Полный текст (1 060 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
وَللشَّافِعِيّ قَولَانِ فِي قَول إِذا أَقَامَ أَرْبَعَة أَيَّام يصير مُقيما وَفِي قَول إِذا أَقَامَ أَكثر مِمَّا أَقَامَ رَسُول الله ﷺ بتبوك يصير مُقيما وَالنَّبِيّ ﵇ أَقَامَ بتبوك تِسْعَة عشر يَوْمًا أَو عشْرين
وَأما مِقْدَار مُدَّة الْإِقَامَة فخمسة عشر يَوْمًا عندنَا
وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ أقل ذَلِك أَرْبَعَة أَيَّام
وَهَذَا إِذا نوى إِقَامَة خسمة عشر يَوْمًا فِي مَوضِع وَاحِد
فَأَما إِذا نوى إِقَامَة خَمْسَة عشر يَوْمًا فِي موضِعين فَإِن كل وَاحِد مِنْهُمَا أصلا بِنَفسِهِ فَلَا يكون أَحدهمَا تبعا للْآخر فَإِن نوى أَن يُقيم بِمَكَّة وَمنى فَإِنَّهُ لَا يصير مُقيما
فَأَما إِذا كَانَ أَحدهمَا تبعا للمصر حَتَّى تجب الْجُمُعَة على من سكن هُنَاكَ فَإِنَّهُ يصير مُقيما بنية إِقَامَة خَمْسَة عشر يَوْمًا فِي هذَيْن الْمَوْضِعَيْنِ لِأَنَّهُمَا فِي الحكم كموضع وَاحِد
وَأما الْمَكَان الصَّالح للإقامة فَهُوَ مَوضِع لبث وقرار فِي الْعَادة نَحْو الْأَمْصَار والقرى فَأَما الْمَفَازَة والجزيرة والسفينة فَلَيْسَتْ بِموضع الْإِقَامَة
فَأَما الْأَعْرَاب والأكراد والتركمان الَّذين يسكنون المفاوز فِي بيُوت الشّعْر وَالصُّوف فهم مقيمون لِأَن مَوضِع مقامهم المفاوز عَادَة فَأَما إِذا ارتحلوا عَن مَوضِع إقامتهم فِي الصَّيف وقصدوا موضعا آخر للإقامة فِي الشتَاء وَبَين الْمَوْضِعَيْنِ مُدَّة السّفر فَإِنَّهُم يصيرون مسافرين فِي الطَّرِيق
وَأما الثَّانِي وَهُوَ أَن تُوجد نِيَّة الْإِقَامَة فِي الأَصْل فَيصير الأتباع مقيمين تبعا لَهُ من غير نِيَّة
وَذَلِكَ نَحْو العَبْد وَالزَّوْجَة وكل من وَجب عَلَيْهِ طَاعَة غَيره من إِمَام أَو أَمِير جَيش
стр. 142
وَأما الْغَرِيم مَعَ صَاحب الدّين فَإِن كَانَ الْمَدْيُون مليئا لَا يصير تبعا لَهُ لِأَنَّهُ يُمكنهُ قَضَاء الدّين فيقيم فِي أَي مَوضِع شَاءَ ويرتحل فَأَما إِذا كَانَ مُفلسًا فَإِنَّهُ يصير تبعا لِأَن لَهُ حق حَبسه وملازمته فَلَا يُمكنهُ أَن يُفَارق صَاحب الدّين فَيصير مُقيما تبعا لَهُ
وَلَكِن فِي هَذِه الْفُصُول إِنَّمَا يصير التبع مُقيما بِإِقَامَة الأَصْل وتنقلب صلَاته أَرْبعا إِذا علم التبع نِيَّة إِقَامَة الأَصْل
فَأَما إِذْ لم يعلم فَلَا حَتَّى إِن التبع إِذا صلى صَلَاة الْمُسَافِرين قبل الْعلم بنية إِقَامَة الأَصْل فَإِن صلَاته جَائِزَة وَلَا يجب عَلَيْهِ الْإِعَادَة لِأَن فِي لُزُوم الحكم قبل الْعلم بِهِ حرجا فَهُوَ مَدْفُوع
وعَلى هَذَا الأَصْل إِذا اقْتدى الْمُسَافِر بالمقيم فِي الْوَقْت يجوز وتنقلب أَرْبعا لِأَن الْمُقْتَدِي تَابع للْإِمَام وَالْأَدَاء وَهُوَ الصَّلَاة فِي الْوَقْت يتَغَيَّر بنية الْإِقَامَة صَرِيحًا فَإِنَّهُ إِذا نوى الْإِقَامَة فِي الْقُوت يَنْقَلِب أَرْبعا فيتغير بِوُجُود الْإِقَامَة تبعا فَصَارَ صَلَاة الْمُقْتَدِي مثل صَلَاة الإِمَام فصح الِاقْتِدَاء
فَإِذا اقْتدى بالمقيم خَارج الْوَقْت لَا يَصح لِأَن الْقَضَاء لَا يتَغَيَّر بِالنِّيَّةِ بعد خُرُوج الْوَقْت وَلَا يصير أَرْبعا فَكَذَا بِالْإِقَامَةِ تبعا فَتكون الْقعدَة الأولى فرضا فِي حق الْمُقْتَدِي نقلا فِي حق الإِمَام واقتداء المفترض بالمتنفل لَا يجوز فِي الْبَعْض كَمَا لَا يجوز فِي كل الصَّلَاة
وَأما اقْتِدَاء الْمُقِيم بالمسافر فَيجوز فِي الْوَقْت وخارج الْوَقْت لِأَن صَلَاة الْمُسَافِر فِي الْحَالين وَاحِدَة والقعدة فرض فِي حَقه نفل فِي حق الْمُقْتَدِي واقتداء المتنفل بالمفترض جَائِز فَافْتَرقَا
وَأما الثَّالِث فَهُوَ بِدُخُول مصره الَّذِي هُوَ وَطنه الْأَصْلِيّ يصير مُقيما وَإِن لم ينْو الْإِقَامَة
وَلَا يخْتَلف الْجَواب بَين مَا إِذا دخل مصره
стр. 143
مُخْتَارًا أَو لقَضَاء حَاجَة حدثت مَعَ نِيَّة الْخُرُوج أَو بدا لَهُ أَن يتْرك السّفر لِأَن مصره مُتَعَيّن للإقامة فَلَا يحْتَاج فِيهِ إِلَى النِّيَّة
وَأما الرَّابِع فَهُوَ الْعَزْم على الْعود إِلَى مصره بِأَن خرج من مصره بنية السّفر ثمَّ عزم على الْعود إِلَى مصره وَلم يكن بَين هَذَا الْموضع الَّذِي بلغ وَبَين مصره مُدَّة سفر فَإِنَّهُ يصير مُقيما حِين عزم على الْعود إِلَى مصره وَإِن لم يدْخل مصره وَلَا نوى الْإِقَامَة صَرِيحًا وَيُصلي أَرْبعا مَا لم يعزم على السّفر ثَانِيًا
وَإِذا كَانَ بَينه وَبَين مصره مُدَّة سفر لَا يصير مُقيما وَالله أعلم
فصل ثمَّ الصَّلَاة على الرَّاحِلَة
أَنْوَاع ثَلَاثَة فرض وواجب وتطوع
أما الفرضفيجوز على الرَّاحِلَة بِشَرْطَيْنِ أَحدهمَا أَن يكون خَارج الْمصر سَوَاء كَانَ مُسَافِرًا أَو خرج إِلَى الضَّيْعَة
وَالثَّانِي أَن يكون بِهِ عذر مَانع من النُّزُول عَن الرَّاحِلَة وَهُوَ خوف زِيَادَة الْعلَّة وَالْمَرَض أَو خوف الْعَدو والسبع أَو كَانَ فِي طين وردغة بِحَيْثُ لَا يُمكن الْقيام فِيهِ وَنَحْو ذَلِك
وَلَكِن يُصَلِّي بِالْإِيمَاءِ من غير رُكُوع وَسُجُود ويجهل السُّجُود أَخفض من الرُّكُوع
ثمَّ هَل يجوز الصَّلَاة على الدَّابَّة بِجَمَاعَة بِأَن يقوم الْبَعْض بِجنب الْبَعْض ويتقدمهم الإِمَام أَو يتوسطهم
стр. 144
فِي جَوَاب ظَاهر الرِّوَايَة لَا يجوز كَيْفَمَا كَانَ
وَرُوِيَ عَن محمدأنه قَالَ إِذا اصطف الْقَوْم صفا وَاحِدًا بِحَيْثُ لم يكن بَينهم فرج وَقَامَ الإِمَام فِي وَسطهمْ جَازَ وَإِلَّا فَلَا
وَأما الصَّلَاة الْوَاجِبَة فَكَذَلِك لِأَنَّهَا مُلْحقَة بالفرائض فِي الْأَحْكَام
وَذَلِكَ نَحْو الْوتر لِأَن عِنْد أبي حنيفَة الْوتر وَاجِب وَعِنْدَهُمَا لَا يجوز أَيْضا لِأَنَّهُ سنة مُؤَكدَة
وروى الْحسن عَن أبي حنيفَة أَنه لَا يجوز رَكعَتَا الْفجْر على الدَّابَّة من غير عذر
وَكَذَا الصَّلَاة الْمَنْذُورَة
وَكَذَا التَّطَوُّع الَّذِي وَجب قَضَاؤُهُ بِالشُّرُوعِ والإفساد
وَكَذَا سَجْدَة التِّلَاوَة الَّتِي وَجَبت بالتلاوة على الأَرْض
فَأَما إِذا تَلا آيَة السَّجْدَة على الدَّابَّة فسجدها عَلَيْهَا بِالْإِيمَاءِ جَازَت لِأَنَّهَا وَجَبت كَذَلِك
وَلَو أوجب على نَفسه صَلَاة رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ رَاكب فصلاهما على الدَّابَّة فَإِنَّهُ يجوز كَذَا ذكر الْكَرْخِي
وَرُوِيَ عَن مُحَمَّد أَن من أوجب على نَفسه صَلَاة رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ رَاكب فصلاهما على الدَّابَّة لَا يجوز وَلم يفصل بَين مَا إِذا كَانَ النَّاذِر على الأَرْض أَو على الدَّابَّة
وَأما صَلَاة التَّطَوُّع فَإِنَّهُ تجوز على الدَّابَّة كَيْفَمَا كَانَ الرَّاكِب مُسَافِرًا أَو غير مُسَافر بعد أَن يكون خَارج الْمصر وَإِن كَانَ قَادِرًا على النُّزُول
وَهَذَا قَول عَامَّة الْعلمَاء
وَقَالَ بَعضهم لَا يجوز إِلَّا فِي حق الْمُسَافِر فَأَما فِي حق من خرج
стр. 145
إِلَى بعض الْقرى فَلَا يجوز لِأَن الحَدِيث ورد فِي السّفر
