Полный текст (1 060 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
وَقَالَ الشَّافِعِي يُصَلِّي قَائِما لَا قَاعِدا لِأَن الْقيام ركن فَلَا يسْقط من غير عذر
وَلَكنَّا نقُول إِن الْغَالِب أَن من عجز عَن الرُّكُوع عجز عَن الْقيام وَالْغَالِب مُلْحق بالمتيقن
وَيَنْبَغِي للْمَرِيض أَن يَأْتِي بالأركان كلهَا مثل الصَّحِيح لِأَن السُّقُوط بِقدر الْعَجز وَلم يُوجد
ثمَّ الإضجاع الْمَشْرُوع أَنْوَاع أَحدهَا فِي حَالَة الصَّلَاة وَهُوَ مَا ذكرنَا من الاستلقاء على الْقَفَا دون الإضجاع على الْجنب
وَالثَّانِي الِاضْطِجَاع فِي حَالَة الْمَرَض على الْفراش وَالسّنة فِيهِ أَن يضجع الْمَرِيض على شقَّه الْأَيْمن عرضا وَوَجهه إِلَى الْقبْلَة
وَمِنْهَا أَن يضجع الْمَرِيض المحتضر وَهُوَ أَن تقرب وَفَاته
وَالسّنة فِيهِ أَيْضا أَن يضجع على شقَّه الْأَيْمن عرضا وَجهه إِلَى الْقبْلَة إِلَّا أَن الْعرف قد جرى بَين النَّاس أَن يضجع مُسْتَلْقِيا على قَفاهُ نَحْو الْقبْلَة كَمَا فِي حَالَة الصَّلَاة بِالْإِيمَاءِ لما قيل إِن هَذَا أيسر لخُرُوج الرّوح
وَمِنْهَا الإضجاع على التخت عِنْد الْغسْل وَلَا رِوَايَة فِيهِ عَن أَصْحَابنَا لَكِن الْعرف قد جرى أَن يضجع مُسْتَلْقِيا على قَفاهُ نَحْو الْقبْلَة لما فِي حَالَة الصَّلَاة بِالْإِيمَاءِ
وَمِنْهَا الإضجاع فِي حَالَة الصَّلَاة على الْمَيِّت وَهُوَ أَن يضجع على قَفاهُ مُعْتَرضًا للْقبْلَة
وَمِنْهَا الإضجاع فِي اللَّحْد
وَالسّنة فِيهِ أَن يضجع على شقَّه الْأَيْمن وَوَجهه نَحْو الْقبْلَة
стр. 177
ثمَّ إِذا عجز عَن الْإِيمَاء وَهُوَ تَحْرِيك الرَّأْس سقط عَنهُ أَدَاء الصَّلَاة عندنَا
وَقَالَ الشَّافِعِي يَنْبَغِي أَن يومىء بِقَلْبِه وبعينه
وَقَالَ زفر يومىء بِقَلْبِه وَيَقَع مجزئا
وَقَالَ الْحسن بن زِيَاد يومىء بحاجبيه وبقلبه وَيُعِيد مَتى قدر على الْأَركان
وَالصَّحِيح قَوْلنَا لِأَن الْإِيمَاء بِالْقَلْبِ هُوَ الْإِرَادَة وَالنِّيَّة وَالصَّلَاة غير النِّيَّة والإرادة
ثمَّ إِذا سقط عَنهُ الصَّلَاة بِالْعَجزِ فَإِذا مَاتَ من ذَلِك الْمَرَض فَلَا شَيْء عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لم يدْرك وَقت الْقَضَاء
فَأَما إِذا برأَ وَصَحَّ فَإِن ترك صَلَاة يَوْم وَلَيْلَة وَمَا دونهَا فَإِنَّهُ يقْضِي فَأَما إِذا ترك أَكثر من ذَلِك فَإِنَّهُ لَا يقْضِي
وعَلى ذَلِك قَالَ أَصْحَابنَا فِي الْمغمى عَلَيْهِ إِذا فَاتَتْهُ الصَّلَوَات ثمَّ أَفَاق يقْضِي صَلَاة يَوْم وَلَيْلَة وَمَا دونهَا وَلَا يقْضِي أَكثر من ذَلِك
وَرُوِيَ عَن مُحَمَّد فِي الْجُنُون الْقصير إِنَّه بِمَنْزِلَة الْإِغْمَاء
وَهَذَا لما عرف أَن الْعَجز عَن الْأَدَاء لَا يسْقط الْقَضَاء إِنَّمَا يسْقط بِسَبَب الْحَرج وَإِنَّمَا الْحَرج إِذا دخل الْفَائِت فِي حد الْكَثْرَة وَالْحَد الْفَاصِل بَين الْقَلِيل وَالْكثير هُوَ سِتّ صلوَات عرفنَا ذَلِك بِإِجْمَاع الصَّحَابَة فَإِنَّهُ رُوِيَ عَن عَليّ وعمار وَعبد الله بن عمر مثل قَوْلنَا وَلم يرو عَن غَيرهم خِلَافه فَيكون إِجْمَاعًا
ثمَّ الْمَرِيض إِذا فَاتَتْهُ الصَّلَوَات فِي مَرضه أَو كَانَ عَلَيْهِ فوائت الصِّحَّة فقضاها فِي الْمَرَض بأنقص مِمَّا فَاتَ من حَيْثُ الْأَركان فَإِنَّهُ يجوز
стр. 178
وَلَو فَاتَتْهُ الصَّلَوَات فِي حَال الْمَرَض بِلَا قيام أَو بِالْإِيمَاءِ ثمَّ صَحَّ وبرأ فَإِن عَلَيْهِ أَن يقْضِي بِقِيَام وركوع وَسُجُود
وَلَو قَضَاهَا كَمَا فَاتَت لَا يجوز
وَالْمُعْتَبر حَال الشُّرُوع فِي الْقَضَاء لِأَن وجوب الْقَضَاء موسع وَإِنَّمَا يتَغَيَّر الْوُجُوب وَقت الشُّرُوع
وَأَصله قَوْله ﵇ من نَام عَن صَلَاة أَو نَسِيَهَا فليصلها إِذا ذكرهَا فَإِن ذَلِك وَقتهَا
وَلَو أَن الْمَرِيض إِذا قدر على الْقيام أَو على الرُّكُوع وَالسُّجُود بَعْدَمَا شرع فِي الصَّلَاة قَاعِدا وبالإيماء ينظر إِن شرع قَاعِدا بركوع وَسُجُود فَإِنَّهُ يَبْنِي على تِلْكَ الصَّلَاة ويتمها قَائِما بركوع وَسُجُود عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف لِأَن من أَصلهمَا أَن اقْتِدَاء الْقَائِم بالقاعد الَّذِي يُصَلِّي بركوع وَسُجُود جَائِز فِي الِابْتِدَاء فَكَذَلِك يجوز فِي الْبناء
وعَلى قَول مُحَمَّد لَا يَبْنِي بل يسْتَقْبل لِأَن عِنْده لَا يجوز اقْتِدَاء الْقَائِم بالقاعدة فَكَذَا لَا يجوز الْبناء
وَأما إِذا كَانَ يُصَلِّي بِالْإِيمَاءِ قَاعِدا أَو مُسْتَلْقِيا فَلَا يَبْنِي إِذا قدر على الْقيام أَو الرُّكُوع وَالسُّجُود عندنَا
وعَلى قَول زفر يَبْنِي
وَالصَّحِيح قَوْلنَا وَهُوَ أَن الصَّلَاة بِالْإِيمَاءِ لَيست صَلَاة حَقِيقِيَّة لَكِن جعلت صَلَاة فِي حق المومىء بطرِيق الضَّرُورَة فَيظْهر فِي حَقه لَا فِي حق غَيره فَلَا يجوز الِاقْتِدَاء بِهِ إِلَّا من الَّذِي هُوَ مثله بِخِلَاف الْقَائِم مَعَ الْقَاعِد فَإِن الْقَاعِد مصل بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُود على مَا عرف
فَأَما الصَّحِيح إِذا مرض فِي وسط الصَّلَاة بِحَيْثُ يعجز عَن الْقيام أَو الرُّكُوع وَالسُّجُود فجواب ظَاهر الرِّوَايَة أَنه يمْضِي على صلَاته على
стр. 179
حسب مَا يقدر عَلَيْهِ من الرُّكُوع وَالسُّجُود قَاعِدا أَو بِالْإِيمَاءِ
وروى أَبُو يُوسُف عَن أبي حنيفَة أَنه يسْتَقْبل
وَالصَّحِيح ظَاهر الرِّوَايَة لِأَنَّهُ إِذا بنى صَار مُؤديا بعض الصَّلَاة كَامِلا وَبَعضهَا نَاقِصا وَإِذا اسْتقْبل صَار مُؤديا الْكل نَاقِصا فَكَانَ الأول أولى
وَلَو أَن الْمَرِيض المومىء إِذا رفع إِلَى وَجهه وسَادَة أَو شَيْء فَسجدَ عَلَيْهِ وَلم يومىء بِأَن لم يُحَرك رَأسه نوع تَحْرِيك فَإِنَّهُ لَا يجوز وَلَا يَنْبَغِي أَن يفعل هَكَذَا لِأَن الْفَرْض فِي حَقه الْإِيمَاء وَهُوَ قَائِم مقَام الصَّلَاة وَلم يُوجد
فَأَما إِذا وجد مِنْهُ نوع تَحْرِيك الرَّأْس حَتَّى وصل رَأسه إِلَى الوسادة جَازَ لوُجُود الْإِيمَاء وَإِن قل وَالله أعلم
стр. 180
بَاب صَلَاة التَّطَوُّع
التَّطَوُّع نَوْعَانِ تطوع مُطلق وتطوع بِسَبَب
أماالمطلق فَيُسْتَحَب أَدَاؤُهُ فِي كل وَقت لم يكره فِيهِ التَّطَوُّع
وَيجوز أَدَاؤُهُ مَعَ الْكَرَاهَة فِي الْأَوْقَات الْمَكْرُوهَة
وَأما التَّطَوُّع بِسَبَب فوقته مَا ورد الشَّرْع بِهِ كالسنن الْمَعْهُودَة للصلوات الْمَكْتُوبَة
وَذكر أَبُو الْحسن الْكَرْخِي هَهُنَا وَقَالَ التَّطَوُّع قبل الْفجْر رَكْعَتَانِ أَي التَّطَوُّع الْمسنون قبل صَلَاة الْفجْر رَكْعَتَانِ وَأَرْبع قبل الظّهْر لَا يسلم إِلَّا فِي آخرهَا وركعتان بعد الظّهْر وَأَرْبع قبل الْعَصْر وركعتان بعد الْمغرب وَأَرْبع قبل الْعشَاء الْأَخِيرَة إِن أحب ذَلِك وَأَرْبع بعْدهَا
وَذكر فِي ظَاهر الرِّوَايَة فِي كتاب الصَّلَاة هَكَذَا إِلَّا أَنه قَالَ فِي الْأَرْبَع قبل الْعَصْر إِنَّه حسن وَلَيْسَ بِسنة وَقَالَ فِي الْعشَاء إِنَّه لَا تطوع قبل الْعشَاء وَإِن فعل لَا بَأْس بِهِ وركعتان بعْدهَا
وَالصَّحِيح جَوَاب ظَاهر الرِّوَايَة لما رُوِيَ عَن أم حَبِيبَة أَن النَّبِي ﵇ قَالَ من صلى اثْنَتَيْ عشرَة رَكْعَة فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة بنى لَهُ بَيت فِي الْجنَّة رَكْعَتَانِ بعد طُلُوع الْفجْر وَأَرْبع قبل الظّهْر وركعتان بعْدهَا وركعتان بعد الْمغرب وركعتان بعد الْعشَاء
وَأما السّنة فِي صَلَاة الْجُمُعَة فأربع قبلهَا وَأَرْبع بعْدهَا كَذَا ذكر
стр. 181
هَهُنَا وَفِي ظَاهر الرِّوَايَة فِي كتاب الصَّلَاة
وَذكر فِي كتاب الصَّوْم فِي بَاب الِاعْتِكَاف أَن بعد الْجُمُعَة يُصَلِّي سِتا
وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ مَا ذكر فِي كتاب الصَّوْم قَول أبي يُوسُف وَمُحَمّد وَمَا ذكر فِي كتاب الصَّلَاة قَول أبي حنيفَة
