← Фикх общий

Фикх общий · id 769

الآراء الفقهية المعاصرة المحكوم عليها بالشذوذ في العبادات

علي الرميحي

Полный текст (1 459 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

المطلب الرابع: الألفاظ ذات الصلة (١): الرأي الشاذ إذا ثبت شذوذه بمخالفته للإجماع أو النص، فإنه غير معتبر ويكون وجوده كعدمه، وقد يصف بعض العلماء الرأي بغير الشذوذ ومراده أنه غير معتبر، وذلك يصدق على الشاذ، وإن وصف بألفاظ غير لفظ الشذوذ، ومن ذلك: ١. الباطل والفاسد: قال الجويني: (وأما الباطل والفاسد: فهما في اللغة بمعنى العدم … فإذا أضيف الفساد أو البطلان إلى حاصل موجود فعلى معنى سقوط حكمه، ونفي الاعتداد به في المراد … كل واحد منهما يستعمل فيما لا يقع موقعه؛ فيكون كأنه لم يوجد) (٢). - مثاله في البحث: قال ابن حزم (ت ٤٥٦): (وأما تنجيس الخمر ما وقعت فيه فلا نعلم في أنها تنجس ما مست من ذلك خلافاً، إلا شيئاً ذكره بعض العلماء عن ربيعة وهو قول فاسد، وحسبنا الله ونعم الوكيل) (٣)، وقال ابن دقيق العيد في التصوير المجسم (ت ٧٠٢): (وقد تظاهرت دلائل الشريعة على المنع من التصوير والصور. ولقد أبعد غاية البعد من قال: إن ذلك محمول على

стр. 37

الكراهة … وهذا القول عندنا باطل قطعاً) (١). ٢. المطّرح والساقط: لما تكلّم الإمام مسلم عن الرأي المطّرح في مقدمة الصحيح وذكر أن الإعراض عن القول المطّرح أولى؛ لإماتته، استدرك فقال: (غير أنا لمّا تخوفنا من شرور العواقب واغترار الجهلة بمحدثات الأمور وإسراعهم إلى اعتقاد خطإ المخطئين، والأقوال الساقطة عند العلماء= رأينا الكشف عن فساد قوله ورد مقالته بقدر ما يليق بها من الرد؛ أجدى على الأنام وأحمد للعاقبة إن شاء الله) (٢). - مثاله في البحث: قال أبو العباس القرطبي (ت ٦٥٦) بعدما ذكر تحريم استعمال آنية الذهب والفضة: (وروي عن بعض السلف إباحة ذلك. وهو خلاف شاذٌّ مطرح للأحاديث الصحيحة الكثيرة في هذا الباب) (٣)، وقال ابن العربي (ت ٥٤٣) عن حكم الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الآخر: (وشذَّ الشّافعيّ في ذلك فقال: من لم يصلِّ على النبي بعد التشهد الآخر، وقبل السّلام فصلاته فاسدة، وإن صلّى عليه قبل ذلك، لم يجزه. وهذا قول ساقط) (٤). ٣. المردود: قال ابن تيمية: (المردود هو قول غير الحق والقول بلا علم مطلقًا) (٥)، وقال ابن القيم: (ومعلوم أن المردود هو الباطل

стр. 38

بعينه بل كونه ردا أبلغ من كونه باطلا إذ الباطل قد يقال لما لا تقع فيه أو لما منفعته قليلة جدا وقد يقال لما ينتفع به ثم يبطل نفعه وأما المردود فهو الذي لم يجعله شيئا ولم يترتب عليه مقصوده أصلاً) (١). - مثاله في البحث: قال الرملي (ت ٩٥٧) عن قول السبكي في رد شهادة من رأى الهلال: (وما قاله السبكي مردود رده عليه جماعة من المتأخرين … وجه ما قلناه أن الشارع لم يعتمد الحساب بل ألغاه بالكلية) (٢). ٤. الخطأ والغلط: قال الجويني: (والخطأ هو: تخطي المقصود، وهكذا معنى الغَلَط، وهو: الباطل والفاسد. والباطل والفاسد والغلط: اسم لما قبح من الأفعال في الشريعة، وقد يوصف بالخطأ والغلط مالا يوصف بالقبح، لكن لا يوصف بالبطلان في الشريعة إلا ما قبح) (٣). مثاله في البحث: قول السبكي (ت ٧٥٦): (فقد سئلت عن ترميم الكنائس أو إعادة الكنيسة المضمحلة … وهذا الترميم يقع السؤال عنه كثيراً، ولا سيما في الديار المصرية ويفتي كثير من الفقهاء بجوازه وتخرج به مراسيم من الملوك والقضاة بلا إذن فيه، وذلك

