Полный текст (1 060 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
مُطلقًا أَو بِشَرْط الْقطع جَازَ
وَلَو بَاعَ بِشَرْط التّرْك لَا يجوز عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف
وَقَالَ مُحَمَّد إِن تناهى عظمها جَازَ وَإِن لم يتناه عظمها لَا يجوز لِأَن النَّاس تعاملوا ذَلِك من غير نَكِير
وَالصَّحِيح قَوْلهمَا لِأَن هَذَا شَرط فِيهِ مَنْفَعَة للْمُشْتَرِي وَالْعقد لَا يَقْتَضِيهِ والتعامل لم يكن بِشَرْط التّرْك وَلَكِن الْإِذْن مُعْتَاد بِلَا شَرط فِي العقد
وَلَو اشْترى مُطلقًا وَتركهَا على النّخل من غير شَرط التّرْك وَلم يتناه عظمها فَإِن كَانَ ذَلِك بِإِذن البَائِع جَازَ وَطلب لَهُ الْفضل
وَإِن ترك بِغَيْر إِذن البَائِع تصدق بِمَا زَاد على مَا كَانَ عِنْد العقد لِأَنَّهُ حصل من وَجه بِسَبَب مَحْظُور
وَإِن أخرج النّخل وَالشَّجر فِي مُدَّة التّرْك ثَمَرَة أُخْرَى فَذَلِك كُله للْبَائِع سَوَاء كَانَ التّرْك بِإِذْنِهِ أَو بِغَيْر إِذْنه
وَإِن جللها مِنْهُ البَائِع جَازَ لِأَن هَذَا الْحَادِث لم يَقع عَلَيْهِ العقد وَإِنَّمَا هُوَ نَمَاء ملك البَائِع فَيكون لَهُ فَإِن اخْتَلَط الْحَادِث بالموجود وَقت العقد بِحَيْثُ لَا يُمكن التَّمْيِيز بَينهمَا فَإِن كَانَ قبل أَن يخلي البَائِع بَين المُشْتَرِي وَالثِّمَار فسد البيع لِأَن الْمَبِيع صَار مَجْهُولا بِحَيْثُ يتَعَذَّر تَسْلِيمه حَال وجوب التَّسْلِيم وَالْعجز عَن التَّسْلِيم مُفسد للْبيع وَإِن كَانَ ذَلِك بعد التَّخْلِيَة لم يفْسد البيع وَكَانَت الثَّمَرَة بَينهمَا وَالْقَوْل فِي الزِّيَادَة قَول المُشْتَرِي لِأَن البيع قد تمّ بعد الْقَبْض
فَأَما إِذا اشْترى ثَمَرَة قد تناهى عظمها وَتركهَا على الشَّجَرَة بِغَيْر إِذن البَائِع لم يتَصَدَّق بِشَيْء لِأَنَّهَا لَا تزيد بعد التناهي بل تنقص فَلم يحصل لَهَا زِيَادَة بِسَبَب مَحْظُور
стр. 457
فَأَما فِي الزَّرْع فالنماء يكون للْمُشْتَرِي طيبا وَإِن تَركه بِغَيْر إِذْنه لِأَنَّهُ نَمَاء ملك المُشْتَرِي لِأَن السَّاق ملكه حَتَّى يكون التِّبْن لَهُ بِخِلَاف الشَّجَرَة
وَأما الزروع الَّتِي يُوجد بَعْضهَا بعد وجود بعض كالباذنجان والبطيخ والكراث وَنَحْوهَا فقد قَالَ أَصْحَابنَا يجوز بيع مَا ظهر مِنْهَا من الْخَارِج الأول وَلَا يجوز بيع مَا لم يظْهر لِأَنَّهُ بيع مَعْدُوم
وَقَالَ مَالك إِذا ظهر الْخَارِج الأول جَازَ بيع الْكل لأجل الضَّرُورَة إِلَّا أَنا نقُول لَا ضَرُورَة فَإِنَّهُ يُمكنهُ بيع الأَصْل بِمَا فِيهِ من الثَّمر فَيصير الأَصْل ملكا لَهُ فَبعد ذَلِك مَا تولد من الأَصْل يحدث على ملكه
وَمِنْهَا أَن يَشْتَرِي شَيْئا بِثمن مَعْلُوم ثمَّ يَبِيعهُ من البَائِع بِأَقَلّ مِمَّا بَاعه قبل نقد الثّمن
فَإِن بَاعه بِجِنْس الثّمن الأول بِأَن اشْتَرَاهُ بِأَلف دِرْهَم ثمَّ بَاعه مِنْهُ بِخَمْسِمِائَة دِرْهَم قبل نقد الثّمن فَهُوَ فَاسد عندنَا
وَعند الشَّافِعِي صَحِيح
وَإِن كَانَ بِخِلَاف جنس الثّمن الأول جَازَ
وَالْأَصْل فِي ذَلِك حَدِيث عَائِشَة ﵂ فِي قصَّة زيد بن أَرقم وَهُوَ مَعْرُوف
стр. 458
ثمَّ مَا ذكرنَا من الشُّرُوط الَّتِي إِذا أدخلها فِي نفس العقد يكون مُفْسِدا للْعقد إِذا اعترضت على العقد الصَّحِيح هَل يفْسد العقد عِنْد أبي حنيفَة يفْسد ويلتحق بِأَصْل العقد بِمَنْزِلَة اشْتِرَاط الْخِيَار فِي العقد البات وَالزِّيَادَة والحط فِي الثّمن وَعِنْدَهُمَا لَا يلْتَحق وَيبْطل الشَّرْط وَالْمَسْأَلَة مَعْرُوفَة
وَأما حكم البيع الْفَاسِد فَنَقُول هَذَا على وَجْهَيْن إِن كَانَ الْفساد من قبل الْمَبِيع بِأَن كَانَ محرما نَحْو الْخمر وَالْخِنْزِير وصيد الْحرم وَالْإِحْرَام فَالْبيع بَاطِل لَا يُفِيد الْملك أصلا وَإِن قبض لِأَنَّهُ لَا يثبت الْملك فِي الْخمر وَالْخِنْزِير للْمُسلمِ بِالْبيعِ وَالْبيع لَا ينْعَقد بِلَا مَبِيع
وَكَذَلِكَ إِذا بَاعَ الْميتَة وَالدَّم وكل مَا لَيْسَ بِمَال مُتَقَوّم
وَكَذَلِكَ إِذا بَاعَ الْمُدبر وَأم الْوَلَد وَالْمكَاتب والمستسعي وَنَحْو ذَلِك
وَكَذَلِكَ الصَّيْد الَّذِي ذبحه الْمحرم أَو صيد الْحرم إِذا ذبح فَإِنَّهُ يكون ميتَة فَلَا يجوز بَيْعه
وَإِن كَانَ الْفساد يرجع لثمن فَإِن ذكر مَا هُوَ مَال فِي الْجُمْلَة شرعا أَو مَا هُوَ مَرْغُوب عِنْد النَّاس لَا يُوجد مجَّانا بِغَيْر شَيْء كَمَا إِذا بَاعَ بِالْخمرِ وَالْخِنْزِير وصيد الْحرم وَالْإِحْرَام فَإِن البيع ينْعَقد بِقِيمَة الْمَبِيع ويفيد الْملك فِي الْمَبِيع بِالْقَبْضِ لِأَن ذكر الثّمن المرغوب دَلِيل على أَن غرضهما البيع فَينْعَقد بيعا بِقِيمَة الْمَبِيع
стр. 459
وَكَذَلِكَ إِذا جعلا الثّمن مُدبرا أَو مكَاتبا أَو أم ولد لِأَنَّهُ مَرْغُوب فِيهِ
وَإِذا جعلا الْميتَة وَالدَّم ثمنا فقد اخْتلف الْمَشَايِخ
وَكَذَلِكَ لَو بَاعه بِمَا يرْعَى بِهِ إبِله فِي أرضه من الْكلأ أَو بِمَا يشرب دَابَّته من مَاء بئره لِأَنَّهُ ذكر شَيْئا مرغوبا فِيهِ
وَكَذَلِكَ إِذا كَانَ الْفساد بِإِدْخَال شَرط فَاسد أَو بِاعْتِبَار الْجَهَالَة وَنَحْو ذَلِك
وَإِن ذكر الْمَبِيع وَالثمن فَهُوَ على هَذَا يُفِيد الْملك بِالْقيمَةِ عِنْد الْقَبْض
وَهَذَا كُله عندنَا
وَعند الشَّافِعِي البيع فَاسد لَا يُفِيد الْملك أصلا وَالْمَسْأَلَة مَعْرُوفَة
وعَلى هَذَا لَو قَالَ بِعْت مِنْك هَذَا العَبْد وَلم يذكر الثّمن ينْعَقد البيع بِالْقيمَةِ وَلَو قَالَ بِعْت مِنْك هَذَا العَبْد بِقِيمَتِه فَكَذَلِك
ثمَّ فِي البيع الْفَاسِد إِنَّمَا يملك بِالْقَبْضِ إِذا كَانَ بِإِذن البَائِع فَأَما إِذا كَانَ بِغَيْر إِذْنه فَهُوَ كَمَا لَو لم يقبض هَذَا هُوَ الْمَشْهُور من الرِّوَايَات عَن أَصْحَابنَا
وَذكر مُحَمَّد فِي الزِّيَادَات إِذا قَبضه بِحَضْرَة البَائِع فَلم يَنْهَهُ وَسكت إِنَّه يكون قبضا وَيصير ملكا لَهُ وَلم يحك خلافًا
وَقد قَالَ أَصْحَابنَا فِيمَن وهب هبة وَالْقِيَاس أَن لَا يملكهَا الْمَوْهُوب لَهُ حَتَّى يقبضهَا بِإِذن الْوَاهِب أَو بتسليمها إِلَيْهِ
إِلَّا أَنهم استحسنوا وَقَالُوا إِذا قبضهَا فِي مجْلِس العقد بِحَضْرَة الْوَاهِب وَلم يَنْهَهُ وَسكت
стр. 460
جَازَت ويفيد الْملك وَإِذا قبض بعد الِافْتِرَاق عَن الْمجْلس بِحَضْرَتِهِ لَا يَصح الْقَبْض وَإِن سكت لِأَن الْملك من الْمَوْهُوب إِنَّمَا يَقع بِالْعقدِ وَالْقَبْض فَيكون الْإِقْدَام على إِيجَاب الْهِبَة إِذْنا بِالْقَبْضِ كَمَا يكون إِذْنا بِالْقبُولِ وَبعد الِافْتِرَاق عَن الْمجْلس لَا يكون إِذْنا بِالْقبُولِ وَكَذَلِكَ لَا يكون إِذْنا بِالْقَبْضِ فعلى هَذَا يجب أَن يكون فِي البيع الْفَاسِد فِي مجْلِس العقد يكون إِذْنا بِالْقَبْضِ وَبعد الِافْتِرَاق لَا يكون إِذْنا
ثمَّ المُشْتَرِي شِرَاء فَاسِدا هَل يملك التَّصَرُّف فِي الْمُشْتَرى وَهل يكره ذَلِك فَنَقُول لَا شكّ أَنه قبل الْقَبْض لَا يملك تَصرفا مَا لعدم الْملك فَأَما بعد الْقَبْض فَيملك التَّصَرُّفَات المزيلة للْملك من كل وَجه أَو من وَجه نَحْو الْإِعْتَاق وَالْبيع وَالْهِبَة وَالتَّسْلِيم وَالتَّدْبِير وَالِاسْتِيلَاد وَالْكِتَابَة لِأَن هَذِه التَّصَرُّفَات تزيل حق الِانْتِفَاع بالحرام
وَلَكِن هَل يُبَاح لَهُ التَّصَرُّفَات الَّتِي فِيهَا انْتِفَاع بِالْمَبِيعِ مَعَ قيام الْملك اخْتلف الْمَشَايِخ
قَالَ بَعضهم لَا يُبَاح الِانْتِفَاع بِهِ حَتَّى لَا يُبَاح لَهُ الْوَطْء إِن كَانَت جَارِيَة وَلَا الْأكل إِن كَانَ طَعَاما وَلَا الِانْتِفَاع بِهِ إِن كَانَ دَارا أَو دَابَّة أَو ثوبا
وَبَعض مَشَايِخنَا قَالُوا لَا يُبَاح لَهُ الْوَطْء لَا غير وَيُبَاح لَهُ سَائِر أَنْوَاع الانتفاعات
فالأولون قَالُوا إِن هَذَا ملك خَبِيث فَلَا يظْهر الْملك فِي حق حل الْوَطْء وَالِانْتِفَاع احْتِيَاطًا
وَالْآخرُونَ قَالُوا إِن الْمَالِك سلطه على التَّصَرُّف وأباح لَهُ التَّصَرُّف فَكل تصرف يُبَاح بِالْإِذْنِ يُبَاح بِهَذَا البيع وَالْوَطْء لَا يُبَاح بِإِذن المَال فَلَا يُبَاح بالتسليط بِخِلَاف سَائِر الانتفاعات