وَالْمَسْأَلَة مُخْتَلفَة بَين الصَّحَابَة ﵃ رُوِيَ عَن ابْن مَسْعُود أَنه قدم الْكُوفَة وَكَانَ يُصَلِّي بعد الْجُمُعَة أَرْبعا لَا غير ثمَّ قدم عَليّ ﵁ بعد وَفَاته وَكَانَ يُصَلِّي بعْدهَا سِتا
فَأخذ أَبُو حنيفَة بِمذهب ابْن مَسْعُود وهم أخذُوا بِمذهب عَليّ ﵁
وَرُوِيَ عَن أبي يُوسُف أَنه قَالَ يَنْبَغِي أَن يُصَلِّي أَرْبعا ثمَّ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى لَا يكون متنفلا بعد صَلَاة الْفَرْض بِمِثْلِهَا فَيدْخل تَحت النَّهْي وَهُوَ قَوْله ﵇ لَا يصلى بعد صَلَاة مثلهَا
ثمَّ السّنَن إِذا فَاتَت عَن وَقتهَا لَا تقضى سَوَاء فَاتَت وَحدهَا أَو مَعَ الْفَرَائِض سوى سنة صَلَاة الْفجْر فَإِنَّهَا تقضى إِن فَاتَت مَعَ الْفَرِيضَة بِلَا خلاف بَين أَصْحَابنَا
وَاخْتلفُوا فِيمَا إِذا فَاتَت بِدُونِ الْفَرْض على قَول أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف لَا تقضى
وَقَالَ مُحَمَّد لَا تقضى قبل طُلُوع الشَّمْس أَيْضا وَلَكِن تقضى بعد طُلُوع الشَّمْس إِلَى وَقت الزَّوَال ثمَّ تسْقط
وَقَالَ الشَّافِعِي تقضى جَمِيع السّنَن
وَالصَّحِيح مَذْهَبنَا لما رُوِيَ عَن أم سَلمَة أَن النَّبِي ﵇ صلى رَكْعَتَيْنِ بعد صَلَاة الْعَصْر فِي حُجْرَتي فَقلت يَا رَسُول الله مَا هَاتَانِ
стр. 182
الركعتان اللَّتَان لم تكن تصليهما من قبل فَقَالَ رَكْعَتَانِ كنت أصليهما بعد الظّهْر فغشاني عَنْهُمَا الْوَفْد فَكرِهت أَن أصليهما بِحَضْرَة النَّاس فيروني فَقلت أفتقضيهما إِذا فاتتا فَقَالَ لَا وَهَذَا نَص على أَن الْقَضَاء فِي حق الْأمة غير وَاجِب فِي السّنَن وَإِنَّمَا هُوَ شَيْء اخْتصَّ بِهِ رَسُول الله
وَقِيَاس هَذَا الحَدِيث أَنه لَا يجب قَضَاء رَكْعَتي الْفجْر أصلا لَكِن اسْتحْسنَ أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف فِي الْقَضَاء إِذا فاتتا مَعَ الْفَرْض بِالْحَدِيثِ الْمَعْرُوف وَهُوَ أَن النَّبِي ﵇ لما نَام فِي ذَلِك الْوَادي ثمَّ اسْتَيْقَظَ لحر الشَّمْس فارتحل مِنْهُ ثمَّ نزل وَأمر بِلَالًا فَأذن وَصلى رَكْعَتَيْنِ ثمَّ أَمر فَأَقَامَ فصلى الْفجْر فَبَقيَ الْبَاقِي على الأَصْل
قَالَ وَيكرهُ للْإِمَام أَن يتَطَوَّع فِي مَكَانَهُ الَّذِي صلى فِيهِ الْمَكْتُوبَة وَلَا يكره للمقتدي ذَلِك لِأَن الإِمَام إِذا لم يَتَنَحَّ عَن مَكَانَهُ فَرُبمَا يشْتَبه على الدَّاخِل أَنه فِي الْفَرْض فيقتدي بِهِ ثمَّ يظْهر بِخِلَافِهِ وَهَذَا الْمَعْنى مَعْدُوم فِي حق الْمُقْتَدِي فَلَا يكره
وَرُوِيَ عَن أَصْحَابنَا أَن الْمُسْتَحبّ للمقتدي أَن يتَنَحَّى عَن مَكَانَهُ أَيْضا حَتَّى تنكسر الصُّفُوف فيزول الِاشْتِبَاه من كل وَجه
قَالَ وَيكرهُ التَّطَوُّع فِي الْمَسْجِد وَالنَّاس فِي الْجَمَاعَة لِأَن يصير مُتَّهمًا بِأَنَّهُ لَا يرى صَلَاة الْجَمَاعَة
ثمَّ ينظر بعْدهَا إِمَّا إِن صلى تِلْكَ الْمَكْتُوبَة أَو لم يصل فَإِن لم يصلها ينظر إِن أمكنه أَن يُؤَدِّي السّنة قبل أَن يرْكَع الإِمَام فَإِنَّهُ يَأْتِي بِالسنةِ خَارج الْمَسْجِد ثمَّ يشرع فِي الْفَرْض فيحرز الْفَرْض
стр. 183
وَالنَّفْل جَمِيعًا مَعَ نفي التُّهْمَة عَن نَفسه
وَإِن خَافَ أَن يفوتهُ رَكْعَة شرع مَعَ الإِمَام
وَهَذَا فِي سَائِر الصَّلَوَات سوى الْفجْر
فَأَما فِي الْفجْر فَإِن كَانَ عِنْده أَنه يُمكنهُ أَن يُصَلِّي السّنة وَيدْرك رَكْعَة من الْفَرْض مَعَ الإِمَام فَعَلَيهِ أَن يَأْتِي بِالسنةِ خَارج الْمَسْجِد ثمَّ يشرع فِي الْفَرْض مَعَ الإِمَام
وَإِن كَانَ عِنْده أَنه تفوته الركعتان فَلَا يشْتَغل بِالسنةِ لِأَن أَدَاء الصَّلَاة بِالْجَمَاعَة سنة مُؤَكدَة أَو فِي معنى الْوَاجِب
وَكَذَا رَكعَتَا الْفجْر لِكَثْرَة مَا رُوِيَ فيهمَا من الْآثَار فمهما أمكن إِحْرَاز الفضيلتين كَانَ أَحَق وَذَلِكَ فِيمَا قُلْنَا لِأَن إِدْرَاك رَكْعَة من الْفجْر فِي معنى إِدْرَاك الْكل على مَا رُوِيَ من أدْرك رَكْعَة من الصَّلَاة مَعَ الإِمَام فقد أدْركهُ فَأَما إِذا خَافَ فَوت الرَّكْعَتَيْنِ مَعَ الإِمَام فَكَانَ فِيهِ فَوت الْفَرْض حَقِيقَة وَمعنى فَكَانَ الِاشْتِغَال بِالْفَرْضِ أولى بِخِلَاف سَائِر السّنَن لِأَنَّهَا دون الصَّلَاة بِالْجَمَاعَة فِي الْفَضِيلَة فَكَانَ اعْتِبَار إِقَامَة الْجَمَاعَة أولى
وَأما إِذا صلى الْمَكْتُوبَة فَدخل الْمَسْجِد وَالنَّاس فِي الْجَمَاعَة فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَن يُتَابع الإِمَام فِي صلَاته إِن كَانَت صَلَاة لَا يكره التَّطَوُّع بعْدهَا أَو بهَا كالمغرب
فَأَما إِذا كَانَ فِي صَلَاة يكره التَّطَوُّع بعْدهَا أَو يكره التَّنَفُّل بهَا وَهِي الْمغرب فَإِنَّهُ لَا يشرع فِيهَا وَلَكِن يخرج من الْمَسْجِد لِأَن فِيهِ إِحْرَاز فَضِيلَة ومباشرة كَرَاهَة فالكف عَن الْمَكْرُوه أولى وأحق
وَقد ذكرنَا قبل هَذِه الصَّلَاة الَّتِي يكره التَّطَوُّع بعْدهَا
стр. 184
هَذَا الَّذِي ذكرنَا إِذا دخل الْمَسْجِد وَقد أُقِيمَت فِيهِ الْمَكْتُوبَة
فَأَما إِذا دخل الْمَسْجِد وَشرع فِي الصَّلَاة ثمَّ أُقِيمَت الْمَكْتُوبَة فِيهِ فَهَذَا على وَجْهَيْن إِمَّا أَن يشرع فِي التَّطَوُّع أَو فِي فرض الْوَقْت
أما إِذا شرع فِي التَّطَوُّع فَإِنَّهُ يتم الشفع الَّذِي هُوَ فِيهِ إِن علم أَنه يُمكنهُ الشُّرُوع مَعَ الإِمَام فِي الرَّكْعَة الأولى من صلَاته لِأَنَّهُ يقدر على إتْمَام النَّفْل الَّذِي وَجب عَلَيْهِ تَحْصِيله بِالشُّرُوعِ وَإِدْرَاك الْجَمَاعَة فَيجب مراعاتهما وَلَا يزِيد على الشفع لِأَنَّهُ لَا يلْزمه بِالشُّرُوعِ فِي النَّفْل أَكثر من الشفع
فَأَما إِذا كَانَ لَا يُمكنهُ إِدْرَاك الرَّكْعَة الأولى من صَلَاة الإِمَام فَإِنَّهُ يقطع ويشرع مَعَ الإِمَام إِلَّا فِي صَلَاة الْفجْر على مَا ذكرنَا من التَّفْصِيل
فَأَما إِذا شرع فِي الْفَرِيضَة ثمَّ أُقِيمَت تِلْكَ الصَّلَاة بِالْجَمَاعَة فَإِن كَانَ صَلَاة الْفجْر وَقد صلى رَكْعَة يقطع ويشرع مَعَ الإِمَام لِأَن نقض الْفَرْض للْأَدَاء على الْوَجْه الْأَكْمَل جَائِز وَالصَّلَاة بِالْجَمَاعَة أكمل فَإِن قيد الرَّكْعَة الثَّانِيَة بِالسَّجْدَةِ أَو صلى رَكْعَتَيْنِ فَإِنَّهُ يمْضِي على ذَلِك لِأَن الصَّلَاة بعد التَّمام لَا تحْتَمل الانتقاض وللأكثر حكم الْكل أَيْضا
وَإِن كَانَ صَلَاة الظّهْر إِن صلى رَكْعَة يضم إِلَيْهَا رَكْعَة أُخْرَى إِن كَانَ يُمكنهُ الشُّرُوع مَعَ الإِمَام فِي الرَّكْعَة الأولى من صلَاته وَإِن صلى رَكْعَتَيْنِ يتَشَهَّد وَيسلم حَتَّى يكون محرزا للفضيلتين
وَإِن قيد الثَّالِثَة
стр. 185
بِالسَّجْدَةِ مضى عَلَيْهَا لِأَنَّهُ أدّى الْأَكْثَر وَهُوَ الْفَرْض
وَكَذَلِكَ الْجَواب فِي الْعَصْر وَالْعشَاء
فَأَما فِي الْمغرب فَإِن صلى رَكْعَة قطعهَا لِأَنَّهُ لَو ضم إِلَيْهَا الثَّانِيَة يصير أَكثر الْفَرْض فَلَا يُمكنهُ الْقطع وَإِن قيد الثَّانِيَة بِالسَّجْدَةِ مضى عَلَيْهَا لما قُلْنَا
ثمَّ فِي الْموضع الَّذِي يُمكنهُ الْقطع والشروع فِي الصَّلَاة مَعَ الإِمَام إِذا فرغ من كل الْفَرْض إِن كَانَ صَلَاة لَا يكره التَّطَوُّع بعْدهَا يدْخل مَعَ الإِمَام وَإِن كَانَ يكره التَّنَفُّل بعْدهَا أَو التَّنَفُّل بهَا صَلَاة الْمغرب فَإِنَّهُ لَا يشرع مَعَ الإِمَام على مَا مر وَالله أعلم
стр. 186
بَاب صَلَاة الْوتر
فِي الْبَاب فُصُول مِنْهَا أَن الْوتر وَاجِب أم سنة وَاخْتلفت الرِّوَايَات فِيهِ عَن أبي حنيفَة
رُوِيَ أَنه فرض وَبِه أَخذ زفر
ثمَّ رَجَعَ وَقَالَ بِأَنَّهُ سنة وَبِه أَخذ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَالشَّافِعِيّ
ثمَّ رَجَعَ وَقَالَ بِأَنَّهُ وَاجِب