стр. 39

خطأ بإجماع المسلمين) (١)، وقال النووي عن قول من قال بأن المُحرّم في آنية الذهب والفضة هو الشرب فقط دون الأكل وغيره: (وهذا الذي قاله غلط فاحش) (٢). ٥. … وقد يوصف القول الشاذ بالمتروك أو المهجور أو المنكر أو أو لاوجه له أو لايعرج عليه: وقد جمعها ابن عبدالبر (ت ٤٦٣) بقوله عمن قال بسقوط الجمعة والظهر عمن شهد العيد: (أما القول الأول: إن الجمعة تسقط بالعيد ولا تصلى ظهراً ولا جمعة= فقول بيّن الفساد وظاهر الخطأ، متروك مهجور لا يعرج عليه)، وقال: (وقد روي في هذا الباب عن ابن الزبير وعطاء قول منكر أنكره فقهاء الأمصار ولم يقل به أحد منهم … لا وجه فيه عند جماعة الفقهاء وهو عندهم خطأ إن كان على ظاهره … وعلى أي حال كان فهو عند جماعة العلماء خطأ وليس على الأصل المأخوذ به) (٣)، ثمانية أوصاف جمعها تشنيعاً على القول! ٦. … وقد يوصف القول الشاذ بالضلال أو البدعة بل الكفر، وهذا أشد مما سبق، ولا يخلو من مبالغة، وهو نادر، إلا إنه مهما يكن من وصف فإن المعتبر عند الباحث هو تحقق معيار الشذوذ بمخالفة الإجماع الثابت أو النص الصريح الصحيح، وقد وُجد في البحث

стр. 40

ما وصف مجازفة بالكفر، ومع ذلك فقد خرج عن الشذوذ لعدم مخالفته للإجماع لكنه بقي مرجوحاً (١).

стр. 41

المطلب الخامس: ضابط الحكم على الرأي بالشذوذ: قال القرافي: (كل شيء أفتى فيه المجتهد فخرجت فتياه فيه على خلاف الإجماع، أو القواعد، أو النص، أو القياس الجلي السالم عن المعارض الراجح، لا يجوز لمقلده أن ينقله للناس ولا يفتي به في دين الله تعالى) (١). وقد حث القرافي بعد كلامه السابق على تتبع هذه المسائل بقوله: (فعلى هذا يجب على أهل العصر تفقد مذاهبهم فكل ما وجدوه من هذا النوع يحرم عليهم الفتيا به) (٢). ومن خلال كلام القرافي السابق وكلام غيره من العلماء (٣)، يتبين أن الرأي يوصف بالشذوذ في الحالات الآتية: ١. إذا كان على خلاف النصوص الصحيحة الصريحة بلا حجة معتبرة. ٢. إذا كان قد سُبق بإجماع صحيح. ٣. إذا كان الرأي فيه انفراد ومخالفة لعامة العلماء مع ضعف المأخذ. ٤. إذا كان مخالفاً لأصول الشّريعة وقواعدها العامة. لكنَّ ثالث ورابع الحالات لايسلَّم بكونهما ضابطاً مستقلاً للرأي الشاذ، ويمكن أن نردهما للضابطين الأولين، فالانفراد مع ضعف المأخذ

стр. 42

إما أن يكون مخالفاً للنص أو للإجماع، فيكتفى بهما، وسبق التنبيه على أن القلة والكثرة ليست معياراً للشذوذ مالم يُخالف إجماعاً، وكذلك مخالفة أصول الشريعة إما أن يكون هذا الأصل مؤيداً بالنص أو بالإجماع، فيكتفى بهما، وإن لم يكن كذلك فقد يجعله بعضهم ضابطاً لمعرفة الرأي الشاذ، وقد يكون كذلك متمسكاً لمن أخذ بالرأي الشاذ في مقابل النص أو الإجماع، كمن يتمسك بالتيسير في معارضة النص أو الإجماع. ضابط الرأي الشاذ في هذه الرسالة: يمكن أن تختصر الحالات السابقة بحالتين ترجع إليهما جميع الحالات وينضبط بهما الحكم على الرأي بأنه شاذ وهما محل اتفاق على النكير على من خالفهما، وهما: ١. مخالفة النص الصريح الصحيح بلا حجة معتبرة (١). ٢. مخالفة الإجماع الثابت. الضابطان السابقان هما الأصل، وماحكم عليه العلماء بالشذوذ (٢)، ثم وُجد من يقول به من المعاصرين، فإنه يبحث في موافقته لمعيار الشذوذ ويختبر على الضابطين، قال أبو العباس ابن تيمية: (فإذا كان القول يخالف سنة أو إجماعاً قديماً وجب إنكاره وفاقاً) (٣)، وقال ابن

