Полный текст (1 060 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
كتاب الْحَظْر وَالْإِبَاحَة
سمى مُحَمَّد بن الْحسن ﵀ ومشايخنا هَذَا الْكتاب
كتاب الِاسْتِحْسَان
لما فِيهِ من الْمسَائِل الَّتِي استحسنها الْعقل وَالشَّرْع
وَالشَّيْخ أَبُو الْحسن الْكَرْخِي سَمَّاهُ كتاب الْحَظْر وَالْإِبَاحَة لما فِيهِ من بَيَان أَحْكَام الْحَظْر وَالْإِبَاحَة وَالْكَرَاهَة وَالنَّدْب على الْخُصُوص
وَبَدَأَ الْكتاب بِإِبَاحَة الْمس وَالنَّظَر إِلَى الرِّجَال وَالنِّسَاء فَنَقُول النسوان على أَرْبَعَة أَنْوَاع نوع مِنْهَا الزَّوْجَات والمملوكات بِملك الْيَمين
وَنَوع مِنْهَا الأجنبيات وَذَوَات الرَّحِم الَّتِي لَا يحرم نِكَاحهنَّ
وَنَوع آخر ذَوَات الرَّحِم الْمحرم والمحارم الَّتِي لَا رحم لَهَا كالمحرمة بِالرّضَاعِ والصهرية
وَنَوع آخر مملوكات الْغَيْر
أما النَّوْع الأول فَيحل للزَّوْج وللمالك النّظر والمس من قرنها إِلَى قدمهَا عَن شَهْوَة وَيحل الِاسْتِمْتَاع فِي الْفرج وَمَا دون الْفرج إِلَّا فِي حَالَة الْحيض فَإِنَّهُ لَا يُبَاح الْوَطْء فِي هَذِه الْحَالة مَا لم تطهر
وَهل يُبَاح الْجِمَاع فِيمَا دون الْفرج قَالَ أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف لَا
стр. 1017
يُبَاح الِاسْتِمْتَاع إِلَّا فَوق الْإِزَار
وَقَالَ مُحَمَّد يجْتَنب شعار الدَّم وَيحل لَهُ مَا وَرَاء ذَلِك من غير إِزَار
وَاخْتلف الْمَشَايِخ فِي تَفْسِير قَول أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف مَا فَوق الْإِزَار بَعضهم قَالُوا أَرَادَ مَا فَوق السُّرَّة من الْبَطن وَنَحْوه وَلَا يُبَاح مَا دون السُّرَّة إِلَى الرّكْبَة
وَقَالَ بَعضهم أَرَادَ بِهِ أَنه يحل الِاسْتِمْتَاع مَعَ الْإِزَار لَا مكشوفا
وَكَذَا لَا يحل الِاسْتِمْتَاع بالدبر عِنْد عَامَّة الْعلمَاء
وَقَالَ بعض أَصْحَاب الظَّوَاهِر يُبَاح
وَالْأَصْل فِي ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذين هم لفروجهم حافظون﴾ ﴿إِلَّا على أَزوَاجهم أَو مَا ملكت أَيْمَانهم فَإِنَّهُم غير ملومين﴾
من غير فصل إِلَّا أَن حَالَة الْحيض صَارَت مُسْتَثْنَاة لقَوْله تَعَالَى ﴿ويسألونك عَن الْمَحِيض قل هُوَ أَذَى﴾
وَصَارَ الِاسْتِمْتَاع بالدبر مُسْتَثْنى بأجماع الصَّحَابَة وَبِحَدِيث عَليّ ﵁ أَن النَّبِي ﵇ قَالَ من أَتَى حَائِضًا أَو امْرَأَة فِي دبرهَا أَو أَتَى كَاهِنًا فَصدقهُ فِيمَا يَقُول فَهُوَ كَافِر بِمَا أنزل على مُحَمَّد ﷺ
وَأما النّظر إِلَى عين الْفرج فمباح أَيْضا لِأَن الِاسْتِمْتَاع مُبَاح فالنظر أولى لَكِن لَيْسَ من الْأَدَب النّظر إِلَى فرج نَفسه أَو إِلَى فرجهَا
وأصل ذَلِك مَا رُوِيَ عَن عَائِشَة ﵂ أَنَّهَا قَالَت قبض رَسُول الله ﷺ وَمَا نظرت إِلَى مَا مِنْهُ وَمَا نظر إِلَى مَا مني
وَأما النَّوْع الثَّانِي وَهُوَ الْمَحَارِم من ذَوَات الرَّحِم والمحارم الَّتِي لَا وَالركبَة وَإِلَى الْبَطن وَالظّهْر وَيُبَاح النّظر إِلَى مَا سوى ذَلِك من الشّعْر والصدر والساعدين والساقين وَنَحْوهَا لقَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا يبدين زينتهن﴾ رحم لَهَا من الأجنبيات فَنَقُول
стр. 1018
النّظر حرَام إِلَى هَؤُلَاءِ إِلَى مَا بَين السُّرَّة ﴿إِلَّا لبعولتهن﴾
وَلَكِن هَذَا إِذا كَانَ غَالب رَأْيه أَنه لَا يَشْتَهِي
فَأَما إِذا كَانَ غَالب حَاله أَنه يَشْتَهِي فَلَا يُبَاح لَهُ النّظر
وَمَا عرفت من الْجَواب فِي حق النّظر فَهُوَ الْجَواب فِي حق الْمس أَنه لَا يُبَاح لَهُ مس الْأَعْضَاء الَّتِي لَا يُبَاح لَهُ النّظر إِلَيْهَا وَيُبَاح مس الْأَعْضَاء الَّتِي يُبَاح لَهُ النّظر إِلَيْهَا
وَهَذَا إِذا كَانَت الْأَعْضَاء مكشوفة
فَأَما إِذا كَانَت مَعَ الثِّيَاب وَاحْتَاجَ ذُو الرَّحِم الْمحرم إِلَى مس هَذِه الْأَعْضَاء الْأَرْبَعَة وَرَاء الثَّوْب للإركاب والإنزال والوضع فِي الْقَبْر واللحد فَلَا بَأْس بذلك إِذا كَانَ لَا يَشْتَهِي لأجل الْحَاجة
وَأما النَّوْع الثَّالِث وَهُوَ مملوكات الْغَيْر فَحكمهَا وَحكم ذَوَات الرَّحِم الْمحرم فِي حُرْمَة النّظر والمس سَوَاء
وَأما النَّوْع الرَّابِع وَهُوَ الأجنبيات وَذَوَات الرَّحِم بِلَا محرم فَإِنَّهُ يحرم النّظر إِلَيْهَا أصلا من رَأسهَا إِلَى قدمهَا سوى الْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ فَإِنَّهُ لَا بَأْس بِالنّظرِ إِلَيْهِمَا من غير شَهْوَة فَإِن كَانَ غَالب رَأْيه أَنه يَشْتَهِي يحرم أصلا
وَأما الْمس فَيحرم سَوَاء عَن شَهْوَة أَو عَن غير شَهْوَة وَهَذَا إِذا كَانَت شَابة
فَإِن كَانَت عجوزا فَلَا بَأْس بالمصافحة إِن كَانَ غَالب رَأْيه أَنه لَا
стр. 1019
يَشْتَهِي
وَلَا تحل المصافحة إِن كَانَت تشْتَهي وَإِن كَانَ الرجل لَا يَشْتَهِي
فَإِن كَانَ عِنْد الضَّرُورَة فَلَا بَأْس بِالنّظرِ وَإِن كَانَ يَشْتَهِي كَالْقَاضِي وَالشَّاهِد ينظر إِلَى وَجههَا عِنْد الْقَضَاء وَتحمل الشَّهَادَة أَو كَانَ يُرِيد تزَوجهَا لِأَن الْغَرَض لَيْسَ هُوَ اقْتِضَاء الشَّهْوَة على مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﵇ أَنه قَالَ للْمُغِيرَة بن شُعْبَة لَو نظرت إِلَيْهَا لأحرى أَن يُؤْدم بَيْنكُمَا
وَأما النّظر إِلَى الْقَدَمَيْنِ هَل يحرم ذكر فِي كتاب الِاسْتِحْسَان هِيَ عَورَة فِي حق النّظر وَلَيْسَ بِعَوْرَة فِي حق الصَّلَاة
وَكَذَا ذكر فِي الزِّيَادَات إِشَارَة إِلَى أَنَّهَا لَيست بِعَوْرَة فِي حق الصَّلَاة
وَذكر ابْن شُجَاع عَن الْحسن عَن أبي حنيفَة أَنَّهَا لَيست بِعَوْرَة فِي حق النّظر كالوجه وَالْكَفَّيْنِ
وَأما الرِّجَال فِي حق الرِّجَال فَيُبَاح لكل وَاحِد النّظر إِلَى الآخر سوى مَا بَين الرّكْبَة إِلَى السُّرَّة
وَالركبَة عَورَة عندنَا خلافًا للشَّافِعِيّ والسرة لَيست بِعَوْرَة عندنَا وَعِنْده عَورَة
وَكَذَلِكَ النِّسَاء فِي حق النِّسَاء يُبَاح النّظر إِلَى جَمِيع الْأَعْضَاء سوى مَا بَين الرّكْبَة إِلَى السُّرَّة
وَمَا يُبَاح النّظر يُبَاح الْمس من غير شَهْوَة
وَلَا يُبَاح الْمس وَالنَّظَر إِلَى مَا بَين السُّرَّة وَالركبَة إِلَّا فِي حَالَة الضَّرُورَة بِأَن كَانَت الْمَرْأَة ختانة تختن النِّسَاء أَو كَانَت تنظر إِلَى الْفرج لمعْرِفَة الْبكارَة أَو كَانَ فِي مَوضِع الْعَوْرَة قرح أَو جرح يحْتَاج إِلَى التَّدَاوِي وَإِن كَانَ لَا يعرف ذَلِك إِلَّا الرجل يكْشف ذَلِك الْموضع الَّذِي فِيهِ جرح وقرح فَينْظر إِلَيْهِ ويغض الْبَصَر مَا اسْتَطَاعَ
стр. 1020
وَكَذَا يُبَاح للنِّسَاء النّظر إِلَى الرِّجَال إِلَّا فِيمَا بَين السُّرَّة إِلَى الرّكْبَة لِأَن هَذَا لَيْسَ بِعَوْرَة فَإِن الرِّجَال قد يكونُونَ فِي إِزَار وَاحِد فِي الْأَسْوَاق وَلم يُنكر عَلَيْهِم أحد
стр. 1021
بَاب آخر قَالَ رجل رأى
إنْسَانا قتل أَبَاهُ عمدا بِالسِّلَاحِ أَو أقرّ عِنْده ثمَّ قَالَ الْقَاتِل إِنَّمَا قتلته لِأَنَّهُ قتل وليي عمدا أَو أَنه ارْتَدَّ عَن الْإِسْلَام وَلم يعرف الابْن ذَلِك إِلَّا بِدَعْوَاهُ فَإِنَّهُ يُبَاح لَهُ أَن يقْتَصّ مِنْهُ لَا يقبل قَوْله لِأَن الْقصاص ثَبت عِنْده لوُجُود الْقَتْل الْعمد ظَاهرا بالعيان أَو بِالْإِقْرَارِ فَإِن الْإِقْرَار حجَّة بِنَفسِهِ وَقَول الْقَائِل يحْتَمل الصدْق وَالْكذب فَلَا يعْتَبر إِلَّا بِحجَّة