وَحَاصِل ذَلِك مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﵇ أَنه قَالَ ثَلَاث كتبت عَليّ وَلم تكْتب عَلَيْكُم الْوتر وَالضُّحَى وَالْأُضْحِيَّة
وَرُوِيَ عَنهُ ﵇ أَيْضا أَنه قَالَ إِن الله تَعَالَى زادكم صَلَاة أَلا وَهِي الْوتر فصلوها مَا بَين الْعشَاء إِلَى طُلُوع الْفجْر وَالْأَمر للفرضية وَالْوُجُوب فَوَقع التَّعَارُض بَين الْحَدِيثين فَلَا تثبت الْفَرْضِيَّة وَالْوُجُوب بِالِاحْتِمَالِ
هَذَا عِنْدهم وَأَبُو حنيفَة يَقُول يُمكن الْجمع بَينهمَا لِأَن الْفَرْض غير الْوَاجِب فِي عرف الشَّرْع فالفرض مَا ثَبت وُجُوبه بِدَلِيل مَقْطُوع بِهِ وَالْوَاجِب مَا ثَبت وُجُوبه بِدَلِيل فِيهِ شُبْهَة نَحْو خبر الْوَاحِد وَالْقِيَاس وَالْوتر من هَذَا الْقَبِيل لِأَنَّهُ ثَبت بِخَبَر الْوَاحِد
стр. 187
وَمِنْهَا بَيَان مِقْدَاره فعندنا الْوتر ثَلَاث رَكْعَات بِتَسْلِيمَة وَاحِدَة فِي الْأَوْقَات كلهَا
وَالشَّافِعِيّ قَالَ هُوَ بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ أوتر بِرَكْعَة أَو بِثَلَاث أَو بِخمْس أَو بِسبع أَو بتسع أَو بِإِحْدَى عشرَة رَكْعَة وَلَا يزِيد عَلَيْهَا
وَقَالَ الزُّهْرِيّ فِي شهر رَمَضَان ثَلَاث رَكْعَات وَفِي غَيره رَكْعَة
وَالصَّحِيح قَوْلنَا لما رُوِيَ عَن ابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَعَائِشَة ﵃ أَنهم قَالُوا كَانَ رَسُول الله ﷺ يُوتر بِثَلَاث رَكْعَات
وَمِنْهَا أَن يقْرَأ فِيهِ فِي الرَّكْعَات بِالثلَاثِ بِالْإِجْمَاع أما عِنْدهم فَلِأَنَّهُ نفل وَفِي النَّفْل تجب الْقِرَاءَة فِي الْكل
وَكَذَا على قَول أبي حنيفَة لِأَن الْوتر عِنْده وَاجِب وَالْوَاجِب مَا يحْتَمل أَنه نفل لَكِن ترجح جِهَة الْفَرْضِيَّة بِدَلِيل فِيهِ شُبْهَة فَكَانَ الِاحْتِيَاط فِيهِ بِوُجُوب الْقِرَاءَة فِي الْكل
وَلَا يَنْبَغِي أَن يقْرَأ سُورَة مُعينَة على الدَّوَام لِأَن الْفَرْض هُوَ مُطلق الْقِرَاءَة بقوله تَعَالَى ﴿مَا تيَسّر من الْقُرْآن علم﴾ وَالتَّعْيِين على الدَّوَام يُفْضِي إِلَى أَن يَعْتَقِدهُ بعض النَّاس وَاجِبا وَإنَّهُ لَا يجوز لَكِن قد ورد عَن النَّبِي ﵇ أَنه قَرَأَ فِي الرَّكْعَة الأولى ﴿سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى﴾ وَفِي الثَّانِيَة ﴿قل يَا أَيهَا الْكَافِرُونَ﴾
وَفِي الثَّالِثَة ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ فَمن قَرَأَهَا كَذَلِك أَحْيَانًا يكون حسنا وَلَكِن لَا يواظب عَلَيْهِ على مَا ذكرنَا
وَمِنْهَا أَن الْوتر يعم النَّاس أجمعمن الْحر وَالْعَبْد وَالذكر وَالْأُنْثَى
стр. 188
بعد أَن كَانَ أَهلا للْوُجُوب لِأَن الدَّلِيل الَّذِي ورد فِي الْبَاب لَا يُوجب الْفَصْل
وَمِنْهَا أَن القنوتفي الْوتر فِي الرَّكْعَة الثَّالِثَة بعد الْقِرَاءَة قبل الرُّكُوع وَاجِب وَإِذا أَرَادَ أَن يقنت يكبر وَيرْفَع يَدَيْهِ حذاء أُذُنَيْهِ ثمَّ يقنت
وَالْكَلَام فِي الْقُنُوت فِي مَوَاضِع مِنْهَا أَنه إِذا أَرَادَ أَن يقنت يكبر لما رُوِيَ عنعليأنه كَانَ إِذا أَرَادَ الْقُنُوت كبر وقنت
وَمِنْهَا أَن يرفع يَدَيْهِ عِنْد التَّكْبِير لما رُوِيَ عَن النَّبِي ﵇ أَنه قَالَ لَا ترفع الْأَيْدِي إِلَّا فِي سبع موطن وَذكر من جُمْلَتهَا الْقُنُوت
وَمِنْهَا أَن الْقُنُوت فِي الْوتر وَاجِب فِي جَمِيع الْأَوْقَات
وَقَالَ الشَّافِعِي يُؤْتى بِالْقُنُوتِ فِي النّصْف الْأَخير من شهر رَمَضَان لَا غير
وَالصَّحِيح قَوْلنَا لما رُوِيَ عَن عَليّ وَابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس أَن كل وَاحِد مِنْهُم رَاعى صَلَاة رَسُول الله ﵇ بِاللَّيْلِ فقنت قبل الرُّكُوع فَدلَّ أَنه كَانَ يَأْتِي بِهِ فِي الْأَوْقَات كلهَا
وَمِنْهَا مَحل الْقُنُوت عندنَا قبل الرُّكُوع
وَعند الشَّافِعِي بعد الرُّكُوع
وَالصَّحِيح قَوْلنَا لما روينَا من حَدِيث الصَّحَابَة
وَمِنْهَا مِقْدَار الْقُنُوت ذكر فِي الْكتاب مِقْدَار سُورَة ﴿إِذا السَّمَاء انشقت﴾ أَو ﴿وَالسَّمَاء ذَات البروج﴾
وَفِي بعض الرِّوَايَات مِقْدَار ﴿إِذا السَّمَاء انشقت﴾
стр. 189
و ﴿وَالسَّمَاء ذَات البروج﴾
وَالصَّحِيح هُوَ الأول فَإِن الْمَرْوِيّ عَن النَّبِي ﵇ فِي الْقُنُوت اللَّهُمَّ إِنَّا نستعينك واللهم أهدنا فِيمَن هديت وَكِلَاهُمَا على مِقْدَار إِحْدَى السورتين
وَلَا يَنْبَغِي أَن يقْتَصر على الدُّعَاء الْمَأْثُور اللَّهُمَّ إِنَّا نستعينك واللهم اهدنا كي لَا يتَوَهَّم الْعَوام أَنه فرض وَلَكِن إِذا أُتِي بِالدُّعَاءِ الْمَأْثُور فِي بعض الْأَوْقَات وَبِغَيْرِهِ فِي الْبَعْض فَحسن
وَمِنْهَا أَن يُرْسل الْيَدَيْنِ فِي حَال الْقُنُوت أَو يضع ذكر هَهُنَا أَنه يرسلهما وَكَذَا ذكر الطَّحَاوِيّ فِي مُخْتَصره وَكَذَا روى الْحسن عَن أبي حنيفَة
وَرُوِيَ عَن أبي يُوسُف أَنه يبسط يَدَيْهِ بسطا نَحْو السَّمَاء
وَذكر مُحَمَّد فِي الأَصْل إِذا أَرَادَ أَن يقنت كبر وَرفع يَدَيْهِ حذاء أُذُنَيْهِ ناشرا أَصَابِعه ثمَّ يكفها وَقَالَ أَبُو بكر الإسكاف مَعْنَاهُ يضع يَمِينه على شِمَاله
وَرُوِيَ عَن أبي حنيفَة وَمُحَمّد فِي غير رِوَايَة الْأُصُول أَنه يضعهما
стр. 190
وَقد تكلم الْمُتَأَخّرُونَ فِي هَذَا وَفِي كل قيام لَا قِرَاءَة فِيهِ كالقيام فِي حَال تَكْبِيرَات الْعِيدَيْنِ وَالْقِيَام فِي صَلَاة الْجِنَازَة وَالْقِيَام بعد الِافْتِتَاح إِلَى وَقت الْقِرَاءَة وَالْقِيَام بَين الرُّكُوع وَالسُّجُود إِذا كَانَ فِيهِ طول كَمَا فِي الْجُمُعَة وَالْعِيدَيْنِ
وَأَجْمعُوا على الْوَضع فِي الْقيام فِي حَالَة الْقِرَاءَة
وَمن قَالَ بِالْوَضْعِ قَالَ إِن هَذَا أقرب إِلَى التَّعْظِيم كَمَا فِي الشَّاهِد
وَمن قَالَ بِالْإِرْسَال قَالَ فِي الْوَضع زِيَادَة فعل فَلَا يثبت من غير دَلِيل
وَقد ذكرنَا قبل هَذَا
وَمِنْهَا إِذا نسي الْقُنُوت حَتَّى ركع ثمَّ تذكر فِي الرُّكُوع فَإِنَّهُ يمْضِي على رُكُوعه وَلَا يعود إِلَى الْقيام ليقنت
وَرُوِيَ عَن أبي يُوسُف أَنه يعود إِلَى الْقيام ويقنت كَمَا إِذا ترك الْفَاتِحَة أَو السُّورَة نَاسِيا وَركع فَلهُ أَن يعود إِلَى الْقيام ويقرأها
وَالصَّحِيح هُوَ الأول
وَالْفرق بَين الْقُنُوت وَقِرَاءَة الْفَاتِحَة وَالسورَة أَن الرُّكُوع فرض وَقد شرع فِيهِ فَلَا ينْقضه لأجل الْقُنُوت وَهُوَ وَاجِب وَإِنَّمَا يجوز نقضه ليؤدى على وَجه الْكَمَال فَيجوز نقضه للتكميل كنقض الْمَسْجِد ليبنى أحسن مِنْهُ وَفِي قِرَاءَة الْفَاتِحَة وَالسورَة زِيَادَة الْكَمَال وأصل الْقِرَاءَة فرض لَا جَوَاز للركعة بِدُونِهِ فَأَما الْقُنُوت فدعاء والركعة لَهَا تَمام بِدُونِهِ وَلِهَذَا لم يشرع فِي كل رَكْعَة كالقراءة فِي النَّفْل فَلَو نقض يكون نقضا لَا للتكميل بل لأَدَاء الْوَاجِب وَنقض الْفَرْض لأَدَاء الْوَاجِب لَا يجوز
стр. 191
وَكَذَا لَا يقنت فِي حَال الرُّكُوع بِخِلَاف تَكْبِيرَات الْعِيدَيْنِ إِذا فَاتَت فِي حق الْمَسْبُوق وَأدْركَ الإِمَام فِي الرُّكُوع فَإِنَّهُ يكبر ويركع ثمَّ يَأْتِي بالتكبيرات فِي الرُّكُوع لِأَن الْقُنُوت لم يشرع إِلَّا فِي حَالَة مَحْض الْقيام فَأَما التَّكْبِيرَات فيشرع بَعْضهَا فِي حَال الرُّكُوع فَإِن تَكْبِير الرُّكُوع مَحْسُوب من تَكْبِيرَات الْعِيد فَيجوز أَدَاء الْكل عِنْد الْعذر
وَلَو رفع رَأسه من الرُّكُوع وأتى بِالْقُنُوتِ فَإِن عَلَيْهِ أَن يُعِيد الرُّكُوع
وَكَذَلِكَ إِذا رفع رَأسه وَعَاد إِلَى الْقيام وأتى بِقِرَاءَة الْفَاتِحَة أَو السُّورَة فَإِنَّهُ يُعِيد الرُّكُوع لِأَنَّهُ لما عَاد إِلَى الْقيام قَاصِدا أَدَاء الْفَاتِحَة وَالسورَة والقنوت وَمحل هَذِه الْوَاجِبَات قبل الرُّكُوع صَار ناقضا للرُّكُوع ضَرُورَة صِحَة أَدَائِهَا فَيجب عَلَيْهَا الْإِعَادَة