стр. 461
وَأما الْكَرَاهَة فَنَقُول ذكر الْكَرْخِي وَقَالَ يكره التَّصَرُّفَات كلهَا لِأَنَّهُ يجب عَلَيْهِ الْفَسْخ لحق الشَّرْع وَفِي هَذِه التَّصَرُّفَات إبِْطَال حق الْفَسْخ أَو تَأْخِيره فَيكْرَه
وَقَالَ بعض مَشَايِخنَا لَا يكره التَّصَرُّفَات المزيلة للْملك لِأَنَّهُ يَزُول الْفساد بِسَبَبِهَا
فَأَما التَّصَرُّفَات الَّتِي توجب تَقْرِير الْملك الْفَاسِد فَإِنَّهُ يكره
وَالصَّحِيح هُوَ الأول
ثمَّ المُشْتَرِي شِرَاء فَاسِدا إِذا تصرف فِي المُشْتَرِي بعض الْقَبْض فَإِن كَانَ تَصرفا مزيلا للْملك من كل وَجه كالإعتاق وَالْبيع وَالْهِبَة فَإِنَّهُ يجوز وَلَا يفْسخ لِأَن الْفساد قد زَالَ بِزَوَال الْملك
وَإِن كَانَ تَصرفا مزيلا للْملك من وَجه أَو لَا يكون مزيلا للْملك فَإِن كَانَ تَصرفا لَا يحْتَمل الْفَسْخ كالتدبير وَالِاسْتِيلَاد وَالْكِتَابَة فَإِنَّهُ يبطل حق الْفَسْخ
إِن كَانَ يحْتَمل الْفَسْخ إِن كَانَ يفْسخ بالعذر كَالْإِجَارَةِ فَإِنَّهُ يفْسخ الْإِجَارَة ثمَّ يفْسخ البيع بِسَبَب الْفساد وَيجْعَل حق الْفَسْخ بِسَبَب الْفساد عذرا فِي فسخ الْإِجَارَة
وَلَو زَوجهَا من إِنْسَان بعد الْقَبْض فَإِن النِّكَاح لَا يمْنَع الْفَسْخ وَالنِّكَاح بِحَالهِ لِأَنَّهُ زَوجهَا وَهِي مَمْلُوكَة لَهُ فصح نِكَاحهَا وَالنِّكَاح مِمَّا لَا يحْتَمل الْفَسْخ فَبَقيَ النِّكَاح
وَلَو أوصى بِالْعَبدِ الْمَبِيع بيعا فَاسِدا فَإِنَّهُ يفْسخ لِأَن الْوَصِيَّة مِمَّا يحْتَمل الرُّجُوع
стр. 462
وَلَو مَاتَ الْمُوصي قبل الْفَسْخ سقط الْفَسْخ لِأَن الْملك انْتقل إِلَى الْمُوصى لَهُ فَصَارَ كَالْبيع
وَلَو مَاتَ المُشْتَرِي شِرَاء فَاسِدا فورثه الْوَرَثَة فَللْبَائِع حق الْفَسْخ وَكَذَلِكَ للْوَرَثَة لِأَن الْوَارِث يقوم مقَام الْمَيِّت فِي حق الْفَسْخ وَلِهَذَا يرد بِالْعَيْبِ وَيرد عَلَيْهِ بِخِلَاف الْمُوصى لَهُ
وَلَو حصل فِي الْمَبِيع بيعا فَاسِدا زِيَادَة مُنْفَصِلَة كَالْوَلَدِ وَالثَّمَر وَاللَّبن أَو الْأَرْش بِسَبَب تَفْوِيت بعضه فَإِنَّهُ لَا يمْنَع الْفَسْخ بل للْبَائِع أَن يَأْخُذ الْمَبِيع مَعَ الزَّوَائِد وَيفْسخ البيع لِأَن قبض المُشْتَرِي شِرَاء فَاسِدا بِمَنْزِلَة قبض الْغَصْب
ثمَّ إِذا أَخذ الْوَلَد فَإِن كَانَت الْولادَة نقصت الْجَارِيَة نظر فِي قيمَة الْوَلَد فَإِن كَانَ فِيهِ وَفَاء بِالنُّقْصَانِ فَلَا شَيْء على المُشْتَرِي وَإِن لم يكن فِيهِ وَفَاء غرم تَمام النُّقْصَان
وَإِن وطىء المُشْتَرِي الْمَبِيعَة بيعا فَاسِدا فَهَذَا على وَجْهَيْن إِن لم يعلقها فَللْبَائِع أَن يسْتَردّ الْجَارِيَة وَيضمن المُشْتَرِي عقرهَا للْبَائِع بِاتِّفَاق الرِّوَايَات بِخِلَاف الْجَارِيَة الْمَوْهُوبَة إِذا وَطئهَا الْمَوْهُوب لَهُ ثمَّ رَجَعَ الْوَاهِب فَإِنَّهُ لَا يضمن للْوَاهِب عقرهَا لِأَنَّهُ وطىء ملك نَفسه ملكا مُطلقًا فِي حق حل الْوَطْء وَغَيره وبالرجوع لم يظْهر أَن الْملك لم يكن أما فِي البيع الْفَاسِد فَلم يظْهر الْملك فِي حق حل الْوَطْء لَكِن لم يحد للشهبة فَيجب الْعقر
وَإِن أعلقها وَادّعى الْوَلَد يثبت نسب الْوَلَد مِنْهُ وَتصير الْجَارِيَة أم ولد لَهُ وَللْبَائِع أَن يضمن المُشْتَرِي قيمَة الْجَارِيَة وَيبْطل حَقه فِي الْجَارِيَة
وَإِذا وَجَبت الْقيمَة هَل يجب الْعقر ذكر فِي كتاب الْبيُوع وَقَالَ لَا عقر عَلَيْهِ
стр. 463
وَذكر فِي كتاب الشّرْب وَقَالَ عَلَيْهِ الْعقر
وَلَو أحدث المُشْتَرِي فِي الْمَبِيع بيعا فَاسِدا صنعا لَو فعله الْغَاصِب فِي الْمَغْصُوب يصير ملكا لَهُ بِالْقيمَةِ كَمَا إِذا طحن الْحِنْطَة أَو خاط الثَّوْب قَمِيصًا وَنَحْو ذَلِك يَنْقَطِع حق البَائِع فِي الْفَسْخ وَيلْزمهُ قِيمَته يَوْم الْقَبْض كَمَا فِي الْغَصْب
وَكَذَلِكَ لَو كَانَ الْمَبِيع ساجة فَأدْخلهَا فِي بنائِهِ
وَإِن كَانَ الْمَبِيع أَرضًا فَبنى فِيهَا المُشْتَرِي فَلَيْسَ للْبَائِع أَن ينْقض البيع عِنْد أبي حنيفَة ﵁
وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد رحمهمَا الله للْبَائِع أَن ينْقض كَمَا فِي الْغَصْب فَإِن الْغَاصِب إِذا بنى على الأَرْض الْمَغْصُوبَة لَا يَنْقَطِع حق الْمَالِك فَكَذَا هَذَا
وَأَبُو حنيفَة يَقُول إِن الْمَبِيع صَار ملكا لَهُ وَفِي النَّقْض ضَرَر كثير فَلَا ينْقض بِخِلَاف الْغَاصِب
стр. 464
بَاب خِيَار الشَّرْط
الْكَلَام فِي خِيَار الشَّرْط فِي مَوَاضِع أَحدهَا فِي بَيَان شَرط الْخِيَار الْمُفْسد وَالَّذِي لَيْسَ بمفسد وَالثَّانِي فِي بَيَان مِقْدَار مُدَّة الْخِيَار
وَالثَّالِث فِي بَيَان مَا يسْقط الْخِيَار وَالرَّابِع فِي بَيَان عمل الْخِيَار وَحكمه وَالْخَامِس فِي بَيَان كَيْفيَّة الْفَسْخ وَالْإِجَازَة
أما الأول فَنَقُول إِن الْخِيَار الْمُفْسد ثَلَاثَة أَنْوَاع بِأَن ذكر الْخِيَار مُؤَبَّدًا بِأَن قَالَ بِعْت أَو اشْتريت على أَنِّي بِالْخِيَارِ أبدا أَو ذكر الْخِيَار مُطلقًا وَلم يبين وقتا أصلا بِأَن قَالَ على أَنِّي بِالْخِيَارِ أَو ذكر وقتا مَجْهُولا بِأَن قَالَ على أَنِّي بِالْخِيَارِ أَيَّامًا وَلم يبين وقتا مَعْلُوما
وَالْجَوَاب فِي هَذِه الْفُصُول الثَّلَاثَة أَن البيع فَاسد
وَأما الْخِيَار الْمَشْرُوع فنوع وَاحِد وَهُوَ أَن يذكر وقتا مَعْلُوما وَلم يُجَاوز عَن الثَّلَاثَة بِأَن قَالَ على أَنِّي بِالْخِيَارِ يَوْمًا أَو يَوْمَيْنِ أَو ثَلَاثَة أَيَّام
وَهَذَا قَول عَامَّة الْعلمَاء سَوَاء كَانَ الْخِيَار للْبَائِع أَو للْمُشْتَرِي
стр. 465
وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ وَابْن شبْرمَة إِن كَانَ الْخِيَار للْمُشْتَرِي يجوز وَإِلَّا فَلَا
وأصل هَذَا أَن اشْتِرَاط الْخِيَار كَيْفَمَا كَانَ شَرط يُنَافِي مُوجب العقد وَهُوَ ثُبُوت الْملك عِنْد العقد وَإِنَّمَا عرفنَا جَوَازه بِحَدِيث حبَان بن منقذ بِخِلَاف الْقيَاس والْحَدِيث ورد بِالْخِيَارِ فِي مُدَّة مَعْلُومَة وَهِي ثَلَاثَة أَيَّام فَبَقيَ مَا وَرَاء ذَلِك على أصل الْقيَاس إِلَّا إِذا كَانَ ذَلِك فِي مَعْنَاهُ
وَأما إِذا شَرط الْخِيَار أَرْبَعَة أَيَّام أَو شهرا فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَزفر رحمهمَا الله بِأَن البيع فَاسد وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَالشَّافِعِيّ ﵏ بِأَنَّهُ جَائِز
وَالصَّحِيح مَا قَالَه أَبُو حنيفَة لما قُلْنَا إِنَّه شَرط مُخَالف لمقْتَضى العقد وَالشَّرْع ورد فِي ثَلَاثَة أَيَّام فَبَقيَ مَا زَاد عَلَيْهَا على أصل الْقيَاس
وَأما بَيَان مَا يسْقط الْخِيَار فَنَقُول إِن الْخِيَار بعد ثُبُوته يسْقط بمعان ثَلَاثَة إِمَّا بالإسقاط صَرِيحًا أَو بالإسقاط بطرِيق الدّلَالَة أَو بطرِيق الضَّرُورَة
أما بالإسقاط صَرِيحًا فبأن يَقُول أسقطت الْخِيَار أَو أبطلته أَو أجزت البيع أَو رضيت بِهِ فَيبْطل الْخِيَار لِأَن الْخِيَار شرع للْفَسْخ فَإِذا سقط يبطل الْخِيَار وَالْأَصْل هُوَ لُزُوم العقد ونفاذه فَإِذا بَطل عَاد الأَصْل
وَكَذَلِكَ إِذا قَالَ فسخت العقد
أَو نقضته أَو أبطلته يسْقط
стр. 466
الْخِيَار لِأَن الْخِيَار هُوَ التَّخْيِير بَين الْفَسْخ وَالْإِجَازَة فَأَيّهمَا وجد سقط
وَأما الْإِسْقَاط بطرِيق الدّلَالَة فَهُوَ أَن يُوجد مِمَّن لَهُ الْخِيَار تصرف يدل على إبْقَاء الْملك وإثباته فالإقدام عَلَيْهِ يبطل خِيَاره تَحْقِيقا لغرضه
إِذا ثَبت هَذَا فَنَقُول إِذا كَانَ الْخِيَار للْمُشْتَرِي وَالْمَبِيع فِي يَده فعرضه على البيع يبطل خِيَاره لِأَن عرض المُشْتَرِي الْمَبِيع على البيع لاختياره الثّمن وَلَا يصير الثّمن ملكا لَهُ إِلَّا بعد ثُبُوت الْملك فِي الْمُبدل فَيصير مُخْتَارًا للْملك وَلَا يكون ذَلِك إِلَّا بِإِبْطَال الْخِيَار فَيبْطل بطرِيق الدّلَالَة
وَأما الْخِيَار إِذا كَانَ للْبَائِع فعرضه على البيع فَلم يذكر فِي ظَاهر الرِّوَايَة وَعَن أبي حنيفَة رِوَايَتَانِ
وَالأَصَح أَنه يكون إِسْقَاطًا لخياره لِأَنَّهُ دَلِيل إبْقَاء الْملك لِأَنَّهُ لَا يصل إِلَى الثّمن من غَيره إِلَّا بالتمليك مِنْهُ وَذَلِكَ لَا يكون إِلَّا بِإِسْقَاط الْخِيَار وَفسخ العقد الأول
