من المعاصرين.
(٥) أذكر وجه شذوذه، ومن حكم عليه بالشذوذ إن وجد.
(٦) أذكر أدلة الرأي المحكوم عليه بالشذوذ، وبيان وجه الاستدلال من
стр. 19
الأدلة النقلية، وذكر ما يرد على الأدلة من مناقشات، وما يجاب به عنها إن كانت.
(٧) أبين مدى صحة الحكم على الرأي بالشذوذ من عدمه وبيان سبب ذلك.
(٨) الاقتصار على المذاهب الفقهية المعتبرة، مع العناية بذكر ما تيسر الوقوف عليه من أقوال السلف الصالح.
(٩) توثيق الأقوال من كتب أهل المذهب نفسه.
(١٠) الترجيح، مع بيان سببه وذكر ثمرة الخلاف إن وجدت.
(١١) الاعتماد على أمات المصادر والمراجع الأصيلة في التحرير والتوثيق والتخريج والجمع.
(١٢) التركيز على موضوع البحث وتجنب الاستطراد.
(١٣) العناية بضرب الأمثلة؛ وخاصة الواقعية.
(١٤) العناية بدراسة ما جد من القضايا مما له صلة واضحة بالبحث.
(١٥) ترقيم الآيات، وبيان سورها.
(١٦) تخريج الأحاديث وبيان ما ذكره أهل الشأن في درجتها - إن لم تكن في الصحيحين أو أحدهما - فإن كانت كذلك فأكتفي حينئذٍ بتخريجها.
(١٧) تخريج الآثار من مصادرها الأصيلة، والحكم عليها.
(١٨) التعريف بالمصطلحات، وشرح الغريب الوارد في صلب الموضوع.
стр. 20
(١٩) العناية بقواعد اللغة العربية والإملاء وعلامات الترقيم.
(٢٠) الترجمة للأعلام غير المشهورين عند أول ورودٍ لهم.
(٢١) خاتمة البحث عبارة عن ملخص للرسالة، يعطي فكرة واضحة عما تضمنته الرسالة، مع إبراز أهم النتائج التي توصلت إليها من خلال هذا البحث.
(٢٢) أتبع الرسالة بالفهارس الفنية المتعارف عليها.
وهذه تقسيمات بحث "الآراء الفقهية المعاصرة المحكوم عليها بالشذوذ في العبادات":
انتظم هذا البحث في مقدمة وتمهيد وستة فصول وخاتمة وفهارس:
المقدمة: وفيها أهمية الموضوع وأسباب اختياره وأهدافه ومنهج البحث وتقسيماته.
التمهيد وفيه ستة مطالب:
المطلب الأول: المراد بالآراء.
المطلب الثاني: المراد بالمعاصرة.
المطلب الثالث: المراد بالشذوذ.
المطلب الرابع: الألفاظ ذات الصلة.
المطلب الخامس: ضابط الحكم على الرأي بالشذوذ.
المطلب السادس: خطر الشذوذ وموقف المسلم من الشذوذات.
المطلب السابع: أسباب الشذوذ الفقهي عند المعاصرين.
стр. 21
الفصل الأول: الآراء في الطهارة، وفيه عشرة مباحث:
المبحث الأول: جعل المائعات كلها كالماء إذا وقعت فيها النجاسة وأنها لاتنجس إلا بالتغير.
المبحث الثاني: وجوب غسل يدي النائم قبل غمسهما في الإناء.
المبحث الثالث: طهارة الخمر.
المبحث الرابع: القول بطهارة الدم الكثير.
المبحث الخامس: جواز استعمال آنية الذهب والفضة في غير الأكل والشرب.
المبحث السادس: تحريم ختان الإناث.
المبحث السابع: جواز قراءة القرآن للجنب.
المبحث الثامن: تقييد جواز المسح على الخفين بوجود الحاجة.
المبحث التاسع: جواز حلق اللحية.
المبحث العاشر: وجوب قص ما زاد عن القبضة من اللحية.
الفصل الثاني: الآراء في الصلاة، وفيه سبعة عشر مبحثاً:
المبحث الأول: القول ببدعية النقاب.
