Полный текст (1 060 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
وَلَو اخْتلف البَائِع وَالْمُشْتَرِي فَقَالَ البَائِع بِعْتُك هَذَا الشَّيْء وَقد رَأَيْته وَقَالَ المُشْتَرِي لم أره فَالْقَوْل قَول المُشْتَرِي لِأَن البَائِع يَدعِي عَلَيْهِ إِلْزَام العقد وَهُوَ مُنكر فَيكون القَوْل قَوْله ويستحلف المُشْتَرِي لِأَن البَائِع يَدعِي عَلَيْهِ سُقُوط حق الْفَسْخ وَلُزُوم العقد وَهَذَا مِمَّا يَصح بذله وَالْإِقْرَار بِهِ فَيجْرِي فِيهِ الِاسْتِحْلَاف
وَلَو رأى عبدا أَو دَابَّة ثمَّ اشْترى بعد ذَلِك بِشَهْر أَو نَحوه فَلَا خِيَار لَهُ لِأَنَّهُ اشْترى شَيْئا قد رَآهُ وَثُبُوت هَذَا الْخِيَار مُعَلّق بشرَاء شَيْء لم يره وَلِأَن مَا هُوَ الْمَقْصُود من الْخِيَار قد ثَبت فَكَانَ الْإِقْدَام على الشِّرَاء دلَالَة الرِّضَا
وَلَو اخْتلفَا فَقَالَ المُشْتَرِي قد تغير عَن الْحَالة الَّتِي رَأَيْته وَالْبَائِع يُنكر فَالْقَوْل قَول البَائِع مَعَ يَمِينه لِأَن دَعْوَى التَّغْيِير إِمَّا أَن تكون دَعْوَى الْعَيْب أَو دَعْوَى تبدل هَيئته فِيمَا يحْتَمل التبدل وَهَذَا دَعْوَى أَمر عَارض فَيكون القَوْل قَول من تمسك بِالْأَصْلِ
стр. 492
بَاب خِيَار الْعَيْب
الْكَلَام فِيهِ فِي مَوَاضِع فِي بَيَان شَرْعِيَّة خِيَار الْعَيْب وَفِي بَيَان الْعُيُوب الَّتِي توجب الْخِيَار جملَة وتفصيلا وَفِي بَيَان كَيْفيَّة الرَّد وَفِي بَيَان مَا يمْنَع الرَّد وَيسْقط الْخِيَار وَفِي بَيَان مَا يمْنَع الرُّجُوع بِنُقْصَان الْعَيْب وَمَا لَا يمْنَع وَفِي بَيَان الْإِبْرَاء عَن الْعُيُوب
أما الأول فَلِأَن سَلامَة الْبَدَلَيْنِ فِي عقد الْمُبَادلَة مَطْلُوبَة عَادَة فَتكون بِمَنْزِلَة الْمَشْرُوط صَرِيحًا وَلَو اشْترى جَارِيَة على أَنَّهَا بكر أَو خبازة وَلم تُوجد ثَبت الْخِيَار لفَوَات غَرَضه كَذَا هَذَا
وَأما بَيَان الْعُيُوب الْمُوجبَة للخيار فِي الْجُمْلَة فَنَقُول كل مَا أوجب نُقْصَان الْقيمَة وَالثمن فِي عَادَة التُّجَّار فَهُوَ عيب يُوجب الْخِيَار
وَمَا لَا يُوجب نُقْصَان الْقيمَة وَالثمن فَلَيْسَ بِعَيْب
وَأما تَفْصِيل الْعُيُوب فَهِيَ على نَوْعَيْنِ
стр. 493
أَحدهمَا مَا يُوجب فَوَات جُزْء من الْمَبِيع أَو تَغْيِيره من حَيْثُ الظَّاهِر دون الْبَاطِن
وَالثَّانِي مَا يُوجب النُّقْصَان من حَيْثُ الْمَعْنى دون الصُّورَة
أما الأول فكثير نَحْو الْعَمى والعور والشلل والزمانة والإصبع النَّاقِصَة وَالسّن السَّوْدَاء وَالسّن الساقطة وَالسّن الشاغية وَالظفر الْأسود والصمم والخرس والبكم والقروح والشجاج وَأثر الْجراح والأمراض كلهَا الَّتِي تكون فِي سَائِر الْبدن والحميات وَهَذَا كُله ظَاهر
وَأما الثَّانِي فنحو السعال الْقَدِيم وارتفاع الْحيض فِي زمَان طَوِيل أدناه شَهْرَان فَصَاعِدا فِي الْجَوَارِي
وَمِنْهَا صهوبة الشّعْر والشمط والشيب فِي العبيد والجواري والبخر عيب فِي الْجَوَارِي دون العبيد إِلَّا أَن يكون فَاحِشا أَو يكون عَن دَاء وَكَذَلِكَ الزفر
وَمِنْهَا الزِّنَا عيب فِي الْجَوَارِي دون الغلمان إِلَّا إِذا كثر ذَلِك مِنْهُم وَصَارَ عَادَة لَهُم فَيكون عَيْبا
وَكَذَا كَونه ولد الزِّنَا يكون عَيْبا فِي الْجَوَارِي دون العبيد
стр. 494
وَالْحَبل عيب فِي الْجَارِيَة لَا فِي الْبَهَائِم
وَالنِّكَاح فِي الْغُلَام وَالْجَارِيَة عيب
وَالْكفْر عيب فِي الْجَارِيَة والغلام
وَمن هَذِه الْجُمْلَة الْإِبَاق وَالسَّرِقَة وَالْبَوْل فِي الْفراش وَالْجُنُون
وَحَاصِل الْجَواب فِيهَا أَنَّهَا فِي الصَّغِير الَّذِي لَا يعقل وَلَا يَأْكُل وَحده لَا تكون عَيْبا لِأَنَّهُ لَا يعرف الِامْتِنَاع من هَذِه الْأَشْيَاء فَلَا يثبت بِهِ وجود الْعَيْب بِالِاحْتِمَالِ فَأَما إِذا كَانَ صَبيا عَاقِلا فَإِنَّهُ يكون عَيْبا وَلَكِن عِنْد اتِّحَاد الْحَالة يثبت حق الرَّد لَا عِنْد الِاخْتِلَاف بِأَن ثَبت أَنه أبق عِنْد البَائِع ثمَّ يأبق عِنْد المُشْتَرِي كِلَاهُمَا فِي حَالَة الصغر أَو كِلَاهُمَا فِي حَالَة الْكبر لِأَن سَبَب وجود هَذِه الْأَشْيَاء فِي حَالَة الصغر عيب وَهُوَ قلَّة المبالاة وقصور الْعقل وَضعف المثانة وَفِي حَال الْكبر يكون السَّبَب سوء اخْتِيَاره وداء فِي الْبَاطِن فَإِذا اتّفق الحالان علم أَن السَّبَب وَاحِد فَيكون هَذَا الْعَيْب ثَابتا عِنْد البَائِع فَأَما إِذا اخْتلف فَلَا يعرف لِأَنَّهُ يجوز أَن يَزُول الَّذِي كَانَ عِنْد البَائِع ثمَّ يحدث النَّوْع الآخر عِنْد المُشْتَرِي فَلَا يكون لَهُ حق الرَّد كَالْعَبْدِ إِذا حم عِنْد البَائِع ثمَّ حم عِنْد المُشْتَرِي فَإِن كَانَ هَذَا الثَّانِي غير ذَلِك النَّوْع لَا يثبت حق الرَّد وَإِن كَانَ من نَوعه ثَبت حق الرَّد كَذَا هَذَا
فَأَما الْجُنُون إِذا ثَبت وجوده عِنْد البَائِع فَهَل يشْتَرط وجوده ثَانِيًا عِنْد المُشْتَرِي لَيْسَ فِيهِ رِوَايَة نصا وَاخْتلف الْمَشَايِخ فبعضهم قَالُوا لَا يشْتَرط لِأَن مُحَمَّدًا قَالَ الْجُنُون عيب لَازم أبدا فَلَا يشْتَرط وجوده ثَانِيًا عِنْد المُشْتَرِي بِخِلَاف السّرقَة والإباق
стр. 495
وَالْبَوْل فِي الْفراش فَإِنَّهُ مَا لم يُوجد عِنْد المُشْتَرِي لَا يثبت حق الرَّد
وَقَالَ بَعضهم لَا يكون لَهُ حق الرَّد مَا لم يُوجد ثَانِيًا عِنْد المُشْتَرِي كَمَا فِي الْإِبَاق ونظائره إِلَّا أَن الْفرق أَن فِي الْجُنُون لَا يشْتَرط اتِّحَاد الْحَالة فَإِن جن عِنْد البَائِع وَهُوَ صَغِير ثمَّ جن عِنْد المُشْتَرِي بعد الْبلُوغ فَإِنَّهُ يثبت حق الرَّد وَفِي الْإِبَاق وَنَظِيره لَا يثبت حق الرَّد إِلَّا عِنْد اتِّحَاد الْحَالة على مَا ذكرنَا
وَأما كَيْفيَّة الرَّد فَنَقُول إِن المُشْتَرِي إِذا ادّعى عَيْبا بِالْمَبِيعِ فَلَا يَخْلُو من ثَلَاثَة أوجه إِمَّا أَن يكون عَيْبا ظَاهرا مشاهدا كالإصبع الزَّائِدَة وَالسّن الشاغية الزَّائِدَة والعمى وَنَحْوهَا
أَو كَانَ عَيْبا بَاطِنا فِي نفس الْحَيَوَان لَا يعرفهُ إِلَّا الْأَطِبَّاء
أَو يكون فِي مَوضِع لَا يطلع عَلَيْهِ الرِّجَال ويطلع عَلَيْهِ النِّسَاء
أَو يكون عَيْبا لَا يعرف بِالْمُشَاهَدَةِ وَلَا بالتجربة والامتحان عِنْد الْخُصُومَة وَذَلِكَ كالإباق وَالسَّرِقَة وَالْبَوْل على الْفراش وَالْجُنُون
أما إِذا كَانَ عَيْبا مشاهدا فَإِن القَاضِي لَا يُكَلف المُشْتَرِي بِإِقَامَة الْبَيِّنَة على إِثْبَات الْعَيْب عِنْده لكَون الْعَيْب ثَابتا عِنْده بالعيان والمشاهدة وَيكون للْمُشْتَرِي حق الْخُصُومَة مَعَ البَائِع بِسَبَب هَذَا الْعَيْب فَبعد هَذَا القَاضِي ينظر فِي الْعَيْب الَّذِي يَدعِي فَإِن كَانَ عَيْبا لَا يحدث مثله فِي يَدي المُشْتَرِي كالإصبع الزَّائِدَة وَنَحْوهَا فَإِنَّهُ يرد على البَائِع وَلَا يُكَلف المُشْتَرِي بِإِقَامَة الْبَيِّنَة على ثُبُوت الْعَيْب عِنْد البَائِع لِأَنَّهُ تَيَقّن ثُبُوته عِنْده إِلَّا أَن يَدعِي البَائِع الرِّضَا وَالْإِبْرَاء فيطلب مِنْهُ الْبَيِّنَة فَإِن أَقَامَ الْبَيِّنَة عَلَيْهِ وَإِلَّا فَحِينَئِذٍ يسْتَحْلف المُشْتَرِي على دَعْوَاهُ
стр. 496
فَإِن نكل لم يرد عَلَيْهِ وَإِن حلف رد على البَائِع فَإِن كَانَ عَيْبا يجوز أَن يحدث مثله فِي يَد المُشْتَرِي فَإِن القَاضِي يَقُول للْبَائِع هَل حدث هَذَا عنْدك فَإِن قَالَ نعم قضى عَلَيْهِ بِالرَّدِّ إِلَّا أَن يَدعِي الرِّضَا وَالْإِبْرَاء وَإِن أنكر الْحُدُوث عِنْده فَإِنَّهُ يَقُول للْمُشْتَرِي أَلَك بَيِّنَة فَإِن أَقَامَهَا قضى عَلَيْهِ بِالرَّدِّ إِلَّا أَن يَدعِي الرِّضَا وَالْإِبْرَاء وَإِن لم يكن لَهُ بَيِّنَة ذكر فِي الأَصْل وَقَالَ يسْتَحْلف البَائِع على الْبَتَات بِاللَّه لقد بِعته وسلمته وَمَا بِهِ هَذَا الْعَيْب لِأَن هَذَا أَمر لَو أقرّ بِهِ لزمَه فَإِذا أنكر يحلف لصدق قَوْله وَإِنَّمَا يحلف على هَذَا الْوَجْه لِأَن الْعَيْب قد يحدث بعد البيع قبل الْقَبْض فَيثبت لَهُ حق الرَّد فَلَا بُد من ذكر البيع وَالتَّسْلِيم