وَلَو أَن المُشْتَرِي إِذا كَانَ لَهُ الْخِيَار فِي عبد فَبَاعَهُ أَو أعْتقهُ أَو دبره أَو كَاتبه أَو رَهنه أَو وهبه سلم أَو لم يسلم أَو آجره فَإِن هَذَا كُله مِنْهُ اخْتِيَار للإجازة لِأَن نَفاذ هَذِه التَّصَرُّفَات مُخْتَصَّة بِالْملكِ فَيكون الْإِقْدَام عَلَيْهَا دَلِيل قصد إبْقَاء الْملك وَذَلِكَ بِالْإِجَازَةِ
وَلَو وجدت هَذِه التَّصَرُّفَات من البَائِع الَّذِي لَهُ الْخِيَار يسْقط خِيَاره أَيْضا لِأَنَّهُ لَا يَصح هَذِه التَّصَرُّفَات إِلَّا بعد نقض التَّصَرُّف الأول إِلَّا أَن الْهِبَة وَالرَّهْن لَا يسْقط الْخِيَار إِلَّا بعد التَّسْلِيم بِخِلَاف مَا إِذا كَانَ الْخِيَار للْمُشْتَرِي وَوجد مِنْهُ الرَّهْن وَالْهِبَة بِلَا تَسْلِيم لِأَن الْهِبَة وَالرَّهْن بِلَا تَسْلِيم لَا يكون دون الْعرض على البيع وَذَلِكَ يسْقط خِيَار المُشْتَرِي دون البَائِع فِي رِوَايَة فَكَذَلِك هَذَا
стр. 467
وَأما الْإِجَازَة فَذكر فِي الْبيُوع الأَصْل أَنه يكون اخْتِيَارا من البَائِع وَالْمُشْتَرِي من غير شَرط الْقَبْض
وَذكر فِي بعض الرِّوَايَات وَشرط قبض الْمُسْتَأْجر
وَالأَصَح أَنه لَا يشْتَرط لِأَن الْإِجَارَة عقد لَازم بِخِلَاف الْهِبَة وَالرَّهْن قبل الْقَبْض فَإِنَّهُ غير لَازم
وَلَو كَانَ الْمَبِيع جَارِيَة فَوَطِئَهَا البَائِع أَو المُشْتَرِي إِذا كَانَ لَهُ الْخِيَار يسْقط الْخِيَار أما فِي البَائِع فَلِأَنَّهُ وَإِن كَانَ الْملك قَائِما للْحَال وَلَكِن لَو لم يسْقط الْخِيَار بِالْوَطْءِ فَإِذا أجَاز تبين أَنه وطىء جَارِيَة الْغَيْر من وَجه لِأَنَّهُ يثبت الْملك للْمُشْتَرِي بطرِيق الْإِسْنَاد وَأما فِي المُشْتَرِي فَلهَذَا الْمَعْنى أَيْضا ولمعنى آخر عِنْد أبي حنيفَة خَاصَّة لِأَن الْجَارِيَة الْمَبِيعَة لَا تدخل فِي ملك المُشْتَرِي إِذا كَانَ الْخِيَار لَهُ وَالْوَطْء لَا يحل بِدُونِ الْملك فالإقدام على الْوَطْء دَلِيل اخْتِيَار الْملك
وَلَو لمسها المُشْتَرِي لشَهْوَة وَله الْخِيَار سقط لِأَنَّهُ لَا يحل بِدُونِ الْملك
وَإِن لمس لَا عَن شَهْوَة لَا يسْقط لِأَنَّهُ يحْتَاج إِلَى ذَلِك فِي الْجُمْلَة للاختبار لتعرف لينها وخشونتها
وَلَو نظر إِلَى فرجهَا لشَهْوَة سقط لما قُلْنَا
وَلَو نظر بِغَيْر شَهْوَة لَا يسْقط لِأَن النّظر إِلَى الْفرج لَا عَن شَهْوَة قد يُبَاح عِنْد الْحَاجة والضرورة كَمَا فِي حق الْقَابِلَة والطبيب وَللْمُشْتَرِي حَاجَة فِي الْجُمْلَة
وَلَو نظر إِلَى سَائِر أعضائها عَن شَهْوَة لَا يسْقط لِأَنَّهُ يحْتَاج إِلَيْهِ للامتحان فِي الْجُمْلَة
стр. 468
وَكَذَلِكَ الْجَواب فِي حق البَائِع فِي اللَّمْس عَن شَهْوَة النّظر إِلَى فرجهَا عَن شَهْوَة فَأَما النّظر إِلَى فرجهَا لَا عَن شَهْوَة أَو النّظر إِلَى سَائِر أعضائها لَا عَن شَهْوَة أَو لمس سَائِر أعضائها لَا عَن شَهْوَة فَإِنَّهُ يجب أَن يسْقط بِهِ الْخِيَار بِخِلَاف المُشْتَرِي لِأَن ثمَّ فِي الْجُمْلَة لَهُ حَاجَة إِلَى ذَلِك وَلَا حَاجَة فِي حق البَائِع وَهَذِه التَّصَرُّفَات حرَام من غير ملك
وَلَو نظرت الْجَارِيَة الْمُشْتَرَاة إِلَى فرج المُشْتَرِي لشَهْوَة أَو لمسته فَإِن فعلت ذَلِك بتمكين المُشْتَرِي بِأَن علم المُشْتَرِي ذَلِك مِنْهَا فَتَركهَا حَتَّى فعلت يسْقط خِيَاره
فَأَما إِذا اختلست اختلاسا فلمست من غير تَمْكِين المُشْتَرِي بذلك فَقَالَ أَبُو يُوسُف يسْقط خِيَاره وَقَالَ مُحَمَّد لَا يسْقط وَقَول أبي حنيفَة مثل قَول أبي يُوسُف ذكره بشر بن الْوَلِيد أَنه يثبت الرّجْعَة بهَا فِي قَول أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف وَلَا يثبت فِي قَول مُحَمَّد
وَأَجْمعُوا أَنَّهَا لَو أدخلت فرج الرجل فِي فرجهَا وَالزَّوْج نَائِم فَإِنَّهُ يسْقط الْخِيَار وَتثبت الرّجْعَة
وَالصَّحِيح قَوْلهمَا لِأَن الْخِيَار لَو لم يسْقط رُبمَا يفْسخ الشِّرَاء فيتبين أَن اللَّمْس وجد من غير ملك وَمَسّ الْعَوْرَة بِلَا ملك حرَام فَيسْقط صِيَانة عَن مُبَاشرَة الْحَرَام وَكَذَلِكَ فِي الرّجْعَة لهَذَا الْمَعْنى
وَأما الِاسْتِخْدَام مِنْهَا فَلَا يَجْعَل اخْتِيَارا لِأَنَّهُ تصرف لَا يخْتَص بِالْملكِ فَإِنَّهُ يُبَاح بِإِذن الْمَالِك
ثمَّ إِنَّمَا يعرف الشَّهْوَة من غير الشَّهْوَة بِإِقْرَار الواطىء والمتصرف وَفِي الْجَارِيَة المختلسة بِإِقْرَار المُشْتَرِي
وَأما الْأَجْنَبِيّ إِذا وطىء الْجَارِيَة الْمَبِيعَة فَإِن كَانَت فِي يَد المُشْتَرِي وَالْخيَار لَهُ سقط الْخِيَار لِأَنَّهُ إِن كَانَ عَن شُبْهَة يجب الْعقر وَإنَّهُ
стр. 469
زِيَادَة مُنْفَصِلَة حدثت بعد الْقَبْض فتمنع الرَّد
وَإِن كَانَ زنا فَهُوَ عيب فِي الْجوَار وحدوث الْعَيْب فِي يَد المُشْتَرِي يسْقط خِيَاره فَكَذَلِك إِذا ولدت الْجَارِيَة فِي يَد المُشْتَرِي يسْقط خِيَاره لِأَنَّهُ لَو كَانَ الْوَلَد حَيا وَفِيه وَفَاء بِنُقْصَان الْولادَة فينجبر لَكِن الْوَلَد زِيَادَة مُنْفَصِلَة فَيمْنَع الْفَسْخ وَيسْقط الْخِيَار وَإِن مَاتَ الْوَلَد فالنقصان قَائِم لم ينجبر وحدوث النُّقْصَان عِنْد المُشْتَرِي يمْنَع الرَّد
وَإِن كَانَ فِي يَد البَائِع وَالْخيَار لَهُ لَا يسْقط الْخِيَار فِي وَطْء الْأَجْنَبِيّ لِأَن الزِّنَا لَا يُوجب نقصا فِي عين الْجَارِيَة وَلَكِن للْمُشْتَرِي حق بِسَبَب الْعَيْب وَإِن كَانَ الْوَطْء عَن شُبْهَة والعقر زِيَادَة مُنْفَصِلَة قبل الْقَبْض فَلَا يمْنَع الْفَسْخ وَفِي فصل الْوَلَد إِن كَانَ حَيا ينجبر النُّقْصَان وَإنَّهُ زِيَادَة قبل الْقَبْض فَلَا يمْنَع الْفَسْخ لَكِن ثَبت الْخِيَار للْمُشْتَرِي بِسَبَب الْعَيْب لِأَن صُورَة النُّقْصَان قَائِمَة وَإِن انجبر معنى
وَإِن مَاتَ الْوَلَد فالنقصان قَائِم وَلَكِن لم يفت شَيْء من الْمَعْقُود عَلَيْهِ حَتَّى يَنْفَسِخ العقد فِيهِ فتتفرق الصَّفْقَة على المُشْتَرِي فَيسْقط الْخِيَار وَلَكِن للْمُشْتَرِي حق الْفَسْخ بِسَبَب الْعَيْب وَهُوَ نُقْصَان الْولادَة
وَكَذَلِكَ المُشْتَرِي لَو أسكن الدَّار الْمَبِيعَة رجلا بِأَجْر أَو بِغَيْر أجر أَو رم شَيْئا مِنْهَا بالتطيين والتجصيص أَو أحدث فِيهَا بِنَاء أَو هدم شَيْئا مِنْهَا فَإِنَّهُ يسْقط الْخِيَار لِأَن هَذِه التَّصَرُّفَات دَلِيل اخْتِيَار الْملك وَلَو سقط حَائِط مِنْهَا بِغَيْر صنع أحد يسْقط الْخِيَار لِأَنَّهُ نقص فِي الْمَعْقُود عَلَيْهِ
وَلَو كَانَ الْمَبِيع أَرضًا فِيهَا زروع وثمار قد دخلت تَحت البيع بِالشّرطِ فَسَقَاهُ أَو حصده أَو قصل مِنْهُ شَيْئا لدوابه أَو جد شَيْئا من
стр. 470
الثِّمَار فَهَذَا إجَازَة مِنْهُ لما ذكرنَا
وَلَو ركب المُشْتَرِي الدَّابَّة ليسقيها أَو ليردها على البَائِع فَالْقِيَاس أَن يكون إجَازَة لما ذكرنَا
وَفِي الِاسْتِحْسَان لَا يسْقط الْخِيَار لِأَن الدَّابَّة قد لَا يُمكن تسييرها إِلَّا بالركوب
وَلَو ركبهَا لينْظر إِلَى سَيرهَا وقوتها فَهُوَ على الْخِيَار
وَكَذَا لَو لبس الثَّوْب لينْظر إِلَى طوله وَعرضه لِأَنَّهُ يحْتَاج إِلَيْهِ للامتحان
وَلَو ركبهَا مرّة أُخْرَى لمعْرِفَة الْعَدو أَو ركبهَا لمعْرِفَة شَيْء آخر بِأَن ركب مرّة لمعْرِفَة أَنَّهَا هملاج ثمَّ ركب ثَانِيًا لمعْرِفَة الْعَدو لَا يسْقط خِيَاره لِأَنَّهُ يحْتَاج إِلَيْهِ أَيْضا
وَإِن ركبهَا لمعْرِفَة السّير الأول مرّة أُخْرَى ذكر فِي ظَاهر الرِّوَايَات أَنه يسْقط الْخِيَار
وَفِي الثَّوْب إِذا لبس ثَانِيًا لمعْرِفَة الطول وَالْعرض يسْقط الْخِيَار
وَفِي اسْتِخْدَام الرَّقِيق إِذا استخدم مرّة ثمَّ استخدم ثَانِيًا لنَوْع آخر لَا يسْقط الْخِيَار
وَبَعض مَشَايِخنَا قَالُوا فِي الِاسْتِخْدَام وَالرُّكُوب لَا يبطل الْخِيَار بالمرة الثَّانِيَة وَإِن كَانَ من نوع وَاحِد لِأَن الِاخْتِيَار لَا يحصل بِالْفِعْلِ مرّة لاحْتِمَال أَن ذَلِك وَقع اتِّفَاقًا وَإِنَّمَا الْحَاجة إِلَى معرفَة ذَلِك عَادَة لَهَا وَذَلِكَ لَا يحصل إِلَّا بالمرة الثَّانِيَة لِأَن الْعَادة مُشْتَقَّة من الْعود بِخِلَاف الثَّوْب فَإِن الْغَرَض يحصل بالمرة الْوَاحِدَة
