Полный текст (1 060 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
الْفَاحِشَة والخطر فَيجب الرُّجُوع إِلَى مهرهَا الْمُسْتَحق بِالْعقدِ
ثمَّ إِن كَانَ الْخلْع على حكم الزَّوْج فَإِن حكم بِمِقْدَار الْمهْر أَو أقل أجبرت على التَّسْلِيم إِلَى الزَّوْج لِأَنَّهُ حكم بالمستحق أَو حط بعضه وَهُوَ يملك حط بعضه لكَونه حَقًا لَهُ وَإِن حكم بِأَكْثَرَ من الْمهْر لم يلْزمهَا الزِّيَادَة لِأَنَّهُ أوجب لنَفسِهِ أَكثر من الْمُسْتَحق بِالْعقدِ فَلَا يَصح إِلَّا بِرِضَاهَا
وَأما إِذا كَانَ الحكم إِلَيْهَا فَإِن حكمت بِمهْر الْمثل أَو أَكثر جَازَ وأجبر الزَّوْج على الْقبُول لِأَنَّهَا قَضَت بالمستحق أَو زَادَت عَلَيْهِ وَهِي تملك إِيفَاء الزِّيَادَة
وَإِن حكمت بِأَقَلّ من الْمهْر لم يجز إِلَّا بِرِضا الزَّوْج لِأَنَّهَا حطت بعض مَا عَلَيْهَا حَقًا لزوج وَهِي لَا تملك حط حق الْغَيْر
فَأَما إِذا كَانَ الحكم إِلَى أَجْنَبِي فَإِن حكم بِمهْر الْمثل جَازَ وَإِن حكم بِزِيَادَة أَو نُقْصَان لم تجز الزِّيَادَة إِلَّا بِرِضا الْمَرْأَة وَلَا يجوز النُّقْصَان إِلَّا بِرِضا الزَّوْج لِأَن الْأَجْنَبِيّ لَا يملك إِسْقَاط حق وَاحِد مِنْهُمَا
стр. 562
بَاب الْإِيلَاء
يحْتَاج فِي الْبَاب إِلَى تَفْسِير الْإِيلَاء لُغَة وَشرعا وَإِلَى بَيَان حكم الْبر فِي الْإِيلَاء وَإِلَى بَيَان الْفَيْء وَحكم الْحِنْث
أما الأول فالإيلاء فِي اللُّغَة الْيَمين وَفِي الشَّرْع عبارَة عَن الْيَمين على ترك الْوَطْء فِي الزَّوْجَة مُدَّة مَخْصُوصَة بِحَيْثُ لَا يُمكنهُ الْوَطْء إِلَّا بحنث يلْزمه بِسَبَب الْيَمين
وَقد كَانَ الْإِيلَاء طَلَاقا فِي الْجَاهِلِيَّة فَجعله الشَّرْع طَلَاقا مُعَلّقا بترك وَطْء الزَّوْجَة مُدَّة مَخْصُوصَة كَأَن الزَّوْج قَالَ لامْرَأَته الْحرَّة إِن لم أقْربك أَرْبَعَة أشهر فَأَنت طَالِق بَائِن ولامرأته الْأمة إِن لم أقْربك شَهْرَيْن فَأَنت طَالِق بَائِن
وركن الْإِيلَاء شرعا هُوَ اللَّفْظ الدَّال على ترك الْوَطْء فِي عرف الشَّرْع مؤكدا بِالْيَمِينِ وَهُوَ قَوْله وَالله لَا أقْربك أَو لَا أطأك أَو لَفْظَة المباضعة والمناكحة والإتيان والإصابة وَنَحْوهَا
فَإِن كَانَ اللَّفْظ مُسْتَعْملا فِي الْوَطْء فَلَا يحْتَاج إِلَى النِّيَّة
وَلَو أَتَى بِلَفْظ مُحْتَمل يحْتَاج فِيهِ إِلَى نِيَّة الزَّوْج ترك الْوَطْء بذلك
стр. 563
فَأَما الْمدَّة فَهِيَ أَرْبَعَة أشهر فِي حق الْحرَّة وشهران فِي حق الْأمة عندنَا
وَعند الشَّافِعِي الْمدَّة فِي حَقّهمَا سَوَاء وَهِي زِيَادَة على أَرْبَعَة أشهر
وَالصَّحِيح قَوْلنَا لقَوْله تَعَالَى ﴿للَّذين يؤلون من نِسَائِهِم تربص أَرْبَعَة أشهر﴾ فَلَا تجوز الزِّيَادَة على الْمدَّة المنصوصة
وَأما تَفْسِير الْيَمين فَهِيَ الْيَمين بِاللَّه وبصفاته على مَا نذْكر فِي كتاب الْإِيمَان أَو الْيَمين بِالشّرطِ وَالْجَزَاء وَذَلِكَ نَوْعَانِ مَا يكون بِهِ موليا وَمَا لَا يكون بِهِ موليا
أما الَّذِي يكون بِهِ موليا فَأن يَقُول إِن قربتك فَعَبْدي حر أَو امْرَأَتي طَالِق أَو هِيَ عَليّ كَظهر أُمِّي أَو عَليّ صَدَقَة أَو حج الْبَيْت أَو صِيَام سنة وَنَحْو ذَلِك لِأَنَّهُ لَا يتَوَصَّل إِلَى الْوَطْء فِي هَذِه الْمدَّة إِلَّا بِشَيْء يلْزمه بِحكم الْيَمين كَمَا يلْزمه الْكَفَّارَة بِسَبَب الْيَمين بِاللَّه
وَلَو قَالَ إِن قربتك فعلي أَن أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ أَو عَليّ أَن أغزو لم يكن موليا عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف وَيكون موليا عِنْد مُحَمَّد وَزفر
وَلَو قَالَ الرجل لامْرَأَته أَنا مِنْك مولى فَإِن عَنى بِهِ الْخَبَر كذبا فَلَيْسَ بمولي فِيمَا بَينه وَبَين الله لِأَنَّهُ لفظ لَفْظَة الْخَبَر وَلَا يصدق فِي الْقَضَاء لِأَنَّهُ خلاف الظَّاهِر لِأَن هَذَا إِيجَاب فِي الشَّرْع وَإِن عَنى بِهِ الْإِيجَاب فَهُوَ مولي فِي الْقَضَاء وَفِيمَا بَينه وَبَين الله لِأَنَّهُ أوجب الْإِيلَاء بِهَذَا اللَّفْظ
وَلَو قَالَ لامْرَأَته أَنْت عَليّ مثل امْرَأَة فلَان وَقد كَانَ فلَان آلى من امْرَأَته فَإِن نوى بِهِ الْإِيلَاء كَانَ موليا لِأَنَّهُ شبهها بهَا فِي بَاب الْيَمين
стр. 564
والتشبيه يَقْتَضِي الْمُسَاوَاة فِيمَا شبه بِهِ وَإِن لم ينْو الْيَمين وَلَا التَّحْرِيم لَا يكون موليا لِأَنَّهُ قصد التَّشْبِيه من وَجه
وَأما بَيَان حكم الْبر فَهُوَ وُقُوع الطَّلَاق الْبَائِن بِسَبَب الْإِصْرَار على مُوجب هَذَا الْيَمين وَهُوَ الِامْتِنَاع عَن الْوَطْء أَرْبَعَة أشهر بِحَيْثُ لَا يتَوَصَّل إِلَيْهِ إِلَّا بحنث يلْزمه فَيكون مؤكدا لَهُ فِي الِامْتِنَاع خوفًا عَن لُزُوم الْحِنْث
وَفِي الْوَطْء حق الْمَرْأَة فَصَارَ الزَّوْج ظَالِما لمنع حَقّهَا الْمُسْتَحق فالشرع جعل الِامْتِنَاع عَن إِيفَاء حَقّهَا الْمُسْتَحق لَهَا فِي هَذِه الْمدَّة سَببا للبينونة تخليصا لَهَا من حبالته لتتوصل إِلَى حَقّهَا من جِهَة غَيره وَهَذَا معنى قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِن عزموا الطَّلَاق فَإِن الله سميع عليم﴾ فَسَماهُ عَزِيمَة الطَّلَاق وَهُوَ فعل الزَّوْج فَيصير الزَّوْج بالإصرار على مُوجب هَذَا الْيَمين مُعَلّقا طَلَاقا بَائِنا بترك الْوَطْء أَرْبَعَة أشهر بعد الْيَمين أبدا كَأَنَّهُ قَالَ أَنْت طَالِق بَائِن عِنْد مُضِيّ كل أَرْبَعَة أشهر لَا أقْربك فِيهَا أَو إِن لم أقْربك كل أَرْبَعَة أشهر مَا بَقِي الْيَمين فَأَنت طَالِق بَائِن
إِذا ثَبت هَذَا فَإِذا مَضَت أَرْبَعَة أشهر من وَقت الْيَمين وَلم يقربهَا تقع تَطْلِيقَة بَائِنَة عندنَا
وَعند الشَّافِعِي يُخَيّر الزَّوْج بَين أَن يَطَأهَا وَبَين أَن يطلقهَا فَإِن لم يفعل يفرق القَاضِي بَينهمَا
فَإِذا وَقعت تَطْلِيقَة بَائِنَة بِمُضِيِّ أَرْبَعَة أشهر ثمَّ مَضَت أَرْبَعَة أشهر أُخْرَى وَهِي فِي الْعدة لم يَقع الطَّلَاق لِأَنَّهَا بَائِنَة فَلَا تسْتَحقّ الْوَطْء على الزَّوْج فَلَا يكون الِامْتِنَاع عَن الْوَطْء فِي هَذِه الْحَالة ظلما وَبِهَذَا الْوَصْف صَار الْإِصْرَار على مُوجب الْبر وَهُوَ ترك الْوَطْء سَببا للفرقة
стр. 565
فَإِن تزَوجهَا عِنْد مُضِيّ الْأَرْبَعَة الْأَشْهر ثمَّ مَضَت أَرْبَعَة أشهر مُنْذُ تزوج وَلم يقربهَا بَانَتْ بِأُخْرَى
وَكَذَلِكَ إِذا تزَوجهَا ثَالِثَة لِأَن بِالتَّزْوِيجِ عَاد حَقّهَا فِي الْوَطْء وَالْيَمِين بَاقِيَة لِأَنَّهَا تنْحَل بِالْحِنْثِ وَهُوَ الْوَطْء
أما زَوَال الْملك فَلَا يبطل الْيَمين فَيكون ترك الْفَيْء ظلما فَيكون سَببا للفرقة فَإِن تزَوجهَا بعد وُقُوع ثَلَاث تَطْلِيقَات فمضت أَرْبَعَة أشهر لم يَطَأهَا لم يَقع عَلَيْهَا شَيْء عندنَا خلافًا لزفَر لِأَنَّهُ زَالَ حل الْمَحَلِّيَّة فَيبْطل الْيَمين
وَلَو آلى مِنْهَا ثمَّ أَبَانهَا فمضت أَرْبَعَة أشهر لم يَطَأهَا وَهِي فِي الْعدة وَقعت أُخْرَى بالإيلاء لِأَن ابْتِدَاء الْإِيلَاء قد انْعَقَد مُوجبا للطَّلَاق لوُجُوده فِي الْملك فَإِذا أَبَانهَا فالبينونة تلحقها بِعقد سَابق وَإِن كَانَ لَا يلْحقهَا ابْتِدَاء عندنَا خلافًا ل زفر فَإِن من قَالَ لامْرَأَته إِن دخلت الدَّار فَأَنت طَالِق بَائِن ثمَّ أَبَانهَا ثمَّ دخلت الدَّار وَهِي فِي الْعدة فَإِنَّهُ يَقع بَائِنا لما قُلْنَا
وَأما تَفْسِير الْفَيْء وَحكم الْحِنْث فَنَقُول الْفَيْء هُوَ الْوَطْء فِي مُدَّة الْإِيلَاء مَعَ الْقُدْرَة عندنَا
وَعند الشَّافِعِي الْوَطْء بعد الْمدَّة