وَلَو شهد عِنْده رجلَانِ عَدْلَانِ إِن هَذَا الرجل قتل أَبَاك عمدا بِالسِّلَاحِ فَإِنَّهُ لَا يُبَاح لَهُ أَن يقْتله لِأَن قَول الشَّاهِدين لَا يصير حجَّة بِدُونِ قَضَاء القَاضِي بِخِلَاف الْإِقْرَار والعيان
وَلَو شهد عِنْد الابْن شَاهِدَانِ على دَعْوَى الْقَاتِل أَنه قَتله بِحَق ينظر إِن كَانَ بِحَال لَو شَهدا عِنْد القَاضِي فَالْقَاضِي يقْضِي بِشَهَادَتِهِمَا فَإِنَّهُ لَا يتعجل بِالْقَتْلِ بل يتَوَقَّف إِلَى أَن يشهدَا عِنْد القَاضِي
وَإِن كَانَ بِحَال لَا يقبل القاضى قَوْلهمَا يُبَاح لَهُ أَن يقْتله للْحَال بَيَانه إِذا كَانَ الشَّاهِدَانِ محدودين فِي الْقَذْف أَو فاسقين أَو النِّسَاء وحدهن فَالْقَاضِي لَا يقْضِي بقَوْلهمْ وَيُبَاح لَهُ أَن يقْتله للْحَال
وَإِن كَانَا رجلَيْنِ عَدْلَيْنِ يتَوَقَّف
стр. 1022
وَكَذَلِكَ فِي الشَّاهِد الْوَاحِد يتَوَقَّف
وَرُوِيَ عَن مُحَمَّد فِي المحدودين أحب إِلَيّ أَن يتَوَقَّف لِأَن القَاضِي رُبمَا يقبل شَهَادَتهمَا على رَأْي الشَّافِعِي وَيكون اجْتِهَاده يُفْضِي إِلَيْهِ وَيَرَاهُ حَقًا وصوابا وَقَضَاء القَاضِي فِي فصل مُخْتَلف فِيهِ جَائِز
وَكَذَلِكَ فِي الْفَاسِقين وَالنِّسَاء وحدهن يجب أَن يكون الْجَواب كَذَلِك عِنْده لِأَن ذَلِك فصل مُخْتَلف فِيهِ أَيْضا
وَكَذَلِكَ الْجَواب فِيمَا إِذا رأى إنْسَانا أَخذ مَال أَبِيه أَو أقرّ عِنْده ثمَّ قَالَ كَانَ ذَلِك عِنْده وَدِيعَة لي فَأَخَذته أَو كَانَ لي عَلَيْهِ دين فاقتضيته فَلهُ أَن يَأْخُذهُ
وَلَو شهد رجلَانِ عِنْده بذلك لَيْسَ لَهُ أَن يَأْخُذ لما قُلْنَا
وَلَو أَن القَاضِي إِنَّمَا قضى فِي فصل مُجْتَهد فِيهِ وَهُوَ من أهل الِاجْتِهَاد بِرَأْيهِ والمقضى عَلَيْهِ فَقِيه مُجْتَهد يرى بِخِلَاف مَا يقْضِي بِهِ القَاضِي فَإِنَّهُ يجب عَلَيْهِ أَن يتْرك رَأْيه بِرَأْي القَاضِي سَوَاء كَانَ ذَلِك من بَاب الْحل أَو الْحُرْمَة أَو الْملك أَو الطَّلَاق أَو الْعتاق وَنَحْوه لِأَن قَضَاء القَاضِي فِي فصل مُجْتَهد فِيهِ ينفذ بِإِجْمَاع الْأمة لِأَن رَأْيه ترجح بِولَايَة القَاضِي وَهَذَا قَول مُحَمَّد
وَكَذَا قَالَ أَبُو يُوسُف فِيمَا لَيْسَ من بَاب الْحُرْمَة فَأَما إِذا كَانَ من بَاب الْحُرْمَة فَيتبع رَأْي نَفسه احْتِيَاطًا فِي بَاب الْحُرْمَة بَيَانه رجل قَالَ لامْرَأَته أَنْت طَالِق أَلْبَتَّة وَهُوَ رجل فَقِيه فِي زَعمه واجتهاده أَنه طَلَاق ثَلَاث أَو بَائِن فَرفعت الْمَرْأَة الْأَمر إِلَى القَاضِي ورأيه أَنه طَلَاق وَاحِد يملك الرّجْعَة فَقضى بِالْحلِّ للْمَرْأَة عَلَيْهِ يحل للزَّوْج وَطْؤُهَا وَيصير رَأْيه متروكا بِرَأْي القَاضِي عِنْد مُحَمَّد وَعند أبي يُوسُف بِخِلَافِهِ
стр. 1023
وَلَو كَانَ رَأْي الزَّوْج أَن هَذَا طَلَاق رَجْعِيّ ورأي القَاضِي أَنه طَلَاق بَائِن أَو ثَلَاث فَقضى بِالْحُرْمَةِ يحرم عَلَيْهِ وَطْؤُهَا فِي الْقَوْلَيْنِ
وَلَو كَانَ الرجل الْمُطلق لَيْسَ بفقيه فَأفْتى لَهُ الْفُقَهَاء بِأَن هَذَا طَلَاق محرم وَرفعت الْأَمر إِلَى القَاضِي وَقضى القَاضِي بِالْحلِّ يحل لَهُ وَطْؤُهَا لِأَن فَتْوَى الْفُقَهَاء للمطلق بِمَنْزِلَة الِاجْتِهَاد مِنْهَا فَيجب عَلَيْهِ ترك الْفَتْوَى بِرَأْي القَاضِي عِنْد مُحَمَّد خلافًا لأبي يُوسُف
وَإِذا كَانَت الْمَسْأَلَة على الْعَكْس فَالْجَوَاب كَذَلِك أَنه يتبع رَأْي القَاضِي من الْقَوْلَيْنِ
وَلَو أَن فَقِيها مُجْتَهدا قَالَ لامْرَأَته أَنْت طَالِق أَلْبَتَّة ورأيه أَنه ثَلَاث وعزم على الْحُرْمَة وأمضى رَأْيه فِيمَا بَينه وَبَينهَا وأجنب عَنْهَا ثمَّ تحول رَأْيه إِلَى أَنه طَلَاق يملك الرّجْعَة يجب الْعَمَل بِالرَّأْيِ الأول فِي حق هَذِه الْمَرْأَة حَتَّى لَا يحل لَهُ وَطْؤُهَا إِلَّا بِنِكَاح جَدِيد أَو بعد الزَّوْج الثَّانِي وبالرأي الثَّانِي فِي الْمُسْتَقْبل فِي حَقّهَا وَفِي حق غَيرهَا لِأَن مَا أمضى بِالِاجْتِهَادِ لَا ينْقض بِاجْتِهَاد مثله
وَلَو لم يعزم على الْحُرْمَة وَلم يمض اجْتِهَاده بَينه وَبَينهَا حَتَّى تحول رَأْيه إِلَى الْحل وَأَنه طَلَاق رَجْعِيّ لَهُ أَن يَطَأهَا وَلَا تقع الْفرْقَة لِأَنَّهُ لم يُوجد إِمْضَاء الِاجْتِهَاد الأول فَصَارَ كَالْقَاضِي إِذا كَانَ رَأْيه التَّحْرِيم فَقيل أَن يقْضِي تحول رَأْيه إِلَى الْحل يعْمل بِالرَّأْيِ الثَّانِي وَيَقْضِي بِالْحلِّ فِي حق هَذِه الْمَرْأَة فَكَذَا هَذَا
стр. 1024
بَاب آخر مِنْهُ لَا خلاف
بَين الْأمة فِي إِبَاحَة اسْتِعْمَال الْحَرِير للنِّسَاء لبسا واستفراشا وجلوسا عَلَيْهِ وَنَحْو ذَلِك
فَأَما فِي حق الرِّجَال فاللبس حرَام بِالْإِجْمَاع بِأَن جعله قبَاء أَو قيمصا أَو قلنسوة وَهُوَ حَرِير خَالص فِي غير حَالَة الْحَرْب
فَأَما فِي حَال الْحَرْب فَكَذَلِك عِنْد أبي حنيفَة وَعِنْدَهُمَا يُبَاح اللّبْس فِي حَال الْحَرْب
وَهَذَا إِذا كَانَ كُله حَرِيرًا
فَأَما إِذا كَانَ لحْمَته حَرِيرًا فَلَا يكره فِي الْحَرْب بِالْإِجْمَاع وَيكرهُ فِي غَيره
وَإِذا كَانَ السدى حَرِيرًا لَا غير لَا يكره بِالْإِجْمَاع
وَأَصله قَوْله ﵇ على مَا رَوَاهُ عَليّ بن أبي طَالب ﵁ أَن النَّبِي ﵇ أَخذ حَرِيرًا بِشمَالِهِ وذهبا بِيَمِينِهِ وَرفع بهما يَدَيْهِ وَقَالَ إِن هذَيْن حرَام على ذُكُور أمتِي حل لإناثها ف أَبُو حنيفَة أَخذ بِعُمُوم الحَدِيث وَلم يفصل بَين الْحَرْب وَغَيره
وهما قَالَا بِالْإِبَاحَةِ فِي حق أهل الْحَرْب لِأَن لِبَاس الْحَرِير أهيب لِلْعَدو وَأثبت للسلاح فخصا أهل الْحَرْب من عُمُوم الحَدِيث وَلَكِن أَبَا حنيفَة قَالَ هَذَا الْمَعْنى يحصل بِمَا إِذا كَانَ لحْمَته حَرِيرًا فَلَا ضَرُورَة فِي الْحَرِير الْخَالِص
وَأما لِبَاس الصّبيان والمجانين فَحَرَام على الْأَوْلِيَاء ويأثمون
стр. 1025
بذلك
أما لَا حُرْمَة فِي حَقهم فَلِأَنَّهُ لَا خطاب عَلَيْهِم
وَأما النّوم على الْحَرِير واستعماله فِي الْجُلُوس عَلَيْهِ والاتكاء عَلَيْهِ فَجَائِز عِنْد أبي حنيفَة لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَعْظِيم بِخِلَاف اللبَاس
وَعِنْدَهُمَا لَا يجوز للرِّجَال أَيْضا لِأَنَّهُ لِبَاس الْكَفَرَة من الْأَعَاجِم
وَلَكِن الْقَلِيل من الْحَرِير عَفْو فِي حق اللّبْس وَذَلِكَ مِقْدَار ثَلَاث أَصَابِع أَو أَربع فَإِن النَّبِي ﵇ لبس فَرْوَة أطرافها من حَرِير وَكَذَلِكَ الْعلم فِي الثِّيَاب مُعْتَاد من غير نَكِير من أحد فَيكون إِجْمَاعًا
وَأما اسْتِعْمَال الذَّهَب وَالْفِضَّة بطرِيق التحلي فمباح فِي حق النِّسَاء وَفِي حق الرِّجَال حرَام سوى التَّخَتُّم بِالْفِضَّةِ
لما روينَا من الحَدِيث وَجَاءَت الرُّخْصَة فِي الْخَاتم
وَأما اسْتِعْمَال الْأَوَانِي من الذَّهَب وَالْفِضَّة فِي الشّرْب وَالْأكل والأدهان وَنَحْو ذَلِك مِمَّا يسْتَعْمل فِي الْبدن فَحَرَام فِي حق الرِّجَال وَالنِّسَاء جَمِيعًا حَتَّى المكحلة والمرآة والمجمر وَنَحْوهَا وَكَذَلِكَ الركاب واللجام والثفر والكرسي والسرير وَنَحْوهَا
أما إِذا كَانَ ففا أَو مضببا فَلَا بَأْس بِاسْتِعْمَالِهِ عِنْد أبي حنيفَة وَكَذَلِكَ إِذا كَانَ على السَّيْف
وَعِنْدَهُمَا يكره ذَلِك كُله لِأَن الذَّهَب وَالْفِضَّة صَارا من أَجزَاء ذَلِك الشَّيْء