ثمَّ من الْمَشَايِخ من قَالَ لَا يجب أَن يسْتَحْلف هَكَذَا لِأَنَّهُ يبطل حق المُشْتَرِي فِي الرَّد فِي بعض الْأَحْوَال لِأَنَّهُ يكون للْمُشْتَرِي حق الرَّد بِعَيْب حَادث بعد البيع قبل الْقَبْض فَمَتَى حلف على هَذَا الْوَجْه لم يَحْنَث إِذا حدث الْعَيْب قبل الْقَبْض لِأَن شَرط الْحِنْث وجود الْعَيْب عِنْد البيع وَالْقَبْض جَمِيعًا وَلَكِن الِاحْتِيَاط للْمُشْتَرِي أَن يحلف البَائِع بِاللَّه وَمَا للْمُشْتَرِي رد السّلْعَة بِهَذَا الْعَيْب الَّذِي يَدعِي وَقيل يحلف بِاللَّه لقد سلمته وَمَا بِهِ هَذَا الْعَيْب الَّذِي يَدعِي
وَمِنْهُم من قَالَ بِأَن مَا ذكر مُحَمَّد صَحِيح مَعَ إِضْمَار زِيَادَة فِي كَلَامه فَيحلف البَائِع بِاللَّه لقد بِعته وسلمته وَمَا بِهِ هَذَا الْعَيْب لَا عِنْد البيع وَلَا عِنْد التَّسْلِيم إِلَّا أَن مُحَمَّدًا اختصر كَلَامه والاختصار ثَابت فِي اللُّغَة فَيحمل كَلَامه عَلَيْهِ
وَأما إِذا كَانَ الْعَيْب بَاطِنا لَا يعرفهُ إِلَّا الْخَواص من النَّاس كالأطباء والنخاسين فَإِنَّهُ يعرف ذَلِك مِمَّن لَهُ بصارة فِي ذَلِك الْبَاب فَإِن اجْتمع
стр. 497
على ذَلِك الْعَيْب رجلَانِ مسلمان أَو قَالَ ذَلِك رجل مُسلم عدل فَإِنَّهُ يقبل قَوْله وَيثبت الْعَيْب فِي حق إِثْبَات الْخُصُومَة ثمَّ بعد هَذَا يَقُول القَاضِي للْبَائِع هَل حدث عنْدك الْعَيْب الَّذِي يَدعِي فَإِن قَالَ نعم قضى عَلَيْهِ بِالرَّدِّ وَإِن أنكر يُقيم المُشْتَرِي الْبَيِّنَة فَإِن لم يكن لَهُ بَيِّنَة اسْتحْلف البَائِع على الْوَجْه الَّذِي ذكرنَا فَإِن حلف لم يرد عَلَيْهِ وَإِن نكل قضى عَلَيْهِ بِالرَّدِّ إِلَّا أَن يَدعِي الرِّضَا أَو الْإِبْرَاء
وَإِن كَانَ الْعَيْب مِمَّا لَا يطلع عَلَيْهِ الرِّجَال ويطلع عَلَيْهِ النِّسَاء فَإِنَّهُ يرجع إِلَى قَول النِّسَاء فترى امْرَأَة مسلمة عدلة والثنتان أحوط
فَإِذا شهِدت على الْعَيْب فَفِي هَذِه الْمَسْأَلَة عَن أبي يُوسُف رِوَايَتَانِ وَكَذَا عَن مُحَمَّد رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَة فرق أَبُو يُوسُف بَين مَا إِذا كَانَ الْمَبِيع فِي يَد البَائِع أَو فِي يَد المُشْتَرِي فَقَالَ إِن كَانَ فِي يَد البَائِع رد الْمَبِيع بشهادتها لِأَن مَا لَا يطلع عَلَيْهِ الرِّجَال فَقَوْل الْمَرْأَة الْوَاحِدَة بِمَنْزِلَة الْبَيِّنَة فَيثبت الْعَيْب بقولِهَا وَالْعَيْب الْمَوْجُود عِنْد البَائِع يفْسخ بِهِ البيع
وَإِن كَانَ بعد الْقَبْض أقبل قَوْلهَا فِي حق إِثْبَات الْخُصُومَة وَلَا أقبل فِي حق الرَّد على البَائِع لِأَن الْمَبِيع وجد معيبا فِي ضَمَان المُشْتَرِي فَلَا أنقل الضَّمَان إِلَى البَائِع بقول النِّسَاء وَلَكِن أثبت حق الْخُصُومَة ليثبت الِاسْتِحْقَاق
وَفِي رِوَايَة قَالَ إِن كَانَ الْعَيْب مِمَّا لَا يحدث مثله يفْسخ بقولهن لِأَن الْعَيْب قد ثَبت بشهادتهن وَقد علمنَا كَون الْعَيْب عِنْد البَائِع بِيَقِين فَيثبت حق الْفَسْخ وَإِن كَانَ عَيْبا يحدث مثله لم يثبت حق الْفَسْخ بقولهن لِأَن هَذَا مِمَّا يعلم من جِهَة غَيْرهنَّ
وَأما عَن مُحَمَّد فَفِي رِوَايَة قَالَ لَا يفْسخ بقولهن بِحَال وَفِي رِوَايَة يفْسخ قبل الْقَبْض وَبعده بقولهن لِأَن قَوْلهَا فِيمَا لَا يطلع عَلَيْهِ
стр. 498
الرِّجَال كالبينة كَمَا فِي النّسَب
وَأما الْعَيْب الَّذِي لَيْسَ بمشاهد عِنْد الْخُصُومَة وَلَا يعرف بقول النَّاس كالإباق وَالْجُنُون وَالسَّرِقَة وَالْبَوْل على الْفراش فقد ذكرنَا أَنه لَا بُد من ثُبُوت الْعَيْب عِنْد المُشْتَرِي وَعند البَائِع عِنْد اتِّحَاد الْحَالة إِلَّا فِي الْجُنُون إِن اتِّحَاد الْحَال لَيْسَ بِشَرْط فِي الْجُنُون
فَإِن أَقَامَ المُشْتَرِي الْبَيِّنَة على حُدُوث الْعَيْب عِنْده فَإِنَّهُ يَقُول القَاضِي للْبَائِع هَل أبق عنْدك فَإِن قَالَ نعم قضى عَلَيْهِ بِالرَّدِّ إِلَّا أَن يَدعِي الرِّضَا أَو الْإِبْرَاء وَإِن أنكر الْإِبَاق أصلا وَادّعى اخْتِلَاف الْحَالة يَقُول القَاضِي للْمُشْتَرِي أَلَك بَيِّنَة فَإِن قَالَ نعم وَأقَام الْبَيِّنَة على مَا يدعى قضى عَلَيْهِ بِالرَّدِّ وَإِن قَالَ لَا يسْتَحْلف البَائِع بِاللَّه مَا أبق عنْدك قطّ مُنْذُ بلغ وَلَا جن عنْدك قطّ فَإِن حلف انْقَطَعت الْخُصُومَة بَينهمَا وَإِن نكل عَن الْيَمين قضى عَلَيْهِ بِالرَّدِّ
وَإِن لم يجد المُشْتَرِي بَيِّنَة على إِثْبَات أصل الْعَيْب عِنْد نَفسه هَل يسْتَحْلف القَاضِي البَائِع على ذَلِك أم لَا لم يذكر فِي بُيُوع الأَصْل وَذكر فِي الْجَامِع وَقَالَ يستحلفه على قَول أبي يُوسُف وَمُحَمّد وَلم يذكر قَول أبي حنيفَة فَمن الْمَشَايِخ من قَالَ يسْتَحْلف بِلَا خلاف وَمِنْهُم من قَالَ هَذِه الْمَسْأَلَة على الِاخْتِلَاف فَقَوْل أبي حنيفَة لَا يسْتَحْلف نَص عَلَيْهِ فِي كتاب التَّزْكِيَة على مَا يعرف فِي الْجَامِع وَالله أعلم
ثمَّ كَيفَ يسْتَحْلف قَالُوا يسْتَحْلف على الْعلم لِأَنَّهَا يَمِين على غير فعله بِاللَّه مَا يعلم أَن هَذَا الْعَيْب مَوْجُود فِي هَذَا العَبْد الْآن فَإِن نكل عَن الْيَمين ثَبت الْعَيْب عِنْد المُشْتَرِي فَيثبت لَهُ حق الْخُصُومَة وَإِن حلف بَرِيء
стр. 499
وَأما مَا يبطل حق الرَّد وَيمْنَع وجوب الْأَرْش وَمَا لَا يمْنَع فَنَقُول أصل الْبَاب أَن الرَّد بِالْعَيْبِ يمْتَنع بِأَسْبَاب مِنْهَا حُدُوث الْعَيْب عِنْد المُشْتَرِي عندنَا خلافًا لمَالِك وَالشَّافِعِيّ فِي أحد قوليه
وَالصَّحِيح قَوْلنَا لِأَن الْمَبِيع خرج عَن ملكه معيبا بِعَيْب وَاحِد فَلَو رد يرد بعيبين وَشرط الرَّد أَن يرد على الْوَجْه الَّذِي أَخذ وَلم يُوجد
وَمِنْهَا الزَّوَائِد الْمُنْفَصِلَة المتولدة من الْعين بعد الْقَبْض كَالْوَلَدِ وَالثَّمَرَة أَو المستفادة بِسَبَب الْعين كالأرض والعقر تمنع الرَّد بِالْعَيْبِ وَسَائِر أَسبَاب الْفَسْخ كالإقالة وَالرَّدّ بِخِيَار الرُّؤْيَة وَالشّرط فِي قَول عُلَمَائِنَا
وَقَالَ الشَّافِعِي لَا تمنع
وَأَجْمعُوا أَن الْكسْب أَو الْغلَّة الَّتِي تحدث بعد الْقَبْض لَا تمنع فسخ العقد
وَأَجْمعُوا أَن الزَّوَائِد الْمُنْفَصِلَة قبل الْقَبْض لَا تمنع الْفَسْخ بل يفْسخ على الأَصْل والزوائد جَمِيعًا
فَأَما فِي الزَّوَائِد الْمُتَّصِلَة كالسمن وَالْجمال وَنَحْوهَا وَقد حدثت بعد الْقَبْض فَإِنَّهُ لَا يمْنَع الرَّد بِالْعَيْبِ إِذا رَضِي المُشْتَرِي لكَونهَا تَابِعَة للْأَصْل حَقِيقَة وَقت الْفَسْخ فَإِذا انْفَسَخ العقد على الأَصْل يفْسخ فِيهَا تبعا
فَأَما إِذا أَبى المُشْتَرِي أَن يرد وَأَرَادَ الرُّجُوع بِنُقْصَان الْعَيْب وَقَالَ البَائِع لَا أُعْطِيك نُقْصَان الْعَيْب وَلَكِن رد عَليّ الْمَبِيع حَتَّى أرد عَلَيْك الثّمن هَل للْبَائِع ذَلِك
стр. 500
على قَول أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف لَيْسَ لَهُ ذَلِك
وعَلى قَول مُحَمَّد لَهُ ذَلِك
وَهَذَا لِأَن الزِّيَادَة الْمُتَّصِلَة بعد الْقَبْض تمنع فسخ العقد على الأَصْل إِذا لم يُوجد الرضى مِمَّن لَهُ الْحق فِي الزِّيَادَة عِنْدهمَا وَعند مُحَمَّد لَا تمنع كَمَا فِي مَسْأَلَة الْمهْر إِذا ازْدَادَ زِيَادَة مُتَّصِلَة بعد الْقَبْض ثمَّ طَلقهَا الزَّوْج قبل الدُّخُول بهَا على مَا نذْكر فِي كتاب النِّكَاح
وَمِنْهَا تعذر الْفَسْخ بِأَسْبَاب مَانِعَة من الْفَسْخ على مَا عرف
وَمِنْهَا الرضى بِالْعَيْبِ صَرِيحًا أَو دلَالَة على مَا ذكرنَا فِي خِيَار الشَّرْط أَو وُصُول عوض الْفَائِت إِلَيْهِ حَقِيقَة أَو اعْتِبَارا وَكَانَ للْمُشْتَرِي حق الرُّجُوع بِنُقْصَان الْعَيْب فِي الْمَوَاضِع الَّتِي امْتنع الرَّد إِلَّا إِذا وجد الرِّضَا صَرِيحًا أَو دلَالَة أَو وصل إِلَيْهِ الْعِوَض حَقِيقَة أَو اعْتِبَارا لِأَن ضَمَان النُّقْصَان بدل الْجُزْء الْفَائِت فَإِذا رَضِي بِالْعَيْبِ فقد رَضِي بِالْمَبِيعِ الْقَائِم بِجَمِيعِ الثّمن بِدُونِ الْجُزْء الْفَائِت فَلَا يجب شَيْء وَإِذا حصل الْعِوَض فَكَأَن الْجُزْء الْفَائِت صَار قَائِما معنى بِقِيَام خَلفه