المبحث الثاني: جواز التصوير المجسم لما له نفس.
المبحث الثالث: سنية وضع اليدين على الصدر في الصلاة.
المبحث الرابع: بدعية وضع الكفين على بعضهما بعد الرفع من الركوع.
المبحث الخامس: بطلان صلاة من لم يصل على النبي ﷺ في التشهد الأخير.
стр. 22
المبحث السادس: وجوب متابعة الإمام إذا زاد في صلاته وعلم المأموم بالزيادة.
المبحث السابع: وجوب التقيد بما محله قبل السلام أو بعده في سجود السهو.
المبحث الثامن: لا إعادة للصلاة لمتعمد تركها في وقتها.
المبحث التاسع: بدعية الذكر بالسبحة.
المبحث العاشر: عدم جواز الزيادة على إحدى عشرة ركعة في التراويح.
المبحث الحادي عشر: صحة صلاة التطوع من المضطجع القادر على القيام
المبحث الثاني عشر: صحة إمامة المرأة للرجال.
المبحث الثالث عشر: جواز الجمع بين الصلاتين في الحضر لعذر المشقة مطلقاً.
المبحث الرابع عشر: وجوب صلاة الجمعة على المسافر.
المبحث الخامس عشر: سقوط صلاة الجمعة وصلاة الظهر عمن صلى العيد إذا وافقت يوم الجمعة.
المبحث السادس عشر: مشروعية الاقتصار على خطبة واحدة في العيد.
المبحث السابع عشر: جواز الزيادة على أربع تكبيرات في صلاة الجنازة.
стр. 23
الفصل الثالث: الآراء في الزكاة، وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: تحريم الذهب المحلق.
المبحث الثاني: عدم وجوب زكاة عروض التجارة.
المبحث الثالث: عدم وجوب زكاة الأوراق النقدية.
الفصل الرابع: الآراء في الصيام، وفيه خمسة مباحث:
المبحث الأول: عدم وجوب الصيام على من رأى هلال رمضان وحده وردت شهادته.
المبحث الثاني: الاعتماد على الحساب في دخول الشهر.
المبحث الثالث: وجوب الكفارة دون القضاء على من جامع في نهار رمضان متعمدا.
المبحث الرابع: عدم وجوب القضاء في الحقنة والسعوط للصائم.
المبحث الخامس: تحريم صيام يوم السبت.
الفصل الخامس: الآراء في الحج، وفيه خمسة مباحث:
المبحث الأول: جواز دخول مكة دون إحرام.
المبحث الثاني: القول بأن محاذاة الميقات كون الميقات واقعاً بين ميقاتين على خط واحد.
المبحث الثالث: عودة الحاج محرماً بعد حله إذا لم يطف قبل الغروب يوم النحر.
المبحث الرابع: عدم وجوب الفدية في فعل المحظور أو ترك الواجب إلا في حلق الرأس والوطء قبل التحلل.
المبحث الخامس: جواز الأضحية بغير بهيمة الأنعام.
стр. 24
الفصل السادس: الآراء في الجهاد، وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: قصر جهاد الكفار على الدفع فقط.
المبحث الثاني: جواز قتل نساء وأطفال الكفار إذا قتلوا نساءنا وأطفالنا.
المبحث الثالث: جواز بناء الكنائس في بلاد المسلمين.
المبحث الرابع: جواز تولي الكافر رئاسة الدولة.
الخاتمة: وفيها خلاصة البحث وأهم ما في البحث من نتائج، وما يظهر خلاله من توصيات.
الفهارس، وهي:
فهرس الآيات، … فهرس الأحاديث، … فهرس الآثار.
فهرس الأعلام، … فهرس المصادر والمراجع، … فهرس الموضوعات.