стр. 43

القيم: (فإذا كان القول يخالف سنة أو إجماعاً شائعاً وجب إنكاره اتفاقاً) (١)، بل حتى لو كان هذا في حكم القاضي فإنه ينقض كما قال الشاطبي: (ولأجل هذا ينقض قضاء القاضي إذا خالف النص أو الإجماع، مع أن حكمه مبني على الظواهر مع إمكان خلاف الظاهر، ولا ينقض مع الخطأ في الاجتهاد وإن تبين) (٢). والذي يدخل في البحث من آراء المعاصرين: - الرأي الجديد المخالف للإجماع أو النص الصريح أو المحكوم عليه بالشذوذ. - الرأي القديم المحُكوم عليه بالشذوذ، إذا أحيا ذكره بعض المعاصرين باختياره له. ومن الضوابط المهمة: أنه لا يُتعرض بهذه الدراسة لكل ساقط من القول، وإنما المعنيُّ بهذه الدراسة: أهل العلم وحملته ممن صدر عنهم ما يمكن أن يكون شذوذاً، واشتهر هذا القول إما: بشهرة صاحبه (٣)، أو بالتأليف فيه والمنافحة عنه، أو بكثرة ترداده بين الناس وانتشاره.

стр. 44

المطلب السادس: خطر الشذوذ، وموقف المسلم من الشذوذات: أما خطر الشذوذ: فمما يبينه قول عمر ﵁ لزياد بن حدير: (هل تعرف ما يهدم الإسلام؟ قال: قلت: لا، قال: يهدمه زلة العالم، وجدال المنافق بالكتاب وحكم الأئمة المضلين) (١)، وقول ابن عباس ﵄: (ويل للأتباع من عثرات العالم، قيل: كيف ذلك؟ قال: يقول العالم شيئاً برأيه ثم يجد من هو أعلم برسول الله ﷺ منه فيترك قوله ذلك ثم يمضي الأتباع) (٢)، فيؤخذ منهما أن الشذوذ: فيه من النسبة إلى دين الله ماليس منه، وفيه إرباك للناس وتذبذب، قال ابن القيم: (ومن المعلوم أن المخوف في زلة العالم تقليده فيها) (٣)، ومايكون في ذلك من تضييع الشريعة، وذهاب هيبة العلماء، وفساد ذمم الناس، وتعريض المفتي نفسه لسخط الله، وولوج الإفتاء من ليس أهلاً له (٤)، قال الشاطبي: (ولهذا تُستعظم شرعاً زلة العالم، وتصير صغيرته كبيرة، من حيث كانت أقواله وأفعاله جارية في العادة على مجرى

стр. 45

الاقتداء، فإذا زل حملت زلته عنه قولاً كانت أو فعلاً؛ لأنه موضوع مناراً يهتدى به، فإن عُلم كون زلته زلة؛ صغرت في أعين الناس وجسر عليها الناس تأسياً به، وتوهموا فيها رخصة علم بها، ولم يعلموها هم تحسيناً للظن به، وإن جهل كونها زلة؛ فأحرى أن تحمل عنه محمل المشروع، وذلك كله راجع عليه) (١)، وقال معتذراً للعلماء: (وهو وإن كان على غير قصد ولا تعمد وصاحبه معذور ومأجور، لكن مما ينبني عليه في الاتباع لقوله فيه خطر عظيم، وقد قال الغزالي: "إن زلة العالم بالذنب قد تصير كبيرة وهي في نفسها صغيرة"، وذكر منها أمثلة، ثم قال: "فهذه ذنوب يتبع العالم عليها، فيموت العالم ويبقى شره مستطيراً في العالم آمادا متطاولة، فطوبى لمن إذا مات ماتت معه ذنوبه"، وهكذا الحكم مستمر في زلته في الفتيا من باب أولى، فإنه ربما خفي على العالم بعض السنة أو بعض المقاصد العامة في خصوص مسألته، فيفضي ذلك إلى أن يصير قوله شرعاً يتقلد، وقولاً يعتبر في مسائل الخلاف، فربما رجع عنه وتبين له الحق فيفوته تدارك ما سار في البلاد عنه ويضل عنه تلافيه، فمن هنا قالوا: زلة العالم مضروب بها الطبل) (٢). هذا في الزلة أو الشذوذ غير المقصود أما من تتبع الشذوذات والزلات فقد اجتمع فيه الشر، كما قال سليمان التيمي (ت ١٧٧): (لو أخذت برخصة كل عالم، أو زلة كل عالم، اجتمع فيك الشرَّ كله) (٣)، قال ابن عبدالبر: (هذا إجماع لا أعلم فيه خلافاً) (٤)، واتباع الشذوذات

стр. 46

علامة على هوى وضلالة كما قال الدارمي (ت ٢٨٠): (إن الذي يريد الشذوذ عن الحق، يتبع الشاذ من قول العلماء، ويتعلق بزلّاتهم، والذي يؤم الحق في نفسه يتبع المشهور من قول جماعتهم، وينقلب مع جمهورهم، فهما آيتان بينتان يستدل بهما على اتباع الرجل، وعلى ابتداعه) (١). و (لا يكون إماماً فِي العلم من أخذ بالشاذ من العلم) (٢)، وفي ذلك قصة لطيفة فيها عبرة، ذكرها المازري (ت ٥٣٦) عن نفسه، فقال: (وأذكر إذ كنت مراهقاً للبلوغ بين يدي أستاذي وإمامي، وكان أول يوم من شهر رمضان، وبات الناس على غير نية الصيام، فقلت: لا أقضي هذا اليوم على مذهب بعض أصحاب مالك في رواية شاذة، فأخذ بأذني أستاذي، فقال لي: إن قرأت العلم على هذا فلا تقرأه، إن اتبعت بنيات الطريق جاء مثل زنديق. بهذا اللفظ) (٣). وموقف المسلم من الشذوذات (٤)، يتلخص في الآتي: ١. عدم اعتماد الرأي الشاذ (٥).