стр. 471
وَأما سُقُوط الْخِيَار بطرِيق الضَّرُورَة فأنواع مِنْهَا إِذا مَضَت الْمدَّة لِأَن الْخِيَار مُؤَقّت بهَا فينتهي الْخِيَار ضَرُورَة فَيبقى العقد بِلَا خِيَار فَيلْزم العقد
وَمِنْهَا إِذا مَاتَ الْمَشْرُوط لَهُ الْخِيَار فَإِنَّهُ يسْقط الْخِيَار وَلَا يُورث سَوَاء كَانَ الْخِيَار للْبَائِع أَو للْمُشْتَرِي أَو لَهما
وَقَالَ الشَّافِعِي يُورث وَيقوم الْوَارِث مقَامه
وَأَجْمعُوا أَن خِيَار الْعَيْب وَخيَار التَّعْيِين يُورث وَأَجْمعُوا أَن خِيَار الْقبُول لَا يُورث
وَكَذَلِكَ خِيَار الْإِجَازَة فِي بيع الْفُضُولِيّ لَا يُورث
وَأما خِيَار الرُّؤْيَة فَهَل يُورث لم يذكر فِي الْبيُوع وَذكر فِي كتاب الْحِيَل أَنه لَا يُورث وَكَذَا روى ابْن سَمَّاعَة عَن مُحَمَّد
وَأَجْمعُوا أَن الْأَجَل لَا يُورث
ولقب الْمَسْأَلَة أَن خِيَار الشَّرْط هَل يُورث أم لَا وَالْمَسْأَلَة مَعْرُوفَة
وَإِذا لم يُورث الْخِيَار عندنَا يسْقط ضَرُورَة فَيصير العقد لَازِما لِأَنَّهُ وَقع الْعَجز عَن الْفَسْخ فَيلْزم ضَرُورَة
وَكَذَا الْجَواب فِيمَا هُوَ فِي معنى الْمَوْت بِأَن ذهب عقل صَاحب الْخِيَار
بالجنون أَو بالإغماء فِي مُدَّة الْخِيَار وَمَضَت الْمدَّة وَهُوَ كَذَلِك صَار العقد لَازِما لِأَنَّهُ عجز عَن الْفَسْخ فَلَا فَائِدَة فِي بَقَاء الْخِيَار
فَإِذا أَفَاق فِي مُدَّة الْخِيَار كَانَ على خِيَاره لِإِمْكَان الْفَسْخ وَالْإِجَازَة
وَكَذَا لَو بَقِي نَائِما فِي آخر مُدَّة الْخِيَار حَتَّى مَضَت سقط الْخِيَار
وَلَو سكر بِحَيْثُ لَا يعلم حَتَّى مَضَت مُدَّة الْخِيَار لم يذكر فِي
стр. 472
الْكتاب
وَقَالُوا الصَّحِيح أَنه يسْقط الْخِيَار لما قُلْنَا
وَلَو ارْتَدَّ من لَهُ الْخِيَار فِي مُدَّة الْخِيَار إِن مَاتَ أَو قتل على الرَّد صَار البيع لَازِما
وَكَذَلِكَ إِن لحق بدار الْحَرْب وَقضى القَاضِي بلحاقه لِأَن الرِّدَّة بِمَنْزِلَة الْمَوْت بعد الالتحاق بدار الْحَرْب
وَإِن أسلم فِي مُدَّة الْخِيَار كَانَ على خِيَاره وَجعل الْعَارِض كَأَن لم يكن
هَذَا إِذا مَاتَ أَو قتل على الرِّدَّة أَو أسلم قبل أَن يتَصَرَّف بِحكم الْخِيَار فسخا أَو إجَازَة
فَأَما إِذا تصرف فِي مُدَّة الْخِيَار بعد الرِّدَّة فَإِن أجَاز جَازَت إِجَازَته وَلَا يتَوَقَّف بالِاتِّفَاقِ
وَلَو فسخ فَعِنْدَ أبي حنيفَة يتَوَقَّف فَإِن أسلم نفذ وَإِن مَاتَ أَو قتل على الرِّدَّة بَطل الْفَسْخ على مَا يعرف فِي مسَائِل السّير أَن تَصَرُّفَات الْمُرْتَد مَوْقُوفَة عِنْده خلافًا لَهما
وعَلى هَذَا إِذا هَلَكت السّلْعَة الْمَبِيعَة فِي مُدَّة الْخِيَار فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن تهْلك فِي يَد البَائِع أَو فِي يَد المُشْتَرِي وَالْخيَار للْبَائِع أَو للْمُشْتَرِي
فَإِن هَلَكت فِي يَد البَائِع فَإِنَّهُ يسْقط الْخِيَار سَوَاء كَانَ الْخِيَار للْبَائِع أَو للْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ يَنْفَسِخ العقد لِأَنَّهُ هلك لَا إِلَى خلف وَلَا يُمكنهُ مُطَالبَة المُشْتَرِي بِالثّمن بِدُونِ تَسْلِيم الْمَبِيع وَقد عجز عَن التَّسْلِيم فَلَا فَائِدَة فِي بَقَائِهِ فَيفْسخ فَيبْطل الْخِيَار ضَرُورَة
وَإِن هَلَكت فِي يَد المُشْتَرِي فَإِن كَانَ الْخِيَار للْبَائِع تهْلك بِالْقيمَةِ وَيسْقط الْخِيَار فِي قَول عَامَّة الْعلمَاء
стр. 473
وَقَالَ ابْن أبي ليلى تهْلك أَمَانَة
وَالصَّحِيح قَول الْعَامَّة لِأَن الْقَبْض بِسَبَب هَذَا العقد لَا يكون دون الْقَبْض على سوم الشِّرَاء وَذَلِكَ مَضْمُون بِالْقيمَةِ فَهَذَا أولى
وَإِن كَانَ الْخِيَار للْمُشْتَرِي فَإِنَّهُ يهْلك عَلَيْهِ بِالثّمن عندنَا
وَعند الشَّافِعِي يهْلك عَلَيْهِ بِالْقيمَةِ
وَالصَّحِيح قَوْلنَا لِأَن الْمَبِيع يصير معيبا قبل الْهَلَاك مُتَّصِلا بِهِ لِأَن الْمَوْت يكون بِنَاء على سَبَب مُؤثر فِيهِ عَادَة وَالسَّبَب المفضي إِلَى الْهَلَاك يكون عَيْبا وحدوث الْعَيْب فِي يَد المُشْتَرِي يسْقط خِيَاره لِأَنَّهُ يعجز عَن الرَّد على الْوَجْه الَّذِي أَخذه سليما كَمَا إِذا حدث بِهِ عيب حسا
وَأما إِذا تعيب الْمَبِيع فَإِن كَانَ الْخِيَار للْبَائِع وَهُوَ عيب يُوجب نُقْصَانا فِي عين الْمَبِيع فَإِنَّهُ يبطل خِيَاره سَوَاء كَانَ الْمَبِيع فِي يَده أَو فِي يَد المُشْتَرِي إِذا تعيب بِآفَة سَمَاوِيَّة أَو بِفعل البَائِع لِأَنَّهُ هلك بعضه بِلَا خلف لِأَنَّهُ لَا يجب الضَّمَان على البَائِع لِأَنَّهُ ملكه فينفسخ البيع فِيهِ لفواته وَلَا يُمكن بَقَاء العقد فِي الْقَائِم لما فِيهِ من تَفْرِيق للصفقة على المُشْتَرِي قبل التَّمام
وَأما إِذا تعيب بِفعل المُشْتَرِي أَو بِفعل الْأَجْنَبِيّ كَانَ البَائِع على خِيَاره لِأَنَّهُ يُمكنهُ إجَازَة البيع فِي الْفَائِت والقائم لِأَنَّهُ فَاتَ إِلَى خلف مَضْمُون على المُشْتَرِي وَالْأَجْنَبِيّ بِالْقيمَةِ لِأَنَّهُمَا أتلفا ملك الْغَيْر بِغَيْر إِذْنه
فَأَما إِذا كَانَ عَيْبا لَا يُوجب نُقْصَانا فِي عين الْمَبِيع كَالْوَطْءِ من الْأَجْنَبِيّ وولادة الْوَلَد وَنَحْو ذَلِك فَلَا يسْقط خِيَاره إِذا تعيب بِفعل البَائِع حَتَّى لَو أَرَادَ أَن يرد على البَائِع بِغَيْر رِضَاهُ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِك
стр. 474
وَلَكِن للْمُشْتَرِي حق الرَّد بِسَبَب الْعَيْب لِأَنَّهُ لم يفت شَيْء من الْمَبِيع فينفسخ العقد فِيهِ فتتفرق الصَّفْقَة على المُشْتَرِي وَكَذَا إِذا تعيب بِفعل المُشْتَرِي لِأَنَّهُ مَضْمُون عَلَيْهِ
وَأما إِذا كَانَ الْخِيَار للْمُشْتَرِي وَالْعَبْد فِي يَده يبطل خِيَاره سَوَاء حصل بِآفَة سَمَاوِيَّة أَو بِفعل البَائِع أَو بِفعل المُشْتَرِي أَو بِفعل الْأَجْنَبِيّ حَتَّى لَو أَرَادَ أَن يرد على البَائِع بِغَيْر رِضَاهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِك أما فِي الآفة السماوية وَفعل البَائِع فَلَمَّا ذكرنَا فِي خِيَار البَائِع وَأما فِي فعل المُشْتَرِي وَالْأَجْنَبِيّ فَلِأَنَّهُ فَاتَ شَرط الرَّد لِأَنَّهُ لَا يُمكنهُ أَن يرد جَمِيع مَا قبض كَمَا قبض سليما وَفِي رد الْبَعْض تَفْرِيق الصَّفْقَة على البَائِع قبل التَّمام وَفِي الْأَجْنَبِيّ عِلّة أُخْرَى وَهِي أَنه أوجب الأَرْض وَالْأَرْش زِيَادَة مُنْفَصِلَة حدثت بعد الْقَبْض وَإِنَّهَا تمنع الْفَسْخ عندنَا كَسَائِر أَسبَاب الْفَسْخ فَكَذَا حكم الْخِيَار
ثمَّ فِي خِيَار البَائِع إِذا تعيب بِفعل المُشْتَرِي أَو بِفعل الْأَجْنَبِيّ وَهُوَ فِي يَد المُشْتَرِي لم يسْقط الْخِيَار وَبَقِي على خِيَاره فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يُجِيز أَو يفْسخ وَالْعَيْب حصل بِفعل المُشْتَرِي أَو الْأَجْنَبِيّ فَإِن أجَاز البيع وَجب على المُشْتَرِي جَمِيع الثّمن لِأَن البيع جَازَ فِي الْكل وَلم يكن للْمُشْتَرِي حق الرَّد وَالْفَسْخ بِسَبَب التَّغْيِير الَّذِي حصل فِي الْمَبِيع لِأَنَّهُ حدث فِي يَده وَفِي ضَمَانه إِلَّا أَن المُشْتَرِي إِن كَانَ هُوَ الْقَاطِع فَلَا سَبِيل لَهُ على أحد لِأَنَّهُ ضمن بِفعل نَفسه وَإِن كَانَ الْقَاطِع أَجْنَبِيّا فَلِلْمُشْتَرِي أَن يتبع الْجَانِي بِالْأَرْضِ لِأَنَّهُ بِالْإِجَازَةِ ملك العَبْد من وَقت البيع فحصلت الْجِنَايَة على ملكه
وَإِذا اخْتَار الْفَسْخ فَإِن كَانَ الْقَاطِع هُوَ المُشْتَرِي فَإِنَّهُ يَأْخُذ الْبَاقِي وَيضمن المُشْتَرِي نصف قيمَة العَبْد للْبَائِع لِأَن العَبْد كَانَ
стр. 475
مَضْمُونا على المُشْتَرِي بِالْقيمَةِ وَقد عجز عَن رد مَا أتْلفه بِالْجِنَايَةِ فَعَلَيهِ رد قِيمَته