وَالصَّحِيح قَوْلنَا لِأَن الله تَعَالَى قَالَ ﴿للَّذين يؤلون من نِسَائِهِم تربص أَرْبَعَة أشهر فَإِن فاؤوا﴾ وَفِي قِرَاءَة عبد الله بن مَسْعُود فَإِن فاؤوا فِيهِنَّ وَإِنَّمَا سمى الْوَطْء فَيْئا لِأَن الْفَيْء فِي اللُّغَة هُوَ الرُّجُوع يُقَال فَاء الظل إِذا رَجَعَ والمولي قصد بالإيلاء منع حَقّهَا فِي الْوَطْء فَيكون الْوَطْء رُجُوعا عَمَّا قَصده فَسُمي فَيْئا
стр. 566
ثمَّ الْفَيْء على ضَرْبَيْنِ أَحدهمَا هُوَ الأَصْل وَهُوَ الْفَيْء بِالْوَطْءِ مَعَ الْقُدْرَة
وَالْآخر بدل عَن الأول وَهُوَ الْفَيْء بالْقَوْل عِنْد الْعَجز عَن الْوَطْء
فَفِي حق الْقَادِر لَا يكون فَيْئا إِلَّا بِالْوَطْءِ لِأَنَّهُ هُوَ الأَصْل وَفِي الْحَقِيقَة هُوَ الرُّجُوع لِأَن بِهِ ينْدَفع الظُّلم ويصل الْحق إِلَى الْمُسْتَحق فَمَا لم يوف حَقّهَا لَا يسْقط حكم الْإِيلَاء وَفِي حق الْعَاجِز صَار الْفَيْء بالْقَوْل قَائِما مقَام الْوَطْء وَهُوَ أَن يَقُول للْمَرْأَة إِنِّي فئت إِلَيْك أَو رَاجَعتك أَو أبطلت الْإِيلَاء وَيحسن إِلَيْهَا بالْقَوْل بَدَلا عَن الْإِحْسَان بِالْفِعْلِ فَيكون رُجُوعا عَمَّا عزم عَلَيْهِ بالْقَوْل ثمَّ الْعَجز نَوْعَانِ أَحدهمَا من طَرِيق الْمُشَاهدَة كالمرض الَّذِي لَا يُمكن مَعَه الْجِمَاع من الْجَانِبَيْنِ أَو تكون الْمَرْأَة صَغِيرَة أَو يكون بَينهمَا مَسَافَة لَا يقدر على قطعهَا فِي مُدَّة الْإِيلَاء أَو تكون الْمَرْأَة نَاشِزَة محتجبة عَنهُ فِي مَكَان لَا يعرفهُ أَو تكون محبوسة لَا يُمكنهُ أَن يدْخل عَلَيْهَا وَيمْنَع عَن ذَلِك وَنَحْو ذَلِك
وَأما الْعَجز من طَرِيق الحكم فَمثل أَن يكون محرما أَو صَائِما فِي رَمَضَان
لَكِن الْعَجز الْمُعْتَبر فِي حق نقل الْفَيْء من الْوَطْء إِلَى القَوْل هُوَ الْعَجز الْحسي دون الْحكمِي عندنَا
وَعند زفر هُوَ مُعْتَبر أَيْضا وقاس على الْخلْوَة أَن ثمَّ يعْتَبر الْمَانِع الْحسي والحكمي جَمِيعًا
стр. 567
وَلَكنَّا نقُول هُوَ قَادر على الْوَطْء حَقِيقَة فَيصير ظَالِما بِمَنْع الْحق وَحقّ الْعباد لَا يسْقط لأجل حق الله فِي الْجُمْلَة
فَإِذا أَتَى بالفيء من حَيْثُ القَوْل سقط حكم الْإِيلَاء إِلَى وَقت الْقُدْرَة
ثمَّ من شَرط صِحَة الْفَيْء بالْقَوْل عِنْد الْعَجز عَن الْوَطْء حسا ومشاهدة شَيْئَانِ أَحدهمَا أَن يكون الْعَجز مستداما من وَقت الْإِيلَاء إِلَى تَمام الْمدَّة وَهُوَ أَرْبَعَة أشهر حَتَّى إِنَّه إِذا قدر على الْوَطْء قبل تَمام الْمدَّة بِظِل الْفَيْء بالْقَوْل وانتقل إِلَى الْفَيْء بِالْجِمَاعِ حَتَّى لَو ترك الْوَطْء إِلَى تَمام الْمدَّة فَإِنَّهَا تبين وَأما إِذا تمت الْمدَّة ثمَّ قدر فَإِن الْفَيْء بالْقَوْل صَحِيح فِي حق الْمدَّة الْمَاضِيَة وَهَذَا لما ذكرنَا أَنه بدل وَالْقُدْرَة على الأَصْل قبل حُصُول الْمَقْصُود بِالْبَدَلِ تبطل حكمه وَبعد حُصُول الْمَقْصُود لَا يبطل كالمصلي بِالتَّيَمُّمِ إِذا رأى المَاء فِي وسط الصَّلَاة تبطل صلَاته وَلَو كَانَ رأى بعد الْفَرَاغ لَا تبطل الصَّلَاة المؤداة كَذَا هَذَا
وَالشّرط الثَّانِي أَن يُوجد الْفَيْء بالْقَوْل فِي حَال يحل لَهُ الْوَطْء بِأَن كَانَت زَوْجَة لَهُ
فَأَما إِذا أَبَانهَا ثمَّ فَاء إِلَيْهَا بِاللِّسَانِ فَإِنَّهُ لَا يَصح لِأَنَّهُ بدل فَيصح فِي حَال يَصح الأَصْل
وَلِهَذَا قَالُوا إِن من آلى وَهُوَ صَحِيح مِقْدَار مَا يُمكن الْجِمَاع فِيهِ ثمَّ مرض ففيئه بِالْجِمَاعِ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي فرط فِي إِيفَاء حَقّهَا فَلَا يعْذر بِخِلَاف الْمَرِيض إِذا آلى من امْرَأَته
وَلَو آلى وَهُوَ مَرِيض فَلم يفىء بالْقَوْل حَتَّى مَضَت الْمدَّة فَبَانَت ثمَّ صَحَّ ثمَّ تزَوجهَا وَهُوَ مَرِيض ففاء إِلَيْهَا بِلِسَانِهِ فَإِنَّهُ
стр. 568
يَصح عِنْد أبي يُوسُف وَعند مُحَمَّد لَا يَصح وَمَا قَالَه أَبُو يُوسُف أصح لِأَن الْإِيلَاء حصل وَهُوَ مَرِيض وَعَاد حكمه وَهُوَ مَرِيض وَفِي زمَان الصِّحَّة بَين المدتين هِيَ بَائِنَة لَا تسْتَحقّ الْوَطْء فَلَا يعود حكم الْإِيلَاء
وَأما حكم الْحِنْث فِي الْيَمين بِاللَّه تَعَالَى فَهُوَ الْكَفَّارَة
وَفِي الْيَمين بِالشّرطِ وَالْجَزَاء يلْزمه مَا هُوَ جَزَاؤُهُ من الطَّلَاق وَالْعتاق وَالظِّهَار وَنَحْوهَا
هَذَا الَّذِي ذكرنَا فِي حق الْمُسلم وَأما الذِّمِّيّ إِذا آلى من امْرَأَته فَإِن حلف بِطَلَاق أَو عتاق يكون موليا بالِاتِّفَاقِ
وَإِذا حلف بِمَا هُوَ قربَة كالصدقة وَالصِّيَام فَلَيْسَ بمول بالِاتِّفَاقِ
فَأَما إِذا حلف باسم من أَسمَاء الله أَو بصفاته فَهُوَ مول عِنْد أبي حنيفَة وَعند أبي يُوسُف وَمُحَمّد لَا يكون موليا
وَإِذا صَحَّ إِيلَاء الذِّمِّيّ فَهُوَ فِي أَحْكَامه كَالْمُسلمِ إِلَّا أَنه إِذا وطىء فِي الْيَمين بِاللَّه لَا يلْزمه الْكَفَّارَة لِأَنَّهَا عبَادَة وَهُوَ لَيْسَ من أَهلهَا
فَأَما إِذا آلى أَو ظَاهر ثمَّ رَجَعَ عَن الْإِسْلَام وَلحق بدار الْحَرْب ثمَّ رَجَعَ مُسلما وَتَزَوجهَا فَهُوَ مول وَمظَاهر عِنْد أبي حنيفَة فِي رِوَايَة مُحَمَّد وَقَالَ أَبُو يُوسُف يسْقط الظِّهَار وَالْإِيلَاء وَهَذَا يعرف فِي الخلافيات وَاخْتلفت رِوَايَة أبي يُوسُف عَن أبي حنيفَة
стр. 569
بَاب الظِّهَار
يحْتَاج فِي هَذَا الْبَاب إِلَى بَيَان ركن الظِّهَار شرعا وَإِلَى بَيَان شَرَائِطه وَإِلَى بَيَان حكمه وَإِلَى تَفْسِير الْكَفَّارَة
أما ركن الظِّهَار شرعا فَنَقُول أَن يَقُول الرجل لزوجته أَنْت عَليّ كَظهر أُمِّي فَيَقَع بِهِ الظِّهَار نوى أَو لم ينْو لِأَنَّهُ صَرِيح فِي بَابه
وَكَذَا إِذا نوى بِهِ تَحْرِيم الطَّلَاق أَو تَحْرِيم الْيَمين لَا يَصح لما قُلْنَا إِنَّه صَرِيح فِي الظِّهَار فَإِذا نوى غَيره لَا يَصح
وَلَو قَالَ أردْت بِهِ الْخَبَر عَن الْمَاضِي كَاذِبًا لَا يصدق فِي الْقَضَاء وَيصدق فِيمَا بَينه وَبَين الله
وَكَذَا إِذا أضَاف الظِّهَار إِلَى جُزْء شَائِع أَو جَامع من امْرَأَته
وَلَو أضَاف إِلَى جُزْء معِين غير جَامع وَلَا شَائِع لَا يجوز كَالطَّلَاقِ
стр. 570
وَلَو شبه امْرَأَته بعضو من أمه غير الظّهْر فَإِن كَانَ لَا يجوز النّظر إِلَيْهِ فَهُوَ ظِهَار نَحْو الْبَطن والفخذ والفرج
وَلَو شبه امْرَأَته بذوات الْمَحَارِم غير الْأُم إِن كَانَت الْحُرْمَة على التَّأْبِيد بِنسَب أَو رضَاع أَو مصاهرة فَإِنَّهُ يكون ظِهَارًا
وَلَو شبه امْرَأَته بِامْرَأَة مُحرمَة عَلَيْهِ فِي الْحَال وَهِي مِمَّن تحل لَهُ فِي حَالَة أُخْرَى مثل أُخْت امْرَأَته وَمثل امْرَأَة لَهَا زوج أَو مَجُوسِيَّة أَو مرتدة لم يكن مُظَاهرا لِأَن النَّص ورد فِي الْأُم وَهِي مُحرمَة على التَّأْبِيد
وَأما شَرَائِط صِحَة الظِّهَار فَنَقُول مِنْهَا أَن يكون الْمظَاهر مُسلما عندنَا
وَعند الشَّافِعِي لَيْسَ بِشَرْط
وَالصَّحِيح قَوْلنَا لِأَن حكمه هُوَ الْحُرْمَة المؤقتة بِالْكَفَّارَةِ وَهِي عبَادَة وَالْكَافِر لَيْسَ من أَهلهَا وَهِي مَسْأَلَة مَعْرُوفَة
وَمِنْهَا أَن تكون الْمَرْأَة محللة بِالنِّكَاحِ لَا بِملك الْيَمين حَتَّى لَو ظَاهر من أمته أَو مدبرته أَو أم وَلَده لَا يَصح لِأَنَّهُ حكم ثَبت بِخِلَاف الْقيَاس بِالنَّصِّ وَقد ورد فِي حق الزَّوْجَة بقوله تَعَالَى ﴿وَالَّذين يظاهرون من نِسَائِهِم﴾ فَلَا يُقَاس عَلَيْهَا غَيرهَا
وَلَو ظَاهر من المختلعة والمبانة لَا يَصح وَإِن كَانَ يلْحقهَا صَرِيح الطَّلَاق لِأَنَّهَا لَيست بمحللة بِالنِّكَاحِ
وَإِن بَقِي النِّكَاح من وَجه
