Полный текст (1 060 стр.). Показаны 1051–1060 · переход к 1056.
стр. 1051
الْقصاص وَفِي حد الْقَذْف جَازَ
وَإِن كَانَ فِي سَائِر الْحُدُود لَا يجوز وَهَذَا عندنَا
وَعَن الشَّافِعِي قَولَانِ فِي قَول لَا يجوز فِي الْكل وَفِي قَول يجوز فِي الْكل
وَأما إِذا قضى بِعلم كَانَ قبل أَن يُقَلّد الْقَضَاء أَو بِعلم بعد التَّقْلِيد لَكِن قبل أَن يصل إِلَى الْبَلَد الَّذِي ولي قَضَاءَهُ فقد أجمع أَصْحَابنَا أَنه لَا يجوز فِي الْحُدُود غير حد الْقَذْف
فَأَما فِي سَائِر الْأَحْكَام وَفِي حد الْقَذْف وَالْقصاص فقد اخْتلفُوا قَالَ أَبُو حنيفَة لَا يجوز
وعَلى قَول أبي يُوسُف وَمُحَمّد يجوز وفروع هَذَا الْفَصْل ودلائله تعرف فِي الْمَبْسُوط إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَلَا يجوز للْقَاضِي أَن يقْضِي لنَفسِهِ وَلَا لِأَبَوَيْهِ وَإِن علوا وَلَا لزوجته وَلَا لأولاده وَإِن سفلوا وَلَا لكل من لَا تجوز شَهَادَته لَهُم
وَهل يقْضِي بِكِتَاب قَاضِي ورد إِلَيْهِ من قُضَاة الْبلدَانِ لَيْسَ لَهُ أَن يقْضِي فِي الْحُدُود وَالْقصاص وَأما فِي الدُّيُون وَالْعرُوض وَالْعَقار فقد جَازَ الْقَضَاء بِهِ
وَلَا يجوز فِي الْحُدُود وَالْقصاص الْقَضَاء بِالشَّهَادَةِ على الشَّهَادَة
وَفِي الْغُلَام وَالْجَارِيَة عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد لَا يكْتب إِلَى الْقَضَاء وَلَا يقبل
وَعَن أبي يُوسُف يقبل وَهُوَ قَول ابْن أبي ليلى وَعمل الْقُضَاة على هَذَا لأجل الضَّرُورَة الْعَامَّة
ثمَّ فِيمَا يقبل فِيهَا الْكتاب إِذا ورد الْكتاب إِلَى القَاضِي الْمَكْتُوب إِلَيْهِ يَنْبَغِي أَن لَا يفك الْكتاب وَلَا يقرأه إِلَّا بِحَضْرَة الْخصم كي لَا يتهم فِي ذَلِك
стр. 1052
وَأما آدَاب الْقُضَاة فللقاضي أَن يجلس مَعَ نَفسه قوما من الْفُقَهَاء ليشاور مَعَهم إِذا احْتَاجَ إِلَيْهِ
فَإِن اتَّفقُوا عَلَيْهِ والحادثة مَعْرُوفَة فِي السّلف يقْضِي بِهِ
وَإِن اخْتلفُوا فعلى مَا ذكرنَا
فَإِن بدا لَهُ أَن يرجع فِيمَا اعْتمد على قَول بَعضهم وَرَأى الصَّوَاب فِي قَول الآخر فَلهُ ذَلِك لِأَن لَهُ أَن يقْضِي فِي الْمُجْتَهد فِيهِ بِمَا لَاحَ لَهُ من دَلِيل الِاجْتِهَاد إِن كَانَ مُجْتَهدا
فَأَما بعد الحكم فَلَيْسَ لَهُ أَن يبطل ذَلِك الْقَضَاء لِأَن صَار بِالْقضَاءِ كالمتفق عَلَيْهِ وَلَكِن يعْمل فِي الْمُسْتَقْبل بِخِلَافِهِ إِذا رأى ذَلِك صَوَابا