стр. 47

٢. العدل في الحكم على صاحبه (١). ٣. عدم إشاعته ونشره، إلا لبيان ضعفه إذا انتشر (٢).

стр. 48

المطلب السابع: أسباب الشذوذ الفقهي عند المعاصرين . أسباب الشذوذ غير أسباب الاختلاف، ومن أبرز أسباب الشذوذ عند المعاصرين: ١. الجمود على الظواهر. ٢. المبالغة في سد الذرائع، والاحتياط، وعدم مراعاة المتغيرات. ٣. التوسع في اعتبار المصالح والمقاصد. ٤. الاستدلال بالخلاف الفقهي. ٥. تبرير الواقع المنحرف، والخضوع للضغوطات (١). ٦. الضعف العلمي، و الاضطراب الكثير في الأصول الفقهية. ٧. عدم اعتبار الإجماع، أو الاضطراب في اعتباره، وهذا أهمها، ولئن كان الشذوذ في السابقين يقع كثيراً من غير قصد، فإنه في المعاصرين يقع كثيراً بقصد ومعرفة بالمخالفة، وأهم سبب وقفت عليه في الرسالة لذلك وتكرر فيها: "عدم اعتبار الإجماع، أو الاضطراب في اعتباره"، ومن مظاهر ذلك الاعتداد بالفهم المباشر للنصوص ولو خالف فهم السلف قاطبة أو قلة الاهتمام بطلب فهمهم، ومن أسباب هذا الانحراف: التأثر بالمدرسة الظاهرية، أو العصرانية والتجديد.

стр. 49

أما الظاهرية؛ فابن حزم من أشهرهم، وقد قال أبو عبدالرحمن بن عقيل الظاهري: (مذهب ابن حزم في الإجماع مضطرب جداً) (١)، ومع أن شرطه في الإجماع عسير إلا أنه لم يستطع الوفاء به في الواقع، وسيأتي ذلك في ثنايا البحث، والمراد هنا الإشارة، وفي البحث آراء لظاهرية جديدة لم يعرفها ابن حزم مع معرفته بالنصوص التي استدلوا بها. و الشوكاني له تأثر بالظاهرية، وهو يقول: (فأما الإجماع؛ فقد أوضحت في كثير من مؤلفاتي أنه ليس بدليل شرعي، على فرض إمكانه؛ لعدم ورود دليل يدل على حجيته) (٢)، ولرأي الشوكاني سطوة على اختيارات بعض المعاصرين. وأما المدرسة العصرانية أو التجديد؛ (فإنكارها للإجماع، أو تشكيكها في وقوعه يُعد من الملامح الرئيسية لها) (٣)، فالقرضاوي مثلاً يقول: (حجية الإجماع ذاته ليست موضع إجماع! فلا يجوز أن نشهر هذا السيف؛ سيف الإجماع المزعوم في وجه كل مجتهد في قضية) (٤)، ولا مانع عنده من إحداث فهم جديد للنص، أو قول جديد في مسألة خلافية لم يسبق إليه المجتهد ولو كانت المسألة قديمة (٥). ويحسن في هذا المقام إيراد قول الجويني: (قد علمنا قطعاً انتشار

стр. 50

احتجاج السّلف، في الحَث على موافقة الأمة واتباعها والزجر على مخالفتها … فإن تجويز خُلف الإجماع، وترك اتباع الأمة مما يعظم خطره؛ إذ على الإجماع ابتنى معظم أصول الشريعة) (١)، و (إذا تعرفنا حال الأمة وجدناهم متفقين على تضليل من يخالف الإجماع وتخطئته، ولم تزل الأمة ينسبون المخالفين للإجماع إلى المروق وشق العصا ومحادة المسلمين ومشاقتهم، ولا يعدون ذلك من الأمور الهينة، بل [يعدون] ذلك من عظام الأمور، وقبيح الارتكابات) (٢). وعدم الاحتجاج بالإجماع زلة عظيمة، ولاتُعرف إلا عند أهل البدع، بل قال البزدوي: (ومن أنكر الإجماع فقد أبطل دينه كله؛ لأن مدار أصول الدين كلها ومرجعها إلى إجماع المسلمين) (٣)، والكلام السابق له أطراف في ثنايا البحث وإشارات ستأتي، والله أعلم.