وَأما حكمه فَهُوَ تَحْرِيم الِاسْتِمْتَاع بهَا من الْوَطْء ودواعيه مؤقتا إِلَى وجود التَّكْفِير مَعَ بَقَاء ملك النِّكَاح لما رُوِيَ عَن النَّبِي ﵇ أَنه قَالَ للمظاهر الَّذِي وَاقع امْرَأَته اسْتغْفر الله وَلَا تعد حَتَّى تكفر
стр. 571
وَيجب على الْمَرْأَة أَن تمنع الزَّوْج عَن الِاسْتِمْتَاع بهَا حَتَّى يكفر
وللمرأة أَن تطالب الزَّوْج بِالْوَطْءِ عِنْد الْحَاكِم وعَلى الْحَاكِم أَن يجْبرهُ حَتَّى يكفر ويطأ لِأَنَّهُ أضرّ بهَا فِي الِامْتِنَاع عَن الْوَطْء مَعَ قيام الْملك وَفِي وَسعه إِزَالَته بالتكفير
ثمَّ هَذِه الْحُرْمَة لَا تَزُول بِسَبَب من أَسبَاب الْإِبَاحَة مَا لم تُوجد الْكَفَّارَة لَا بِالنِّكَاحِ وَلَا بِملك الْيَمين وَلَا بِإِصَابَة الزَّوْج الثَّانِي حَتَّى أَن الْمظَاهر إِذا طَلقهَا طَلَاقا بَائِنا وَانْقَضَت عدتهَا ثمَّ تزَوجهَا لَا يحل لَهُ وَطْؤُهَا مَا لم يكفر
وَكَذَلِكَ لَو كَانَت الزَّوْجَة أمة الْغَيْر فَظَاهر مِنْهَا ثمَّ اشْتَرَاهَا حَتَّى بَطل النِّكَاح لم يحل لَهُ أَن يَطَأهَا بِملك الْيَمين حَتَّى يكفر
وَكَذَلِكَ لَو كَانَت حرَّة فارتدت عَن الْإِسْلَام وَلَحِقت بدار الْحَرْب فسبيت واشتراها
وَكَذَلِكَ لَو طَلقهَا ثَلَاثًا وَتَزَوَّجت بِزَوْج آخر ثمَّ عَادَتْ إِلَيْهِ بِالنِّكَاحِ لَا تحل لَهُ حَتَّى يكفر وَإِن صَحَّ النِّكَاح
وَلَو كفر بعد مَا أَبَانهَا أَو طَلقهَا ثَلَاثًا صَحَّ التَّكْفِير حَتَّى لَو تزَوجهَا حل لَهُ وَطْؤُهَا لِأَن صِحَة التَّكْفِير لَا تعتمد قيام الْملك
وَإِن كَانَ الظِّهَار مؤقتا إِلَى وَقت بِأَن قَالَ أَنْت عَليّ كَظهر أُمِّي يَوْمًا أَو شهر أَو سنة ثمَّ مضى الْوَقْت سقط الظِّهَار عندنَا خلافًا للشَّافِعِيّ لِأَن الشَّرْع جعل التَّكْفِير مزيلا للظهار المؤبد أَو الْمُطلق حَتَّى تَنْتَهِي الْحُرْمَة والمؤقت يَنْتَهِي بِمُضِيِّ الْوَقْت
وَلَو قَالَ أَنْت عَليّ كأمي فَأَنَّهُ يرجع إِلَى نِيَّته عِنْد أبي حنيفَة إِن أَرَادَ الْإِكْرَام لَا يكون ظِهَارًا وَإِن أَرَادَ الطَّلَاق أَو الظِّهَار فَهُوَ كَمَا نوى وَإِن أَرَادَ التَّحْرِيم فَهُوَ إِيلَاء
وَقَالَ مُحَمَّد هُوَ ظِهَار
وَقَالَ أَبُو
стр. 572
يُوسُف هُوَ إِيلَاء
وَلَو قَالَ أَنْت عَليّ حرَام كأمي حمل على نِيَّته فَإِن لم يكن لَهُ نِيَّة كَانَ ظِهَارًا لِأَن حرف التَّشْبِيه يخْتَص بالظهار
وَأما بَيَان الْكَفَّارَة فَنَقُول الْكَفَّارَة لَا تجب إِلَّا عِنْد وجود الظِّهَار وَالْعود قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَالَّذين يظاهرون من نِسَائِهِم ثمَّ يعودون لما قَالُوا فَتَحْرِير رَقَبَة من قبل أَن يتماسا﴾ وَفِيه كَلَام أَن سَبَب الْوُجُوب كِلَاهُمَا أَو أَحدهمَا أَو غَيرهمَا
وَالْعود عندنَا هُوَ الْعَزْم على وَطئهَا بعد الظِّهَار
وَقَالَ الشَّافِعِي الْعود أَن يسكت الْمظَاهر عَن طَلاقهَا عقيب الظِّهَار
وَقَالَ أَصْحَاب الظَّوَاهِر الْعود أَن يُكَرر لفظ الظِّهَار
وَالصَّحِيح قَوْلنَا لِأَنَّهُ بالظهار حرم وَطأهَا على نَفسه فَمَتَى عزم على وَطئهَا فقد قصد الرُّجُوع عَن الأول وَالْعود هُوَ الرُّجُوع فيسمى عودا
ثمَّ الْكَفَّارَة تجب على التَّرْتِيب الْإِعْتَاق عِنْد الْقُدْرَة ثمَّ صِيَام شَهْرَيْن مُتَتَابعين عِنْد الْعَجز عَن الْإِعْتَاق ثمَّ إطْعَام سِتِّينَ مِسْكينا عِنْد الْعَجز عَن الصَّوْم
عرف ذَلِك بِالنَّصِّ وَهُوَ قَوْله ﴿وَالَّذين يظاهرون من نِسَائِهِم﴾
وَإِنَّمَا يكفر قبل الْوَطْء لقَوْله تَعَالَى ﴿من قبل أَن يتماسا﴾
стр. 573
فَإِن وطىء قبل أَن يكفر فقد بَاشر وطئا حَرَامًا فَعَلَيهِ أَن يسْتَغْفر الله تَعَالَى وَلَا يطَأ حَتَّى يكفر
وَلَو أعتق بعض رَقَبَة عَن كَفَّارَته ثمَّ وطىء ثمَّ أعتق مَا بَقِي مِنْهَا لم يجزه وَعَلِيهِ أَن يسْتَقْبل إِعْتَاق رَقَبَة عِنْد أبي حنيفَة لِأَن الْإِعْتَاق عِنْده مِمَّا يتَجَزَّأ فَيكون معتقا بعضه بعد الْوَطْء وَبَعضه قبل الْوَطْء وَالله تَعَالَى أَمر بِإِعْتَاق رَقَبَة كَامِلَة قبل الْمَسِيس
وعَلى قَوْلهمَا صَحَّ لِأَن عِنْدهمَا الْإِعْتَاق لَا يتَجَزَّأ فإعتاق الْبَعْض إِعْتَاق الْكل
وَلَو جَامع الْمظَاهر فِي خلال الصَّوْم جماعا يفْسد الصَّوْم فَإِنَّهُ يسْتَقْبل الصَّوْم بِالْإِجْمَاع لِأَن الْوَاجِب عَلَيْهِ صِيَام شَهْرَيْن مُتَتَابعين قبل الْمَسِيس مَعَ الْإِمْكَان وَلم يُوجد
وَلَو جَامع فِي الشَّهْرَيْنِ لَيْلًا أَو نَهَارا نَاسِيا لصومه اسْتقْبل عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد
وَقَالَ أَبُو يُوسُف يمْضِي على صِيَامه وَهِي مَسْأَلَة مَعْرُوفَة
وَلَو جَامع فِي خلال الْإِطْعَام لم يلْزمه الِاسْتِقْبَال بِالْإِجْمَاع لِأَن الله تَعَالَى لم يذكر فِي الْإِطْعَام ترك الْمَسِيس لَكِن يمْنَع عَن الْوَطْء قبل الْفَرَاغ من الْإِطْعَام لجَوَاز أَن يقدر على الصَّوْم أَو الْعتْق فَتبين أَن الْوَطْء كَانَ حَرَامًا
وَلَو كفر بِالْإِعْتَاقِ يعْتق رَقَبَة كَامِلَة للذات وَالرّق على مَا نبين فِي كتاب الْإِيمَان
وَلَو كفر بِالْإِطْعَامِ أطْعم سِتِّينَ مِسْكينا كل مِسْكين نصف صَاع من بر أَو دَقِيق أَو سويق أَو صَاعا من تمر أَو شعير كَمَا ذكرنَا فِي صَدَقَة الْفطر وَحكمه حكم ذَلِك
стр. 574
بَاب اللّعان
يحْتَاج فِي هَذَا الْبَاب إِلَى بَيَان مَشْرُوعِيَّة اللّعان وماهيته وَإِلَى بَيَان سَبَب وجوب اللّعان وَإِلَى بَيَان شَرَائِط الْوُجُوب وَإِلَى بَيَان كَيْفيَّة اللّعان وَإِلَى بَيَان حكمه
أما الأول فَنَقُول اللّعان مَشْرُوع بَين الزَّوْجَيْنِ
وَهُوَ شَهَادَات مؤكدات بِالْإِيمَان عندنَا وَعند الشَّافِعِي أَيْمَان مؤكدات بِالشَّهَادَةِ
وَيكون قَائِما مقَام حد الْقَذْف فِي جَانب الرجل وَقَائِمًا مقَام حد الزِّنَا فِي جَانب الْمَرْأَة وَلِهَذَا قُلْنَا لَا يثبت بِالشَّهَادَةِ على الشَّهَادَة وَلَا بِشَهَادَة النِّسَاء مَعَ الرِّجَال وَلَا بِكِتَاب القَاضِي إِلَى القَاضِي
وَكَذَلِكَ إِذا وطِئت مُحصنَة بِالشُّبْهَةِ فقذفها زَوجهَا لم يجب اللّعان كَمَا لَو قَذفهَا أَجْنَبِي لَا يجب حد الْقَذْف فَسقط اللّعان بِالشُّبْهَةِ كالحد
стр. 575
وأصل ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذين يرْمونَ أَزوَاجهم﴾
وَأما بَيَان سَبَب الْوُجُوب فَنَقُول سَبَب وجوب اللّعان بَين الزَّوْجَيْنِ هُوَ الْقَذْف الصَّحِيح عِنْد وجود شَرَائِطه من الزَّوْج
ونعني بِالْقَذْفِ الصَّحِيح مَا يكون مُوجبا للحد فِي حق الْأَجْنَبِيّ بِأَن كَانَ عَاقِلا بَالغا وَالْمَرْأَة عَاقِلَة بَالِغَة لِأَن الْقَذْف من الصَّغِير وَالْمَجْنُون لَيْسَ بِمُوجب للحد لعدم الْجِنَايَة
وَكَذَلِكَ قذف الصَّغِيرَة والمجنونة بِالزِّنَا كذب لِأَنَّهُ لَا يتَصَوَّر الزِّنَا مِنْهَا فَلَا يكون قذفا صَحِيحا
وَكَذَلِكَ إِحْصَان الْمَقْذُوف شَرط
وَذَلِكَ نَوْعَانِ أَحدهمَا أَن يَقُول يَا زَانِيَة أَو زَنَيْت بفلان أَو ولدك من الزِّنَا فأنكرت الْمَرْأَة وخاصمته إِلَى الْحَاكِم فعجز الزَّوْج عَن إِقَامَة الْبَيِّنَة على الزِّنَا
وَالثَّانِي أَن يَنْفِي ولدا أقرّ أَن امْرَأَته وَلدته أَو شهِدت امْرَأَة على الْولادَة فَقَالَ هَذَا لَيْسَ بِابْني وَذَلِكَ قبل الْإِقْرَار بِالْوَلَدِ وَقبل مُضِيّ مُدَّة تهنئة الْوَلَد الَّتِي هِيَ قَائِمَة مقَام الْإِقْرَار على مَا يعرف فِي كتاب الدَّعْوَى
وَلَو قَالَ لامْرَأَته وَهِي حَامِل هَذَا الْحمل لَيْسَ مني فَهُوَ لَيْسَ بقاذف وَلَا لعان بَينهمَا عِنْد أبي حنيفَة وَزفر
وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد إِن جَاءَت بِولد لأَقل من سِتَّة أشهر لَا عَنْهَا وَإِن جَاءَت بِهِ لأكْثر فَلَا لعان
وَاتفقَ أَصْحَابنَا أَنه لَا يَنْفِي نسب الْحمل قبل الْولادَة
стр. 576
وَأما شَرَائِط الْوُجُوب فَنَقُول هُوَ أَن يَكُونَا زَوْجَيْنِ حُرَّيْنِ مُسلمين عاقلين بالغين غير محدودين فِي الْقَذْف وَالْمَرْأَة عفيفة
أما اعْتِبَار الزَّوْجِيَّة فَلِأَن الله تَعَالَى خص اللّعان بالأزواج وَجعله حد للزَّوْج قَائِما مقَام حد الْقَذْف
وَلِهَذَا قَالَ أَصْحَابنَا إِن من تزوج امْرَأَة نِكَاحا فَاسِدا ثمَّ قَذفهَا لَا يجب اللّعان
وَلَو قَذفهَا الزَّوْج فَلم يلتعنا حَتَّى طَلقهَا ثَلَاثًا أَو بَائِنا فَلَا حد وَلَا لعان لِأَنَّهُ انْقَطَعت الزَّوْجِيَّة وَحصل الْفِرَاق وَحكم اللّعان التَّفْرِيق وَالتَّحْرِيم فَلَا يَصح اللّعان بِدُونِ حكمه
وَلَو كَانَ الطَّلَاق رَجْعِيًا يُلَاعن لقِيَام الزَّوْجِيَّة
وَأما الْحُرِّيَّة فَلِأَن العَبْد وَالْأمة ليستا من أهل الشَّهَادَة وَاللّعان شَهَادَات فِيهَا معنى الْإِيمَان
وَكَذَلِكَ الْحُرِّيَّة فِي جَانبهَا من شَرَائِط الْإِحْصَان وإحصان الْمَقْذُوف شَرط
وَأما اعْتِبَار الْعقل وَالْبُلُوغ فَلَمَّا قُلْنَا إِنَّه لَا يَصح الْقَذْف بِدُونِ الْعقل وَالْبُلُوغ
وَأما اعْتِبَار نفي حد الْقَذْف فَلِأَن الْمَحْدُود فِي الْقَذْف لَا شَهَادَة لَهُ
وَأما اعْتِبَار الْإِسْلَام أما فِي جَانبهَا فَمن بَاب الْإِحْصَان فَإِن الْمَرْأَة الْكَافِرَة لَا يجب بقذفها الْحَد وَكَذَلِكَ اللّعان
وَأما الزَّوْج الْكَافِر إِذْ قذف الزَّوْجَة الْمسلمَة فَلَا لعان عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ من أهل الشَّهَادَة على الْمُسلمين
وَصُورَة الْمَسْأَلَة فِي الْكَافِر إِذا أسلمت امْرَأَته فَلم يعرض عَلَيْهِ الْإِسْلَام حَتَّى قَذفهَا فَيحد وَلَا يُلَاعن
стр. 577
فَمَا لم يُوجد هَذِه الشَّرَائِط لَا يجب اللّعان لَكِن بَعْضهَا شَرط وجوب اللّعان وَبَعضهَا شَرط تحقق الْقَذْف وَصِحَّته
ثمَّ مَتى سقط اللّعان وَبَطل هَل يسْقط الْحَد عَن الرجل قَالَ مَشَايِخنَا إِن بَطل بِمَعْنى من جِهَة الزَّوْج يجب الْحَد
وَلَا يجب اللّعان وَهَذَا صَحِيح إِذا كَانَ الْقَذْف صَحِيحا كقذف الْعَاقِل الْبَالِغ فأكذب نَفسه يجب الْحَد وَلَا يجب اللّعان
فَأَما إِذا لم يكن الْقَذْف صَحِيحا كقذف الصَّبِي وَالْمَجْنُون فَإِنَّهُ لَا يجب الْحَد وَلَا اللّعان وَإِن سقط بِمَعْنى من جِهَة الزَّوْج
وَقَالُوا إِن بَطل تَعْنِي من جِهَة الْمَرْأَة لم يجب على الزَّوْج حد وَلَا لعان كَمَا إِذا صدقته وكما إِذا كَانَت حرَّة عفيفة مسلمة إِلَّا أَنَّهَا محدودة فِي الْقَذْف فَلَا حد وَلَا لعان لِأَن الْمَعْنى من جِهَتهَا وَهُوَ أَنَّهَا لَيست من أهل الشَّهَادَة مَعَ كَون الْقَذْف صَحِيحا
فَإِذا كَانَ الْمَعْنى من جِهَتهَا وَالْقَذْف لَيْسَ بِصَحِيح لَا يجب الْحَد وَاللّعان جَمِيعًا أَيْضا حَتَّى إِذا كَانَت الزَّوْجَة كَافِرَة أَو أمة أَو صَغِيرَة أَو مَجْهُولَة أَو زَانِيَة فَلَا حد وَلَا لعان لِأَن الْقَذْف لَيْسَ بِصَحِيح لِأَن الْمَرْأَة لَيست بمحصنة
وَإِذا كَانَ كل وَاحِد من الزَّوْجَيْنِ محدودا فِي الْقَذْف يجب الْحَد وَلَا يجب اللّعان لِأَن الْقَذْف صَحِيح وَالْمَانِع من جِهَة الزَّوْج وَلَا عِبْرَة بجانبها
وعَلى هَذَا تَدور الْمسَائِل
وَأما تَفْسِير اللّعان فَإِن كَانَ الْقَذْف بِصَرِيح الزِّنَا فأنكرت الْمَرْأَة وخاصمته إِلَى القَاضِي فَأمره بِإِقَامَة الْبَيِّنَة على صدق مقَالَته فعجز عَن إِقَامَة الْبَيِّنَة
стр. 578
فَإِنَّهُ يبتدىء من جِهَة الزَّوْج ويأمره بِاللّعانِ فَيقوم الزَّوْج وَيَقُول أشهد بِاللَّه إِنِّي لمن الصَّادِقين فِيمَا رميتها بِهِ من الزِّنَا فَيَقُول ذَلِك أَربع مَرَّات ثمَّ يَقُول فِي الْخَامِسَة إِن لعنة الله عَليّ إِن كنت من الْكَاذِبين فِيمَا رميتها بِهِ من الزِّنَا وَيقبل بِوَجْهِهِ على الْمَرْأَة فِي كل ذَلِك
ثمَّ يأمرها بِاللّعانِ فتقوم وتواجه زَوجهَا وَتقول أشهد بِاللَّه إِنَّه لمن الْكَاذِبين فِيمَا رماني بِهِ من الزِّنَا أَربع مَرَّات ثمَّ تَقول فِي الْخَامِسَة إِن غضب الله عَليّ إِن كَانَ من الصَّادِقين فِيمَا رماني بِهِ من الزِّنَا
فَإِذا قَالَت ذَلِك تمّ اللّعان بَينهمَا
وَإِن كَانَ الْقَذْف بِنَفْي الْوَلَد وكذبته الْمَرْأَة وخاصمته إِلَى الْحَاكِم فَإِنَّهُ يَأْمر الْحَاكِم الزَّوْج بِاللّعانِ وَهُوَ أَن يقوم الرجل فَيَقُول أشهد بِاللَّه إِنَّنِي لمن الصَّادِقين فِيمَا رميتها بِهِ من نفي وَلَدهَا هَذَا أَربع مَرَّات وَيَقُول فِي الْخَامِسَة إِن لعنة الله عَليّ إِن كنت من الْكَاذِبين فِيمَا رميتها بِهِ من نفي وَلَدهَا هَذَا ثمَّ يَأْمر الْمَرْأَة أَن تَقول أشهد بِاللَّه إِنَّه لمن الْكَاذِبين فِيمَا رماني بِهِ من نفي وَلَدي هَذَا أَربع مَرَّات ثمَّ تَقول فِي الْخَامِسَة إِن غضب الله عَليّ إِن كَانَ من الصَّادِقين فِيمَا رماني بِهِ من نفي وَلَدي هَذَا
وَالْقِيَام لَيْسَ بِشَرْط وَلَا يضرّهُ قَالَ ذَلِك قَائِما أَو قَاعِدا كَذَا رَوَاهُ الْحسن عَن أبي حنيفَة
فَإِذا قَالَا ذَلِك تمّ اللّعان بَينهمَا
وَإِذا تمّ اللّعان بَينهمَا لَا تقع الْفرْقَة مَا لم يفرق القَاضِي بَينهمَا
فَيَنْبَغِي أَن يفرق القَاضِي بَينهمَا فِي الْفَصْل الأول
وَفِي الْفَصْل الثَّانِي يفرق بَينهمَا وَيَقْضِي بِنَفْي الْوَلَد وَقطع النّسَب من الْأَب ويلحقه بِالْأُمِّ لِأَن التَّفْرِيق وَقطع النّسَب كِلَاهُمَا حكم اللّعان إِذا كَانَ اللّعان بِالْقَذْفِ بِنَفْي الْوَلَد فَلَا بُد من قَضَاء القَاضِي بِقطع النّسَب
стр. 579
وَأما حكم اللّعان فَهُوَ ثُبُوت حق التَّفْرِيق
فَإِذا تمّ اللّعان يفرق القَاضِي بَينهمَا وَلَا تقع الْفرْقَة بِنَفس اللّعان وَهَذَا مَذْهَب عُلَمَائِنَا
وَقَالَ زفر تقع الْفرْقَة بلعانهما
وَقَالَ الشَّافِعِي بِلعان الزَّوْج
ثمَّ اخْتلف أَصْحَابنَا فِيمَا بَينهم قَالَ أَبُو حنيفَة وَمُحَمّد هِيَ تَطْلِيقَة بَائِنَة فيزول ملك النِّكَاح وَتثبت حُرْمَة الِاجْتِمَاع والتزوج إِلَى وَقت الإكذاب وَإِقَامَة الْحَد
وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَزفر هِيَ فرقة بِغَيْر طَلَاق توجب تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا
وَأَصله قَوْله ﵇ المتلاعنان لَا يَجْتَمِعَانِ أبدا
فَأخذ أَبُو يُوسُف وَزفر بِظَاهِر الحَدِيث وَأَبُو حنيفَة وَمُحَمّد أخذا بِمَعْنَاهُ وَهُوَ أَن المتلاعنين لَا يَجْتَمِعَانِ أبدا مَا داما متلاعنين فَإِن حَقِيقَة المتفاعل هُوَ المتشاغل بِالْفِعْلِ حَقِيقَة أَو حكما فَإِذا زَالَ اللّعان حَقِيقَة وَحكما لَا يبْقى حكمه
ثمَّ إِذا وَقعت الْفرْقَة بتفريق القَاضِي وَثَبت حُرْمَة الِاجْتِمَاع فَإِذا أكذب الزَّوْج نَفسه وَضرب الْحَد يُبَاح لَهُ أَن يَتَزَوَّجهَا لِأَنَّهُ بَطل الْقَذْف وَخرج من أَن يكون من أهل اللّعان بصيرورته محدودا فِي الْقَذْف فَلَا يبْقى اللّعان
وَكَذَلِكَ إِذا صدقته الْمَرْأَة بعد الْفرْقَة لِأَنَّهَا صَارَت معترفة وَبَطل الْقَذْف فَبَطل حكم اللّعان
وَكَذَا إِذا حدت فِي قذف
فَإِن أَخطَأ القَاضِي فَبَدَأَ بِالْمَرْأَةِ ثمَّ بِالرجلِ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أَن يُعِيد
стр. 580