وَأَبُو حنيفَة يَقُول إِنَّه تبع لما لَيْسَ بِذَهَب وَفِضة والعبر للْأَصْل وَهَذَا فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ
وَفِي رِوَايَة إِذا كَانَ فَمه عِنْد الشّرْب يَقع على الْعود لَا يكره وَإِن كَانَ يَقع على الْفضة يكره
وَكَذَا إِذا كَانَ الْجُلُوس على الْكُرْسِيّ المف وَالْمذهب على هَاتين الرِّوَايَتَيْنِ إِن كَانَ الْجُلُوس على مَوضِع الْعود لَا يكره وَإِن كَانَ على الْفضة يكره
وَفِي رِوَايَة لَا يكره أصلا
стр. 1026
وهما رخصا فِي الْمُصحف فِي رِوَايَة
وَفِي رِوَايَة يكره فِي الْمُصحف أَيْضا
وَهَذَا إِذا كَانَ الذَّهَب مِمَّا يخلص بالإذابة
فَأَما إِذا كَانَ مموها بِمَاء الذَّهَب وَالْفِضَّة فَلَا بَأْس بِهِ لِأَنَّهُ لَا يخلص عِنْد الإذابة
وَكَذَا كِتَابَة الذَّهَب وَالْفِضَّة على الثِّيَاب فعلى هَذَا الِاخْتِلَاف
وَإِذا جدع أَنفه فَجعل أنفًا من فضَّة لإِزَالَة الشين لَا يكره وَلَو جعل من الذَّهَب لَا يكره أَيْضا لِأَنَّهُ إِذا كَانَ من الْفضة ينتن فَرخص فِي ذَلِك وَفِي عين هَذَا ورد الْأَثر
وَلَو تحرّك سنه فشدها بِذَهَب أَو فضَّة فَلَا بَأْس بِهِ عِنْد أبي حنيفَة
وَفِي الْجَامِع الصَّغِير لَا يشدها بِالذَّهَب
وَعند مُحَمَّد لَا بَأْس بِهِ
وَكَانَ أَبُو حنيفَة لَا يرى بَأْسا بشدها بِالْفِضَّةِ لِأَنَّهُ لَا حَاجَة إِلَى الذَّهَب
وَلَو خيف سُقُوط الفص من خَاتم الْفضة فَشد بمسمار من ذهب فَلَا بَأْس بِهِ بالِاتِّفَاقِ لأجل الضَّرُورَة
وَلَو سَقَطت سنّ إِنْسَان وَأَرَادَ أَن يُعِيدهَا ويشدها بِالذَّهَب وَالْفِضَّة يكره عِنْد أبي حنيفَة كَمَا لَو وضع سنّ ميت آخر يكره
وَقَالَ أَبُو يُوسُف لَا بَأْس بِإِعَادَة سنه مَكَانهَا وَلَا يشبه سنه سنّ ميت آخر وَبَينهمَا فصل عِنْدِي وَإِن لم يحضرني ذَلِك
ثمَّ ذكر فِي الْكتاب مسَائِل ذكرهَا مُتَفَرِّقَة فِي الْكتب وَقد جمعهَا هَاهُنَا وَقد ذَكرنَاهَا فِي موَاضعهَا فَلَا نعيدها وَنَذْكُر بعض مَا لم نذكرهُ
وَمِنْهَا أَنه يكره شرب لبن الأتان للتداوي بالِاتِّفَاقِ أما عِنْد أبي حنيفَة فَلَا يشكل كَمَا فِي بَوْل مَا يُؤَكد لَحْمه
وَأَبُو يُوسُف فرق
стр. 1027
وَقَالَ الأَصْل هُوَ الْكَرَاهَة لقَوْله ﵇ إِن الله تَعَالَى لم يَجْعَل شفاءكم فِيمَا حرم عَلَيْكُم وَلَكِن فِي الْبَوْل ورد حَدِيث خَاص فَبَقيَ الْبَاقِي على الأَصْل
وَقَالَ لَا بَأْس بعيادة الْيَهُودِيّ وَالنَّصْرَانِيّ للْحَدِيث الْوَارِد فِيهِ وَلأَجل إلْف أهل الذِّمَّة خُصُوصا فِي حَال الْمَرَض مِمَّا يَدعُوهُم إِلَى الدّين الْحق
أما السَّلَام فَقَالُوا يكره لما فِيهِ من التَّعْظِيم وتعظيمهم مَكْرُوه
وَأما رد السَّلَام فَلَا بَأْس بِهِ لِأَن الِامْتِنَاع من ذَلِك يؤذيهم وَالْإِحْسَان فِي حَقهم مَنْدُوب لَكِن يَنْبَغِي أَن لَا يزِيد على قَوْله وَعَلَيْكُم لِأَنَّهُ قيل إِنَّهُم يَقُولُونَ السام عَلَيْكُم فيجابون بقوله وَعَلَيْكُم بطرِيق المجازاة
وَهل يكره منع هَؤُلَاءِ من الدُّخُول فِي الْمَسَاجِد قَالَ مَالك يمْنَعُونَ عَن دُخُول الْمَسْجِد الْحَرَام وَعَن كل مَسْجِد
وَقَالَ الشَّافِعِي يمْنَعُونَ عَن دُخُول الْمَسْجِد الْحَرَام لَا غير
وَعِنْدنَا لَا يمْنَعُونَ عَن دُخُول شَيْء من الْمَسَاجِد وَذَلِكَ لِأَن الْمُشْركين كَانُوا يدْخلُونَ الْمَسْجِد الْحَرَام عِنْد رَسُول الله ﷺ لعرض الْإِسْلَام عَلَيْهِم وَنَحْو ذَلِك
وَيكرهُ للْمَرْأَة أَن تصل شعرهَا الْمَقْطُوع بشعرها وَكَذَا بِشعر غَيرهَا لقَوْله ﵇ لعن الله الْوَاصِلَة وَالْمسْتَوْصِلَة
وَلَا بَأْس بِأَن تصل شعرهَا بِشعر الْبَهِيمَة لِأَن ذَلِك من بَاب الزِّينَة وَهِي غير مَمْنُوعَة عَنْهَا للزَّوْج
وَيكرهُ اللّعب بالنرد وَالشطْرَنْج
وَالْأَرْبَعَة عشر وكل لَهو لقَوْله
стр. 1028
عَلَيْهِ السَّلَام مَا أَنا من دَد وَلَا الدَّد مني
وَبَعض أَصْحَاب الحَدِيث أباحوا اللّعب بالشطرنج لما فِيهِ من تشحيذ الخاطر
وَلَكِن الصَّحِيح هُوَ الْكَرَاهَة على مَا روينَا كل لعب حرَام إِلَّا ثَلَاثَة
وَهَذَا إِذا لم يكن فِيهِ قمار
فَأَما إِذا كَانَ فِيهِ قمار فَهُوَ حرَام مَحْض لثُبُوت حرمته بِنَصّ الْكتاب وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْخمر وَالْميسر والأنصاب والأزلام رِجْس من عمل الشَّيْطَان فَاجْتَنبُوهُ﴾
وَلَو أَن حَامِلا مَاتَت وَفِي بَطنهَا ولد يضطرب فَإِن كَانَ غَالب الظَّن أَنه ولد حَيّ وَهُوَ فِي مُدَّة يعِيش غَالِبا فَإِنَّهُ يشق بَطنهَا لِأَن فِيهِ إحْيَاء الْآدَمِيّ بترك تَعْظِيم الْآدَمِيّ وَترك التَّعْظِيم أَهْون من مُبَاشرَة سَبَب الْمَوْت
وَلَو ابتلع إِنْسَان درة رجل فَمَاتَ لم يشق بَطْنه لإِخْرَاج الدرة لِأَن حُرْمَة النَّفس فَوق حُرْمَة المَال
وَإِن كَانَ الَّذِي ابتلع غَنِيا يضمن قيمَة الدرة لصَاحِبهَا
وَإِن كَانَ فَقِيرا فَيكون لَهُ ثَوَاب التَّصَدُّق بهَا وَالله تَعَالَى أعلم
стр. 1029
كتاب السَّبق
قَالَ لَا بَأْس بالمسابقة فِي أَرْبَعَة أَشْيَاء فِي النصل والحافر والخف والقدم لما رُوِيَ عَن النَّبِي ﵇ أَنه قَالَ كل لعب حرَام إِلَّا ثَلَاث ملاعبة الرجل أَهله ورميه عَن قوسه وتأديبه فرسه
وَتَفْسِير الْمُسَابقَة فِي النصل هُوَ الرَّمْي بِالسِّهَامِ والرماح وكل سلَاح يُمكن أَن يرْمى بِهِ
فَكَانَت الْمُسَابقَة بذلك من بَاب تعلم أَسبَاب الْجِهَاد فَكَانَ مرخصا وَإِن كَانَ فِي الأَصْل من اللّعب
وَتَفْسِير الْمُسَابقَة بالحافر هُوَ عَدو الْفرس وَالْحمار والبغل
وَالْمرَاد بالخف هُوَ الْإِبِل وَالْبَقر لِأَنَّهُ قد يركب عَلَيْهَا فِي بَاب الْجِهَاد بعض النَّاس
وَالْمرَاد بالمسابقة بالقدم هُوَ الْمَشْي بالقدم وَهَذَا مِمَّا يحْتَاج إِلَيْهِ للكر وللفر فِي الْجِهَاد
فَكَانَ من رياضة النَّفس
وَأَصله مَا رُوِيَ عَن عَائِشَة ﵂ أَنَّهَا قَالَت سابقت النَّبِي ﵇ فسبقته فَلَمَّا حملت اللَّحْم سابقته فَسَبَقَنِي فَقلت هَذِه بِتِلْكَ
ثمَّ الْمُسَابقَة على أَرْبَعَة أوجه فَثَلَاثَة أوجه مِنْهَا حَلَال وَالرَّابِع حرَام
أما أحد الْأَوْجه الْحَلَال بِأَن كَانَ السُّلْطَان أَو أحد من الرؤساء إِذا
стр. 1030
قَالَ لجَماعَة من الفرسان أَو لاثْنَيْنِ من سبق مِنْكُم فَلهُ كَذَا أَو إِن سبق فَلَا شَيْء عَلَيْهِ فَمن سبق جعل لَهُ خطر
وَكَذَا إِذا قَالَ لجَماعَة من الرُّمَاة إِلَى الهدف من أصَاب مِنْكُم الهدف فَلهُ كَذَا لِأَن هَذَا تحريض لَهُم على فعل هُوَ سَبَب الْجِهَاد فِي الْجُمْلَة
وَالتَّرْجِيح من الإِمَام فِي الْغَنِيمَة لبَعض الْغُزَاة تحريضا لَهُم على الْجِهَاد جَائِز بِأَن قَالَ من قتل قَتِيلا فَلهُ سلبه وَمن دخل الْحصن أَولا فَلهُ من النَّفْل كَذَا مَعَ أَن الْغَنِيمَة حق الْغُزَاة فِي الْجُمْلَة فَهَذَا يُعْطي من مَاله فأحق بِالْجَوَازِ
وَالثَّانِي أَن يسابق رجلَانِ أَو يسابق جمَاعَة فِي السِّهَام أَو فِي الْفرس أَو الْمَشْي بالقدم وَقَالَ لصَاحبه إِن سبقتني فلك كَذَا وَإِن سبقتك فَلَا شَيْء عَلَيْك فَهَذَا مُبَاح لِأَن الْخطر فِيهِ من أحد الْجَانِبَيْنِ
وَالثَّالِث إِن كَانَ الْخطر من الِاثْنَيْنِ أَو من الْجَمَاعَة وَمَعَهُمْ مُحَلل يَأْخُذ خطرهم إِن سبق وَلَا يغرم وَإنَّهُ سبق فَهَذَا جَائِز
الرَّابِع أَن يكون الْخطر من كل وَاحِد على أَنه إِن سبق فَلهُ الْخطر وَإِن سبق فَيغرم لصَاحبه مثله فَهَذَا لَا يجوز لِأَن هَذَا من بَاب الْقمَار وَإِن حرَام