وَالصَّحِيح قَول عَامَّة الْعلمَاء لما رُوِيَ أَنه ﵇ خرج إِلَى خَيْبَر وَكَانَ يُصَلِّي على الدَّابَّة تَطَوّعا وَلَيْسَ بَين الْمَدِينَة وخيبر مُدَّة سفر
وَأما التَّطَوُّع على الدَّابَّة فِي الْمصر فَلَا يجوز فِي ظَاهر الرِّوَايَة
وَعَن أبي يُوسُف يجوز اسْتِحْسَانًا
وَلَا تجوز الصَّلَاة مَاشِيا وَلَا مُقَاتِلًا وَلَا سابحا فِي المَاء لِأَن النَّص ورد فِي الدَّابَّة
ثمَّ الصَّلَاة على الدَّابَّة تَطَوّعا كَيْفَمَا كَانَ أَو فرضا عِنْد الْعذر الْمَانِع عَن التَّوَجُّه إِلَى الْقبْلَة تجوز من غير اسْتِقْبَال الْقبْلَة أصلا لَا عِنْد الشُّرُوع وَلَا بعده
وَهَذَا عندنَا
وَقَالَ الشَّافِعِي لَا تجوز إِلَّا إِذا وَجه الدَّابَّة نَحْو الْقبْلَة عِنْد الشُّرُوع ثمَّ يُصَلِّي حَيْثُ تَوَجَّهت الدَّابَّة
فَأَما إِذا كَانَت الصَّلَاة على الرَّاحِلَة بِعُذْر الطين والردغة فَإِن كَانَ يُمكنهُم التَّوَجُّه إِلَى الْقبْلَة فَإِنَّهُ لَا تجوز صلَاتهم إِلَى غير الْقبْلَة لِأَن الْقبْلَة لم تسْقط من غير عذر
وَأَصله مَا روى جَابر عَن النَّبِي ﵇ أَنه كَانَ يُصَلِّي على الدَّابَّة نَحْو الْمشرق تَطَوّعا فَإِذا أَرَادَ أَن يُصَلِّي الْمَكْتُوبَة صلى على الأَرْض
ثمَّ الصَّلَاة على الدَّابَّة لخوف الْعَدو تجوز كَيْفَمَا كَانَت الدَّابَّة سائرة أَو واقفة لِأَنَّهُ يحْتَاج إِلَى السّير
أما فِي حَال الْمَطَر والطين فَإِن صلى وَالدَّابَّة تسير فَلَا تجوز لِأَن
стр. 146
السّير منَاف للصَّلَاة فَلَا يسْقط من غير عذر
وَكَذَا إِذا اسْتَطَاعُوا النُّزُول وَلم يقدروا على الْقعُود نزلُوا وأومؤوا قيَاما على الأَرْض
وَإِن قدرُوا على الْقعُود وَلم يقدروا على السُّجُود نزلُوا وصلوا قعُودا بِالْإِيمَاءِ لِأَن السُّقُوط بِقدر الضَّرُورَة
وَأما الصَّلَاة فِي السَّفِينَة فَإِن كَانَت واقفة بِأَن كَانَت مشدودة على الْجد وَنَحْو ذَلِك فَإِنَّهُ لَا يجوز إِلَّا بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُود قَائِما مُتَوَجها إِلَى الْقبْلَة لِأَنَّهُ قَادر
وَإِن كَانَت السَّفِينَة جَارِيَة فَإِن كَانَ يقدر على الْخُرُوج إِلَى الشط فَإِنَّهُ يسْتَحبّ لَهُ الْخُرُوج
وَلَو صلى فِي السَّفِينَة قَائِما بركوع وَسُجُود مُتَوَجها إِلَى الْقبْلَة حَيْثُمَا دارت السَّفِينَة فَإِنَّهُ يجوز لِأَن السَّفِينَة بِمَنْزِلَة الأَرْض
أما إِذا صلى قَاعِدا بركوع وَسُجُود فَإِن كَانَ عَاجِزا عَن الْقيام يجوز بالِاتِّفَاقِ
وَإِن كَانَ قَادِرًا على الْقعُود بركوع وَسُجُود فصلى بِالْإِيمَاءِ لَا يجوز بالِاتِّفَاقِ
أما إِذا كَانَ قَادِرًا على الْقيام فصلى قَاعِدا بركوع وَسُجُود فَإِنَّهُ يجوز عِنْد أبي حنيفَة وَقد أَسَاءَ
وعَلى قَوْلهمَا لَا يجوز لِأَن الْقيام ركن فَلَا يسْقط من غير عذر
وَقَول أبي حنيفَة أرْفق بِالنَّاسِ لِأَن الْغَالِب فِي السَّفِينَة دوران الرَّأْس فَالْحق بالمتحقق تيسيرا
стр. 147
فَإِذا صلى فِي السَّفِينَة بِجَمَاعَة جَازَت صلَاتهم
وَلَو اقْتدى بِهِ رجل فِي سفينة أُخْرَى فَإِن كَانَت السفينتان مقرونتين جَازَ
وَإِن كَانَتَا منفصلتين لَا يجوز
وَإِن كَانَ الإِمَام فِي السَّفِينَة والمقتدي على الشط والسفينة واقفة فَإِن كَانَ بَين السَّفِينَة والشط مِقْدَار نهر عَظِيم لَا يَصح الِاقْتِدَاء وَإِن لم يكن جَازَ وَالله أعلم
стр. 148
بَاب صَلَاة الْجُمُعَة ٤ الْكَلَام فِي هَذَا الْبَاب فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع فِي بَيَان أَن الْجُمُعَة فرض أُصَلِّي أم لَا وَفِي بَيَان شَرَائِط الْجُمُعَة وَفِي بَيَان صفة صَلَاة الْجُمُعَة وقدرها وَفِي بَيَان مَا يسْتَحبّ يَوْم الْجُمُعَة
أما الأول فَنَقُول قَالَ أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف فرض الْوَقْت الظّهْر إِلَّا أَن الْمُقِيم الصَّحِيح الْحر مَأْمُور بإسقاطه بأَدَاء الْجُمُعَة على طَرِيق الْخَتْم والمعذور مَأْمُور بإسقاطه بِالْجمعَةِ على طَرِيق الرُّخْصَة حَتَّى إِنَّه إِذا أدّى الْجُمُعَة سقط عَنهُ الظّهْر وَتَكون الْجُمُعَة فرضا وَإِن ترك التَّرَخُّص عَاد الْأَمر إِلَى الْعَزِيمَة وَيكون الْفَرْض هُوَ الظّهْر لَا غير
وَقَالَ مُحَمَّد فِي قَول الْفَرْض هُوَ الْجُمُعَة وَله أَن يسْقطهُ بِالظّهْرِ رخصَة
وَفِي قَول الْفَرْض أَحدهمَا إِمَّا الظّهْر وَإِمَّا الْجُمُعَة وَيتَعَيَّن ذَلِك بِالْفِعْلِ فَأَيّهمَا فعل يتَبَيَّن أَن الْفَرْض هُوَ
وَقَالَ زفر فرض الْوَقْت الْجُمُعَة وَالظّهْر بدل عَنْهَا
وَهَذَا كُله قَول عُلَمَاؤُنَا ﵏
وَقَول الشَّافِعِي الْجُمُعَة ظهر قَاصِر
стр. 149
وَعِنْدنَا هِيَ صَلَاة غير صَلَاة الظّهْر حَتَّى لَا يَصح عندنَا بِنَاء الظّهْر على تحريمة الْجُمُعَة بِأَن خرج الْوَقْت وَهُوَ فِي الصَّلَاة فعندنا يسْتَقْبل ظهرا وَعند الشَّافِعِي يُتمهَا ظهرا
إِذا ثَبت هَذَا الأَصْل تخرج عَلَيْهِ الْمسَائِل فَنَقُول من صلى الظّهْر فِي بَيته وَحده وَهُوَ غير معذرو فَإِنَّهُ يَقع فرضا فِي قَول أَصْحَابنَا الثَّلَاثَة خلافًا لزفَر فَإِن عِنْده لَا يجوز الظّهْر
أما عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف فَلِأَن فرض الْوَقْت هُوَ الظّهْر لَكِن أَمر بإسقاطه بِالْجمعَةِ فَإِذا لم يَأْتِ بِالْجمعَةِ وأتى بِالظّهْرِ فقد أدّى فرض الْوَقْت فيجزئه وَأما عِنْد مُحَمَّد فَلِأَن فرض الْوَقْت وَإِن كَانَ هُوَ الْجُمُعَة فِي قَول فَلهُ أَن يسْقطهُ الظّهْر رخصَة
وَفِي قَول أَحدهمَا غير عين وَإِنَّمَا يتَعَيَّن بِفِعْلِهِ وَقد عينه
وعَلى قولزفر لما كَانَ الظّهْر بَدَلا عَن الْجُمُعَة وَهُوَ قَادر على الأَصْل
فَإِنَّهُ لَا يجوز الْبَدَل
وعَلى هَذَا الْمَعْذُور نَحْو الْمَرِيض وَالْمُسَافر وَالْعَبْد إِذا صلى الظّهْر فِي بَيته وَحده يَقع عَن الْفَرْض عِنْد أَصْحَابنَا جَمِيعًا على اخْتِلَاف الْأُصُول أما عِنْدهمَا فَلِأَن فرض الْوَقْت هُوَ الظّهْر فِي حق الْكل والمعذور أَمر بإسقاطه بِالْجمعَةِ بطرِيق الرُّخْصَة إِلَّا أَن الْفرق أَن فِي الْفَصْل الأول يَأْثَم بترك الْجُمُعَة وَهَهُنَا لَا يَأْثَم بترك الْجُمُعَة لِأَن ثمَّة ترك الْفَرْض فيأثم وَهنا ترك الرُّخْصَة فَلَا يَأْثَم ويعذر وَأما عِنْد زفر فَلِأَن الْوَاجِب عَلَيْهِ الظّهْر بَدَلا عَن الْجُمُعَة لكَونه مَعْذُورًا
وعَلى هَذَا الأَصْل إِن الْمَعْذُور إِذا صلى الظّهْر فِي بَيته ثمَّ شهد الْجُمُعَة وَصلى مَعَ الإِمَام انْتقض ظَهره وَيكون تَطَوّعا وفرضه الْجُمُعَة لِأَنَّهُ أَمر بِإِسْقَاط الظّهْر بِالْجمعَةِ إِذا كَانَ قَادِرًا عَلَيْهِ وَقد قدر فينتفض ظَهره ضَرُورَة تمكن أَدَاء الْجُمُعَة
وَعند زفر لَا يبطل لما قُلْنَا إِن الظّهْر عِنْده بدل وَقد قدر على الأَصْل بعد حُصُول الْمَقْصُود
стр. 150
بِالْبَدَلِ فَلَا يبطل الْبَدَل
وَأما غير الْمَعْذُور إِذا صلى الظّهْر فِي بَيته ثمَّ شهد الْجُمُعَة فَهَذَا على وَجْهَيْن أَحدهمَا إِذا حضر الْجَامِع وَصلى الْجُمُعَة مَعَ الإِمَام أَو أدْركهُ فِي الصَّلَاة بَعْدَمَا قَامَ فَإِنَّهُ يبطل ظَهره بِلَا خلاف بَيْننَا لما قُلْنَا