هَذَا الَّذِي ذكرنَا إِذا كَانَ المُشْتَرِي عاقدا لنَفسِهِ فَأَما إِذا كَانَ عاقدا لغيره فَإِن كَانَ مِمَّن يجوز أَن يلْزمه الْخُصُومَة كَالْوَكِيلِ وَالشَّرِيك وَالْمُضَارب والمأذون وَالْمكَاتب فالخصومة تلْزمهُ وَيرد عَلَيْهِ بِالْعَيْبِ بِالْحجَّةِ لِأَنَّهَا من حُقُوق العقد وَحُقُوق العقد ترجع إِلَى الْعَاقِد إِذا كَانَ مِمَّن يلْزمه الْخُصُومَة كالعاقد لنَفسِهِ فَمَا قضى بِهِ على الْعَاقِد رَجَعَ بِهِ على من وَقع لَهُ العقد لكَونه قَائِما مقَامه إِلَّا الْمكَاتب والمأذون فَإِنَّهُمَا لَا يرجعان على الْمولى وَلَكِن الدّين يلْزم الْمكَاتب وَيُبَاع فِيهِ الْمَأْذُون لِأَنَّهُمَا يتصرفان لأنفسهما فَلَا يرجعان على غَيرهمَا
стр. 501
فَأَما القَاضِي وَالْإِمَام إِذا عقدا بِحكم الْولَايَة أَو أمينهما بأمرهما لم يلْزمهُم الْخُصُومَة وَلم يصيروا خصما فِي الْبَاب إِلَّا أَنه ينصب خصما يُخَاصم فِي ذَلِك فَمَا قضى بِهِ عَلَيْهِ رَجَعَ فِي مَال من وَقع التَّصَرُّف لَهُ وَإِن كَانَ التَّصَرُّف للْمُسلمين رَجَعَ فِي بَيت مَالهم
فَأَما الْعَاقِد إِن كَانَ صَبيا مَحْجُورا أَو عبدا مَحْجُورا بِإِذن إِنْسَان فِي بيع أَو شِرَاء فَلَا خُصُومَة عَلَيْهِمَا وَلَا ضَمَان وَإِنَّمَا الْخُصُومَة على من وكلهما فِي ذَلِك التَّصَرُّف لِأَن حكم العقد وَقع للْمُوكل والعاقد لَيْسَ من أهل لُزُوم الْعهْدَة فَيقوم مقَامه فِي مُبَاشرَة التَّصَرُّف لَا غير بِمَنْزِلَة الرَّسُول وَالْوَكِيل فِي النِّكَاح
وَأما الْبَرَاءَة عَن الْعُيُوب فَنَقُول جملَة هَذَا أَنه إِذا بَاعَ شَيْئا على أَن البَائِع برىء عَن كل عيب فَعم وَلم يخص شَيْئا من الْعُيُوب فَإِن البيع جَائِز وَالشّرط جَائِز فِي قَول عُلَمَائِنَا حَتَّى لَو وجد المُشْتَرِي بِهِ عَيْبا فَأَرَادَ أَن يردهُ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِك
وَقَالَ الشَّافِعِي الْبَرَاءَة عَن كل عيب لَا يَصح مَا لم يسم الْعَيْب فَيَقُول عَن عيب كَذَا
وَكَذَلِكَ على هَذَا الْخلاف والبراءة وَالصُّلْح عَن الدُّيُون المجهولة
وَإِذا لم يَصح الْبَرَاءَة عَن كل عيب عِنْده هَل يفْسد العقد بِهِ أم لَا فَلهُ فِيهِ قَولَانِ فِي قَول يبطل العقد أَيْضا
وَفِي قَول يَصح العقد وَيبْطل الشَّرْط
وَقَالَ ابْن أبي ليلى مَا لم يعين الْعَيْب وَيَضَع يَده على الْعَيْب وَيَقُول أَبْرَأتك عَن هَذَا الْعَيْب فَإِنَّهُ لَا يَصح الْإِبْرَاء
стр. 502
ثمَّ إِذا صَحَّ هَذَا الشَّرْط عندنَا يبرأ عَن كل عيب من الْعُيُوب الظَّاهِرَة والباطنة لِأَن اسْم الْعَيْب يَقع على الْكل
فَأَما إِذا قَالَ أَبْرَأتك عَن كل دَاء رُوِيَ عَن أبي يُوسُف أَنه يَقع على كل عيب ظَاهر دون الْبَاطِن
وروى الْحسن عَن أبي حنيفَة على عَكسه أَنه يَقع على كل عيب بَاطِن وَالْعَيْب الظَّاهِر يُسمى مَرضا
وَلَو أَبْرَأ البَائِع عَن كل غائلة رُوِيَ عَن أبي يُوسُف أَنه يَقع على السّرقَة والإباق والفجور وَمَا كَانَ من فعل الْإِنْسَان مِمَّا يعد عَيْبا عِنْد التُّجَّار
ثمَّ اتّفق عُلَمَاؤُنَا على أَنه يدْخل تَحت الْبَرَاءَة الْمُطلقَة الْعَيْب الْمَوْجُود وَقت البيع
وَاخْتلفُوا فِي الْعَيْب الْحَادِث بعد البيع قبل الْقَبْض قَالَ أَبُو يُوسُف يدْخل تَحت الْبَرَاءَة حَتَّى لَا يملك المُشْتَرِي الرَّد بِالْعَيْبِ الْحَادِث
وَقَالَ مُحَمَّد لَا يدْخل حَتَّى يملك الرَّد بذلك الْعَيْب
وَهَذَا فرع مَسْأَلَة أُخْرَى وَهِي أَنه إِذا بَاعَ بِشَرْط الْبَرَاءَة عَن كل عيب يحدث بعد البيع قبل الْقَبْض هَل يَصح هَذَا الشَّرْط أم لَا عِنْد أبي يُوسُف يَصح
وَعند مُحَمَّد لَا يَصح
فَلَمَّا صحت الْبَرَاءَة عَن الْعَيْب الْحَادِث حَالَة التَّنْصِيص فَكَذَا فِي حَالَة الْإِطْلَاق عَن كل عيب فَيدْخل تَحْتَهُ الْحَادِث بعد البيع قبل الْقَبْض فَلَمَّا كَانَت الْبَرَاءَة عَن الْعَيْب الْحَادِث بعد البيع قبل الْقَبْض لَا تصح عِنْد مُحَمَّد حَالَة التَّنْصِيص فحالة الْإِطْلَاق أولى
стр. 503
ثمَّ مَا ذكرنَا من الْجَواب فِيمَا إِذا قَالَ أَبْرَأتك عَن كل عيب مُطلقًا
فَأَما إِذا قَالَ أبيعك على أَنِّي بَرِيء من كل عيب بِهِ لم يدْخل فِي ذَلِك الْعَيْب الْحَادِث فِي قَوْلهم جَمِيعًا لِأَنَّهُ لم يعم الْبَرَاءَة وَإِنَّمَا خصها بالموجود الْقَائِم عِنْد العقد دون غَيره
وَلَو قَالَ على أَنِّي بَرِيء من كل عيب كَذَا وسمى ضربا من الْعُيُوب أَو ضَرْبَيْنِ لم يبرأ من غير ذَلِك النَّوْع مثل أَن يبرأ من القروح أَو الكي وَنَحْو ذَلِك لِأَنَّهُ أسقط الْحق من نوع خَاص
وَلَو كَانَت الْبَرَاءَة عَامَّة فاختلفا فِي عيب فَقَالَ البَائِع كَانَ بِهِ يَوْم العقد وَقَالَ المُشْتَرِي بل حدث قبل الْقَبْض فَالْقَوْل قَول البَائِع عِنْد أبي يُوسُف وَعند مُحَمَّد لِأَن الْبَرَاءَة عَامَّة فَإِذا ادّعى المُشْتَرِي حُدُوث عيب فيريد إبِْطَال الْعُمُوم فَلَا يبطل قَوْله إِلَّا بِبَيِّنَة
وَقَالَ زفر وَالْحسن القَوْل قَول المُشْتَرِي لِأَن الأَصْل هُوَ ثُبُوت الْحق وَالْمُشْتَرِي هُوَ المبرىء فَيكون القَوْل قَوْله فِي مِقْدَار الْبَرَاءَة
وَلَو كَانَت الْبَرَاءَة من عيب خَاص سَمَّاهُ المُشْتَرِي ثمَّ اخْتلفَا فَقَالَ البَائِع كَانَ بهَا وَقَالَ المُشْتَرِي حدث قبل الْقَبْض فَالْقَوْل قَول المُشْتَرِي عِنْد مُحَمَّد وَلم يثبت عَن أبي يُوسُف قَول لِأَن هَذِه الْبَرَاءَة خَاصَّة فَالْقَوْل فِيهَا قَول المُشْتَرِي كَمَا فِي الْبَرَاءَة عَن دين خَاص
стр. 504
بَاب الْإِقَالَة والمرابحة
وَغير ذَلِك فِي الْبَاب فُصُول بَيَان الْمُرَابَحَة وَبَيَان الْإِقَالَة وَبَيَان حكم الِاسْتِبْرَاء وَبَيَان جَوَاز التَّفْرِيق بَين ذَوي الرَّحِم الْمحرم وتحريمه فِي البيع
أما الأول فَنَقُول البيع فِي حق الْبَدَل يَنْقَسِم خَمْسَة أَقسَام بيع المساومة وَهُوَ البيع بِأَيّ ثمن اتّفق وَهُوَ الْمُعْتَاد
وَالثَّانِي بيع الْمُرَابَحَة وَهُوَ تمْلِيك الْمَبِيع بِمثل الثّمن الأول وَزِيَادَة ربح
وَالثَّالِث بيع التَّوْلِيَة وَهُوَ تمْلِيك الْمَبِيع بِمثل الثّمن الأول من غير زِيَادَة وَلَا نُقْصَان
وَالرَّابِع الْإِشْرَاك وَهُوَ بيع التَّوْلِيَة فِي بعض الْمَبِيع من النّصْف وَالثلث وَغير ذَلِك
وَالْخَامِس بيع الوضيعة وَهُوَ تمْلِيك الْمَبِيع بِمثل الثّمن الأول مَعَ نُقْصَان شَيْء مِنْهُ
стр. 505
ثمَّ الأَصْل فِي بيع الْمُرَابَحَة أَنه مَبْنِيّ على الْأَمَانَة فَإِنَّهُ بيع بِالثّمن الأول بقول البَائِع من غير بَيِّنَة وَلَا استحلاف فَيجب صيانته عَن حَقِيقَة الْخِيَانَة وَشبههَا فَإِذا ظَهرت الْخِيَانَة يجب رده كالشاهد يجب قبُول قَوْله فَإِذا ظَهرت الْخِيَانَة يرد قَوْله كَذَا هَذَا
إِذا ثَبت هَذَا فَنَقُول إِذا بَاعَ شَيْئا مُرَابحَة على الثّمن الأول فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون الثّمن من ذَوَات الْأَمْثَال كالدراهم وَالدَّنَانِير والمكيل وَالْمَوْزُون والمعدود المتقارب أَو يكون من الْأَعْدَاد المتفاوتة مثل العبيد والدور وَالثيَاب وَالرُّمَّان والبطاطيخ وَنَحْوهَا
أما إِذا كَانَ الثّمن الأول مثلِيا فَبَاعَهُ مُرَابحَة على الثّمن الأول وَزِيَادَة ربح فَيجوز سَوَاء كَانَ الرِّبْح من جنس الثّمن الأول أَو لم يكن بعد أَن يكون شَيْئا مُقَدرا مَعْلُوما نَحْو الدِّرْهَم والخمسة وثوب مشار إِلَيْهِ أَو دِينَار لِأَن الثّمن الأول مَعْلُوم وَالرِّبْح مَعْلُوم
فَأَما إِذا كَانَ الثّمن الأول لَا مثل لَهُ فَإِن أَرَادَ أَن يَبِيعهُ مُرَابحَة عَلَيْهِ فَهَذَا على وَجْهَيْن إِمَّا أَن يَبِيعهُ مُرَابحَة مِمَّن كَانَ الْعرض فِي يَده وَملكه أَو من غَيره
