Полный текст (1 060 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
وَيَنْبَغِي أَن يُؤذن محتسبا وَلَا يَأْخُذ على الْأَذَان أجرا وَإِن أَخذ يكره
وَأَصله مَا رُوِيَ عَن عُثْمَان بن أبي الْعَاصِ الثَّقَفِيّ أَنه قَالَ آخر مَا عهد إِلَيّ رَسُول الله ﷺ أَن أُصَلِّي بالقوم صَلَاة أضعفهم وَأَن أَتَّخِذ مُؤذنًا لَا يَأْخُذ على الْأَذَان أجرا
أما بَيَان الْمحل الَّذِي شرع فِيهِ الْأَذَان وَالْإِقَامَة فَنَقُول الْمحل الَّذِي شرعا فِيهِ هُوَ الصَّلَوَات المكتوبات الَّتِي تُؤَدّى بِجَمَاعَة مُسْتَحبَّة أَو مَا هُوَ شَبيه بهَا
وَلِهَذَا لَا أَذَان فِي التطوعات وَلَا إِقَامَة لِأَنَّهُ لَا يسْتَحبّ فِيهَا الْجَمَاعَة
وَكَذَا فِي الْوتر لِأَنَّهُ تطوع عِنْدهمَا
وَعند أبي حنيفَة وَإِن كَانَ وَاجِبا وَلكنه تبع للعشاء فَيجْعَل تبعا فِي الْأَذَان
وَكَذَا لَا أَذَان وَلَا إِقَامَة فِي صَلَاة الْعِيدَيْنِ وَلَا فِي صَلَاة الْكُسُوف والخسوف وَصَلَاة الاستقساء لِأَنَّهَا من السّنَن
وَكَذَا فِي صَلَاة الْجِنَازَة لِأَنَّهَا لَيست بِصَلَاة حَقِيقِيَّة
وَكَذَا الْأَذَان فِي حق النسوان وَالْعَبِيد وَكَذَا من لَا جمَاعَة عَلَيْهِم لِأَنَّهَا سنة الْجَمَاعَة المستحبة وَلَا يسْتَحبّ جمَاعَة النسوان وَالْعَبِيد
فَأَما الْجُمُعَة فَفِيهَا أَذَان وَإِقَامَة لِأَنَّهَا فَرِيضَة
لَكِن الْأَذَان الْمُعْتَبر مَا يُؤْتى بِهِ إِذا صعد الإِمَام الْمِنْبَر
وَالْإِقَامَة الْمُعْتَبرَة
مَا يُؤْتى بهَا إِذا فرع إِمَام من الْخطْبَة حَتَّى تجب الْإِجَابَة لهَذَا الْأَذَان وَالِاسْتِمَاع دون الْأَذَان الَّذِي يُؤْتى بِهِ فِي الصومعة
стр. 107
وَقَالَ بَعضهم الْأَذَان الْمُعْتَبر هُوَ الْأَذَان الَّذِي يُؤْتى بِهِ على المنارة
وَالصَّحِيح قَول الْعَامَّة لما رُوِيَ عَن السَّائِب بن يزِيد أَنه قَالَ كَانَ الْأَذَان يَوْم الْجُمُعَة على عهد رَسُول الله ﵇ وعَلى عهد أبي بكر وَعمر ﵄ عِنْد الْمِنْبَر أذانا وَاحِدًا فَلَمَّا كَانَ فِي زمن عُثْمَان ﵁ كثر النَّاس وأحدثوا هَذَا الْأَذَان فِي الزَّوْرَاء
فَأَما إِذا صلى الرجل وَحده فِي بَيته فقد ذكر فِي ظَاهر الرِّوَايَة إِنَّه إِن صلى أَذَان وَإِقَامَة يُجزئهُ ويكفيه أَذَان النَّاس وإقامتهم وَلَو أَتَى بِالْأَذَانِ وَالْإِقَامَة فَحسن
وَأما فِي حق الْمُسَافِرين فَالْأَفْضَل أَن يؤذنوا ويقيموا ويصلوا بِالْجَمَاعَة فَإِن صلوا بِجَمَاعَة وَأَقَامُوا وَتركُوا الْأَذَان أجزأهم وَلَا يكره بِخِلَاف أهل الْمصر فَإِنَّهُم إِذا تركُوا الْأَذَان وَأَقَامُوا يكره لَهُم ذَلِك لوُجُود سَبَب الرُّخْصَة فِي حق الْمُسَافِرين دونهم
وَأما الْمُسَافِر إِذا كَانَ وَحده لَو ترك الْأَذَان لَا بَأْس بِهِ وَلَو ترك الْإِقَامَة يكره بِخِلَاف الْمُقِيم إِذا كَانَ يُصَلِّي وَحده فِي بَيته لَو ترك الْأَذَان وَالْإِقَامَة لَا بَأْس بِهِ لِأَن أَذَان النَّاس وإقامتهم يقوم مقَام فعل الْمُقِيم وَلم يُوجد ذَلِك فِي حق الْمُسَافِر
وَإِن صلى فِي مَسْجِد بِأَذَان وَإِقَامَة هَل يكره أَن يُؤذن ويقام فِيهِ ثَانِيًا ينظر إِن كَانَ مَسْجِدا لَهُ أهل مَعْلُوم فَإِن صلى فِيهِ غير أَهله بِأَذَان وَإِقَامَة لَا يكره لأَهله أَن يصلوا فِيهِ بِجَمَاعَة مَعَ الْأَذَان وَالْإِقَامَة وَإِن صلى فِيهِ أَهله بِأَذَان وَإِقَامَة أَو بعض أَهله فَإِنَّهُ يكره لغير أَهله
стр. 108
وللباقين من أَهله أَن يُعِيدُوا الْأَذَان وَالْإِقَامَة
وَهَذَا عندنَا
وَقَالَ الشَّافِعِي لَا يكره تكْرَار الْأَذَان وَالْإِقَامَة
وَهَذِه الْمَسْأَلَة فِي الْحَاصِل بِنَاء على مَسْأَلَة أُخْرَى أَن تكْرَار الْجَمَاعَة لصَلَاة وَاحِدَة فِي مَسْجِد وَاحِد هَل يكره فَفِي كل مَوضِع يكره تكْرَار الْجَمَاعَة يكره تكْرَار الْأَذَان وَفِي كل مَوضِع لَا يكره تكْرَار الْجَمَاعَة لَا يكره لِأَنَّهُمَا من سنة الصَّلَاة بِجَمَاعَة وَالْجَوَاب فِيهِ مَا ذكرنَا
وعَلى قَول الشَّافِعِي لَا يكره تكْرَار الْجَمَاعَة مرّة بعد أُخْرَى فِي الْمَسْجِد كَيْفَمَا كَانَ
وَرُوِيَ عَن أبي يُوسُف وَمُحَمّد أَنه إِنَّمَا يكره إِذا كَانَ على سَبِيل الِاجْتِمَاع والتداعي وَقَامَ فِي الْمِحْرَاب
فإمَّا إِذا أَقَامَ الصَّلَاة بِوَاحِد أَو بِاثْنَيْنِ فِي نَاحيَة الْمَسْجِد فَلَا يكره
وَإِن كَانَ لَهُ أهل معلومون فَإِن صلى فِيهِ غير أَهله بِأَذَان الطّرق فَإِنَّهُ لَا يكره فِيهِ تكْرَار الْجَمَاعَة بِالْإِجْمَاع
وَأما الْفَوَائِت فتقام بِالْجَمَاعَة بِأَذَان وَإِقَامَة عندنَا وَعند الشَّافِعِي فِي قَول يقْضِي بِالْإِقَامَةِ لَا غير
وَفِي قَول بِغَيْر أَذَان وَإِقَامَة
وَرُوِيَ فِي غير رِوَايَة الأَصْل عَن مُحَمَّد أَنه إِذا فَاتَت صلوَات يقْضِي الأولى بِأَذَان وَإِقَامَة وَالْبَاقِي بِالْإِقَامَةِ دون الْأَذَان
وَحكي عَن أبي بكر الرَّازِيّ أَنه قَالَ يجوز أَن يكون مَا قَالَ مُحَمَّد قَوْلهم جَمِيعًا
стр. 109
وَالْمَذْكُور فِي الْكتاب مَحْمُول على الصَّلَاة الْوَاحِدَة فيرتفع الْخلاف بَين أَصْحَابنَا
وَأما بَيَان وَقت الْأَذَان وَالْإِقَامَة فَنَقُول وقتهما هُوَ وَقت الصَّلَوَات المكتوبات حَتَّى إِذا أذن قبل أَوْقَاتهَا لَا يجوز وَهَذَا جَوَاب ظَاهر الرِّوَايَة
وَرُوِيَ عَن أبي يُوسُف أَنه قَالَ فِي صَلَاة الْفجْر إِذا أذن فِي النّصْف الْأَخير من اللَّيْل يجوز وَبِه أَخذ الشَّافِعِي
وَالصَّحِيح قَوْلنَا لما رُوِيَ عَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁ عَن النَّبِي ﵇ أَنه قَالَ لَا يمنعكم أَذَان بِلَال من السّحُور فَإِنَّهُ يُؤذن بلَيْل ليوقظ نائمكم وَيرجع قائمكم ويتسحر صائمكم فَعَلَيْكُم بِأَذَان ابْن أم مَكْتُوم
وَأما بَيَان مَا يجب على السامعين عِنْد الْأَذَان فَنَقُول يجب عَلَيْهِم الْإِجَابَة على مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﵇ أَنه قَالَ أَربع من الْجفَاء وَذكر من جُمْلَتهَا وَمن سمع الْأَذَان وَالْإِقَامَة وَلم يجب
والإجابة أَن يَقُول مثل مَا قَالَه الْمُؤَذّن إِلَّا فِي قَوْله حَيّ على الصَّلَاة حَيّ على الْفَلاح فَإِنَّهُ يَقُول مَكَان ذَلِك لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم لِأَن إِعَادَة ذَلِك تشبه المحاكاة والاستهزاء
وَكَذَا إِذا قَالَ الْمُؤَذّن الصَّلَاة خير من النّوم فَلَا يَقُول السَّامع مثله لِأَنَّهُ يشبه المحاكاة وَلَكِن يَقُول صدقت وبالحق نطقت وبررت
стр. 110
وَكَذَا يَنْبَغِي أَن لَا يتَكَلَّم فِي حَال الْأَذَان وَالْإِقَامَة وَلَا يقْرَأ الْقُرْآن وَلَا يشْتَغل بِشَيْء من الْأَعْمَال سوى الْإِجَابَة
وَلَو أَن فِي قِرَاءَة الْقُرْآن حِين سمع الْأَذَان يَنْبَغِي أَن يقطع الْقِرَاءَة ويستمع الْأَذَان ويجيب هَكَذَا ذكر فِي الْفَتَاوَى
وَالله أعلم
стр. 111
بَاب اسْتِقْبَال الْقبْلَة
لَا يَخْلُو إِمَّا إِن كَانَ قَادِرًا على الِاسْتِقْبَال أَو كَانَ عَاجِزا
فَإِن كَانَ قَادِرًا يجب عَلَيْهِ أَن يتَوَجَّه إِلَى الْقبْلَة
فَإِن كَانَ فِي حَال مُشَاهدَة الْكَعْبَة فَإلَى عينهَا
وَإِن كَانَ فِي حَالَة الْبعد يجب التَّوَجُّه إِلَى الْمِحْرَاب والمنصوب بالأمارات الدَّالَّة عَلَيْهَا هَكَذَا ذكر أَبُو الْحسن هَهُنَا
وَقَالَ بَعضهم الْوَاجِب إِصَابَة عين الْكَعْبَة بِالِاجْتِهَادِ والتحري فِي حَالَة الْبعد
وَالصَّحِيح هُوَ الأول
وَلِهَذَا إِن من دخل الْبَلدة وعاين المحاريب المنصوبة يجب عَلَيْهِ أَن يُصَلِّي إِلَيْهَا وَلَا يجوز لَهُ أَن يتحَرَّى لِأَن الْجِهَة صَارَت قبْلَة باجتهادهم الْمَبْنِيّ على الأمارات الدَّالَّة عَلَيْهَا من النُّجُوم وَالشَّمْس وَالْقَمَر فَيكون فَوق الِاجْتِهَاد بِالتَّحَرِّي