وَالثَّانِي حِين خرج من بَيته وسعى إِلَى الْجَامِع وَالْإِمَام فِي الْجُمُعَة لكنه إِذا حضر وَوجد الإِمَام قد فرغ عَنْهَا فَكَذَلِك الْجَواب عِنْد أبي حنيفَة وَعند أبي يُوسُف وَمُحَمّد لَا ينتفض مَا لم يشرع مَعَه فِي الْجُمُعَة
وعَلى هَذَا الأَصْل إِذا شرع الرجل فِي صَلَاة الْجُمُعَة ثمَّ تذكر أَن عَلَيْهِ صَلَاة الْفجْر فَإِن كَانَ بِحَال لَو اشْتغل بِالْفَجْرِ تفوته الْجُمُعَة وَالظّهْر عَن وقتهما فَإِنَّهُ يمْضِي فِيهَا وَلَا يقطع بِالْإِجْمَاع
وَإِن كَانَ بِحَال لَو اشْتغل بِالْفَجْرِ تفوته الْجُمُعَة وَلَكِن يدْرك الظّهْر فِي وقته فعلى قَول أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف يُصَلِّي الْفجْر ثمَّ يُصَلِّي الظّهْر وَلَا تُجزئه الْجُمُعَة وعَلى قَول مُحَمَّد يمْضِي على الْجُمُعَة وَلَا يقطع لما قُلْنَا
وَأما الثَّانِي فِي بَيَان شَرَائِط الْجُمُعَة فَنَقُول للْجُمُعَة شَرَائِط بَعْضهَا من صِفَات الْمُصَلِّي وَبَعضهَا لَيْسَ من صِفَاته
فالتي من صِفَات الْمُصَلِّي سِتَّة الذُّكُورَة وَالْعقل وَالْبُلُوغ وَالْحريَّة وَصِحَّة الْبدن وَالْإِقَامَة حَتَّى لَا تجب الْجُمُعَة على النسوان وَالصبيان والمجانين وَالْعَبِيد والزمنى والمرضى والمسافرين
وَأما الْأَعْمَى فَهَل يجب عَلَيْهِ الْجُمُعَة أَجمعُوا على أَنه إِذا لم يجد قائدا لَا يجب كَمَا لَا يجب على الزمني
أما إِذا وجد قائدا إِمَّا بالإعارة أَو بِالْإِجَارَة على قَول أبي حنيفَة لَا يجب أَيْضا وَعِنْدَهُمَا يجب أَيْضا
стр. 151
وعَلى هَذَا الِاخْتِلَاف إِذا كَانَ لَهُ زَاد وراحلة وَأمكنهُ أَن يسْتَأْجر قائدا أَو وجد لَهُ إِنْسَان يَقُودهُ إِلَى مَكَّة ذَاهِبًا وجائيا فَعِنْدَ أبي حنيفَة لَا يجب عَلَيْهِ الْحَج وَعِنْدَهُمَا يجب
ثمَّ هَؤُلَاءِ الَّذين لَا يجب عَلَيْهِم الْجُمُعَة إِذا حَضَرُوا الْجُمُعَة وصلوا فَإِنَّهُ يجزئهم وَيسْقط عَنْهُم فرض الْوَقْت لِأَن امْتنَاع الْوُجُوب للْعُذْر قد زَالَ
وَأما الشَّرَائِط الَّتِي لَيست من صِفَات الْمُصَلِّي فستة أَيْضا خَمْسَة ذكرهَا فِي ظَاهر الرِّوَايَة وَهِي الْمصر الْجَامِع وَالسُّلْطَان وَالْجَمَاعَة وَالْخطْبَة وَالْوَقْت وَالسَّادِس ذكره فِي نَوَادِر الصَّلَاة وَهُوَ أَن يكون أَدَاء الْجُمُعَة بطرِيق الاشتهار حَتَّى إِن أَمِيرا لَو جمع جُنُوده فِي الْحصن وأغلق الْأَبْوَاب وَصلى بهم الْجُمُعَة فَإِنَّهُ لَا يجزئهم وَإِن فتح بَاب الْحصن وَأذن للعامة فِيهِ بِالدُّخُولِ جَازَ
وَأما الْمصر الْجَامِع فقد ذكرالكرخي مَا أُقِيمَت فِيهِ الْحُدُود ونفذت فِيهِ الْأَحْكَام
وَقد تكلم فِيهِ أَصْحَابنَا بأقوال
وَرُوِيَ عَن أبي حنيفَة هُوَ بَلْدَة كَبِيرَة فِيهَا سِكَك وأسواق وَلها رساتيق
وفيهَا وَال يقدر على إنصاف الْمَظْلُوم من الظَّالِم بحشمه وَعلمه أَو علم غَيره وَيرجع النَّاس إِلَيْهِ فِيمَا وَقع لَهُم من الْحَوَادِث وَهَذَا هُوَ الْأَصَح
وَأما الثَّالِث فِي بَيَان صفة صَلَاة الْجُمُعَة وقدرها فَنَقُول يَنْبَغِي أَن يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ يقْرَأ فِي كل رَكْعَة بِفَاتِحَة الْكتاب وَسورَة مِقْدَار مَا يقْرَأ فِي صَلَاة الظّهْر على مَا مر
وَلَو قَرَأَ فِي الرَّكْعَة الأولى بِفَاتِحَة الْكتاب وَسورَة الْجُمُعَة وَفِي الثَّانِيَة بِفَاتِحَة الْكتاب وَسورَة المُنَافِقُونَ فَحسن تبركا بِفعل النَّبِي عَلَيْهِ
стр. 152
السَّلَام وَلَكِن لَا يواظب على قِرَاءَة هَاتين السورتين أَيْضا
فَلَو واظب على قراءاتهما يكره لِأَن فِيهِ هجر بعض الْقُرْآن وإيهام الْعَامَّة على أَن ذَلِك بطرِيق الحتم
ويجهر بِالْقِرَاءَةِ فيهمَا لوُرُود الْأَثر بالجهر فِيهَا وَالله أعلم
وَأما الرَّابِع فِي بَيَان مَا يسْتَحبّ فِي يَوْم الْجُمُعَة فَنَقُول السّنة وَالْمُسْتَحب فِيهِ أَن يدهن ويمس طيبا إِن وجد ويلبس أحسن ثِيَابه ويغتسل
وَغسل يَوْم الْجُمُعَة عِنْد عَامَّة الْعلمَاء سنة
وَقَالَ مَالك وَاجِب
وَلكنه سنة الْيَوْم أَو سنة الْجُمُعَة فعلى الِاخْتِلَاف الَّذِي ذكرنَا
стр. 153
بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ
الْكَلَام فِي صَلَاة الْعِيدَيْنِ فِي مَوَاضِع وَفِي بَيَان أَنَّهَا وَاجِبَة أم سنة وَفِي شَرَائِط وُجُوبهَا وَفِي وَقت أَدَائِهَا وَفِي كَيْفيَّة أَدَائِهَا وَفِي بَيَان مَا يسْتَحبّ وَيسن فِي يَوْم عيد الْأَضْحَى وَالْفطر
أما الأول وَهُوَ بَيَان أَنَّهَا وَاجِبَة أم سنة فَنَقُول اخْتلفت الرِّوَايَات عَن أَصْحَابنَا فِي ظَاهر الرِّوَايَة دَلِيل على أَنَّهَا وَاجِبَة فَإِنَّهُ قَالَ وَلَا يُصَلِّي نَافِلَة فِي جمَاعَة إِلَّا قيام رَمَضَان وَصَلَاة الْكُسُوف فَهَذَا دَلِيل على أَن صَلَاة الْعِيد وَاجِبَة فَإِنَّهَا تُقَام بِجَمَاعَة
وروى الْحسن عَن أبي حنيفَة أَنه قَالَ وَتجب صَلَاة الْعِيد على أهل الْأَمْصَار كَمَا تجب الْجُمُعَة
وَذكر أَبُو الْحسن الْكَرْخِي هَهُنَا وَقَالَ وَتجب صَلَاة الْعِيد على من يجب عَلَيْهِ الْجُمُعَة
وَذكر فِي الْجَامِع الصَّغِير أَنه سنة فَإِنَّهُ قَالَ إِذا اجْتمع العيدان فِي يَوْم وَاحِد فَالْأول سنة
стр. 154
وَذكر أَبُو مُوسَى الضَّرِير فِي مُخْتَصره أَنَّهَا فرض كِفَايَة وَالأَصَح أَنَّهَا وَاجِبَة
أما بَيَان شَرَائِط وُجُوبهَا فَكل مَا هُوَ شَرط وجوب الْجُمُعَة فَهُوَ شَرط وجوب صَلَاة الْعِيدَيْنِ من الإِمَام والمصر وَالْجَمَاعَة إِلَّا الْخطْبَة فَإِنَّهَا سنة بعد الصَّلَاة بِإِجْمَاع الصَّحَابَة
وَشرط الشَّيْء يكون سَابِقًا عَلَيْهِ أَو مُقَارنًا لَهُ
وَأما الْوَقْت فَقَالَ أَبُو الْحسن وَقت صَلَاة الْعِيدَيْنِ من حِين تبيض الشَّمْس إِلَى أَن تَزُول لما رُوِيَ عَن النَّبِي ﵇ أَنه كَانَ يُصَلِّي الْعِيد وَالشَّمْس قدر رمح أَو رُمْحَيْنِ إِلَّا أَن فِي عيد الْفطر إِذا ترك الصَّلَاة فِي الْيَوْم الأول لعذر يُؤَدِّي فِي الْيَوْم الثَّانِي فِي وَقتهَا وَإِن ترك بِغَيْر عذر سَقَطت أصلا
وَفِي عيد الْأَضْحَى إِن تركت فِي يَوْم النَّحْر لعذر تُؤَدّى فِي الْيَوْم الثَّانِي فَإِن تركت فِي الْيَوْم الثَّانِي لعذر أَيْضا تُؤَدّى فِي الْيَوْم الثَّالِث أَيْضا
وَكَذَلِكَ قَالُوا إِذا تركت بِغَيْر عذر تُؤَدّى فِي الْيَوْم الثَّانِي وَالثَّالِث وَتسقط بعد ذَلِك سَوَاء دَامَ الْعذر أَو انْقَطع لِأَن الْقيَاس أَن لَا تُؤَدّى إِلَّا فِي يَوْم الْعِيد لِأَنَّهَا عرفت بِصَلَاة الْعِيد
وَإِنَّمَا عرف جَوَاز الْأَدَاء فِي الْيَوْم الثَّانِي فِي عيد الْفطر بِالنَّصِّ الْخَاص فِي حَالَة الْعذر وَفِي عيد الْأَضْحَى فِي الْيَوْم الثَّانِي وَالثَّالِث اسْتِدْلَالا بالأضحية لِأَنَّهَا تجوز فِي الْيَوْم الثَّانِي وَالثَّالِث وَصَارَت هَذِه أَيَّام النَّحْر وَصَلَاة الْعِيد تُؤَدّى فِي أَيَّام النَّحْر
стр. 155