وفي الختام، فالحمد لله على التمام، والحمدلله الذي يسّر وأعان على إكمال هذه الرسالة، وأسأله سبحانه أن يبارك فيها، ثم أتوجه بالشكر والثناء على كل من أسدى إليّ معروفاً وأخص منهم والديّ الكريمين، ومشايخي الأجلّاء، وجميع إخواني الذين شجعوا وأعانوا ولو بشطر كلمة فجزاهم الله خيراً جميعاً، وشكر الله لمشرف هذه الرسالة الشيخ د. سليمان الملحم وقد رأيت من دقته ونصحه الشيء الكثير -جزاه الله خيراً-، كما أشكر القائمين على كرسي الشيخ د. عبدالله بن عبدالرحمن الجبرين لدراسات الإفتاء على دعمهم لي، والشكر موصول لجامعتنا العريقة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية وكلياتها والعاملين بها والدارسين، أدام الله نفعها، وجعلها منارة خير وبركة على الإسلام والمسلمين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
стр. 25
التمهيد، وفيه ستة مطالب:
المطلب الأول: المراد بالآراء
المطلب الثاني: المراد بالمعاصرة
المطلب الثالث: المراد بالشذوذ
المطلب الرابع: الألفاظ ذات الصلة
المطلب الخامس: ضابط الحكم على الرأي بالشذوذ
المطلب السادس: خطر الشذوذ، وموقف المسلم من الشذوذات
المطلب السابع: أسباب الشذوذ الفقهي عند المعاصرين
стр. 26
(يأبى اللَّه العصمة لكتاب غير كتابه، والمنصف من اغتفر قليل خطإ المرء في كثير صوابه).
ابن رجبالقواعد (1/ 4)
стр. 27
المطلب الأول: المراد بالآراء (١):
الآراء في اللغة: جمع رأي و (الرأي: رأيُ القلب، ويُجمع على الآراء) (٢)، (يقال: مَا أضلّ آراءهم وما أَضلَّ رأْيهم) (٣)، و (تقول من رأي القلب: ارتأيت) (٤)، وأما رؤية البصر فتقول: رأيته بعينيّ رؤية (٥)، فالكلمة مادتها (تدل على نظر وإبصار بعين أو بصيرة) (٦).
و (العرب تفرّق بين مصادر فعل الرؤية بحسب محالها فتقول: رأى كذا في النوم رؤيا، ورآه في اليقظة رؤية، ورأى كذا - لما يعلم بالقلب ولا يرى بالعين - رأياً، ولكنهم خصوه بما يراه القلب بعد فكر وتأمل وطلب لمعرفة وجه الصواب مما تتعارض فيه الأمارات؛ فلا يقال لمن رأى بقلبه أمراً غائباً عنه مما يحس به أنه رأيه، ولا يقال أيضاً للأمر
стр. 28
المعقول الذي لا تختلف فيه العقول ولا تتعارض فيه الأمارات إنه رأي، وإن احتاج إلى فكر وتأمل كدقائق الحساب ونحوها) (١).
والرأي في الاصطلاح: (القول الصادر عن اجتهاد ونظر في أمارة أو دلالة مستنبطة) (٢)، و (وقيل: الرأي هو القياس؛ ولهذا سمي أصحاب أبي حنيفة أصحاب الرأي) (٣)، فهو المقابل للنص ولهذا (يقال: أقلت هذا برأيك أم بالنص؟ فيجعل أحدهما في مقابلة الآخر، وذلك يدل على أن الرأي لا يتناول القول بالنص جليًا كان أو خفيًا … [و] يسمى أصحاب القياس كأصحاب أبي حنيفة أصحاب الرأي، ويجعلونه مقابلًا لأصحاب الحديث) (٤).
стр. 29
المطلب الثاني: المراد بالمعاصرة:
المعاصرة في اللغة: مأخوذة من العصر وهو الدهر والحين (١)، (عاصرت فلاناً معاصرة وعِصاراً، أي: كنت أنا وهو في عصرٍ واحد، أو أدركت عصره) (٢).
والمقصود بالمعاصرة في هذا البحث، أي: الواقعة في الزمن الحاضر، وقد حدد بعضهم بداية المعاصرة من سنة (١٢٥٠ هـ) (٣) تقريباً، ومن أبرز معالمها: إقصاء الشريعة الإسلامية عن الحكم في كثير من الديار الإسلامية واستبدالها بالقوانين الوضعية وهذا مما يُحزن، ومما يفرح طباعة أمات الكتب الفقهية، وكتب السنة وشروحها وغير ذلك (٤).