وَكَذَا إِذا دخل مَسْجِدا لَا محراب لَهُ وبحضرته أهل الْمَسْجِد فتحرى وَصلى لَا يُجزئهُ
وَكَذَلِكَ إِذا كَانَ فِي الْمَفَازَة وَالسَّمَاء مصحية وَله علم بالاستدلال
стр. 112
بالنجوم على الْقبْلَة لَا يجوز لَهُ التَّحَرِّي لِأَن هَذَا فَوق التَّحَرِّي
وَأما إِذا كَانَ عَاجِزا فإمَّا إِن كَانَ عَاجِزا بِعُذْر من الْأَعْذَار مَعَ الْعلم بالقبلة أَو كَانَ عَاجِزا بِسَبَب الِاشْتِبَاه
فَإِن كَانَ عَاجِزا بِعُذْر فَلهُ أَن يُصَلِّي إِلَى أَي جِهَة كَانَ يسْقط عَنهُ الِاسْتِقْبَال وَذَلِكَ نَحْو أَن يخَاف على نَفسه من الْعَدو فِي صَلَاة الْخَوْف أَو كَانَ بِحَال لَو اسْتقْبل الْقبْلَة يقف عَلَيْهِ الْعَدو أَو قطاع الطَّرِيق أَو السَّبع أَو كَانَ على خَشَبَة فِي السَّفِينَة فِي الْبَحْر لَو وَجههَا إِلَى الْقبْلَة يغرق غَالِبا وَنَحْو ذَلِك
وَأما إِذا كَانَ بِسَبَب الِاشْتِبَاه وَهُوَ أَن يكون فِي الْمَفَازَة فِي لَيْلَة مظْلمَة أَو كَانَ لَا يعلم بالأمارات الدَّالَّة على الْقبْلَة وَلَيْسَ مَعَه من يسْأَله عَن الْقبْلَة فَعَلَيهِ أَن يُصَلِّي بِالتَّحَرِّي فِي هَذِه الْحَالة
فَإِذا صلى إِلَى جِهَة من الْجِهَات فَلَا يَخْلُو إِمَّا إِن صلى إِلَى جِهَة بِالتَّحَرِّي أَو بِدُونِ التَّحَرِّي
أما إِذا صلى بِدُونِ التَّحَرِّي فَلَا يَخْلُو من ثَلَاثَة أوجه إِمَّا إِن كَانَ لَا يخْطر بِبَالِهِ شَيْء وَلم يشك فِي جِهَة الْقبْلَة أَو خطر بِبَالِهِ وَشك فِي وجهة الْكَعْبَة وَصلى من غير التَّحَرِّي
أَو تحرى وَوَقع تحريه على جِهَة وَصلى إِلَى الْجِهَة الَّتِي لم يَقع عَلَيْهَا التَّحَرِّي
أما إِذا لم يخْطر بِبَالِهِ شَيْء وَلم يشك فِي جِهَة الْقبْلَة فصلى إِلَى جِهَة من الْجِهَات فَالْأَصْل هُوَ الْجَوَاز
فَإِذا مضى على هَذِه الْحَالة وَلم يخْطر بِبَالِهِ شَيْء صَارَت الْجِهَة الَّتِي صلى إِلَيْهَا قبْلَة لَهُ ظَاهرا فَأَما إِذا
стр. 113
ظهر خَطؤُهُ بِيَقِين بِأَن انجلى الظلام وَتبين أَنه صلى إِلَى غير الْقبْلَة أَو تحرى وَوَقع تحريه على غير الْجِهَة الَّتِي صلى إِلَيْهَا فَإِنَّهُ يُعِيد الصَّلَاة إِن كَانَ بعد الْفَرَاغ وَإِن كَانَ فِي الصَّلَاة يسْتَقْبل
وَأما إِذا شكّ وَلم يتحر وَصلى إِلَى جِهَة فَالْأَصْل هُوَ الْفساد
إِن ظهر بِيَقِين أَو بِالتَّحَرِّي أَن الْجِهَة الَّتِي صلى إِلَيْهَا لَيست بقبلة تقرر الْفساد وَإِن ظهر أَن الْجِهَة الَّتِي صلى إِلَيْهَا قبْلَة فَإِن كَانَ بعد الْفَرَاغ من الصَّلَاة يحكم بجوازها وَلَا يُعِيد وَإِن ظهر فِي وسط الصَّلَاة فَعِنْدَ أبي يُوسُف يَبْنِي على صلَاته كَمَا قُلْنَا وَفِي ظَاهر الرِّوَايَة يسْتَقْبل الصَّلَاة
وَأما إِذا تحرى وَوَقع تحريه إِلَى جِهَة ثمَّ صلى إِلَى جِهَة أُخْرَى وَأصَاب الْقبْلَة فَلَا يجوز عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد
وَعند أبي يُوسُف يجوز
فَأَما إِذا صلى إِلَى الْجِهَة الَّتِي تحرى ثمَّ ظهر أَنه أَخطَأ
فَإِن ظهر أَنه صلى إِلَى اليمنة أَو اليسرة جَازَ بِلَا خلاف وَإِن ظهر أَنه صلى مستدبر الْكَعْبَة يجوز عندنَا
وَعند الشَّافِعِي لَا يجوز
وَالصَّحِيح قَوْلنَا لِأَن الْقبْلَة فِي حَالَة الِاشْتِبَاه هِيَ الْجِهَة الَّتِي تحرى إِلَيْهَا لقَوْله تَعَالَى ﴿فأينما توَلّوا فثم وَجه الله﴾
стр. 114
بَاب افْتِتَاح الصَّلَاة
افْتِتَاح الصَّلَاة يتَعَلَّق بفروض وَسنَن فَلَا يَصح بِدُونِ استجماع فروضه وَلَا يتم بِدُونِ إتْيَان سنَنه
أما فروضه فَمَا ذكرنَا من الشَّرَائِط السِّتَّة وَهِي الطَّهَارَة وَستر الْعَوْرَة واستقبال الْقبْلَة وَالْوَقْت وَالنِّيَّة وَتَكْبِيرَة الِافْتِتَاح
وَلَا خلاف فِي هَذِه الْجُمْلَة إِلَّا فِي تَكْبِيرَة الِافْتِتَاح
فَعِنْدَ أبي بكر الْأَصَم يَصح الشُّرُوع فِي الصَّلَاة بِمُجَرَّد النِّيَّة دون التَّكْبِير
وَهُوَ فَاسد لقَوْل النَّبِي ﵇ لَا يقبل الله صَلَاة امرىء حَتَّى يضع الطّهُور موَاضعه وَيسْتَقْبل الْقبْلَة وَيَقُول الله أكبر
ثمَّ عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد يَصح الشُّرُوع بِكُل ذكر هُوَ ثَنَاء خَالص لله تَعَالَى مُرَاد بِهِ تَعْظِيمه لَا غير نَحْو أَن يَقُول الله أكبر الله أعظم
وَكَذَا كل اسْم ذكر مَعَ الصّفة نَحْو الرَّحْمَن أعظم الرَّحِيم أجل أَو يَقُول الْحَمد لله أَو سُبْحَانَ الله أَو لَا إِلَه إِلَّا الله سَوَاء كَانَ يحسن التَّكْبِير أَو لَا يحسن
وَقَالَ أَبُو يُوسُف لَا يصير شَارِعا إِلَّا بِأَلْفَاظ مُشْتَقَّة من التَّكْبِير لَا غير وَهِي ثَلَاثَة أَلْفَاظ الله أكبر الله الْأَكْبَر الله الْكَبِير
стр. 115
إِلَّا إِذا كَانَ لَا يحسن التَّكْبِير
وَقَالَ الشَّافِعِي لَا يَصح إِلَّا بقوله الله أكبر الله الْأَكْبَر
وَقَالَ مَالك لَا يصير شَارِعا إِلَّا بقوله الله أكبر
فَأَما إِذا قَالَ الله أَو الرَّحْمَن أَو الرَّحِيم وَلم يقرن بِهِ الصّفة هَل يصير شَارِعا لم يذكر فِي الرِّوَايَة وروى الْحسن عَن أبي حنيفَة أَنه يصير شَارِعا وَفِي الْجَامِع الصَّغِير إِشَارَة إِلَيْهِ فَإِنَّهُ ذكر إِذا قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله يصير شَارِعا والشروع يَصح بقوله الله لَا بِالنَّفْيِ
وَأَجْمعُوا أَنه إِذا قَالَ اللَّهُمَّ اغْفِر لي لَا يصير شَارِعا لِأَنَّهُ لم يخلص تَعْظِيم الله تَعَالَى بِهِ لِأَن غَرَضه الدُّعَاء
وَاخْتلف الْمَشَايِخ فِيمَا إِذا قَالَ اللَّهُمَّ وَلم يذكر شَيْئا آخر
فَأَما إِذا قَالَ بِالْفَارِسِيَّةِ خداىء بزرك تَرَ أَو خداىء بزرك فعلى قَول أبي حنيفَة يصير شَارِعا كَيْفَمَا كَانَ
وعَلى قَوْلهمَا إِن كَانَ لَا يحسن الْعَرَبيَّة فَكَذَلِك وَإِن كَانَ يحسن لَا يجوز
ثمَّ إِنَّمَا يصير شَارِعا إِذا كبر فِي حَال الْقيام إِذا كَانَ قَادِرًا
فَأَما إِذا كبر قَاعِدا ثمَّ قَامَ لَا يصير شَارِعا
فَأَما إِذا لم يكن قَادِرًا على الْقيام فَيجوز
ثمَّ النِّيَّة شَرط صِحَة الشُّرُوع لِأَن الْعِبَادَة لَا تصح بِدُونِ النِّيَّة
стр. 116
وتفسيرها إِرَادَة الصَّلَاة لله تَعَالَى على الخلوص والإرادة عمل الْقلب
ثمَّ ذكر مَا نوى بِقَلْبِه بِاللِّسَانِ هَل هُوَ سنة عِنْد بَعضهم لَيْسَ بِسنة
وَقَالَ بَعضهم هُوَ سنة مُسْتَحبَّة فَإِن مُحَمَّدًا ذكر فِي كتاب الْمَنَاسِك إِذا أردْت أَن تحرم الْحَج إِن شَاءَ الله فَقل اللَّهُمَّ إِنِّي أُرِيد الْحَج فيسره لي وتقبله مني فههنا يجب أَن يَقُول اللَّهُمَّ إِنِّي أُرِيد صَلَاة كَذَا فيسرها لي وتقبلها مني
ثمَّ لَا يَخْلُو إِمَّا إِن كَانَ مُنْفَردا أَو إِمَامًا أَو مقتديا
فَإِن كَانَ مُنْفَردا أَو إِمَامًا فَإِن كَانَ يُصَلِّي التَّطَوُّع يَنْوِي أصل الصَّلَاة وَإِن كَانَ يُصَلِّي الْفَرْض يَنْبَغِي أَن يَنْوِي فرض الْوَقْت أَو ظهر الْوَقْت وَلَا يَكْفِيهِ نِيَّة مُطلق الصَّلَاة لِأَن الْفَرَائِض من الصَّلَوَات مَشْرُوعَة فِي الْوَقْت فَلَا بُد من التَّعْيِين
وَكَذَا يَنْبَغِي أَن يَنْوِي صَلَاة الْجُمُعَة وَصَلَاة الْعِيدَيْنِ وَصَلَاة الْجِنَازَة لِأَن التَّعْيِين يحصل بِهَذَا
وَإِن كَانَ مقتديا يحْتَاج إِلَى مَا يحْتَاج إِلَيْهِ الْمُنْفَرد وَيحْتَاج إِلَيّ نِيَّة الِاقْتِدَاء بِالْإِمَامِ
بِأَن يَنْوِي فرض الْوَقْت والاقتداء بِالْإِمَامِ فِيهِ أَو يَنْوِي الشُّرُوع فِي صَلَاة الإِمَام أَو يَنْوِي الِاقْتِدَاء بِالْإِمَامِ فِي صلَاته
ثمَّ الْأَفْضَل فِي النِّيَّة أَن تكون مُقَارنَة لتكبير وَلَكِن الْقُرْآن لَيْسَ بِشَرْط عِنْد أَصْحَابنَا
وَقَالَ الشَّافِعِي شَرط
وَلَكِن إِذا نوى قبل الشُّرُوع وَلم يشْتَغل بِعَمَل آخر جَازَ
стр. 117