فَإِن بَاعه مِمَّن لَيْسَ فِي ملكه وَيَده لَا يجوز لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يَبِيعهُ مُرَابحَة بذلك الْعرض أَو بِقِيمَتِه وَلَا وَجه للْأولِ لِأَن الْعرض لَيْسَ فِي ملك من يَبِيعهُ مِنْهُ وَلَا وَجه أَن يَبِيعهُ مُرَابحَة بِقِيمَتِه لِأَن الْقيمَة تعرف بالحزر وَالظَّن فيتمكن فِيهِ شُبْهَة الْخِيَانَة
وَأما إِذا أَرَادَ أَن يَبِيعهُ مُرَابحَة مِمَّن كَانَ الْعرض فِي يَده وَملكه فَهَذَا على وَجْهَيْن إِن قَالَ أبيعك مُرَابحَة بِالثَّوْبِ الَّذِي فِي يدك وبربح عشرَة
стр. 506
دَرَاهِم جَازَ لِأَنَّهُ جعل الرِّبْح على الثَّوْب عشرَة دَرَاهِم وَهِي مَعْلُومَة
وَإِن قَالَ أبيعك بذلك الثَّوْب بِرِبْح ده يازده فَإِنَّهُ لَا يجوز لِأَن تَسْمِيَة ربح ده يازده أَو أحد عشر يَقْتَضِي أَن يكون الرِّبْح من جنس رَأس المَال لِأَنَّهُ لَا يكون أحد عشر إِلَّا وَأَن يكون الْحَادِي عشر من جنس الْعشْرَة فَصَارَ كَأَنَّهُ بَاعَ بِالثّمن الأول وَهُوَ الثَّوْب وبجزء من جنس الأول وَالثَّوْب لَا مثل لَهُ من جنسه
ثمَّ فِي بيع الْمُرَابَحَة يعْتَبر رَأس المَال وَهُوَ الثّمن الأول أَي مَا ملك الْمَبِيع بِهِ وَوَجَب بِالْعقدِ دون مَا نَقده بَدَلا عَن الأول بَيَانه إِذا اشْترى ثوبا بِعشْرَة دَرَاهِم ثمَّ أعْطى عَنْهَا دِينَارا أَو ثوبا قِيمَته عشرَة دَرَاهِم أَو أقل أَو أَكثر فَإِن رَأس المَال هُوَ الْعشْرَة الْمُسَمَّاة فِي العقد دون الدِّينَار وَالثَّوْب لِأَن هَذَا يجب بِعقد آخر وَهُوَ الِاسْتِبْدَال
وَكَذَلِكَ من اشْترى ثوبا بِعشْرَة وَهِي خلاف نقد الْبَلَد ثمَّ قَالَ لآخر أبيعك هَذَا الثَّوْب بِرِبْح دِرْهَم لزمَه عشرَة مثل الَّتِي وَجَبت بِالْعقدِ
وَإِن كَانَ يُخَالف نقد الْبَلَد وَالرِّبْح يكون من نقد الْبَلَد لِأَنَّهُ أطلق الرِّبْح فَيَقَع على نقد الْبَلَد
وَلَو نسب الرِّبْح إِلَى رَأس المَال فَقَالَ أبيعك بِرِبْح الْعشْرَة أَو ده يَا زده أَو بِرِبْح أحد عشر فَالرِّبْح من جنس الثّمن الأول لِأَنَّهُ جعله جُزْءا مِنْهُ فَكَانَ على صفته
وَلَو اشْترى ثوبا بِعشْرَة دَرَاهِم جِيَاد ثمَّ إِنَّه دفع إِلَى البَائِع عشرَة دَرَاهِم بَعْضهَا جِيَاد وَبَعضهَا زيوف وَتجوز بذلك البَائِع ثمَّ أَرَادَ أَن
стр. 507
يَبِيعهُ مُرَابحَة جَازَ لَهُ أَن يَبِيعهُ مُرَابحَة على الْعشْرَة الْجِيَاد من غير بَيَان لِأَن الْمُسَمّى الْمَضْمُون بِالْعقدِ هُوَ الْجِيَاد لَكِن جعل الرَّديئَة بَدَلا عَن الأول بِعقد آخر
وَلَو اشْترى ثوبا بِعشْرَة نَسِيئَة فَبَاعَهُ مُرَابحَة على الْعشْرَة وَبَين أَنه اشْتَرَاهُ بهَا نَسِيئَة لَا يكره لِأَنَّهُ لم يُوجد الْخِيَانَة حَيْثُ أعلم المُشْتَرِي بذلك وَرَضي بِهِ فَأَما إِذا بَاعَ مُرَابحَة على الْعشْرَة من غير بَيَان النَّسِيئَة فَإِنَّهُ يكره وَالْبيع جَائِز وَللْمُشْتَرِي الْخِيَار إِذا علم لِأَنَّهُ وجد الْغرُور والخيانة لِأَن المُشْتَرِي إِنَّمَا اشْتَرَاهُ مُرَابحَة على الْعشْرَة على تَقْدِير أَن الثّمن فِي البيع الأول عشرَة بطرِيق النَّقْد وَيخْتَلف ثمن الْمَبِيع بَين النَّسِيئَة والنقد فَيثبت لَهُ الْخِيَار كَمَا لَو اشْترى برقمه ثمَّ علم فِي الْمجْلس يثبت لَهُ الْخِيَار كَذَا هَذَا بِخِلَاف مَا إِذا بَاعه مساومة بِأَكْثَرَ من قِيمَته ثمَّ علم المُشْتَرِي بِأَنَّهُ اشْترى بِأَقَلّ من ذَلِك لَا يكون لَهُ الْخِيَار لِأَن المُشْتَرِي لم يصر مغرورا من جِهَته
وَلَو قَالَ إِن قِيمَته كَذَا وَهُوَ أَكثر من قِيمَته وَالْمُشْتَرِي لَا يعرف قيمَة الْأَشْيَاء وَاشْتَرَاهُ بِنَاء على قَول البَائِع فَإِنَّهُ يكون لَهُ الْخِيَار لِأَنَّهُ يصير غارا أما إِذا كَانَ عَالما بِالْقيمَةِ وَاشْتَرَاهُ بِأَكْثَرَ من ذَلِك لغَرَض لَهُ فِي ذَلِك فَلَا بَأْس بِهِ وأصحابنا يفتون فِي المغبون أَنه لَا يرد وَلَكِن هَذَا فِي مغبون لم يغر أما فِي مغبون غر فَيكون لَهُ حق الرَّد اسْتِدْلَالا بِمَسْأَلَة الْمُرَابَحَة فِي النَّسِيئَة
وَلَو اشْترى بدين لَهُ على رجل فَلهُ أَن يَبِيعهُ مُرَابحَة من غير بَيَان لِأَنَّهُ اشْترى بِثمن فِي ذمَّته لِأَن الدّين لَا يتَعَيَّن ثمنا
وَإِن أَخذ ثوبا صَالحا من دين لَهُ على رجل لَيْسَ لَهُ أَن يَبِيعهُ مُرَابحَة على ذَلِك الدّين لِأَن مبْنى الصُّلْح على الْحَط
стр. 508
وَلَو اشْترى ثوبا بِعشْرَة ثمَّ رقمه بِأَكْثَرَ من الثّمن وَهُوَ قِيمَته فَإِن كَانَ قِيمَته أَكثر من ذَلِك ثمَّ بَاعه مُرَابحَة على الرقم جَازَ وَلَا يكون خِيَانَة لِأَنَّهُ بَاعَ الْمَبِيع من غير خِيَانَة حَيْثُ ذكر الرقم وَلَكِن هَذَا إِذا كَانَ عِنْد البَائِع أَن المُشْتَرِي يعلم أَن الرقم غير وَالثمن غير وَأما إِذا كَانَ عِنْده أَن المُشْتَرِي يعلم أَن الرقم وَالثمن سَوَاء فَإِنَّهُ يكون خِيَانَة وَله الْخِيَار
وَكَذَا لَو ملك شَيْئا بِالْمِيرَاثِ أَو الْهِبَة فقومه رجل عدل بِقِيمَة عدل ثمَّ بَاعه مُرَابحَة على قِيمَته وَهِي كَذَا لَا بَأْس بِهِ لِأَنَّهُ صَادِق فِي مقَالَته
وَلَو اشْترى شَيْئا بِعشْرَة دَرَاهِم فَقَالَ لرجل آخر اشْتريت هَذَا بِاثْنَيْ عشر وأبيعك مُرَابحَة بِرِبْح دِرْهَم ثمَّ ظهر أَن الثّمن الأول كَانَ عشرَة إِمَّا بِإِقْرَار البَائِع أَو بِالْبَيِّنَةِ قَالَ أَبُو حنيفَة وَمُحَمّد رَحْمَة الله عَلَيْهِمَا لَا يحط قدر الْخِيَانَة من الثّمن وَلَكِن يتَخَيَّر المُشْتَرِي إِن شَاءَ فسخ البيع وَإِن شَاءَ رَضِي ربه بِجَمِيعِ الثّمن
وَقَالَ أَبُو يُوسُف بِأَنَّهُ يحط قدر الْخِيَانَة وحصته من الرِّبْح وَيكون العقد لَازِما بِالْبَاقِي من الثّمن فيحط عَنهُ دِرْهَمَانِ وحصتهما من الرِّبْح وَذَلِكَ سدس دِرْهَم
هَذَا فِي بيع الْمُرَابَحَة
فَأَما إِذا خَان فِي بيع التَّوْلِيَة فقد قَالَ أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف يحط قدر الْخِيَانَة وَيلْزم البيع بِالثّمن الْبَاقِي بِلَا خِيَار
وَقَالَ مُحَمَّد بِأَنَّهُ لَا يحط قدر الْخِيَانَة لَكِن يتَخَيَّر المُشْتَرِي مَا دَامَ الْمَبِيع قَائِما فَإِذا هلك سقط خِيَاره
стр. 509
فَأَبُو يُوسُف سوى بَين التَّوْلِيَة والمرابحة وَقَالَ يحط قدر الْخِيَانَة فيهمَا وَيلْزم العقد بِالْبَاقِي فيهمَا
وَمُحَمّد سوى بَينهمَا وَقَالَ لَا يحط قدر الْخِيَانَة فيهمَا وَيثبت لَهُ الْخِيَار
وَأَبُو حنيفَة فرق فَقَالَ يحط قدر الْخِيَانَة فِي التَّوْلِيَة وَلَا يحط فِي الْمُرَابَحَة
ثمَّ الأَصْل أَن كل نَفَقَة ومؤونة حصلت فِي السّلْعَة وأوجبت زِيَادَة فِي الْمَعْقُود عَلَيْهِ إِمَّا من حَيْثُ الْعين أَو من حَيْثُ الْقيمَة وَكَانَ ذَلِك مُعْتَادا إِلْحَاقًا بِرَأْس المَال عِنْد التِّجَارَة فَإِنَّهُ يلْحق بِرَأْس المَال كَأُجْرَة القصارة والخياطة والكراء وَطَعَام الرَّقِيق وكسوتهم وعلف الدَّوَابّ وثيابهم وَنَحْو ذَلِك فبيعه مُرَابحَة عَلَيْهِ وَلَا يَقُول عِنْد البيع إِن ثمنه كَذَا وَلَكِن يَقُول يقوم عَليّ بِكَذَا فأبيعك على هَذَا مَعَ ربح كَذَا حَتَّى لَا يكون كَاذِبًا فِي كَلَامه
أما أُجْرَة تَعْلِيم الْقُرْآن وَالْأَدب وَالشعر والحرف فَإِنَّهَا لَا تلْحق بِرَأْس المَال وَإِن أوجبت زِيَادَة فِي الْقيمَة لِأَنَّهَا لَيست بمتعارفة عِنْد التُّجَّار
وَكَذَا أُجْرَة الطَّبِيب وَثمن الدَّوَاء وَأُجْرَة الفصاد والحجام وَأُجْرَة الْخِتَان والبزاغ وَأُجْرَة الرائض والراعي وَجعل الْآبِق لِأَن عَادَة التُّجَّار هَكَذَا
وَأما أُجْرَة السمسار فَفِي ظَاهر الرِّوَايَة يلْحق بِرَأْس المَال وَفِي البرامكة قَالَ لَا يلْحق
وَأما الْإِقَالَة فمشروعة لقَوْله ﵊ من أقَال نَادِما بيعَته أقَال الله عثرته يَوْم الْقِيَامَة
ثمَّ اخْتلفُوا فِيهَا قَالَ أَبُو حنيفَة هِيَ فسخ فِي حق الْمُتَعَاقدين بيع جَدِيد فِي حق
стр. 510