اللّعان على الْمَرْأَة لِأَنَّهَا شَهَادَة وَإِنَّمَا يبْدَأ بِشَهَادَة الْمُدَّعِي ثمَّ بِشَهَادَة الْمُدعى عَلَيْهِ بطرِيق الدّفع فَلهَذَا يبْدَأ بِالرجلِ فَإِن أَخطَأ يجب الِاسْتِدْرَاك بِالْإِعَادَةِ فَإِن لم يعد جَازَ لِأَنَّهُ قَضَاء فِي مَوضِع الِاجْتِهَاد فَإِن عِنْد بَعضهم اللّعان إِيمَان وَفِي التَّحَالُف يجوز تَقْدِيم يَمِين أَيهمَا كَانَ
وَلَو أَخطَأ القَاضِي وَفرق قبل تَمام اللّعان فَإِن كَانَ كل وَاحِد مِنْهُمَا قد التعن أَكثر اللّعان وَقعت الْفرْقَة
وَإِن لم يلتعنا أَكثر اللّعان أَو كَانَ أَحدهمَا لم يلتعن أَكثر اللّعان لم تقع الْفرْقَة لِأَنَّهُ قَضَاء بطرِيق الِاجْتِهَاد فِي مَوضِع يسوغ فِيهِ الِاجْتِهَاد لِأَنَّهُ للْأَكْثَر حكم الْكل فِي كثير من الْأَحْكَام
وَفِي الْفَصْل الثَّانِي قَضَاء فِي مَوضِع لَا يسوغ فِيهِ الِاجْتِهَاد فَلَا ينفذ
وَإِذا امْتنع أحد الزَّوْجَيْنِ عَن الالتعان فَإِن القَاضِي يحْبسهُ حَتَّى يلتعن
وَعند الشَّافِعِي لَا يحبس وَلَكِن يحد حد الْقَذْف
стр. 581
بَاب فرقة الْعنين
لَا خلاف بَين الْعلمَاء أَن الْجب والعنة عيب يثبت بهما الْخِيَار للْمَرْأَة فِي التَّفْرِيق والبقاء على النِّكَاح
وَاخْتلف أَصْحَابنَا فِي عُيُوب أخر بِالزَّوْجِ تخل بِالْوَطْءِ مثل الْجُنُون والجذام والبرص
قَالَ أَبُو حنيفَة لَا يثبت الْخِيَار وَقَالَ مُحَمَّد وَالشَّافِعِيّ يثبت
وَأجْمع أَصْحَابنَا أَن لَا يفْسخ النِّكَاح بعيوب فِي الْمَرْأَة
وَقَالَ الشَّافِعِي يفْسخ بعيوب خَمْسَة الْجُنُون والجذام والبرص والرتق والقرن وَهِي مَسْأَلَة مَعْرُوفَة
إِذا ثَبت هَذَا فَنَقُول إِذا ادَّعَت الْمَرْأَة أَن زَوجهَا مجبوب أَو عنين وَرفعت الْأَمر إِلَى القَاضِي فَإِنَّهُ يسْأَل الزَّوْج عَن ذَلِك أَنه هَل وصل إِلَيْهَا أم لَا فَإِن
стр. 582
أنكر فَفِي الْمَجْبُوب يعرف بالمس من وَرَاء الْإِزَار
وَإِن أقرّ يثبت لَهَا الْخِيَار فِي الْمَجْبُوب لِأَنَّهُ لَا فَائِدَة فِي التَّأْجِيل
وَفِي الْعنين إِذا أقرّ وصدقها فِي ذَلِك يؤجله القَاضِي سنة
وَإِن أنكر أَنه عنين وَقَالَ وصلت إِلَيْهَا فَإِن القَاضِي يسْأَل الْمَرْأَة أَهِي بكر أَو ثيب
فَإِن قَالَت ثيب فَإِنَّهُ يَجْعَل القَوْل قَول الزَّوْج لِأَن الظَّاهِر شَاهد لَهُ لِأَن من خلا بِالثَّيِّبِ فَالظَّاهِر أَنه يَطَأهَا
وَإِن قَالَت إِنِّي بكر نظر إِلَيْهَا النِّسَاء وَالْمَرْأَة الْوَاحِدَة كَافِيَة وَالْأَكْثَر أوثق فَإِن قُلْنَ إِنَّهَا بكر فَالْقَوْل قَوْلهَا لِأَن قيام الْبكارَة يدل عَلَيْهِ وَقَول النِّسَاء فِيمَا لَا يطلع عَلَيْهِ الرِّجَال مَقْبُول
وَإِذا ثَبت أَنه لم يصل إِلَيْهَا إِمَّا بِإِقْرَارِهِ أَو بِظُهُور الْبكارَة فَإِن القَاضِي يؤجله حولا وَإِنَّمَا يعْتَبر الْأَجَل سنة لِأَن الِامْتِنَاع من الْوَطْء قد يكون للعجز وَقد يكون لبغضه إِيَّاهَا فَإِذا أجل فَيقدم على الْوَطْء دفعا للعار عَن نَفسه إِن كَانَ قَادِرًا
وَأول الْأَجَل من حِين الْإِقْرَار وَظُهُور الْبكارَة وَلَا يحْتَسب على الزَّوْج مَا قبل التَّأْجِيل
والتأجيل إِنَّمَا يكون بِسنة شمسية لِأَن الْفُصُول تكمل فِيهَا فَيحْتَمل أَن يَزُول الدَّاء فِي الْمدَّة الَّتِي بَين الشمسية والقمرية
فَإِذا حَال الْحول فَرفعت الْأَمر إِلَى القَاضِي وَادعت أَنه لم يصل إِلَيْهَا فَإِنَّهُ يسْأَل الزَّوْج عَن ذَلِك فَإِن قَالَ قد وطئتها وَهِي ثيب فَالْقَوْل قَوْله
وَإِن كَانَت بكرا نظر إِلَيْهَا النِّسَاء فَإِن قُلْنَ إِنَّهَا بكر فَالْقَوْل قَوْلهَا وَإِن قُلْنَ إِنَّهَا ثيب فَالْقَوْل قَول الزَّوْج
وَإِذا ثَبت عدم الْوُصُول إِلَيْهَا إِمَّا باعترافه أَو بِظُهُور الْبكارَة فَإِن القَاضِي يخيرها لِأَن الْعَيْب قد اسْتَقر فَإِن اخْتَارَتْ الْمقَام بَطل حَقّهَا وَلم يكن لَهَا خُصُومَة أبدا فِي هَذَا النِّكَاح لِأَنَّهَا رضيت
стр. 583
بِالْعَيْبِ
وَإِن اخْتَارَتْ الْفرْقَة يفرق القَاضِي بَينهمَا وَتَكون تَطْلِيقَة بَائِنَة على مَا مر
وَلَو وصل إِلَيْهَا مرّة ثمَّ عجز وَعرف ذَلِك بإقرارها فَإِن القَاضِي لَا يخيرها لِأَنَّهُ وصل حَقّهَا إِلَيْهَا لِأَنَّهُ يجب كَمَال الْمهْر فَلَا يعْتَبر مَا زَاد عَلَيْهِ
وَإِذا خَيرهَا الْحَاكِم فَوجدَ مِنْهَا مَا يدل على الْإِعْرَاض يبطل خِيَارهَا كَمَا فِي خِيَار المخيرة
وَقَالَ أَصْحَابنَا إِن الْعنين إِذا أجل سنة فشهر رَمَضَان وَأَيَّام الْحيض محسوبة من الْأَجَل لِأَن التَّأْجِيل سنة عرفنَا ذَلِك بِإِجْمَاع الصَّحَابَة من غير اسْتثِْنَاء من هَذِه الْأَيَّام مَعَ علمهمْ بذلك
فَأَما إِذا مَرضا فِي الْمدَّة مَرضا لَا يُمكن الْجِمَاع مَعَه فَإِن كَانَ أقل من نصف شهر احتسب عَلَيْهِ وَإِن كَانَ أَكثر من نصف شهر لم يحْتَسب عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ الْغَيْبَة
وَرُوِيَ عَن مُحَمَّد أَنه قدر ذَلِك بالشهر وَفِيه رِوَايَات وَهَذَا أوثق لِأَن الشَّهْر فِي حكم الْأَجَل
هَذَا إِذا لم تكن الْمَرْأَة رتقاء فَإِن كَانَت رتقاء وَكَانَ زَوجهَا عنينا فَلَا يؤجله القَاضِي لِأَنَّهُ لَا حق لَهَا فِي الْوَطْء وَإِنَّمَا حَقّهَا فِي الِاسْتِمْتَاع والمساس
وَلَو علمت الْمَرْأَة بالعنة عِنْد العقد ورضيت بِالْعقدِ فَإِنَّهُ لَا خِيَار لَهَا كمن اشْترى عبدا وَهُوَ عَالم بِعَيْبِهِ
فَإِن كَانَ زوج الْأمة عنينا فَالْخِيَار فِي ذَلِك إِلَى الْمولى عِنْد أبي يُوسُف
وَقَالَ زفر الْخِيَار للْأمة
وروى الْحسن عَن أبي حنيفَة مثل قَول أبي يُوسُف
стр. 584
بَاب الْحَضَانَة
الْولَايَة إِلَى الْعَصَبَات فِي الْجُمْلَة والحضانة إِلَى ذَوَات الرَّحِم الْمحرم لِأَن الْحَضَانَة تبتنى على الشَّفَقَة والرفق بالصغار وَذَلِكَ من جَانب النِّسَاء أوفر وَهن بالتربية أعلم
وَيكون الْأَقْرَب فَالْأَقْرَب أولى
ثمَّ الْأَقْرَب هَهُنَا هِيَ الْأُم ثمَّ الْجدّة أم الْأُم ثمَّ الْجدّة أم الْأَب ثمَّ الْأَخَوَات فأولاهن الْأُخْت لأَب وَأم ثمَّ الْأُخْت لأم ثمَّ الْأُخْت لأَب ثمَّ بَنَات الْأُخْت على هَذَا التَّرْتِيب ثمَّ بَنَات الْأَخ وعَلى هَذَا التَّرْتِيب وَهَذَا على الرِّوَايَة الَّتِي تقدم الْأُخْت لأَب على الْخَالَة وَهِي رِوَايَة مُحَمَّد عَن أبي يُوسُف عَن أبي حنيفَة وَرِوَايَة الْحسن عَن أبي يُوسُف
وَفِي رِوَايَة عَن أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف أَن الْخَالَة أولى من الْأُخْت لأَب وَهُوَ قَول مُحَمَّد وَزفر
ثمَّ بعد الْأَخَوَات وأولادهن من الْإِنَاث الخالات على التَّرْتِيب الْخَالَة لأَب وَأم ثمَّ الْخَالَة لأم ثمَّ الْخَالَة لأَب
ثمَّ العمات على التَّرْتِيب الْعمة لأَب وَأم ثمَّ الْعمة لأم ثمَّ الْعمة لأَب
فَأَما بَنَات الْعم وَالْخَال والعمة وَالْخَالَة فَلَا حق لَهُنَّ فِي الْحَضَانَة لِأَن لَهُنَّ رحما غير محرم
ثمَّ الْأُم والجدات أَحَق بالغلام إِلَى أَن يَأْكُل وَحده وَيشْرب وَحده
стр. 585
ويلبس وَحده
وَفِي رِوَايَة عَن مُحَمَّد وَيتَوَضَّأ وَحده أَو يستنجي وَحده
فَأَما الْجَارِيَة فَهِيَ أَحَق بهَا حَتَّى تحيض
وَالْقِيَاس أَن يكون لَهُنَّ حق الْحَضَانَة فِي الْغُلَام إِلَى وَقت الْبلُوغ لحَاجَة الصغار إِلَى التربية فِي الْجُمْلَة إِلَى وَقت الْبلُوغ إِلَّا أَنا استحسنا فِي الْغُلَام لِأَنَّهُ يحْتَاج إِلَى التَّأْدِيب وَالْأَب أقدر
ثمَّ عندنَا لَيْسَ للصَّغِير الْعَاقِل اخْتِيَار أحد الْأَبَوَيْنِ فِي الْحَضَانَة
وَعَن الشَّافِعِي يُخَيّر الصَّبِي
وَالصَّحِيح قَوْلنَا لِأَنَّهُ لَا يعرف الأنظر مِنْهُمَا