ومنهم من جعل بدايتها سنة (١٣٥٥ هـ) (٥)، ومن أبرز معالمها: الدعوة إلى الاجتهاد الجماعي ونشوء المجامع الفقهية، والتجديد في أسلوب تدريس الفقه والتأليف فيه بقيام الجامعات الإسلامية، والانفتاح
стр. 30
على المذاهب والاهتمام بالفقه المقارن وغيرها (١).
ومن الباحثين من حددها بعد ذلك بقليل، من الثمانينات في القرن الماضي، أي: بعد (١٣٨٠ هـ)، وهي بداية الظهور الفعلي للمظاهر العلمية التي لها تأثير واضح في الفتيا المعاصرة، كبروز المؤسسات العلمية الشرعية من جامعات ومعاهد، وقيام المجامع الفقهية، وتنظيم المؤتمرات المتعلقة بالجوانب الشرعية، فهذه العوامل وغيرها أسهمت في صبغ هذه المرحلة بصبغة خاصة معاصرة (٢)، ولن يخرج البحث عن نطاق هذه التحديدات وما قاربها، وأقدم رأي تمت دراسته هو لمحمد عبده (ت ١٣٢٣)، على أنه لم ينفرد به، بل تابعه بعض من هو على قيد الحياة إلى كتابة هذه الأحرف.
стр. 31
المطلب الثالث: المراد بالشذوذ:
الشاذ في اللغة: (يدل على الانفراد والمفارقة، شذّ الشيء يشذ شذوذاً) (١)، و (شذَّ الرجل من أصحابه، أي: انفرد عنهم. وكل شيء منفرد فهو شاذ) (٢).
وأما الشاذ في الاصطلاح (٣): فـ (هو مخالفة الحق، فكل من خالف الصواب في مسألة ما فهو فيها شاذ) (٤)، هكذا قال ابن حزم، ثم ضبط مخالفة الحق بقوله: (فكل من أداه البرهان من النص أو الإجماع المتيقن، إلى قول ما ولم يعرف أحد قبله قال بذلك القول، ففرض عليه القول بما أدى إليه البرهان، ومن خالفه فقد خالف الحق) (٥).
لكن قوله: (من أداه البرهان من النص … ولم يعرف أحد قبله قال بذلك القول، ففرض عليه القول بما أدى إليه البرهان)، لايسلّم به، والمنازعة هي في وجود ذلك في الواقع، فلا يوجد نص لا يتطرق إليه احتمال وتتنكب الأمة كلها عنه، هذا لا يمكن ولا يكون إلا لنسخه أو لضعف في الثبوت أو الدلالة فلم يعد نصّاً ملزماً، ولا تجتمع الأمة على مخالفة الحق، وضبطه لمخالفة الحق: بمخالفة النص أو الإجماع هو
стр. 32
الذي مشيت عليه في البحث، وهو أضبط من غيره كما سيأتي في المطلب الخامس.
ولايرد على قوله في التعريف: (مخالفة الحق) أنه غير مانع بدخول الآراء الضعيفة والمرجوحة وأنها مقابلة للحق؛ لأنه ضبط ذلك بمخالفة الإجماع أو النص، ولا يقال بأنه غير جامع بإيراد الشذوذ المذهبي (١)؛ فالأصل والسياق كله في الشذوذ العام ولذلك ذكر أن من خالف النص أو الإجماع فقد خالف الحق فهذا سياقه، وهو الأصل في حديث ابن حزم وغيره من أساطين الوفاق والخلاف أن حديثهم عن الشذوذ العام، لكنه قد يرد عليه أن تعريفه لفظي فيه إبدال لفظ بلفظ أشهر منه؛ لأن مخالفة الحق هو الباطل المرادف للشاذ (٢)، وفي التعريف المختار خروج من ذلك.