وَإِن كَانَ الْقَاطِع أَجْنَبِيّا فالبائع بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ اتبع الْجَانِي لِأَن الْجِنَايَة حصلت على ملكه وَإِن شَاءَ اتبع المُشْتَرِي لِأَن الْجِنَايَة حدثت فِي ضَمَان المُشْتَرِي فَإِن اخْتَار اتِّبَاع الْأَجْنَبِيّ فَلَا يرجع على أحد لِأَنَّهُ ضمن بِفعل نَفسه وَإِن اخْتَار اتِّبَاع المُشْتَرِي فَالْمُشْتَرِي يرجع بذلك على الْجَانِي لِأَن المُشْتَرِي بأَدَاء الضَّمَان قَامَ مقَام البَائِع فِي حق ملك الْبَدَل وَإِن لم يقم مقَامه فِي حق ملك نفس الْفَائِت كَمَا فِي غَاصِب الْمُدبر إِذا قتل الْمُدبر فِي يَده وَضَمنَهُ الْمَالِك كَانَ لَهُ أَن يرجع على الْقَاتِل وَإِن لم يملك الْمُدبر لما قُلْنَا كَذَلِك هَهُنَا
وَأما معرفَة عمل خِيَار الشَّرْط وَحكمه فَنَقُول قَالَ عُلَمَاؤُنَا ﵏ إِن البيع بِشَرْط الْخِيَار لَا ينْعَقد فِي حق الحكم بل هُوَ مَوْقُوف إِلَى وَقت سُقُوط الْخِيَار فَينْعَقد حِينَئِذٍ
وَقَالَ الشَّافِعِي فِي قَول مثل قَوْلنَا وَفِي قَول ينْعَقد مُفِيدا للْملك لَكِن يثبت لَهُ خِيَار الْفَسْخ بتسليط صَاحبه كَمَا فِي خِيَار الرُّؤْيَة وَخيَار الْعَيْب
وَالصَّحِيح قَوْلنَا لِأَن خِيَار الشَّرْط شرع لدفع الْغبن لحَدِيث حبَان بن منقذ وَذَلِكَ لَا يحصل إِلَّا بِمَا ذكرنَا فَإِن الْمَبِيع إِذا كَانَ قَرِيبه يعْتق عَلَيْهِ لَو ثَبت الْملك فَلَا يحصل الْغَرَض
ثمَّ الْخِيَار إِذا كَانَ للعاقدين جَمِيعًا لَا يكون العقد منعقدا فِي حق الحكم فِي حَقّهمَا جَمِيعًا
وَإِن كَانَ الْخِيَار لأحد الْعَاقِدين فَلَا شكّ أَن العقد لَا ينْعَقد فِي حق الحكم فِي حق من لَهُ الْخِيَار
وَأما فِي حق الآخر فَهَل ينْعَقد فِي حق
стр. 476
الحكم وَهُوَ الحكم الَّذِي يثبت بِفِعْلِهِ أَعنِي ثُبُوت الْملك فِي الْمَبِيع بِتَمْلِيك البَائِع وَثُبُوت الْملك فِي الثّمن بِتَمْلِيك المُشْتَرِي قَالَ أَبُو حنيفَة لَا ينْعَقد
وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد ينْعَقد حَتَّى إِن الْخِيَار إِذا كَانَ للْبَائِع لَا يَزُول الْمَبِيع عَن ملكه وَلَا يدْخل فِي ملك المُشْتَرِي
وَأما الثّمن فَهَل يدْخل فِي ملك البَائِع فَعِنْدَ أبي حنيفَة لَا يدْخل بِأَن كَانَ الثّمن عينا وَلَا يسْتَحق عَلَيْهِ الثّمن للْبَائِع إِن كَانَ دينا
وَعِنْدَهُمَا يدْخل وَيجب الثّمن للْبَائِع
وَإِن كَانَ الْخِيَار للْمُشْتَرِي لَا يسْتَحق عَلَيْهِ الثّمن وَلَا يخرج عَن ملكه إِذا كَانَ عينا
وَهل يدْخل الْمَبِيع فِي ملك المُشْتَرِي عِنْد أبي حنيفَة يَزُول عَن ملك البَائِع وَلَا يدْخل فِي ملك المُشْتَرِي
وَعِنْدَهُمَا يدْخل
وَالصَّحِيح قَول أبي حنيفَة لِأَن خِيَار المُشْتَرِي يمْنَع زَوَال الثّمن عَن ملكه وَيمْنَع من اسْتِحْقَاق الثّمن عَلَيْهِ وَلَو قُلْنَا إِنَّه يملك الْمَبِيع كَانَ فِيهِ جمع بَين الْبَدَل والمبدل فِي ملك رجل وَاحِد فِي عقد الْمُبَادلَة وَهَذَا لَا يجوز بِخِلَاف خِيَار الرُّؤْيَة وَالْعَيْب لِأَن هُنَاكَ لَا يمْنَع زَوَال الثّمن عَن ملك المُشْتَرِي فَجَاز أَن لَا يمْنَع دُخُول السّلْعَة فِي ملكه
وفوائد هَذَا الأَصْل تظهر فِي مسَائِل كَثِيرَة مَذْكُورَة فِي الْكتب فَنَذْكُر بَعْضهَا
مِنْهَا إِذا اشْترى الرجل أَبَاهُ أَو ذَا رحم محرم مِنْهُ على أَنه بِالْخِيَارِ
стр. 477
ثَلَاثَة أَيَّام لم يعْتق عِنْد أبي حنيفَة لِأَنَّهُ لم يدْخل فِي ملكه وَعِنْدَهُمَا يعْتق
وَأَجْمعُوا أَنه إِذا قَالَ لعبد الْغَيْر إِن اشتريتك فَأَنت حر فَاشْتَرَاهُ على أَنه بِالْخِيَارِ ثَلَاثَة أَيَّام يعْتق عَلَيْهِ وَيبْطل خِيَاره
أما عِنْدهمَا فَلِأَنَّهُ يدْخل فِي ملكه وَأما عِنْد أبي حنيفَة فَلِأَن الْمُعَلق بِالشّرطِ كالمنجز عِنْد وجود الشَّرْط وَلَو نجز عتقه بعد شِرَائِهِ بِشَرْط الْخِيَار ينفذ عتقه وَيبْطل الْخِيَار لاختياره الْملك كَذَا هَذَا
وَمِنْهَا إِذا اشْترى زَوجته على أَنه بِالْخِيَارِ ثَلَاثَة أَيَّام لَا يبطل نِكَاحه عِنْد أبي حنيفَة لِأَنَّهَا لم تدخل فِي ملكه
وَعِنْدَهُمَا يبطل لِأَنَّهَا دخلت فِي ملكه
وَلَو وَطئهَا الزَّوْج فِي مُدَّة الْخِيَار ينظر إِن كَانَت بكرا يبطل خِيَاره بالِاتِّفَاقِ لوُجُود التعيب وَإِن كَانَت ثَيِّبًا وَلم ينقصها الْوَطْء لَا يبطل خِيَاره عِنْد أبي حنيفَة لِأَنَّهُ وَطئهَا بِملك النِّكَاح وَلَا بِملك الْيَمين فَلَا يصير مُخْتَارًا ضَرُورَة فِي حل الْوَطْء
وَعِنْدَهُمَا يبطل خِيَاره لِأَنَّهُ وَطئهَا بِحكم الشِّرَاء
وَمِنْهَا أَن الْمَبِيع إِذا كَانَ دَارا إِن كَانَ للْبَائِع فِيهَا خِيَار لم يكن للشَّفِيع الشُّفْعَة بِالْإِجْمَاع لِأَن خِيَار البَائِع يمْنَع زَوَال الْمَبِيع عَن ملكه
وَإِن كَانَ الْخِيَار للْمُشْتَرِي تثبت الشُّفْعَة للشَّفِيع بِالْإِجْمَاع أما عِنْدهمَا فَلِأَن خِيَاره لَا يمْنَع دُخُول السّلْعَة فِي ملك المُشْتَرِي فَتثبت الشُّفْعَة للشَّفِيع وعَلى قَول أبي حنيفَة خِيَار المُشْتَرِي وَإِن منع دُخُول السّلْعَة فِي ملك المُشْتَرِي لم يمْنَع زَوَالهَا عَن ملك البَائِع وَحقّ الشَّفِيع فِي الشُّفْعَة يعْتَمد زَوَال حق البَائِع لَا ملك المُشْتَرِي
стр. 478
وَأما كَيْفيَّة الْفَسْخ وَالْإِجَازَة فَهُوَ على ضَرْبَيْنِ أَحدهمَا بطرِيق الضَّرُورَة وَالْآخر بطرِيق الْقَصْد وَالِاخْتِيَار
أما الْفَسْخ وَالْإِجَازَة بطرِيق الضَّرُورَة فَيصح من غير حَضْرَة خَصمه وَعلمه كمضي مُدَّة الْخِيَار وهلاك الْمَبِيع ونقصانه على مَا ذكرنَا
وَأما الْفَسْخ وَالْإِجَازَة بطرِيق الْقَصْد فقد أجمع أَصْحَابنَا أَن الْمَشْرُوط لَهُ الْخِيَار ملك إجَازَة العقد بِغَيْر محْضر من صَاحبه بِغَيْر علم مِنْهُ لِأَن صَاحبه الَّذِي لَا خِيَار لَهُ رَضِي بِحكم العقد وَأما من لَهُ الْخِيَار فَلم يرض حكمه ولزومه فَإِذا رَضِي ورضا الآخر قد وجد يجب القَوْل بنفاذ البيع علم الآخر أَو لم يعلم
لَكِن يشْتَرط الرِّضَا بِاللِّسَانِ بِأَن قَالَ أجزت هَذَا العقد أَو رضيت بِهِ فَأَما إِذا رَضِي بِقَلْبِه وَمَا أجَازه صَرِيحًا فَإِنَّهُ لَا يسْقط خِيَاره لِأَن الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة تتَعَلَّق بالأقوال وَالْأَفْعَال الظَّاهِرَة الدَّالَّة على الضمائر
وَأما الْفَسْخ وَالرَّدّ إِن وجد بِالْقَلْبِ دون اللِّسَان فَهُوَ بَاطِل لما ذكرنَا
وَأما إِذا فسخ بِلِسَانِهِ فَإِن كَانَ بِمحضر من صَاحبه فَإِنَّهُ يَصح بِالْإِجْمَاع سَوَاء رَضِي بِهِ أَو أَبى
وَأما إِذا كَانَ بِغَيْر محْضر من صَاحبه فقد قَالَ أَبُو حنيفَة وَمُحَمّد لَا يَصح وَهُوَ قَول أبي يُوسُف الأول سَوَاء كَانَ الْخِيَار للْبَائِع أَو للْمُشْتَرِي ثمَّ رَجَعَ وَقَالَ يَصح
وَرُوِيَ عَنهُ أَنه قَالَ إِن كَانَ الْخِيَار للْبَائِع ملك فَسخه بِغَيْر محْضر من المُشْتَرِي وَإِن كَانَ الْخِيَار للْمُشْتَرِي لَا يملكهُ فَسخه بِغَيْر محْضر من البَائِع ونعني بالحضرة
стр. 479
الْعلم حَتَّى لَو كَانَ الآخر حَاضرا وَلم يكن عَالما بفسخه لَا يَصح وَلَو كَانَ غَائِبا وَعلم بفسخه فِي مُدَّة الْخِيَار يَنْبَغِي أَن يَصح
وَذكر الْكَرْخِي أَن خِيَار الرُّؤْيَة على هَذَا الْخلاف
وَأَجْمعُوا أَن المُشْتَرِي فِي خِيَار الْعَيْب إِذا فسخ بِغَيْر محْضر من البَائِع لَا يَصح وَإِن كَانَ قبل الْقَبْض وَالْمَسْأَلَة مَعْرُوفَة
وَلَو اشْترى رجلَانِ على أَنَّهُمَا بِالْخِيَارِ ثَلَاثَة أَيَّام أَو اشتريا شَيْئا وَلم يرياه أَو اشتريا شَيْئا فوجدا بِهِ عَيْبا هَل يملك أَحدهمَا أَن ينْفَرد بِالْفَسْخِ على قَول أبي حنيفَة لَا يملك وَلَو رد لَا يَصح
وعَلى قَوْلهمَا يَصح
وَإِنَّمَا يَصح عِنْد أبي حنيفَة إِذا اتفقَا على الرَّد أَو اتفقَا على الْإِجَازَة
أما إِذا رد أَحدهمَا وَأَجَازَ الآخر فَهُوَ على الِاخْتِلَاف
وَكَذَا لَو اختارا رد البيع فِي النّصْف وإجازة البيع فِي النّصْف فَهُوَ على الِاخْتِلَاف وَالْمَسْأَلَة مَعْرُوفَة
стр. 480
بَاب خِيَار الرُّؤْيَة
يحْتَاج إِلَى بَيَان مَشْرُوعِيَّة خِيَار الرُّؤْيَة وَإِلَى بَيَان أَنه فِي أَي وَقت يثبت وَفِي بَيَان أَنه يثبت مؤقتا أَو مُطلقًا
وَفِي بَيَان حكمه وَفِي بَيَان مَا يسْقطهُ
أما الأول فَنَقُول قَالَ أَصْحَابنَا ﵏ إِن خِيَار الرُّؤْيَة مَشْرُوع فِي شِرَاء مَا لم يره المُشْتَرِي فَيجوز الشِّرَاء وَيثبت لَهُ الْخِيَار