ثمَّ إِنَّمَا يجوز الرِّهَان والمسابقة فِيمَا يجوز أَن يسْبق أَحدهمَا ويسبق الآخر
فَأَما إِذا كَانَ فِي مَوضِع يعلم من حَيْثُ الْغَالِب أَنه يسْبق أَحدهمَا فَإِن ذَلِك لَا يجوز لِأَن هَذَا إِيجَاب المَال للْغَيْر على نَفسه بِشَرْط لَا مَنْفَعَة لَهُ فِيهِ وَإِنَّمَا جَوَّزنَا ذَلِك فِي الْفَصْل الأول لِأَنَّهُ تحريض على مُبَاشرَة سَبَب الْجِهَاد فِي الْجُمْلَة
стр. 1031
كتاب الْمَفْقُود
قَالَ يحْتَاج إِلَى تَفْسِير الْمَفْقُود وَإِلَى بَيَان أَحْكَامه على الْخُصُوص
أما الأول فالمفقود هُوَ الَّذِي غَابَ عَن بَلَده بِحَيْثُ لَا يعرف أَثَره وَمضى على ذَلِك زمَان وَلم يظْهر أَثَره
وَأما حكمه فنوعان أَحدهمَا فِي الْحَال وَالثَّانِي فِي الْمَآل
أما حكم الْمَآل إِذا تطاول الزَّمَان بَعْدَمَا فقد من وَقت وِلَادَته بِحَيْثُ لَا يعِيش مثله إِلَى ذَلِك الزَّمَان بِيَقِين أَو من حَيْثُ الْغَالِب يحكم بِمَوْتِهِ
وَتَقَع الْفرْقَة بَينه وَبَين نِسَائِهِ
وَيعتق أُمَّهَات أَوْلَاده ومدبروه
وَيقسم مَاله بَين ورثته
وَلَا يَرث هُوَ من أحد
وَلم يقدر فِي ظَاهر الرِّوَايَة تَقْديرا فِي ذَلِك
وروى ابْن زِيَاد عَن أبي حنيفَة أَنه قدر ذَلِك بِمِائَة وَعشْرين سنة من وَقت الْولادَة
стр. 1032
وَأما حكم الْحَال فَهُوَ أَن القَاضِي هُوَ الْحَافِظ لمَاله والمتصرف فِيهِ فِيمَا يرجع إِلَى الْحِفْظ
فَإِن كَانَ شَيْئا مِمَّا يتسارع إِلَيْهِ الْفساد فَإِنَّهُ يَبِيعهُ ويحفظ ثمنه
وَكَذَا إِذا كَانَ عرُوضا وَحفظ الثّمن أيسر فَلَا بَأْس بِبيعِهِ
وَلَا يَبِيع الْعقار أصلا
وَإِن كَانَ لَهُ ودائع يتْرك فِي أَيْديهم لكَوْنهم أُمَنَاء مَا دَامَ الْمَفْقُود فِي حكم الْأَحْيَاء
ثمَّ إِن لَهُ أَن ينْفق من مَاله على نِسَائِهِ إِن كَانَ يعلم بِبَقَاء النِّكَاح بَينهمَا
وَكَذَا على أَوْلَاده الصغار والذكور الْكِبَار الزمنى وَالْإِنَاث
وَإِن لم يكن لَهُ مَال وَله ودائع فَإِنَّهُ ينْفق من ذَلِك إِذا كَانَ من جنس الطَّعَام وَالثيَاب وَالدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير
وَلَا يَبِيع الْعرُوض للنَّفَقَة على هَؤُلَاءِ وَلَكِن للْأَب أَن يَبِيع الْعرُوض فِي نَفَقَته لِأَن للْأَب ولَايَة التَّصَرُّف فِي مَال الابْن فِي الْجُمْلَة وَإِن لم يكن من بَاب الْحِفْظ بِخِلَاف القَاضِي
وَهَذَا إِذا كَانَ الْمُودع مقرا بالوديعة وبالنكاح وبالنسب
فَأَما إِذا كَانَ مُنْكرا فَإِنَّهُ لَا يسمع عَلَيْهِ الْخُصُومَة فِي إِثْبَات المَال وَلَا فِي إِثْبَات النِّكَاح وَالنّسب لِأَن هَذَا قَضَاء على الْغَائِب من غير أَن يكون عَنهُ خصم حَاضر وَإنَّهُ غير جَائِز عندنَا
وَلَو مَاتَ وَاحِد من أقربائه فَإِنَّهُ لَا يَرث حَتَّى لَا يَأْخُذ القَاضِي حِصَّته من تَرِكَة الْمَيِّت فيحفظ على الْمَفْقُود وَلَكِن يُوقف حَتَّى يظْهر أمره لِأَنَّهُ حَيّ من حَيْثُ الظَّاهِر وَالظَّاهِر لَا يصلح حجَّة لاسْتِحْقَاق أَمر لم يكن وَلَكِن لما كَانَت الْحَيَاة ثابته ظَاهرا اعْتبر فِي حق التَّوَقُّف
стр. 1033
كتاب اللَّقِيط واللقطة
وَجعل الْآبِق قَالَ يحْتَاج إِلَى تَفْسِير اللَّقِيط واللقطة والآبق والضالة وَإِلَى بَيَان أَحْكَامهَا على الْخُصُوص
أما الأول فَنَقُول أما اللَّقِيط فَمَا يلتقط وَيُؤْخَذ مِمَّا طرح على الأَرْض من صغَار بني آدم
واللقطة مَا يلتقط مِمَّا يُوجد مطروحا على الأَرْض من الْأَمْوَال من غير الْحَيَوَان
والآبق هُوَ الْمَمْلُوك الَّذِي فر من صَاحبه قصدا
والضالة هِيَ الدَّابَّة الَّتِي ندت وضلت الطَّرِيق إِلَى مربطها
وَأما الثَّانِي فَنَقُول أما حكم اللَّقِيط فَنَقُول إِن اللَّقِيط يُسَاوِي الصَّبِي الَّذِي لَيْسَ بلقيط فِي عَامَّة الْأَحْكَام
وَله أَحْكَام على الْخُصُوص
стр. 1034
مِنْهَا أَن الْتِقَاطه وَاجِب على كل من وجده لِأَن فِي تَركه ضيَاعه فَيجب عَلَيْهِ صيانته
وَمِنْهَا أَنه إِذا التقطه فَإِن شَاءَ تبرع بتربيته والإنقاف عَلَيْهِ وَإِن شَاءَ رفع الْأَمر إِلَى السُّلْطَان ليأمر بتربيته أحدا من مَال بَيت المَال والإنفاق عَلَيْهِ لِأَن بَيت المَال معد لحوائج جَمِيع الْمُسلمين
وَهَذَا إِذا لم يكن لَهُ مَال
فَإِن كَانَ لَهُ مَال بِأَن وجد الْمُلْتَقط مَعَه مَالا فَيكون مَال اللَّقِيط فنفقته من ذَلِك المَال لِأَنَّهُ غير مُحْتَاج فَلَا يثبت حَقه فِي بَيت المَال
وَلَو أنْفق عَلَيْهِ الْمُلْتَقط ليرْجع عَلَيْهِ بعد بُلُوغه فَإِن كَانَ بِإِذن القَاضِي لَهُ أَن يرجع وَإِلَّا فَيكون مُتَبَرعا
وَمِنْهَا أَن الْولَايَة عَلَيْهِ للسُّلْطَان فِي حق الْحِفْظ وَفِي حق التَّزْوِيج لقَوْله ﵇ السُّلْطَان ولي من لَا ولي لَهُ وَلَيْسَ للملتقط ولَايَة التَّزْوِيج
وَإِذا زوجه السُّلْطَان فالمهر فِي بَيت المَال إِلَّا إِذا كَانَ للقيط مَال فَيكون فِي مَاله
وَمِنْهَا الولا فَيكون وَلَاؤُه لبيت المَال حَتَّى إِنَّه إِذا جنى على إِنْسَان خطأ فَإِن ذَلِك يكون فِي بَيت المَال لِأَن عَاقِلَته جَمِيع الْمُسلمين فَيكون عقله من مَالهم وَهُوَ مَال بَيت المَال
وَكَذَلِكَ مِيرَاثه لبيت المَال إِذا لم يظْهر لَهُ وَارِث
وَمِنْهَا حكم الْحُرِّيَّة فَهُوَ حر من حَيْثُ الظَّاهِر لِأَن دَار الْإِسْلَام دَار حريَّة فيبني على الظَّاهِر
وَلَو ادّعى الْمُلْتَقط أَنه عَبده فَإِن لم يقر بِأَنَّهُ لَقِيط فَالْقَوْل قَوْله لِأَن الصَّغِير لَا يَد لَهُ فَهُوَ وَسَائِر الْأَمْوَال سَوَاء فَإِذا كَانَ فِي يَده فَهُوَ
стр. 1035
ملكه ظَاهرا فَيكون القَوْل قَوْله
فَأَما إِذا أقرّ أَنه لَقِيط فَلَا يَصح دَعْوَاهُ لِأَنَّهُ ثبتَتْ حُرِّيَّته ظَاهرا
وَلَو بلغ اللَّقِيط وَأقر أَنه عبد فلَان إِن لم يجز عَلَيْهِ حكم الْأَحْرَار من قبُول شَهَادَته وَضرب قَاذفه وَنَحْو ذَلِك يَصح إِقْرَاره
وَإِن أجْرى عَلَيْهِ من أَحْكَام الْحُرِّيَّة شَيْء لَا يَصح
وَمِنْهَا حكم النّسَب إِذا ادّعى الْمُلْتَقط أَو غَيره أَنه ابْنه وَالْمُدَّعِي مُسلم أَو ذمِّي فَالْقِيَاس أَن لَا يَصح دَعْوَاهُ إِلَّا بِالْبَيِّنَةِ
وَفِي الِاسْتِحْسَان يَصح لِأَن فِي هَذَا نفع للصَّغِير
وَلَو ادَّعَاهُ رجلَانِ أَحدهمَا مُسلم وَالْآخر ذمِّي فَإِنَّهُ يثبت نسبه من الْمُسلم
وَلَو ادّعى الْمُسلم أَنه عَبده وَالذِّمِّيّ أَنه ابْنه فَإِنَّهُ يثبت نسبه من الذِّمِّيّ حَتَّى يثبت لَهُ الْحُرِّيَّة وَيكون مُسلما لِأَن حكمه حكم دَار الْإِسْلَام
وَلَو كَانَا مُسلمين وَأَحَدهمَا عبد مَأْذُون أَو مكَاتب فالنسب يثبت من الْحر
وَلَو كَانَا حُرَّيْنِ مُسلمين فَإِن لم يكن لَهما بَيِّنَة وَلم يذكر أَحدهمَا عَلامَة أَو ذكرا جَمِيعًا الْعَلامَة أَو أَقَامَا جَمِيعًا الْبَيِّنَة فَهُوَ بَينهمَا
وَإِن كَانَ لأَحَدهمَا بَيِّنَة أَو ذكر الْعَلامَة وَلم يكن للْآخر ذَلِك فَالْأول أولى لِأَنَّهُ ترجح جَانِبه بمرجح
وَإِن ادَّعَت امْرَأَة اللَّقِيط أَنه ابْنهَا فَإِن لم يكن لَهَا زوج لَا يَصح لِأَن فِي ذَلِك حمل النّسَب على الْغَيْر وَإِن كَانَ لَهَا زوج فصدقها أَو شهِدت لَهَا الْقَابِلَة أَو شَاهِدَانِ يثبت النّسَب بَينهمَا
стр. 1036
وَلَو ادَّعَت امْرَأَتَانِ فَإِن لم يكن لَهما بَيِّنَة لَا تقبل
وَإِن أَقَامَا الْبَيِّنَة على أَنه ابْنهَا من فلَان فَعَن أبي حنيفَة أَنه يقبل مِنْهُمَا وَمن الرجل