الثَّالِث حَتَّى إِن من اشْترى دَارا وَلها شَفِيع فَسلم الشُّفْعَة ثمَّ أقالا البيع فِيهَا فَإِنَّهُ يثبت للشَّفِيع الشُّفْعَة ثَانِيًا لِأَنَّهَا عقد جَدِيد فِي حق الشَّفِيع
وَقَالَ مُحَمَّد الْإِقَالَة فسخ إِلَّا إِذا كَانَ لَا يُمكن أَن تجْعَل فسخا فتجعل بيعا جَدِيدا
وَقَالَ أَبُو يُوسُف هِيَ بيع جَدِيد مَا أمكن فَإِن لم يُمكن تجْعَل فسخا بِأَن كَانَت الْإِقَالَة قبل قبض الْمَبِيع وَهُوَ مَنْقُول فَإِنَّهَا تجْعَل فسخا لِأَن بيع الْمَنْقُول قبل الْقَبْض لَا يجوز حَتَّى إِذا كَانَ الْمَبِيع دَارا وأقالا قبل الْقَبْض يكون بيعا لِأَن بيع الْعقار الْمَبِيع قبل الْقَبْض جَائِز عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف رحمهمَا الله
وَقَالَ زفر هِيَ فسخ فِي حق الْمُتَعَاقدين وَغَيرهمَا حَتَّى لَا يَقُول بِثُبُوت الشُّفْعَة كَمَا قَالَ أَبُو حنيفَة
ويبنى على هَذَا أَنَّهُمَا إِذا تقابلا بِأَكْثَرَ من الثّمن الأول أَو بِأَقَلّ أَو بِجِنْس آخر أَو أجل الثّمن فِي الْإِقَالَة فعلى قَول أبي حنيفَة تصح الْإِقَالَة بِالثّمن الأول وَيبْطل مَا شرطاه لِأَنَّهَا فسخ فِي حق الْمُتَعَاقدين وَالْفَسْخ يكون بِالثّمن الأول وَيبْطل الشَّرْط الْفَاسِد
وَهُوَ قَول زفر لِأَنَّهَا فسخ مَحْض فِي حق النَّاس كَافَّة
وعَلى قَول الشَّافِعِي الْإِقَالَة بَاطِلَة هَهُنَا لِأَنَّهُمَا أدخلا فِيهَا شرطا فَاسِدا فَهِيَ كَالْبيع
وَقَالَ مُحَمَّد إِن كَانَت الْإِقَالَة بِغَيْر الثّمن الأول أَو بِأَكْثَرَ مِنْهُ فَهِيَ بيع
وَإِن كَانَت بِمثل الثّمن الأول أَو أقل فَهِيَ فسخ بِالثّمن وَيبْطل شَرط النُّقْصَان وَكَذَلِكَ إِن أجل يبطل الْأَجَل
стр. 511
وعَلى قَول أبي يُوسُف يَصح بِمَا ذكرا من الثّمن وشرطا بِهِ من الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان وَالْأَجَل لِأَنَّهَا بيع جَدِيد مَا أمكن وَهُوَ مُمكن
وَأما بَيَان حكم الِاسْتِبْرَاء فَنَقُول الِاسْتِبْرَاء مَشْرُوع
وَهُوَ نَوْعَانِ مَنْدُوب وواجب
فالاستبراء الْمَنْدُوب إِلَيْهِ هُوَ أَن الرجل إِذا وطىء جَارِيَته ثمَّ أَرَادَ بيعهَا يسْتَحبّ لَهُ أَن يَسْتَبْرِئهَا بِحَيْضَة ثمَّ يَبِيعهَا عِنْد عَامَّة الْعلمَاء
وَقَالَ مَالك وَاجِب لِأَن احْتِمَال الْعلُوق مِنْهُ قَائِم فَيجب عَلَيْهِ صِيَانة مَائه عَن الضّيَاع
وَلَكِن عندنَا لَا يجب لِأَن سَبَب الْوُجُوب لم يُوجد على مَا نذْكر
وَأما الِاسْتِبْرَاء الْوَاجِب فَهُوَ الِاسْتِبْرَاء على من يحدث لَهُ ملك الِاسْتِمْتَاع بِملك الْيَمين بِأَيّ سَبَب كَانَ من السَّبي وَالشِّرَاء وَالْهِبَة وَالْوَصِيَّة وَالْمِيرَاث وَنَحْوهَا
وَأَصله مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﵇ أَنه قَالَ فِي سَبَايَا أَوْطَاس أَلا لَا تُوطأ الحبالى حَتَّى يَضعن حَملهنَّ وَلَا الحيالى حَتَّى يستبرئن بِحَيْضَة أوجب الِاسْتِبْرَاء على السابي والسبي سَبَب حُدُوث ملك الِاسْتِمْتَاع بِملك الْيَمين فَيكون نصا فِي كل مَا هُوَ سَبَب حل الِاسْتِمْتَاع بِملك الْيَمين دلَالَة
стр. 512
ثمَّ مِقْدَار مُدَّة الِاسْتِبْرَاء هِيَ فِي الْحَيْضَة حق ذَوَات الْأَقْرَاء وَفِي حق ذَوَات الْأَشْهر شهر وَاحِد
لِأَن الِاسْتِبْرَاء إِنَّمَا يجب صِيَانة للْمَاء كي لَا يخْتَلط مَاؤُهُ بِمَاء غَيره فَلَا بُد لَهُ من الْمدَّة وَأَقل الْمدَّة هَذَا
وَإِن كَانَت الْجَارِيَة ممتدة الطُّهْر بِأَن كَانَت شَابة لَا تحيض فَإِن استبراءها لَا يكون بِشَهْر وَاحِد كَمَا فِي الآيسة وَاخْتلف الْعلمَاء فِي مُدَّة استبرائها حَتَّى يُبَاح للْمُشْتَرِي وَطْؤُهَا عِنْد مضيها قَالَ أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف لَا يَطَأهَا حَتَّى يمْضِي عَلَيْهَا مُدَّة لَو كَانَت حَامِلا لظهر آثَار الْحمل من انتفاخ الْبَطن وَغَيره وَذَلِكَ ثَلَاثَة أشهر وَمَا زَاد عَلَيْهِ
وَقَالَ مُحَمَّد أَولا بِأَنَّهُ لَا يَطَأهَا حَتَّى يمْضِي عَلَيْهَا أَرْبَعَة أشهر وَعشرَة أَيَّام ثمَّ رَجَعَ وَقَالَ شَهْرَان وَخَمْسَة أَيَّام
وَقَالَ زفر لَا يَطَأهَا حَتَّى تمْضِي سنتَانِ
ثمَّ مَا لم تمض مُدَّة الِاسْتِبْرَاء لَا يحل للْمَالِك أَن يَطَأهَا وَأَن يقبلهَا ويمسها لشَهْوَة وَأَن ينظر إِلَى عورتها بِالنَّصِّ الَّذِي روينَا
وبالمعنى الَّذِي ذكرنَا من صِيَانة المَاء وَسَوَاء وَطئهَا أَو لَا أَو كَانَ بَائِعهَا مِمَّن لَا يَطَؤُهَا كَالْمَرْأَةِ وَالصَّبِيّ لِأَن احْتِمَال الْوَطْء من غَيره قَائِم
ثمَّ إِنَّمَا يعْتَبر الِاسْتِبْرَاء بعد الْقَبْض حَتَّى لَو مَضَت مُدَّة الِاسْتِبْرَاء بعد البيع قبل الْقَبْض ثمَّ قبضهَا يجب الِاسْتِبْرَاء
هَذَا هُوَ الْمَشْهُور من مَذْهَب أَصْحَابنَا جَمِيعًا
وَرُوِيَ عَن أبي يُوسُف أَنه يجْزِيه الِاسْتِبْرَاء قبل الْقَبْض
وَلَو اشْترى جَارِيَة حَامِلا فَوضعت الْحمل بعد الْقَبْض يُبَاح الْوَطْء لِأَن وضع الْحمل كَونه دَلِيلا على بَرَاءَة الرَّحِم فَوق الْقُرْء
стр. 513
وَإِن كَانَ الْوَضع قبل الْقَبْض فَلَا عِبْرَة لما ذكرنَا أَنه إِنَّمَا يجب سَبَب حُدُوث حل الِاسْتِمْتَاع بِملك الْيَمين وَإِنَّمَا يحل الْوَطْء بعد الْقَبْض فَلَا يجب قبل وجود سَبَب الْوُجُوب
وعَلى هَذَا إِذا اشْترى جَارِيَة لَهَا زوج وَقَبضهَا وَطَلقهَا زَوجهَا قبل الدُّخُول بهَا فَلَا اسْتِبْرَاء عَلَيْهِ لِأَن السَّبَب غير مُوجب الِاسْتِبْرَاء عِنْد الْقَبْض بِسَبَب كَونهَا حَلَالا لزوج فَلَا يجب بعد ذَلِك
وعَلى هَذَا إِذا اشْتَرَاهَا وَهِي مُعْتَدَّة من زوج فانقضت عدتهَا بعد الْقَبْض لِأَنَّهَا لَا تجب حَال وجود السَّبَب لمَانع فَلَا يجب بعد ذَلِك
وَلَو انْقَضتْ الْعدة قبل الْقَبْض يجب الِاسْتِبْرَاء بعد الْقَبْض لما قُلْنَا
وَلَو حرم فرج الْأمة على مَوْلَاهَا على وَجه لَا يخرج عَن ملكه لمَانع بَعْدَمَا كَانَ حَلَالا واستبرأها بعد الْقَبْض ثمَّ زَالَ ذَلِك الْمَانِع بعد الشِّرَاء حل الْوَطْء وَلَا اسْتِبْرَاء عَلَيْهِ كَمَا إِذا كاتبها فتعجز أَو زَوجهَا فيطلقها الزَّوْج قبل الدُّخُول أَو ترتد عَن الْإِسْلَام ثمَّ تسلم أَو أَحرمت بِالْحَجِّ بِإِذن سَيِّدهَا ثمَّ حلت لِأَن هَذَا تَحْرِيم عَارض مَعَ بَقَاء الْملك الْمُبِيح فَلَا يمْنَع صِحَة الِاسْتِبْرَاء فَصَارَ كَمَا لَو حَاضَت ثمَّ طهرت
وَلَو اشْترى أمة مَجُوسِيَّة أَو مسلمة فكاتبها قبل أَن يَسْتَبْرِئهَا أَو اشْترى جَارِيَة مُحرمَة فَحَاضَت فِي حَال كتَابَتهَا ومجوسيتها وَحَال إحرامها بعد الْقَبْض ثمَّ عجزت الْمُكَاتبَة وَأسْلمت الْمَجُوسِيَّة وحلت الْمُحرمَة عَن الْإِحْرَام فَإِنَّهُ يجتزىء تِلْكَ الْحَيْضَة من الِاسْتِبْرَاء لِأَنَّهَا وجدت بعد وجود سَبَب الِاسْتِبْرَاء وَهُوَ حُدُوث ملك الْيَمين الْمُوجب لملك الِاسْتِمْتَاع إِلَّا أَنه لَا يحل الِاسْتِيفَاء لمَانع وَهَذَا لَا يمْنَع من الِاعْتِدَاد كالحيض بِخِلَاف مَا إِذا اشْترى جَارِيَة بيعا فَاسِدا وَقَبضهَا ثمَّ حَاضَت حَيْضَة ثمَّ اشْتَرَاهَا بعد ذَلِك شِرَاء صَحِيحا حَيْثُ لَا يعْتد
стр. 514
بِتِلْكَ الْحَيْضَة عَن الِاسْتِبْرَاء لِأَن الشِّرَاء الْفَاسِد لَا يُوجب ملك الِاسْتِمْتَاع وَإِن اتَّصل بِهِ الْقَبْض
وَأما التَّفْرِيق بَين الصَّغِير وَبَين ذَوي الْأَرْحَام المجتمعة فِي الْملك فَنَقُول لَا خلاف أَن التَّفْرِيق فِي الولاد مَكْرُوه كالتفريق بَين الْأَب وَابْنه وَنَحْو ذَلِك
وَأما فِيمَن سواهُم من ذَوي الرَّحِم الْمحرم كالإخوة وَالْأَخَوَات والأعمام والعمات والأخوال والخالات فَإِنَّهُ يكره التَّفْرِيق أَيْضا عندنَا خلافًا للشَّافِعِيّ
وَأَصله مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﵇ أَنه قَالَ من فرق بَين وَالِدَة وَوَلدهَا فرق الله بَينه وَبَين الْجنَّة وذوو الْأَرْحَام مُلْحقَة بالولاد فِي بَاب الْمُحرمَات احْتِيَاطًا لحُرْمَة النِّكَاح
وَقَالَ الشَّافِعِي لَا يلْحق ذُو الْأَرْحَام بالولاد كَمَا فِي الْعتْق وَالنَّفقَة