وَيَنْبَغِي أَن يعدل بَين الْخَصْمَيْنِ فِي مجلسهما مِنْهُ لَا يقرب أَحدهمَا دون الآخر وَإِن كَانَ لَهُ شرف الْعلم وَالنّسب
وَإِن كَانَ يُرِيد تَعْظِيم ذَلِك فِي الْمجْلس يَنْبَغِي أَن يجلس خَصمه مَعَه أَيْنَمَا أَجْلِس الأول
وَكَذَلِكَ يعدل بَينهمَا النّظر والمنطق وَلَا يُشِير إِلَى أحد الْخَصْمَيْنِ دون الآخر
وَكَذَلِكَ لَا يَخْلُو بِأَحَدِهِمَا دفعا للتُّهمَةِ
وَلَا يرفع صَوته على أَحدهمَا مَا لم يرفع على الآخر عِنْد الشغب والمنازعة
فَأَما إِذا وجد من أَحدهمَا فَإِنَّهُ يرفع صَوته عَلَيْهِ تأديبا لَهُ
وَلَا يَنْبَغِي أَن يلقن أحد الْخَصْمَيْنِ حجَّته
وَلَا بَأْس بِأَن يلقن الشَّاهِد إِذا كَانَ يستحي ويهاب مجْلِس القَاضِي بِشَيْء هُوَ حق
وَإِذا تكلم أَحدهمَا أسكت الآخر حَتَّى يسمع كَلَامه وَيفهم ثمَّ يستنطق الآخر حَتَّى يكون أقرب إِلَى الْفَهم
وَلَا يَنْبَغِي أَن يجلس للْقَضَاء وَبِه مَا يشْغلهُ عَنهُ نَحْو الْهم
стр. 1053
وَالْغَصْب وَالنُّعَاس وَغَيرهَا على مَا قَالَ ﵇ لَا يقْضِي القَاضِي وَهُوَ غَضْبَان
وَيَنْبَغِي أَن يقدم الرِّجَال على حِدة وَالنِّسَاء على حِدة الأول فَالْأول
وَلَا يخلط النِّسَاء بِالرِّجَالِ لِأَنَّهُ سَبَب للفتنة
وَيَنْبَغِي أَن يتَّخذ كَاتبا من أهل العفاف وَالصَّلَاح وَهُوَ فَقِيه عَالم بصنعة الْكِتَابَة ثمَّ يقعده حَيْثُ يرى مَا يكْتب وَمَا يصنع
وَفِي عَادَة السّلف أَن القَاضِي هُوَ الَّذِي يكْتب خُصُومَة كلا الْخَصْمَيْنِ على كاغذ السُّؤَال وَالسُّؤَال وَالْجَوَاب ثمَّ يكْتب شَهَادَة الشُّهُود على حسب مَا شهدُوا بعد كِتَابَة جَوَاب الْخصم ثمَّ يطوي الْكتاب ثمَّ يختمه ثمَّ يكْتب على ظَهره خُصُومَة فلَان وَفُلَان فِي شهر كَذَا فِي سنة كَذَا ويضعه فِي قمطرة على حِدة
وَفِي زَمَاننَا الْعَادة أَن الْكَاتِب هُوَ الَّذِي يكْتب كتاب الدَّعْوَى وَيتْرك مَوضِع التَّارِيخ وَلَا يكْتب جَوَاب الْخصم وَيكْتب أَسمَاء الشُّهُود بعد ذَلِك وَيتْرك فِيمَا بَين الخطين فُرْجَة فَإِذا رفع الدَّعْوَى عِنْد القَاضِي فَيكْتب التَّارِيخ بِنَفسِهِ وَيكْتب جَوَاب الْخصم على الْوَجْه الَّذِي تقرر
وَإِذا شهد الشُّهُود فِي الْمجْلس على مَا يَدعِيهِ الْمُدَّعِي يكْتب شَهَادَة كل وَاحِد تَحت اسْمه على الْوَجْه الَّذِي تقرر وَيخْتم الْكتاب ثمَّ يكْتب بِنَفسِهِ فِي ذَلِك الْيَوْم أَسمَاء الشُّهُود أَو يَأْمر الْكَاتِب حَتَّى يَكْتُبهُ بَين يَدَيْهِ وَيخْتم وَيبْعَث بذلك على يَد رجل من أهل الثِّقَة فِي السِّرّ إِلَى أهل الثِّقَة وَالسِّلَاح عِنْده حَتَّى يعدلُوا الشُّهُود