стр. 51

الآراء المعاصرة المحكوم عليها بالشذوذ في العبادات وفيه ستة فصول: الفصل الأول: الآراء في الطهارة، وفيه عشرة مباحث: المبحث الأول: جعل المائعات كلها كالماء إذا وقعت فيها النجاسة وأنها لاتنجس إلا بالتغير المبحث الثاني: وجوب غسل يدي النائم قبل غمسهما في الإناء المبحث الثالث: طهارة الخمر المبحث الرابع: طهارة الدم الكثير المبحث الخامس: جواز استعمال آنية الذهب والفضة في غير الأكل والشرب المبحث السادس: تحريم ختان الإناث المبحث السابع: جواز قراءة القرآن للجنب المبحث الثامن: تقييد جواز المسح على الخفين بوجود الحاجة المبحث التاسع: جواز حلق اللحية المبحث العاشر: وجوب قص ما زاد عن القبضة من اللحية

стр. 52

(ولو أن كل من أخطأ في اجتهاده -مع صحة إيمانه، وتوخيه لاتباع الحق- أهدرناه، وبدعناه= لقلّ من يسلم من الأئمة معنا، رحم الله الجميع بمنّه وكرمه). الذهبي ﵀ سير أعلام النبلاء (١٤/ ٣٧٦)

стр. 53

الفصل الأول: الآراء في الطهارة وفيه عشرة مباحث: المبحث الأول: جعل المائعات كلها كالماء إذا وقعت فيها النجاسة، وأنها لاتنجس إلا بالتغيُّر وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: صورةُ المسألةِ، وتحريرُ محل الشذوذ المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة

стр. 54

(ولايقال إنَّه تعمّدا … خلاف قصد الشرع فيما اعتمدَ وواجبٌ في مشكلات الحُكم … تحسيننا الظنَّ بأهل العلم) ابن عاصممنظومة مرتقى الوصول ص (٦٠)

стр. 55

المطلب الأول: صورةُ المسألةِ، وتحريرُ مَحَلِّ الشُّذوذِ: المائعات في اللغة: جمع مائع، والمائع ضد الجامد، وأصل الكلمة من الميم والياء والعين، قال ابن فارس: (الميم والياء والعين كلمةٌ صحيحة تدلُّ على جريانِ شيءٍ واضطرابِ شيءٍ وحركتِه) (١)، والمائعات تشمل: المياهَ وغيرَها من السوائل؛ كالزيت واللبن والمرق (٢)، ومن خصائص الماء: وصف الطهورية قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ (٣)، قال ابن المنذر: (وأجمعوا على أن الوضوء بالماء جائز) (٤)، وقال الرصَّاع (٥): (الطهورية من خواص الماء، وقد حكى ابن العربي الإجماع على ذلك) (٦)، وقد يوصف غير الماء بالطهارة ولايوصف بالطهورية، ثم إن الفقهاء يفرقون بين الماء وغيره من المائعات في جملة من الأحكام، ومنها: ١/ أن الوضوء والغسل لايصحان إلا بالماء، دون غيره من المائعات

стр. 56

- خلا النبيذ ففيه خلاف والجمهور لايرون جوازه (١) -، قال ابن قدامة: (فأما غير النبيذ من المائعات غير الماء، كالخل والدهن والمرق واللبن، فلا خلاف بين أهل العلم فيما نعلم أنه لا يجوز [بها] وضوء ولا غسل) (٢) ٢/ إزالة الخبث عند الجمهور لايصح إلا بالماء، قال النووي: (رفع الحدث وإزالة النجس لا يصح إلا بالماء المطلق، فهو مذهبنا لا خلاف فيه عندنا، وبه قال جماهير السلف والخلف من الصحابة فمن بعدهم) (٣). - وقد جمع هذا الاختصاصَ للماء في هاتين الصورتين الغزاليُّ بقوله: (والطَّهورية مختصة بالماء من بين سائر المائعات، أما فى طهارة الحدث؛ فبالإجماع، وأما في طهارة الخبث؛ فعند الشافعي خلافاً لأبي حنيفة) (٤).

стр. 57

٣/ ومن الفروق -و هو المراد وفيه تحرير لمحل الشذوذ-: أن العلماء يرون أن الماء يمكن تطهيره إذا وقعت فيه النجاسة (١) بخلاف غيره من المائعات، فإنها تنجس ولا يمكن تطهيرها بوقوع النجاسة فيها، قال ابن عبدالبر: (وأجمعوا أن المائعات كلها من الأطعمة والأشربة -ما خلا الماء- سواء، إذا وقعت فيها الميتة نجست المائع كله، ولم يجز أكله ولا شربه عند الجميع إلا فرقة شذت) (٢). - فذكر أن العلماء مجمعون أن الماء له حكم خاص فهو الذي يمكن تطهيره خلافاً لبقية المائعات فإنها تنجس بوقوع النجاسة ولا يمكن تطهيرها، وهناك من المعاصرين من لايفرق بين الماء وغيره من المائعات، فلاتنجس عنده كلها إلا بالتغير بالنجس.