وَأما من لَا أَوْلَاد لَهَا من النِّسَاء فَلَا حق لَهُنَّ فِي الْجَارِيَة والغلام بعد الِاسْتِغْنَاء بأنفسهما فِيمَا ذكرنَا
وينتقل الْحق إِلَى الْعَصَبَات من ذَوي الرَّحِم الْمحرم الْأَقْرَب فَالْأَقْرَب على التَّرْتِيب إِلَّا بني الْأَعْمَام لِأَن الْحَاجة إِلَى الْحِفْظ وَخَوف الصَّغِير من الْعصبَة أَشد من خَوفه من غير الْأُمَّهَات من ذَوَات الرَّحِم الْمحرم
فَأَما بَنو الْأَعْمَام فَلَا حق لَهُم فِي الْحَضَانَة لِأَن لَهُم رحما غير محرم وَيحل لَهُم نِكَاحهَا فَلَا يُؤمن عَلَيْهَا
ثمَّ من كَانَ من عصباتها مِمَّن لَا يُؤمن عَلَيْهَا من ذَوي الرَّحِم الْمحرم لفسقه ومجانته لم يكن لَهُ فِيهَا حق لِأَن فِي كفَالَته لَهَا ضَرَرا عَلَيْهَا
فَإِن لم يكن لِلْجَارِيَةِ من عصباتها غير ابْن الْعم فالاختيار إِلَى القَاضِي إِن رَآهُ أصلح ضم إِلَيْهِ وَإِلَّا فَيَضَع عِنْد أَمِينه
وَهَذَا الَّذِي ذكرنَا من ثُبُوت حق الْحَضَانَة لذوات الرَّحِم الْمحرم إِذا لم يكن لَهُنَّ أَزوَاج فَأَما من لَهَا زوج فَلَا حق لَهَا فِي الْحَضَانَة إِلَّا إِذا كَانَ زَوجهَا ذَا رحم محرم من الصَّغِير لِأَنَّهُ يلْحقهُ الجفا والمذلة من زوج الْأُم
стр. 586
إِذا كَانَ أَجْنَبِيّا
ويضعه القَاضِي حَيْثُ يَشَاء بِمَنْزِلَة من لَا قرَابَة لَهُ
وَأم الْوَلَد وَالزَّوْجَة فِي الْحَضَانَة على السوَاء إِذا أعتقت
فَأَما الرقيقة فَلَا حق لَهَا فِي حضَانَة الْوَلَد الْحر لِأَنَّهُ ضرب من الْولَايَة وَالرّق يُنَافِي الولايات
وَأهل الذِّمَّة فِي هَذَا بِمَنْزِلَة أهل الْإِسْلَام لِأَن هَذَا أَمر يبتنى على الشَّفَقَة
وَلَو كَانَت الْأُم كَافِرَة وَالْولد مُسلم ذكر فِي الأَصْل أَنَّهَا فِي الْحَضَانَة كالمسلمة
وَكَانَ أَبُو بكر الرَّازِيّ يَقُول إِنَّهَا أَحَق بالصغير وَالصَّغِيرَة حَتَّى يعقلا فَإِذا عقلا سقط حَقّهَا لِأَنَّهَا تعودهم أَخْلَاق الْكَفَرَة
وَلَا حق للمرتدة فِي الْوَلَد لِأَنَّهَا تحبس وَفِي الْحَبْس ضَرَر بِالصَّبِيِّ
وَإِذا ثَبت أَن حق الْحَضَانَة للْأُم فَإِذا أَرَادَت أَن تخرج بِالْوَلَدِ إِلَى بلد آخر هَل للْأَب حق الْمَنْع فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن تكون الْأُم زَوجته أَو مُطلقَة بَائِنَة
فَإِن كَانَت زَوجته فَللزَّوْج حق الْمَنْع من الْخُرُوج بِنَفسِهَا وَبِوَلَدِهَا
فَأَما إِذا كَانَت مبتوتة فإمَّا أَن تخرج بِوَلَدِهَا إِلَى بَلَدهَا أَو إِلَى بلد آخر وَقد وَقع النِّكَاح فِي ذَلِك الْبَلَد أم لَا وَيكون بَعيدا أَو قَرِيبا يقدر الْأَب على مُشَاهدَة الْوَلَد وَالْعود إِلَى بَيته قبل اللَّيْل
أما إِذا أَرَادَت الْخُرُوج إِلَى بَلَدهَا وَكَانَ الْبَلَد بَعيدا فَإِن وَقع النِّكَاح فِيهِ لَيْسَ للْأَب حق الْمَنْع لِأَنَّهُ لما عقد النِّكَاح ثمَّ فَالظَّاهِر أَنه الْتزم الْمقَام فِيهِ
لِأَن الظَّاهِر أَن الزَّوْج يُقيم فِي الْبَلَد الَّذِي تزوج فِيهِ إِلَّا أَنه
стр. 587
يلْزمهَا اتِّبَاع الزَّوْج إِذا أعْطى جَمِيع الْمهْر حَيْثُ شَاءَ أَو رضيت بذلك فَإِذا زَالَت الزَّوْجِيَّة لم تجب الْمُتَابَعَة فَيَعُود الْأَمر الأول
فَإِن لم يَقع عقد النِّكَاح فِي بَلَدهَا فَلَيْسَ لَهَا أَن تنقل وَلَدهَا إِلَى ذَلِك الْبَلَد لِأَن فِيهِ التَّفْرِيق بَين الْأَب وَبَين وَلَده الصَّغِير وَفِيه ضَرَر بِالْأَبِ وَلم يلْتَزم الضَّرَر حَيْثُ لم يتَزَوَّج ثمَّ
وَإِذا أَرَادَت أَن تنقل الْوَلَد إِلَى الْبَلَد الَّذِي وَقع فِيهِ النِّكَاح وَلَيْسَ ذَلِك بَلَدهَا فَلَيْسَ لَهَا ذَلِك لِأَنَّهُ لَيْسَ بوطن لَهَا فَهِيَ دَار غربَة لَهَا كَمَا أَن الْبَلَد الَّذِي فِيهِ الزَّوْج دَار غربَة فتساويا وَلَيْسَ لَهَا أَن تلْحق الضَّرَر بِالْأَبِ
وَأما إِذا كَانَ الْبَلَد قَرِيبا بِحَيْثُ يقدر الْأَب أَن يَجِيء إِلَى الْوَلَد وَيَرَاهُ وَيعود إِلَى منزله قبل اللَّيْل فلهَا ذَلِك وَيكون ذَلِك بِمَنْزِلَة أَطْرَاف الْمصر لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ كثير ضَرَر
وَأما أهل الْقرى إِن أَرَادَت المبتوتة أَن تنْتَقل بِالصَّبِيِّ إِلَى قريتها من قَرْيَة الْأَب إِن وَقع النِّكَاح فِيهَا فلهَا ذَلِك
وَإِن وَقع النِّكَاح فِي غَيرهَا فَلَيْسَ لَهَا أَن تنقل الصَّبِي إِلَى قريتها وَلَا إِلَى الْقرْيَة الَّتِي وَقع النِّكَاح فِيهَا إِذا كَانَت بعيدَة كَمَا فِي البلدين
وَإِن كَانَت قريبَة بِحَيْثُ يُمكن الْأَب رُؤْيَة الصَّبِي وَالْعود إِلَى منزله قبل اللَّيْل فلهَا ذَلِك لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ ضَرَر مُعْتَبر
وَإِن كَانَ الْأَب متوطنا فِي الْمصر فَأَرَادَتْ نقل وَلَدهَا إِلَى قريتها وَالنِّكَاح وَقع فِيهِ فلهَا ذَلِك لِأَن الْأَب الْتزم الْمقَام فِي مَكَان النِّكَاح إِذا كَانَ وَطن الزَّوْجَة
وَإِذا أَرَادَت النَّقْل إِلَى قَرْيَة قريبَة من الْمصر بِحَيْثُ يُمكن النّظر إِلَى وَلَده وَالْعود قبل اللَّيْل فَإِن وَقع النِّكَاح فِيهَا فلهَا ذَلِك لِأَنَّهُ رَضِي
стр. 588
بغربة الْوَلَد وَإِن لم يَقع النِّكَاح فِيهِ فَلَيْسَ لَهَا ذَلِك لِأَن أَخْلَاق أهل الْقرى لَا تَسَاوِي أَخْلَاق أهل الْمصر فَيلْحق الصَّبِي بذلك ضَرَر وَفِيه ضَرَر بالوالد فَلم يجز إِذا لم يلتزمه الْأَب
وَقد ذكر مُحَمَّد هَذِه الْمَسْأَلَة فِي الْجَامِع الصَّغِير مُبْهمَة فَقَالَ إِنَّمَا أنظر فِي هَذَا إِلَى الْموضع الَّذِي وَقع فِيهِ عقد النِّكَاح وَالصَّحِيح مَا ذكرنَا من التَّفْصِيل
ثمَّ الْأُم وَإِن كَانَت أَحَق بالحضانة فَإِنَّهُ لَا يجب عَلَيْهَا إِرْضَاع الصَّبِي لِأَن ذَلِك بِمَنْزِلَة النَّفَقَة وَنَفَقَة الْوَلَد يخْتَص بهَا الْوَالِد إِلَّا أَن لَا يُوجد من يرضعه فتجبر على إرضاعه
وَقَالَ مَالك إِن كَانَت شريفة لم تجبر وَإِن كَانَت دنية تجبر
فَإِن كَانَت لَا ترْضع إِلَّا بِأَجْر فَإِن كَانَ فِي حَال قيام النِّكَاح فَلَيْسَ لَهَا ذَلِك لِأَن الْأجر لحفظ الصَّبِي وغسله وَذَلِكَ من بَاب نظافة الْبَيْت وَهِي مَنْفَعَة تحصل لَهَا بذلك فَلَا تسْتَحقّ الْأجر
وَلَو اسْتَأْجر الْأَب ظِئْرًا وأرادت الْأُم أَن ترْضع فَهِيَ أولى لِأَنَّهَا أشْفق عَلَيْهِ
وَإِن كَانَت الْمَرْأَة مبانة وَهِي فِي الْعدة فَفِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ لَا يجوز لَهَا أَن تَأْخُذ الْأجر لِأَنَّهَا تسْتَحقّ النَّفَقَة كَالزَّوْجَةِ
وَفِي رِوَايَة يجوز لِأَنَّهَا صَارَت أَجْنَبِيَّة
فَأَما إِذا انْقَضتْ الْعدة فَيجوز أَن تَأْخُذ الْأجر لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَة الْأَجْنَبِيَّة وَهِي أولى من الْأَجْنَبِيَّة
وَتجب الْأُجْرَة على الزَّوْج ت بِمثل مَا تَأْخُذ الْأَجْنَبِيَّة
وَإِن قَالَ الْأَب أَنا أجد من ترْضِعه بِغَيْر أجر أَو بِأَقَلّ من ذَلِك
стр. 589
الْأجر فَلَيْسَ لَهَا أَن تمنع الزَّوْج من ذَلِك لِأَن فِي ذَلِك ضَرَرا بِالْأَبِ وَلَكِن ترْضع الظِّئْر فِي بَيت الْأُم مَا لم تتَزَوَّج لِأَن حق الْحَضَانَة لَهَا
стр. 590
بَاب الرَّضَاع
قد ذكرنَا أَن الرَّضَاع سَبَب للتَّحْرِيم بطرِيق التَّأْبِيد فيحر بِهِ مَا يحرم بِالنّسَبِ والصهرية وَإِنَّمَا يُخَالف النّسَب فِي مَسْأَلَتَيْنِ
إِحْدَاهمَا أَنه لَا يجوز أَن يتَزَوَّج الرجل أُخْت ابْنه من النّسَب وَيجوز أَن يتَزَوَّج أُخْت ابْنه من الرَّضَاع لِأَن أُخْت ابْنه من النّسَب بنت امْرَأَته الْمَوْطُوءَة وَبنت موطوءته حرَام عَلَيْهِ وَهَذَا لَا يُوجد فِي الرَّضَاع