وَإِنَّمَا يُبَاح التَّفْرِيق بعد الْبلُوغ
وَقَالَ الشَّافِعِي إِذا بلغ سبع سِنِين جَازَ التَّفْرِيق
وَالصَّحِيح قَوْلنَا لما روى الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادِهِ عَن النَّبِي ﵇ أَنه قَالَ لَا يجمع عَلَيْهِم السَّبي والتفريق حَتَّى يبلغ الْغُلَام وتحيض الْجَارِيَة
ثمَّ مَتى فرق بَينهمَا بِالْبيعِ جَازَ مَعَ الْكَرَاهَة عندنَا
وَقَالَ الشَّافِعِي البيع بَاطِل
وَرُوِيَ عَن أبي يُوسُف أَنه قَالَ فِي الولاد البيع بَاطِل وَفِي غَيرهم جَائِز مَعَ الْكَرَاهَة
стр. 515
وَهَذَا بِنَاء على أَن النَّهْي عَن الْمَشْرُوع يَقْتَضِي بطلَان التَّصَرُّف عِنْد الشَّافِعِي وَعِنْدنَا بِخِلَافِهِ لَكِن هَذَا نهي لِمَعْنى فِي غَيره بِمَنْزِلَة البيع وَقت النداء
وَإِذا اجْتمع مَعَ الصَّغِير عدد من أقربائه من الرَّحِم الْمحرم فِي ملك وَاحِد فَعَن أبي يُوسُف رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَة بشر أَنه لَا يفرق بَينه وَبَين وَاحِد مِنْهُم اخْتلفت جِهَات قرابتهم كالعمة وَالْخَالَة أَو اتّفقت كالعمين والخالين والأخوين وَكَذَا لَا يفرق بَينه وَبَين الْأَبْعَد وَإِن وجد الْأَقْرَب حَتَّى إِذا اجْتمع مَعَ الصَّغِير أَبَوَاهُ وجداه لم يفرق بَينه وَبَين الجدين لِأَن لكل شخص شَفَقَة على حِدة
وَفِي رِوَايَة ابْن سَمَّاعَة عَنهُ أَنه يجوز التَّفْرِيق بَين الصَّغِير وَبَين الْأَبْعَد إِذا وجد من هُوَ أقرب مِنْهُ
وَذكر مُحَمَّد فِي الزِّيَادَات إِذا اجْتمع مَعَ الصَّغِير أَبَوَاهُ لم يفرق بَينه وَبَين وَاحِد مِنْهُمَا وَجَاز أَن يفرق بَينه وَبَين من سواهُمَا مَعَهُمَا
وَإِذا اجْتمعت الْقرَابَات غير الْأَب وَالأُم فَإِن كَانَت من جِهَات مُخْتَلفَة كَأُمّ الْأَب وَأم الْأُم وَالْخَالَة والعمة لم يفرق بَينه وَبَين وَاحِد مِنْهُم
وَإِن كَانُوا من جِهَة وَاحِدَة كالإخوة أَو العمات أَو الخالات جَازَ بيعهم من غير كَرَاهَة إِلَّا بيع وَاحِد مِنْهُم
وَيجوز بيع الْبعيد إِذا وجد من هُوَ أقرب مِنْهُ لِأَن فِي الْجِنْس الْوَاحِد الشَّفَقَة من جنس وَاحِد فيكتفي بِوَاحِد
وَعند اخْتِلَاف الْجِهَات يخْتَلف الشَّفَقَة فَلِكُل نوع شَفَقَة تخَالف النَّوْع الآخر فَلَا بُد من اجْتِمَاع الْكل
стр. 516
كتاب النِّكَاح
يحْتَاج إِلَى بَيَان صفة النِّكَاح الْمَشْرُوعَة وَإِلَى بَيَان تَفْسِير النِّكَاح لُغَة وَإِلَى تَفْسِيره فِي عرف الشَّرْع
أما الأول فقد اخْتلف الْعلمَاء فِيهِ قَالَ دَاوُد بن عَليّ الْأَصْفَهَانِي وَمن تَابعه من أَصْحَاب الظَّوَاهِر إِن النِّكَاح فرض عين حَتَّى إِن من تَركه مَعَ الْقُدْرَة على الْوَطْء والإنفاق فَإِنَّهُ يَأْثَم
وَقَالَ الشَّافِعِي إِنَّه مُبَاح
وَاخْتلف أَصْحَابنَا فَقَالَ بَعضهم إِنَّه فرض كِفَايَة إِذا قَامَ بِهِ الْبَعْض سقط عَن البَاقِينَ
وَقَالَ بَعضهم إِنَّه مَنْدُوب ومستحب
وَقَالَ بَعضهم إِنَّه وَاجِب لَكِن بَعضهم قَالُوا يجب على سَبِيل
стр. 517
التَّعْيِين بِمَنْزِلَة الْوتر وَالْأُضْحِيَّة
وَقَالَ بَعضهم هُوَ وَاجِب على سَبِيل الْكِفَايَة
ويبتنى على هَذَا الْخلاف
مَسْأَلَة التخلي
فعندنا الِاشْتِغَال بِالنِّكَاحِ مَعَ أَدَاء الْفَرَائِض وَالسّنَن أولى من التخلي لنوافل الْعِبَادَة مَعَ ترك النِّكَاح خلافًا للشَّافِعِيّ وَهِي مَسْأَلَة مَعْرُوفَة
وَأما تَفْسِير النِّكَاح لُغَة فَهُوَ الْجمع الْمُطلق يُقَال أَنْكَحنَا الفرا فسنرى أَي جَمعنَا بَينهمَا
وَأما فِي الشَّرْع فعبارة عَن وجود ركن العقد مَعَ شُرُوطه
أما رُكْنه فَهُوَ الْإِيجَاب وَالْقَبُول من الزَّوْجَيْنِ وهما لفظان يعبر بهما عَن الْمَاضِي أَو يعبر بِأَحَدِهِمَا عَن الْمَاضِي وَالْآخر عَن الْمُسْتَقْبل وَفِي البيع لَا يَصح مَا لم يكن اللفظان يعبر بهما عَن الْمَاضِي على مَا ذكرنَا فِي الْبيُوع
ثمَّ لَا خلاف بَين الْعلمَاء بِأَن النِّكَاح ينْعَقد بِلَفْظ التَّزْوِيج وَالنِّكَاح
وَاخْتلفُوا فِيمَا سواهُمَا من الْأَلْفَاظ نَحْو لفظ البيع وَالْهِبَة وَالتَّمْلِيك وَنَحْوهَا
وَقَالَ الشَّافِعِي لَا ينْعَقد إِلَّا بِهَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ
стр. 518
وَعند أَصْحَابنَا لَا ينْعَقد إِلَّا بِلَفْظ مَوْضُوع للتَّمْلِيك
ثمَّ اخْتلف الْمَشَايِخ قَالَ عامتهم لَا ينْعَقد إِلَّا بِلَفْظ مَوْضُوع لتمليك الْأَعْيَان كَالْبيع وَالْهِبَة وَلَا ينْعَقد بِلَفْظ مَوْضُوع لتمليك الْمَنَافِع كَالْإِجَارَةِ والإعارة
وَقَالَ الْكَرْخِي ينْعَقد بِلَفْظ وضع للتَّمْلِيك مُطلقًا سَوَاء كَانَ لتمليك الْأَعْيَان أَو لتمليك الْمَنَافِع حَتَّى ينْعَقد بِلَفْظ الْإِجَارَة والإعارة عِنْده
وَأما لفظ الْوَصِيَّة فَإِن ذكر مُطلقًا بِأَن قَالَ أوصيتك بِابْنَتي هَذِه بِأَلف دِرْهَم لَا يَصح لِأَن الْوَصِيَّة تمْلِيك بعد الْمَوْت وَالنِّكَاح الْمُضَاف إِلَى وَقت لَا يجوز بِأَن قَالَت الْمَرْأَة زوجت نَفسِي مِنْك شهر رَمَضَان بِأَلف دِرْهَم
وَأما إِذا قَالَ أوصيتك بِابْنَتي هَذِه الْآن بِأَلف دِرْهَم أَو لم يذكر الْمهْر وَقبل الزَّوْج فَإِنَّهُ ينْعَقد النِّكَاح
وَأما بِلَفْظَة الْإِحْلَال والتحليل وَالْإِبَاحَة فَلَا ينْعَقد لِأَنَّهَا لَا تَقْتَضِي التَّمْلِيك
وَكَذَا بِلَفْظَة الْمُتْعَة بِأَن قَالَ الزَّوْج أتمتع بك بِكَذَا فرضيت أَو قَالَت نعم لَا ينْعَقد لِأَنَّهَا لم تُوضَع للتَّمْلِيك وَلِأَن الْمُتْعَة صَارَت مَنْسُوخَة وَهِي عبارَة عَن النِّكَاح الْمُؤَقت
وَكَذَا لَو قَالَ زَوجي نَفسك مني إِلَى شهر كَذَا فَقَالَت نعم زوجت لَا ينْعَقد النِّكَاح عندنَا
وَعند زفر ينْعَقد النِّكَاح وَيَلْغُو ذكر الْوَقْت
وَعِنْدنَا هُوَ تَفْسِير نِكَاح الْمُتْعَة وَإنَّهُ مَنْسُوخ
وَأما النِّكَاح الْمُضَاف إِلَى وَقت أَو الْمُعَلق بِشَرْط فَلَا يَصح بِالْإِجْمَاع بِأَن قَالَت زوجت نَفسِي مِنْك غَدا أَو شهر رَمَضَان الْآتِي أَو زوجت نَفسِي مِنْك إِن خلت الدارو فَقَالَ الزَّوْج قبلت
стр. 519
وَلَو قَالَ أتزوجك على أَن أطلقك إِلَى عشرَة أَيَّام فرضيت أَو قَالَت نعم أَو قَالَت زوجت نَفسِي مِنْك على هَذَا فَإِنَّهُ ينْعَقد النِّكَاح وَيبْطل الشَّرْط
هَذَا الَّذِي ذكرنَا هُوَ الحكم فِي الزَّوْجَيْنِ فَأَما إِذا كَانَ أحد الْعَاقِدين مَالِكًا وَالْآخر وليا أَو وَكيلا أَو رَسُولا فَكَذَلِك الْجَواب لِأَنَّهُ لَا بُد من وجود لفظين وَهُوَ الْإِيجَاب من أَحدهمَا وَالْقَبُول من الآخر
وَأما إِذا كَانَ الْوَاحِد وليا من الْجَانِبَيْنِ أَو وَكيلا أَو رَسُولا من الْجَانِبَيْنِ أَو وَكيلا من جَانب ووليا من جَانب فَإِنَّهُ يَكْتَفِي فِيهِ بِكَلَام وَاحِد بِأَن يَقُول زوجت فُلَانَة من فلَان بِكَذَا فَينْعَقد العقد وَلَا يحْتَاج إِلَى أَن يَقُول قبلت عَن فلَان لِأَن كَلَامه يقوم مقَام كلامين
وَهَذَا عندنَا وَقَالَ زفر وَالشَّافِعِيّ لَا يجوز أَن يكون الْوَاحِد فِي النِّكَاح عاقدا من الْجَانِبَيْنِ كَمَا فِي البيع لَا يجوز أَن يكون الْوَاحِد وَكيلا من الْجَانِبَيْنِ
وَعِنْدنَا فِي البيع يجوز أَن ينْعَقد بِكَلَام وَاحِد من الْجَانِبَيْنِ كَالْأَبِ وَالْوَصِيّ لَكِن فِي الْوَكِيل لَا يجوز على مَا عرف فِي الْبيُوع
وَأما شُرُوطه فأنواع مِنْهَا مَا يرجع إِلَى الْأَهْلِيَّة من وجود الْعقل وَالْبُلُوغ وَهُوَ شَرط عَام فِي تَنْفِيذ كل تصرف دائر بَين الضَّرَر والنفع
وَمِنْهَا الْحُرِّيَّة فَإِن العَبْد وَالْأمة إِذا تزوجا بِدُونِ إِذن الْمولى فَإِنَّهُ لَا ينْعَقد النِّكَاح فِي حق الحكم على مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﵇ أَنه قَالَ أَيّمَا عبد تزوج بِغَيْر إِذن سَيّده فَهُوَ عاهر
وَكَذَلِكَ الْجَواب فِي الْمُدبر وَأم الْوَلَد وَالْمكَاتب
стр. 520
فَأَما إِذا أذن الْمولى فَهُوَ جَائِز
وَإِذا نفذ بِإِذن الْمولى يجب الْمهْر فِي رقبته وَكَسبه فِي الْقِنّ