وَإِذا نوى بعد التَّكْبِير لَا يجوز لِأَن الْحَرج ينْدَفع بِتَقْدِيم النِّيَّة إِلَّا مَا رُوِيَ عَن الْكَرْخِي أَنه يجوز إِذا نوى وَقت الثَّنَاء
وَنِيَّة الْكَعْبَة شَرط عِنْد بعض الْمَشَايِخ وَعند بَعضهم لَيْسَ بِشَرْط وَهُوَ الْأَصَح
وَأما سنَن الِافْتِتَاح فَأن يحذف التَّكْبِير وَلَا يطول وَأَن يرفع الْيَدَيْنِ عِنْد تَكْبِيرَة الِافْتِتَاح مُقَارنًا لَهَا
وَالسّنة فِي رفع الْيَدَيْنِ أَن ينشر بالأصابع وَيجْعَل كفيه مستقبلي الْقبْلَة
وَأَرَادَ بالنشر أَن لَا يرفعهما مضمومتين بل مفتوحتين حَتَّى تكون الْأَصَابِع نَحْو الْقبْلَة لَا أَن يفرج بَين الْأَصَابِع تفريجا
وَيرْفَع يَدَيْهِ حذاء أُذُنَيْهِ
وَقَالَ الشَّافِعِي يرفع حَذْو مَنْكِبَيْه
وَقَالَ مَالك يرفع حذاء رَأسه
وَلم يذكر فِي ظَاهر الرِّوَايَة حكم الْمَرْأَة
وروى الْحسن عَن أبي حنيفَة أَنَّهَا ترفع يَديهَا حذاء أذنيها كَالرّجلِ لِأَن كفيها ليسَا بِعَوْرَة
وروى مُحَمَّد بن مقَاتل عَن أَصْحَابنَا إِنَّهَا ترفع يَديهَا حذاء منكبيها
فَإِذا فرغ الْمُصَلِّي من التَّكْبِير يضع يَمِينه على شِمَاله تَحت السُّرَّة
وَقَالَ مَالك السّنة هِيَ إرْسَال الْيَدَيْنِ حَالَة الْقيام
وروى عَن مُحَمَّد فِي النَّوَادِر أَنه يرسلهما حَالَة الثَّنَاء فَإِذا فرغ من
стр. 118
الثَّنَاء يضع يَمِينه على شِمَاله
وَقَالَ الشَّافِعِي يضعهما على الصَّدْر
ثمَّ يَقُول سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك وتبارك اسْمك وَتَعَالَى جدك وَلَا إِلَه غَيْرك سَوَاء كَانَ مَعَ الإِمَام أَو وَحده
وَرُوِيَ عَن أبي يُوسُف يَنْبَغِي أَن يَقُول مَعَ التَّسْبِيح ﴿إِنِّي وجهت وَجْهي للَّذي فطر السَّمَاوَات وَالْأَرْض حَنِيفا وَمَا أَنا من الْمُشْركين﴾ ﴿قل إِن صَلَاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب الْعَالمين﴾
ثمَّ يتَعَوَّذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم إِذا كَانَ إِمَامًا أَو مُنْفَردا فَهُوَ سنة فِي حَقّهمَا دون المتقدي عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد وَلَا يَنْبَغِي أَن يَأْتِي بِهِ
وعَلى قَول أبي يُوسُف سنة فِي حَقه أَيْضا
وَحَاصِل الْخلاف أَن التَّعَوُّذ تبع للثناء أَو تبع للْقِرَاءَة فعلى قَوْلهمَا تبع للْقِرَاءَة وعَلى قَوْله تبع للثناء
وَيخرج عَلَيْهِ ثَلَاث مسَائِل إِحْدَاهمَا أَن الْمُقْتَدِي لَا قِرَاءَة عَلَيْهِ فَلَا يَأْتِي بِمَا هُوَ تبع لَهَا عِنْدهمَا
والمقتدي يَأْتِي بالثناء فَيَأْتِي بِمَا هُوَ تبع لَهُ عِنْده
وَالثَّانيَِة المسبق إِذا شرع فِي صَلَاة الإِمَام وَسبح لَا يتَعَوَّذ وَإِذا قَامَ إِلَى قَضَاء مَا سبق بِهِ يتَعَوَّذ عِنْد ابْتِدَاء الْقِرَاءَة عِنْدهمَا
وَعِنْده يتَعَوَّذ عِنْد التَّسْبِيح لما ذكرنَا
وَالثَّالِثَة الإِمَام
فِي صَلَاة الْعِيد يَأْتِي بالتعوذ بعد التَّكْبِيرَات
стр. 119
عِنْدهمَا لِأَنَّهُ وَقت الْقِرَاءَة وَعِنْده يَأْتِي بِهِ قبل التَّكْبِيرَات كالتسبيح
ثمَّ يخفي بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَهَذَا عندنَا
وَعند الشَّافِعِي يجْهر
وَهَذَا بِنَاء على أَن التَّسْمِيَة عِنْده من الْفَاتِحَة قولا وَاحِدًا وَمن رَأس كل سُورَة قَوْلَيْنِ فيجهر بهما بِمَنْزِلَة الْفَاتِحَة وَالسورَة
وَعِنْدنَا هِيَ آيَة من الْقُرْآن أنزلت للفصل بَين السُّور والافتتاح بهَا تبركا وَلَيْسَت من الْفَاتِحَة وَلَا من رَأس كل سُورَة فَلَا يجْهر بهَا وَلَكِن يَأْتِي بهَا الإِمَام لافتتاح الْقِرَاءَة بهَا تبركا كَمَا يَأْتِي بالتعوذ فِي الرِّوَايَات كلهَا فِي الرَّكْعَة الأولى
وَهل يَأْتِي بهَا فِي أول الْفَاتِحَة فِي الرَّكْعَات الْأُخَر فَعَن أبي حنيفَة رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَة الْحسن لَا يَأْتِي بهَا
وَفِي رِوَايَة الْمُعَلَّى يَأْتِي وَهُوَ قَول أبي يُوسُف وَمُحَمّد
وَهل يَأْتِي بهَا عِنْد رَأس كل سُورَة فِي الصَّلَاة على قَول أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف لَا يَأْتِي بهَا
وَقَالَ مُحَمَّد يَأْتِي بهَا
ثمَّ الْقِرَاءَة فرض فِي الصَّلَاة عِنْد عَامَّة الْعلمَاء خلافًا لأبي بكر الْأَصَم وسُفْيَان بن عُيَيْنَة لما رُوِيَ عَن النَّبِي ﵇ أَنه قَالَ لَا صَلَاة إِلَّا بِقِرَاءَة وَهَذَا فِي حق الإِمَام وَالْمُنْفَرد
فَأَما الْمُقْتَدِي فَلَا قِرَاءَة عَلَيْهِ عندنَا
وَعند الشَّافِعِي عَلَيْهِ الْقِرَاءَة وَالْمَسْأَلَة مَعْرُوفَة
ثمَّ عندنَا الْقِرَاءَة فرض فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأَوليين حَتَّى لَو تَركهَا فِي
стр. 120
الْأَوليين وَقرأَهَا فِي الْأُخْرَيَيْنِ وَيكون قَضَاء على الْأَوليين وَهُوَ الصَّحِيح من مَذْهَب أَصْحَابنَا
وَقدر الْقِرَاءَة الْمَفْرُوض عِنْد أبي حنيفَة آيَة وَاحِدَة
وَعِنْدَهُمَا آيَة طَوِيلَة أَو ثَلَاث آيَات قَصِيرَة
وَقِرَاءَة الْفَاتِحَة وَالسورَة جَمِيعًا فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأَوليين لَيست بِفَرْض عندنَا
وَعند الشَّافِعِي فرض
وَلَكِن قراءتهما جَمِيعًا فِي الْأَوليين عندنَا وَاجِبَة حَتَّى لَو تَركهمَا أَو ترك إِحْدَاهمَا عمدا يكون مسيئا وَإِن كَانَ سَاهِيا يلْزمه سُجُود السَّهْو
وَأما فِي الْأُخْرَيَيْنِ فَالسنة أَن يقْرَأ بِفَاتِحَة الْكتاب لَا غير
وَلَو سبح فِي كل رَكْعَة ثَلَاث تسبيحات أَجزَأَهُ وَلَا يكون مسيئا
وَإِن لم يقْرَأ وَلم يسبح وَسكت أَجْزَأته صلَاته وَيكون مسيئا
وَرُوِيَ عَن أبي يُوسُف هُوَ بِالْخِيَارِ فِي الْأُخْرَيَيْنِ إِن شَاءَ قَرَأَ وَإِن شَاءَ سبح وَإِن شَاءَ سكت
ويجهر بِالْقِرَاءَةِ فِي جَمِيع الصَّلَوَات الْمَفْرُوضَة إِلَّا فِي صَلَاة الظّهْر وَالْعصر
وَكَذَا يجْهر فِي كل صَلَاة يشْتَرط فِيهَا الْجَمَاعَة سَوَاء كَانَت فرضا أَو وَاجِبَة كَصَلَاة الْجُمُعَة وَالْعِيدَيْنِ
ثمَّ إِن كَانَ إِمَامًا يجب عَلَيْهِ مُرَاعَاة الْجَهْر فِيمَا يجْهر والمخافتة فِيمَا يُخَافت سَوَاء كَانَ فِي الْفَرْض أَو الْوَاجِب أَو التَّطَوُّع كَمَا فِي
стр. 121
الترويحات وَالْوتر وَالْعِيدَيْنِ حَتَّى لَو ترك ذَلِك سَاهِيا يجب عَلَيْهِ سُجُود السَّهْو
وَإِن كَانَ مُنْفَردا إِن كَانَت صَلَاة يُخَافت فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ خَافت
وَلَو جهر فِيهَا عمدا يكون مسيئا
وَإِن كَانَ سَاهِيا لَا يجب عَلَيْهِ السَّهْو بِخِلَاف الْأَمَام
وَإِن كَانَت صَلَاة يجْهر فِيهَا فَهُوَ بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ جهر وَإِن شَاءَ خَافت كَذَا ذكر هَهُنَا
وَفسّر فِي مَوضِع آخر أَنه مُخَيّر بَين خيارات ثَلَاث إِن شَاءَ جهر وأسمع غَيره وَإِن شَاءَ جهر وأسمع نَفسه
وَإِن شَاءَ أسر الْقِرَاءَة فِي نَفسه
وَلَو قَرَأَ الْقُرْآن بِالْفَارِسِيَّةِ فِي الصَّلَاة فعلى قَول أبي حنيفَة ﵁ تجوز صلَاته سَوَاء كَانَ يحسن الْعَرَبيَّة أَو لَا يحسن
وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد إِن كَانَ يحسن الْعَرَبيَّة لَا يجوز
وَإِن كَانَ لَا يحسن يجوز
وَقَالَ الشَّافِعِي لَا يجوز فِي الْحَالين جَمِيعًا
ثمَّ مِقْدَار الْقِرَاءَة الَّذِي يخرج بِهِ عَن حد الْكَرَاهَة هُوَ فَاتِحَة الْكتاب
وَسورَة قَصِيرَة قدر ثَلَاث آيَات أَو ثَلَاث آيَات من أَيَّة سُورَة كَانَت
وَاخْتلفت الرِّوَايَات فِي مِقْدَار الْمُسْتَحبّ عَن أبي حنيفَة
ذكر فِي كتاب الصَّلَاة وَيقْرَأ فِي الْفجْر بِأَرْبَعِينَ آيَة مَعَ فَاتِحَة الْكتاب أَي سواهَا
وَفِي الظّهْر نَحوا من ذَلِك أَو دونه
وَفِي الْعَصْر عشْرين آيَة مَعَ فَاتِحَة الْكتاب أَي سواهَا
وَفِي الْمغرب يقْرَأ فِي كل رَكْعَة
стр. 122