وَعَن مُحَمَّد رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَة أبي حَفْص يَجْعَل ابنهما وَفِي رِوَايَة أبي سُلَيْمَان لَا يَجْعَل ابنهما
وَأما حكم الْإِسْلَام فقد اخْتلفت الرِّوَايَة عَن أَصْحَابنَا فَفِي ظَاهر الرِّوَايَات اعْتبر الْمَكَان دون الْوَاجِد فَإِن وجد فِي دَار الْإِسْلَام يكون مُسلما
وَإِن وجد فِي كَنِيسَة الْيَهُود أَو فِي بيعَة النَّصَارَى أَو فِي قَرْيَة كلهم أهل الذِّمَّة فَهُوَ تبع لَهُم
وَفِي رِوَايَة اعْتبر الْوَاجِد كَيْفَمَا كَانَ دون الْمَكَان
وَفِي رِوَايَة اعْتبر جَانب الْإِسْلَام إِمَّا الْوَاجِد أَو الْمَكَان
وَأما حكم اللّقطَة على الْخُصُوص فَمِنْهَا أَن من ظفر على لقطَة فالأخذ أولى
أما التّرْك فَقَالُوا إِن كَانَ يَأْمَن على نَفسه أَنه يعرفهَا ويردها على صَاحبهَا وَلَا محَالة أَو غَالِبا فالأخذ أولى لِأَنَّهُ رُبمَا يَأْخُذهُ فَاسق لَو تَركه
وَأما إِذا كَانَ لَا يَأْمَن على نَفسه فالترك أولى لِأَن صيانه نَفسه عَن الْوُقُوع فِي الْفساد أولى مَعَ احْتِمَال أَن يَأْخُذهُ مصلح فيصل إِلَى صَاحبه أَيْضا
وَإِذا أَخذ وَأَرَادَ أَن يَضَعهَا مَكَانهَا وَنَدم على الْأَخْذ فوضعها هَل يضمن فِي ظَاهر الرِّوَايَة لَا يضمن وَفِي بعض الرِّوَايَات يضمن وَهُوَ قَول الشَّافِعِي
وَلَو دَفعهَا إِلَى غَيره بِغَيْر إِذن القَاضِي فَإِنَّهُ يضمن لِأَنَّهُ يجب عَلَيْهِ حفظهَا بِنَفسِهِ بالتزامه الْحِفْظ بالالتقاط
وَلَو هكلت فِي يَده فَإِن أشهد على اللّقطَة بِأَن قَالَ للنَّاس إِنِّي
стр. 1037
وجدت لقطَة فَمن طلبَهَا فدلوه عَليّ فَإِنَّهُ لَا يضمن
وَلَو لم يشْهد فَعِنْدَ أبي حنيفَة يضمن وَعِنْدَهُمَا لَا يضمن إِذا كَانَ أَخذه ليَرُدهُ إِلَى صَاحبه وَيحلف على ذَلِك إِن لم يصدقهُ صَاحبه
ثمَّ الْمُلْتَقط إِذا أَخذه ليَرُدهُ إِلَى صَاحبه وَأشْهد يَنْبَغِي أَن يرفع الْأَمر إِلَى القَاضِي فَإِن كَانَت اللّقطَة حَيَوَانا فَالْقَاضِي يَأْمُرهُ حَتَّى يؤاجرها فَتكون نَفَقَتهَا ومؤونتها من الْأُجْرَة إِن رأى الْمصلحَة فِي ذَلِك
وَإِن لم ير الْمصلحَة فِي الْإِجَارَة فَإِن رأى أَن يَأْمُرهُ بِأَن ينْفق عَلَيْهَا بِمَا لنَفسِهِ ليرْجع على صَاحبه فعل وَإِن رأى أَن يَبِيعهَا ويأمره بإمساك ثمنهَا فعل
وَيعرف ذَلِك سنة فِي جَوَاب ظَاهر الرِّوَايَة وَفِي رِوَايَة الْحسن على قدر حَال اللّقطَة فِي النفيس سنة وَفِي الدني الَّذِي قِيمَته زَائِدَة على عشرَة دَرَاهِم لَا ينقص من شهر على هَذَا الِاعْتِبَار
فَإِذا مضى وَقت التَّعْرِيف وَلم يظْهر صَاحبهَا فَإِن كَانَ الرجل مُوسِرًا لَا يحل لَهُ أَن ينْفق على نَفسه وَلَكِن يتَصَدَّق بهَا على الْفُقَرَاء
وَقَالَ الشَّافِعِي يحل
وَإِن كَانَ مُعسرا لَهُ أَن يتَصَدَّق على نَفسه وَإِن شَاءَ يتَصَدَّق بهَا على الْفُقَرَاء
فَإِن ظهر صَاحبهَا فَإِن شَاءَ أمضى الصَّدَقَة وَله ثَوَابهَا وَإِن شَاءَ أَخذ من الْمُتَصَدّق عَلَيْهِ وَإِن شَاءَ ضمن الْمُلْتَقط
وَإِن كَانَ شَيْئا يتسارع إِلَيْهِ الْفساد فَإِنَّهُ يعرفهَا بِقدر مَا لَا يفْسد ثمَّ يتَصَدَّق أَو ينْفق على نَفسه على مَا ذكرنَا
وَإِنَّمَا يدْفع إِلَى من يَدعِي اللّقطَة إِذا أَقَامَ الْبَيِّنَة
فَإِن ذكر عَلَامَات
стр. 1038
هِيَ فِيهَا فَإِن شَاءَ الْمُلْتَقط صدقه وَدفع إِلَيْهِ وَإِن شَاءَ امْتنع حَتَّى يُقيم الْبَيِّنَة
وَكَذَا الْجَواب فِي الدَّابَّة الضَّالة من الْغنم وَالْإِبِل وَغَيرهمَا فَأَما إِذا لم تكن ضَالَّة وَلكنهَا نفرت فِي المراعي فَإِنَّهُ لَا يَأْخُذهَا لِأَن ذَلِك أَمر مُعْتَاد إِذا كَانَ قَرِيبا من الْبَلدة أَو الْقرْيَة أَو الْخيام
فَأَما إِذا كَانَ غَالب ظَنّه أَنَّهَا ضَالَّة فَإِنَّهُ يَأْخُذهَا
وَأما العَبْد إِذا لم يكن ضَالًّا للطريق وَلكنه آبق من صَاحبه فَالْجَوَاب مَا ذكرنَا
لَا وَلَكِن هَاهُنَا مَتى رده إِلَى الْمَالِك إِن كَانَ من مسيرَة سفر يسْتَحق الْجعل على صَاحبه أَرْبَعِينَ درهما عندنَا وَعند الشَّافِعِي لَا يجب شَيْء
وَإِن كَانَ الرَّد فِي أقل من مُدَّة السّفر يسْتَحق الرضخ بِقَدرِهِ
وَلَو كَانَ الرَّاد اثْنَيْنِ فَيكون الْجعل بَينهمَا
وَهَذَا إِذا كَانَت قِيمَته أَكثر من أَرْبَعِينَ درهما
فَأَما إِذا كَانَت أَرْبَعِينَ أَو دون ذَلِك فَإِنَّهُ ينقص من الْجعل درهما عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد
وَقَالَ أَبُو يُوسُف لَا ينقص مِنْهُ شَيْء
وَلَو كَانَ الرَّاد من كَانَ فِي عِيَاله لَا يسْتَحق الْجعل
فَأَما من لم يكن فِي عِيَاله فَإِنَّهُ يسْتَحق سَوَاء كَانَ أَجْنَبِيّا أَو ذَا رحم محرم مِنْهُ إِلَّا الْوَالِدين والمولودين فَفِيهِ اخْتِلَاف بَين أبي يُوسُف وَمُحَمّد
стр. 1039
كتاب الْخُنْثَى
قَالَ الْخُنْثَى من يكون لَهُ آلَة الرِّجَال وَآلَة النِّسَاء
والشخص الْوَاحِد لَا يكون ذكرا وَأُنْثَى وَلَكِن يحْتَمل أَن يكون ذكرا وَآلَة النِّسَاء فِي حَقه نُقْصَان بِمَنْزِلَة مَوضِع شجة لم تلتئم وَيحْتَمل أَن يكون أُنْثَى وَآلَة الرِّجَال فِي حَقّهَا زِيَادَة بِمَنْزِلَة الْأصْبع الزَّائِدَة
وَالشَّرْع جعل الْعَلامَة الفاصلة بَينهمَا قبل الْبلُوغ هُوَ المبال على مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﵇ أَنه قَالَ الْخُنْثَى يُورث من حَيْثُ يَبُول فَلَمَّا جعل الأمارة هَذَا فِي حق الْإِرْث فَكَذَا فِي حق الْأَحْكَام الَّتِي تخْتَص بالخنثى يجب أَن يكون هُوَ الْعَلامَة
فَإِن كَانَ يَبُول من مبال الرِّجَال فَهُوَ ذكر
وَإِن كَانَ يَبُول من مبال النِّسَاء فَهُوَ أُنْثَى وَإِن كَانَ يَبُول مِنْهُمَا جَمِيعًا فَالْحكم للأسبق مِنْهُمَا
وَإِذا اسْتَويَا فِي السَّبق قَالَ أَبُو حنيفَة أتوقف فِيهِ
وَقَالا يعْتَبر الْأَكْثَر فِي ذَلِك ثمَّ إِذا اسْتَويَا فِي الْكَثْرَة والقلة توقفا فِيهِ أَيْضا كَمَا توقف أَبُو حنيفَة
والتوقف فِي مَوضِع عدم الدَّلِيل وَاجِب وَهُوَ الْخُنْثَى الْمُشكل
وَإِنَّمَا يظْهر الْحَال وَيَزُول الْإِشْكَال بِالْبُلُوغِ بِظُهُور الْحيض وَالْحَبل ونهود الثديين ونبات اللِّحْيَة والاحتلام وَنَحْوهَا فَيجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَام الذّكر أَو الْأُنْثَى
стр. 1040
فَأَما فِي حَال كَونه مُشكلا فَلهُ أَحْكَام مَخْصُوصَة مِنْهَا الْخِتَان يَنْبَغِي أَن يشترى لَهُ جَارِيَة ختانة من مَاله إِن كَانَ لَهُ مَال وَمن مَال الْأَبَوَيْنِ إِن كَانَ وَإِلَّا فَالْقَاضِي يَشْتَرِي لَهُ من مَال بَيت المَال جَارِيَة ختانة فتختنه فَإِن كَانَ ذكرا فَهِيَ جَارِيَته وَإِن كَانَ أُنْثَى فالأنثى قد تختن الْأُنْثَى عَن الْحَاجة إِلَيْهِ
وَلَا يلبس الْحَرِير احْتِيَاطًا
وموقفه فِي الصَّلَاة خلف صف الذُّكُور قبل صف النِّسَاء
وَكَذَا فِي تَرْتِيب الْجَنَائِز عِنْد الِاجْتِمَاع تقدم جنَازَته على جَنَازَة الْإِنَاث
وتغسله زَوجته إِن كَانَت وَإِلَّا فَلَا يغسل وَلَكِن ييمم إِن كَانَ لَهُ ذُو رحم محرم ييممه بِلَا خرقَة وَإِن كَانَ أَجْنَبِيّا فَمَعَ الْخِرْقَة
وَأما حكم الْمِيرَاث فَعِنْدَ أَصْحَابنَا يكون لَهُ أقل الْأَنْصِبَاء وَهُوَ نصيب الْأُنْثَى إِن كَانَ أقل
وَأَن كَانَ أَكثر فِي بعض الْأَحْوَال يكون لَهُ نصيب الذُّكُور
وعَلى قَول الشّعبِيّ يكون لَهُ نصف مِيرَاث الرِّجَال وَنصف مِيرَاث النِّسَاء