فَإِذا اتّفق اثْنَان أَو أَكثر على تَزْكِيَة رجل قبل قَوْله وَعمل بِهِ
وَإِن اجْتمع جمَاعَة على أَنه ثِقَة وَاثْنَانِ على جرحه يَأْخُذ بِالْجرْحِ
وَالْعدَد شَرط عِنْدهمَا فِي المزكين
وَأما عِنْد أبي حنيفَة فالواحد كَاف
стр. 1054
وَكَذَا الْخلاف فِي الَّذِي يبْعَث المستورة يشْتَرط فِيهِ الْعدَد عِنْدهمَا خلافًا لَهُ
ثمَّ يسْأَل عَن التَّزْكِيَة عَلَانيَة بَعْدَمَا يسْأَل فِي السِّرّ حَتَّى لَا يَقع فِيهِ رِيبَة على القَاضِي فيتهم بذلك
وَلَا يَنْبَغِي للْقَاضِي أَن يقبل الْهَدِيَّة إِلَّا من ذِي رحم محرم مِنْهُ أَو من صديق قديم الصُّحْبَة قد كَانَ بَينهمَا التهادي قبل زمَان الْقَضَاء فَأَما من غير هذَيْن فَلَا يقبل الْهَدِيَّة وَيكون ذَلِك فِي معنى الرِّشْوَة
وَأما الدعْوَة فَإِن كَانَ دَعْوَة عَامَّة مثل دَعْوَة الْعرس والختان فَلَا بَأْس بذلك
فَأَما الدعْوَة الْخَاصَّة فَإِن كَانَت من ذِي الرَّحِم الْمحرم أَو الصّديق الْقَدِيم الَّذِي كَانَ يضيفه قبل الْقَضَاء فَلَا بَأْس بالإجابة
وَفِي غَيرهمَا لَا يَنْبَغِي أَن يحضر لِأَن ذَلِك يُوجب تُهْمَة فِيهِ
وَلَا بَأْس للْقَاضِي أَن يبْعَث الْخَصْمَيْنِ إِلَى الْمُصَالحَة إِن طمع مِنْهُمَا الْمُصَالحَة
وَإِن لم يطْمع وَلم يرضيا بذلك فَلَا يردهما إِلَى الصُّلْح ويتركهما على الْخُصُومَة وَينفذ الْقَضَاء فِي حق من قَامَت الْحجَّة لَهُ وَالله تَعَالَى أعلم
стр. 1055
كتاب الْوَقْف وَالصَّدَََقَة
فِي الْكتاب فصلان فصل فِي الْوَقْف وَفصل فِي الصَّدَقَة
أما الأول فقد أجمع الْعلمَاء أَن من وقف أرضه أَو دَاره مَسْجِدا بِأَن قَالَ جعلت هَذِه الأَرْض مَسْجِدا يُصَلِّي فِيهِ النَّاس أَنه جَائِز لِأَن هَذَا إبِْطَال ملكه عَنهُ وَجعله لله تَعَالَى خَالِصا كمن أعتق عَبده
لَكِن التسلم شَرط عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد وَعند أبي يُوسُف لَيْسَ بِشَرْط
وتسليمه عِنْدهمَا أَن يَأْذَن للنَّاس بِصَلَاة الْجَمَاعَة فِيهِ فَيصَلي فِيهِ جمَاعَة من النَّاس بِجَمَاعَة فَإِنَّهُ يصير مُسلما إِلَى النَّاس كَذَا ذكر هِلَال الرَّأْي فِي كتاب الْوَقْف الَّذِي صنفه
وَقَالَ بعض الْمَشَايِخ إِذا جعل لَهُ مُتَوَلِّيًا قيمًا يتَصَرَّف فِي مَصَالِحه وَيَأْذَن لَهُ بِقَبْضِهِ بطرِيق النِّيَابَة عَن النَّاس