وَأما بَيَان كَيْفيَّة أَدَاء صَلَاة الْعِيدَيْنِ فَنَقُول يُصَلِّي الإِمَام رَكْعَتَيْنِ فيكبر تَكْبِيرَة الِافْتِتَاح وَيَقُول سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك إِلَى آخِره ثمَّ يكبر ثَلَاثًا ثمَّ يقْرَأ جَهرا ثمَّ يكبر تَكْبِيرَة الرُّكُوع فَإِذا قَامَ إِلَى الثَّانِيَة يقْرَأ أَولا ثمَّ يكبر ثَلَاثًا ويركع بالرابعة فَتكون التَّكْبِيرَات الزَّوَائِد سِتا ثَلَاثَة فِي الرَّكْعَة الأولى وَثَلَاثَة فِي الرَّكْعَة الثَّانِيَة وَثَلَاثَة أصليات تَكْبِيرَة الِافْتِتَاح وتكبيرات الرُّكُوع فَصَارَ حَاصِل الْجَواب عندنَا أَن يكبر فِي صَلَاة الْعِيدَيْنِ تسع تَكْبِيرَات سِتَّة فِي الزَّوَائِد وَثَلَاثَة أصليات
ويوالي بَين الْقِرَاءَتَيْن فَيقْرَأ فِي الرَّكْعَة الأولى بعد التَّكْبِيرَات وَفِي الثَّانِيَة قبل التَّكْبِيرَات
وَهَذَا هُوَ مَذْهَب عبد الله بن مَسْعُود وَحُذَيْفَة بن الْيَمَان وَعقبَة بن عَامر الْجُهَنِيّ وَأبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَأبي هُرَيْرَة وَابْن مَسْعُود الْأنْصَارِيّ ﵃
وَرُوِيَ عنعلي بن أبي طالبرضي الله عَنهُ ثَلَاث رِوَايَات وَالْمَشْهُور مِنْهَا أَنه فرق بَين عيد الْفطر وَعِيد الْأَضْحَى فَقَالَ وَيكبر فِي الْفطر إِحْدَى عشرَة تَكْبِيرَة ثَلَاث أصليات وثمان زَوَائِد فِي كل رَكْعَة أَرْبَعَة وَفِي الْأَضْحَى يكبر خمس تَكْبِيرَات ثَلَاث أصليات وزائدتان فِي كل رَكْعَة تَكْبِيرَة
وَعِنْده يقدم الْقِرَاءَة على التَّكْبِيرَات فِي الرَّكْعَتَيْنِ جَمِيعًا
وعنعبد الله بن عباسرضي الله عَنْهُمَا رِوَايَات كَثِيرَة وَالْمَشْهُور مِنْهَا أَنه يكبر ثَلَاث عشرَة تَكْبِيرَة ثَلَاث أصليات وَعشر زَوَائِد فِي كل
стр. 156
رَكْعَة خَمْسَة فِي الْعِيدَيْنِ جَمِيعًا وَيقدم التَّكْبِيرَات على الْقِرَاءَة فِي الرَّكْعَتَيْنِ جَمِيعًا
وَإِنَّمَا أَخذ أَصْحَابنَا بقول ابْن مَسْعُود لِأَنَّهُ وَافقه كثير من الصَّحَابَة وَأَنه لَا اضْطِرَاب فِي قَوْله بِخِلَاف قَول غَيره
ثمَّ إِن عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد يرفع يَدَيْهِ عِنْد تَكْبِيرَات الزَّوَائِد وعَلى قَول أبي يُوسُف لَا يرفع
ويتعوذ قبل التَّكْبِيرَات عِنْد أبي يُوسُف وَعند مُحَمَّد بعد التَّكْبِيرَات قبل الْقِرَاءَة على مَا ذكرنَا أَن عِنْد أبي يُوسُف التَّعَوُّذ تبع للاستفتاح وَعند مُحَمَّد تبع للْقِرَاءَة مُقَدّمَة عَلَيْهِ
ثمَّ الْقَوْم يجب عَلَيْهِم أَن يتابعوا الإِمَام فِي التَّكْبِيرَات على رَأْي الإِمَام دون رَأْي أنفسهم بِأَن كَانَ الإِمَام على رَأْي ابْن مَسْعُود وَالْقَوْم على رَأْي عبد الله بن عَبَّاس ﵃ لأَنهم تبع للْإِمَام فَيجب عَلَيْهِم مُتَابَعَته وَترك رَأْيهمْ بِرَأْيهِ
ثمَّ إِن الْقَوْم إِنَّمَا يتابعون الإِمَام فِي التَّكْبِيرَات إِذا لم يزدْ على مَا قَالَه الصَّحَابَة فَأَما إِذا زَاد عَلَيْهِ لَا يتابعونه لِأَنَّهُ خلاف الْإِجْمَاع
وَلَكِن هَذَا إِذا سمع التَّكْبِيرَات من الإِمَام فَأَما إِذا سمع ذَلِك من المكبرين فَإِنَّهُ يَأْتِي بِالْكُلِّ وَإِن خرج عَن أقاويل الصَّحَابَة لِأَنَّهُ لَو ترك الْبَعْض ترك مَا أَتَى بِهِ الإِمَام فَكَانَ الِاحْتِيَاط فِي تَحْصِيل الْكل
ثمَّ الإِمَام إِذا شرع فِي صَلَاة الْعِيد مَعَ الْقَوْم فجَاء إِنْسَان واقتدى بِهِ فَإِن كَانَ قبل التَّكْبِيرَات الزَّوَائِد كَانَ لَهُ أَن يُتَابع الإِمَام على مَذْهَب الإِمَام ورأيه لما قُلْنَا
стр. 157
فَأَما إِذا أدْرك بَعْدَمَا كبر الإِمَام الزَّوَائِد وَشرع فِي الْقِرَاءَة فَإِنَّهُ يكبر تَكْبِيرَة الِافْتِتَاح وَيَأْتِي بالزوائد قَائِما مَا لم يخف فَوت الرُّكُوع لِأَنَّهُ خلف الإِمَام حَقِيقَة وَيكبر بِرَأْي نَفسه لَا بِرَأْي الإِمَام لِأَنَّهُ مَسْبُوق
فَأَما إِذا خَافَ فَوت الرُّكُوع بِأَن ركع الإِمَام فَإِنَّهُ يكبر تَكْبِيرَة الِافْتِتَاح قَائِما ثمَّ يكبر ويركع وَيَأْتِي بالزوائد فِي الرُّكُوع بِرَأْي نَفسه لَا بِرَأْي الإِمَام لِأَنَّهُ مَسْبُوق
وَعَن الْحسن بن زِيَاد أَنه يسْقط عَنهُ الزَّوَائِد لِأَنَّهَا فَاتَ محلهَا وَهُوَ الْقيام
وَلَكنَّا نقُول إِن للرُّكُوع حكم الْقيام من وَجه فَيَأْتِي بهَا احْتِيَاطًا
وَإِن خَافَ فَوت التسبيحات يَأْتِي بالزوائد دون التسبيحات لِأَنَّهَا وَاجِبَة والتسبيحات سنة
فَأَما إِذا كَانَ بعد رفع الإِمَام رَأسه من الرُّكُوع فَإِن يسْقط عَنهُ التَّكْبِيرَات الزَّوَائِد وَله أَن يشرع فِي صلَاته ثمَّ يقْضِي الرَّكْعَة وَيَأْتِي بالتكبيرات على رَأْيه لَا على رَأْي إِمَامه بِخِلَاف مَا إِذا أدْركهُ فِي الرَّكْعَة الثَّانِيَة من صَلَاة الْعِيد فَإِنَّهُ يُتَابع الإِمَام فِيهَا بِرَأْي الإِمَام فِي الْبِدَايَة لِأَنَّهُ خلف الإِمَام حَقِيقَة فَإِذا فرغ الإِمَام من صلَاته فَإِنَّهُ يقْضِي مَا سبق بِهِ وعَلى رَأْيه أَيْضا لِأَنَّهُ الْمَسْبُوق بِمَنْزِلَة الْمُنْفَرد
ثمَّ إِذا قَامَ إِلَى قَضَاء مَا سبق بِهِ يَنْبَغِي أَن يقْرَأ أَولا ثمَّ يكبر الزَّوَائِد كَمَا هُوَ مَذْهَب عبد الله بن مَسْعُود ﵁ فِي الرَّكْعَة الثَّانِيَة
هَكَذَا ذكر فِي عَامَّة الرِّوَايَات
وَذكر فِي نَوَادِر أبي سُلَيْمَان أَنه يكبر أَولا ثمَّ يقْرَأ
стр. 158
وَمِنْهُم من قَالَ مَا ذكر فِي النَّوَادِر قَول أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف وَمَا ذكرنَا فِي عَامَّة الرِّوَايَات قَول مُحَمَّد بِنَاء على أَن الْمَسْبُوق يقْضِي أول صلَاته فِي حق الْقِرَاءَة عِنْدهمَا وَعند مُحَمَّد يقْضِي آخر صلَاته
فَإِن كَانَ يقْضِي أول صلَاته عِنْدهمَا فَيَأْتِي بِالتَّكْبِيرِ أَولا ثمَّ بِالْقِرَاءَةِ إِذا كَانَ يرى رَأْي ابْن مَسْعُود وَلما كَانَ يقْضِي آخر صلَاته عِنْد مُحَمَّد يَأْتِي بِالْقِرَاءَةِ ثمَّ بِالتَّكْبِيرِ كَمَا هُوَ مَذْهَب ابْن مَسْعُود
وَمِنْهُم من قَالَ فِي الْمَسْأَلَة رِوَايَتَانِ وَهَذَا يعرف فِي الْمَبْسُوط
وَأما مَا يسْتَحبّ وَيسن فِي يَوْم الْعِيد فأشياء الِاغْتِسَال والاستياك والتطيب وَلبس أحسن ثِيَابه جَدِيدا كَانَ أَو غسيلا
وَيَنْبَغِي أَن يخرج صَدَقَة فطره قبل الْخُرُوج إِلَى الْمصلى فِي عيد الْفطر وَكَذَا يَذُوق شَيْئا لكَونه يَوْم فطر
وَأما فِي عيد الْأَضْحَى فَإِن كَانَ فِي الرساتيق يذبح حِين أصبح وَيَذُوق مِنْهُ وَلَا يمسك كَمَا فِي عيد الْفطر وَفِي الْمصر لَا يذبح حَتَّى يفرغ من صَلَاة الْعِيد وَلَا يَذُوق فِي أول الْيَوْم حَتَّى يكون تنَاوله من القرابين
وَهل يكبر النَّاس فِي الطَّرِيق قبل الْوُصُول إِلَى الْمصلى على سَبِيل الْجَهْر ذكر الطَّحَاوِيّ أَنه يَأْتِي على سَبِيل الْجَهْر فِي الْعِيدَيْنِ جَمِيعًا
وَلَكِن مَشَايِخنَا قَالُوا بِأَن فِي عيد الْأَضْحَى يكبر فِي حَال ذَهَابه إِلَى الْمصلى جَهرا فَإِذا انْتهى إِلَى الْمصلى يتْرك فَأَما فِي عيد الْفطر فعلى قَول أبي حنيفَة لَا يكبر جَهرا فِي حَال ذَهَابه إِلَى الْمصلى وعَلى قَوْلهمَا يكبر فيهمَا جَهرا