стр. 58

المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين: قال بهذا الرأي جماعة من المتقدمين ولم أقف عليه عند المعاصرين إلا عند: ابن عثيمين (ت ١٤٢١) (١) ﵀.

стр. 59

المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول: ١/ مخالفة النص الصريح. ٢/ مخالفة الإجماع، وتفصيلهما في المطلب الرابع. ٣/ النص على شذوذه، و قد نص على شذوذ هذا القول: - ابن عبدالبر (ت ٤٦٣) بقوله: (وقد شذ قوم فجعلوا المائع كله كالماء، ولا وجه للاشتغال بشذوذهم في ذلك ولا هم عند أهل العلم ممن يعد خلافاً، وسلك داود بن علي سبيلهم في ذلك إلا في السمن الجامد والذائب فإنه قال فيه بظاهر حديث هذا الباب) (١). - و ابن رشد الجد (ت ٥٢٠) بقوله: (ظاهر هذه الرواية أن النجاسة اليسيرة لا تفسد الطعام الكثير ولا تنجسه، كما لا تفسد الماء الكثير ولا تنجسه، وهذا مما لا يقوله إلا داود القياسي (٢) ومن شذ عن الجمهور وخالف الأصول) (٣).

стр. 60

- و العيني (ت ٨٥٥) بقوله: (وَقد شَذَّ قوم فجعلُوا المائِع كُله كالماء، ولا يعتَبر ذلك) (١).

стр. 61

المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة، وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: أدلة القائلين بالتفريق بين الماء وغيره من المائعات: استدل أصحاب هذا القول، بأدلة منها: ١/ حديث أبي هريرة ﵁ قال: سئل النبي ﷺ عن الفأرة تقع في السمن؟ فقال: «إن كان جامداً، فألقوها وما حولها، وإن كان مائعاً، فلا تقربوه» (١).

стр. 62

وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ أمر بعدم القرب من السمن المائع، فدل على تنجسه وعدم إمكانية تطهيره، وهذا نص في السمن السائل، ومخالفته مخالفة للنص الصريح. ونوقش الاستدلال بالحديث: - بعد التسليم في صحته، فالحديث ضعيف، أخطأ في سنده ومتنه معمر، قال ابن تيمية: (وأما معمر، فاضطرب فيه، في سنده ولفظه) (١)، والصواب أنه من حديث ميمونة، ومتنه ليس فيه تفصيل، كما روى البخاري عن ميمونة: أن فأرة وقعت في سمن فماتت، فسئل النبي ﷺ عنها فقال: «ألقوها وما حولها وكلوه». (٢)، قال ابن القيم: (رواه الناسُ عن الزهري بهذا المتن والإسناد، ومتنه خرجه البخاريُّ في (صحيحه)، والترمذي، والنسائي. وأصحاب الزهري كالمجمعين على ذلك، وخالفهم معمرٌ في إسناده ومتنه) (٣).

стр. 63

- وعلى فرض صحته، فلايصح تعميم الحكم فيه على القليل والكثير، بل هو خاص بالقليل كالسمن المسؤول عنه، قال ابن تيمية: (فإنه من المعلوم أنه لم يكن عند السائل سمن فوق قلتين يقع فيه فأرة حتى يقال فيه: ترك الاستفصال في حكاية الحال مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال، بل السمن الذي يكون عند أهل المدينة في أوعيتهم يكون في الغالب قليلاً، فلو صح الحديث لم يدل إلا على نجاسة القليل. فإن المائعات الكثيرة إذا وقعت فيها نجاسة فلا يدل على نجاستها لا نص صحيح ولا ضعيف، ولا إجماع، ولا قياس صحيح) (١). ويمكن أن يجاب عن هذه المناقشة: - بأن الحديث وإن كان ضعيفاً إلا أن إجماع العلماء الآتي ذكره على معناه يكفي (٢)، بل قال الطوفي: (الإجماع أقوى أصول الإسلام، ولذلك قدم على النص والقياس) (٣)، وقال القرافي: (وهو مقدم على الكتاب والسنة والقياس) (٤)، وهذا التقديم باعتبار أن النص يقبل النسخ والتأويل بخلاف الإجماع، ولأن دلالة الإجماع قطعية بخلاف القياس (٥).