وَقَالَ الشَّافِعِي شِرَاء مَا لم يره المُشْتَرِي لَا يَصح فَلَا يكون الْخِيَار فِيهِ مَشْرُوعا
وَلَو بَاعَ شَيْئا لم يره البَائِع وَرَآهُ المُشْتَرِي يجوز عندنَا
وَعند الشَّافِعِي فِيهِ قَولَانِ
وَهل يثبت للْبَائِع فِيهِ خِيَار الرُّؤْيَة لم يذكر فِي ظَاهر الرِّوَايَة وَذكر الطَّحَاوِيّ فِي اخْتِلَاف الْعلمَاء أَن أَبَا حنيفَة كَانَ يَقُول بِأَنَّهُ يثبت
стр. 481
لَهُ الْخِيَار ثمَّ رَجَعَ وَقَالَ لَا يثبت
وَأما بَيَان وَقت ثُبُوت الْخِيَار فَنَقُول يثبت الْخِيَار عِنْد رُؤْيَة المُشْتَرِي لَا قبلهَا حَتَّى لَو أجَاز البيع قبل الرُّؤْيَة لَا يلْزم البيع وَلَا يسْقط الْخِيَار
وَهل يملك الْفَسْخ قبل الرُّؤْيَة لَا رِوَايَة فِي ذَا
وَاخْتلف الْمَشَايِخ قَالَ بَعضهم لَا يملك لِأَنَّهُ لَا يملك الْإِجَازَة قبل الرُّؤْيَة فَلَا يملك الْفَسْخ لِأَن الْخِيَار لم يثبت
وَبَعْضهمْ قَالُوا يملك الْفَسْخ لَا لسَبَب الْخِيَار لِأَنَّهُ غير ثَابت وَلَكِن لِأَن شِرَاء مَا لم يره المُشْتَرِي غير لَازم وَالْعقد الَّذِي لَيْسَ بِلَازِم يجوز فَسخه كالعارية والوديعة
وَأما بَيَان أَن الْخِيَار مُطلق أَو مُؤَقّت فَنَقُول اخْتلف الْمَشَايِخ فِيهِ بَعضهم قَالُوا يثبت مُطلقًا فَيكون لَهُ الْخِيَار فِي جَمِيع الْعُمر إِلَّا إِذا وجد مَا يسْقطهُ
وَبَعْضهمْ قَالُوا بِأَنَّهُ مُؤَقّت بِوَقْت إِمْكَان الْفَسْخ بعد الرُّؤْيَة حَتَّى لَو تمكن من الْفَسْخ بعد الرُّؤْيَة وَلم يفْسخ يسْقط خِيَار الرُّؤْيَة وَإِن لم يُوجد مِنْهُ الْإِجَازَة وَالرِّضَا صَرِيحًا وَلَا دلَالَة
وَأما حكمه فَهُوَ التَّخْيِير بَين الْفَسْخ وَالْإِجَازَة إِذا رأى الْمَبِيع وَلَا يمْنَع ثُبُوت الْملك فِي الْبَدَلَيْنِ وَلَكِن يمْنَع اللُّزُوم بِخِلَاف خِيَار الشَّرْط
وَإِنَّمَا يثبت الْخِيَار فِي بيع الْعين بِالْعينِ لكل وَاحِد مِنْهُمَا
стр. 482
وَفِي بيع الْعين بِالدّينِ تثبت للْمُشْتَرِي
وَلَا يثبت فِي بيع الدّين بِالدّينِ وَهُوَ الصّرْف لِأَنَّهُ لَا فَائِدَة فِيهِ
فَأَما إِذا كَانَ الْحق عينا فللناس أغراض فِي الْأَعْيَان فَكَانَ ثُبُوت الْخِيَار فِيهِ لينْظر أَنه هَل يصلح لَهُ فَإِن شَاءَ أجَاز إِن صلح وَإِن شَاءَ فسخ إِن لم يصلح
وَهَذَا إِذا رأى جَمِيع الْمَبِيع
فَأَما إِذا رأى الْبَعْض وَرَضي بِهِ وَلم ير الْبَعْض هَل يكون على خِيَاره أم لَا إِذا رأى الْمَبِيع فَنَقُول الأَصْل فِي هَذَا النَّوْع من الْمسَائِل هُوَ أَن غير المرئي إِذا كَانَ تبعا للمرئي فَلَا خِيَار لَهُ فِي غير المرئي وَإِن كَانَ رُؤْيَة مَا رأى لَا تعرف حَال مَا لم يره لِأَن حكم التبع حكم الأَصْل
وَإِن لم يكن غير المرئي تبعا للمرئي فَإِن كَانَ مَقْصُودا بِنَفسِهِ كالمرئي ينظر إِن كَانَ رُؤْيَة مَا قد رأى لم تعرف حَال غير المرئي كَانَ على خِيَاره فِيمَا لم يره لِأَن الْمَقْصُود من الرُّؤْيَة فِيمَا لم يره لم يحصل بِرُؤْيَتِهِ مَا رأى
وَإِن كَانَ رُؤْيَة مَا رأى تعرف حَال غير المرئي فَإِنَّهُ لَا خِيَار لَهُ أصلا فِي غير المرئي إِذا كَانَ غير المرئي مثل المرئي أَو فَوْقه لِأَنَّهُ حصل بِرُؤْيَة الْبَعْض رُؤْيَة الْبَاقِي من حَيْثُ الْمَعْنى
إِذا ثَبت هَذَا الأَصْل تخرج عَلَيْهِ الْمسَائِل الْآتِيَة إِذا اشْترى جَارِيَة أَو عبدا فَرَأى الْوَجْه دون سَائِر الْأَعْضَاء لَا خِيَار لَهُ وَإِن كَانَ رُؤْيَة الْوَجْه لَا تعرف حَال سَائِر الْأَعْضَاء لِأَن سَائِر
стр. 483
الْأَعْضَاء تبع للْوَجْه فِي شِرَاء العَبْد وَالْجَارِيَة فِي الْعَادة وَلَو رأى سَائِر الْأَعْضَاء دون الْوَجْه فَهُوَ على خِيَاره لِأَنَّهُ لم ير الْمَتْبُوع
هَذَا فِي بني آدم فَأَما فِي سَائِر الْحَيَوَان مثل الْفرس وَالْحمار وَنَحْوهمَا ذكر مُحَمَّد بن سَمَّاعَة عَن مُحَمَّد أَنه قَالَ إِن نظر إِلَى عَجزه يسْقط خِيَاره
وَإِن لم ير عَجزه فَهُوَ على خِيَاره فَجعل الْعَجز فِي الْحَيَوَانَات بِمَنْزِلَة الْوَجْه فِي بني آدم
وَعَن أبي يُوسُف أَنه قَالَ هُوَ على خِيَاره مَا لم ير وَجهه ومؤخره فَجعل الأَصْل هذَيْن العضوين وَغَيرهمَا تبعا
وَأما الشَّاة إِذا اشْتَرَاهَا للحم فقد رُوِيَ عَن أبي يُوسُف أَنه قَالَ لَا بُد من الجس بعد الرُّؤْيَة حَتَّى يعرف سمنها لِأَنَّهُ هُوَ الْمَقْصُود
وَإِن اشْتَرَاهَا للدر والنسل فَلَا بُد من رُؤْيَة سَائِر جَسدهَا وَمن النّظر إِلَى ضرْعهَا أَيْضا لِأَنَّهَا تخْتَلف باخْتلَاف الضَّرع
فَأَما فِي غير الْحَيَوَان فَإِن كَانَ شَيْئا وَاحِدًا ينظر إِن كَانَ شَيْء مِنْهُ مَقْصُودا عِنْد النَّاس فِي الْعَادة كالوجه فِي المعافر والطنافس فَإِنَّهُ إِذا رأى الْوَجْه سقط الْخِيَار كَمَا فِي بني آدم وَإِذا رأى
стр. 484
الظّهْر لَا يسْقط هَكَذَا ذكر الْحسن فِي الْمُجَرّد عَن أبي حنيفَة
وَإِن لم يكن شَيْء مِنْهُ مَقْصُودا كالكرباس فَإِن رُؤْيَة بعضه أَي بعض كَانَ كرؤية الْكل لِأَن بِرُؤْيَة بعضه يعرف الْبَاقِي لِأَن تفَاوت الْأَطْرَاف فِي ثوب وَاحِد يسير فَإِن وجد الْبَاقِي مثل المرئي أَو فَوْقه فَلَا خِيَار لَهُ وَإِن وجده دونه كَانَ على خِيَاره على مَا ذكرنَا
وَإِن كَانَ الْمَعْقُود عَلَيْهِ دَارا أَو بستانا ذكر فِي كتاب الْقِسْمَة وَقَالَ إِذا رأى خَارج الدَّار وظاهرها يسْقط خِيَاره وَإِن لم ير داخلها لِأَنَّهَا شَيْء وَاحِد وَفِي الْبُسْتَان إِذا رأى الْخَارِج ورؤوس الْأَشْجَار يسْقط خِيَاره
وعَلى قَول زفر لَا يسْقط الْخِيَار بِدُونِ رُؤْيَة الدَّاخِل
وَلَكِن مَشَايِخنَا قَالُوا تَأْوِيل مَا ذكر فِي كتاب الْقِسْمَة أَنه إِذا لم يكن فِي دَاخل الدَّار أبنية
فَأَما إِذا كَانَ فِيهَا أبنية فَلَا يسْقط الْخِيَار مَا لم ير دَاخل الدَّار كُله أَو بعضه لِأَن الدَّاخِل هُوَ الْمَقْصُود وَالْخَارِج كالتبع لَهُ
وَذكر الْقَدُورِيّ أَن أَصْحَابنَا قَالُوا إِن أَبَا حنيفَة أجَاب على عَادَة أهل الْكُوفَة فِي زَمَانه فَإِن دُورهمْ وبساتينهم لَا تخْتَلف من حَيْثُ التقطيع والهيئة وَإِنَّمَا تخْتَلف من حَيْثُ الصغر وَالْكبر وَكَذَا من حَيْثُ صغر الْأَشْجَار وكبرها وَذَلِكَ يحصل بِرُؤْيَة الْخَارِج ورؤية رُؤُوس الْأَشْجَار وَعَادَة سَائِر الْبلدَانِ بِخِلَاف
هَذَا إِذا كَانَ الْمَعْقُود عَلَيْهِ شَيْئا وَاحِدًا
فَأَما إِذا كَانَ أَشْيَاء فَإِن كَانَ من العدديات المتفاوتة كالثياب الَّتِي اشْتَرَاهَا فِي جراب
стр. 485
أَو البطاطيخ فِي الشريجة أَو الرُّمَّان أَو السفرجل فِي القفة والكوارة فَإِذا رأى الْبَعْض فَإِنَّهُ يكون على خِيَاره فِي الْبَاقِي لِأَن الْكل مَقْصُود ورؤية مَا رأى لَا تعرف حَال الْبَاقِي لِأَنَّهَا مُتَفَاوِتَة
وَإِن كَانَ مَكِيلًا أَو مَوْزُونا أَو عدديا متقاربا فَإِنَّهُ إِذا رأى الْبَعْض وَرَضي بِهِ لَا خِيَار لَهُ فِي الَّذِي لم ير إِذا كَانَ مَا لم ير مثل الَّذِي رأى لِأَن رُؤْيَة الْبَعْض من هَذِه الْأَشْيَاء تعرف حَال الْبَاقِي
وَهَذَا إِذا كَانَ فِي وعَاء وَاحِد فَأَما إِذا كَانَ فِي وعاءين فقد اخْتلف الْمَشَايِخ
قَالَ مَشَايِخ بَلخ لَا يكون رُؤْيَة أَحدهمَا كرؤية الآخر لِأَنَّهُمَا شَيْئَانِ مُخْتَلِفَانِ إِذا كَانَا فِي وعاءين فَكَانَا كالثوبين
وَقَالَ مَشَايِخ الْعرَاق بِأَن رُؤْيَة أَحدهمَا كرؤيتهما جَمِيعًا إِذا كَانَ مَا لم ير مثل المرئي
وَهَكَذَا رُوِيَ عَن أبي يُوسُف وَهُوَ الْأَصَح
وَهَذَا إِذا كَانَ الْمُشْتَرى مغيبا فِي الْوِعَاء فَأَما إِذا كَانَ مغيبا فِي الأَرْض كالجزر والبصل والثوم والفجل والسلجم وبصل الزَّعْفَرَان وَنَحْو ذَلِك فَفِي أَي وَقت يسْقط الْخِيَار لم يذكر هَذَا فِي ظَاهر الرِّوَايَة
وروى بشر عَن أبي يُوسُف أَنه قَالَ إِذا كَانَ شَيْئا يُكَال أَو يُوزن بعد الْقلع كالثوم والبصل والجزر فَإِنَّهُ إِذا قلع المُشْتَرِي شَيْئا بِإِذن البَائِع أَو قلع البَائِع برضى المُشْتَرِي سقط خِيَاره فِي الْبَاقِي لِأَن رُؤْيَة بعض الْمكيل كرؤية الْكل
стр. 486