وَفِي غَيره يكون فِي الْكسْب لَا فِي الرَّقَبَة إِلَّا فِي الْمكَاتب إِذا عجز فَيكون الْمهْر فِي رقبته وَكَسبه فإمَّا أَن يُبَاع فِيهِ أَو يُؤَدِّي الْمولى ويستخلص الرَّقَبَة لنَفسِهِ
وَمِنْهَا كَون الْمَرْأَة محللة فَإِن الْمُحرمَة لَا تكون محلا لحكم النِّكَاح قَالَ الله تَعَالَى ﴿حرمت عَلَيْكُم أُمَّهَاتكُم﴾ إِلَى أَن قَالَ ﴿الْأُخْت وأمهاتكم اللَّاتِي أرضعنكم وأخواتكم﴾
ثمَّ تَحْرِيم النِّكَاح يتنوع إِلَى تِسْعَة أَنْوَاع تَحْرِيم بِسَبَب الْقَرَابَة وَتَحْرِيم بالصهرية وَتَحْرِيم بِالرّضَاعِ وَتَحْرِيم الْجمع وَتَحْرِيم تَقْدِيم الْأمة على الْحرَّة وَتَحْرِيم بِسَبَب حق الْغَيْر وَتَحْرِيم بِسَبَب الْملك وَتَحْرِيم بِسَبَب الشّرك وَتَحْرِيم بالطلقات الثَّلَاث
أما التَّحْرِيم بِسَبَب الْقَرَابَة فَنَقُول الْمُحرمَات بِالْقَرَابَةِ سبع فرق الْأُمَّهَات وَالْبَنَات وَالْأَخَوَات والعمات والخالات وَبَنَات الْأَخ وَبَنَات الْأُخْت
وَيثبت فِي حق هَؤُلَاءِ حُرْمَة النِّكَاح وَحُرْمَة الْوَطْء ودواعيه بطرِيق التَّأْبِيد
عرفنَا ذَلِك بقوله ﴿حرمت عَلَيْكُم أُمَّهَاتكُم﴾
أما الْأُمَّهَات فَأم الرجل وجداته من قبل أَبِيه وَأمه وَإِن علون
стр. 521
وَأما الْبَنَات فبنت الرجل من صلبه وَبَنَات الابْن وَإِن سفلن
وَأما الْأَخَوَات فَثَلَاثَة أَنْوَاع الْأَخَوَات لأَب وَأم وَالْأَخَوَات لأَب وَالْأَخَوَات لأم
وَأما العمات فَثَلَاثَة أَنْوَاع عمَّة لأَب وَأم وعمة لأَب وعمة لأم
وَكَذَا عمات أَبِيه وعمات أجداده وعمات أمه وعمات جداته وَإِن سفلن
وَأما الخالات فخالة الرجل لأَب وَأم وخالته لأَب وخالته لأم وخالات آبَائِهِ وأمهاته
وَأما بَنَات الْأَخ وَبَنَات الْأُخْت وَبَنَات بَنَات الْأَخ وَالْأُخْت وَبَنَات أَبنَاء الْأَخ وَبَنَات أَبنَاء الْأُخْت وَإِن سفلن
وَأما التَّحْرِيم بالصهرية فَنَقُول الْمُحرمَات بالصهرية أَربع فرق إِحْدَاهَا أم الزَّوْجَة وجداتها من قبل الْأَب وَالأُم وَإِن علون
ثمَّ أم الزَّوْجَة تحرم بِنَفس العقد على الْبِنْت وَلَا يشْتَرط الدُّخُول بالبنت حَتَّى إِن من تزوج امْرَأَة تحرم عَلَيْهِ أمهَا دخل بهَا أَو لم يدْخل وَهَذَا قَول عَامَّة الْعلمَاء وَعَامة الصَّحَابَة
وَقَالَ مَالك وَدَاوُد الْأَصْفَهَانِي وَمُحَمّد بن شُجَاع وَبشر المريسي إِنَّهَا لَا تحرم بِنَفس العقد على الْبِنْت مَا لم يُوجد الدُّخُول بالبنت وحكوا هَذَا الْمَذْهَب عَن عَليّ ﵁
وَالصَّحِيح قَول الْعَامَّة لقَوْله تَعَالَى ﴿وَأُمَّهَات نِسَائِكُم﴾ من غير فصل
وَمِنْهَا بنت الْمَرْأَة لَكِن يشْتَرط الدُّخُول بِالْأُمِّ
وَلَا تحرم بِنَفس
стр. 522
العقد على الْأُم لقَوْله تَعَالَى ﴿وربائبكم اللَّاتِي فِي حجوركم من نِسَائِكُم اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهن فَإِن لم تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهن فَلَا جنَاح عَلَيْكُم وحلائل أَبْنَائِكُم الَّذين من أصلابكم وَأَن تجمعُوا بَين الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قد سلف إِن الله كَانَ غَفُورًا رحِيما﴾ شَرط الدُّخُول بِالْأُمِّ لحُرْمَة الربيبة
وَكَذَا بَنَات بنت الْمَرْأَة وَبَنَات ابْنهَا أَيْضا
وَيَسْتَوِي الْجَواب بَين مَا إِذا كَانَت بنت الْمَرْأَة فِي حجر الزَّوْج أَو لَا خلافًا لبَعض النَّاس
وَمِنْهَا حَلِيلَة الابْن حرَام على أَبِيه
دخل بهَا الابْن أَو لَا
وَكَذَا حَلِيلَة ابْن الابْن وَابْن الْبِنْت
وَإِن سفلن لقَوْله تَعَالَى ﴿فَإِن لم تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهن﴾
وَأما حَلِيلَة الابْن المتبنى فَلَا تحرم على الْأَب المتبني لقَوْله ﴿وحلائل أَبْنَائِكُم الَّذين من أصلابكم﴾
وَمِنْهَا حَلِيلَة الْأَب وحليلة الأجداد من قبل الْأَب وَالأُم وَإِن علوا لقَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تنْكِحُوا مَا نكح آباؤكم﴾
ثمَّ حُرْمَة الْمُصَاهَرَة تثبت بطرِيق التأييد بِسَبَب النِّكَاح الصَّحِيح دون الْفَاسِد
وَكَذَا تثبت بِالْوَطْءِ الْحَلَال بِملك الْيَمين وَكَذَا تثبت بِوَطْء عَن شُبْهَة
وَتثبت أَيْضا بِالنّظرِ إِلَى الْفرج عَن شَهْوَة دون النّظر إِلَى سَائِر الْأَعْضَاء وَتثبت باللمس عَن شَهْوَة فِي سَائِر الْأَعْضَاء وَهَذَا عندنَا
وَعند الشَّافِعِي لَا تثبت بالمس وَالنَّظَر
وَيَعْنِي بالمس عَن شَهْوَة أَن يَشْتَهِي بِقَلْبِه وَهُوَ أَمر لَا يقف عَلَيْهِ إِلَّا
стр. 523
اللامس والناظر فَيعرف بِإِقْرَارِهِ أما تَحْرِيك الْآلَة والانتشار فَلَيْسَ بِشَرْط وَهَذَا هُوَ الْأَصَح فَإِن اللَّمْس عَن شَهْوَة يتَحَقَّق من الْعنين وَلَا ينتشر وَكَذَا الْمَجْبُوب لَا آلَة لَهُ ويتحقق مِنْهُ الْمس وَالنَّظَر عَن شَهْوَة
ونعني بِالنّظرِ إِلَى الْفرج النّظر إِلَى عين الْفرج لَا إِلَى حواليه وَهُوَ الْأَصَح
وَكَذَا تثبت حُرْمَة الْمُصَاهَرَة بِالزِّنَا والمس وَالنَّظَر إِلَى الْفرج بِدُونِ الْملك وشبهته عندنَا
وَعند الشَّافِعِي لَا يثبت حُرْمَة الْمُصَاهَرَة بِالزِّنَا وَالْمَسْأَلَة مَعْرُوفَة
وَأما التَّحْرِيم بِسَبَب الرَّضَاع فَنَقُول كل من يحرم من الْفرق السَّبع بِسَبَب الْقَرَابَة يحرم بِسَبَب الرَّضَاع قَالَ الله تَعَالَى ﴿وأمهاتكم اللَّاتِي أرضعنكم وأخواتكم من الرضَاعَة﴾ وَقَالَ ﵇ يحرم من الرَّضَاع مَا يحرم من النّسَب
وَكَذَا كل من يحرم بالصهرية من الْفرق الْأَرْبَع بِالنّسَبِ يحرم بِالرّضَاعِ حَتَّى يحرم على الواطىء أم الْمَوْطُوءَة وبنتها من جِهَة الرَّضَاع
وَتحرم الْمَوْطُوءَة على أَب الواطىء وَابْنه من جِهَة الرَّضَاع وَيحرم مَوْطُوءَة أَب الرَّضَاع على ابْنه من الرَّضَاع وَيحرم مَوْطُوءَة ابْن الرَّضَاع على أَب الرَّضَاع لما روينَا من الحَدِيث
وَأما تَحْرِيم الْجمع فنوعان أَحدهمَا تَحْرِيم الْجمع بَين الأجنبيات
وَالثَّانِي تَحْرِيم الْجمع بَين ذَوَات الْأَرْحَام
وكل وَاحِد مِنْهُمَا على وَجْهَيْن الْجمع فِي النِّكَاح وَالثَّانِي الْجمع فِي الْوَطْء ودواعيه
стр. 524
أما تَحْرِيم الْجمع بَين الأجنبيات فِي النِّكَاح فَإِنَّهُ تَحْرِيم الْجمع بَين خمس نسْوَة فَصَاعِدا وَيُبَاح الْجمع بَين الْأَرْبَع وَمَا دونهَا وَهَذَا عِنْد عَامَّة الْعلمَاء
وَقَالَ بَعضهم يحل الْجمع بَين تسع نسْوَة
وَقَالَ بَعضهم يحل الْجمع بَين ثَمَانِي عشرَة
فَأَما الْجمع فِي ملك الْيَمين فحلال عقدا ووطئا وَإِن كثرن لقَوْله تَعَالَى ﴿إِلَّا على أَزوَاجهم أَو مَا ملكت أَيْمَانهم﴾
وَأما تَحْرِيم الْجمع بَين ذَوَات الْأَرْحَام فنوعان أَيْضا الْجمع فِي عقد النِّكَاح وَالْجمع فِي الْوَطْء بِملك الْيَمين
أما الأول وَهُوَ تَحْرِيم الْجمع نِكَاحا فَنَقُول لَا خلاف بَين الْعلمَاء فِي تَحْرِيم الْجمع بَين الْأُخْتَيْنِ نِكَاحا وَتَحْرِيم الْجمع بَين الْأُم وبنتها
فَأَما الْجمع بَين ذواتي رحم محرم نِكَاحا غير الْجمع فِي الولاد
وَغير الْجمع بَين الْأُخْتَيْنِ مِمَّا سواهُمَا
كالجمع بَين امْرَأتَيْنِ لَو كَانَت إِحْدَاهمَا ذكرا لَا يجوز نِكَاح الْأُخْرَى لَهُ من الْجَانِبَيْنِ أَيَّتهمَا كَانَت غير عين كالجمع بَين عمَّة الْمَرْأَة وَبَين بنت أَخِيهَا وَبَين خَالَة الْمَرْأَة وَبَين بنت أُخْتهَا وَنَحْو ذَلِك فَحَرَام عِنْد عَامَّة الْعلمَاء
وَقَالَ عُثْمَان البتي الْجمع فِيمَا سوى الْأُخْتَيْنِ من ذَوَات الْأَرْحَام لَيْسَ بِحرَام
وَإِذا ثَبت أَن الْجمع بَينهمَا نِكَاحا حرَام فَإِذا تزوج إِحْدَاهمَا قبل
стр. 525
الْأُخْرَى فنكاح الأولى جَائِز وَنِكَاح الثَّانِيَة بَاطِل وَلَو تزوجهما مَعًا بَطل نِكَاحهمَا لِأَن الْجمع حصل بهما فَيجب على كل وَاحِد مِنْهُمَا أَن يعتزل عَن صَاحبه وَيتْرك النِّكَاح وَلَو علم القَاضِي بذلك يفرق بَينهمَا