من الْأَوليين سُورَة قَصِيرَة خمس آيَات أَو سِتا مَعَ فَاتِحَة الْكتاب أَي سواهَا
وَيقْرَأ فِي الْعشَاء مثل مَا يقْرَأ فِي الْعَصْر
وروى الْحسن عَن أبي حنيفَة فِي الْمُجَرّد أَنه يقْرَأ فِي الْفجْر مَا بَين سِتِّينَ إِلَى مائَة آيَة
وَفِي الظّهْر يقْرَأ ب ﴿عبس﴾ أَو ﴿إِذا الشَّمْس كورت﴾ فِي الأولى وَفِي الثَّانِيَة ب ﴿لَا أقسم﴾ أَو ﴿وَالشَّمْس وَضُحَاهَا﴾
وَفِي الْعَصْر يقْرَأ فِي الأولى ﴿وَالضُّحَى﴾ أَو ﴿وَالْعَادِيات﴾ وَفِي الثَّانِيَة ب ﴿أَلْهَاكُم﴾ أَو ﴿ويل لكل همزَة﴾
وَفِي الْمغرب يقْرَأ فِي الْأَوليين مثل مَا يقْرَأ فِي الْعَصْر
وَفِي الْأَوليين من الْعشَاء مثل مَا فِي الظّهْر
وَذكر فِي الْجَامِع الصَّغِير وَيقْرَأ فِي الْفجْر بِأَرْبَعِينَ أَو خمسين أَو سِتِّينَ سوى الْفَاتِحَة
وَفِي الظّهْر يقْرَأ فِي الْأَوليين مثل رَكْعَتي الْفجْر
وَالْعصر وَالْعشَاء سَوَاء
وَالْمغْرب دون ذَلِك
وروى الْكَرْخِي عَن الْمُعَلَّى عَن أبي يُوسُف عَن أبي حنيفَة فِي مُخْتَصره وَقدر الْقِرَاءَة فِي الْفجْر للمقيم ثَلَاثُونَ آيَة إِلَى سِتِّينَ سوى الْفَاتِحَة فِي الأولى وَفِي الثَّانِيَة مَا بَين عشْرين إِلَى ثَلَاثِينَ
وَفِي الظّهْر فِي الرَّكْعَتَيْنِ جَمِيعًا سوى الْفَاتِحَة مثل الْقِرَاءَة فِي الرَّكْعَة الأولى من الْفجْر
وَفِي الْعَصْر وَالْعشَاء يقْرَأ فِي كل رَكْعَة قدر عشْرين آيَة سوى فَاتِحَة الْكتاب وَفِي الْمغرب بِفَاتِحَة الْكتاب وَسورَة من قصار الْمفصل
وَهَذِه الرِّوَايَة أحب الرِّوَايَات إِلَيّ
وَقَالَ مَشَايِخنَا للْإِمَام أَن يعْمل بِأَكْثَرَ الرِّوَايَات قِرَاءَة فِي مَسْجِد لَهُ قوم زهاد وَعباد وبأوسطها فِي مَسْجِد لَهُ قوم أوساط وبأدناها فِي مَسْجِد يكون على شوارع الطّرق عملا بالروايات كلهَا
هَذَا فِي حق الْمُقِيم فَأَما الْمُسَافِر فَيَنْبَغِي أَن يقْرَأ مِقْدَار مَا يخف عَلَيْهِ
وَأما فِي الْوتر فَإِنَّهُ يقْرَأ الْفَاتِحَة وَسورَة قَصِيرَة وَلَا تَوْقِيت فِيهِ وَيقْرَأ أَحْيَانًا ﴿سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى﴾ و ﴿قل يَا أَيهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قل هُوَ الله﴾
стр. 123
وعَلى الْقَوْم بِأَن يقْرَأ فَاتِحَة الْكتاب وَسورَة قَصِيرَة أحد وَلَا يواظب
وَهَذَا إِذا صلى الْوتر بِجَمَاعَة فَإِن صلى وَحده لَهُ أَن يقْرَأ كَيْفَمَا شَاءَ
وَأما فِي صَلَاة التَّطَوُّع فَلهُ أَن يقْرَأ مَا شَاءَ قل أَو كثر بعد أَن خرج عَن حد الْكَرَاهَة لِأَنَّهُ لَا يُؤَدِّي إِلَى تنفير الْقَوْم
وَالله أعلم
وَإِذا فرغ من الْفَاتِحَة فَإِنَّهُ يَقُول آمين إِمَامًا كَانَ أَو مُنْفَردا أَو مقتديا وَهَذَا قَول عَامَّة الْعلمَاء
وَقَالَ بَعضهم لَا يُؤْتى بالتأمين أصلا
وَقَالَ مَالك يَأْتِي بِهِ الْمُقْتَدِي دون الإِمَام وَالْمُنْفَرد
وَلَكِن عندنَا يُؤْتى بِهِ على وَجه المخافتة فَهُوَ السّنة
وَقَالَ الشَّافِعِي يجْهر بِهِ فِي صَلَاة يجْهر فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ
وَالصَّحِيح قَوْلنَا لِأَنَّهُ من بَاب الدُّعَاء وَالْأَصْل فِي الدُّعَاء المخافتة دون الْجَهْر
فَإِذا فرغ من الْقِرَاءَة ينحط للرُّكُوع وَيكبر مَعَ الانحطاط وَلَا يرفع يَدَيْهِ عندنَا
وَقَالَ الشَّافِعِي يرفع
وَكَذَلِكَ عِنْد رفع الرَّأْس من الرُّكُوع
وَالصَّحِيح مَذْهَبنَا لما رُوِيَ عَن ابْن عباسرضي الله عَنهُ أَنه
стр. 124
قَالَ إِن الْعشْرَة الَّذين بشر لَهُم رَسُول الله ﵇ بِالْجنَّةِ مَا كَانُوا يرفعون أَيْديهم إِلَّا لافتتاح الصَّلَاة وَخلاف هَؤُلَاءِ الصَّحَابَة قَبِيح
ثمَّ قدر الْمَفْرُوض فِي الرُّكُوع هُوَ أصل الانحناء
وَكَذَلِكَ فِي السُّجُود هُوَ أصل الْوَضع
فَأَما الطُّمَأْنِينَة والقرار فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود فَلَيْسَ بِفَرْض عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد
وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَالشَّافِعِيّ إِن الْفَرْض هُوَ الرُّكُوع وَالسُّجُود مَعَ الطُّمَأْنِينَة بِمِقْدَار تَسْبِيحَة وَاحِدَة حَتَّى لَو ترك تجوز صلَاته عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد وَعِنْدَهُمَا لَا تجوز
ولقب الْمَسْأَلَة أَن تَعْدِيل الْأَركان لَيْسَ بِفَرْض عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد وَعِنْدَهُمَا فرض
وعَلى هَذَا القومة الَّتِي بعد الرُّكُوع والقعدة الَّتِي بَين السَّجْدَتَيْنِ
وَالصَّحِيح قَول أبي حنيفَة وَمُحَمّد لقَوْل الله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا ارْكَعُوا واسجدوا﴾ وَالرُّكُوع هُوَ الانحناء وَالسُّجُود هُوَ الْوَضع يُقَال سجد الْبَعِير إِذْ وضع جرانه على الأَرْض والطمأنينة دوَام عَلَيْهِ وَالْأَمر بِالْفِعْلِ لَا يَقْتَضِي الدَّوَام فَلَا تجوز الزِّيَادَة عَلَيْهِ بِخَبَر الْوَاحِد
وَأما سنَن الرُّكُوع فَهِيَ أَن يبسط ظَهره وَلَا يرفع رَأسه وَلَا ينكسه حَتَّى يكون رَأسه سويا لعَجزه أَن يضع يَدَيْهِ على رُكْبَتَيْهِ على سَبِيل الْأَخْذ ويفرج بَين أَصَابِعه حَتَّى تكون أمكن للأخذ
стр. 125
وَيَقُول فِي رُكُوعه سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيم ثَلَاثَة وَذَلِكَ أدناه وَإِن زَاد أفضل
وَقَالَ الشَّافِعِي يَكْفِيهِ تَسْبِيحَة وَاحِدَة
هَذَا إِذا كَانَ مُنْفَردا
فَأَما الْمُقْتَدِي فيسبح إِلَى أَن يرفع الإِمَام رَأسه
وَإِن كَانَ إِمَامًا يَنْبَغِي أَن يسبح ثَلَاثًا وَلَا يطول حَتَّى لَا يُؤَدِّي إِلَى تنفير الْقَوْم عَن الْجَمَاعَة
فَإِذا اطْمَأَن رَاكِعا رفع رَأسه وَقَالَ سمع الله لمن حَمده وَلَا يرفع يَدَيْهِ وَلَا يَأْتِي بالتحميد عِنْد أبي حنيفَة إِن كَانَ إِمَامًا
وعَلى قَول أبي يُوسُف وَمُحَمّد وَالشَّافِعِيّ يجمع بَينهمَا
وروى الْحسن بن زِيَاد عَن أبي حنيفَة مثل قَوْلهمَا
وَإِن كَانَ مقتديا فَإِنَّهُ يَأْتِي بالتحميد دون التَّسْبِيح عندنَا
وَقَالَ الشَّافِعِي يجمع بَينهمَا
وَإِن كَانَ مُنْفَردا لم يذكر فِي ظَاهر الرِّوَايَة قَول أبي حنيفَة وَإِنَّمَا ذكر قَوْلهمَا إِنَّه يجمع بَينهمَا
وروى الْحسن بن زِيَاد عَن أبي حنيفَة كَذَلِك
وَفِي رِوَايَة النَّوَادِر أَنه يَأْتِي بالتحميد لَا غير
فَإِذا اطْمَأَن قَائِما ينحط للسُّجُود وَيكبر مَعَ الانحطاط وَلَا يرفع يَدَيْهِ وَيَضَع رُكْبَتَيْهِ على الأَرْض ثمَّ يَدَيْهِ ثمَّ جَبهته ثمَّ أَنفه وَقيل أَنفه ثمَّ جَبهته
ثمَّ السُّجُود فرض على بعض الْوَجْه لَا غير عِنْد أَصْحَابنَا الثَّلَاثَة
стр. 126
وقا لزفرالشافعي السُّجُود على الْأَعْضَاء السَّبْعَة وَهِي الْوَجْه وَالْيَدَانِ وَالرُّكْبَتَانِ وَالْقَدَمَانِ
ثمَّ على قَول أبي حنيفَة مَحل السُّجُود فِي حق الْجَوَاز هِيَ الْجَبْهَة أَو الْأنف غير عين حَتَّى لَو وضع أَحدهمَا فِي حَال الِاخْتِيَار فَإِنَّهُ يجوز غير أَنه لَو وضع الْجَبْهَة وَحدهَا جَازَ من غير كَرَاهَة وَلَو وضع الْأنف وَحده جَازَ مَعَ الْكَرَاهَة
وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد الْفَرْض فِي حَال الِاخْتِيَار هُوَ وضع الْجَبْهَة حَتَّى لَو ترك لَا يجوز
واجمعوا أَنه لَو وضع الْأنف فِي حَال الْعذر جَازَ
وَلَا خلاف أَن الْمُسْتَحبّ هُوَ الْجمع بَينهمَا فِي حَال الِاخْتِيَار
وَأما سنَن السُّجُود فَمِنْهَا أَن يسْجد على الْجَبْهَة من غير حَائِل من الْعِمَامَة والقلنسوة
وَلَكِن لَو سجد على كور الْعِمَامَة وجد صلابة الأَرْض جَازَ كَذَا ذكر مُحَمَّد فِي الْآثَار
وَقَالَ الشَّافِعِي لَا يجوز
وَمِنْهَا أَن يضع يَدَيْهِ حذاء أُذُنَيْهِ فِي السُّجُود وَأَن يُوَجه أَصَابِع يَدَيْهِ نَحْو الْقبْلَة وَأَن يعْتَمد على راحتيه فِي السُّجُود ويبدي ضبعيه وَأَن يعتدل فِي سُجُوده وَلَا يفترض ذِرَاعَيْهِ