وفكر فِي شرح الطَّحَاوِيّ وَقَالَ إِذا ترك الْفَاتِحَة أَو السُّورَة أَو الْقُنُوت نَاسِيا وَركع لَهُ أَن يعود إِلَى الْقيام وَيَأْتِي بِالْكُلِّ وَيُعِيد الرُّكُوع وَلَكِن لَو ترك إِعَادَة الرُّكُوع هَل يُجزئهُ لَيْسَ فِيهِ رِوَايَة منصوصة
قَالَ وَكَانَ شَيخنَا يَقُول على قِيَاس قَول أَصْحَابنَا يجوز وعَلى قِيَاس قَول زفر لَا يجوز لِأَن الرُّكُوع حصل بعد الْقِرَاءَة فَجَاز وَالتَّرْتِيب فِي أَفعَال الصَّلَاة لَيْسَ بِشَرْط الْجَوَاز عندنَا وَعند زفر التَّرْتِيب فِي الْأَفْعَال شَرط
وَالصَّحِيح مَا ذكر هَهُنَا على مَا ذَكرْنَاهُ
وَمِنْهَا أَن الْوتر لَا يجوز أَدَاؤُهُ على الرَّاحِلَة من غير عذر يجوز بِهِ أَدَاء الْفَرَائِض عَلَيْهَا
أما على قَول أبي حنيفَة فَلَا يشكل لِأَن عِنْده الْوتر وَاجِب وَأَدَاء الْوَاجِبَات والفرائض على الرَّاحِلَة من غير عذر لَا يجوز
стр. 192
وَأما على قَوْلهمَا الْوتر سنة لَكِن صَحَّ عَن النَّبِي ﵇ أَنه كَانَ يتَنَفَّل على رَاحِلَة من غير عذر فِي اللَّيْل فَإِذا بلغ الْوتر ينزل فيوتر على الأَرْض
وَمِنْهَا الْكَلَام فِي وَقت الْوتر وَبَيَان الْوَقْت الْمُسْتَحبّ مِنْهُ وَقد ذَكرنَاهَا فِي بَيَان الْأَوْقَات
وَمِنْهَا الْقُنُوت بجهرية أم بخافت ذكر فِي شرح الطَّحَاوِيّ أَن الْمُنْفَرد بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ جهر وأسمع نَفسه وَإِن شَاءَ جهر وأسمع غَيره وَإِن شَاءَ أسر كَمَا ذكرنَا فِي الْقِرَاءَة وَإِن كَانَ إِمَامًا فَإِنَّهُ يجْهر بِالْقُنُوتِ وَلَكِن دون الْجَهْر بِالْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاة وَالْقَوْم يتابعونه كَذَلِك فِي الْقُنُوت إِلَى قَوْله إِن عذابك بالكفار مُلْحق
وَإِذا دَعَا بعد ذَلِك هَل يُتَابِعه الْقَوْم فِيهِ ذكر فِي الْفَتَاوَى اخْتِلَافا بَين أبي يُوسُف وَمُحَمّد فَفِي قولأبي يُوسُف يتابعونه وَفِي قَول مُحَمَّد لَا يتابعونه وَلَكنهُمْ يُؤمنُونَ
وَقَالَ مَشَايِخنَا بِأَن الْمُنْفَرد يخفي الْقُنُوت لَا محَالة وَلَا يجْهر وَلَا خِيَار لَهُ فِي ذَلِك وَأما الإِمَام فَقَالَ بعض مَشَايِخنَا بِأَنَّهُ يخفي أَيْضا مَعَ الْقَوْم لِأَن الأَصْل فِي الدُّعَاء هُوَ المخافتة قَالَ الله تَعَالَى ﴿ادعوا ربكُم تضرعا وخفية﴾ وَقَالَ بَعضهم يخفي وَلَكِن يرفع صَوته قَلِيلا ويؤمن الْقَوْم
стр. 193
بَاب السَّهْو
أصل الْبَاب أَن سُجُود السَّهْو إِنَّمَا يجب بترك الْوَاجِب الْأَصْلِيّ فِي الصَّلَاة أَو بتغيير فَرضهَا على سَبِيل السَّهْو وَلَا يجب بترك السّنَن والآداب
وَالْكَلَام فِي هَذَا الْبَاب فِي خَمْسَة مَوَاضِع فِي أَن سُجُود السَّهْو وَاجِب أم سنة وَفِي بَيَان سَبَب الْوُجُوب وَفِي بَيَان أَن الْمَتْرُوك سَاهِيا هَل يقْضِي أم لَا وَفِي بَيَان مَحل سُجُود السَّهْو وَفِي بَيَان من يجب عَلَيْهِ السُّجُود وَمن لَا يجب عَلَيْهِ
أما الأول فقد ذكر محمدفي الأَصْل وَنَصّ على الْوُجُوب فَإِنَّهُ قَالَ إِذا سَهَا الإِمَام وَجب على الْمُؤْتَم أَن يسْجد
وَكَذَا رُوِيَ عَن أبي الْحسن الْكَرْخِي أَنه وَاجِب
وَذكر الْقَدُورِيّ أَنه سنة عِنْد عَامَّة أَصْحَابنَا
وَالصَّحِيح جَوَاب ظَاهر الرِّوَايَة لِأَن النَّبِي ﵇ وَأَصْحَابه واظبوا على إتْيَان سُجُود السَّهْو وَمَا تَرَكُوهُ تَرَكُوهُ بِعُذْر تتْرك بِهِ النَّوَافِل والمواظبة على الشَّيْء دَلِيل على أَنه وَاجِب
وَأما بَيَان سَبَب الْوُجُوب فَمَا ذكرنَا من ترك الْوَاجِب الْأَصْلِيّ
стр. 194
للصَّلَاة سَاهِيا أَو بتغيير فَرضهَا
وَتخرج الْمسَائِل على هَذَا إِذا ترك الْقعدَة الأولى سَاهِيا وَقَامَ حَتَّى لَا يقْضِي تجب السَّجْدَة بِتَرْكِهَا لِأَنَّهَا وَاجِبَة
وَإِذا قعد فِي مَوضِع الْقيام أَو قَامَ فِي مَوضِع الْقعُود أَو ركع فِي مَوضِع السُّجُود أَو سجد فِي مَوضِع الرُّكُوع أَو ركع ركوعين أَو سجد ثَلَاث سَجدَات سَاهِيا يجب عَلَيْهِ سُجُود السَّهْو لِأَنَّهُ وجد تَغْيِير الْفَرْض من التَّأْخِير عَن مَكَانَهُ أَو التَّقْدِيم على مَكَانَهُ
وَكَذَا إِذا ترك سَجْدَة من رَكْعَة سَاهِيا فَتذكر فِي آخر الصَّلَاة سجدها وَعَلِيهِ سجدتا السَّهْو لِأَنَّهُ أَخّرهَا عَن موضعهَا
وَإِذا قَامَ من الرَّابِعَة إِلَى الْخَامِسَة قبل أَن يقْعد قدر التَّشَهُّد فَإِنَّهُ يجب عَلَيْهِ أَن يعود وَيسْجد لِأَنَّهُ ترك الْفَرْض عِنْد مَوْضِعه وأخره عَن مَكَانَهُ
وَإِن قَامَ بَعْدَمَا قعد قدر التَّشَهُّد فَإِنَّهُ يعود وَتجب السَّجْدَة لِأَنَّهُ أخر السَّلَام وَالْخُرُوج عَن الصَّلَاة بِفِعْلِهِ فرض عِنْد أبي حنيفَة
وَلَو ترك تَعْدِيل الْأَركان سَاهِيا أَو القومة الَّتِي بَين الرُّكُوع وَالسُّجُود يجب عَلَيْهِ السَّهْو لِأَنَّهُ غير الْفَرْض وَترك الْوَاجِب
وَيخرج على هَذَا الأَصْل أَيْضا أَن من شكّ فِي صلَاته فتفكر فِي ذَلِك حَتَّى استيقن قَالَ إِن طَال تفكره بِحَيْثُ يُمكنهُ أَدَاء ركن من أَرْكَان الصَّلَاة تجب عَلَيْهِ السَّجْدَة وَإِن كَانَ دون ذَلِك لَا يجب لِأَن التفكر الطَّوِيل مِمَّا يُؤَخر الْأَركان عَن موضعهَا والفكر الْقَلِيل مِمَّا لَا يُمكن الِاحْتِرَاز عَنهُ فَجعل كَأَن لم يكن
ثمَّ الحكم فِي هَذِه الْمَسْأَلَة إِذا وَقع الشَّك بَين أَن صلى ثَلَاثًا أَو أَرْبعا
стр. 195
إِن كَانَ ذَلِك أول مَا يَقع لَهُ فَإِن عَلَيْهِ أَن يسْتَقْبل الصَّلَاة لِأَنَّهُ يُمكنهُ أَن يُصَلِّي وَيُؤَدِّي الْفَرْض بِيَقِين والتحري دَلِيل مَعَ الظَّن عِنْد الْحَاجة دفعا للْحَرج وَلَا حرج فِي أول مرّة
فَأَما إِذا وَقع الشَّك مرَارًا فَإِنَّهُ يتحَرَّى وَيَبْنِي على مَا وَقع عَلَيْهِ التَّحَرِّي فِي جَوَاب ظَاهر الرِّوَايَة
وروى الْحسن عَن أبي حنيفَة أَنه يَبْنِي على الْيَقِين وَهُوَ الْأَقَل
وَهُوَ قَول الشَّافِعِي
وَالصَّحِيح قَوْلنَا لما رُوِيَ عَن ابْن مَسْعُود عَن النَّبِي ﵇ أَنه قَالَ من شكّ فِي صلَاته فَلم يدر أَثلَاثًا صلى أَو أَرْبعا فليتحر الصَّوَاب فَإِنَّهُ أقرب ذَلِك إِلَى الصَّوَاب وليبن عَلَيْهِ وَيسْجد سَجْدَتي السَّهْو وَهَذَا حَدِيث مَشْهُور فَلَا يُعَارض بِالْحَدِيثِ الْغَرِيب وَالْقِيَاس
وَأما الشَّك فِي أَرْكَان الْحَج فَذكر الْجَصَّاص أَن ثمَّة يتحَرَّى أَيْضا وَلَا يُؤدى ثَانِيًا وَعَامة الْمَشَايِخ قَالُوا يُؤدى ثَانِيًا
وَالْفرق بَين الْفَصْلَيْنِ أَن تكْرَار الرُّكْن وَالزِّيَادَة عَلَيْهِ مِمَّا لَا يفْسد الْحَج أما الزِّيَادَة هَهُنَا فَإِذا كَانَت رَكْعَة تكون مفْسدَة لِأَنَّهُ يخلط الْمَكْتُوبَة بالتطوع قبل الْفَرَاغ من الْمَكْتُوبَة فَيصير فاصلا وخارجا عَن الْمَكْتُوبَة فَكَانَ الْعَمَل بِالتَّحَرِّي أحوط من الْبناء على الْأَقَل
فَأَما الْأَذْكَار فَلَا يجب السُّجُود بِتَرْكِهَا إِلَّا فِي أَرْبَعَة الْقِرَاءَة والقنوت وَالتَّشَهُّد الْأَخير وتكبيرات الْعِيدَيْنِ لِأَن هَذِه الْأَذْكَار وَاجِبَة
ثمَّ الْقِرَاءَة بِقدر مَا تكون فرضا إِذا تَركهَا سَهوا وَلم يقْض فِي الصَّلَاة تفْسد صلَاته وَإِنَّمَا يجب سُجُود السَّهْو بِتَرْكِهَا سَهوا من حَيْثُ
стр. 196
هِيَ وَاجِبَة بَيَان ذَلِك إِذا ترك الْقِرَاءَة فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأَوليين فأداها فِي الْأُخْرَيَيْنِ تجب السَّجْدَة لِأَن الْقِرَاءَة فرض فِي الرَّكْعَتَيْنِ غير عين وَفِي الْأَوليين وَاجِبَة عِنْد بعض مَشَايِخنَا وَعند بَعضهم فرض فِي الْأَوليين وَلَكِن يَقْضِيهَا فِي الْأُخْرَيَيْنِ وَيسْجد لتركها عَن مَحل الْأَدَاء سَهوا
وَكَذَا إِذا ترك الْفَاتِحَة وَقَرَأَ غَيرهَا تجب السَّجْدَة لِأَن تعْيين الْفَاتِحَة وَاجِب عندنَا فِي الصَّلَاة وَعند الشَّافِعِي فرض