стр. 159
وَالصَّحِيح قَول أبي حنيفَة فَإِن الأَصْل فِي الْأَذْكَار هُوَ الْإخْفَاء دون الْجَهْر وَإِنَّمَا يُصَار إِلَى الْجَهْر بِدَلِيل زَائِد وَفِي عيد الْأَضْحَى ثَبت عَن رَسُول الله ﷺ أَنه كَانَ يكبر فِي الطَّرِيق وَلم يكبر فِي عيد الْفطر
ثمَّ فِي يَوْم الْعِيد يَنْبَغِي أَن يتْرك التَّطَوُّع فِي الْمصلى قبل صَلَاة الْعِيد وَقبل أَن يفرغ الإِمَام من الْخطْبَة حَتَّى لَو فعل يكون مَكْرُوها وَيصير مسيئا أما لَو فعل بعد الْفَرَاغ من الْخطْبَة فَلَا بَأْس بِهِ وَمعنى الْكَرَاهَة والإساءة قد بَيناهُ فِي بَاب الْأَوْقَات
стр. 160
بَاب تَكْبِير أَيَّام التَّشْرِيق
الْكَلَام هَهُنَا فِي تَفْسِير التَّكْبِير وَفِي بَيَان كَونه وَاجِبا أم سنة وَفِي بَيَان وَقت التَّكْبِير وَفِي بَيَان مَحل أَدَائِهِ وَفِي بَيَان من يجب عَلَيْهِ
وَفِي بَيَان أَنه هَل يجب فِيهِ الْقَضَاء بعد الْفَوْت أما الأول فقد اخْتلفت الرِّوَايَة عَن الصَّحَابَة فِي تَفْسِير التَّكْبِير وَالصَّحِيح هُوَ الْمَشْهُور والمتعارف بَين الْأمة وَهُوَ قَوْلهم الله أكبر الله أكبر لَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر الله أكبر وَللَّه الْحَمد
وَأما الثَّانِي فَنَقُول إِنَّه وَاجِب وَذكر هَهُنَا أَنه سنة ثمَّ فَسرهَا بِالْوَاجِبِ فَإِنَّهُ قَالَ تَكْبِير أَيَّام التَّشْرِيق سنة مَاضِيَة نقلهَا أهل الْعلم وَأَجْمعُوا على الْعَمَل بهَا وَلَكِن إِطْلَاق اسْم السّنة جَائِز على الْوَاجِب فَإِنَّهَا عبارَة عَن الطَّرِيقَة المرضية
وَدَلِيل الْوُجُوب قَوْله تَعَالَى ﴿واذْكُرُوا الله فِي أَيَّام معدودات﴾ قَالَ أهل التَّفْسِير المُرَاد هَذِه الْأَيَّام
стр. 161
وَرُوِيَ عَن النَّبِي ﵇ أَنه قَالَ مَا من أَيَّام أحب إِلَى الله تَعَالَى الْعَمَل فِيهِنَّ من هَذِه الْأَيَّام فَأَكْثرُوا فِيهَا من التَّكْبِير والتهليل وَالتَّسْبِيح
وَالثَّالِث الْكَلَام فِي وَقت التَّكْبِير اخْتلفت الصَّحَابَة فِي ابْتِدَاء وَقت التَّكْبِير وانتهائه
اتّفق الْكِبَار مِنْهُم مثل أبي بكر وَعمر وَعلي وَعبد الله بن مَسْعُود وَعبد الله بن عَبَّاس وَغَيرهم ﵃ على أَن يبْدَأ من صَلَاة الْفجْر من يَوْم عَرَفَة
وَاخْتلفُوا فِي الِانْتِهَاء رُوِيَ عَن عمر يَنْتَهِي إِلَى وَقت الظّهْر من آخر أَيَّام التَّشْرِيق يكبر ثمَّ يقطع
وَعَن عَليّ أَنه يقطع فِي وَقت الْعَصْر فِي آخر أَيَّام التَّشْرِيق تَمام ثَلَاث وَعشْرين صَلَاة
وَعَن عبد الله بن مَسْعُود أَنه يقطع وَقت الصَّلَاة الْعَصْر من يَوْم النَّحْر يكبر ثمَّ يقطع تَمام ثَمَان صلوَات
فَأخذ أَبُو حنيفَة يَقُول ابْن مَسْعُود ابْتِدَاء وانتهاء
وَأخذ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد يَقُول على ابْتِدَاء وانتهاء
وَاتفقَ الشبَّان من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ نَحْو عبد الله بن عمر وَعَائِشَة وَغَيرهمَا أَنه يبْدَأ من صَلَاة الظّهْر من يَوْم النَّحْر وَهَكَذَا رُوِيَ عَن زيد بن ثَابت
وَرُوِيَ عَن ابْن عمر أَنه يقطع فِي الظّهْر من آخر أَيَّام التَّشْرِيق
وَأخذ الشَّافِعِي بقول ابْن عمر ابْتِدَاء وانتهاء
وَدَلَائِل الْمَسْأَلَة تعرف فِي الْمَبْسُوط وَالْجَامِع الْكَبِير
стр. 162
وَأما مَحل أَدَاء التَّكْبِير فَفِي دبر الصَّلَاة وإثرها من غير أَن يَتَخَلَّل مَا يقطع حُرْمَة الصَّلَاة حَتَّى إِنَّه لَو قَامَ وَخرج من الْمَسْجِد أَو تكلم فَإِنَّهُ لَا يكبر وَلَو قَامَ وَلم يخرج من الْمَسْجِد فَإِنَّهُ يكبر
ثمَّ إِذا نسي الإِمَام وَلم يكبر فللقوم أَن يكبروا لِأَنَّهُ لَيْسَ من جملَة أَفعَال الصَّلَاة حَتَّى يكون الإِمَام فِيهِ أصلا
وَأما الْكَلَام فِيمَن يجب عَلَيْهِ فقد قَالَ أَبُو حنيفَة إِنَّه لَا يجب إِلَّا على الرِّجَال الْأَحْرَار الْبَالِغين الْمُكَلّفين من أهل الْأَمْصَار الْمُصَلِّين للْفَرض بِجَمَاعَة حَتَّى لَا يجب على العبيد وَلَا على النسوان وَالصبيان وَلَا على الْمُسَافِرين وَلَا على أهل الرساتيق وَلَا على من يُصَلِّي الْفَرْض وَحده
وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد يجب على كل مؤد فرضا على أَي وصف كَانَ وَفِي أَي مَكَان كَانَ
وَقَالَ الشَّافِعِي على كل مصل فرضا كَانَت الصَّلَاة أم نفلا
والدلائل مَذْكُورَة فِي الْمَبْسُوط وَالْجَامِع الْكَبِير
وَأما
الْكَلَام فِي وجوب الْقَضَاء
عِنْد الْفَوْت فَهُوَ أَرْبَعَة فُصُول إِذا ترك الصَّلَاة فِي الْأَيَّام الَّتِي هُوَ فِيهَا وَقضى فِي تِلْكَ الْأَيَّام فَإِنَّهُ يكبر بِلَا خلاف لِأَن الْقَضَاء على حسب الْأَدَاء وَقد فَاتَتْهُ مَعَ التَّكْبِير فَيَقْضِي كَذَلِك
وَلَو ترك صَلَاة فِي غير هَذِه الْأَيَّام فَتذكر فِي هَذِه الْأَيَّام يقْضِي بِلَا تَكْبِير لِأَنَّهُ فَاتَتْهُ بِلَا تَكْبِير
وَلَو ترك فِي هَذِه الْأَيَّام وقضاها فِي غير أَيَّام التَّشْرِيق يقْضِي بِلَا تَكْبِير لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي وَقت الْقَضَاء تَكْبِير مَشْرُوع على سَبِيل الْجَهْر فَلَا يُمكنهُ الْقَضَاء
стр. 163
وَلَو ترك التَّكْبِير فِي أَيَّام التَّشْرِيق فَتذكر فِي أَيَّام التَّشْرِيق من الْقَابِل فَفِي الْمَشْهُور من الرِّوَايَات أَنه لَا يقْضِي مَعَ التَّكْبِير كرمي الْجمار إِذا فَاتَهُ فِي هَذِه الْأَيَّام لَا يقْضِي فِي هَذِه الْأَيَّام فِي السّنة الْقَابِلَة فَكَذَلِك التَّكْبِير
وَفِي رِوَايَة أُخْرَى أَنه يقْضِي مَعَ التَّكْبِير لِأَنَّهُ يُمكنهُ الْقَضَاء مَعَ التَّكْبِير وَقد فَاتَت مَعَ التَّكْبِير وَالله أعلم
стр. 164
بَاب صَلَاة الْخَوْف
فِي الْبَاب فُصُول مِنْهَا أَن صَلَاة الْخَوْف مَشْرُوعَة بعد وَفَاة النَّبِي ﵇ عِنْد عَامَّة الْعلمَاء
وَقَالَ الْحسن بن زِيَاد إِنَّهَا كَانَت مَشْرُوعَة فِي زمن النَّبِي ﵇ مَعَ وجود الْمنَافِي لفضيلة الصَّلَاة مَعَ رَسُول الله ﷺ وَهَذَا الْمَعْنى لم يُوجد بعد وَفَاته
وَجه قَول عَامَّة الْعلمَاء إِجْمَاع الصَّحَابَة على ذَلِك
وَمِنْهَا بَيَان صفة صَلَاة الْخَوْف
وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي كيفيتها اخْتِلَافا كثيرا لاخْتِلَاف الْأَخْبَار فِي الْبَاب وَاخْتَارَ أَصْحَابنَا مَا هُوَ الْأَوْجه من ذَلِك فَقَالُوا يَنْبَغِي للْإِمَام أَن يَجْعَل النَّاس طائفتين طَائِفَة بِإِزَاءِ الْعَدو ويفتتح الصَّلَاة بطَائفَة فَيصَلي بهم رَكْعَة إِن كَانَ مُسَافِرًا أَو صَلَاة الْفجْر وَرَكْعَتَيْنِ إِن كَانَ مُقيما فِي ذَوَات الْأَرْبَع ثمَّ تَنْصَرِف هَذِه الطَّائِفَة الَّتِي صلى بهم إِلَى وَجه الْعَدو
وَتَأْتِي الطَّائِفَة الْأُخْرَى فَيصَلي بهم بَقِيَّة الصَّلَاة وَيسلم وَلَا يسلم الْقَوْم
ثمَّ هَذِه الطَّائِفَة يَنْصَرِفُونَ إِلَى وَجه الْعَدو وتعود الطَّائِفَة الأولى فتقضي بَقِيَّة صلَاتهَا بِغَيْر قِرَاءَة لأَنهم لاحقون وينصرفون إِلَى وَجه الْعَدو