وَهَذَا فِي حق الرجل فَأَما الْمَرْأَة فَيَنْبَغِي أَن تفترش ذراعيها وتنخفض وَلَا تنتصب كانتصاب الرجل وتلزق بَطنهَا بفخذيها لِأَن هَذَا أستر لَهَا
وَأَن يَقُول فِي سُجُوده سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى ثَلَاثًا وَذَلِكَ أدناه
стр. 127
قَالَ ثمَّ يرفع رَأسه
وَيكبر حَتَّى يطمئن قَاعِدا ثمَّ يكبر وينحط للسجدة الثَّانِيَة لِأَن السَّجْدَة الثَّانِيَة فرض فَلَا بُد من رفع الرَّأْس للانتقال إِلَيْهَا وَيَقُول وَيفْعل فِيهَا مثل مَا فِي الأولى
قَالَ ثمَّ ينْهض على صُدُور قَدَمَيْهِ مُعْتَمدًا بيدَيْهِ على رُكْبَتَيْهِ لَا على الأَرْض فَلَا يقْعد قعدة خَفِيفَة وَيرْفَع يَدَيْهِ من الأَرْض قبل رُكْبَتَيْهِ
وَهَذَا عندنَا
وَقَالَ الشَّافِعِي يجلس جلْسَة خَفِيفَة ثمَّ يقوم ويعتمد على الأَرْض دون رُكْبَتَيْهِ
وَالصَّحِيح مَذْهَبنَا لما روى أَبُو هُرَيْرَة أَن النَّبِي ﵇ كَانَ ينْهض فِي الصَّلَاة على صُدُور قَدَمَيْهِ
ثمَّ يفعل فِي الرَّكْعَة الثَّانِيَة مثل مَا فعل فِي الأولى
وَيقْعد على رَأس الرَّكْعَتَيْنِ
وَهَذِه الْقعدَة وَاجِبَة شرعت للفصل بَين الشفعين على مَا ذَكرْنَاهُ
فَأَما الْقعدَة الْأَخِيرَة فَفرض عِنْد عَامَّة الْعلمَاء
وَقَالَ مَالك سنة
ثمَّ مِقْدَار فرض الْقعدَة الْأَخِيرَة مِقْدَار التَّشَهُّد لما رُوِيَ عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ عَن النَّبِي ﵇ أَنه قَالَ إِذا رفع الإِمَام رَأسه من السَّجْدَة الْأَخِيرَة وَقعد قدر التَّشَهُّد ثمَّ أحدث فقد تمت صلَاته
وَالسّنة فِي القعدتين أَن يفترض رجله الْيُسْرَى وَيقْعد عَلَيْهَا
وَينصب الْيَمين نصبا وَيُوجه أَصَابِع رجلَيْهِ نَحْو الْقبْلَة وَهَذَا عندنَا
وَقَالَ الشَّافِعِي فِي الْقعدَة الأولى كَذَلِك وَفِي الثَّانِيَة يتورك
وَقَالَ مَالك يتورك فيهمَا
стр. 128
وَتَفْسِير التورك أَن يضع اليتيه على الأَرْض وَيخرج رجلَيْهِ إِلَى جَانِبه الْأَيْمن
هَذَا فِي حق الرجل
أما فِي حق الْمَرْأَة فَذكر محمدفي كتاب الْآثَار تجمع رِجْلَيْهَا من جَانب وَلَا تنتصب انتصاب الرجل
وَذكر مُحَمَّد بن شُجَاع فِي نوادره أَنَّهَا تجْلِس متوركة
ثمَّ التَّشَهُّد الْمُخْتَار عندنَا مَا هُوَ الْمَعْرُوف وَهُوَ تشهد عبد الله بن مَسْعُود
وَالشَّافِعِيّ أَخذ بتشهد عبد الله بن عَبَّاس وَهُوَ أَن يَقُول التَّحِيَّات المباركات الصَّلَوَات الطَّيِّبَات لله سَلام عَلَيْك أَيهَا النَّبِي وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته سَلام علينا وعَلى عباد الله الصَّالِحين
أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله
وَالصَّحِيح مَذْهَبنَا فَإِنَّهُ رُوِيَ عَن أبي بكر ﵁ أَنه علم النَّاس على مِنْبَر رَسُول الله ﷺ هَذَا التَّشَهُّد وَكَانَ ذَلِك بِمحضر من الصَّحَابَة من غير تكبر فَيكون إِجْمَاعًا
ثمَّ التَّشَهُّد فِي الْقعدَة الأولى سنة عَن عَامَّة مَشَايِخنَا وَاجِب عِنْد بَعضهم أما فِي الْقعدَة الْأَخِيرَة فَوَاجِب وَلَيْسَ بِفَرْض
وعَلى قَول الشَّافِعِي فرض
ثمَّ هَل يُزَاد على التَّشَهُّد من الصَّلَوَات والدعوات فَنَقُول فِي التَّشَهُّد الأول لَا يُزَاد عَلَيْهِ شَيْء عِنْد عَامَّة الْعلمَاء
وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ يُزَاد عَلَيْهِ الصَّلَوَات لَا غير
وَأما فِي التَّشَهُّد الْأَخير فيزاد عَلَيْهِ الصَّلَاة على النَّبِي ﵇ ثمَّ
стр. 129
الدَّعْوَات كَذَا ذكر الطَّحَاوِيّ فِي مُخْتَصره وَلم يذكر فِي الأَصْل
ثمَّ الصَّلَوَات سنة مُسْتَحبَّة عندنَا فِي الصَّلَاة
وَقَالَ الشَّافِعِي فرض حَتَّى تفْسد الصَّلَاة بِتَرْكِهَا
وَأما فِي غير حَالَة الصَّلَاة فَكَانَ أَبُو الْحسن الْكَرْخِي يَقُول إِن الصَّلَاة على النَّبِي ﵇ فرض على كل مُسلم بَالغ عَاقل فِي الْعُمر مرّة وَاحِدَة
وَقَالَ الطَّحَاوِيّ تجب عِنْد سَماع اسْمه فِي كل مرّة وَهُوَ الصَّحِيح
والصلوات الَّتِي يُؤْتى بهَا فِي الصَّلَاة مَا تعارفه النَّاس عقيب التَّشَهُّد لِكَثْرَة الْأَحَادِيث فِيهِ
وَإِذا جلس للتَّشَهُّد يَنْبَغِي أَن يضع يَده الْيُمْنَى على فَخذه الْأَيْمن وَيَده الْيُسْرَى على فَخذه الْأَيْسَر كَذَا رُوِيَ عَن مُحَمَّد فِي نوادره
فَإِذا أَرَادَ أَن يسلم بعد الْفَرَاغ من الصَّلَوَات والدعوات يسلم عَن يَمِينه فَيَقُول السَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله حَتَّى يرى بَيَاض خَدّه الْأَيْمن ثمَّ عَن يسَاره كَذَلِك
والتسليمتان سنة عِنْد عَامَّة الْعلمَاء
وَقَالَ بَعضهم يسلم تَسْلِيمَة وَاحِدَة تِلْقَاء وَجهه وَهُوَ قَول مَالك وَقيل إِنَّه قَول الشَّافِعِي أَيْضا
وَقَالَ بَعضهم يسلم تَسْلِيمَة وَاحِدَة عَن يَمِينه لَا غير
وَلَكِن إِذا سلم إِحْدَاهمَا يخرج عَن صلَاته عِنْد عَامَّة الْعلمَاء
وَقَالَ بَعضهم لَا يخرج مَا لم يُوجد التسليمتان
стр. 130
وإصابة لَفْظَة السَّلَام لَيست بِفَرْض عندنَا وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ فرض
وَاخْتلف مَشَايِخنَا فَقَالَ بَعضهم إِنَّهَا سنة
وَقَالَ بَعضهم هِيَ وَاجِبَة
ثمَّ يَنْوِي فِي التسليمة الأولى من كَانَ عَن يَمِينه من الْحفظَة وَالرِّجَال وَالنِّسَاء كَيفَ شَاءَ بِلَا تَرْتِيب وَهُوَ الصَّحِيح
وَفِي التسليمة الثَّانِيَة من كَانَ عَن يسَاره من الْحفظَة وَالرِّجَال وَالنِّسَاء
لَكِن قَالَ بَعضهم يَنْوِي من مَكَان مَعَه فِي الصَّلَاة من الرِّجَال وَالنِّسَاء لَا غير
وَقَالَ بَعضهم يَنْوِي جَمِيع الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات كَذَا أَشَارَ الْحَاكِم الْجَلِيل فِي مُخْتَصره
هَذَا فِي حق الإِمَام
فَأَما الْمُنْفَرد فعلى قَول الْأَوَّلين يَنْوِي الْحفظَة لَا غير وعَلى قَول البَاقِينَ يَنْوِي الْحفظَة وَجَمِيع الْبشر من أهل الْإِيمَان
وَأما الْمُقْتَدِي فَإِنَّهُ يَنْوِي مَا يَنْوِي الإِمَام وَيَنْوِي أَيْضا إِن كَانَ يَمِين الإِمَام فِي يسَاره وَإِن كَانَ عَن يسَاره فَفِي يَمِينه
وَإِن كَانَ بحذائه لم يذكر فِي الْكتاب
وَرُوِيَ عَن أبي يُوسُف أَنه يَنْوِي عَن يَمِينه
وروى الْحسن عَن أبي حنيفَة أَنه ينويه فِي الْجَانِبَيْنِ
ثمَّ الْمُقْتَدِي يسلم تسليمتين إِحْدَاهمَا لِلْخُرُوجِ عَن الصَّلَاة وَالثَّانيَِة للتسوية بَين الْقَوْم فِي التَّحِيَّة بِمَنْزِلَة الإِمَام وَالْمُنْفَرد
وَقَالَ مَالك يسلم تَسْلِيمَة ثَالِثَة أَيْضا وَيَنْوِي بهَا رد السَّلَام على الإِمَام
وَهُوَ فَاسد لِأَن تسليمهم رد السَّلَام عَلَيْهِ
стр. 131
بَاب مَا يسْتَحبّ فِي الصَّلَاة
وَمَا يكره فِيهَا قَالَ يَنْبَغِي للرجل إِذا دخل فِي صلَاته أَن يخشع فِيهَا
وَيكون مُنْتَهى بَصَره إِلَى مَوضِع سُجُوده فِي قِيَامه وَإِلَى أَطْرَاف أَصَابِع رجلَيْهِ فِي رُكُوعه وَإِلَى أرنبة أَنفه فِي سُجُوده وَإِلَى حجره فِي قعوده وَلَا يرفع رَأسه إِلَى السَّمَاء وَلَا يطأطئه
وَلَا يشْتَغل بِشَيْء غير صلَاته من عَبث بثيابه أَو جسده أَو لحيته
قَالَ الله تَعَالَى ﴿قد أَفْلح الْمُؤْمِنُونَ الَّذين هم فِي صلَاتهم خاشعون﴾
وَرُوِيَ أَن النَّبِي ﵇ رأى رجلا يعبث بلحيته فِي الصَّلَاة فَقَالَ أما هَذَا لَو خشع قلبه لخشعت جوارحه
وَلَا يفرقع أَصَابِعه وَلَا يشبكها وَلَا يَجْعَل يَدَيْهِ على خاصرته
وَلَا يقلب الْحَصَى وَلَا بَأْس أَن يسويه مرّة وَاحِدَة إِذا لم يُمكنهُ إتْمَام السُّجُود وَتَركه أفضل
وَلَا يلْتَفت يمنة ويسرة وَلَا يتمطى
وَلَا يتثاءب
فَإِن غَلبه شَيْء من ذَلِك كظم مَا اسْتَطَاعَ فَإِن لم يسْتَطع فليضع يَده على فِيهِ
وَلَا يقعى وَلَا يتربع وَلَا يفترش ذِرَاعَيْهِ إِلَّا من عذر على مَا