وَإِن كَانَ قبل الدُّخُول فَلَا مهر لَهَا وَلَا عدَّة عَلَيْهَا وَإِن كَانَ بعد الدُّخُول يجب مهر الْمثل مُقَدرا بِالْمُسَمّى وَلَا يجب الْحَد وَإِن قَالَ الزَّوْج علمت أَنَّهَا عَليّ حرَام وَلَا يَدعِي شُبْهَة الِاشْتِبَاه لِأَن شُبْهَة النِّكَاح قَائِم وَلَو وَطئهَا مرَارًا قبل التَّفْرِيق والمتاركة لَا يجب إِلَّا مهر وَاحِد لِأَن العقد الْفَاسِد مُنْعَقد من وَجه
وَلَو وَطئهَا بعد المتاركة مرّة أُخْرَى لَا يجب مهر آخر وَيجب الْحَد لِأَن هَذَا زنا
وَلَو تزوج أُخْت جَارِيَته الَّتِي وَطئهَا أَو أُخْت أم وَلَده جَازَ النِّكَاح وَلَكِن لَا يَطَأهَا مَا لم يحرم عَلَيْهِ وَطْء إِحْدَاهمَا بِأَن زوج أم وَلَده من إِنْسَان أَو زوج الْأمة أَو بَاعهَا لِأَنَّهُ لَا فرَاش للْأمة عندنَا خلافًا للشَّافِعِيّ وفراش أم الْوَلَد ضَعِيف يَنْتَفِي بِمُجَرَّد النَّفْي وَلَا يحْتَاج إِلَى اللّعان
فَأَما إِذا تزوج أُخْت امْرَأَة تَعْتَد مِنْهُ فَلَا يجوز عندنَا سَوَاء كَانَت مُطلقَة طَلَاقا رَجْعِيًا أَو بَائِنا أَو ثَلَاثًا أَو بالمحرمية الطارئة وَسَوَاء كَانَت الْعدة عَن النِّكَاح أَو عَن الْوَطْء بِالشُّبْهَةِ
وَقَالَ الشَّافِعِي يجوز إِلَّا فِي الطَّلَاق الرَّجْعِيّ لِأَن النِّكَاح قَائِم من وَجه عندنَا فِي حَالَة الْعدة وَالثَّابِت من وَجه فِي بَاب التَّحْرِيم كَالثَّابِتِ من كل وَجه
وَكَذَلِكَ لَا يجوز لَهُ أَن يتَزَوَّج أَرْبعا أُخْرَى سواهَا عندنَا خلافًا لَهُ
стр. 526
وَأما إِذا تزوج أُخْت أم وَلَده وَهِي تَعْتَد مِنْهُ بِأَن أعْتقهَا وَوَجَبَت عَلَيْهَا الْعدة فَإِنَّهُ لَا يجوز وَيجوز أَن يتَزَوَّج أَرْبعا سواهَا وَهَذَا عِنْد أبي حنيفَة ﵁
وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد رَحْمَة الله عَلَيْهِمَا يجوز ذَلِك كُله
وَقَالَ زفر لَا يجوز ذَلِك كُله
وَأما الْجمع بَين الْأُخْتَيْنِ فِي ملك الْيَمين فَجَائِز عندنَا خلافًا ل مَالك
وَأما الْجمع بَينهمَا وطئا فَلَا يجوز
لَكِن يطَأ إِحْدَاهمَا لَا غير
وَلَا يجمع بَينهمَا فِي الْمس عَن شَهْوَة وَالنَّظَر إِلَى الْفرج
وَإِن أَزَال الْمَوْطُوءَة عَن ملكه أَو زَوجهَا من إِنْسَان يُبَاح لَهُ الِاسْتِمْتَاع بِالْأُخْرَى
وَهَذَا قَول عَامَّة الصَّحَابَة وَعَامة الْعلمَاء
وَرُوِيَ عَن عُثْمَان بن عَفَّان أَنه قَالَ يحل الْجمع بَينهمَا وطئا وَلَكِن أَنا لَا أفعل
وَأما تَحْرِيم تَقْدِيم الْأمة على الْحرَّة فَنَقُول من كَانَت تَحْتَهُ حرَّة لَا يجوز لَهُ أَن يتَزَوَّج الْأمة
وَمن كَانَت تَحْتَهُ أمة جَازَ لَهُ أَن يتَزَوَّج الْحرَّة
وَلَو جمع بَين نِكَاح الْأمة والحرة لَا يجوز نِكَاح الْأمة وَيجوز نِكَاح الْحرَّة
وَأَصله قَوْله ﵇ لَا تنْكح الْأمة على الْحرَّة وَتنْكح الْحرَّة على الْأمة
وَإِذا كَانَ قَادِرًا على مهر الْحرَّة ونفقتها جَازَ لَهُ أَن يتَزَوَّج الْأمة عندنَا
وَعند الشَّافِعِي لَا يجوز
стр. 527
وَإِن كَانَ لَهُ وَالِد وَابْن مُوسر تجب على الابْن لِأَنَّهُمَا اسْتَويَا فِي الْقرب ويرجح الابْن لِأَنَّهُ كَسبه فَيكون لَهُ حق فِي كَسبه
وَلَو كَانَ لَهُ جد وَابْن مُوسر تجب عَلَيْهِمَا النَّفَقَة على قدر الْمِيرَاث على الْجد السُّدس وَالْبَاقِي على ابْن الابْن
وَكَذَلِكَ إِذا كَانَ لَهُ أم وَعم أَو أم وَأَخ لأَب وَأم أَو لأَب فعلى الْأُم الثُّلُث وعَلى الْعم أَو الْأَخ الثُّلُثَانِ على قدر الْمِيرَاث
وَلَو كَانَ لَهُ عَم وخال فالنفقة على الْعم لِأَنَّهُمَا تَسَاويا فِي الْقَرَابَة وَالْعم هُوَ الْوَارِث فَيجب عَلَيْهِ
وَلَو كَانَ لَهُ خَال وَابْن عَم فالنفقة على الْخَال دون ابْن الْعم لِأَنَّهُمَا لم يستويا فِي الرَّحِم الْمحرم بل الْخَال هُوَ ذُو الرَّحِم الْمحرم فَيجب عَلَيْهِ وَاسْتِحْقَاق الْمِيرَاث للترجيح وَذَلِكَ عِنْد الاسْتوَاء فِي سَبَب الِاسْتِحْقَاق
وَلَو كَانَ لَهُ عمَّة وَخَالَة وَابْن عَم فعلى الْخَالَة الثُّلُث وعَلى الْعمة الثُّلُثَانِ وَلَا شَيْء على ابْن الْعم لِأَنَّهُ لم يُوجد فِي حق ابْن الْعم سَبَب الِاسْتِحْقَاق والعمة وَالْخَالَة اسْتَويَا فِي سَبَب الِاسْتِحْقَاق وَفِي اسْتِحْقَاق الْمِيرَاث فَيكون بَينهمَا على قدر الْمِيرَاث
وَلَو كَانَ لَهُ عَم وعمة وَخَالَة فالنفقة على الْعم لَا غير لِأَنَّهُ ساواهما فِي الرَّحِم وَالتَّحْرِيم وَهُوَ الْوَارِث دونهمَا فَتكون النَّفَقَة عَلَيْهِ
وعَلى هَذَا الأَصْل مسَائِل
ثمَّ النَّفَقَة لَا تجب مَعَ اخْتِلَاف الدّين إِلَّا للْوَالِدين والمولودين وَالزَّوْجَة وَالْجد وَالْجدّة فِي حَال عدم الْأَبَوَيْنِ وَمن سوى هَؤُلَاءِ تجب نَفَقَته عِنْد اتِّفَاق الدّين لَا غير لِأَن نَفَقَة الْولادَة تجب بِاعْتِبَار البعضية
стр. 528
وصيانة نَفسه عَن الْهَلَاك وَاجِب فَكَذَلِك صِيَانة بعضه فَأَما نَفَقَة ذِي الرَّحِم الْمحرم فَتجب بِاعْتِبَار الصِّلَة وَإِنَّهَا تجب عِنْد اتِّفَاق الدّين
فَشرط وجوب نَفَقَة الْمَحَارِم الْيَسَار واتفاق الدّين بِخِلَاف نَفَقَة الزَّوْجَات والوالدين والمولودين
ثمَّ مَا حد الْيَسَار الَّذِي يتَعَلَّق بِهِ وجوب النَّفَقَة ذكر ابْن سَمَّاعَة عَن أبي يُوسُف أَنه اعْتبر نِصَاب الزَّكَاة
وروى هِشَام عَن مُحَمَّد أَنه إِذا كَانَ لَهُ فضل عَن نَفَقَة شهر لَهُ ولعياله فَإِنَّهُ يجب عَلَيْهِ نَفَقَة ذِي الرَّحِم الْمحرم وَإِلَّا فَلَا
وَرُوِيَ عَن مُحَمَّد أَنه من لَا شَيْء لَهُ من المَال وَهُوَ يكْتَسب كل يَوْم درهما وَيَكْفِي لَهُ أَرْبَعَة دوانيق فَإِنَّهُ يرفع لنَفسِهِ وَعِيَاله مَا يَتَّسِع فِيهِ وَينْفق فَضله على من يجْبر على نَفَقَته
وَقَول مُحَمَّد أوفق
وَأما نَفَقَة الرَّقِيق فسبب وُجُوبهَا الْملك
وَلِهَذَا لَا يجب على العَبْد نَفَقَة وَلَده الْحر لِأَن كَسبه مَال مَوْلَاهُ
وَكَذَا لَا يجب على الْحر نَفَقَة وَلَده الرَّقِيق لِأَنَّهُ ملك غَيره فَتكون نَفَقَته عَلَيْهِ
وَقَالُوا فِي الْجَارِيَة الْمُشْتَركَة إِذا جَاءَت بِولد وادعاه الموليان فنفقة هَذَا الْوَلَد عَلَيْهِمَا
وعَلى الْوَلَد إِذا كبر نَفَقَة كل وَاحِد مِنْهُمَا لِأَنَّهُ أَب كَامِل فِي حَقه
وَقَالُوا فِي الْمَفْقُود إِن القَاضِي يفْرض فِي مَاله لِأَبَوَيْهِ ولامرأته وَالصغَار من وَلَده وَالْبَنَات والذكور الزمنى فينصب عَنهُ خصما وَيَقْضِي عَلَيْهِ بِنَفَقَة هَؤُلَاءِ
стр. 529
وَقَالُوا يقْضِي فِي مَال الْمَفْقُود للْجدّ وَولد الْوَلَد فِي حَال عدم الْأَب وَالْولد
فَأَما فِي حَال قيامهما فَلَا يقْضِي لأَنهم حِينَئِذٍ فِي حكم ذَوي الْأَرْحَام وَلَا يقْضِي بِنَفَقَة ذَوي الْأَرْحَام فِي مَال الْمَفْقُود وَالله تَعَالَى أعلم
стр. 530
كتاب الطَّلَاق
يحْتَاج إِلَى بَيَان أَنْوَاع الطَّلَاق وَإِلَى بَيَان أَحْكَامهَا فَنَقُول الطَّلَاق فِي الأَصْل نَوْعَانِ طَلَاق سنة وَطَلَاق بِدعَة
وَالسّنة نَوْعَانِ نوع يرجع إِلَى الْعدَد وَنَوع يرجع إِلَى الْوَقْت
وَكَذَلِكَ طَلَاق الْبِدْعَة نَوْعَانِ أَيْضا يرجع إِلَى الْعدَد وَالْوَقْت
ثمَّ السّنة فِي الْعدَد وَالْوَقْت نَوْعَانِ عندنَا حسن وَأحسن
فَالْأَحْسَن أَن يُطلق الرجل امْرَأَته وَاحِدَة رَجْعِيَّة فِي طهر لم يُجَامِعهَا فِيهِ ثمَّ يَتْرُكهَا حَتَّى تَنْقَضِي عدتهَا أَو كَانَت حَامِلا قد استبان حملهَا
وَأما الْحسن فَأن يطلقهَا وَاحِدَة فِي طهر لم يواقعها فِيهِ ثمَّ يُطلق فِي الطُّهْر الآخر وَاحِدَة ثمَّ فِي الطُّهْر الثَّالِث وَاحِدَة فَتبين
وَأما طَلَاق الْبِدْعَة فِي الْوَقْت فَأن يطلقهَا فِي حَالَة الْحيض أَو فِي طهر جَامعهَا فِيهِ
وَأما طَلَاق الْبِدْعَة فِي الْعدَد فَأن يطلقهَا ثَلَاثًا بِكَلِمَة وَاحِدَة
ثمَّ السّنة الَّتِي ترجع إِلَى الْعدَد تستوي فِيهَا الْمَدْخُول بهَا وَغير الْمَدْخُول بهَا لِأَنَّهُ إِيقَاع الطَّلَاق من غير حَاجَة
فَأَما السّنة فِي الْوَقْت فيختلف فِيهَا الْمَدْخُول بهَا وَغير الْمَدْخُول بهَا
следующие страницы →