وَيَأْمُرهُمْ بِالصَّلَاةِ فِيهِ فَيكون التَّسْلِيم صَحِيحا وَلَا يُمكنهُ الرُّجُوع بعد ذَلِك عِنْدهمَا
стр. 1056
وَأما إِذا جعل أرضه أَو دَاره وَقفا على الْفُقَرَاء أَو على وُجُوه الْخَيْر فَعِنْدَ أبي حنيفَة إِن جعله وَقفا فِي حَال حَيَاته وَلم يقل وَصِيَّة بعد وَفَاته فَإِنَّهُ يكون هَذَا الْوَقْف صَحِيحا فِي حق التَّصْدِيق بالغلة وبالسكنى فِي الدَّار إِلَى وَقت وَفَاته وَيكون نذرا بالتصدق بذلك وَتَكون رَقَبَة الأَرْض على ملكه يجوز لَهُ بَيْعه والتصرفات فِيهِ
وَإِذا مَاتَ يصير مِيرَاثا للْوَرَثَة وَهَذَا معنى قَول بعض الْمَشَايِخ إِن الْوَقْف لَا يجوز عِنْد أبي حنيفَة أَن الْوَقْف لَا حكم لَهُ عِنْده بل يكون نذرا بالتصدق بغلته ومنافعه
وَأما إِذا وقف فِي حَال حَيَاته وَأوصى بذلك بعد وَفَاته فَإِنَّهُ يجوز بِلَا خلاف لَكِن ينظر إِن خرج من الثُّلُث يجوز فِي الْكل وَإِن لم يخرج من الثُّلُث يجوز الْوَقْف فِيهِ بِقدر الثُّلُث وَيبقى الْبَاقِي إِلَى أَن يظْهر لَهُ مَال آخر أَو يُجِيزهُ الْوَرَثَة
فَإِن لم يظْهر لَهُ مَال وَلم يجز الْوَرَثَة تقسم الْغلَّة بَينهم أَثلَاثًا الثُّلُث للْوَقْف وَالثُّلُثَانِ بَين الْوَرَثَة على قدر أنصبائهم
وَإِن أجَازه الْوَرَثَة يصير جَائِزا ويتأبد الْوَقْف بِحَيْثُ لَا يبطل بعد ذَلِك
وَلَو رفع الْأَمر إِلَى القَاضِي فَأمْضى القَاضِي الْوَقْف بِنَاء على دَعْوَى صَحِيحَة وَشَهَادَة قَائِمَة على ذَلِك وَأنكر الْوَاقِف ذَلِك صَحَّ
وَلَو شهد الشُّهُود على الْوَقْف من غير دَعْوَى قَالُوا إِن القَاضِي يقبل لِأَن الْوَقْف حكمه التَّصَدُّق بالغلة وَهُوَ حق الله تَعَالَى وَفِي حُقُوق الله تَعَالَى لَا يشْتَرط الدَّعْوَى
وَهَذَا إِذا كَانَ من رَأْي القَاضِي أَن الْوَقْف صَحِيح لَازم لَا يجوز نقضه بِحَال كَمَا قَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد حَتَّى يكون قَضَاء فِي فصل مُجْتَهد فِيهِ فَينفذ قَضَاؤُهُ وَلَا يُمكن نقضه بعد ذَلِك وَلَا يجوز بَيْعه وَلَا يُورث بالِاتِّفَاقِ لِأَن قَضَاء القَاضِي فِي فصل مُجْتَهد فِيهِ على أحد
стр. 1057
الْوَجْهَيْنِ بِرَأْيهِ وَهُوَ من أهل الِاجْتِهَاد ينفذ بِالْإِجْمَاع
هَذَا الَّذِي ذكرنَا على مَذْهَب أبي حنيفَة
أما عِنْد أبي يُوسُف وَمُحَمّد وَالشَّافِعِيّ وَعَامة الْفُقَهَاء فَإِن الْوَقْف صَحِيح فِي حق الرَّقَبَة وَيَزُول عَن ملكه كَمَا فِي الْمَسْجِد