стр. 132
رُوِيَ عَن أبي ذررضي الله عَنهُ أَنه قَالَ نهاني خليلي ﵇ عَن ثَلَاث أَن أنقر نقر الديك وَأَن أقعى إقعاء الْكَلْب وَأَن أفترش افتراش الثَّعْلَب
وَاخْتلفُوا فِي تَفْسِير الإقعاء قَالَ الْكَرْخِي هُوَ أَن يقْعد على عَقِبَيْهِ ناصبا رجلَيْهِ وَاضِعا يَده على الأَرْض
وَقَالَ الطَّحَاوِيّ الإقعاء أَن يضع اليتيه على الأَرْض
وَاضِعا يَدَيْهِ عَلَيْهَا وَينصب فَخذيهِ وَيجمع ركبته إِلَى صَدره
وَهَذَا أشبه بإقعاء الْكَلْب
وَيَنْبَغِي للْمُصَلِّي أَن يدْرَأ الْمَار ويدفعه حَتَّى لَا يمر بَين يَدَيْهِ إِلَّا أَنه لَا يدْرَأ بِعَمَل كثير وَلَا يعالج معالجة شَدِيدَة حَتَّى لَا تفْسد صلَاته
وَيكرهُ للمار أَيْضا أَن يمر بَين يَدي الْمُصَلِّي إِلَّا إِذا كَانَ بَينهمَا حَائِل من الأسطوانة وَنَحْوهَا فَلَا بَأْس بالمرور وَكَذَا إِذا كَانَ بَين يَدَيْهِ مِقْدَار مؤخرة الرحل
وَيَنْبَغِي أَن ينصب بَين يَدَيْهِ عودا أَو يضع شَيْئا مثل ذِرَاع أَو أَكثر حَتَّى لَا يحْتَاج إِلَى الدرء وَالدَّفْع
فَإِنَّهُ رُوِيَ عَن النَّبِي ﵇ أَنه صلى فِي الْجَبانَة وَنصب بَين يَدَيْهِ عنزة
وَيكرهُ أَن يغمض عَيْنَيْهِ فِي الصَّلَاة وَأَن يبزق على حيطان الْمَسْجِد وَلَا بَين يَدَيْهِ على الْحَصَى وَلَكِن يَأْخُذ بِثَوْبِهِ وَإِن فعل فَعَلَيهِ أَن يَدْفَعهُ وَلَو دَفنه فِي السجد تَحت الْحَصِير يرخص لَهُ ذَلِك وَلَكِن الْأَفْضَل أَن لَا يفعل وَكَذَا المخاط على هَذَا
وَأَصله مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﵇ أَنه قَالَ إِن الْمَسْجِد لينزوي من النخامة كَمَا تنزوي الْجلْدَة فِي النَّار
стр. 133
وَكره أَبُو حنيفَة ﵁ عد الْآي فِي الصَّلَاة وعد التَّسْبِيح
وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد لَا بَأْس بذلك فِي الْفَرِيضَة والتطوع
وَفِي ظَاهر الرِّوَايَة لَا فرق بَينهمَا أَيْضا عِنْد أبي حنيفَة
وَفِي رِوَايَة كره فِي الْفَرْض وَرخّص فِي التَّطَوُّع
وَيكرهُ أَن يكون الإِمَام على الدّكان وَالْقَوْم أَسْفَل مِنْهُ أَو هم على الدّكان وَالْإِمَام أَسْفَل مِنْهُم إِلَّا من عذر فِي ظَاهر الرِّوَايَات لَا فصل بَين الإِمَام وَالْقَوْم فِي هَذَا وَلَا بَين دكان ودكان
وروى الطَّحَاوِيّ عَن أَصْحَابنَا أَنه لَا يكره أَن يكون الْمَأْمُوم فِي مَكَان أرفع من مَكَان الإِمَام وَلَا يَنْبَغِي للْإِمَام أَن يكون أرفع من الْمَأْمُوم بِمَا يُجَاوز الْقَامَة وَلَا بَأْس بِأَن يكون أرفع مِنْهُمَا بِمَا دونهَا
هَذَا وَإِذا كَانَ الإِمَام وَحده
فَأَما إِذا كَانَ مَعَه على الدّكان بعض الْقَوْم فاصطفوا خَلفه لم يذكر فِي ظَاهر الرِّوَايَة وَاخْتلف الْمَشَايِخ فِيهِ كره بَعضهم وَلم يكره بَعضهم
وَهَذَا فِي غير حَالَة الْعذر
فَأَما عِنْد الْعذر فَلَا بَأْس بِهِ كَمَا إِذا ازْدحم الْقَوْم فِي يَوْم الْجُمُعَة والأعياد وَغير ذَلِك من الْأَعْذَار
وَيكرهُ أَن يُغطي فَاه فِي الصَّلَاة إِلَّا إِذا كَانَت التغطية لدفع التثاؤب فَلَا بَأْس بِهِ لما مر
وَيكرهُ أَن يكف ثَوْبه لما فِيهِ من ترك سنة وضع الْيَد وَسنة الْيَد أَن يضع يَمِينه على شِمَاله
وَيكرهُ أَن يُصَلِّي عاقصا شعره
والعقص أَن يشد الشّعْر ضفيرة حول
стр. 134
رَأسه كَمَا يَفْعَله النِّسَاء أَو يجمع شعره فيعقده فِي مؤخرة رَأسه
وَيكرهُ أَن يُصَلِّي معتجرا وَاخْتلف الْمَشَايِخ فِي تَفْسِيره
قيل هُوَ أَن يلف حوالي رَأسه بالمنديل وَيتْرك وَسطه مكشوفا لِأَنَّهُ تشبه بِأَهْل الْكتاب
وَقيل هُوَ العقص الَّذِي ذكرنَا
وَقيل هُوَ أَن يَجْعَل منديله على رَأسه وَوَجهه كمعجر النِّسَاء إِمَّا لأجل الْحر وَالْبرد أَو للكبر
وَيكرهُ للْمَأْمُوم أَن يسْبق الإِمَام بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُود
ثمَّ ينظر إِن شَاركهُ الإِمَام فِي ذَلِك الرُّكْن الَّذِي سبقه جَازَ عندنَا خلافًا لزفَر لِأَن الْمُشَاركَة فِي الرُّكْن قد وجدت وَإِن قلت وَإِن لم يُشَارِكهُ حَتَّى رفع رَأسه من الرُّكُوع وَالسُّجُود لَا يجوز حَتَّى لَو لم يعد ذَلِك الرُّكْن حَتَّى فرغ من الصَّلَاة وَسلم تفْسد صلَاته لِأَنَّهُ لم يُوجد فِيهِ الْمُشَاركَة وَلَا الْمُتَابَعَة والاقتداء عبارَة عَن هَذَا فَلَا يعْتَبر
وَكَذَا يكره أَن يرفع رَأسه قبل الإِمَام فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود
وَأَصله قَول ﵇ إِنَّمَا جعل الإِمَام إِمَامًا ليؤتم بِهِ فَلَا فَلَا تختلفوا عَلَيْهِ
وَيكرهُ أَن يقْرَأ فِي غير حَالَة الْقيام لِأَن الرُّكُوع وَالسُّجُود مَحل الثَّنَاء وَالتَّسْبِيح دون الْقِرَاءَة
وَيسْتَحب للرجل إِذا دخل الْمَسْجِد وَالْإِمَام رَاكِع أَن يَأْتِي إِلَى الصَّفّ وَعَلِيهِ السكينَة وَالْوَقار وَلَا يكبر وَلَا يرْكَع حَتَّى يصل إِلَى الصَّفّ لِأَنَّهُ إِن ركع يصير مُصَليا خلف الصُّفُوف وَحده
وَهُوَ مَكْرُوه وَإِن مَشى حَتَّى اتَّصل بالصف يكره لِأَن الْمَشْي يُنَافِي الصَّلَاة حَتَّى قَالَ مَشَايِخنَا إِن مَشى خطْوَة خطْوَة لَا تفْسد صلَاته وَإِن مَشى خطوتين أَو أَكثر تفْسد صلَاته
ثمَّ الصَّلَاة خلف الصُّفُوف مُنْفَردا إِنَّمَا يكره إِذا وجد فُرْجَة فِي
стр. 135
الصَّفّ فَأَما إِذا لم يجد لَا يكره لِأَن حَال الْعذر مُسْتَثْنَاة أَلا ترى أَن الْمَرْأَة يجب عَلَيْهَا أَن تصلي مُنْفَرِدَة خلف الصُّفُوف لِأَن محاذاتها للرِّجَال مفْسدَة لصلاتهم
وَيكرهُ النفخ فِي الصَّلَاة إِذا لم يكن مسموعا لِأَن لَيْسَ من أَعمال الصَّلَاة وَلَكِن لَا تفْسد صلَاته لِأَنَّهُ لَيْسَ بِكَلَام مَعْهُود وَلَا يفعل كثير
فَأَما إِذا كَانَ مسموعا فقد قَالَ أَبُو حنيفَة وَمُحَمّد تفْسد صلَاته أَرَادَ بِهِ التأفيف أَو لم يرد
وَكَانَ أَبُو يوسفيقول أَولا إِن أَرَادَ بِهِ التأفف يَعْنِي أَن يَقُول أُفٍّ أَو تف على وَجه الْكَرَاهَة للشَّيْء والتبعيد على وَجه الاستخفاف تفْسد صلَاته وَإِن لم يرد بِهِ التأفف لَا تفْسد
ثمَّ رَجَعَ وَقَالَ لَا تفْسد صلَاته لِأَنَّهُ لَيْسَ بِكَلَام فِي عرف النَّاس بل هُوَ بِمَنْزِلَة السعال والتنحنح
وَالصَّحِيح قَوْلهمَا لِأَن الْكَلَام فِي الْعرف حُرُوف منظومة مسموعة وَأدنى مَا يَقع بِهِ انتظام الْحُرُوف حرفان وَقد وجد
وَيكرهُ أَن يمسح الْمُصَلِّي جَبهته من التُّرَاب فِي وسط الصَّلَاة وَلَا بَأْس بِهِ بعد مَا قعد قدر التَّشَهُّد كَذَا ذكر فِي ظَاهر الرِّوَايَة
وروى الْحسن عَن أبي حنيفَة أَنه لَا بَأْس بِهِ كَيْفَمَا كَانَ
وَالصَّحِيح جَوَاب ظَاهر الرِّوَايَة لِأَنَّهُ إِذا مسح مرّة يحْتَاج إِلَى أَن يمسح عِنْد كل سُجُود لِأَنَّهُ يتلطخ فيتكرر الْمسْح فَيُشبه فعلا كثيرا
فَأَما بعد مَا قعد قدر التَّشَهُّد فَلَا بَأْس بِهِ لِأَنَّهُ يَكْفِيهِ مرّة وَاحِدَة وَإنَّهُ فعل قَلِيل فَيكون معفوا عَنهُ وَالتّرْك أفضل لِأَنَّهُ لَيْسَ من جنس الصَّلَاة
стр. 136
وَلَا يكره الصَّلَاة فِي ثوب وَاحِد متوشح بِهِ أَو قَمِيص صفيق
واللبس فِي الصَّلَاة ثَلَاثَة أَنْوَاع مُسْتَحبّ وَجَائِز ومكروه
أما الْمُسْتَحبّ فَأن يُصَلِّي فِي ثَلَاثَة أَثوَاب قَمِيص وَإِزَار ورداء أَو عِمَامَة كَذَا ذكر الْفَقِيه أَبُو جَعْفَر الهنداوي عَن أَصْحَابنَا
وَعَن مُحَمَّد أَن الْمُسْتَحبّ أَن يُصَلِّي فِي ثَوْبَيْنِ إِزَار ورداء
وَأما الجائزفأن يُصَلِّي فِي ثوب وَاحِد متوشح بِهِ أَو قَمِيص وَاحِد صفيق لِأَنَّهُ حصل بِهِ ستر الْعَوْرَة وأصل الزِّينَة إِلَّا أَنه لم يتم الزِّينَة
وَأَصله حَدِيث رَسُول الله ﵇ أَنه سُئِلَ عَن الصَّلَاة فِي ثوب وَاحِد فَقَالَ أَو كلكُمْ يجد ثَوْبَيْنِ
وَأما الْمَكْرُوه فَأن يُصَلِّي فِي سَرَاوِيل وَاحِدَة أَو إِزَار وَاحِد لِأَنَّهُ وَإِن حصل ستر الْعَوْرَة وَلَكِن لم تحصل بِهِ الزِّينَة أصلا فَإِن الله تَعَالَى قَالَ ﴿خُذُوا زينتكم عِنْد كل مَسْجِد﴾