стр. 64

٢/ الدليل الثاني هو: الإجماع. وقد نقل الإجماع في هذه المسألة غير واحد من العلماء: ١. قال ابن بطال (ت ٤٤٩): (وأما السمن المائع، والزيت، والخل، والمُرْي (١)، والعسل وسائر المائعات تقع فيها الميتة، فلا خلاف أيضًا بين أئمة الفتوى أنه لا يؤكل منها شيء) (٢). ٢. وقال ابن عبدالبر (ت ٤٦٣): (وأجمعوا أن المائعات كلها من الأطعمة والأشربة -ما خلا الماء- سواء، إذا وقعت فيها الميتة نجست المائع كله ولم يجز أكله و لا شربه عند الجميع إلا فرقة شذت) (٣). ٣. وقال ابن حزم (ت ٤٥٦): (واتفقوا أن السمن إذا وقع فيه فأر، أو فأرة، فمات، أو ماتت فيه، وهو مائع أنه لا يؤكل) (٤). ٤. وقال البغوي (ت ٥١٦): (واتفق أهل العلم على أن الزيت إذا ماتت فيه فأرة، أو وقعت فيه نجاسة أخرى أنه ينجس، ولا يجوز أكله) (٥).

стр. 65

٥. وقال ابن رشد الجد (ت ٥٢٠): (الله تعالى خلق الماء طهوراً، فهو يحمل ما غلب عليه من النجاسات، بخلاف ما عداه من الأطعمة والأدم المائعات. والفرق بينهما أن رسول الله ﷺ سئل عن ماء بير بضاعة وما يلقى فيها من الأقذار والنجاسات فقال: «خلق الله الماء طهورا لا ينجسه إلا ما غير لونه أو طعمه أو رائحته»، وسئل عن الفارة تقع في السمن فقال: «انزعوها وما حولها فاطرحوه وإن كان مائعا فلا تقربوه»، وهذا ما لا خلاف فيه بين فقهاء الأمصار) (١). ونوقشت حكاية الإجماع: - بعدم التسليم بها، قال ابن تيمية (ت ٧٢٨): (هذا فيه نزاع معروف، فمذهب طائفة أنه يُلقَى وما قرب منها ويؤكل، سواء كان جامداً أو مائعاً) (٢)، ثم ذكر خلاف ابن عباس وماحكي عن ابن مسعود ﵃، والزهري وإحدى الروايات عن أحمد ومالك، وأنهم يرون أن غير الماء كالماء في إمكان تطهيرها من النجاسات. - فالظاهر أن الإجماع غير متحقق كما قرره ابن تيمية، وقد خالف في المسألة ابن عباس (٣) ﵁ وليس بصريح-، وابن مسعود ﵁

стр. 66

ولايصح عنه- (١)، والزهري (ت ١٢٤) (٢)، وهو القول الأصح عند الحنفية (٣). - وقول عند المالكية (٤)، ورواية عند الحنابلة (٥)، وحكي عن أبي ثور (ت ٢٤٠) (٦)، و هو رأي البخاري (ت ٢٥٦) (٧)، واختار هذا القول ابن

стр. 67

تيمية (ت ٧٢٨) (١). - وعند التحقيق فإن قول الحنفية وماروي عن أحمد وأبي ثور ليس كقول الشيخ ابن عثيمين تماماً؛ لأنهم يفرقون في الماء بين القليل والكثير ويقيسون المائعات عليه، فالقليل عندهم ينجس بملاقاة النجاسة، بخلاف الكثير فلاينجس إلا بالتغير، أما الشيخ ابن عثيمين فإن الحكم عنده أن يلقى النجس وماحوله ولو كان المائع يسيراً مالم يتغير كله. المسألة الثانية: أدلة من قال بأن غير الماء من المائعات كالماء: استدل من يرى أن المائعات كلها كالماء وأنها لاتنجس إلا بالتغير بأدلة منها: ١/ قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (٢). وجه الاستدلال: أن المائعات؛ كالألبان، والزيت، والخلول، ونحوها من الطيبات التي أحلها الله لنا، فإذا لم يظهر فيها صفة الخبث في طعم، أولون، أو ريح، كانت على حالها في الطيب، فلا يجوز أن تجعل من الخبائث المحرمة (٣). ٢/ ومن أدلتهم: قوله ﷺ في حديث ميمونة ﵂ حين سُئل عن فأرة سقطت في سمن، فقال ﷺ : «ألقوها وما حولها فاطرحوه،

стр. 68

وكلوا سمنكم» (١). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ أجاب جواباً عاماً مطلقاً ولم يستفصل هل كان السمن مائعاً أو جامداً؟ قليلاً أو كثيراً؟ وترك الاستفصال في حكاية الحال (٢) مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال (٣). ونوقش هذا الاستدلال: بأن قوله: «وما حولها» يدل على أنه كان جامداً؛ لأنه لو كان مائعاً لم يكن لها حول، فلو نقل من أي جانب لخلفه غيره في الحال، فيصير مما حولها فيحتاج إلى إلقائه كله (٤). وأجيب عن ذلك: بأن الغالب على سمن الحجاز أن يكون ذائباً، فيكون الحديث كالنص في السمن المائع عند وقوع الفأرة فيه (٥)، والعبرة بالغالب، والنادرُ لاحكم له. ٣/ ومن أدلتهم: القياس على الماء، فتغير الماء بالنجاسات أسرع وأظهر من تغير غيره من المائعات، واستحالة النجاسة في غير الماء أقوى من استحالتها في الماء (٦)، وهذا من قياس الأولى.