بَيَانه
إِذا ترك ابْنا مَعْرُوفا وَخُنْثَى للِابْن الثُّلُثَانِ وللخنثى الثُّلُث لِأَنَّهُ أقل
وَإِذا ترك خُنْثَى وعصبة فللخنثى النّصْف وَهُوَ مِيرَاث الْبِنْت وَالْبَاقِي للْعصبَةِ
وَلَو ترك اختا لأَب وَأم وَخُنْثَى لأَب وعصبة يَجْعَل أُنْثَى أَنه ترك أُخْتا لأَب وَأم وأختا لأَب وعصبة فللأخت للْأَب وَالأُم
стр. 1041
النّصْف وللخنثى السُّدس وَالْبَاقِي للْعصبَةِ
وَإِن تركت زوجا وأختا لأَب وَأم وَخُنْثَى لأَب فَللزَّوْج النّصْف وَللْأُخْت لأَب وَأم النّصْف وَلَا شَيْء للخنثى وَيجْعَل ذكرا لِأَن هَذَا أَسْوَأ حَالَة لأَنا لَو جَعَلْنَاهُ أُنْثَى يكون نصِيبه السُّدس وتعول الْمَسْأَلَة وَلَو جَعَلْنَاهُ ذكرا لَا يَرث شَيْئا كَمَا إِذا تركت زوجا وأختا لأَب وَأم وأخا لأَب على هَذَا الْقيَاس
وَبَيَان قَول الشّعبِيّ وَتَفْسِير قَول أبي يُوسُف وتخريجه لَهُ وَتَخْرِيج مُحَمَّد على وَجه آخر يذكر فِي الْفَرَائِض إِن شَاءَ الله تَعَالَى ونشير إِلَيْهِ هَاهُنَا إِذا ترك ابْنا وَخُنْثَى فعلى تَخْرِيج أبي يُوسُف يَجْعَل المَال بَينهمَا على سَبْعَة أسْهم للِابْن الْمَعْرُوف أَرْبَعَة وَله ثَلَاثَة
وعَلى تَخْرِيج مُحَمَّد الْمِيرَاث بَينهمَا على اثْنَي عشر سَهْما بطرِيق تَنْزِيل الْأَحْوَال فَيكون للِابْن الْمَعْرُوف سَبْعَة وللخنثى خَمْسَة وَالله تَعَالَى أعلم بِالصَّوَابِ
стр. 1042
كتاب الشَّهَادَات
يحْتَاج إِلَى ثَلَاثَة فُصُول إِلَى بَيَان تحمل الشَّهَادَة
وَإِلَى بَيَان حُضُور الشُّهُود عِنْد النِّكَاح وَإِلَى بَيَان جَوَاز أَدَاء الشَّهَادَة عِنْد القَاضِي
أما الأول فَنَقُول تحمل الشَّهَادَة إِنَّمَا يجوز عِنْد المعاينة أَو عَن سَماع الْإِقْرَار وإنشاء القَوْل من النِّكَاح وَالطَّلَاق وَالْبيع وَنَحْوهَا من الْخصم
فَأَما التسامع من النَّاس فَلَا عِبْرَة بِهِ إِلَّا فِي مَوَاضِع مَخْصُوصَة فِي النِّكَاح وَالنّسب وَالْمَوْت وَفِي الْوَلَاء اخْتِلَاف عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد لَا يقبل وَعند أبي يُوسُف يقبل
وَإِنَّمَا يَصح التَّحَمُّل مِمَّن لَهُ عقل وتمييز ليفهم كَلَام الْخَصْمَيْنِ أَو يعلم مَا يَفْعَله سَوَاء كَانَ حرا أَو عبدا أَو فَاسِقًا أَو كَافِرًا أَو صَغِيرا عَاقِلا أَو بَالغا حَتَّى إِذا زَالَت هَذِه الْمعَانِي وَحدثت ضدها تقبل شَهَادَته
وَكَذَا العَبْد إِذا تحمل الشَّهَادَة لمَوْلَاهُ أَو الْمَرْأَة لزَوجهَا تقبل بعد الْعتْق والبينونة
لَكِن لَو شهد لمَوْلَاهُ وَردت شَهَادَته أَو شهِدت الْمَرْأَة لزَوجهَا وَردت ثمَّ شهد بعد الْعتْق والبينونة فِي تِلْكَ الْحَادِثَة لَا تقبل بِخِلَاف الْكَافِر إِذا شهد على مُسلم فِي حَادِثَة فَردَّتْ شَهَادَته ثمَّ
стр. 1043
أعَاد تِلْكَ الشَّهَادَة بعد الْإِسْلَام تقبل وَالْفرق مَذْكُور فِي الخلافيات
وَأما حُضُور الشُّهُود عِنْد عقد النِّكَاح فقد بَينا ذَلِك فِي كتاب النِّكَاح
فَلَا نعيده
وَأما جَوَاز الشَّهَادَة عِنْد القَاضِي فَنَقُول شَهَادَة رجلَيْنِ عَدْلَيْنِ مَقْبُولَة فِي جَمِيع الْأَحْكَام فِي أَسبَاب الْعُقُوبَات وَغَيرهَا إِلَّا فِي الزِّنَى فَإِنَّهُ لَا تقبل إِلَّا شَهَادَة أَرْبَعَة رجال عدُول
وَشَهَادَة رجل وَامْرَأَتَيْنِ مَقْبُولَة فِي جَمِيع الْأَحْكَام عندنَا إِلَّا فِي الْحُدُود وَالْقصاص
وَعند الشَّافِعِي لَا تقبل إِلَّا فِي الْأَمْوَال وتوابعها
وَكَذَا حكم الشَّهَادَة على الشَّهَادَة مثل حكم شَهَادَة رجلَيْنِ أَو رجل وَامْرَأَتَيْنِ
وَتجوز شَهَادَة الْأَقَارِب مثل شَهَادَة الْأَجَانِب إِلَّا شَهَادَة الْوَالِدين والمولودين وَشَهَادَة أحد الزَّوْجَيْنِ لصَاحبه
وَعند الشَّافِعِي تقبل شَهَادَة الْأزْوَاج
وَلَا تجوز شَهَادَة الْمَحْدُود فِي الْقَذْف إِذا تَابَ عندنَا خلافًا للشَّافِعِيّ
وَلَا تجوز شَهَادَة الْأَعْمَى وَإِن كَانَ بَصيرًا عِنْد التَّحَمُّل عِنْد أبي حنيفَة
وَقَالَ أَبُو يُوسُف تقبل إِذا كَانَ بَصيرًا عِنْد التَّحَمُّل
وَلَا تجوز شَهَادَة العَبْد والأخرس
وَالصَّبِيّ الْعَاقِل وَالْمَعْتُوه وَلَا شَهَادَة الْأَخير لَهُ فِي تِجَارَته الَّتِي اسْتَأْجرهُ فِيهَا وَلَا شَهَادَة أحد الشَّرِيكَيْنِ فِي مَال الشّركَة وَالتَّصَرُّف فِيهَا وَتقبل فِيمَا سوى ذَلِك
стр. 1044
وَأما شَهَادَة الْفَاسِق فَإِن تحرى القَاضِي الصدْق فِي شَهَادَته تقبل وَإِلَّا فَلَا
وَعند الشَّافِعِي لَا تقبل أصلا وَلَا تقبل فِي الْعُقُوبَات
وَلَو طعن الْمَشْهُود عَلَيْهِ فِي الشَّاهِد أَنه رَقِيق أَو فَاسق لم تمض الشَّهَادَة مَا لم يقم الْبَيِّنَة على الْحُرِّيَّة إِن كَانَ مَجْهُول النّسَب
وَكَذَا مَا لم يسل عَن عدالتهم فِي السِّرّ وَالْعَلَانِيَة
وَلَا يجوز الْقَضَاء بِظَاهِر الْعَدَالَة بالِاتِّفَاقِ
وَقبل الطعْن يجوز عِنْد أبي حنيفَة خلافًا لَهما
وَلَو اخْتلف الشَّاهِدَانِ فِي الْوَقْت وَالْمَكَان والعبارة مَعَ اسْتِوَاء العبارتين فِي الْمَعْنى فَإِن كَانَ ذَلِك فِي الْإِقْرَار تقبل شَهَادَتهمَا وَلَا يُوجب اخْتِلَاف الشَّهَادَة
وَإِن كَانَ فِي الْفِعْل
من الْغَصْب وَالْقَتْل وَالْقطع وإنشاء البيع وَالطَّلَاق وَنَحْوهَا
فَإِنَّهُ يُوجب اخْتِلَاف الشَّهَادَة فَمَا لم يُوجد على كل وَاحِد شَاهِدَانِ لَا يقبل
وَإِذا اخْتلف الشَّاهِدَانِ فِي جنس الْمَشْهُود بِهِ لَا يقبل
وَلَو اخْتلفَا فِي الْمِقْدَار وَأَحَدهمَا يدْخل فِي الآخر وَالْمُدَّعِي يَدعِي الْأَكْثَر كَمَا إِذا شهد أَحدهمَا على ألف وَالْآخر على أَلفَيْنِ لَا تقبل عِنْد أبي حنيفَة وَعِنْدَهُمَا تقبل على الْأَقَل
وَكَذَا إِذا شهد أَحدهمَا على طَلْقَة وَالْآخر على طَلْقَتَيْنِ أَو ثَلَاث لَا يقبل عِنْد أبي حنيفَة وَعِنْدَهُمَا يقبل على الْأَقَل
وَأَجْمعُوا أَنه إِذا شهد أَحدهمَا على ألف وَالْآخر على ألف وَخَمْسمِائة وَالْمُدَّعِي يَدعِي الْأَكْثَر يقبل على ألف وَقد ذكرنَا فِي الطَّلَاق
وَأكْثر مسَائِل الشَّهَادَة ذكرنَا فِي الْكتب السَّابِقَة فَلَا نعيدها
стр. 1045
كتاب الرُّجُوع عَن الشَّهَادَات
الرُّجُوع عَن الشَّهَادَة لَا يَصح بعد قَضَاء القَاضِي وَيصِح قبله لِأَنَّهُ إِخْبَار يحْتَمل الْغَلَط
وَإِنَّمَا يصير حجَّة ضَرُورَة صِحَة الْقَضَاء فَمَا لم يتَّصل بِهِ قَضَاء القَاضِي يَصح الرُّجُوع
وَلَا يلْزم الشُّهُود بذلك شَيْء لِأَنَّهُ لم يثبت بِهِ الحكم
وَبعد الحكم لَا يَصح الرُّجُوع فِي حق الْخصم وَلَكِن يُصِيب متلفا فِي حق الْمَشْهُود عَلَيْهِ فَيلْزمهُ ضَمَانه إِلَّا إِذا حصل الْعِوَض للْمَشْهُود عَلَيْهِ فبذلك لَا يضمن لِأَنَّهُ يكون إتلافا بعوض فَلَا يكون إتلافا معنى
وَالْعبْرَة فِي الرُّجُوع بَقَاء من بَقِي من الشُّهُود لَا رُجُوع من رَجَعَ وَيبقى الْحق بِقدر بَقَاء الشُّهُود ويتلف بِقدر مَا رَجَعَ
إِذا ثَبت هَذَا الأَصْل تخرج عَلَيْهِ الْمسَائِل
إِذا شهد شَاهِدَانِ على رجل بِمَال وَقضى القَاضِي بذلك وَسلم المَال إِلَى الْمُدَّعِي ثمَّ رَجَعَ أَحدهمَا غرم نصف المَال لِأَنَّهُ بَقِي النّصْف بِبَقَاء شَاهد وَاحِد
وَلَو رجعا جَمِيعًا غرما المَال بَينهمَا نِصْفَيْنِ
وَلَو كَانُوا أَرْبَعَة فَرجع اثْنَان أَو وَاحِد مِنْهُم فَلَا شَيْء عَلَيْهِ لبَقَاء المَال بِبَقَاء الشَّاهِدين