ثمَّ تعود الطَّائِفَة الثَّانِيَة فتقضي بَقِيَّة صلَاتهَا
стр. 165
بِقِرَاءَة لأَنهم مسبوقون وَلَكِن يَنْبَغِي أَن ينصرفوا مشَاة
فَأَما إِذا انصرفوا ركبانا فَإِنَّهُ لَا تجوز صلَاتهم سَوَاء كَانَ انصرافهم من الْقبْلَة إِلَى الْعَدو أَو من الْعَدو إِلَى الْقبْلَة هَذَا جَوَاب ظَاهر الرِّوَايَة عَن أَصْحَابنَا
هَذَا الَّذِي ذكرنَا إِذا كَانَت الصَّلَاة رَكْعَتَيْنِ أَو من ذَوَات الْأَرْبَع
فَأَما فِي صَلَاة الْمغرب فَيَنْبَغِي للْإِمَام أَن يُصَلِّي بالطائفة الأولى رَكْعَتَيْنِ وبالثانية رَكْعَة وَاحِدَة وَهَذَا قَول عَامَّة الْعلمَاء خلافًا لِسُفْيَان الثَّوْريّ المعادلة فِي الْقِسْمَة أَن تنصف الصَّلَاة فيقيم بِكُل طَائِفَة نصفهَا إِلَّا أَن الرَّكْعَة لَا تتجزأ فتتكامل ضَرُورَة
ثمَّ إِنَّمَا تجوز صَلَاة الْخَوْف إِذا لم يُوجد من الإِمَام وَلَا من الْقَوْم مقاتلة ومراماة فِي الصَّلَاة
فَأَما إِذا وجد شَيْء من ذَلِك فَإِنَّهُ تفْسد صلَاته عندنَا خلافًا للشَّافِعِيّ
ثمَّ كل من كَانَ لَا يُمكنهُ أَن ينزل يُصَلِّي رَاكِبًا بِالْإِيمَاءِ مُتَوَجها إِلَى الْقبْلَة إِن قدر وَإِن لم يقدر يُصَلِّي حَيْثُمَا توجه وَلَا يَسعهُ أَن يتْرك الصَّلَاة حَتَّى يخرج الْوَقْت وَلَكِن يصلونَ وحدانا وَلَا يجوز بِجَمَاعَة على مَا ذَكرْنَاهُ
وَكَذَلِكَ الراجل لَا يَنْبَغِي أَن يُؤَخر الصَّلَاة إِن قدر على الرُّكُوع وَالسُّجُود وَإِلَّا فبالإيماء
ثمَّ الْخَوْف الَّذِي يجوز الصَّلَاة على الْوَجْه الَّذِي قُلْنَا إِذا كَانَ الْعَدو بِقرب مِنْهُم بطرِيق الْحَقِيقَة
فَأَما إِذا كَانَ يبعد مِنْهُم أَو ظنُّوا عدوا بِأَن رَأَوْا سوادا أَو غبارا فصلوا صَلَاة الْخَوْف ثمَّ ظهر غير ذَلِك لَا تجوز صلَاتهم
ثمَّ الْخَوْف من الْعَدو وَمن السَّبع سَوَاء
стр. 166
ثمَّ الرَّاكِب إِذا كَانَ سائرا إِن كَانَ مَطْلُوبا يفر من الْعَدو وَتجوز صلَاته للضَّرُورَة
وَلَو كَانَ طَالبا لِلْعَدو فِي الْجِهَاد وَهُوَ سَائِر لَا تجوز صلَاته لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَة
стр. 167
بَاب صَلَاة الْكُسُوف
الْكَلَام فِي هَذَا الْبَاب فِي مَوَاضِع فِي بَيَان مَشْرُوعِيَّة الصَّلَاة فِي الكسوفين وَفِي بَيَان أَنَّهَا وَاجِبَة أَو سنة وَفِي بَيَان كَيْفيَّة الصَّلَاة وقدرها وَفِي بَيَان مَوَاضِع الصَّلَاة وَفِي بَيَان وَقت الصَّلَاة
أما الأول فَنَقُول الصَّلَاة مَشْرُوعَة فِي الكسوفين جَمِيعًا كسوف الشَّمْس وكسوف الْقَمَر للأحاديث الْوَارِدَة فِي هَذَا الْبَاب وَمِنْهَا مَا رُوِيَ عَن أبي مَسْعُود الْأنْصَارِيّ ﵁ أَنه قَالَ انكسفت الشَّمْس على عهد رَسُول الله ﷺ يَوْم توفّي إِبْرَاهِيم ابْن النَّبِي ﵇ فَقَالَ النَّاس انكسفت الشَّمْس بِمَوْت إِبْرَاهِيم فَقَامَ رَسُول الله ﵇ وخطب وَقَالَ فِي خطبَته إِن الشَّمْس وَالْقَمَر آيتان من آيَات الله لَا ينكسفان بِمَوْت أحد وَلَا بحياته فَإِذا رَأَيْتُمْ ذَلِك فاحمدوا الله تَعَالَى وَكَبرُوا وسبحوا حَتَّى تنجلي الشَّمْس ثمَّ نزل فصلى رَكْعَتَيْنِ وَعنهُ أَنه قَالَ إِذا رَأَيْتُمْ شَيْئا من هَذِه الأفزاع فافزعوا إِلَى الصَّلَاة
وَأما الْكَلَام فِي بَيَان أَنَّهَا سنة أم وَاجِبَة فقد ذكر الْحسن بن زِيَاد عَن أبي حنيفَة مَا يدل على أَنَّهَا سنة فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنهُ أَنه قَالَ فِي كسوف الشَّمْس إِن شاؤوا صلوا رَكْعَتَيْنِ وَإِن شاؤوا أَرْبعا وَإِن شاؤوا أَكثر من
стр. 168
ذَلِك
والتخيير يكون فِي التَّطَوُّع
وَقَالَ بعض مَشَايِخنَا بِأَنَّهَا وَاجِبَة لِأَن النَّبِي ﵇ قَالَ إِذا رَأَيْتُمْ شَيْئا من هَذِه الأفزاع فافزعوا إِلَى الصَّلَاة وَظَاهر الْأَمر للْوُجُوب
وَأما الْكَلَام فِي كَيْفيَّة الصَّلَاة أما الصَّلَاة فِي كسوف الشَّمْس فَإِنَّهُم يصلونَ رَكْعَتَيْنِ إِن شاؤوا بِجَمَاعَة وَإِن شاؤوا فُرَادَى فِي مَنَازِلهمْ أَو فِي مَوضِع اجْتَمعُوا فِيهِ لَكِن الْجَمَاعَة أفضل غير أَنهم إِذا صلوا بِجَمَاعَة يُصَلِّي بهم إِمَام الْجُمُعَة أَو نَائِب السُّلْطَان كَمَا فِي الْجُمُعَة وَالْعِيدَيْنِ
ثمَّ عندنَا يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ كَمَا فِي سَائِر الصَّلَوَات
وَللشَّافِعِيّ قَولَانِ فِي قَول يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ كل رَكْعَة بركوعين وسجدتين وَفِي قَول يُصَلِّي أَربع رَكْعَات فِي أَربع سَجدَات يكبر فَيقوم وَيقْرَأ الْفَاتِحَة وَسورَة ويركع ثمَّ يقوم من غير أَن يسْجد فَيقْرَأ الْفَاتِحَة وَالسورَة ثمَّ يرْكَع وَيسْجد سحدتين وَيفْعل فِي الثَّانِيَة مِثْلَمَا يفعل فِي الأولى
وكلا الْقَوْلَيْنِ متقاربان
وَلَا يجْهر بِالْقِرَاءَةِ على قَول أبي حنيفَة
وَعند أبي يُوسُف يجْهر
وَعَن مُحَمَّد رِوَايَتَانِ
وَالصَّحِيح قَول أبي حنيفَة لِأَن الأَصْل فِي صَلَاة النَّهَار المخافتة إِلَّا إِذا قَامَ الدَّلِيل بِخِلَافِهِ
ثمَّ هُوَ فِي مِقْدَار الْقِرَاءَة بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ طول وَإِن شَاءَ خفف
وَقَالَ الشَّافِعِي يطول الْقِرَاءَة فَيقْرَأ الْفَاتِحَة وَيقْرَأ مثل سُورَة الْبَقَرَة فِي الرَّكْعَة الأولى وَآل عمرَان فِي الثَّانِيَة وَيمْكث فِي الرُّكُوع
стр. 169
وَالسُّجُود مِقْدَار مَا يمْكث فِي الْقِرَاءَة
ولكننا نقُول إِن الْمسنون أَن يشْتَغل بِالصَّلَاةِ وَالدُّعَاء حَتَّى تنجلي الشَّمْس فَإِن طول الْقِرَاءَة قصر الدُّعَاء وَإِن قصر الصَّلَاة طول الدُّعَاء
وَلَيْسَ فِي هَذِه الصَّلَاة آذان وَلَا إِقَامَة وَلَا خطْبَة
ثمَّ إِذا فرغوا من الصَّلَاة يَنْبَغِي أَن يشتغلوا بِالدُّعَاءِ إِلَى أَن تنجلي الشَّمْس
وَلَا يصعد الإِمَام الْمِنْبَر للدُّعَاء لِأَن السّنة فِي الْأَدْعِيَة بعد الْفَرَاغ من الصَّلَاة لقَوْله تَعَالَى ﴿فَإِذا فرغت فانصب وَإِلَى رَبك فارغب﴾
وَأما الصَّلَاة فِي كسوف الْقَمَر فَالسنة فِيهَا أَن يصلوا وحدانا فِي مَنَازِلهمْ لِأَن الخسوف فِي اللَّيْل والاجتماع فِي اللَّيْل مِمَّا يتَعَذَّر
وَكَذَا الصَّلَاة وحدانا مُسْتَحبَّة فِي جَمِيع الأفزاع مثل الرّيح الشَّدِيدَة والظلمة والمطر الدَّائِم وَالرِّيح الدَّائِم وَالْخَوْف من الْعَدو وَغير ذَلِك للْحَدِيث الَّذِي ذكرنَا
وَقَالَ الشَّافِعِي يُصَلِّي فِي الخسوف بِجَمَاعَة أَيْضا
وَأما مَوضِع الصَّلَاة فقد ذكرنَا فِي شرح الطَّحَاوِيّ أَنه يُصَلِّي فِي كسوف الشَّمْس فِي الْمَسْجِد الْجَامِع أَو فِي مصلى الْعِيد
وَذكر الْقَدُورِيّ وَقَالَ كَانَ أَبُو حنيفَة يرى صَلَاة الْكُسُوف فِي الْمَسْجِد وَلَكِن الْأَفْضَل أَن تُؤَدّى فِي أعظم الْمَسَاجِد وَهُوَ الْجَامِع الَّذِي تصلى فِيهَا الْجُمُعَة وَلَو صلوا فِي مَوضِع آخر أجزأهم
وَلَيْسَ فِيهَا خطْبَة وَلَا صعُود مِنْبَر
стр. 170
وَأما فِي كسوف الْقَمَر فَالسنة هِيَ الصَّلَاة وحدانا فِي مَنَازِلهمْ على مَا مر