стр. 69

ونوقش هذا الاستدلال: بأن الماء له قوة يدفع بها النجس عن غيره فعن نفسه أولى (١)، كما جاء في الحديث: «إنَّ الماءَ طَهُورٌ، لا يُنَجِّسُهُ شيء» (٢). وأجيب عن ذلك: بأنَّ مفهوم الحديث لا عموم له، و لا يقتضي أن كل ما ليس بماء يتنجس؛ فإن الهواء ونحوه لا يتنجس وليس بماء (٣). ٤/ واستدلوا أيضاً: بأن هذا ما أفتى به الصحابة كابن عباس وابن مسعود ﵃. ويمكن مناقشة هذا الاستدلال: - بعدم التسليم، فإن ماروي عن ابن عباس ﵁ ليس بصريح في المائع (٤)، وماروي عن ابن مسعود ﵁ لايصح عنه (٥). - و على فرض التسليم، فقد صح عن جمع من الصحابة القول بتنجس السمن المائع بوقوع النجس فيه أو التفريق بين الجامد والمائع، منهم: عائشة (٦)،

стр. 70

وابن عمر (١)، وعبدالله بن عمرو (٢)، وأنس (٣) ﵃، وبهذا يفتي جمع من التابعين وجماهير العلماء. - فهؤلاء الصحابة قولهم خلافُ قولِ ابنِ عباس ﵁ (٤)، وقول الصحابي إنما يكون حجةً على الصحيح إذا لم يوجد له مخالف، أما إذا وُجِدَ الخلاف فلايكون حجة بالاتفاق، ومن ثم فلا يلزم الأخذ بقول أحدهما إلا بدليل آخر يرجحه (٥)، كما قال الشافعي في أقاويل الصحابة إذا اختلفت: (نَصِيرُ منها إلى ما وافق الكتابَ أو السنةَ أو الإجماعَ، أو كان أصحّ في القياس) (٦). المسألة الثالثة: حُكم نسبة هذا الرأي إلى الشذوذ: بعد عرض هذا الرأي ودراسته، فالظاهر أن نسبته إلى الشذوذ غير صحيحة؛ فإنه لم يخالف نصاً صحيحاً صريحاً، ولم يخرم إجماعاً متحققاً، وقد استند قائله إلى أدلة قوية له فيها سلف، فهو رأي دائر بين راجح ومرجوح، وإن كان التفريق بين المائع اليسير والكثير هنا له وجه، والله أعلم (٧).

стр. 71

المبحث الثاني: وجوب غسل يدي النائم قبل غمسهما في الإناء وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: صورةُ المسألةِ، وتحريرُ محل الشذوذ المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة

стр. 72

قال الإمام مالك: (العلم الذي هو العلم معرفة السنن، والأمر المعروف الماضي المعمول به). البيان والتحصيل (١٨/ ٥٢٣)

стр. 73

المطلب الأول: صورةُ المسألةِ، وتحريرُ مَحَلِّ الشُّذوذِ: الإناء لغة: مفرد و جمعه آنية، وجمع الجمع: أوانٍ، كسقاء وأسقية وأَساقٍ (١)، وهي ظرف من الظروف تحوي ما يوضع فيها، ومن استيقظ من نومه وأراد أن يستعمل ماءً في إناء (٢)، فإنه يُشرع له أن يغسل يديه خارج الإناء بإكفاء الإناء، أو التناول منه بغير اليد، ولا يغمس يديه في الإناء قبل أن يغسلهما. وهذا هو تحرير محل الشذوذ، وتبيين محل النزاع في المسألة: ١. وقد أجمع العلماء على أن غسل اليدين في ابتداء الوضوء سنة؛ يستحب استعمالها ولايجب، مالم يتيقن فيهما نجساً (٣). ٢. و أجمعوا على نهي المستيقظ من نومه عن غمس اليد في الإناء

стр. 74

قبل غسلها (١). ٣. واتفق الأئمة الأربعة وغيرهم على استحباب غسل اليدين عند القيام من نوم الليل ثلاثاً (٢). ٤. واختلف العلماء في وجوب غسل اليدين قبل غمسهما في الإناء (٣)، والعلماء عامتهم على عدم الوجوب، وأوجبه آخرون، وحُكِمَ على قولهم بالشذوذ، وهذا هو المراد بحثه، وتحقيق نسبته للشذوذ من عدمه.

стр. 75

المطلب الثاني: القائلون بالوجوب من المعاصرين: أبرز من قال بهذا الرأي من المعاصرين: محمد بن إبراهيم (ت ١٣٨٩) (١)، ومحمد بن عثيمين (ت ١٤٢١) (٢) -رحمهما الله -.
следующие страницы →