فَأَما إِذا حصل الْقلع من المُشْتَرِي بِغَيْر إِذن البَائِع لم يكن لَهُ أَن يرد سَوَاء رَضِي بالمقلوع أَو لم يرض إِذا كَانَ المقلوع شَيْئا لَهُ قيمَة عِنْد النَّاس لِأَنَّهُ بِالْقَلْعِ صَار معيبا لِأَنَّهُ كَانَ يَنْمُو وَيزِيد وَبعد الْقلع لَا يَنْمُو وَلَا يزِيد ويتسارع إِلَيْهِ الْفساد وحدوث الْعَيْب فِي الْمَبِيع فِي يَد المُشْتَرِي بِغَيْر صنعه يمْنَع الرَّد فَمَعَ صنعه أولى
وَإِن كَانَ المغيب فِي الأَرْض مِمَّا يُبَاع عددا كالفجل والسلق وَنَحْوهمَا فرؤية الْبَعْض لَا تكون كرؤية الْكل لِأَن هَذَا من بَاب العدديات المتفاوتة فرؤية الْبَعْض لَا تَكْفِي كَمَا فِي الثِّيَاب
وَإِن قلع المُشْتَرِي بِغَيْر إِذْنه سقط خِيَاره لأجل الْعَيْب إِذا كَانَ المقلوع شَيْئا لَهُ قيمَة فَأَما إِذا لم يكن لَهُ قيمَة فَلَا يسْقط خِيَاره لِأَنَّهُ لَا يحصل بِهِ الْعَيْب
وَذكر الْكَرْخِي هَهُنَا مُطلقًا من غير هَذَا التَّفْصِيل وَقَالَ إِذا اشْترى شَيْئا مغيبا فِي الأَرْض مثل الجزر والبصل والثوم وبصل الزَّعْفَرَان وَمَا أشبه ذَلِك فَلهُ الْخِيَار إِذا رأى جَمِيعه فَلَا يكون رُؤْيَة بعضه مُبْطلًا خِيَاره وَإِن رَضِي بذلك الْبَعْض فخياره بَاقٍ إِلَى أَن يرى جَمِيعه
وروى عَمْرو عَن مُحَمَّد أَنه قَالَ قَالَ أَبُو حنيفَة المُشْتَرِي بِالْخِيَارِ إِذا قلع
قلت فَإِن قلع الْبَعْض قَالَ لم يزِيد أَبُو حنيفَة على مَا قلت لَك فَأَما فِي قَول أبي يُوسُف وَقَوْلِي إِذا قلع شَيْئا يسْتَدلّ بِهِ على مَا بَقِي فِي سمنه وعظمه فَرضِي المُشْتَرِي فَهُوَ لَازم لَهُ فهما يَقُولَانِ إِن التَّفَاوُت فِي هَذِه الْأَشْيَاء لَيْسَ بغالب فَصَارَ كالصبرة وَأَبُو حنيفَة يَقُول إِنَّهَا تخْتَلف من حَيْثُ الصغر وَالْكبر والجودة والرداءة فَلم يسْقط الْخِيَار
стр. 487
بِرُؤْيَتِهِ الْبَعْض كالثياب
وَلَو اشْترى دهن سمسم فِي قَارُورَة فَرَأى من خَارج القارورة الدّهن فِي القارورة روى ابْن سَمَّاعَة عَن مُحَمَّد أَنه قَالَ يَكْفِي وَيسْقط خِيَاره لِأَن رُؤْيَته من الْخَارِج تعرفه حَالَة الدّهن فَكَأَنَّهُ رَآهُ خَارج القارورة فِي قَصْعَة وَنَحْوهَا ثمَّ اشْتَرَاهُ
وَرُوِيَ عَن مُحَمَّد فِي رِوَايَة أُخْرَى أَنه لَا يبطل مَا لم ينظر إِلَى الدّهن بَعْدَمَا يخرج من القارورة لِأَن لون الدّهن مِمَّا يتَغَيَّر بلون القارورة
وَلَو نظر إِلَى الْمرْآة فَرَأى الْمَبِيع قَالُوا لَا يسْقط خِيَاره لِأَنَّهُ مَا رأى عين الْمَبِيع وَإِنَّمَا رأى مِثَاله
قَالَ هَكَذَا قَالَ بَعضهم وَالأَصَح أَنه يرى عين الْمَبِيع لَكِن يعرف بِهِ أَصله وَقد تَتَفَاوَت هيئاته بتفاوت الْمرْآة
وعَلى هَذَا قَالُوا من نظر فِي الْمرْآة فَرَأى فرج أم امْرَأَته عَن شَهْوَة لَا تثبت حُرْمَة الْمُصَاهَرَة
وَلَو نظر إِلَى فرج امْرَأَته الْمُطلقَة طَلَاقا رَجْعِيًا عَن شَهْوَة فِي الْمرْآة لَا يصير مراجعا لما قُلْنَا
وَلَو اشْترى سمكًا فِي المَاء يُمكن أَخذه من غير اصطياد فَرَآهُ فِي المَاء قَالَ بَعضهم يسْقط خِيَاره لِأَنَّهُ رأى عين الْمَبِيع
وَقَالَ بَعضهم لَا يسْقط وَهُوَ الصَّحِيح لِأَن الشَّيْء لَا يرى فِي المَاء كَمَا هُوَ بل يرى أَكثر مِمَّا هُوَ فبهذه الرُّؤْيَة لَا تعرف حَاله حَقِيقَة
وَلَو وكل رجلا بِالنّظرِ إِلَى مَا اشْتَرَاهُ وَلم يره فَيلْزم العقد إِن رَضِي وَيفْسخ العقد إِن شَاءَ وَقَالَ وَيصِح التَّوْكِيل وَيقوم نظره مقَام نظره لِأَنَّهُ جعل الرَّأْي إِلَيْهِ
وَلَو وكل بِقَبْضِهِ فَقَبضهُ فَرَآهُ هَل يسْقط خِيَار الْمُوكل
стр. 488
عِنْد أبي حنيفَة يسْقط لِأَنَّهُ من تَمام الْقَبْض وَعِنْدَهُمَا لَا يسْقط
وَأَجْمعُوا أَنه إِذا أرسل رَسُولا بِقَبْضِهِ فَرَآهُ الرَّسُول وَرَضي بِهِ كَانَ الْمُرْسل على خِيَاره
وَأَجْمعُوا فِي خِيَار الْعَيْب أَنه إِذا وكل رجلا بِقَبض الْمَبِيع فَقبض الْوَكِيل وَعلم بِالْعَيْبِ وَرَضي بِهِ لَا يسْقط خِيَار الْمُوكل
وَأما خِيَار الشَّرْط فَلَا رِوَايَة عَن أبي حنيفَة وَاخْتلف الْمَشَايِخ قَالَ بَعضهم على هَذَا الِاخْتِلَاف وَقَالَ بَعضهم لَا يسْقط بالِاتِّفَاقِ
وَأما بَيَان مَا يسْقط بِهِ الْخِيَار فَنَقُول إِن خِيَار الرُّؤْيَة لَا يسْقط بالإسقاط صَرِيحًا بِأَن قَالَ المُشْتَرِي أسقطت خياري
كَذَا روى ابْن رستم عَن مُحَمَّد لَا قبل الرُّؤْيَة وَلَا بعْدهَا بِخِلَاف خِيَار الشَّرْط وَخيَار الْعَيْب
وَالْفرق أَن هَذَا الْخِيَار ثَبت شرعا لحكمة فِيهِ فَلَا يملك العَبْد إِسْقَاطه كَمَا فِي خِيَار الرّجْعَة فَإِنَّهُ لَو قَالَ أسقطت الرّجْعَة وأبطلت لَا تبطل وَلَكِن إِن شَاءَ رَاجع وَإِن شَاءَ تَركهَا حَتَّى تَنْقَضِي الْعدة فَتبْطل الرّجْعَة حكما بِخِلَاف خِيَار الشَّرْط فَإِنَّهُ يثبت شَرطهمَا فَجَاز أَن يسْقط بإسقاطهما وَكَذَلِكَ خِيَار الْعَيْب فَإِن السَّلامَة مَشْرُوطَة من المُشْتَرِي عَادَة فَهُوَ كالمشروط صَرِيحًا
ثمَّ خِيَار الرُّؤْيَة إِنَّمَا يسْقط بِصَرِيح الرِّضَا وَدلَالَة الرِّضَا بعد الرُّؤْيَة لَا قبل الرُّؤْيَة وَيسْقط بتعذر الْفَسْخ وبلزوم العقد
стр. 489
حكما وضرورة قبل الرُّؤْيَة وَبعدهَا لما ذكرنَا أَنه لَا يثبت فِي الأَصْل إِلَّا بعد الرُّؤْيَة فَلَا يجوز أَن يسْقط بِالرِّضَا صَرِيحًا وَدلَالَة إِلَّا بعد ثُبُوته حَتَّى إِنَّه إِذا رأى وَصلح لَهُ يُجِيزهُ وَإِن لم يصلح لَهُ يردهُ لِأَنَّهُ شرع نظرا لَهُ وَلَكِن إِذا تعذر الْفَسْخ بِأَيّ سَبَب كَانَ أَو لزم العقد بطرِيق الضَّرُورَة سقط قبل الرُّؤْيَة خِيَاره أَو بعْدهَا لِأَنَّهُ لَا فَائِدَة فِي ثُبُوت حق الْفَسْخ فالتزم العقد ضَرُورَة وَيجوز أَن يثبت الشَّيْء ضَرُورَة وَإِن كَانَ لَا يثبت قصدا كالموكل لَا يملك عزل الْوَكِيل بِدُونِ علمه قصدا وَيملك ضَرُورَة بِأَن بَاعَ الْمُوكل بِنَفسِهِ ليعزل الْوَكِيل
إِذا ثَبت هَذَا تخرج عَلَيْهِ الْمسَائِل إِذا ذهب الْمَبِيع من غَيره وَلم يُسلمهُ أَو عرضه على البيع وَنَحْوهمَا قبل الرُّؤْيَة لَا يسْقط لِأَنَّهُ لَا يسْقط بِصَرِيح الرِّضَا فِي هَذِه الْحَالة فَكَذَا لَا يسْقط بِدلَالَة الرِّضَا
وَلَو أعتق المُشْتَرِي العَبْد أَو دبره أَو استولد الْجَارِيَة فَإِنَّهُ يسْقط الْخِيَار قبل الرُّؤْيَة وَبعدهَا لِأَنَّهُ تعذر الْفَسْخ لِأَن هَذِه حُقُوق لَازِمَة أثبتها للْعَبد وَمن ضَرُورَة ثُبُوت الْحق اللَّازِم من الْمَالِك لغيره لُزُوم الْملك لَهُ فَثَبت اللُّزُوم شرعا ضَرُورَة ثُبُوت الْحق اللَّازِم شرعا وَمَتى ثَبت اللُّزُوم تعذر الْفَسْخ
وَلَو رَهنه المُشْتَرِي وَلم يُسلمهُ أَو أجره من رجل أَو بَاعه على أَن المُشْتَرِي بِالْخِيَارِ سقط خِيَاره قبل الرُّؤْيَة وَبعدهَا حَتَّى لَو أفتك الرَّهْن أَو مَضَت الْمدَّة فِي الْإِجَازَة أَو رده على المُشْتَرِي بِخِيَار الشَّرْط ثمَّ رَآهُ لَا يكون لَهُ الرَّد بِخِيَار الرُّؤْيَة لِأَنَّهُ أثبت حَقًا لَازِما لغيره بِهَذِهِ التَّصَرُّفَات فَيكون من ضَرُورَته لُزُوم الْملك لَهُ وَذَلِكَ بامتناع ثُبُوت الْخِيَار فَيبْطل ضَرُورَة لِأَنَّهُ لَا فَائِدَة فِيهِ
وَفِي خِيَار الْعَيْب لَا يسْقط بِهَذِهِ التَّصَرُّفَات لِأَن ثمَّة العقد لَازم
стр. 490
مَعَ الْعَيْب بعد الْقَبْض حَتَّى لَا يُمكنهُ الرَّد إِلَّا بِقَضَاء أَو رضَا وَإِذا كَانَ لَازِما فَلَا يسْقط الْخِيَار لضَرُورَة اللُّزُوم وَإنَّهُ لَازم
وعَلى هَذَا فَالْمُشْتَرِي إِذا كَاتب ثمَّ عجز العَبْد ورد فِي الرّقّ ثمَّ رَآهُ لَا يثبت لَهُ خِيَار الرُّؤْيَة لِأَن الْكِتَابَة عقد لَازم
وَكَذَلِكَ لَو وهب وَسلم قبل الرُّؤْيَة لِأَنَّهُ بِالتَّسْلِيمِ أثبت حَقًا لَازِما فَإِنَّهُ لَا يقدر على الرُّجُوع إِلَّا بِقَضَاء أَو رضَا
هَذَا إِذا كَانَ المُشْتَرِي بَصيرًا أما إِذا كَانَ المُشْتَرِي أعمى حَتَّى ثَبت لَهُ الْخِيَار بِسَبَب جَهَالَة الْأَوْصَاف لعدم الرُّؤْيَة فبماذا يسْقط خِيَاره اخْتلفت الرِّوَايَات عَن أَصْحَابنَا فِيهِ وَالْحَاصِل أَن مَا يُمكن جسه وذوقه وَشمه يَكْتَفِي بذلك لسُقُوط خِيَاره فِي أشهر الرِّوَايَات وَلَا يشْتَرط بَيَان الْوَصْف لَهُ وَيكون بِمَنْزِلَة نظر الْبَصِير وَفِي رِوَايَة هِشَام عَن مُحَمَّد أَنه يعْتَبر الْوَصْف مَعَ ذَلِك لِأَن التَّعْرِيف الْكَامِل فِي حَقه يثبت بِهَذَا