وَكَذَا لَو قَرَأَ الْفَاتِحَة فِي الركعيتن وَترك السُّورَة تجب السَّجْدَة لِأَن قِرَاءَة السُّورَة أَو مِقْدَار ثَلَاث آيَات وَاجِبَة أَيْضا
وَكَذَا يجب سُجُود السَّهْو بتغيير الْقِرَاءَة بِأَن جهر فِيمَا يُخَافت أَو خَافت فِيمَا يجْهر لِأَن ذَلِك وَاجِب أَيْضا
لَكِن اخْتلفت الرِّوَايَات عَن أَصْحَابنَا فِي مِقْدَار مَا يتَعَلَّق بِهِ سُجُود السَّهْو من الْجَهْر ذكر الْحَاكِم عَن ابْن سَمَّاعَة عَن مُحَمَّد أَنه قَالَ إِذا جهر بِأَكْثَرَ الْفَاتِحَة يسْجد ثمَّ رَجَعَ وَقَالَ إِذا جهر مِقْدَار مَا تجوز بِهِ الصَّلَاة يجب وَإِلَّا فَلَا
وروى أَبُو سُلَيْمَان عَن محمدأنه قَالَ إِن جهر بِأَكْثَرَ الْفَاتِحَة سجد وَإِن جهر بِأَقَلّ الْفَاتِحَة أَو بِآيَة طَوِيلَة لم يسْجد
وروى أَبُو يُوسُف أَنه إِن جهر بِحرف فَعَلَيهِ السَّجْدَة
وَالصَّحِيح مِقْدَار مَا تجوز بِهِ الصَّلَاة لِأَنَّهُ يصير مُصَليا بِالْقِرَاءَةِ
стр. 197
جَهرا
وَهَذَا إِذا كَانَ إِمَامًا فَأَما فِي حق الْمُنْفَرد إِذا جهر فِي مَوضِع الْإخْفَاء فَلَا سَهْو عَلَيْهِ لِأَن الْإخْفَاء لَيْسَ بِوَاجِب عَلَيْهِ بل هُوَ مُخَيّر بَين أَن يجْهر وَيسمع نَفسه وَبَين أَن يسمع غَيره وَبَين أَن يسر بِالْقِرَاءَةِ وَلَا يسمع نَفسه وَلَا غَيره على مَا مر فَلَا يصير تَارِكًا للْوَاجِب
فَأَما مَا سوى مَا ذكرنَا من الْأَذْكَار فر سَهْو فِيهَا لِأَنَّهَا من جملَة من السّنَن
وَقَالَ مَالك إِذا ترك ثَلَاث تَكْبِيرَات تجب عَلَيْهِ السَّجْدَة
هَذَا الَّذِي ذكرنَا إِذا ترك وَاجِبا أَصْلِيًّا للصَّلَاة بِسَبَب التَّحْرِيمَة
فَأَما إِذا ترك وَاجِبا لَيْسَ بأصلي بل صَار من أَفعَال الصَّلَاة بِعَارِض كَمَا إِذا وَجب عَلَيْهِ سَجْدَة التِّلَاوَة فِي الصَّلَاة فَتذكر فِي آخر الصَّلَاة لَا تجب السَّجْدَة بتأخيرها عَن موضعهَا
وَكَذَلِكَ إِذا لم يتَذَكَّر فَسلم سَاهِيا عَن السُّجُود لَا يلْزمه سُجُود السَّهْو لِأَنَّهُ لم يجب بِسَبَب التَّحْرِيمَة
وَأما قَضَاء الْمَتْرُوك فَنَقُول إِن كَانَ الْمَتْرُوك فرضا أَو وَاجِبا فَعَلَيهِ قَضَاؤُهُ مَا أمكن فَإِن لم يتَذَكَّر حَتَّى خرج من الصَّلَاة فَإِنَّهُ تفْسد صلَاته بترك الْفَرْض لَا بترك الْوَاجِب حَتَّى إِنَّه إِذا ترك الْقعدَة الأولى لَا تفْسد صلَاته وَلَو ترك الْقعدَة الْأَخِيرَة تفْسد
وَكَذَلِكَ فِي الْأَذْكَار إِن ترك التَّشَهُّد وَقَامَ لَا يعود وَإِن كَانَ فِي التَّشَهُّد الْأَخير وَقَامَ يعود ويتشهد
وَكَذَا إِذا لم يقم وتذكر يقْضِي قبل أَن يخرج من الصَّلَاة
وَلَو خرج لَا تفْسد صلَاته لِأَنَّهُ وَاجِب
وَأما الْقِرَاءَة فَإِن تَركهَا عَن الْأَوليين يقْضِي فِي الْأُخْرَيَيْنِ
стр. 198
فَأَما إِذا كَانَت فِي الْفجْر وَالْمغْرب وَتركهَا عَن الْأَوليين تفْسد صلَاته وَلَا يتَصَوَّر قَضَاؤُهَا
وَأما تَكْبِيرَات الْعِيدَيْنِ إِذا تَركهَا سَاهِيا يقْضِي فِي الرُّكُوع وَلَا يرفع رَأسه عَن الرُّكُوع وَيعود إِلَى الْقيام ليقضيها فِي حَال الْقيام
وَقد ذكرنَا الْقُنُوت إِذا تَركه سَاهِيا وَركع فَلَا نعيده
وَأما بَيَان مَحل السجودفعندنا بعد السَّلَام
وَقَالَ الشَّافِعِي قبل السَّلَام
وَقَالَ مَالك إِن وَجب بِسَبَب النُّقْصَان فَقبل السَّلَام وَإِن وَجب بِسَبَب الزِّيَادَة فبعده
وَالصَّحِيح مَذْهَبنَا لما رُوِيَ عَن النَّبِي ﵇ أَنه قَالَ لكل سَهْو سَجْدَتَانِ بعد السَّلَام
وَإِذا ثَبت أَن مَحَله الْمسنون بعد السَّلَام فَيَنْبَغِي أَنه إِذا أَتَى بالتشهد يسلم قبل الِاشْتِغَال بِالصَّلَاةِ على النَّبِي ﵇ ثمَّ يكبر وَيعود إِلَى سَجْدَتي السَّهْو وَيرْفَع رَأسه وَيكبر ويتشهد وَيُصلي على النَّبِي ﵇ لَكِن يَنْبَغِي أَن يَدْعُو بالدعوات بعد التَّشَهُّد الثَّانِي لَا فِي الأول لِأَن الدَّعْوَات إِنَّمَا شرعت بعد الْفَرَاغ عَن الْأَفْعَال والأذكار الْمَوْضُوعَة فِي الصَّلَاة وَمن عَلَيْهِ السَّهْو قد بَقِي عَلَيْهِ بعد التَّشَهُّد الأول أَفعَال وأذكار وَهُوَ سُجُود السَّهْو وَالصَّلَاة على النَّبِي ﵇ فَيَنْبَغِي أَن يُؤَخر الدَّعْوَات إِلَى التَّشَهُّد الثَّانِي وَلَكِن يَنْبَغِي أَن يَدْعُو بدعوات لَا تشبه كَلَام النَّاس حَتَّى لَا يصير قَاطعا للصَّلَاة وَلَا يُمكنهُ الْخُرُوج عَن الصَّلَاة على الْوَجْه الْمسنون وَهُوَ السَّلَام
وَلَو سَهَا فِي سُجُود السَّهْو لَا يجب عَلَيْهِ السَّهْو لِأَن تكْرَار سُجُود السَّهْو غير مَشْرُوع لِأَنَّهُ لَا حَاجَة لِأَن السَّجْدَة الْوَاحِدَة كَافِيَة على مَا
стр. 199
قَالَ ﵇ سَجْدَتَانِ تجزئان عَن كل زِيَادَة ونقصان
وَأما بَيَان من يجب عَلَيْهِ وَمن لَا يجب عَلَيْهِ فَنَقُول إِن سُجُود السَّهْو يجب على الإِمَام وعَلى الْمُنْفَرد مَقْصُودا لِأَنَّهُ يتَحَقَّق مِنْهُمَا سَببه وَهُوَ السَّهْو
أما الْمُقْتَدِي إِذا سَهَا فِي صلَاته فَلَا سَجْدَة عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا يُمكنهُ أَدَاء السُّجُود قبل السَّلَام لما فِيهِ من مُخَالفَة الإِمَام وَلَا بعد سَلام الإِمَام لِأَنَّهُ سَلام عمد فَيخرج بِهِ عَن الصَّلَاة فَيسْقط السَّهْو أصلا
وَكَذَا اللَّاحِق وَهُوَ الْمدْرك الأول الصَّلَاة ثمَّ فَاتَهُ بَعْضهَا بعد الشُّرُوع بِسَبَب النّوم أَو الْحَدث السَّابِق ثمَّ اشْتغل بِقَضَاء مَا سبق بِهِ فَسَهَا لَا يجب عَلَيْهِ السَّجْدَة لِأَنَّهُ فِي حكم الْمُصَلِّي خلف الإِمَام وَلِهَذَا لَا قِرَاءَة عَلَيْهِ فِيمَا يقْضِي
فَأَما الْمَسْبُوق إِذا اشْتغل بِقَضَاء مَا سبق بِهِ بعد سَلام الإِمَام وفراغه فَسَهَا فِيهِ يجب عَلَيْهِ السَّجْدَة لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة الْمُنْفَرد وَلِهَذَا يجب عَلَيْهِ الْقِرَاءَة
وَلَو أَن الإِمَام سَهَا فِي صلَاته يجب عَلَيْهِ وعَلى الْقَوْم جَمِيعًا سجدتا السَّهْو لِأَن سَبَب الْوُجُوب وَهُوَ السَّهْو وجد من الإِمَام وَالْقَوْم تبع لَهُ وَالْحكم فِي حق التبع يَسْتَغْنِي عَن السَّبَب
وَكَذَلِكَ اللَّاحِق يجب عَلَيْهِ بِسَبَب سَهْو الإِمَام بِأَن سَهَا الإِمَام فِي حَال نوم الْمُقْتَدِي أَو حَال ذَهَابه إِلَى الْوضُوء لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة الْمُصَلِّي خَلفه
وَكَذَلِكَ الْمَسْبُوق بِأَن سَهَا الإِمَام فِي الرَّكْعَة الأولى ثمَّ دخل فِي صلَاته رجل يجب عَلَيْهِ السُّجُود بِسَبَب سَهْو الإِمَام فَإِذا أَرَادَ الإِمَام أَن يسلم لَيْسَ للمسبوق أَن يسلم مَعَه لِأَنَّهُ بَقِي عَلَيْهِ أَرْكَان الصَّلَاة فتفسد صلَاته بِالسَّلَامِ وَلَكِن ينْتَظر حَتَّى يسلم الإِمَام فَإِذا سجد الإِمَام لَهُ أَن يسْجد مَعَه ثمَّ يقوم إِلَى قَضَاء مَا سبق بِهِ
стр. 200
وَنَظِيره الْمُقِيم إِذا اقْتدى بالمسافر فَسَهَا الإِمَام فَإِن الْمُقِيم يُتَابِعه فِي السُّجُود دون السَّلَام لِأَن صلَاته لم تتمّ
وَلَو أَنه إِذا سجد مَعَه ثمَّ قَامَ إِلَى قَضَاء مَا سبق بِهِ وسها فِيهِ فَعَلَيهِ أَن يسْجد ثَانِيًا وَإِن كَانَت تَكْرَارا لِأَنَّهُ فِيمَا يقْضِي كالمنفرد فَيكون صَلَاتَيْنِ حكما
وَكَذَلِكَ فِي حق الْمُقِيم الْمُقْتَدِي بالمسافر
فَلَو أَن هَذَا الْمَسْبُوق إِذا لم يسْجد مَعَ الإِمَام وَقَامَ إِلَى قَضَاء مَا سبق بِهِ هَل يسْجد فِي آخر صلَاته الْقيَاس أَن لَا يسْجد وَفِي الِاسْتِحْسَان يسْجد لِأَنَّهُ وَجب عَلَيْهِ بِسَبَب الْمُتَابَعَة وَأمكنهُ قَضَاؤُهُ فِي آخر صلَاته فَيجب عَلَيْهِ الْقَضَاء
وَلَو ترك الإِمَام سُجُود السَّهْو وَخرج من الْمَسْجِد فَإِن الْمُقْتَدِي لَا يَأْتِي بِهِ لِأَنَّهُ يَأْتِي بِحكم الْمُتَابَعَة فَلَا يجب عَلَيْهِ الْمُتَابَعَة فِيمَا ترك