وَلَو رَجَعَ ثَلَاثَة يلْزمهُم نصف المَال لبَقَاء النّصْف بِبَقَاء شَاهد وَاحِد
وَلَو شهد رجل وَامْرَأَتَانِ على مَال فَرَجَعت امْرَأَة غرمت ربع
стр. 1046
المَال
وَلَو رجعتا غرمتا نصف المَال لبَقَاء النّصْف بِبَقَاء رجل لِأَن الْمَرْأَتَيْنِ بِمَنْزِلَة رجل وَاحِد
وَلَو شهد رجل وَاحِد وَعشر نسْوَة على رجل بِمَال ثمَّ رجعُوا جَمِيعًا بعد الحكم فَقَالَ أَبُو حنيفَة على الرجل سدس المَال وعَلى النِّسَاء خَمْسَة أسداسه لِأَن كل امْرَأتَيْنِ بِمَنْزِلَة رجل وَاحِد
وَعند أبي يُوسُف وَمُحَمّد على الرجل النّصْف وعَلى النِّسَاء النّصْف لِأَن النِّسَاء وَإِن كثرن لَهُنَّ شطر الشَّهَادَة
وَلَو شَهدا على رجل أَنه بَاعَ عَبده من فلَان بِأَلف وَقبض الثّمن ثمَّ رجعا لم يضمنا لِأَن هَذَا إِتْلَاف بعوض
وَكَذَا لَو شَهدا على رجل أَنه تزوج امْرَأَة بِأَلف دِرْهَم وَهُوَ مهر مثلهَا وَقضى القَاضِي بِالنِّكَاحِ ثمَّ رجعا لم يضمنا لِأَنَّهُمَا أثبتا لَهُ الْبضْع بِمُقَابلَة المَال
وَلَو شَهدا على رجل أَنه طلق امْرَأَته ثَلَاثًا وَقد دخل بهَا وَقضى القَاضِي ثمَّ رجعا لم يضمنا إِلَّا مَا زَاد على مهر الْمثل لِأَنَّهُ بِقدر مهر الْمثل إِتْلَاف بعوض وَهُوَ اسْتِيفَاء مَنَافِع الْبضْع
وَلَو كَانَ قبل الدُّخُول فَإِن كَانَ الْمهْر مُسَمّى ضمنا النّصْف وَإِن لم يكن الْمهْر مُسَمّى يضمنَانِ الْمُتْعَة لِأَن ذَلِك تلف بِشَهَادَتِهِمَا وَلم يحصل لَهُ بمقابلته عوض
وَكَذَلِكَ لَو شَهدا على رجل بِإِجَارَة دَاره سنة ثمَّ رجعا بعد اسْتِيفَاء السُّكْنَى فَإِنَّهُمَا يغرمان للْمُسْتَأْجر مَا زَاد على أجر الْمثل لِأَنَّهُ بِقدر أجر الْمثل حصل الْعِوَض وَالْبَاقِي بِغَيْر عوض فَيكون إتلافا
وَكَذَا لَو شَهدا على رجل أَنه أعتق عَبده بِأَلف دِرْهَم وَسلم إِلَيْهِ أَولا ثمَّ رجعا لم يضمنا لِأَن هَذَا إِتْلَاف بعوض
стр. 1047
وَلَو شَهدا أَنه أعتق بِغَيْر مَال ثمَّ رجعا يضمنَانِ للإتلاف بِغَيْر عوض
وَلَو شَهدا على أَنه قَالَ لعَبْدِهِ إِن دخلت هَذِه الدَّار فَأَنت حر وَقد دخل وَقضى القَاضِي بِالْعِتْقِ ثمَّ رجعا ضمنا لِأَن هَذِه شَهَادَة على الْإِعْتَاق وَهُوَ إِتْلَاف بِغَيْر عوض فيضمنان
وَلَو شَهدا أَنه حلف بِعِتْق عَبده بِدُخُول الدَّار وَشهد آخرَانِ على الدُّخُول وَقضى القَاضِي بِالْعِتْقِ ثمَّ رجعُوا فَإِن الضَّمَان يجب على شُهُود الْيَمين لَا على شُهُود الدُّخُول لِأَن الدُّخُول شَرط وَكَلَام الْيَمين صَار إعتاقا والتلف يُضَاف إِلَى الْعلَّة دون الشَّرْط وَيكون الْمُتْلف هُوَ شَاهد الْيَمين
وَلَو شَهدا على رجل بِسَرِقَة عشرَة دَرَاهِم وَقضى القَاضِي عِنْد خُصُومَة الْمَالِك وَقطعت يَده ثمَّ رجعا يغرمان دِيَة الْيَد
وَكَذَلِكَ لَو شَهدا على رجل بقتل الْخَطَأ أَو بجراحه خطأ ثمَّ رجعا
وَلَو شَهدا على الْقَتْل الْعمد وَقضى القَاضِي واقتص ثمَّ رجعا لَا يجب الْقصاص على الشُّهُود عندنَا
وَعند الشَّافِعِي يجب وَلَكِن عندنَا يجب المَال لِأَنَّهُ لَا يُمكن إِيجَاب الْقصاص بالتسبيب وَيُمكن إِيجَاب المَال كَمَا فِي حفر الْبِئْر
وَلَو شهد أَرْبَعَة على رجل بِالزِّنَا وَشهد آخرَانِ على الْإِحْصَان ثمَّ رجعُوا بعد إِقَامَة الرَّجْم لَا يجب على شُهُود الْإِحْصَان شَيْء وَتجب الدِّيَة على شُهُود الزِّنَى لِأَن الزِّنَا عِلّة والإحصان شَرط
وَلَو رَجَعَ أحد الشُّهُود بِالزِّنَا بعد الرَّجْم فَإِنَّهُ يجد حد الْقَذْف
стр. 1048
لِأَن شَهَادَته صَارَت قذفا بِإِقْرَارِهِ وَيغرم ربع الدِّيَة لبَقَاء ثَلَاثَة أَربَاع بِثَلَاثَة شُهُود
وَإِن رَجَعَ آخر فَكَذَلِك
وَلَو أَنه إِذا رَجَعَ وَاحِد مِنْهُم بعد الْقَضَاء قبل إِقَامَة الْحَد عَلَيْهِم يحدون جَمِيعًا عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف
وَقَالَ مُحَمَّد يحد الرَّاجِع وَحده اسْتِحْسَانًا
وَأَجْمعُوا أَنه إِذا رَجَعَ وَاحِد قبل الْقَضَاء بِالرَّجمِ فَإِنَّهُم يحدون جَمِيعًا وَهِي من مسَائِل الخلافيات
стр. 1049
كتاب أدب القَاضِي
الْقَضَاء فَرِيضَة محكمَة يجب على من وجد فِي حَقه شَرَائِط الْقَضَاء من الْولَايَة على الْمقْضِي عَلَيْهِ بِتَسْلِيم الْمقْضِي بِهِ إِلَى الْمقْضِي لَهُ وَهُوَ السُّلْطَان أَو من يقوم مقَامه لِأَن هَذَا من بَاب إنصاف الْمَظْلُوم من الظَّالِم وَهَذَا مفوض إِلَى الْخُلَفَاء والسلاطين غير أَنهم إِذا عجزوا بِأَنْفسِهِم إِمَّا لعدم الْعلم أَو لاشتغالهم بِأُمُور أخر يجب عَلَيْهِم أَن يقلدوه من كَانَ يصلح لَهُ مِمَّن هُوَ من أفقه النَّاس بحضرتهم وأورعهم
فَإِن وجدوا اثْنَيْنِ أَحدهمَا أفقه وَالْآخر أورع فالأورع أولى لِأَنَّهُ يُمكنهُ أَن يقْضِي بِعلم غَيره وَلَا بُد من الْوَرع حَتَّى لَا يتَجَاوَز حد الشَّرْع وَلَا يصور الْبَاطِل بِصُورَة الْحق طَمَعا فِي الرِّشْوَة
وَيجب على من استجمع فِيهِ شَرَائِط الْقَضَاء أَن يقبله إِذا قلدوه حَتَّى لَو امْتنع يَأْثَم إِلَّا إِذا كَانَ فِي الْعلمَاء بحضرتهم مِمَّن يصلح لَهُ كَثْرَة فَلَا بَأْس بِأَن يعْتَذر بِعُذْر فَيدْفَع عَن نَفسه إِلَى غَيره لِأَنَّهُ لَيْسَ بمتعين لذَلِك وَالَّذِي تعين لَا يحل لَهُ الِامْتِنَاع إِذا قلد وَلَكِن لَا يَنْبَغِي أَن يطْلب لِأَنَّهُ رُبمَا لَا يُقَلّد فَيذْهب مَاؤُهُ وَحُرْمَة علمه
стр. 1050
ثمَّ الْقَضَاء لَهُ وَاجِبَات وآداب فَأَما الْوَاجِبَات فَمِنْهَا أَنه يجب على القَاضِي أَن يقْضِي فِي كل حَادِثَة بِمَا يثبت عِنْده أَنه حكم الله تَعَالَى إِمَّا بِدَلِيل قَطْعِيّ نَحْو نَص الْكتاب مُفَسرًا لَا شُبْهَة فِي مَعْنَاهُ أَو السّنة المتواترة أَو الْمَشْهُورَة أَو الْإِجْمَاع وَإِمَّا بِدَلِيل ظَاهر مُوجب للْعَمَل كظاهر النَّص من الْكتاب وَالسّنة وَالْقِيَاس وَذَلِكَ فِي مَوضِع لَا إِجْمَاع فِيهِ بَين الْفُقَهَاء
وَإِن كَانَ مُخْتَلفا فِيهِ أَو لم تكن وَاقعَة أَو كَانَت وَاقعَة وَلَا رِوَايَة فِي جوابها عَن السّلف يجب عَلَيْهِ أَن يعْمل بِرَأْي نَفسه إِن كَانَ من أهل الِاجْتِهَاد وَإِن لم يكن من أهل الِاجْتِهَاد يخْتَار قَول من هُوَ أفقههم وأورعهم
وَلَو كَانَ القَاضِي من أهل الِاجْتِهَاد لَكِن لم ينظر فِي دَلِيل الْمَسْأَلَة وَاعْتمد على اجْتِهَاد من هُوَ أفقه مِنْهُ هَل يجوز لَهُ الْقَضَاء بِهِ على قَول أبي حنيفَة جَازَ وعَلى قَوْلهمَا لَا يجوز إِلَّا وَأَن يعْمل بِاجْتِهَاد نَفسه ذكر الِاخْتِلَاف فِي كتاب الْحُدُود
وَمِمَّا يجب عَلَيْهِ أَيْضا أَن يقْضِي بِمَا ثَبت عِنْده بِالْبَيِّنَةِ أَو الْإِقْرَار أَو يكون الْمُدعى بِهِ مِمَّا يدْخل فِيهِ النّكُول لِأَن الشَّرْع جعل هَذِه الْجُمْلَة حجَّة فِي حَقه وَلَكِن لَا بُد من أَن يثبت عَدَالَة الشُّهُود عِنْده بالسؤال عَنْهُم مِمَّن لَهُ علم بأحوالهم فِي السِّرّ وَالْعَلَانِيَة فعدلوه وَقَالُوا هُوَ جَائِز الشَّهَادَة
وَأما الْقَضَاء بِعلم نَفسه بالمعاينة أَو بِسَمَاع الْإِقْرَار أَو بمشاهدة الْأَحْوَال فَإِن قضى بِعلم حَادث لَهُ فِي زمَان الْقَضَاء وَفِي مَكَانَهُ فِي الْأَمْلَاك الْمُرْسلَة والحقوق من الطَّلَاق وَالْعتاق وَنَحْوهمَا وَفِي
стр. 1051
الْقصاص وَفِي حد الْقَذْف جَازَ
وَإِن كَانَ فِي سَائِر الْحُدُود لَا يجوز وَهَذَا عندنَا
وَعَن الشَّافِعِي قَولَانِ فِي قَول لَا يجوز فِي الْكل وَفِي قَول يجوز فِي الْكل