وقد قيل بأن: (الشاذ: عبارة عن الخارج عن الجماعة بعد الدخول فيها، ومن دخل في الإجماع لا يقبل خلافه بعده وهو الشذوذ) (٣)، لكن الخروج الأكبر من الإجماع هو الخروج عنه بعد انعقاده وانقراض أهله، كما أن الخروج عن الإجماع بعد الدخول فيه (هذا المعنى لو وجد=نوع من أنواع الشذوذ وليس حداً للشذوذ) (٤)، فلا يُسلّم بهذا التعريف.
و (قيل: هو قول الواحد، وترك قول الأكثر) (٥)، لكن القلة والكثرة ليست معياراً للشذوذ مالم يُخالف إجماعاً، فلو تفرد عالم بقول نصره
стр. 33
بالدليل وبفهم سلفي له، فهو الحق ولو كان قائله واحداً، كما قال ابن القيم: (وأما قول ما دل عليه كتاب الله وسنة رسول الله فليس بشاذ، ولو ذهب إليه الواحد من الأمة؛ فإن كثرة القائلين وقلتهم ليس بمعيار وميزان للحق يعير به ويوزن به، وهذه غير طريقة الراسخين في العلم وإنما هي طريقة عامية تليق بمن بضاعتهم من كتاب الله والسنة مزجاة، وأما أهل العلم الذين هم أهله فالشذوذ عندهم والمخالفة القبيحة هي الشذوذ عن الكتاب والسنة وأقوال الصحابة ومخالفتها، ولا اعتبار عندهم بغير ذلك ما لم يجمع المسلمون على قول واحد، ويعلم إجماعهم يقيناً فهذا الذي لا تحل مخالفته) (١).
والتعريف المختار للرأي الفقهي الشاذ هو:
الاجتهاد المخالف للنص الصحيح الصريح أو الإجماع الثابت (٢).
فـ (الاجتهاد) يخرج القول الصادر عن النص أو الإجماع، و (النص) يخرج ما خالف الظاهر أو المجمل، ولم يخالف إجماعاً، و (الصحيح) يخرج ما خالف النص الضعيف في ثبوته، ولم يخالف إجماعاً، و (الإجماع الثابت) يخرج ما خالف الإجماع غير المتحقق، إذا ثبتت المخالفة.
ومخالفة الإجماع هي أكثر ماورد في البحث بل لايكاد يوجد غيرها، وقد ينضم معها مخالفة النص، فيكون الشذوذ من جهتين، ومما حرصت عليه في البحث أني لا أسلّم بأي مخالفة ترد على الإجماع حتى
стр. 34
أتحقق من ثبوت المخالفة عمن قالها، ثم بعد الثبوت يُنظر في وجه قوله، ولا يكتفى بنقل قيل فيه: أنه خالف فلان، فكم من قول قيل بمخالفته للإجماع ثم يتبين بعد الوقوف عليه من مصدره الأعلى أنه لا يعارضه من كل وجه، وإهدار الإجماع ليس بأهون من إهدار القول الذي لم يثبت، وحمل القول المحكي على الإجماع إن كان له محمل صحيح أولى من حمله على مخالفة الإجماع.
وقد قال أبو العباس ابن تيمية: (والمنقول عن السلف والعلماء يحتاج إلى معرفة بثبوت لفظه، ومعرفة دلالته، كما يحتاج إلى ذلك المنقول عن الله ورسوله) (١)، وهذه العبارة تتأكد عندما يعود هذا المنقول على أصل من الأصول الشرعية بالبطلان (٢)، فلا نترك الدليل الشرعي القائم لخلاف منقول لم نتحققه، و لايُعارَضُ المعلومُ بالموهوم، فليس كل ماينقل عن العلماء صحيحاً، وليس كل ماصح عنهم يكون صريحاً في المسألة المراد بحثها، وقد يُنسب إلى العالم بلازم قوله أو فعله أو سكوته مالا يلتزمه، فيقع الخطأ عليه والتتابع على ذلك الخطأ، فالوقوف على نص الأئمة أولى (٣).