وَأما الْوَقْت فَهُوَ الْوَقْت الَّذِي يسْتَحبّ فِيهِ سَائِر الصَّلَوَات دون الْأَوْقَات الْمَكْرُوهَة لِأَن هَذِه الصَّلَاة إِن كَانَت نَافِلَة فالنوافل فِيهَا مَكْرُوهَة وَإِن كَانَت لَهَا أَسبَاب عندنَا كَصَلَاة التَّحِيَّة وَإِن كَانَت وَاجِبَة فَيكْرَه كالوتر وَصَلَاة الْجِنَازَة وَالله أعلم
стр. 171
بَاب صَلَاة الاسْتِسْقَاء
ذكر فِي ظَاهر الرِّوَايَة أَنه لَا صَلَاة فِي الاسْتِسْقَاء وَإِنَّمَا فِيهِ الدُّعَاء
وَرُوِيَ عَن أبي يُوسُف أَنه قَالَ سَأَلت أَبَا حنيفَة عَن الاسْتِسْقَاء هَل فِيهِ صَلَاة أَو دُعَاء مُؤَقّت أَو خطْبَة فَقَالَ أما صَلَاة جمَاعَة فَلَا وَلَكِن الدُّعَاء وَالِاسْتِغْفَار
وَإِن صلوا وحدانا فَلَا بَأْس
وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد يُصَلِّي الإِمَام أَو نَائِبه فِي الاسْتِسْقَاء رَكْعَتَيْنِ بِجَمَاعَة كَمَا فِي الْجُمُعَة
وَالصَّحِيح جَوَاب ظَاهر الرِّوَايَة بقوله تَعَالَى ﴿فَقلت اسْتَغْفرُوا ربكُم إِنَّه كَانَ غفارًا يُرْسل السَّمَاء عَلَيْكُم مدرارا﴾ فَمن زَاد الصَّلَاة فَلَا بُد من الدَّلِيل
ثمَّ عِنْدهمَا يقْرَأ فِي الصَّلَاة بِمَا شَاءَ جَهرا كَمَا فِي صَلَاة الْعِيدَيْنِ لَكِن الْأَفْضَل أَن يقْرَأ ﴿سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى﴾ و ﴿هَل أَتَاك حَدِيث الغاشية﴾ وَلَا يكبر فِيهَا سوى تَكْبِيرَة الِافْتِتَاح وتكبيرتي الرُّكُوع فِي الْمَشْهُور من الرِّوَايَة عَنْهُمَا وَفِي رِوَايَة يكبر فيهمَا كَمَا فِي صَلَاة الْعِيد
ثمَّ بعد الْفَرَاغ من الصَّلَاة يخْطب عِنْدهمَا
وَعند أبي حنيفَة لَا يخْطب
وَهل يجلس فِي خطْبَة الاسْتِسْقَاء عَن أبي يُوسُف رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَة
стр. 172
لَا يجلس وَفِي رِوَايَة أُخْرَى إِن خطب خطْبَة وَاحِدَة قَائِما فَحسن
وَلَكِن يخْطب على الأَرْض قَائِما مُعْتَمدًا على قَوس أَو سيف مُسْتَقْبلا بِوَجْهِهِ إِلَى النَّاس وهم مقبلون عَلَيْهِ ويستمعون خطبَته وينصتون كَمَا فِي خطب الْجُمُعَة وَإِن توكأ على عَصا فَحسن
وَإِذا فرغ من الْخطْبَة يَجْعَل ظَهره إِلَى النَّاس وَوجه إِلَى الْقبْلَة ويقلب رِدَاءَهُ ثمَّ يشْتَغل بِدُعَاء الاسْتِسْقَاء قَائِما يسْتَقْبل الْقبْلَة وَالنَّاس قعُود مستقبلون ووجوههم إِلَى الْقبْلَة فِي الْخطْبَة وَالدُّعَاء لِأَن الدُّعَاء مُسْتَقْبل الْقبْلَة أقرب إِلَى الْإِجَابَة يَدْعُو الله تَعَالَى ويستغفر للْمُؤْمِنين ويجددون التَّوْبَة ويستسقون وَهَذَا عِنْدهمَا
فَأَما عِنْد أبي حنيفَة فتقليب الرِّدَاء لَيْسَ بِسنة
ثمَّ كَيْفيَّة التقليب عِنْدهمَا إِن كَانَ مربعًا جعل أَسْفَله أَعْلَاهُ وَأَعلاهُ أَسْفَله وَإِن كَانَ مدورا جعل الْجَانِب الْأَيْمن على الْأَيْسَر والأيسر على الْأَيْمن
وَلَكِن الْقَوْم لَا يقلبون أرديتهم عِنْد عَامَّة الْعلمَاء
وَقَالَ مَالك بِأَنَّهُم يقلبون أَيْضا
ثمَّ عِنْد الدُّعَاء إِن رفع يَدَيْهِ نَحْو السَّمَاء فَحسن وَإِن ترك ذَلِك وَأَشَارَ بإصبعه السبابَة فَحسن
وَكَذَا النَّاس يرفعون أَيْديهم أَيْضا لِأَن السّنة فِي الدُّعَاء بسط الْيَدَيْنِ
ثمَّ الْمُسْتَحبّ أَن يخرج الإِمَام بِالنَّاسِ إِلَى الاسْتِسْقَاء ثَلَاثَة أَيَّام متتابعة لِأَن الثَّلَاثَة مُدَّة لإبلاء الْعذر فَلَو لم يخرج الإِمَام وَأمر النَّاس بِالْخرُوجِ فَلهم أَن يخرجُوا ويدعوا وَلَا يصلوا بِجَمَاعَة إِلَّا إِذا أَمر إنْسَانا أَن يُصَلِّي بهم جمَاعَة
стр. 173
وَلَا يَنْبَغِي أَن يخرج أهل الذِّمَّة مَعَ الْمُسلمين فِي الاسْتِسْقَاء عِنْد عَامَّة الْعلمَاء بل يمْنَعُونَ عَن الْخُرُوج خلافًا لمَالِك لأَنهم يخرجُون لطلب الرَّحْمَة والكفرة أهل السخط والعقوبة دون الرَّحْمَة وَالله أعلم
стр. 174
بَاب صَلَاة الْمَرِيض
الصَّلَاة لَا تسْقط عَن الْمُكَلف مَا دَامَ قَادِرًا على الْأَدَاء
فَمَتَى عجز بِسَبَب الْمَرَض عَن أَدَاء بعض الْأَركان وَيسْقط بِقَدرِهِ لِأَن الْعَاجِز لَا يُكَلف
فَإِن كَانَ قَادِرًا على الْأَدَاء لَكِن يخَاف زِيَادَة الْعلَّة يسْقط عَنهُ أَيْضا
فَإِذا عجز عَن الْقيام يُصَلِّي قَاعِدا بركوع وَسُجُود فَإِن عجز عَن الرُّكُوع وَالسُّجُود يُصَلِّي قَاعِدا بِالْإِيمَاءِ وَيجْعَل السُّجُود أَخفض من الرُّكُوع ليَقَع الْفَصْل بَينهمَا فَإِن عجز عَن الْقعُود أَيْضا يستلقي ويومىء إِيمَاء
وَأَصله مَا رُوِيَ عَن عمرَان بن الْحصين أَنه كَانَ بِهِ مرض فَسَأَلَ رَسُول الله ﷺ فَقَالَ صل قَائِما فَإِن لم تستطع فقاعدا فَإِن لم تستطع فعلى الْجنب تومىء إِيمَاء
ثمَّ إِذا صلى قَاعِدا بركوع وَسُجُود أَو بإيماء كَيفَ يقْعد فِي أول الصَّلَاة وَفِي حَال الرُّكُوع اخْتلفت الرِّوَايَات عَن أَصْحَابنَا
روى مُحَمَّد عَن أبي حنيفَة أَنه يجلس كَيفَ شَاءَ
وروى الْحسن عَن أبي حنيفَة أَنه إِذا افْتتح الصَّلَاة يتربع وَإِذا ركع يفترش رجله الْيُسْرَى وَيجْلس عَلَيْهَا
стр. 175
وَرُوِيَ عَن أبي يُوسُف أَنه يتربع فِي جَمِيع صلَاته
وَرُوِيَ عَن زفر أَنه يفترش رجله الْيُسْرَى فِي جَمِيع صلَاته
وَالصَّحِيح رِوَايَة مُحَمَّد لِأَن عذر الْمَرِيض يسْقط عَنهُ الْأَركان فَلِأَن يسْقط عَنهُ الْهَيْئَة أولى
وَأما كَيْفيَّة صَلَاة المستلقي فَالْمَشْهُور من الرِّوَايَات عَن أَصْحَابنَا أَنه يُصَلِّي مُسْتَلْقِيا على قَفاهُ وَرجلَاهُ نَحْو الْقبْلَة فَإِن عجز عَن هَذَا وَقدر على الصَّلَاة على الْجنب فينام على شقَّه الْأَيْمن مُتَوَجها إِلَى الْقبْلَة عرضا
وَقد رُوِيَ عَن أَصْحَابنَا أَيْضا أَنه يُصَلِّي على جنبه الْأَيْمن وَوَجهه إِلَى الْقبْلَة فَإِذا عجز فَحِينَئِذٍ يستلقي على قَفاهُ
وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي
وحجتهم حَدِيث عمرَان بن الْحصين
وَالصَّحِيح مَذْهَبنَا لِأَن التَّوَجُّه إِلَى الْقبْلَة بِقدر الْمُمكن فرض وَذَلِكَ فِيمَا قُلْنَا لِأَن الصَّلَاة فِي حَقه بِالْإِيمَاءِ وَذَلِكَ بتحريك الرَّأْس وَالْوَجْه وَفِي حَالَة الاستلقاء التحريك إِلَى الْقبْلَة فَإِذا كَانَ على الْجنب يَتَحَرَّك الرَّأْس لَا إِلَى الْقبْلَة بل يكون منحرفا عَنْهَا والانحراف من غير ضَرُورَة غير مَشْرُوع
وَالْمرَاد من الْجنب فِي حَدِيث عمرَان بن الْحصين هُوَ السُّقُوط فَمَعْنَى قَوْله فعلى الْجنب أَي يُصَلِّي سَاقِطا على قَفاهُ وَهُوَ تَفْسِير الاسْتِسْقَاء
فَإِن كَانَ قَادِرًا على الْقيام دون الرُّكُوع وَالسُّجُود فَإِنَّهُ يومىء قَاعِدا لَا قَائِما فَهُوَ الْمُسْتَحبّ وَلَو أَوْمَأ قَائِما جَازَ
وَهَذَا عندنَا
стр. 176
وَقَالَ الشَّافِعِي يُصَلِّي قَائِما لَا قَاعِدا لِأَن الْقيام ركن فَلَا يسْقط من غير عذر
وَلَكنَّا نقُول إِن الْغَالِب أَن من عجز عَن الرُّكُوع عجز عَن الْقيام وَالْغَالِب مُلْحق بالمتيقن
وَيَنْبَغِي للْمَرِيض أَن يَأْتِي بالأركان كلهَا مثل الصَّحِيح لِأَن السُّقُوط بِقدر الْعَجز وَلم يُوجد