هَذَا إِذا كَانَ صفيقا فَأَما إِذا كَانَ رَقِيقا يصف مَا تَحْتَهُ لَا تجوز صلَاته لِأَن عَوْرَته مكشوفة
هَذَا فِي حق الرجل فَأَما فِي حق الْمَرْأَة فالمستحب ثَلَاثَة أَثوَاب فِي الرِّوَايَات كلهَا إِزَار وَدرع وخمار وَإِن صلت فِي ثوب وَاحِد متوشحة بِهِ أَو قَمِيص وَاحِد صفيق لَا يجزئها إِذا كَانَ رَأسهَا أَو بعض جَسدهَا مكشوفا إِلَّا إِذا سترت يالثوب الْوَاحِد رَأسهَا وَجَمِيع جَسدهَا سوى الْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ فَحِينَئِذٍ يجوز
وَهَذَا فِي حق الْحرَّة
فَأَما الْأمة فَإِذا صلت مشكوفة الرَّأْس جَازَ لِأَن رَأسهَا لَيْسَ بِعَوْرَة
стр. 137
بَاب صَلَاة الْمُسَافِر
فِي الْبَاب فُصُول ثَلَاثَة أَحدهَا بَيَان الشُّرُوط الَّتِي تتَعَلَّق بهَا رخصَة السّفر
وَالثَّانِي بَيَان الرُّخْصَة
وَالثَّالِث بَيَان مَا يبطل بِهِ حكم السّفر وَيعود إِلَى حكم الْإِقَامَة
أما الأول فَنَقُول هُوَ أَن يَنْوِي مُدَّة السّفر وَيخرج من عمرَان الْمصر
فَمَا لم يُوجد هَذَانِ الشرطان لَا يثبت فِي حَقه أَحْكَام السّفر ورخصة الْمُسَافِرين فَإِنَّهُ إِذا خرج من عمرَان الْمصر وَلم يقْصد موضعا بَينه وَبَين مصره مُدَّة السّفر أَو خرج قَاصِدا موضعا لَيْسَ بَينه وَبَين ذَلِك الْموضع مُدَّة السّفر لَا يصير مُسَافِرًا وَإِن قطع مَسَافَة بعيدَة أَكثر من مُدَّة السّفر لِأَن الْإِنْسَان قد يخرج لحَاجَة إِلَى مَوضِع لإِصْلَاح الضّيَاع لَا للسَّفر ثمَّ تبدو لَهُ حَاجَة أُخْرَى فيجاوزه إِلَى مَوضِع آخر لَيْسَ بَينهمَا مُدَّة السّفر فَلَا بُد من قصد مُدَّة السّفر
ثمَّ اخْتلف الْعلمَاء فِي مُدَّة السّفر الَّتِي تتَعَلَّق بهَا الرُّخْصَة
قَالَ عُلَمَاؤُنَا ثَلَاثَة أَيَّام ولياليها يسير الْإِبِل ومشي الْأَقْدَام هَذَا جَوَاب ظَاهر الرِّوَايَة
стр. 138
وروى الْحسن عَن أبي حنيفَة وَابْن سَمَّاعَة عَنْهُمَا أَنه مُقَدّر بيومين وَأكْثر الْيَوْم الثَّالِث
وَقَالَ الشَّافِعِي فِي قَول مُقَدّر بمسيرة يَوْمَيْنِ
وَفِي قَول سِتَّة وَأَرْبَعُونَ ميلًا كل ميل ثلث فَرسَخ
وَقَالَ بعض النَّاس إِنَّه مُقَدّر بمسيرة يَوْم وَلَيْلَة
وأصل ذَلِك قَول النَّبِي ﵇ يمسح الْمُقِيم يَوْمًا وَلَيْلَة وَالْمُسَافر ثَلَاثَة أَيَّام ولياليها
ثمَّ إِذا نوى مُدَّة السّفر لَا يثبت حكم السّفر مَا لم يخرج من الْعمرَان وَلَا يصير مُسَافِرًا بِمُجَرَّد النِّيَّة لِأَن مُجَرّد الْعَزْم مَعْفُو مَا لم يتَّصل بِالْفِعْلِ
فَإِذا خرج من عمرَان الْمصر لقصد السّفر فقد وجد عزم مُقَارن للْفِعْل فَيكون مُعْتَبرا
وَأما الْمُسَافِر إِذا نوى الْإِقَامَة فَإِنَّهُ يبطل حكم السّفر وَيصير مُقيما للْحَال لِأَن الْعَزْم وجد مُقَارنًا للْفِعْل وَهُوَ ترك السّفر وَالْإِقَامَة حَقِيقَة فَيكون مُعْتَبرا
ثمَّ الْمُعْتَبر فِي حق النِّيَّة هُوَ نِيَّة الأَصْل دون التَّابِع حَتَّى إِن الْمولى إِذا نوى السّفر وَخرج من الْعمرَان مَعَ عَبده يصير عَبده مُسَافِرًا وَإِن لم ينْو السّفر لِأَنَّهُ تَابع وَكَذَلِكَ الزَّوْج مَعَ الزَّوْجَة وَكَذَلِكَ كل من لزمَه طَاعَة غير من الْخَلِيفَة وَالسُّلْطَان وأمير الْجند وَنَحْو ذَلِك
وَأما بَيَان الرُّخْصَة فَنَقُول الرُّخص الَّتِي تعلّقت بِالسَّفرِ هِيَ إِبَاحَة الْفطر فِي رَمَضَان وَقصر الصَّلَاة الَّتِي هِيَ من ذَوَات الْأَرْبَع
ثمَّ اخْتلف الْعلمَاء فِي ذَلِك
стр. 139
فَقَالَ عُلَمَاؤُنَا الصَّوْم فِي رَمَضَان فِي حَقه عَزِيمَة والإفطار رخصَة
أما قصر الصَّلَاة فَهُوَ عَزِيمَة والإكمال مَكْرُوه وَمُخَالفَة للسّنة وَلَكِن سمي رخصَة مجَازًا
وَقَالَ الشَّافِعِي الْقصر رخصَة والإكمال عَزِيمَة
وَثَمَرَة الْخلاف أَن الْمُسَافِر إِذا صلى أَرْبعا لَا يكون الْأَرْبَع فرضا بل الْمَفْرُوض رَكْعَتَانِ لَا غير والشطر الثَّانِي تطوع عندنَا حَتَّى إِنَّه إِذا قعد على رَأس الرَّكْعَتَيْنِ قدر التَّشَهُّد تجوز صلَاته وَإِذا لم يقْعد لَا تجوز لِأَنَّهَا الْقعدَة الْأَخِيرَة فِي حَقه وَهِي فرض فَإِذا تَركهَا فقد ترك فرضا بِخِلَاف الْمُقِيم تجوز لِأَن الْإِكْمَال عَزِيمَة عِنْده وَقد اخْتَار الْعَزِيمَة فَيكون فرضا
وَكَذَا إِذا ترك الْقِرَاءَة فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأَوليين أَو فِي رَكْعَة مِنْهُمَا تفْسد صلَاته عندنَا خلافًا لَهُ
وَأَصله مَا رُوِيَ عنعمررضي الله عَنهُ أَنه قَالَ صَلَاة الْمُسَافِر رَكْعَتَانِ تَمام غير قصر على لِسَان نَبِيكُم ﵇
ثمَّ الرُّخْصَة وَهِي قصر الصَّلَاة وَغَيره تثبت بِمُطلق السّفر سَوَاء كَانَ سفر طَاعَة كالجهاد وَالْحج أَو سفر مُبَاح كالخروج إِلَى التِّجَارَة أَو سفر مَعْصِيّة كالخروج لقطع الطَّرِيق وَنَحْوه وَهَذَا عندنَا
وَقَالَ الشَّافِعِي لَا تثبت بسفر هُوَ مَعْصِيّة لِأَن الْجَانِي لَا يسْتَحق التَّخْفِيف
وَلَكنَّا نقُول إِن النُّصُوص الَّتِي وَردت فِي قصر الصَّلَاة وَإِبَاحَة الْفطر فِي حق الْمُسَافِر لَا تفصل بَين سفر وسفر
ثمَّ إِذا خرج من عمرَان الْمصر قَاصِدا مُدَّة السّفر فَلهُ أَن يقصر الصَّلَاة سَوَاء كَانَ فِي أول الْوَقْت أَو فِي أوسطه أَو فِي آخِره حَتَّى إِنَّه إِذا
стр. 140
بَقِي من الْوَقْت مِقْدَار مَا يُمكنهُ أَدَاء رَكْعَتَيْنِ فَإِنَّهُ يقصر بِلَا خلاف بَين أَصْحَابنَا
فَأَما إِذا بَقِي مِقْدَار مَا يتَمَكَّن من أَدَاء رَكْعَة وَاحِدَة أَو من التَّحْرِيمَة لَا غير فَإِنَّهُ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ عندنَا خلافًا لزفَر
وَقَالَ بعض أَصْحَابنَا إِنَّمَا يقصر إِذا خرج من الْعمرَان قبل زَوَال الشَّمْس فَأَما إِذا خرج بعده فَإِنَّهُ يُصَلِّي أَرْبعا لِلظهْرِ وَإِنَّمَا يقصر الْعَصْر
وَقَالَ بعض أَصْحَاب الشَّافِعِي إِذا مضى من الْوَقْت مِقْدَار مَا يتَمَكَّن من أَدَاء الْأَرْبَع فَإِنَّهُ يجب عَلَيْهِ الْإِتْمَام وَلَا يجوز الْقصر
فَأَما إِذا مضى من الْوَقْت شَيْء قَلِيل بِحَيْثُ لَا يسع لأَرْبَع رَكْعَات فَإِنَّهُ يقصر
وَهَذَا بِنَاء على أَن الصَّلَاة تجب فِي أول الْوَقْت أَو فِي آخِره فعندهم تجب فِي أول الْوَقْت وَعِنْدنَا تجب فِي جُزْء من الْوَقْت غير عين
وَأما بَيَان مَا يبطل بِهِ حكم السّفر فَنَقُول يبطل بِمَا يضاده وينافيه وَهُوَ الْإِقَامَة
لَكِن إِنَّمَا تثبت الْإِقَامَة بأَرْبعَة أَشْيَاء بِصَرِيح نِيَّة الْإِقَامَة وبوجود الْإِقَامَة بطرِيق التّبعِيَّة وبالدخول فِي مصره
وبالعزم على الْعود إِلَى مصره
أما الأول إِذا نوى الْمُسَافِر إِقَامَة خَمْسَة عشر يَوْمًا فِي مَكَان يصلح للإقامة فَإِنَّهُ يصير مُقيما
فَلَا بُد من ثَلَاثَة أَشْيَاء نِيَّة الْإِقَامَة وَنِيَّة مُدَّة الْإِقَامَة
وَالْمَكَان الصَّالح للإقامة فَإِنَّهُ إِذا أَقَامَ فِي مصر أَو قَرْيَة أَيَّامًا كَثِيرَة لانتظار الْقَافِلَة أَو لحَاجَة أُخْرَى وَلم ينْو الْإِقَامَة لَا يصير مُقيما عندنَا
стр. 141
وَللشَّافِعِيّ قَولَانِ فِي قَول إِذا أَقَامَ أَرْبَعَة أَيَّام يصير مُقيما وَفِي قَول إِذا أَقَامَ أَكثر مِمَّا أَقَامَ رَسُول الله ﷺ بتبوك يصير مُقيما وَالنَّبِيّ ﵇ أَقَامَ بتبوك تِسْعَة عشر يَوْمًا أَو عشْرين
وَأما مِقْدَار مُدَّة الْإِقَامَة فخمسة عشر يَوْمًا عندنَا
وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ أقل ذَلِك أَرْبَعَة أَيَّام
وَهَذَا إِذا نوى إِقَامَة خسمة عشر يَوْمًا فِي مَوضِع وَاحِد
فَأَما إِذا نوى إِقَامَة خَمْسَة عشر يَوْمًا فِي موضِعين فَإِن كل وَاحِد مِنْهُمَا أصلا بِنَفسِهِ فَلَا يكون أَحدهمَا تبعا للْآخر فَإِن نوى أَن يُقيم بِمَكَّة وَمنى فَإِنَّهُ لَا يصير مُقيما