وَلَو أدْرك الإِمَام بعد مَا فرغ من سَجْدَتي السَّهْو قبل السَّلَام فاقتدى بِهِ صَحَّ الِاقْتِدَاء وَلَا يجب عَلَيْهِ السَّجْدَة لِأَنَّهُ لم يجب عَلَيْهِ الْمُتَابَعَة حَتَّى أَتَى الإِمَام بِالسُّجُود فَلَا يلْزمه الْقَضَاء
وَلَو أدْرك الإِمَام فِي سُجُود السَّهْو فَكبر وَشرع فِي صلَاته فَعَلَيهِ أَن يُتَابِعه فِي سُجُود السَّهْو لِأَن الْمُتَابَعَة وَاجِبَة عَلَيْهِ فِي جَمِيع أَفعَال صَلَاة الإِمَام وَسُجُود السَّهْو من أَفعَال صلَاته وَإِن أدْركهُ بَعْدَمَا سجد السَّجْدَة الأولى فَلهُ أَن يُتَابِعه فِي السَّجْدَة الثَّانِيَة وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَن يقْضِي السَّجْدَة الْفَائِتَة لِأَنَّهُ مَا وَجب عَلَيْهِ أَدَاؤُهَا بِحكم الْمُتَابَعَة لِأَنَّهُ لم يكن فِي صلَاته وَقت أَدَائِهَا فَلَا يجب عَلَيْهِ الْقَضَاء
وَلَو سلم الإِمَام وَعَلِيهِ السَّهْو فَسلم الْمَسْبُوق مَعَه سَاهِيا أَن عَلَيْهِ
стр. 201
قَضَاء مَا سبق بِهِ ثمَّ تذكر فَعَلَيهِ أَن يقْضِي مَا فَاتَهُ لِأَن سَلام الساهي لَا يُخرجهُ عَن الصَّلَاة وَعَلِيهِ أَن يسْجد فِي آخِره لِأَنَّهُ سلم سَاهِيا قبل وقته وَهُوَ فِيمَا يقْضِي كالمنفرد فَعَلَيهِ السَّجْدَة
وَلَو أَن من عَلَيْهِ السَّهْو إِذا سلم ثمَّ فعل بعد السَّلَام مَا يُنَافِي الصَّلَاة من الْحَدث الْعمد وَالْكَلَام وَالْخُرُوج من الْمَسْجِد وَنَحْوه يسْقط سُجُود السَّهْو لِأَنَّهُ فَاتَ مَحَله وَهُوَ حُرْمَة الصَّلَاة
стр. 202
بَاب الْحَدث
فِي الصَّلَاة أجمع الْعلمَاء أَن الْحَدث الْعمد مُفسد للصَّلَاة مَانع من الْبناء
وَاخْتلفُوا فِي الْحَدث السَّابِق وَهُوَ الَّذِي سبقه من غير قَصده بِأَن سَالَ من أَنفه دم أَو خرج مِنْهُ ريح وَنَحْو ذَلِك
فَالْقِيَاس أَن يفْسد الصَّلَاة وَيقطع الْبناء وَهُوَ قَول زفر وَالشَّافِعِيّ لِأَن الْحَدث مضاد للصَّلَاة لِأَن الصَّلَاة لَا تجوز من غير طَهَارَة
وَفِي الِاسْتِحْسَان لَا يفْسد وَهُوَ مَذْهَب أَصْحَابنَا للْحَدِيث الْخَاص وَهُوَ مَا رُوِيَ عَن عَائِشَة عَن النَّبِي ﵇ أَنه قَالَ من قاء فِي صلَاته أَو رعف فلينصرف وليتوضأ وليبن على صلَاته مَا لم يتَكَلَّم وَلما رُوِيَ عَن أبي بكر وَعمر وَعلي رضوَان الله عَلَيْهِم أَنهم قَالُوا كَذَلِك وَتَركنَا الْقيَاس بِالْحَدِيثِ وَإِجْمَاع الصَّحَابَة
إِذا ثَبت أَنه جَازَ الْبناء فَكل فعل منَاف للصَّلَاة فِي الأَصْل لَكِن هُوَ من ضرورات الْبناء نَحْو الْمَشْي والاستقاء وَغير ذَلِك لَا يفْسد الصَّلَاة وكل مَا لم يكن من ضروراته يكون مُفْسِدا بِنَاء على الأَصْل
وَتخرج الْمسَائِل على هَذَا
وَلَو أصَاب بدنه أَو ثَوْبه نَجَاسَة لحَدث سبقه فَإِنَّهُ يتَوَضَّأ وَيغسل ذَلِك لِأَن ذَلِك مَانع للْوُضُوء لِأَن الْوضُوء لَا يعْمل بِدُونِهِ
стр. 203
وعَلى هَذَا قَالُوا لَو استنجى على وَجه لَا تنكشف عَوْرَته بِأَن ألْقى الذيل خَلفه وَقَبله لَا تفْسد لِأَن الِاسْتِنْجَاء مِمَّا يحْتَاج إِلَيْهِ لإحراز الْفَضِيلَة
وَلِهَذَا لَو استوعب مسح الرَّأْس وتمضمض واستنشق وأتى بِسَائِر سنَن الْوضُوء فَإِنَّهُ يَبْنِي لِأَنَّهُ من بَاب كَمَال الْوضُوء
وَأما إِذا انكشفت عَوْرَته فَإِنَّهُ يقطع الْبناء لِأَن كشف الْعَوْرَة منَاف للصَّلَاة وَلَا حَاجَة إِلَيْهِ لِأَن أَدَاء الصَّلَاة يجوز بِدُونِ الِاسْتِنْجَاء فِي الْجُمْلَة وَلِهَذَا قُلْنَا إِنَّه فِي الْحَدث الْعمد لَا يَبْنِي لِأَنَّهُ نَادِر وَلَا حرج فِي القَوْل بِقطع الْبناء بِخِلَاف الْحَدث السَّابِق
وعَلى هَذَا إِذا أُغمي عَلَيْهِ أَو جن أَو نَام فِي الصَّلَاة فَاحْتَلَمَ فَأنْزل أَو نظر إِلَى فرج امْرَأَته أَو إِلَى وَجههَا وَأنزل عَن شَهْوَة أَو قهقه فِي صلَاته فَإِنَّهُ لَا يَبْنِي لِأَن هَذِه الْأَفْعَال مِمَّا لَا يغلب فِي الصَّلَاة
وَلَو أَصَابَهُ الْحَدث بِفعل سماوي بِأَن يسْقط عَلَيْهِ شَيْء من السّقف أَو بِفعل غَيره بِأَن رَمَاه إِنْسَان بِحجر فَشَجَّهُ فَسَالَ الدَّم فَإِنَّهُ لَا يَبْنِي عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد وَعند أبي يُوسُف يَبْنِي لِأَن هَذَا حدث حصل بِغَيْر فعله فَصَارَ كالحدث السَّابِق وَالصَّحِيح مَا قَالَا لِأَن هَذَا مِمَّا لَا يغلب فَلَا يلْحق بالغالب وَهُوَ الْحَدث السَّابِق
هَذَا إِذا سبقه الْحَدث فِي وسط الصَّلَاة
فَأَما إِذا سبقه بعد مَا قعد قدر التَّشَهُّد الْأَخير فَإِن عَلَيْهِ أَن يذهب وَيتَوَضَّأ وَيَبْنِي على صلَاته حَتَّى يخرج عَن الصَّلَاة على الْوَجْه الْمسنون بِالسَّلَامِ لِأَن الْحَدث السَّابِق لَا يقطع التَّحْرِيمَة
وَلَو وجد فعل لَيْسَ من أَفعَال الصَّلَاة وَلَا من ضرورات الْوضُوء
стр. 204
وَالْبناء مثل الْكَلَام وَالْأكل وَالشرب وَنَحْو ذَلِك يقطع الْبناء لِأَن هَذِه الْأَشْيَاء مُنَافِيَة للصَّلَاة فتتنافى التَّحْرِيمَة فِي حَال الذّهاب والمجيء
وَكَذَلِكَ كل مَا كَانَ نَظِير الْكَلَام معنى بِأَن ذكر الله تَعَالَى وَأَرَادَ بِهِ خطاب إِنْسَان أَو زَجره عَن شَيْء أَو أَرَادَ بِهِ بجوابه عَن شَيْء فَإِنَّهُ يفْسد صلَاته عِنْد أبي حنيفَة وَيقطع الْبناء وَقَالَ أَبُو يُوسُف كل مَا كَانَ من ذكر الله فِي الْوَضع لَا تفْسد بِهِ الصَّلَاة وَلَو نوى خطاب النَّاس بِهِ
وعَلى هَذَا الْخلاف إِذا عطس إِنْسَان فَقَالَ الْحَمد لله فشمته رجل فَقَالَ يَرْحَمك الله تفْسد صلَاته عِنْدهمَا وَعند أبي يُوسُف لَا تفْسد
وَأَجْمعُوا أَن الْمُصَلِّي إِذا قَالَ سُبْحَانَ الله أَو قَالَ الله أكبر وعنى بِهِ إِعْلَام الإِمَام فِيمَا ترك سَاهِيا وَنَحْوه لَا تفْسد صلَاته
وَلَو أَن فِي صلَاته أَو تأوه فَإِن كَانَ من ذكر الْجنَّة أَو النَّار فَصلَاته تَامَّة وَإِن كَانَ لوجع أَو مُصِيبَة فَسدتْ صلَاته
وَقَالَ أَبُو يُوسُف إِذا كَانَ حرفين لَا تفْسد حَتَّى إِذا قَالَ أوه تفْسد
وقولهما أصح لِأَن التأوه إِذا كَانَ من ذكر الْجنَّة النَّار فَكَانَ كِنَايَة عَن سُؤال الْجنَّة والتعوذ من النَّار فَلَا تفْسد فَأَما الأَصْل فَهُوَ أَن الْحُرُوف المهجاة كَلَام النَّاس سَوَاء كَانَ حرفين أَو أَكثر أَلا ترى أَنه إِذا قَالَ أَخ أَخ تفْسد صلَاته دلّ أَن الْمدَار على هَذَا
ثمَّ إِذا جَاءَ الْبناء فِي الْحَدث السَّابِق فَينْظر إِمَّا إِن كَانَ إِمَامًا أَو مقتديا أَو مُنْفَردا
فَإِن كَانَ مُنْفَردا أَو إِمَامًا فَإِن الأولى أَن يعود إِلَى مَكَان صلَاته وَيتم صلَاته وَإِن بنى فِي مَوضِع الْوضُوء جَازَ
стр. 205
وَإِن كَانَ مقتديا بِهِ علم أَن إِمَامه قد فرغ فَكَذَلِك الْجَواب فَأَما إِذا لم يفرغ فَعَلَيهِ أَن يعود إِلَى مَكَان الإِمَام وَيُصلي مَعَ الإِمَام بعد قَضَاء مَا سبق بِهِ لِأَن الْمُتَابَعَة وَاجِبَة عَلَيْهِ حَتَّى إِذا ترك مَعَ الْقُدْرَة عَلَيْهِ تفْسد صلَاته وَإِنَّمَا يقْضِي مَا فَاتَهُ فِي حَال ذَهَابه ومجيئه أَولا ثمَّ يدْخل فِي صَلَاة الإِمَام لِأَنَّهُ فِي الْمَعْنى كَأَنَّهُ خلف الإِمَام فَصَارَ كَمَا لَو سبقه الإِمَام بِرُكْن وَهُوَ مَعَه فِي الصَّلَاة فَإِن عَلَيْهِ أَن يُؤَدِّيه أَولا ثمَّ يشرع فِي الرُّكْن الَّذِي فِيهِ الإِمَام لِأَن الْمُتَابَعَة وَاجِبَة على التَّرْتِيب
هَذَا الَّذِي ذكرنَا إِذا سبقه الْحَدث حَقِيقَة فَأَما إِذا انتقضت طَهَارَته بِمَعْنى من الْمعَانِي سوى الْحَدث بِغَيْر صنعه بِأَن كَانَ متيمما فَرَأى المَاء فِي صلَاته أَو صَاحب جرح سَائل فَخرج الْوَقْت أوالماسح على الْخُفَّيْنِ إِذا انْقَضتْ مُدَّة مَسحه وَنَحْو ذَلِك فَإِنَّهُ لَا يَبْنِي لِأَن فِي هَذِه الْمَوَاضِع تبين أَن الشُّرُوع لم يَصح لِأَنَّهُ يجب عَلَيْهِ الْوضُوء بِالْحَدَثِ السَّابِق على التَّحْرِيمَة وَيجْعَل مُحدثا من ذَلِك الْوَقْت فِي حق الصَّلَاة الَّتِي لم تُؤَد بعد وَإِن بَقِي لَهُ حكم الطَّهَارَة فِي حق الصَّلَاة المؤداة