أما مَا لَا يُمكن جسه بِأَن اشْترى ثمارا على رُؤُوس الْأَشْجَار فَإِنَّهُ يعْتَبر فِيهِ الْوَصْف لَا غير فِي أشهر الرِّوَايَات وَفِي رِوَايَة يُوقف فِي مَكَان لَو كَانَ بَصيرًا لرَأى ذَلِك
وَأما إِذا كَانَ الْمَبِيع دَارا أَو عقارا فَالْأَصَحّ من الرِّوَايَات أَنه يَكْتَفِي بِالْوَصْفِ فَإِذا رَضِي بِهِ كَانَ بِمَنْزِلَة النّظر من الْبَصِير
وَقَالُوا فِي الْأَعْمَى إِذا اشْترى فوصف لَهُ وَرَضي بذلك ثمَّ زَالَ الْعَمى فَلَا خِيَار لَهُ لِأَن الْوَصْف خلف عَن الرُّؤْيَة فِي حَقه وَالْقُدْرَة على الأَصْل بعد حُصُول الْمَقْصُود بِالْبَدَلِ لَا تسْقط حكم الْبَدَل
وَلَو اشْترى الْبَصِير شَيْئا لم يره فوصف لَهُ فَرضِي بِهِ لم يسْقط خِيَاره لِأَنَّهُ لَا عِبْرَة للخلف مَعَ الْقُدْرَة على الأَصْل
стр. 491
وَلَو اخْتلف البَائِع وَالْمُشْتَرِي فَقَالَ البَائِع بِعْتُك هَذَا الشَّيْء وَقد رَأَيْته وَقَالَ المُشْتَرِي لم أره فَالْقَوْل قَول المُشْتَرِي لِأَن البَائِع يَدعِي عَلَيْهِ إِلْزَام العقد وَهُوَ مُنكر فَيكون القَوْل قَوْله ويستحلف المُشْتَرِي لِأَن البَائِع يَدعِي عَلَيْهِ سُقُوط حق الْفَسْخ وَلُزُوم العقد وَهَذَا مِمَّا يَصح بذله وَالْإِقْرَار بِهِ فَيجْرِي فِيهِ الِاسْتِحْلَاف
وَلَو رأى عبدا أَو دَابَّة ثمَّ اشْترى بعد ذَلِك بِشَهْر أَو نَحوه فَلَا خِيَار لَهُ لِأَنَّهُ اشْترى شَيْئا قد رَآهُ وَثُبُوت هَذَا الْخِيَار مُعَلّق بشرَاء شَيْء لم يره وَلِأَن مَا هُوَ الْمَقْصُود من الْخِيَار قد ثَبت فَكَانَ الْإِقْدَام على الشِّرَاء دلَالَة الرِّضَا
وَلَو اخْتلفَا فَقَالَ المُشْتَرِي قد تغير عَن الْحَالة الَّتِي رَأَيْته وَالْبَائِع يُنكر فَالْقَوْل قَول البَائِع مَعَ يَمِينه لِأَن دَعْوَى التَّغْيِير إِمَّا أَن تكون دَعْوَى الْعَيْب أَو دَعْوَى تبدل هَيئته فِيمَا يحْتَمل التبدل وَهَذَا دَعْوَى أَمر عَارض فَيكون القَوْل قَول من تمسك بِالْأَصْلِ
стр. 492
بَاب خِيَار الْعَيْب
الْكَلَام فِيهِ فِي مَوَاضِع فِي بَيَان شَرْعِيَّة خِيَار الْعَيْب وَفِي بَيَان الْعُيُوب الَّتِي توجب الْخِيَار جملَة وتفصيلا وَفِي بَيَان كَيْفيَّة الرَّد وَفِي بَيَان مَا يمْنَع الرَّد وَيسْقط الْخِيَار وَفِي بَيَان مَا يمْنَع الرُّجُوع بِنُقْصَان الْعَيْب وَمَا لَا يمْنَع وَفِي بَيَان الْإِبْرَاء عَن الْعُيُوب
أما الأول فَلِأَن سَلامَة الْبَدَلَيْنِ فِي عقد الْمُبَادلَة مَطْلُوبَة عَادَة فَتكون بِمَنْزِلَة الْمَشْرُوط صَرِيحًا وَلَو اشْترى جَارِيَة على أَنَّهَا بكر أَو خبازة وَلم تُوجد ثَبت الْخِيَار لفَوَات غَرَضه كَذَا هَذَا
وَأما بَيَان الْعُيُوب الْمُوجبَة للخيار فِي الْجُمْلَة فَنَقُول كل مَا أوجب نُقْصَان الْقيمَة وَالثمن فِي عَادَة التُّجَّار فَهُوَ عيب يُوجب الْخِيَار
وَمَا لَا يُوجب نُقْصَان الْقيمَة وَالثمن فَلَيْسَ بِعَيْب
وَأما تَفْصِيل الْعُيُوب فَهِيَ على نَوْعَيْنِ
стр. 493
أَحدهمَا مَا يُوجب فَوَات جُزْء من الْمَبِيع أَو تَغْيِيره من حَيْثُ الظَّاهِر دون الْبَاطِن
وَالثَّانِي مَا يُوجب النُّقْصَان من حَيْثُ الْمَعْنى دون الصُّورَة
أما الأول فكثير نَحْو الْعَمى والعور والشلل والزمانة والإصبع النَّاقِصَة وَالسّن السَّوْدَاء وَالسّن الساقطة وَالسّن الشاغية وَالظفر الْأسود والصمم والخرس والبكم والقروح والشجاج وَأثر الْجراح والأمراض كلهَا الَّتِي تكون فِي سَائِر الْبدن والحميات وَهَذَا كُله ظَاهر
وَأما الثَّانِي فنحو السعال الْقَدِيم وارتفاع الْحيض فِي زمَان طَوِيل أدناه شَهْرَان فَصَاعِدا فِي الْجَوَارِي
وَمِنْهَا صهوبة الشّعْر والشمط والشيب فِي العبيد والجواري والبخر عيب فِي الْجَوَارِي دون العبيد إِلَّا أَن يكون فَاحِشا أَو يكون عَن دَاء وَكَذَلِكَ الزفر
وَمِنْهَا الزِّنَا عيب فِي الْجَوَارِي دون الغلمان إِلَّا إِذا كثر ذَلِك مِنْهُم وَصَارَ عَادَة لَهُم فَيكون عَيْبا
وَكَذَا كَونه ولد الزِّنَا يكون عَيْبا فِي الْجَوَارِي دون العبيد
стр. 494
وَالْحَبل عيب فِي الْجَارِيَة لَا فِي الْبَهَائِم
وَالنِّكَاح فِي الْغُلَام وَالْجَارِيَة عيب
وَالْكفْر عيب فِي الْجَارِيَة والغلام
وَمن هَذِه الْجُمْلَة الْإِبَاق وَالسَّرِقَة وَالْبَوْل فِي الْفراش وَالْجُنُون
وَحَاصِل الْجَواب فِيهَا أَنَّهَا فِي الصَّغِير الَّذِي لَا يعقل وَلَا يَأْكُل وَحده لَا تكون عَيْبا لِأَنَّهُ لَا يعرف الِامْتِنَاع من هَذِه الْأَشْيَاء فَلَا يثبت بِهِ وجود الْعَيْب بِالِاحْتِمَالِ فَأَما إِذا كَانَ صَبيا عَاقِلا فَإِنَّهُ يكون عَيْبا وَلَكِن عِنْد اتِّحَاد الْحَالة يثبت حق الرَّد لَا عِنْد الِاخْتِلَاف بِأَن ثَبت أَنه أبق عِنْد البَائِع ثمَّ يأبق عِنْد المُشْتَرِي كِلَاهُمَا فِي حَالَة الصغر أَو كِلَاهُمَا فِي حَالَة الْكبر لِأَن سَبَب وجود هَذِه الْأَشْيَاء فِي حَالَة الصغر عيب وَهُوَ قلَّة المبالاة وقصور الْعقل وَضعف المثانة وَفِي حَال الْكبر يكون السَّبَب سوء اخْتِيَاره وداء فِي الْبَاطِن فَإِذا اتّفق الحالان علم أَن السَّبَب وَاحِد فَيكون هَذَا الْعَيْب ثَابتا عِنْد البَائِع فَأَما إِذا اخْتلف فَلَا يعرف لِأَنَّهُ يجوز أَن يَزُول الَّذِي كَانَ عِنْد البَائِع ثمَّ يحدث النَّوْع الآخر عِنْد المُشْتَرِي فَلَا يكون لَهُ حق الرَّد كَالْعَبْدِ إِذا حم عِنْد البَائِع ثمَّ حم عِنْد المُشْتَرِي فَإِن كَانَ هَذَا الثَّانِي غير ذَلِك النَّوْع لَا يثبت حق الرَّد وَإِن كَانَ من نَوعه ثَبت حق الرَّد كَذَا هَذَا
فَأَما الْجُنُون إِذا ثَبت وجوده عِنْد البَائِع فَهَل يشْتَرط وجوده ثَانِيًا عِنْد المُشْتَرِي لَيْسَ فِيهِ رِوَايَة نصا وَاخْتلف الْمَشَايِخ فبعضهم قَالُوا لَا يشْتَرط لِأَن مُحَمَّدًا قَالَ الْجُنُون عيب لَازم أبدا فَلَا يشْتَرط وجوده ثَانِيًا عِنْد المُشْتَرِي بِخِلَاف السّرقَة والإباق
стр. 495
وَالْبَوْل فِي الْفراش فَإِنَّهُ مَا لم يُوجد عِنْد المُشْتَرِي لَا يثبت حق الرَّد
وَقَالَ بَعضهم لَا يكون لَهُ حق الرَّد مَا لم يُوجد ثَانِيًا عِنْد المُشْتَرِي كَمَا فِي الْإِبَاق ونظائره إِلَّا أَن الْفرق أَن فِي الْجُنُون لَا يشْتَرط اتِّحَاد الْحَالة فَإِن جن عِنْد البَائِع وَهُوَ صَغِير ثمَّ جن عِنْد المُشْتَرِي بعد الْبلُوغ فَإِنَّهُ يثبت حق الرَّد وَفِي الْإِبَاق وَنَظِيره لَا يثبت حق الرَّد إِلَّا عِنْد اتِّحَاد الْحَالة على مَا ذكرنَا
وَأما كَيْفيَّة الرَّد فَنَقُول إِن المُشْتَرِي إِذا ادّعى عَيْبا بِالْمَبِيعِ فَلَا يَخْلُو من ثَلَاثَة أوجه إِمَّا أَن يكون عَيْبا ظَاهرا مشاهدا كالإصبع الزَّائِدَة وَالسّن الشاغية الزَّائِدَة والعمى وَنَحْوهَا
أَو كَانَ عَيْبا بَاطِنا فِي نفس الْحَيَوَان لَا يعرفهُ إِلَّا الْأَطِبَّاء
أَو يكون فِي مَوضِع لَا يطلع عَلَيْهِ الرِّجَال ويطلع عَلَيْهِ النِّسَاء
أَو يكون عَيْبا لَا يعرف بِالْمُشَاهَدَةِ وَلَا بالتجربة والامتحان عِنْد الْخُصُومَة وَذَلِكَ كالإباق وَالسَّرِقَة وَالْبَوْل على الْفراش وَالْجُنُون
أما إِذا كَانَ عَيْبا مشاهدا فَإِن القَاضِي لَا يُكَلف المُشْتَرِي بِإِقَامَة الْبَيِّنَة على إِثْبَات الْعَيْب عِنْده لكَون الْعَيْب ثَابتا عِنْده بالعيان والمشاهدة وَيكون للْمُشْتَرِي حق الْخُصُومَة مَعَ البَائِع بِسَبَب هَذَا الْعَيْب فَبعد هَذَا القَاضِي ينظر فِي الْعَيْب الَّذِي يَدعِي فَإِن كَانَ عَيْبا لَا يحدث مثله فِي يَدي المُشْتَرِي كالإصبع الزَّائِدَة وَنَحْوهَا فَإِنَّهُ يرد على البَائِع وَلَا يُكَلف المُشْتَرِي بِإِقَامَة الْبَيِّنَة على ثُبُوت الْعَيْب عِنْد البَائِع لِأَنَّهُ تَيَقّن ثُبُوته عِنْده إِلَّا أَن يَدعِي البَائِع الرِّضَا وَالْإِبْرَاء فيطلب مِنْهُ الْبَيِّنَة فَإِن أَقَامَ الْبَيِّنَة عَلَيْهِ وَإِلَّا فَحِينَئِذٍ يسْتَحْلف المُشْتَرِي على دَعْوَاهُ
следующие страницы →