لَكِن اخْتلف أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد فِيمَا بَينهمَا قَالَ مُحَمَّد إِنَّمَا يجوز بِأَرْبَع شَرَائِط أَحدهَا أَن يُخرجهُ من يَده ويسلمه إِلَى الْمُتَوَلِي حَتَّى يتَصَرَّف فِيهِ فَيصْرف أَولا إِلَى مصَالح الْوَقْف وَيصرف الْبَاقِي إِلَى الْمُسْتَحقّين
وَالثَّانِي أَن يكون فِي المفروز دون الْمشَاع
وَالثَّالِث أَن لَا يشْتَرط لنَفسِهِ شَيْئا من مَنَافِع الْوَقْف
وَالرَّابِع أَن يكون مُؤَبَّدًا بِأَن يَجْعَل آخِره إِلَى فُقَرَاء الْمُسلمين
وعَلى قَول أبي يُوسُف لَا يشْتَرط شَيْء من هَذِه الْأَشْيَاء
وَهَذَا الَّذِي ذكرنَا إِذا وقف فِي حَالَة الصِّحَّة
فَأَما إِذا وقف فِي حَالَة الْمَرَض فَإِن وقف وَأوصى بهَا بعد وَفَاته فَهَذَا وَحَالَة الصِّحَّة مَعَ الْوَصِيَّة سَوَاء يعْتَبر خُرُوجه من الثُّلُث وَلَا يكون مِيرَاثا للْوَرَثَة
وَإِن لم يَجعله وَصِيَّة بعد وَفَاته فَفِي جَوَاب ظَاهر الرِّوَايَة هَذَا وَالْوَقْف فِي حَالَة الصِّحَّة سَوَاء
وَذكر الطَّحَاوِيّ هُوَ بِمَنْزِلَة الْوَقْف بعد وَفَاته
والتوفيق بَين الرِّوَايَتَيْنِ أَو مُرَاد مُحَمَّد أَن وقف الْمَرِيض نَافِذ للْحَال غير مُضَاف إِلَى مَا بعد الْمَوْت كَالْوَصِيَّةِ فَإِن الْمَرِيض إِذا أعتق فِي حَالَة الْمَرَض ينفذ عتقه وَإِن كَانَ لَا يخرج من الثُّلُث عِنْدهمَا وَيسْعَى وَهُوَ حر
وَعند أبي حنيفَة ينفذ بِقدر الثُّلُث دون الثُّلثَيْنِ وَيسْعَى
стр. 1058
وَهُوَ رَقِيق فَيعتق الْبَاقِي
وَمُرَاد الطَّحَاوِيّ أَنه لَا يَصح من جَمِيع المَال بل من الثُّلُث بِمَنْزِلَة الْوَصِيَّة
وبمنزلة الْوَقْف وَالْوَصِيَّة بعد الْمَوْت هَذَا هُوَ الصَّحِيح
هَذَا الَّذِي ذكرنَا فِي الْعقار
فَأَما فِي الْمَنْقُول هَل يجوز وَقفه إِن كَانَ تبعا للعقار كالثيران وآلا الحراثة وَالْعَبِيد فَإِنَّهُ يجوز ويعجل وَقفا وَيكون ملكا لعامة الْفُقَرَاء كعبيد الْخمس فِي الْغَنَائِم
وَأما إِذا كَانَ مَقْصُودا فَإِن كَانَ مِمَّا يجْرِي فِيهِ التَّعَامُل وَهُوَ مُعْتَاد فِيمَا بَين النَّاس يجوز عِنْدهمَا خلافًا لأبي حنيفَة وَذَلِكَ نَحْو الكراع وَالسِّلَاح فِي سَبِيل الله وَلَا نَحْو المر والقدوم لحفر الْقُبُور وكثياب الْجِنَازَة وَنَحْوهَا
وَأما وقف الْكتب فقد اخْتلف الْمَشَايِخ فِيهِ على قَوْلهمَا وَعَن نصير بن يحيى أَنه وقف كتبه على الْفُقَهَاء من أَصْحَاب أبي حنيفَة