وَكَذَلِكَ الْجَواب فِي هَذِه الْمَوَاضِع بعد الْقعُود قدر التَّشَهُّد الْأَخير عِنْد أبي حنيفَة خلافًا لَهما لِأَن الصَّلَاة لم تُؤَد بعد وَلِأَن هَذِه الْمعَانِي الناقضة للطَّهَارَة مِمَّا ينْدر وجودهَا فَلَا تلْحق بِالْحَدَثِ السَّابِق الَّذِي يغلب وجوده
ثمَّ الإِمَام إِذا سبقه الْحَدث فَأَرَادَ أَن يذهب ليتوضأ فَهُوَ على إِمَامَته مَا لم يخرج من الْمَسْجِد أَو يسْتَخْلف رجلا فَيقوم الْخَلِيفَة مقَامه يَنْوِي أَن يؤم النَّاس أَو يسْتَخْلف الْقَوْم رجلا قبل أَن يخرج هُوَ من الْمَسْجِد فَيقوم مقَامه يَنْوِي الْإِمَامَة حَتَّى إِن رجلا لَو دخل الْمَسْجِد ساعتئذ واقتدى بِهِ فَإِنَّهُ يَصح اقْتِدَاؤُهُ وَيصير شَارِعا فِي الصَّلَاة هَكَذَا روى ابْن
стр. 206
سَمَّاعَة عَن أبي يُوسُف
وَقَالَ بشر المريسي لَا يَصح شُرُوعه فِي الصَّلَاة واقتداؤه بِهِ لِأَن الإِمَام مُحدث والمحدث لَيْسَ فِي الصَّلَاة فَكيف يَصح الِاقْتِدَاء بِهِ فِي صلَاته
وَالصَّحِيح هُوَ الأول لِأَن الْحَدث السَّابِق لَا يُنَافِي التَّحْرِيمَة لِأَن التَّحْرِيمَة شَرط فِي الصَّلَاة فَلَا يشْتَرط لَهَا الطَّهَارَة وَإِنَّمَا يُنَافِي فعل الصَّلَاة وَصِحَّة الِاقْتِدَاء تعتمد قيام التَّحْرِيمَة لَا قيام نفس الصَّلَاة وَلِهَذَا يَصح استخلافه وَلم تبطل صَلَاة الْقَوْم ويمكنه الْبناء على صلَاته فَدلَّ أَن التَّحْرِيمَة قَائِمَة
فَإِذا وجد شَيْء من هَذِه الْأَشْيَاء يخرج من الْإِمَامَة أما إِذا قَامَ الْخَلِيفَة مقَامه نَاوِيا للْإِمَامَة فَلِأَنَّهُ يصير إِمَامًا فِي هَذِه الصَّلَاة فَخرج هُوَ من الْإِمَامَة لِأَنَّهُ لَا يجْتَمع فِي صَلَاة وَاحِدَة إمامان فِي حَالَة وَاحِدَة وَكَذَلِكَ إِذا اسْتخْلف الْقَوْم لِأَن بهم حَاجَة إِلَى تَصْحِيح صلَاتهم وَذَلِكَ بالاستخلاف فَإِذا ترك الإِمَام الِاسْتِخْلَاف فَيثبت لَهُم ولَايَة ذَلِك وَكَذَلِكَ إِذا خرج من الْمَسْجِد لِأَنَّهُ خلا مَكَان الإِمَام عَن الإِمَام لِأَن الْمَسْجِد بِمَنْزِلَة بقْعَة وَاحِدَة فَمَا دَامَ فِيهِ فَكَأَنَّهُ فِي مَكَانَهُ إِلَّا أَن فِي الْفَصْلَيْنِ الْأَوَّلين قَامَ الْخَلِيفَة مقَامه فَلم تفْسد صلَاته وَلَا صَلَاة الْقَوْم أما فِي الْخُرُوج عَن الْمَسْجِد فَإِنَّهُ تفْسد صَلَاة الْقَوْم لِأَنَّهُ بَقِي الْقَوْم بِلَا إِمَام والاقتداء بِدُونِ الإِمَام لَا يتَحَقَّق
وَأما صَلَاة الإِمَام هَل تفْسد اخْتلفت الرِّوَايَات فِيهِ وَالْمَشْهُور من الرِّوَايَة أَنَّهَا لَا تفْسد وَكَذَا ذكر أَبُو عصمَة عَن أَصْحَابنَا وَذكر الطَّحَاوِيّ أَنَّهَا تفْسد
وَالْأول أصح لِأَن الإِمَام فِي حكم الْمُنْفَرد وَهُوَ أصل بِنَفسِهِ
стр. 207
هَذَا إِذا لم يكن خَارج الْمَسْجِد صُفُوف مُتَّصِلَة بِهِ
فَأَما إِذا كَانَت مُتَّصِلَة فَخرج الإِمَام وَلم يتَجَاوَز الصُّفُوف هَل تبطل صَلَاة الْقَوْم أم لَا قَالَ أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف تبطل
وَقَالَ مُحَمَّد لَا تبطل لِأَن مَوضِع الصُّفُوف لَهَا حكم الْمَسْجِد أَلا ترى أَن من صلى فِي الصَّحرَاء جَازَ استخلافه مَا لم يتَجَاوَز الصُّفُوف
وَالصَّحِيح قَوْلهمَا لِأَن الْقيَاس أَن يكون الانحراف عَن الْقبْلَة لقصد الْخُرُوج عَن الْمَسْجِد مُبْطلًا صَلَاة الْقَوْم إِلَّا أَنه بَقِي إِمَامًا حكما مَا دَامَ فِي الْمَسْجِد لضَرُورَة صِحَة الِاسْتِخْلَاف والضرورة تنْدَفع غَالِبا فِي الْمَسْجِد فَبَقيَ حكم خَارج الْمَسْجِد على أصل الْقيَاس لهَذَا بِالْإِجْمَاع الإِمَام يَوْم الْجُمُعَة لَو كبر وَحده فِي الْمَسْجِد وَالْقَوْم خَارج الْمَسْجِد مُتَّصِلا بصفوفهم وَكَبرُوا لَا ينْعَقد الْجُمُعَة لِأَن الشَّرْط أَن يكون جمَاعَة من الْقَوْم وَالْإِمَام فِي مَكَان وَاحِد وَلم يُوجد
وَأما الإِمَام إِذا كَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ فِي الصَّحرَاء فأحدث فَمَا دَامَ فِي الصُّفُوف صَحَّ استخلافه وَإِذا جَاوز الصُّفُوف لَا يجوز لِأَن مَوَاضِع الصُّفُوف التحقت بالمسحد هَهُنَا لضَرُورَة صِحَة الِاسْتِخْلَاف لعدم الْمَسْجِد
وَهَذَا إِذا ذهب الإِمَام يمنة أَو يسرة أَو خلفا
أما إِذا مَشى أَمَامه وَلَيْسَ بَين يَدَيْهِ بِنَاء وَلَا ستْرَة فَإِنَّهُ لَا تفْسد صلَاتهم مَا لم يذهب مِقْدَار مَا يُجَاوز الصُّفُوف الَّتِي خَلفه لِأَن هَذَا أقدر من الْمَشْي لَيْسَ بمناف للصَّلَاة إِذا وجد فِي أحد الجنبين
أما إِذا كَانَ بَين يَدَيْهِ حَائِط أَو ستْرَة فجاوزه تفْسد صلَاتهم لِأَن الستْرَة تجْعَل لما دونهَا حكم الْمَسْجِد حَتَّى يُبَاح للمار الْمُرُور وَرَاء الستْرَة وَلَا يُبَاح دَاخل الستْرَة
стр. 208
وَهَذِه الْمسَائِل رويت عَن أبي يُوسُف
وَهَذَا الَّذِي ذكرنَا إِذا كَانَ فِي الْمَسْجِد مَعَ الإِمَام جمَاعَة من الْقَوْم
فَأَما إِذا كَانَ مَعَه وَاحِد فَإِذا خرج الإِمَام من الْمَسْجِد لم تفْسد صَلَاة هَذَا الرجل لِأَنَّهُ تعين إِمَامًا قدمه الإِمَام الْمُحدث أَولا لعدم الْمُزَاحمَة
وَلَو أَن الإِمَام إِذا ظن أَنه أحدث فَانْصَرف ثمَّ علم أَنه لم يحدث إِن خرج من الْمَسْجِد تفْسد صلَاتهم وَلَا يَبْنِي
أما إِذا لم يخرج فَإِنَّهُ يرجع إِلَى مَكَانَهُ وَيَبْنِي وَلَا تفْسد صلَاته فِي قَول أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن مُحَمَّد وَفِي رِوَايَة عَن مُحَمَّد فسد
وَأَجْمعُوا أَنه إِذا ظن الإِمَام أَنه افْتتح الصَّلَاة على غير وضوء أَو كَانَ على ثَوْبه نَجَاسَة أَو كَانَ متيمما فَرَأى سرابا ظَنّه مَاء فَانْصَرف وتحول عَن الْقبْلَة فَإِنَّهُ تفْسد صلَاته لَا يَبْنِي وَإِن لم يخرج من الْمَسْجِد
فَأَما إِذا سلم على رَأس الرَّكْعَتَيْنِ سَاهِيا فِي ذَوَات الْأَرْبَع وَهُوَ يظنّ أَنه قد أتم الصَّلَاة ثمَّ تذكر وَرجع إِلَى مَكَانَهُ فَإِن كَانَ بعد الْخُرُوج تفْسد صلَاته بِالْإِجْمَاع وَإِن كَانَ قبل الْخُرُوج فعلى الْخلاف الَّذِي ذكرنَا
فمحمد قَاس مَوضِع الْخلاف على الْمسَائِل الْمُتَّفق عَلَيْهَا بعلة الانحراف عَن الْقبْلَة من غير ضَرُورَة
وَالصَّحِيح قَوْلهمَا لِأَن الانحراف لم يُوجد لقصد الْخُرُوج عَن الصَّلَاة لِأَن عِنْده أَنه انحرف لإِصْلَاح صلَاته حَتَّى يتَوَضَّأ وَيَبْنِي عَلَيْهَا وَلَو تحقق مَا توهم لَا يمْنَع الْبناء فَكَذَلِك إِذا سلم سَاهِيا إِلَّا أَنه
стр. 209
مَشى فِي صلَاته لَا لإِصْلَاح صلَاته حَقِيقَة لِأَنَّهُ غير مُحدث بل ظن أَنه مُحدث وَالْمَشْي بِغَيْر عذر مُفسد للصَّلَاة وَلَكِن الْمَسْجِد لَهُ حكم بقْعَة وَاحِدَة فَلم يَجْعَل مَاشِيا تَقْديرا فَإِذا خرج فقد وجد الْمَشْي بِغَيْر عذر حَقِيقَة وَحكما فتفسد صلَاته بِخِلَاف مَا ذكرنَا من الْمسَائِل فَإِن ثمَّة الانحراف عَن الْقبْلَة لقصد الْخُرُوج عَن الصَّلَاة وعزم الرَّفْض لِأَن الْبناء فِي هَذِه الْمَوَاضِع لَا يَصح فَصَارَ بِمَنْزِلَة السَّلَام عمدا فَإِنَّهُ يكون قَاطعا للصَّلَاة لما قُلْنَا كَذَا هَذَا
стр. 210
بَاب الْإِمَامَة
مِنْهَا أَن الْجَمَاعَة وَاجِبَة وَقد سَمَّاهَا بعض أَصْحَابنَا سنة مُؤَكدَة وَكِلَاهُمَا وَاحِد
وَأَصله مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﵇ أَنه واظب عَلَيْهَا وَكَذَلِكَ الْأمة من لدن رَسُول الله ﷺ إِلَى يَوْمنَا هَذَا مَعَ النكير على تاركها وَهَذَا حد الْوَاجِب دون السّنة
وَمِنْهَا أَن الْجَمَاعَة إِنَّمَا تجب على من قدر عَلَيْهَا من غير حرج فَأَما من كَانَ بِهِ عذر فَإِنَّهَا تسْقط عَنهُ حَتَّى لَا تجب على الْمَرِيض وَالْأَعْمَى والزمن وَنَحْوهم هَذَا إِذا لم يجد الْأَعْمَى قائدا أَو الزَّمن من يحملهُ فَأَما إِذا وجد الْأَعْمَى قائدا أَو الزَّمن حَامِلا بِأَن يكون لَهُ مركب وخادم فَعِنْدَ أبي حنيفَة لَا يجب وَعِنْدَهُمَا يجب وَقد ذكرنَا هَذَا فِي بَاب الْجُمُعَة