فَأَما إِذا كَانَ أَحدهمَا تبعا للمصر حَتَّى تجب الْجُمُعَة على من سكن هُنَاكَ فَإِنَّهُ يصير مُقيما بنية إِقَامَة خَمْسَة عشر يَوْمًا فِي هذَيْن الْمَوْضِعَيْنِ لِأَنَّهُمَا فِي الحكم كموضع وَاحِد
وَأما الْمَكَان الصَّالح للإقامة فَهُوَ مَوضِع لبث وقرار فِي الْعَادة نَحْو الْأَمْصَار والقرى فَأَما الْمَفَازَة والجزيرة والسفينة فَلَيْسَتْ بِموضع الْإِقَامَة
فَأَما الْأَعْرَاب والأكراد والتركمان الَّذين يسكنون المفاوز فِي بيُوت الشّعْر وَالصُّوف فهم مقيمون لِأَن مَوضِع مقامهم المفاوز عَادَة فَأَما إِذا ارتحلوا عَن مَوضِع إقامتهم فِي الصَّيف وقصدوا موضعا آخر للإقامة فِي الشتَاء وَبَين الْمَوْضِعَيْنِ مُدَّة السّفر فَإِنَّهُم يصيرون مسافرين فِي الطَّرِيق
وَأما الثَّانِي وَهُوَ أَن تُوجد نِيَّة الْإِقَامَة فِي الأَصْل فَيصير الأتباع مقيمين تبعا لَهُ من غير نِيَّة
وَذَلِكَ نَحْو العَبْد وَالزَّوْجَة وكل من وَجب عَلَيْهِ طَاعَة غَيره من إِمَام أَو أَمِير جَيش
стр. 142
وَأما الْغَرِيم مَعَ صَاحب الدّين فَإِن كَانَ الْمَدْيُون مليئا لَا يصير تبعا لَهُ لِأَنَّهُ يُمكنهُ قَضَاء الدّين فيقيم فِي أَي مَوضِع شَاءَ ويرتحل فَأَما إِذا كَانَ مُفلسًا فَإِنَّهُ يصير تبعا لِأَن لَهُ حق حَبسه وملازمته فَلَا يُمكنهُ أَن يُفَارق صَاحب الدّين فَيصير مُقيما تبعا لَهُ
وَلَكِن فِي هَذِه الْفُصُول إِنَّمَا يصير التبع مُقيما بِإِقَامَة الأَصْل وتنقلب صلَاته أَرْبعا إِذا علم التبع نِيَّة إِقَامَة الأَصْل
فَأَما إِذْ لم يعلم فَلَا حَتَّى إِن التبع إِذا صلى صَلَاة الْمُسَافِرين قبل الْعلم بنية إِقَامَة الأَصْل فَإِن صلَاته جَائِزَة وَلَا يجب عَلَيْهِ الْإِعَادَة لِأَن فِي لُزُوم الحكم قبل الْعلم بِهِ حرجا فَهُوَ مَدْفُوع
وعَلى هَذَا الأَصْل إِذا اقْتدى الْمُسَافِر بالمقيم فِي الْوَقْت يجوز وتنقلب أَرْبعا لِأَن الْمُقْتَدِي تَابع للْإِمَام وَالْأَدَاء وَهُوَ الصَّلَاة فِي الْوَقْت يتَغَيَّر بنية الْإِقَامَة صَرِيحًا فَإِنَّهُ إِذا نوى الْإِقَامَة فِي الْقُوت يَنْقَلِب أَرْبعا فيتغير بِوُجُود الْإِقَامَة تبعا فَصَارَ صَلَاة الْمُقْتَدِي مثل صَلَاة الإِمَام فصح الِاقْتِدَاء
فَإِذا اقْتدى بالمقيم خَارج الْوَقْت لَا يَصح لِأَن الْقَضَاء لَا يتَغَيَّر بِالنِّيَّةِ بعد خُرُوج الْوَقْت وَلَا يصير أَرْبعا فَكَذَا بِالْإِقَامَةِ تبعا فَتكون الْقعدَة الأولى فرضا فِي حق الْمُقْتَدِي نقلا فِي حق الإِمَام واقتداء المفترض بالمتنفل لَا يجوز فِي الْبَعْض كَمَا لَا يجوز فِي كل الصَّلَاة
وَأما اقْتِدَاء الْمُقِيم بالمسافر فَيجوز فِي الْوَقْت وخارج الْوَقْت لِأَن صَلَاة الْمُسَافِر فِي الْحَالين وَاحِدَة والقعدة فرض فِي حَقه نفل فِي حق الْمُقْتَدِي واقتداء المتنفل بالمفترض جَائِز فَافْتَرقَا
وَأما الثَّالِث فَهُوَ بِدُخُول مصره الَّذِي هُوَ وَطنه الْأَصْلِيّ يصير مُقيما وَإِن لم ينْو الْإِقَامَة
وَلَا يخْتَلف الْجَواب بَين مَا إِذا دخل مصره
стр. 143
مُخْتَارًا أَو لقَضَاء حَاجَة حدثت مَعَ نِيَّة الْخُرُوج أَو بدا لَهُ أَن يتْرك السّفر لِأَن مصره مُتَعَيّن للإقامة فَلَا يحْتَاج فِيهِ إِلَى النِّيَّة
وَأما الرَّابِع فَهُوَ الْعَزْم على الْعود إِلَى مصره بِأَن خرج من مصره بنية السّفر ثمَّ عزم على الْعود إِلَى مصره وَلم يكن بَين هَذَا الْموضع الَّذِي بلغ وَبَين مصره مُدَّة سفر فَإِنَّهُ يصير مُقيما حِين عزم على الْعود إِلَى مصره وَإِن لم يدْخل مصره وَلَا نوى الْإِقَامَة صَرِيحًا وَيُصلي أَرْبعا مَا لم يعزم على السّفر ثَانِيًا
وَإِذا كَانَ بَينه وَبَين مصره مُدَّة سفر لَا يصير مُقيما وَالله أعلم
فصل ثمَّ الصَّلَاة على الرَّاحِلَة
أَنْوَاع ثَلَاثَة فرض وواجب وتطوع
أما الفرضفيجوز على الرَّاحِلَة بِشَرْطَيْنِ أَحدهمَا أَن يكون خَارج الْمصر سَوَاء كَانَ مُسَافِرًا أَو خرج إِلَى الضَّيْعَة
وَالثَّانِي أَن يكون بِهِ عذر مَانع من النُّزُول عَن الرَّاحِلَة وَهُوَ خوف زِيَادَة الْعلَّة وَالْمَرَض أَو خوف الْعَدو والسبع أَو كَانَ فِي طين وردغة بِحَيْثُ لَا يُمكن الْقيام فِيهِ وَنَحْو ذَلِك
وَلَكِن يُصَلِّي بِالْإِيمَاءِ من غير رُكُوع وَسُجُود ويجهل السُّجُود أَخفض من الرُّكُوع
ثمَّ هَل يجوز الصَّلَاة على الدَّابَّة بِجَمَاعَة بِأَن يقوم الْبَعْض بِجنب الْبَعْض ويتقدمهم الإِمَام أَو يتوسطهم
стр. 144
فِي جَوَاب ظَاهر الرِّوَايَة لَا يجوز كَيْفَمَا كَانَ
وَرُوِيَ عَن محمدأنه قَالَ إِذا اصطف الْقَوْم صفا وَاحِدًا بِحَيْثُ لم يكن بَينهم فرج وَقَامَ الإِمَام فِي وَسطهمْ جَازَ وَإِلَّا فَلَا
وَأما الصَّلَاة الْوَاجِبَة فَكَذَلِك لِأَنَّهَا مُلْحقَة بالفرائض فِي الْأَحْكَام
وَذَلِكَ نَحْو الْوتر لِأَن عِنْد أبي حنيفَة الْوتر وَاجِب وَعِنْدَهُمَا لَا يجوز أَيْضا لِأَنَّهُ سنة مُؤَكدَة
وروى الْحسن عَن أبي حنيفَة أَنه لَا يجوز رَكعَتَا الْفجْر على الدَّابَّة من غير عذر
وَكَذَا الصَّلَاة الْمَنْذُورَة
وَكَذَا التَّطَوُّع الَّذِي وَجب قَضَاؤُهُ بِالشُّرُوعِ والإفساد
وَكَذَا سَجْدَة التِّلَاوَة الَّتِي وَجَبت بالتلاوة على الأَرْض
فَأَما إِذا تَلا آيَة السَّجْدَة على الدَّابَّة فسجدها عَلَيْهَا بِالْإِيمَاءِ جَازَت لِأَنَّهَا وَجَبت كَذَلِك
وَلَو أوجب على نَفسه صَلَاة رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ رَاكب فصلاهما على الدَّابَّة فَإِنَّهُ يجوز كَذَا ذكر الْكَرْخِي
وَرُوِيَ عَن مُحَمَّد أَن من أوجب على نَفسه صَلَاة رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ رَاكب فصلاهما على الدَّابَّة لَا يجوز وَلم يفصل بَين مَا إِذا كَانَ النَّاذِر على الأَرْض أَو على الدَّابَّة
وَأما صَلَاة التَّطَوُّع فَإِنَّهُ تجوز على الدَّابَّة كَيْفَمَا كَانَ الرَّاكِب مُسَافِرًا أَو غير مُسَافر بعد أَن يكون خَارج الْمصر وَإِن كَانَ قَادِرًا على النُّزُول
وَهَذَا قَول عَامَّة الْعلمَاء
وَقَالَ بَعضهم لَا يجوز إِلَّا فِي حق الْمُسَافِر فَأَما فِي حق من خرج
стр. 145
إِلَى بعض الْقرى فَلَا يجوز لِأَن الحَدِيث ورد فِي السّفر
وَالصَّحِيح قَول عَامَّة الْعلمَاء لما رُوِيَ أَنه ﵇ خرج إِلَى خَيْبَر وَكَانَ يُصَلِّي على الدَّابَّة تَطَوّعا وَلَيْسَ بَين الْمَدِينَة وخيبر مُدَّة سفر
وَأما التَّطَوُّع على الدَّابَّة فِي الْمصر فَلَا يجوز فِي ظَاهر الرِّوَايَة
وَعَن أبي يُوسُف يجوز اسْتِحْسَانًا
وَلَا تجوز الصَّلَاة مَاشِيا وَلَا مُقَاتِلًا وَلَا سابحا فِي المَاء لِأَن النَّص ورد فِي الدَّابَّة
ثمَّ الصَّلَاة على الدَّابَّة تَطَوّعا كَيْفَمَا كَانَ أَو فرضا عِنْد الْعذر الْمَانِع عَن التَّوَجُّه إِلَى الْقبْلَة تجوز من غير اسْتِقْبَال الْقبْلَة أصلا لَا عِنْد الشُّرُوع وَلَا بعده
وَهَذَا عندنَا
وَقَالَ الشَّافِعِي لَا تجوز إِلَّا إِذا وَجه الدَّابَّة نَحْو الْقبْلَة عِنْد الشُّرُوع ثمَّ يُصَلِّي حَيْثُ تَوَجَّهت الدَّابَّة
فَأَما إِذا كَانَت الصَّلَاة على الرَّاحِلَة بِعُذْر الطين والردغة فَإِن كَانَ يُمكنهُم التَّوَجُّه إِلَى الْقبْلَة فَإِنَّهُ لَا تجوز صلَاتهم إِلَى غير الْقبْلَة لِأَن الْقبْلَة لم تسْقط من غير عذر
وَأَصله مَا روى جَابر عَن النَّبِي ﵇ أَنه كَانَ يُصَلِّي على الدَّابَّة نَحْو الْمشرق تَطَوّعا فَإِذا أَرَادَ أَن يُصَلِّي الْمَكْتُوبَة صلى على الأَرْض
ثمَّ الصَّلَاة على الدَّابَّة لخوف الْعَدو تجوز كَيْفَمَا كَانَت الدَّابَّة سائرة أَو واقفة لِأَنَّهُ يحْتَاج إِلَى السّير
أما فِي حَال الْمَطَر والطين فَإِن صلى وَالدَّابَّة تسير فَلَا تجوز لِأَن
следующие страницы →