وَلَو جعل أرضه أَو دَاره رِبَاطًا أَو مَقْبرَة أَو سِقَايَة فَعِنْدَ أبي حنيفَة لَا يجوز
وَعِنْدَهُمَا يجوز غير أَن مُحَمَّدًا يشْتَرط الشَّرَائِط الَّتِي ذكرنَا وَالتَّسْلِيم عِنْده هُوَ أَن ينزل فِي الرِّبَاط بعض الْمَارَّة وَأَن يدْفن فِيهَا الْمَوْتَى وَأَن يسقى مِنْهَا النَّاس وَسقي الْوَاحِد كَاف أَو يسلم إِلَى الْمُتَوَلِي ويأمره أَن يَأْذَن للمارة بالنزول فِيهَا والدفن فِي الْمقْبرَة وَالشرب من السِّقَايَة بَعْدَمَا صب المَاء فِيهَا
وَلَو وقف أَرضًا على عمَارَة الْمَسَاجِد وَمَرَمَّة الرِّبَاط والمقابر جَازَ عِنْدهمَا
стр. 1059
فَأَما الْوَقْف على مَسْجِد بِعَيْنِه هَل يجوز اخْتلف الْمَشَايِخ فِيهِ قَالَ بَعضهم على الْخلاف على قَول مُحَمَّد لَا يجوز لِأَن هَذَا لَا يتأبد عِنْده فَإِن الْمَسْجِد إِذا خرب وَاسْتغْنى النَّاس عَن الصَّلَاة فِيهِ يعود ملكا لصَاحبه إِن كَانَ حَيا وَيصير مِيرَاثا لوَرَثَة الْوَاقِف بعد وَفَاته
وعَلى قَول أبي يُوسُف يجوز لِأَن عِنْده لَا يصير مِيرَاثا بالخراب فَإِنَّهُ يبْقى مَسْجِدا أبدا
وَقَالَ أَبُو بكر الْأَعْمَش يَنْبَغِي أَن يجوز بالِاتِّفَاقِ
وَقَالَ أَبُو بكر الإسكاف يَنْبَغِي أَن لَا يجوز بالِاتِّفَاقِ
وَأما حكم الصَّدَقَة إِذا قَالَ دَاري هَذِه صَدَقَة فِي الْمَسَاكِين فَإِنَّهُ يجب عَلَيْهِ أَن يتَصَدَّق إِن شَاءَ بِعَين الدَّار وَإِن شَاءَ بَاعهَا وَتصدق بِثمنِهَا على الْفُقَرَاء لِأَن الصَّدَقَة عِنْد الْإِطْلَاق تقع على تمْلِيك الرَّقَبَة دون التَّصَدُّق بِالسُّكْنَى وَالْغلَّة بِخِلَاف مَا إِذا قَالَ دَاري هَذِه صَدَقَة مَوْقُوفَة على الْمَسَاكِين أَنه ينْصَرف عِنْد أبي حنيفَة إِلَى التَّصَدُّق بالغلة لوُجُود التعارف
وَلَو قَالَ جَمِيع مَا أملك فَهُوَ صَدَقَة فَإِنَّهُ ينْصَرف إِلَى أَمْوَال الزَّكَاة من السوائم وأموال التِّجَارَة والصامت دون الْعقار وَالرَّقِيق وَعَلِيهِ أَن يتَصَدَّق بِالْكُلِّ ويمسك نَفَقَة نَفسه وَعِيَاله
ثمَّ إِذا ملك مَالا يتَصَدَّق بِمثل مَا أنْفق من المَال الَّذِي نذر بالتصدق بِهِ
стр. 1060
وَلَو قَالَ مَا لي صَدَقَة فِي الْمَسَاكِين فَإِنَّهُ لَا يدْخل فِيهِ السوائم وَالْعَقار وَالرَّقِيق وَيدخل أَمْوَال التِّجَارَة والصامت وَقد ذكرنَا فِيمَا سبق نَظَائِره وَبينا الْفرق فَلَا نعيده
وَالله تَعَالَى أعلم
انْتهى بِحَمْد الله تَعَالَى