وَمِنْهَا أَن أقل الْجَمَاعَة فِي غير صَلَاة الْجُمُعَة الِاثْنَان وَهُوَ أَن يكون إِمَام وَاحِد مَعَ الْقَوْم لما رُوِيَ عَن النَّبِي ﵇ أَنه قَالَ الِاثْنَان فَمَا فَوْقهمَا جمَاعَة
وَيَسْتَوِي أَن يكون ذَلِك الْوَاحِد رجلا أَو امْرَأَة أَو صَبيا يعقل
стр. 211
لِأَن هَؤُلَاءِ من أهل الصَّلَاة فَأَما الْمَجْنُون وَالصَّبِيّ الَّذِي لَا يعقل فَلَا عِبْرَة بهما
فَأَما عدد الْجَمَاعَة فِي بَاب الْجُمُعَة فقد ذكرنَا فِي بَاب الْجُمُعَة
ثمَّ ينظر إِن كَانَ مَعَ الإِمَام رجل وَاحِد أَو صبي يعقل فَإِن الْمَأْمُوم يَنْبَغِي أَن يقوم عَن يَمِينه وَلَا يتقدمه الإِمَام
وَإِذا كَانَ مَعَه اثْنَان من الرِّجَال أَو الصّبيان الْعُقَلَاء يتقدمهما الإِمَام
وَقَالَ بعض مَشَايِخنَا إِن لم يتَقَدَّم الإِمَام وَقَامَ بَينهمَا فَلَا بَأْس وَالْأول أصح
فَإِن كَانَ مَعَه نسوان أَو امْرَأَة وَاحِدَة فَإِنَّهُ يتقدمها لِأَن محاذاة الْمَرْأَة الرجل فِي حُرْمَة صَلَاة مُشْتَركَة مستتمة الْأَركان توجب فَسَاد صَلَاة الرجل عندنَا خلافًا للشَّافِعِيّ وَهِي مَسْأَلَة مَعْرُوفَة
وَإِن كَانَ مَعَه رجال وَنسَاء فَإِنَّهُ يتَقَدَّم الرِّجَال على النسوان لما قُلْنَا
وَلَو قَامَت امْرَأَة بحذاء الإِمَام وَقد نوى الإِمَام إمامتها تفْسد صَلَاة الإِمَام وَصَلَاة الْقَوْم لفساد صَلَاة الإِمَام
وَإِن قَامَت فِي صف الرِّجَال تفْسد صَلَاة رجل كَانَ عَن يَمِينهَا وَرجل كَانَ عَن يسارها وَرجل خلفهَا وَرجل بحذائها
وَلَو تقدّمت الإِمَام حَتَّى يكون الإِمَام خلفهَا لَا تفْسد صَلَاة الإِمَام وَالْقَوْم لَكِن تفْسد صلَاتهَا لِأَن الْوَاجِب عَلَيْهَا الْمُتَابَعَة فقد تركت فرضا من فَرَائض الصَّلَاة فتفسد صلَاتهَا
وَلَو كَانَ فِي صف الرِّجَال ثِنْتَانِ من النِّسَاء وَخلف هَذَا الصَّفّ صُفُوف أخر تفْسد صَلَاة رجل عَن يمينهما وَصَلَاة رجل عَن يسارهما وَصَلَاة رجلَيْنِ خلفهمَا
стр. 212
وَإِن كن ثَلَاثًا اخْتلف الْمَشَايِخ فِيهِ قَالَ بَعضهم تفْسد صَلَاة ثَلَاثَة رجال خلفهن لَا غير
وَقَالَ بَعضهم تفْسد صَلَاة الرِّجَال كلهم خلفهن وَيصير الثَّلَاث من النسوان بِمَنْزِلَة صف على حِدة
وَأَصله حَدِيث النَّبِي ﵇ أَنه قَالَ لَيْسَ مَعَ الإِمَام من كَانَ بَينه وَبَين الإِمَام نهر أَو طَرِيق أَو صف من النِّسَاء
وَمِنْهَا بَيَان من يصلح للْإِمَامَة فَنَقُول الصَّالح للْإِمَامَة هُوَ الرجل الَّذِي من أهل الصَّلَاة الْمَفْرُوضَة سَوَاء كَانَ حرا أَو عبدا بَصيرًا كَانَ أَو أعمى تقيا كَانَ أَو فَاجِرًا وعَلى مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﵇ أَنه قَالَ صلوا خلف كل بر وَفَاجِر
وَالصَّبِيّ الْعَاقِل لَا تجوز إِمَامَته فِي الْفَرَائِض لِأَنَّهُ لَا يَصح مِنْهُ أَدَاء الْفَرَائِض لِأَنَّهُ لَيْسَ من أهل الْفَرْض
وَهل تجوز إِمَامَته فِي النَّوَافِل كالتراويح وَغَيرهَا اخْتلف الْمَشَايِخ فِيهِ أجَاز بَعضهم وَلم يجز عامتهم
هَذَا كُله عندنَا
وَقَالَ الشَّافِعِي تجوز إِمَامَة الصَّبِي الْعَاقِل
وَأما صَاحب الْهوى فَإِن كَانَ هوى يكفره لَا تجوز إِمَامَته وَإِن كَانَ لَا يكفره جَازَ مَعَ الْكَرَاهَة
وَمِنْهَا بَيَان الْأَفْضَل فَنَقُول إِن الْحر والتقي والبصير أفضل من العَبْد والفاجر وَالْأَعْمَى لِأَن إِمَامَة هَؤُلَاءِ سَبَب لتكثير الْجَمَاعَة وإمامة أُولَئِكَ سَبَب
стр. 213
للتقليل فَمَا هُوَ سَبَب للتكثير أولى وَأفضل
ثمَّ أفضل هَؤُلَاءِ من كَانَ أقرأهم لكتاب الله وأعلمهم بِالسنةِ فَإِن كَانَ مِنْهُم رجلَانِ أَو أَكثر على هَذَا فأكبرهما سنا أولى وَإِن اسْتَويَا فِي الْكبر فأبينهما صلاحا أولى وَإِن اسْتَويَا فِي ذَلِك قَالُوا أحسنهما خلقا أولى
وَإِن اسْتَويَا فأحسنهما وَجها أولى لِأَن هَذِه الْأَوْصَاف سَبَب الرَّغْبَة إِلَى الْجَمَاعَة
وَلَو اسْتَويَا فِي الْعلم وَأَحَدهمَا أَقرَأ أَو اسْتَويَا فِي الْقِرَاءَة وَأَحَدهمَا أعلم فَهُوَ أولى
فَأَما إِذا كَانَ أَحدهمَا أَقرَأ وَالْآخر أعلم فالأعلم أولى لِأَن حَاجَة النَّاس إِلَى علم الإِمَام أَشد
وعَلى هَذَا قَالُوا الْعَالم بِالنِّسْبَةِ إِذا كَانَ مِمَّن يجْتَنب الْفَوَاحِش الظَّاهِرَة وَغَيره أورع مِنْهُ لَكِن غير عَالم بِالسنةِ فتقديم الْعَالم أولى
وَلَو كَانَ أَحدهمَا أكبر وَالْآخر أورع فَإِن الْأَكْبَر سنا أولى إِذا لم يكن فِيهِ فسق ظَاهر أَو لم يكن مُتَّهمًا بِهِ لِأَن النَّبِي ﵇ قَالَ الْكبر الْكبر
стр. 214
بَاب قَضَاء الْفَائِتَة
الْكَلَام فِي مسَائِل التَّرْتِيب من وُجُوه أَحدهَا أَن التَّرْتِيب فِي أَدَاء الصَّلَوَات المكتوبات فرض بِلَا خلاف حَتَّى لَا يجوز أَدَاء الظّهْر قبل الْفجْر وَلَا أَدَاء الْعَصْر قبل الظّهْر لِأَن الصَّلَاة لَا تجب قبل وجود هَذِه الْأَوْقَات
فَأَما إِذا وجدت الْأَوْقَات وَوَجَبَت الصَّلَاة فَلم يؤدها حَتَّى دخل وَقت صَلَاة أُخْرَى فَهَل يعْتَبر التَّرْتِيب وَاجِبا حَتَّى لَا يجوز أَدَاء الوقتية قبل قَضَاء الْفَوَائِت أم لَا
على قَول أَصْحَابنَا يجب التَّرْتِيب
وعَلى قَول الشَّافِعِي لَا يجب
وَالْأَصْل فِي الْبَاب قَوْله ﵇ من نَام عَن صَلَاة أَو نَسِيَهَا فليصلها إِذا ذكرهَا فَإِن ذَلِك وَقتهَا فالنبي ﵇ جعل وَقت الْفَائِتَة وَقت التَّذَكُّر فَكَانَ أَدَاء الوقتية فِيهِ قبل وقته فَلَا يجوز عملا بِظَاهِر الحَدِيث
ثمَّ التَّرْتِيب لَا يجب عِنْد النسْيَان وَلَا عِنْد ضيق الْوَقْت وَعند كَثْرَة الْفَوَائِت فِي قَول عَامَّة الْعلمَاء
وَقَالَ مَالك لَا يسْقط حَالَة النسْيَان وَلَا عِنْد ضيق الْوَقْت
وَقَالَ زفر لَا يسْقط عِنْد كَثْرَة الْفَوَائِت
стр. 215
هما يَقُولَانِ إِن الدَّلِيل الْمُوجب للتَّرْتِيب وَهُوَ الحَدِيث لَا يُوجب الْفَصْل بَين هَذِه الْأَحْوَال
وَلَكِن الصَّحِيح قَول الْعَامَّة لِأَن التَّرْتِيب إِنَّمَا وَجب بِخَبَر الْوَاحِد وَشرط وجوب الْعَمَل بِهِ أَن لَا يُؤَدِّي إِلَى نسخ حكم الْكتاب وَالسّنة الْمَشْهُورَة وَحكم الْكتاب وَالسّنة الْمَشْهُورَة أَن لَا يجوز ترك الوقتية عَن الْوَقْت وَفِي هَذِه الْأَحْوَال الثَّلَاث يُؤَدِّي إِلَى هَذَا فَيسْقط الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد
ثمَّ اخْتلف أَصْحَابنَا فِي أدنى حد الْفَائِت الْكثير قَالَ أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف إِذا كَانَ الْفَائِت سِتّ صلوَات وَدخل وَقت السَّابِعَة يسْقط التَّرْتِيب وَيجوز أَدَاء السَّابِعَة
وَقَالَ مُحَمَّد إِذا كَانَ الْفَوَائِت صَلَاة يَوْم وَلَيْلَة وَهُوَ خمس صلوَات وَدخل وَقت السَّادِسَة يسْقط التَّرْتِيب وَيجوز أَدَاء السَّادِسَة
وَلَو ترك صَلَاة ثمَّ صلى بعْدهَا خمس صلوَات وَهُوَ ذَاكر للفائتة فَإِن هَذِه الْخَمْسَة مَوْقُوفَة عِنْد أبي حنيفَة فَإِذا صلى السَّابِعَة تجوز السَّابِعَة بالِاتِّفَاقِ وتعود الْخَمْسَة إِلَى الْجَوَاز
وَفِي قَوْلهمَا عَلَيْهِ قَضَاء سِتّ صلوَات المؤديات الْخَمْسَة والفائتة وعَلى قِيَاس قَول مُحَمَّد يُعِيد خمس صلوَات
وَكَذَلِكَ إِذا ترك خمس صلوَات ثمَّ صلى السَّادِسَة فَهِيَ مَوْقُوفَة عِنْد أبي حنيفَة حَتَّى لَو صلى السَّابِعَة تنْقَلب السَّادِسَة إِلَى الْجَوَاز عِنْده وَعِنْدَهُمَا لَا تنْقَلب
وَكَذَلِكَ لَو ترك صَلَاة ثمَّ صلى شهرا وَهُوَ ذَاكر للفائتة على قَول أبي يُوسُف يُعِيد الْفَائِتَة وَخمْس صلوَات أخر وَعند مُحَمَّد يُعِيد الْفَائِتَة وَأَرْبع صلوَات أخر وَعند أبي حنيفَة يُعِيد الْفَائِتَة لَا غير وَهِي مَسْأَلَة مَعْرُوفَة
следующие страницы →