وَأما إِذا قضى بِعلم كَانَ قبل أَن يُقَلّد الْقَضَاء أَو بِعلم بعد التَّقْلِيد لَكِن قبل أَن يصل إِلَى الْبَلَد الَّذِي ولي قَضَاءَهُ فقد أجمع أَصْحَابنَا أَنه لَا يجوز فِي الْحُدُود غير حد الْقَذْف
فَأَما فِي سَائِر الْأَحْكَام وَفِي حد الْقَذْف وَالْقصاص فقد اخْتلفُوا قَالَ أَبُو حنيفَة لَا يجوز
وعَلى قَول أبي يُوسُف وَمُحَمّد يجوز وفروع هَذَا الْفَصْل ودلائله تعرف فِي الْمَبْسُوط إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَلَا يجوز للْقَاضِي أَن يقْضِي لنَفسِهِ وَلَا لِأَبَوَيْهِ وَإِن علوا وَلَا لزوجته وَلَا لأولاده وَإِن سفلوا وَلَا لكل من لَا تجوز شَهَادَته لَهُم
وَهل يقْضِي بِكِتَاب قَاضِي ورد إِلَيْهِ من قُضَاة الْبلدَانِ لَيْسَ لَهُ أَن يقْضِي فِي الْحُدُود وَالْقصاص وَأما فِي الدُّيُون وَالْعرُوض وَالْعَقار فقد جَازَ الْقَضَاء بِهِ
وَلَا يجوز فِي الْحُدُود وَالْقصاص الْقَضَاء بِالشَّهَادَةِ على الشَّهَادَة
وَفِي الْغُلَام وَالْجَارِيَة عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد لَا يكْتب إِلَى الْقَضَاء وَلَا يقبل
وَعَن أبي يُوسُف يقبل وَهُوَ قَول ابْن أبي ليلى وَعمل الْقُضَاة على هَذَا لأجل الضَّرُورَة الْعَامَّة
ثمَّ فِيمَا يقبل فِيهَا الْكتاب إِذا ورد الْكتاب إِلَى القَاضِي الْمَكْتُوب إِلَيْهِ يَنْبَغِي أَن لَا يفك الْكتاب وَلَا يقرأه إِلَّا بِحَضْرَة الْخصم كي لَا يتهم فِي ذَلِك
стр. 1052
وَأما آدَاب الْقُضَاة فللقاضي أَن يجلس مَعَ نَفسه قوما من الْفُقَهَاء ليشاور مَعَهم إِذا احْتَاجَ إِلَيْهِ
فَإِن اتَّفقُوا عَلَيْهِ والحادثة مَعْرُوفَة فِي السّلف يقْضِي بِهِ
وَإِن اخْتلفُوا فعلى مَا ذكرنَا
فَإِن بدا لَهُ أَن يرجع فِيمَا اعْتمد على قَول بَعضهم وَرَأى الصَّوَاب فِي قَول الآخر فَلهُ ذَلِك لِأَن لَهُ أَن يقْضِي فِي الْمُجْتَهد فِيهِ بِمَا لَاحَ لَهُ من دَلِيل الِاجْتِهَاد إِن كَانَ مُجْتَهدا
فَأَما بعد الحكم فَلَيْسَ لَهُ أَن يبطل ذَلِك الْقَضَاء لِأَن صَار بِالْقضَاءِ كالمتفق عَلَيْهِ وَلَكِن يعْمل فِي الْمُسْتَقْبل بِخِلَافِهِ إِذا رأى ذَلِك صَوَابا
وَيَنْبَغِي أَن يعدل بَين الْخَصْمَيْنِ فِي مجلسهما مِنْهُ لَا يقرب أَحدهمَا دون الآخر وَإِن كَانَ لَهُ شرف الْعلم وَالنّسب
وَإِن كَانَ يُرِيد تَعْظِيم ذَلِك فِي الْمجْلس يَنْبَغِي أَن يجلس خَصمه مَعَه أَيْنَمَا أَجْلِس الأول
وَكَذَلِكَ يعدل بَينهمَا النّظر والمنطق وَلَا يُشِير إِلَى أحد الْخَصْمَيْنِ دون الآخر
وَكَذَلِكَ لَا يَخْلُو بِأَحَدِهِمَا دفعا للتُّهمَةِ
وَلَا يرفع صَوته على أَحدهمَا مَا لم يرفع على الآخر عِنْد الشغب والمنازعة
فَأَما إِذا وجد من أَحدهمَا فَإِنَّهُ يرفع صَوته عَلَيْهِ تأديبا لَهُ
وَلَا يَنْبَغِي أَن يلقن أحد الْخَصْمَيْنِ حجَّته
وَلَا بَأْس بِأَن يلقن الشَّاهِد إِذا كَانَ يستحي ويهاب مجْلِس القَاضِي بِشَيْء هُوَ حق
وَإِذا تكلم أَحدهمَا أسكت الآخر حَتَّى يسمع كَلَامه وَيفهم ثمَّ يستنطق الآخر حَتَّى يكون أقرب إِلَى الْفَهم
وَلَا يَنْبَغِي أَن يجلس للْقَضَاء وَبِه مَا يشْغلهُ عَنهُ نَحْو الْهم
стр. 1053
وَالْغَصْب وَالنُّعَاس وَغَيرهَا على مَا قَالَ ﵇ لَا يقْضِي القَاضِي وَهُوَ غَضْبَان
وَيَنْبَغِي أَن يقدم الرِّجَال على حِدة وَالنِّسَاء على حِدة الأول فَالْأول
وَلَا يخلط النِّسَاء بِالرِّجَالِ لِأَنَّهُ سَبَب للفتنة
وَيَنْبَغِي أَن يتَّخذ كَاتبا من أهل العفاف وَالصَّلَاح وَهُوَ فَقِيه عَالم بصنعة الْكِتَابَة ثمَّ يقعده حَيْثُ يرى مَا يكْتب وَمَا يصنع
وَفِي عَادَة السّلف أَن القَاضِي هُوَ الَّذِي يكْتب خُصُومَة كلا الْخَصْمَيْنِ على كاغذ السُّؤَال وَالسُّؤَال وَالْجَوَاب ثمَّ يكْتب شَهَادَة الشُّهُود على حسب مَا شهدُوا بعد كِتَابَة جَوَاب الْخصم ثمَّ يطوي الْكتاب ثمَّ يختمه ثمَّ يكْتب على ظَهره خُصُومَة فلَان وَفُلَان فِي شهر كَذَا فِي سنة كَذَا ويضعه فِي قمطرة على حِدة
وَفِي زَمَاننَا الْعَادة أَن الْكَاتِب هُوَ الَّذِي يكْتب كتاب الدَّعْوَى وَيتْرك مَوضِع التَّارِيخ وَلَا يكْتب جَوَاب الْخصم وَيكْتب أَسمَاء الشُّهُود بعد ذَلِك وَيتْرك فِيمَا بَين الخطين فُرْجَة فَإِذا رفع الدَّعْوَى عِنْد القَاضِي فَيكْتب التَّارِيخ بِنَفسِهِ وَيكْتب جَوَاب الْخصم على الْوَجْه الَّذِي تقرر
وَإِذا شهد الشُّهُود فِي الْمجْلس على مَا يَدعِيهِ الْمُدَّعِي يكْتب شَهَادَة كل وَاحِد تَحت اسْمه على الْوَجْه الَّذِي تقرر وَيخْتم الْكتاب ثمَّ يكْتب بِنَفسِهِ فِي ذَلِك الْيَوْم أَسمَاء الشُّهُود أَو يَأْمر الْكَاتِب حَتَّى يَكْتُبهُ بَين يَدَيْهِ وَيخْتم وَيبْعَث بذلك على يَد رجل من أهل الثِّقَة فِي السِّرّ إِلَى أهل الثِّقَة وَالسِّلَاح عِنْده حَتَّى يعدلُوا الشُّهُود
فَإِذا اتّفق اثْنَان أَو أَكثر على تَزْكِيَة رجل قبل قَوْله وَعمل بِهِ
وَإِن اجْتمع جمَاعَة على أَنه ثِقَة وَاثْنَانِ على جرحه يَأْخُذ بِالْجرْحِ
وَالْعدَد شَرط عِنْدهمَا فِي المزكين
وَأما عِنْد أبي حنيفَة فالواحد كَاف
стр. 1054
وَكَذَا الْخلاف فِي الَّذِي يبْعَث المستورة يشْتَرط فِيهِ الْعدَد عِنْدهمَا خلافًا لَهُ
ثمَّ يسْأَل عَن التَّزْكِيَة عَلَانيَة بَعْدَمَا يسْأَل فِي السِّرّ حَتَّى لَا يَقع فِيهِ رِيبَة على القَاضِي فيتهم بذلك
وَلَا يَنْبَغِي للْقَاضِي أَن يقبل الْهَدِيَّة إِلَّا من ذِي رحم محرم مِنْهُ أَو من صديق قديم الصُّحْبَة قد كَانَ بَينهمَا التهادي قبل زمَان الْقَضَاء فَأَما من غير هذَيْن فَلَا يقبل الْهَدِيَّة وَيكون ذَلِك فِي معنى الرِّشْوَة
وَأما الدعْوَة فَإِن كَانَ دَعْوَة عَامَّة مثل دَعْوَة الْعرس والختان فَلَا بَأْس بذلك
فَأَما الدعْوَة الْخَاصَّة فَإِن كَانَت من ذِي الرَّحِم الْمحرم أَو الصّديق الْقَدِيم الَّذِي كَانَ يضيفه قبل الْقَضَاء فَلَا بَأْس بالإجابة
وَفِي غَيرهمَا لَا يَنْبَغِي أَن يحضر لِأَن ذَلِك يُوجب تُهْمَة فِيهِ
وَلَا بَأْس للْقَاضِي أَن يبْعَث الْخَصْمَيْنِ إِلَى الْمُصَالحَة إِن طمع مِنْهُمَا الْمُصَالحَة
وَإِن لم يطْمع وَلم يرضيا بذلك فَلَا يردهما إِلَى الصُّلْح ويتركهما على الْخُصُومَة وَينفذ الْقَضَاء فِي حق من قَامَت الْحجَّة لَهُ وَالله تَعَالَى أعلم
стр. 1055
كتاب الْوَقْف وَالصَّدَََقَة
فِي الْكتاب فصلان فصل فِي الْوَقْف وَفصل فِي الصَّدَقَة
أما الأول فقد أجمع الْعلمَاء أَن من وقف أرضه أَو دَاره مَسْجِدا بِأَن قَالَ جعلت هَذِه الأَرْض مَسْجِدا يُصَلِّي فِيهِ النَّاس أَنه جَائِز لِأَن هَذَا إبِْطَال ملكه عَنهُ وَجعله لله تَعَالَى خَالِصا كمن أعتق عَبده
لَكِن التسلم شَرط عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد وَعند أبي يُوسُف لَيْسَ بِشَرْط
وتسليمه عِنْدهمَا أَن يَأْذَن للنَّاس بِصَلَاة الْجَمَاعَة فِيهِ فَيصَلي فِيهِ جمَاعَة من النَّاس بِجَمَاعَة فَإِنَّهُ يصير مُسلما إِلَى النَّاس كَذَا ذكر هِلَال الرَّأْي فِي كتاب الْوَقْف الَّذِي صنفه
وَقَالَ بعض الْمَشَايِخ إِذا جعل لَهُ مُتَوَلِّيًا قيمًا يتَصَرَّف فِي مَصَالِحه وَيَأْذَن لَهُ بِقَبْضِهِ بطرِيق النِّيَابَة عَن النَّاس
وَيَأْمُرهُمْ بِالصَّلَاةِ فِيهِ فَيكون التَّسْلِيم صَحِيحا وَلَا يُمكنهُ الرُّجُوع بعد ذَلِك عِنْدهمَا
следующие страницы →