وَالثَّانيَِة أَنه لَا يجوز أَن يتَزَوَّج الرجل أم أُخْته من النّسَب وَيجوز أَن يتَزَوَّج أم أُخْته من الرَّضَاع لِأَن أم أُخْته من النّسَب مَوْطُوءَة أَبِيه وحليلة الْأَب حرَام على الابْن وَهَذَا لَا يُوجد فِي الرَّضَاع
وتعرف ذَلِك بِالتَّأَمُّلِ
وَجُمْلَة ذَلِك أَن الرَّضَاع يتَعَلَّق بِهِ التَّحْرِيم فِي جَانب الْمُرضعَة وَفِي جَانب الواطىء الَّذِي ينزل اللَّبن من وَطئه
وَالتَّحْرِيم فِي جَانب الْمُرضعَة مجمع عَلَيْهِ وَفِي جَانب الزَّوْج مُخْتَلف فِيهِ فعندنا يثبت وَعند الشَّافِعِي لَا يثبت
ولقب الْمَسْأَلَة أَن لبن الْفَحْل هَل يحرم أم لَا وَبَيَانه أَن الْمَرْأَة إِذا أرضعت طفْلا فَإِنَّهَا تحرم عَلَيْهِ وَصَارَت أما لَهُ وَصَاحب اللَّبن صَار أَبَا لَهُ فَإِن كَانَ الْمُرْضع أُنْثَى تحرم على صَاحب اللَّبن لكَونهَا بِنْتا لَهُ وَإِن كَانَ ذكرا تحرم الْمُرضعَة عَلَيْهِ لكَونه ابْنا لَهُ
стр. 591
وَأَوْلَاد الْمُرضعَة من صَاحب اللَّبن إخْوَة وأخوات الْمُرْضع لأَب
وَأم وَأَوْلَاد الْمُرضعَة من غير صَاحب اللَّبن إخْوَة وأخوات لَهُ لأم وَأَوْلَاده من غير الْمُرضعَة إخْوَة وأخوات لَهُ الْأَب
وَكَذَلِكَ الحكم فِي أَوْلَاد الْأَوْلَاد من الْجَانِبَيْنِ
وَأُمَّهَات الْمُرضعَة جداته من قبل الْأُم وَأُمَّهَات صَاحب اللَّبن جداته من قبل الْأَب
وإخوة الْمُرضعَة وَأَخَوَاتهَا أَخْوَاله وخالاته وإخوة صَاحب اللَّبن وأخواته أَعْمَامه وعماته وَبَنَات الأخوال والخالات والأعمام والعمات من الرَّضَاع حَلَال كَمَا فِي النّسَب
وَلَا يجوز للمرضع أَن يتَزَوَّج بِمن أَرْضَعَتْه الْمُرضعَة من الْإِنَاث
لِأَنَّهُنَّ أخواته لكونهن بَنَات لَهَا من جِهَة الرَّضَاع
وأصل ذَلِك أَن كل اثْنَيْنِ اجْتمعَا على ثدي وَاحِد فهما أَخَوان أَو أختَان أَو أَخ وَأُخْت
وعَلى هَذَا لَو كَانَ لرجل امْرَأَتَانِ فحبلتا مِنْهُ وأرضعت كل وَاحِدَة مِنْهُمَا صَغِيرا أَجْنَبِيّا فقد صَارا أَخَوَيْنِ لأَب فَإِن كَانَت إِحْدَاهمَا أُنْثَى لم يجز لَهَا أَن تتَزَوَّج بِالْآخرِ لِأَنَّهُ أَخُوهَا من أَبِيهَا وَإِن كَانَا اثْنَيْنِ لم يجز لرجل وَاحِد أَن يجمع بَينهمَا فِي النِّكَاح لِأَنَّهُمَا أختَان لأَب
وَقد ذكرنَا تَفْسِير حُرْمَة الرَّضَاع بِسَبَب الصهرية فِي كتاب النِّكَاح فَلَا نعيده
ثمَّ الرَّضَاع الْمحرم مَا كَانَ فِي حَال الصغر
فَأَما رضَاع الْكَبِير فَلَا يتَعَلَّق بِهِ التَّحْرِيم
وَأَصله قَوْله ﵇ الرَّضَاع مَا أنبت اللَّحْم وأنشز الْعظم
стр. 592
وَاخْتلف أَصْحَابنَا فِي الْحَد الْفَاصِل قَالَ أَبُو حنيفَة يثبت حكم الرَّضَاع فِي الصَّغِير إِلَى ثَلَاثِينَ شهرا فَمَا ارتضع بعد ذَلِك لم يتَعَلَّق بِهِ التَّحْرِيم
وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد إِلَى الْحَوْلَيْنِ وَهُوَ قَول الشَّافِعِي
وَقَالَ زفر إِلَى ثَلَاث سِنِين وَالْمَسْأَلَة مَعْرُوفَة
وَلَو فطم الصَّبِي فِي مُدَّة الرَّضَاع ثمَّ أرضع بعد الفصال فِي الْمدَّة اخْتلفت الرِّوَايَات فِيهِ عَن أَصْحَابنَا روى مُحَمَّد عَن أبي حنيفَة أَن مَا كَانَ من الرَّضَاع إِلَى ثَلَاثِينَ شهرا قبل الْفِطَام أَو بعده فَهُوَ رضَاع محرم
وروى الْحسن عَن أبي حنيفَة أَنه قَالَ إِذا فطم فِي السنتين حَتَّى اسْتغنى بِالطَّعَامِ ثمَّ ارتضع بعد ذَلِك فِي السنتين أَو الثَّلَاثِينَ شهرا لم يكن ذَلِك رضَاعًا لِأَنَّهُ لَا رضَاع بعد فطام تَامّ
وَإِن هِيَ فَطَمته فَأكل أكلا ضَعِيفا لَا يَسْتَغْنِي بِهِ عَن الرَّضَاع ثمَّ عَاد فأرضع فِي الثَّلَاثِينَ فَهُوَ رضَاع يحرم كرضاع الصَّغِير الَّذِي لم يفطم
وروى مُحَمَّد وَأَصْحَاب الْإِمْلَاء عَن أبي يُوسُف أَنه إِذا فطم قبل الْحَوْلَيْنِ ثمَّ ارتضع فِي بَقِيَّة الْحَوْلَيْنِ فَهُوَ رضَاع محرم وَهُوَ مَذْهَب مُحَمَّد وَكَانَ لَا يعْتد بالفطام قبل الْحَوْلَيْنِ
وروى الْحسن عَن أبي يُوسُف أَنه إِذا أرضع بعد الْفِطَام فِي الْحَوْلَيْنِ لم يكن رضَاعًا
ثمَّ عندنَا قَلِيل الرَّضَاع وَكَثِيره سَوَاء فِي حَال الصغر فِي التَّحْرِيم
وَقَالَ الشَّافِعِي لَا يثبت التَّحْرِيم إِلَّا بِخمْس رَضعَات
وَالصَّحِيح قَوْلنَا لقَوْله تَعَالَى ﴿وأمهاتكم اللَّاتِي أرضعنكم﴾
стр. 593
الْآيَة من غير فصل
وَكَذَا عندنَا تثبت حُرْمَة الرَّضَاع بِلَبن الْميتَة
وَعند الشَّافِعِي لَا يَقع بِهِ التَّحْرِيم لكَونه نجسا
وَإِذا وصل اللَّبن إِلَى جَوف الصَّبِي لَا من الثدي بِأَن أوجر أَو أسعط تثبت الْحُرْمَة لِأَن الوجور يصل إِلَى الْجوف والسعوط يصل إِلَى الْجوف أَيْضا
وَلَو حقن الصَّبِي بِاللَّبنِ ذكر الْكَرْخِي وَقَالَ لم يحرم وَلم يحك خلافًا
وَرُوِيَ عَن مُحَمَّد أَنه يحرم كَمَا يَقع بِهِ الْإِفْطَار
أما إِذا أقطر فِي الْأذن لم يثبت التَّحْرِيم لِأَنَّهُ لم يعلم وُصُوله إِلَى الْجوف
وَكَذَا إِذا أقطر فِي إحليله لهَذَا الْمَعْنى
وَكَذَلِكَ لَو أقطر فِي جَائِفَة أَو آمة لما ذكرنَا
وَلَو اخْتَلَط اللَّبن بِغَيْرِهِ فَهَذَا على وُجُوه إِن اخْتَلَط بِالطَّعَامِ ومسته النَّار حَتَّى نضج وطبخ لم يتَعَلَّق بِهِ الْحُرْمَة فِي قَوْلهم جَمِيعًا لِأَنَّهُ تغير بالطبخ مَعَ غَيره عَن طبعه وَصفته
стр. 594
وَإِن اخْتَلَط بِهِ الطَّعَام وَلم تمسه النَّار فَإِن كَانَ الطَّعَام هُوَ الْغَالِب لم يثبت بِهِ التَّحْرِيم لِأَنَّهُ زَالَ اللَّبن وَصَارَ اللَّبن كَالْعدمِ
وَإِن كَانَ اللَّبن غَالِبا للطعام وَهُوَ طَعَام ظَاهر يعْتد بِهِ قَالَ أَبُو حنيفَة لَا يَقع بِهِ التَّحْرِيم
وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد يحرم اعْتِبَارا للْغَالِب ف أَبُو حنيفَة يَقُول إِنَّه يضعف معنى اللَّبن وَيَزُول قوته حَتَّى يصير اللَّبن رَقِيقا ضَعِيفا يعرف بِالْمُشَاهَدَةِ
وَإِن اخْتَلَط اللَّبن بالدواء أَو الدّهن أَو النَّبِيذ فَإِن كَانَ اللَّبن غَالِبا يحرم وَإِن كَانَ الدَّوَاء غَالِبا لَا يحرم وَيعْتَبر الْغَلَبَة بِالْإِجْمَاع لِأَن قُوَّة اللَّبن بَاقِيَة
وَإِن اخْتَلَط اللَّبن بِالْمَاءِ فَإِن كَانَ اللَّبن غَالِبا يَقع بِهِ التَّحْرِيم
وَإِن كَانَ المَاء غَالِبا لَا يَقع بِهِ التَّحْرِيم اعْتِبَارا للْغَالِب
وَقَالَ الشَّافِعِي إِذا أقطر من اللَّبن خمس رَضعَات فِي جب مَاء فَشرب مِنْهُ الصَّبِي تثبت الْحُرْمَة
وَإِن اخْتَلَط اللَّبن بِلَبن شَاة تعْتَبر الْغَلَبَة أَيْضا لِأَن لبن الشَّاة لَا يُؤثر فِي زَوَال قُوَّة لبن الْآدَمِيَّة
وَأما إِذا اخْتَلَط لبن امْرَأتَيْنِ فَروِيَ عَن أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف أَن الحكم للأغلب فَثَبت بِهِ التَّحْرِيم دون الآخر
وَقَالَ مُحَمَّد وَزفر يثبت التَّحْرِيم مِنْهُمَا احْتِيَاطًا فِي بَاب الْحُرْمَة
وهما يَقُولَانِ إِن المغلوب لَا عِبْرَة بِهِ فِي الشَّرْع
وَلَو طلق امْرَأَته طَلَاقا بَائِنا وَلها مِنْهُ لبن فَمَا دَامَت فِي الْعدة أَو بعد التَّزَوُّج بِغَيْرِهِ قبل ظُهُور الْحَبل لَو أرضعت صَبيا فَإِن التَّحْرِيم يثبت من الزَّوْج الأول لِأَن اللَّبن لَهُ
فَأَما إِذا حبلت من الزَّوْج الثَّانِي فأرضعت صَبيا قَالَ أَبُو حنيفَة التَّحْرِيم للْأولِ دون الثَّانِي حَتَّى
стр. 595
تضع فَإِذا وضعت يكون التَّحْرِيم للثَّانِي دون الأول
وَقَالَ أَبُو يُوسُف إِذا نزل لَهَا اللَّبن من الثَّانِي فالتحريم للثَّانِي وَبَطل الأول
وروى الْحسن عَنهُ أَنَّهَا إِذا حبلت فاللبن للثَّانِي