ثمَّ الإضجاع الْمَشْرُوع أَنْوَاع أَحدهَا فِي حَالَة الصَّلَاة وَهُوَ مَا ذكرنَا من الاستلقاء على الْقَفَا دون الإضجاع على الْجنب
وَالثَّانِي الِاضْطِجَاع فِي حَالَة الْمَرَض على الْفراش وَالسّنة فِيهِ أَن يضجع الْمَرِيض على شقَّه الْأَيْمن عرضا وَوَجهه إِلَى الْقبْلَة
وَمِنْهَا أَن يضجع الْمَرِيض المحتضر وَهُوَ أَن تقرب وَفَاته
وَالسّنة فِيهِ أَيْضا أَن يضجع على شقَّه الْأَيْمن عرضا وَجهه إِلَى الْقبْلَة إِلَّا أَن الْعرف قد جرى بَين النَّاس أَن يضجع مُسْتَلْقِيا على قَفاهُ نَحْو الْقبْلَة كَمَا فِي حَالَة الصَّلَاة بِالْإِيمَاءِ لما قيل إِن هَذَا أيسر لخُرُوج الرّوح
وَمِنْهَا الإضجاع على التخت عِنْد الْغسْل وَلَا رِوَايَة فِيهِ عَن أَصْحَابنَا لَكِن الْعرف قد جرى أَن يضجع مُسْتَلْقِيا على قَفاهُ نَحْو الْقبْلَة لما فِي حَالَة الصَّلَاة بِالْإِيمَاءِ
وَمِنْهَا الإضجاع فِي حَالَة الصَّلَاة على الْمَيِّت وَهُوَ أَن يضجع على قَفاهُ مُعْتَرضًا للْقبْلَة
وَمِنْهَا الإضجاع فِي اللَّحْد
وَالسّنة فِيهِ أَن يضجع على شقَّه الْأَيْمن وَوَجهه نَحْو الْقبْلَة
стр. 177
ثمَّ إِذا عجز عَن الْإِيمَاء وَهُوَ تَحْرِيك الرَّأْس سقط عَنهُ أَدَاء الصَّلَاة عندنَا
وَقَالَ الشَّافِعِي يَنْبَغِي أَن يومىء بِقَلْبِه وبعينه
وَقَالَ زفر يومىء بِقَلْبِه وَيَقَع مجزئا
وَقَالَ الْحسن بن زِيَاد يومىء بحاجبيه وبقلبه وَيُعِيد مَتى قدر على الْأَركان
وَالصَّحِيح قَوْلنَا لِأَن الْإِيمَاء بِالْقَلْبِ هُوَ الْإِرَادَة وَالنِّيَّة وَالصَّلَاة غير النِّيَّة والإرادة
ثمَّ إِذا سقط عَنهُ الصَّلَاة بِالْعَجزِ فَإِذا مَاتَ من ذَلِك الْمَرَض فَلَا شَيْء عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لم يدْرك وَقت الْقَضَاء
فَأَما إِذا برأَ وَصَحَّ فَإِن ترك صَلَاة يَوْم وَلَيْلَة وَمَا دونهَا فَإِنَّهُ يقْضِي فَأَما إِذا ترك أَكثر من ذَلِك فَإِنَّهُ لَا يقْضِي
وعَلى ذَلِك قَالَ أَصْحَابنَا فِي الْمغمى عَلَيْهِ إِذا فَاتَتْهُ الصَّلَوَات ثمَّ أَفَاق يقْضِي صَلَاة يَوْم وَلَيْلَة وَمَا دونهَا وَلَا يقْضِي أَكثر من ذَلِك
وَرُوِيَ عَن مُحَمَّد فِي الْجُنُون الْقصير إِنَّه بِمَنْزِلَة الْإِغْمَاء
وَهَذَا لما عرف أَن الْعَجز عَن الْأَدَاء لَا يسْقط الْقَضَاء إِنَّمَا يسْقط بِسَبَب الْحَرج وَإِنَّمَا الْحَرج إِذا دخل الْفَائِت فِي حد الْكَثْرَة وَالْحَد الْفَاصِل بَين الْقَلِيل وَالْكثير هُوَ سِتّ صلوَات عرفنَا ذَلِك بِإِجْمَاع الصَّحَابَة فَإِنَّهُ رُوِيَ عَن عَليّ وعمار وَعبد الله بن عمر مثل قَوْلنَا وَلم يرو عَن غَيرهم خِلَافه فَيكون إِجْمَاعًا
ثمَّ الْمَرِيض إِذا فَاتَتْهُ الصَّلَوَات فِي مَرضه أَو كَانَ عَلَيْهِ فوائت الصِّحَّة فقضاها فِي الْمَرَض بأنقص مِمَّا فَاتَ من حَيْثُ الْأَركان فَإِنَّهُ يجوز
стр. 178
وَلَو فَاتَتْهُ الصَّلَوَات فِي حَال الْمَرَض بِلَا قيام أَو بِالْإِيمَاءِ ثمَّ صَحَّ وبرأ فَإِن عَلَيْهِ أَن يقْضِي بِقِيَام وركوع وَسُجُود
وَلَو قَضَاهَا كَمَا فَاتَت لَا يجوز
وَالْمُعْتَبر حَال الشُّرُوع فِي الْقَضَاء لِأَن وجوب الْقَضَاء موسع وَإِنَّمَا يتَغَيَّر الْوُجُوب وَقت الشُّرُوع
وَأَصله قَوْله ﵇ من نَام عَن صَلَاة أَو نَسِيَهَا فليصلها إِذا ذكرهَا فَإِن ذَلِك وَقتهَا
وَلَو أَن الْمَرِيض إِذا قدر على الْقيام أَو على الرُّكُوع وَالسُّجُود بَعْدَمَا شرع فِي الصَّلَاة قَاعِدا وبالإيماء ينظر إِن شرع قَاعِدا بركوع وَسُجُود فَإِنَّهُ يَبْنِي على تِلْكَ الصَّلَاة ويتمها قَائِما بركوع وَسُجُود عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف لِأَن من أَصلهمَا أَن اقْتِدَاء الْقَائِم بالقاعد الَّذِي يُصَلِّي بركوع وَسُجُود جَائِز فِي الِابْتِدَاء فَكَذَلِك يجوز فِي الْبناء
وعَلى قَول مُحَمَّد لَا يَبْنِي بل يسْتَقْبل لِأَن عِنْده لَا يجوز اقْتِدَاء الْقَائِم بالقاعدة فَكَذَا لَا يجوز الْبناء
وَأما إِذا كَانَ يُصَلِّي بِالْإِيمَاءِ قَاعِدا أَو مُسْتَلْقِيا فَلَا يَبْنِي إِذا قدر على الْقيام أَو الرُّكُوع وَالسُّجُود عندنَا
وعَلى قَول زفر يَبْنِي
وَالصَّحِيح قَوْلنَا وَهُوَ أَن الصَّلَاة بِالْإِيمَاءِ لَيست صَلَاة حَقِيقِيَّة لَكِن جعلت صَلَاة فِي حق المومىء بطرِيق الضَّرُورَة فَيظْهر فِي حَقه لَا فِي حق غَيره فَلَا يجوز الِاقْتِدَاء بِهِ إِلَّا من الَّذِي هُوَ مثله بِخِلَاف الْقَائِم مَعَ الْقَاعِد فَإِن الْقَاعِد مصل بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُود على مَا عرف
فَأَما الصَّحِيح إِذا مرض فِي وسط الصَّلَاة بِحَيْثُ يعجز عَن الْقيام أَو الرُّكُوع وَالسُّجُود فجواب ظَاهر الرِّوَايَة أَنه يمْضِي على صلَاته على
стр. 179
حسب مَا يقدر عَلَيْهِ من الرُّكُوع وَالسُّجُود قَاعِدا أَو بِالْإِيمَاءِ
وروى أَبُو يُوسُف عَن أبي حنيفَة أَنه يسْتَقْبل
وَالصَّحِيح ظَاهر الرِّوَايَة لِأَنَّهُ إِذا بنى صَار مُؤديا بعض الصَّلَاة كَامِلا وَبَعضهَا نَاقِصا وَإِذا اسْتقْبل صَار مُؤديا الْكل نَاقِصا فَكَانَ الأول أولى
وَلَو أَن الْمَرِيض المومىء إِذا رفع إِلَى وَجهه وسَادَة أَو شَيْء فَسجدَ عَلَيْهِ وَلم يومىء بِأَن لم يُحَرك رَأسه نوع تَحْرِيك فَإِنَّهُ لَا يجوز وَلَا يَنْبَغِي أَن يفعل هَكَذَا لِأَن الْفَرْض فِي حَقه الْإِيمَاء وَهُوَ قَائِم مقَام الصَّلَاة وَلم يُوجد
فَأَما إِذا وجد مِنْهُ نوع تَحْرِيك الرَّأْس حَتَّى وصل رَأسه إِلَى الوسادة جَازَ لوُجُود الْإِيمَاء وَإِن قل وَالله أعلم
стр. 180
بَاب صَلَاة التَّطَوُّع
التَّطَوُّع نَوْعَانِ تطوع مُطلق وتطوع بِسَبَب
أماالمطلق فَيُسْتَحَب أَدَاؤُهُ فِي كل وَقت لم يكره فِيهِ التَّطَوُّع
وَيجوز أَدَاؤُهُ مَعَ الْكَرَاهَة فِي الْأَوْقَات الْمَكْرُوهَة
وَأما التَّطَوُّع بِسَبَب فوقته مَا ورد الشَّرْع بِهِ كالسنن الْمَعْهُودَة للصلوات الْمَكْتُوبَة
وَذكر أَبُو الْحسن الْكَرْخِي هَهُنَا وَقَالَ التَّطَوُّع قبل الْفجْر رَكْعَتَانِ أَي التَّطَوُّع الْمسنون قبل صَلَاة الْفجْر رَكْعَتَانِ وَأَرْبع قبل الظّهْر لَا يسلم إِلَّا فِي آخرهَا وركعتان بعد الظّهْر وَأَرْبع قبل الْعَصْر وركعتان بعد الْمغرب وَأَرْبع قبل الْعشَاء الْأَخِيرَة إِن أحب ذَلِك وَأَرْبع بعْدهَا
وَذكر فِي ظَاهر الرِّوَايَة فِي كتاب الصَّلَاة هَكَذَا إِلَّا أَنه قَالَ فِي الْأَرْبَع قبل الْعَصْر إِنَّه حسن وَلَيْسَ بِسنة وَقَالَ فِي الْعشَاء إِنَّه لَا تطوع قبل الْعشَاء وَإِن فعل لَا بَأْس بِهِ وركعتان بعْدهَا
وَالصَّحِيح جَوَاب ظَاهر الرِّوَايَة لما رُوِيَ عَن أم حَبِيبَة أَن النَّبِي ﵇ قَالَ من صلى اثْنَتَيْ عشرَة رَكْعَة فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة بنى لَهُ بَيت فِي الْجنَّة رَكْعَتَانِ بعد طُلُوع الْفجْر وَأَرْبع قبل الظّهْر وركعتان بعْدهَا وركعتان بعد الْمغرب وركعتان بعد الْعشَاء
وَأما السّنة فِي صَلَاة الْجُمُعَة فأربع قبلهَا وَأَرْبع بعْدهَا كَذَا ذكر
следующие страницы →