стр. 35
ثم إن هناك معنى لطيفاً يستدعي التحقق من نسبة الأقوال إلى بعض الأئمة والعلماء غير الأئمة الأربعة المتبوعين، نبّه إليه ابن رجب في قوله: (مذاهب غير هؤلاء لم تشتهر ولم تنضبط، فربما نُسب إليهم ما لم يقولوه، أو فُهم عنهم ما لم يريدوه، وليس لمذاهبهم من يذبّ عنها، ويُنبّهُ عَلَى ما يقع من الخلل فيها بخلاف هذه المذاهب المشهورة) (١).
تنبيه: يطلق بعض الفقهاء الشاذ ويريدون به الشذوذ في المذهب، وليس الشذوذ العام بمخالفة الإجماع، نحو ما قال النووي: (قد يجزم نحو عشرة من المصنفين بشيءٍ وهو شاذ بالنسبة إلى الراجح في المذهب، ومخالف لما عليه الجمهور، وربما خالف نص الشافعي أو نصوصاً له) (٢)، فهذا شاذ بالنسبة إلى المذهب، ويعني مخالفة الراجح فيه، أو مخالفة الجمهور منهم، أو مخالفة نص الإمام، وكل ذلك مما لايدخل في البحث، و (قد يكون القول شاذاً بالنسبة لمذهب، ولكنه غير شاذ بالمعنى العام بل قد يكون رأياً صحيحاً ومعتبراً وذا دليل قوي في مذهب آخر) (٣)، بل قد يطلق بعض العلماء الشذوذ على رأي ويتبين بعد البحث عدم شذوذه، كما سيأتي في البحث، ومن أسباب ذلك خفاء قول للسلف عن العالم الذي حكم على القول بالشذوذ فيظن أن المسألة إجماعية، أو كون العالم الذي حكم على القول بالشذوذ يرى أن مخالفة الجمهور شذوذ.
стр. 36
المطلب الرابع: الألفاظ ذات الصلة (١):
الرأي الشاذ إذا ثبت شذوذه بمخالفته للإجماع أو النص، فإنه غير معتبر ويكون وجوده كعدمه، وقد يصف بعض العلماء الرأي بغير الشذوذ ومراده أنه غير معتبر، وذلك يصدق على الشاذ، وإن وصف بألفاظ غير لفظ الشذوذ، ومن ذلك:
١. الباطل والفاسد: قال الجويني: (وأما الباطل والفاسد: فهما في اللغة بمعنى العدم … فإذا أضيف الفساد أو البطلان إلى حاصل موجود فعلى معنى سقوط حكمه، ونفي الاعتداد به في المراد … كل واحد منهما يستعمل فيما لا يقع موقعه؛ فيكون كأنه لم يوجد) (٢).
- مثاله في البحث: قال ابن حزم (ت ٤٥٦): (وأما تنجيس الخمر ما وقعت فيه فلا نعلم في أنها تنجس ما مست من ذلك خلافاً، إلا شيئاً ذكره بعض العلماء عن ربيعة وهو قول فاسد، وحسبنا الله ونعم الوكيل) (٣)، وقال ابن دقيق العيد في التصوير المجسم (ت ٧٠٢): (وقد تظاهرت دلائل الشريعة على المنع من التصوير والصور. ولقد أبعد غاية البعد من قال: إن ذلك محمول على
стр. 37
الكراهة … وهذا القول عندنا باطل قطعاً) (١).
٢. المطّرح والساقط: لما تكلّم الإمام مسلم عن الرأي المطّرح في مقدمة الصحيح وذكر أن الإعراض عن القول المطّرح أولى؛ لإماتته، استدرك فقال: (غير أنا لمّا تخوفنا من شرور العواقب واغترار الجهلة بمحدثات الأمور وإسراعهم إلى اعتقاد خطإ المخطئين، والأقوال الساقطة عند العلماء= رأينا الكشف عن فساد قوله ورد مقالته بقدر ما يليق بها من الرد؛ أجدى على الأنام وأحمد للعاقبة إن شاء الله) (٢).