وَقَالَ مُحَمَّد إِذا نزل لَهَا لبن فالتحريم للزوجين فَإِذا وضعت فالتحريم للثَّانِي لَا غير وَهِي مَسْأَلَة الْمَبْسُوط
هَذَا الَّذِي ذكرنَا حكم الرَّضَاع الْمُقَارن للنِّكَاح فَأَما الرَّضَاع الطارىء على النِّكَاح فَإِنَّهُ يُبطلهُ لِأَنَّهُ يُوجب حُرْمَة مُؤَبّدَة بَيَانه إِذا تزوج الرجل صَغِيرَة فأرضعتها أمه حرمت عَلَيْهِ لِأَنَّهَا صَارَت أُخْتا لَهُ بِالرّضَاعِ
وَلَو تزوج رجل صغيرتين رضيعتين فَجَاءَت امْرَأَة وأرضعتهما مَعًا أَو وَاحِدَة بعد الْأُخْرَى صارتا أُخْتَيْنِ من الرضَاعَة وحرمتا عَلَيْهِ وَبَطل نِكَاحهمَا لِأَن الْجمع بَين الْأُخْتَيْنِ يَسْتَوِي فِيهِ الِابْتِدَاء والبقاء وَيجب على الزَّوْج لكل وَاحِدَة من الصغيرتين نصف الْمهْر لِأَن الْفرْقَة وَقعت قبل الدُّخُول بهما من غير فعلهمَا
ثمَّ ينظر فَإِن كَانَت الْمُرضعَة تَعَمّدت الْفساد يرجع عَلَيْهَا الزَّوْج بِمَا غرم من نصف الْمهْر وَإِن كَانَت لم تتعمد لم يرجع
وَقَالَ الشَّافِعِي يضمن مهر الْمثل فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا
وَالصَّحِيح قَوْلنَا لِأَن فعلهَا سَبَب الْحُرْمَة لاعتدائها وَإِنَّمَا يكون السَّبَب تَعَديا بِقصد الْفساد أما بِدُونِ قصد الْفساد فَلَيْسَ بتعد كحفر الْبِئْر على قَارِعَة الطَّرِيق وحفر الْبِئْر فِي ملك نَفسه
وَإِذا ثَبت أَن الرَّضَاع محرم فَإِنَّمَا يعرف بِالْإِقْرَارِ أَو بِشَهَادَة رجلَيْنِ
стр. 596
أَو رجل وَامْرَأَتَيْنِ
أما لَا يثبت بِشَهَادَة الرجل الْوَاحِد وَلَا بِشَهَادَة النِّسَاء وحدهن لِأَن هَذَا مِمَّا يطلع عَلَيْهِ الرِّجَال فَإِن النّظر إِلَى ثدي الْمَرْأَة جَائِز فِي الْجُمْلَة
стр. 597
بَاب الْعدة
الْعدة أَنْوَاع ثَلَاثَة عدَّة الْوَفَاة وعدة الطَّلَاق وعدة الْوَطْء
أما عدَّة الْوَفَاة فَفِي حق الْحرَّة أَرْبَعَة أشهر وَعشرا صَغِيرَة كَانَت أَو كَبِيرَة دخل بهَا زَوجهَا أَو لم يدْخل حرا كَانَ زَوجهَا أَو عبدا
وَهَذِه الْعدة لَا تجب إِلَّا فِي نِكَاح صَحِيح لقَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذين يتوفون مِنْكُم ويذرون أَزْوَاجًا﴾ من غير فصل وَمُطلق اسْم الزَّوْج لَا يَقع على المتزوج نِكَاحا فَاسِدا
وَأما فِي حق الزَّوْجَة الْأمة فشهران وَخَمْسَة أَيَّام كَانَ زَوجهَا حرا أَو عبدا لِأَن الْعدة تتنصف بِالرّقِّ وتتكامل بِالْحُرِّيَّةِ وَيعْتَبر فِيهَا جَانب النِّسَاء دون الرِّجَال بِالْإِجْمَاع
وَإِن كَانَت الزَّوْجَة حَامِلا فانقضاء عدتهَا بِوَضْع حملهَا إِذا كَانَ تَاما أَو سقطا مستبين الْخلق كُله أَو بعضه قصرت الْمدَّة أَو طَالَتْ
وَعند عَليّ ﵁ عدتهَا أبعد الْأَجَليْنِ
وَالصَّحِيح قَول عَامَّة الْعلمَاء لظَاهِر قَوْله تَعَالَى ﴿حرجا مِمَّا قضيت ويسلموا تَسْلِيمًا﴾
стр. 598
وَالنَّص مُطلق وَهُوَ آخرهما نزولا على مَا رُوِيَ عَن ابْن مَسْعُود أَنه قَالَ من شَاءَ باهلته أَن سُورَة النِّسَاء الْقصرى نزلت بعد الَّتِي فِي سُورَة الْبَقَرَة
وَأما عدَّة الطَّلَاق فَثَلَاثَة قُرُوء فِي حق ذَوَات الْأَقْرَاء إِذا كَانَت حرَّة
وَفِي حق الآيسة وَالصَّغِيرَة وَالَّتِي لَا تحيض بعد ثَلَاثِينَ سنة ثَلَاثَة أشهر إِذا كَانَ بعد الدُّخُول بهَا أَو بعد الْخلْوَة الصَّحِيحَة فِي النِّكَاح الصَّحِيح لِأَنَّهَا توجب كَمَال الْمهْر فتوجب كَمَال الْعدة بطرِيق الأولى احْتِيَاطًا
وَأما الْخلْوَة الصَّحِيحَة فِي النِّكَاح الْفَاسِد فَلَا توجب الْعدة وَلَا كَمَال الْمهْر لِأَن التَّسْلِيم لَا يجب عَلَيْهَا فَلَا تُقَام الْخلْوَة مقَامه
وَأما الْخلْوَة الْفَاسِدَة فِي النِّكَاح الصَّحِيح فَإِن كَانَ يُمكنهُ الْوَطْء مَعَ الْمَانِع كالحيض وَالْإِحْرَام وَنَحْو ذَلِك يجب كَمَال الْعدة دون كَمَال الْمهْر لِأَنَّهُمَا يتهمان فِي الْعدة الَّتِي هِيَ حق الشَّرْع
وَإِن كَانَ لَا يُمكنهُ الْوَطْء مَعَ الْمَانِع حسا كَالْمَرِيضِ أَو الْمَرِيضَة الَّتِي لَا يقدر الْوَطْء مِنْهُمَا أَو الصَّغِير أَو الصَّغِيرَة الَّتِي لَا يتَصَوَّر الْجِمَاع مِنْهُمَا فَلَا عدَّة لِأَنَّهُمَا لَا يتهمان وَلم يُوجد التَّسْلِيم الَّذِي أوجب الْعدة
وَإِن كَانَت الزَّوْجَة مَمْلُوكَة للْغَيْر فعدتها حيضتان إِن كَانَت من ذَوَات الْأَقْرَاء وَإِن لم تَحض فشهر وَنصف
وَلَا تجب عدَّة الطَّلَاق قبل الدُّخُول
وَأما أم الْوَلَد إِذا أعتقت أَو مَاتَ سَيِّدهَا فعدتها ثَلَاث حيض عندنَا
وَعند الشَّافِعِي بقرء وَاحِد
وَأَصله قَوْله تَعَالَى ﴿والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَة قُرُوء﴾
стр. 599
وَالْحكم فِي الْخلْوَة الصَّحِيحَة مَا ذكرنَا
وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿واللائي يئسن من الْمَحِيض من نِسَائِكُم إِن ارتبتم فعدتهن ثَلَاثَة أشهر واللائي لم يحضن﴾
وَقَالَ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا نكحتم الْمُؤْمِنَات ثمَّ طلقتموهن من قبل أَن تمَسُّوهُنَّ فَمَا لكم عَلَيْهِنَّ من عدَّة تعتدونها﴾
وَأما فِي حق الْحَامِل فعدتها وضع الْحمل لَا خلاف فِي الْمُطلقَة لظَاهِر قَوْله ﴿وَأولَات الْأَحْمَال أَجلهنَّ أَن يَضعن حَملهنَّ﴾ وَقَالَ ﵇ طَلَاق الْأمة ثِنْتَانِ وعدتها حيضتان
وَقَالَ عمر ﵁ طَلَاق الْأمة تَطْلِيقَتَانِ وعدتها حيضتان وَلَو اسْتَطَعْت لجعلتها حَيْضَة وَنصف
وَأما عدَّة الْمَوْطُوءَة وَهِي الَّتِي وطِئت بِالنِّكَاحِ الْفَاسِد أَو شُبْهَة عقد أَو شُبْهَة ملك أَو كَانَت أم ولد فَأعْتقهَا مَوْلَاهَا أَو مَاتَ عَنْهَا فَثَلَاث حيض أَو ثَلَاثَة أشهر أَو وضع الْحمل لِأَنَّهَا مُلْحقَة بالمنكوحة شرعا
وَلَو طلق الرجل امْرَأَته فِي مَرضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ ثَلَاثًا أَو طَلَاقا
стр. 600
بَائِنا ثمَّ مَاتَ قبل أَن تَنْقَضِي عدتهَا فورثت اعْتدت بأَرْبعَة أشهر وَعشرا فِيهَا ثَلَاث حيض عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد وَقَالَ أَبُو يُوسُف عدتهَا ثَلَاث حيض
وَكَذَلِكَ امْرَأَة الْمُرْتَد يجب عَلَيْهَا الْعدة وترث من الْمُرْتَد على هَذَا الْخلاف فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ
وَإِن كَانَ الطَّلَاق رَجْعِيًا فِي صِحَة أَو مرض فعدتها أَرْبَعَة أشهر وَعشرا وَبَطل عَنْهَا الْحيض فِي قَوْلهم لِأَن الزَّوْجِيَّة بَاقِيَة
وَمَوْت الزَّوْج يُوجب عدَّة الْوَفَاة
وَإِذا مَاتَ الصَّبِي عَن امْرَأَته وَهِي حَامِل فعدتها أَن تضع حملهَا عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد
وَقَالَ أَبُو يُوسُف عدتهَا أَرْبَعَة أشهر وَعشرا
وَالصَّحِيح قَوْلهمَا لظَاهِر قَوْله تَعَالَى ﴿وَأولَات الْأَحْمَال أَجلهنَّ أَن يَضعن حَملهنَّ﴾
وَذكر الْكَرْخِي فَإِن مَاتَ وَهِي غير حَامِل ثمَّ حملت بعد مَوته قبل انْقِضَاء الْعدة فعدتها الشُّهُور فِي قَوْلهم
ثمَّ فِي حق من كَانَت عدته بالشهور كَيفَ يعْتَبر الشَّهْر بِالْأَيَّامِ أَو بِالْأَهِلَّةِ فَنَقُول جملَة هَذَا أَن الْوَفَاة أَو الطَّلَاق إِذا اتّفق فِي غرَّة الشَّهْر اعْتبرت الشُّهُور بِالْأَهِلَّةِ وَإِن نقصت عَن الْعدَد فِي قَول أَصْحَابنَا جَمِيعًا
فَأَما إِذا حصل فِي بعض الشَّهْر فَقَالَ أَبُو حنيفَة تعْتَبر بِالْأَيَّامِ فَتعْتَد فِي الطَّلَاق تسعين يَوْمًا وَفِي الْوَفَاة مائَة وَثَلَاثِينَ يَوْمًا
وَقَالَ مُحَمَّد تَعْتَد بَقِيَّة الشَّهْر بِالْأَيَّامِ ثمَّ تَعْتَد شَهْرَيْن بِالْأَهِلَّةِ وتكمل الشَّهْر الأول من الشَّهْر الثَّالِث بِالْأَيَّامِ
следующие страницы →