- مثاله في البحث: قال أبو العباس القرطبي (ت ٦٥٦) بعدما ذكر تحريم استعمال آنية الذهب والفضة: (وروي عن بعض السلف إباحة ذلك. وهو خلاف شاذٌّ مطرح للأحاديث الصحيحة الكثيرة في هذا الباب) (٣)، وقال ابن العربي (ت ٥٤٣) عن حكم الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الآخر: (وشذَّ الشّافعيّ في ذلك فقال: من لم يصلِّ على النبي بعد التشهد الآخر، وقبل السّلام فصلاته فاسدة، وإن صلّى عليه قبل ذلك، لم يجزه. وهذا قول ساقط) (٤).
٣. المردود: قال ابن تيمية: (المردود هو قول غير الحق والقول بلا علم مطلقًا) (٥)، وقال ابن القيم: (ومعلوم أن المردود هو الباطل
стр. 38
بعينه بل كونه ردا أبلغ من كونه باطلا إذ الباطل قد يقال لما لا تقع فيه أو لما منفعته قليلة جدا وقد يقال لما ينتفع به ثم يبطل نفعه وأما المردود فهو الذي لم يجعله شيئا ولم يترتب عليه مقصوده أصلاً) (١).
- مثاله في البحث: قال الرملي (ت ٩٥٧) عن قول السبكي في رد شهادة من رأى الهلال: (وما قاله السبكي مردود رده عليه جماعة من المتأخرين … وجه ما قلناه أن الشارع لم يعتمد الحساب بل ألغاه بالكلية) (٢).
٤. الخطأ والغلط: قال الجويني: (والخطأ هو: تخطي المقصود، وهكذا معنى الغَلَط، وهو: الباطل والفاسد. والباطل والفاسد والغلط: اسم لما قبح من الأفعال في الشريعة، وقد يوصف بالخطأ والغلط مالا يوصف بالقبح، لكن لا يوصف بالبطلان في الشريعة إلا ما قبح) (٣).
مثاله في البحث: قول السبكي (ت ٧٥٦): (فقد سئلت عن ترميم الكنائس أو إعادة الكنيسة المضمحلة … وهذا الترميم يقع السؤال عنه كثيراً، ولا سيما في الديار المصرية ويفتي كثير من الفقهاء بجوازه وتخرج به مراسيم من الملوك والقضاة بلا إذن فيه، وذلك
стр. 39
خطأ بإجماع المسلمين) (١)، وقال النووي عن قول من قال بأن المُحرّم في آنية الذهب والفضة هو الشرب فقط دون الأكل وغيره: (وهذا الذي قاله غلط فاحش) (٢).
٥. … وقد يوصف القول الشاذ بالمتروك أو المهجور أو المنكر أو أو لاوجه له أو لايعرج عليه: وقد جمعها ابن عبدالبر (ت ٤٦٣) بقوله عمن قال بسقوط الجمعة والظهر عمن شهد العيد: (أما القول الأول: إن الجمعة تسقط بالعيد ولا تصلى ظهراً ولا جمعة= فقول بيّن الفساد وظاهر الخطأ، متروك مهجور لا يعرج عليه)، وقال: (وقد روي في هذا الباب عن ابن الزبير وعطاء قول منكر أنكره فقهاء الأمصار ولم يقل به أحد منهم … لا وجه فيه عند جماعة الفقهاء وهو عندهم خطأ إن كان على ظاهره … وعلى أي حال كان فهو عند جماعة العلماء خطأ وليس على الأصل المأخوذ به) (٣)، ثمانية أوصاف جمعها تشنيعاً على القول!
٦. … وقد يوصف القول الشاذ بالضلال أو البدعة بل الكفر، وهذا أشد مما سبق، ولا يخلو من مبالغة، وهو نادر، إلا إنه مهما يكن من وصف فإن المعتبر عند الباحث هو تحقق معيار الشذوذ بمخالفة الإجماع الثابت أو النص الصريح الصحيح، وقد وُجد في البحث
стр. 40
ما وصف مجازفة بالكفر، ومع ذلك فقد خرج عن الشذوذ لعدم مخالفته للإجماع لكنه بقي مرجوحاً (١).