Полный текст (1 060 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
تعدى فِي حملهَا إِلَى غير مَوضِع العقد حَتَّى لَو قَالَ الْمُسْتَأْجر اركبها من هَذَا الْموضع إِلَى مَوضِع كَذَا وارجع إِلَى منزلي فَلَيْسَ على الْمُسْتَأْجر أَن يردهَا إِلَى منزل المؤاجر لِأَن الْإِجَارَة انْتَهَت فَبَقيت أَمَانَة فِي يَده فَلَا يجب عَلَيْهَا الرَّد كَمَا فِي الْوَدِيعَة
وَأما الْإِجَارَة على الْأَعْمَال فكاستئجار الْقصار والإسكاف والصباغ وَسَائِر من يشْتَرط عَلَيْهِ الْعَمَل فِي سَائِر الْأَعْمَال من حمل الْأَشْيَاء من مَوضِع إِلَى مَوضِع وَنَحْوهَا
وَهُوَ نَوْعَانِ اسْتِئْجَار الْأَجِير الْمُشْتَرك والأجير الْخَاص الَّذِي يُسمى أجِير الوحد فالأجير الْمُشْتَرك كاسمه الَّذِي يتَقَبَّل الْأَعْمَال من النَّاس كالصباغ والقصار وَنَحْوهمَا
وأجير الوحد كاسمه الَّذِي يعْمل للْوَاحِد مُدَّة مَعْلُومَة وللأول أَن يعْمل لَهُم جَمِيعًا وَلَيْسَ لمن اسْتَأْجرهُ أَن يمنعهُ عَن الْعَمَل لغيره
وَفِي أجِير الوحد لَيْسَ لَهُ ذَلِك وللمستأجر أَن يمنعهُ
ثمَّ أحكامهما تخْتَلف فِي بعض الْأَشْيَاء وتتفق فِي الْبَعْض فأجير الوحد لَا يكون ضَامِنا للعين الَّتِي تسلم إِلَيْهِ للْعَمَل فِيهَا كَمَا إِذا اسْتَأْجر يَوْمًا أَو شهرا قصارا أَو خياطا ليعْمَل لَهُ لَا غير حَتَّى لَو هلك فِي يَده لَا بصنعه لَا يضمن بِالْإِجْمَاع
وَكَذَلِكَ لَو تخرق بصنعه الَّذِي هُوَ من الْعَمَل الْمَأْذُون فِيهِ
فَأَما الْأَجِير الْمُشْتَرك فَلَا يكون ضَامِنا وَتَكون الْعين الَّتِي فِي يَده أَمَانَة عِنْد أبي حنيفَة وَزفر
وَفِي قَول أبي يُوسُف وَمُحَمّد يكون مَضْمُونا لَو هلك بِغَيْر صنعه يضمن إِلَّا إِذا هلك بحرق غَالب أَو بغرق غَالب وَنَحْو ذَلِك
وَلَو تخرق بصنع مُعْتَاد بِأَن دق مثله أَو أَلْقَاهُ فِي النورة فَاحْتَرَقَ أَو الملاح إِذا غرقت السَّفِينَة من عمله وَالْحمار إِذا سقط وَفَسَد الْحمل أَو الرَّاعِي الْمُشْتَرك إِذا سَاق الدَّوَابّ فَضرب بَعْضهَا بَعْضًا فِي حَال
стр. 702
سِيَاقه حَتَّى هلك يكون مَضْمُونا عندنَا وَقَالَ زفر وَالشَّافِعِيّ لَا يضمن وَالْمَسْأَلَة مَعْرُوفَة
وَلَو اسْتَأْجر البزاغ والفصاد والختان فعملوا عَمَلهم ثمَّ سرى إِلَى النَّفس وَمَات فَلَا ضَمَان عَلَيْهِم لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي وسعهم الِاحْتِرَاز من ذَلِك
وَلَو تخرق بدق أجِير الْقصار لَا ضَمَان عَلَيْهِ وَلَكِن يجب الضَّمَان على الْأُسْتَاذ لِأَن عمله ينْتَقل إِلَيْهِ كَأَنَّهُ فعل بِنَفسِهِ
وَلَو وطىء على ثوب من ثِيَاب القصارة فخرقه يضمن لِأَن هَذَا لَيْسَ من تَوَابِع الْعَمَل
وَلَو وَقع من يَده سراج فَأحرق ثوبا من ثِيَاب القصارة فَالضَّمَان على الْأُسْتَاذ لَا عَلَيْهِ لِأَن الذّهاب والمجيء بالسراج عمل مَأْذُون فِيهِ
وَكَذَلِكَ لَو وَقع الكذينق من يَده فخرق ثوبا من ثِيَاب القصارة فَالضَّمَان على الْأُسْتَاذ لِأَن هَذَا من عمل القصارة
وَلَو وَقع على ثوب وَدِيعَة عِنْد الْأُسْتَاذ فخرقه ضمنه الْأَجِير وَكَذَا فِي السراج إِذا حرقه
وَلَو هلك الْعين الْمَعْمُول فِيهِ هَل يسْقط الْأجر فَهَذَا لَا يَخْلُو إِمَّا إِن كَانَ الْعين الْمَعْمُول فِيهِ فِي يَد الْأَجِير أَو فِي الْمُسْتَأْجر
فَإِن كَانَ فِي يَد الْأَجِير فَهُوَ على وَجْهَيْن إِمَّا إِن كَانَ لعمله أثر فِي الْعين كالقصارة والصباغة فَإِنَّمَا يجب الْأجر بِتَسْلِيم ذَلِك الْأَثر فَإِذا هلك قبل التَّسْلِيم فِي يَده سقط الْأجر لِأَنَّهُ لم يسلم الْمَعْقُود عَلَيْهِ
стр. 703
وَإِن لم يكن لعمله أثر فِي الْعين كالحمال والملاح فَكَمَا فرغ من الْعَمَل يجب الْأجر وَإِن لم يسلم الْعين إِلَى صَاحبه لِأَن الْمَعْقُود عَلَيْهِ الْمَنْفَعَة وَنَفس الْعَمَل فَإِذا انْتَهَت الْمدَّة فقد فرغ من الْعَمَل وَصَارَ مُسلما فِي الْعين الَّتِي هِيَ ملك صَاحبهَا فَلَا يسْقط الْأجر بِالْهَلَاكِ بعده وَلِهَذَا قَالُوا إِن كل عمل لَهُ أثر فِي الْعين هُوَ الَّذِي ملك صَاحبه كَانَ لَهُ حق حبس الْعين حَتَّى يَسْتَوْفِي الْأجر لِأَن الْبَدَل مُسْتَحقّ بِمُقَابلَة ذَلِك الْأَثر وَمَا لَا أثر لَهُ لَا يثبت فِيهِ حق الْحَبْس لِأَن الْعَمَل الْمَعْقُود عَلَيْهِ لَيْسَ فِي الْعين وَلِهَذَا قَالُوا إِن الْحمال إِذا حبس الْمَتَاع الَّذِي فِي يَده ليستوفي الْأجر فَهَلَك يضمن لِأَن الْعين أَمَانَة فِي يَده فَإِذا حبس صَار غَاصبا فَيضمن
وَأما إِذا كَانَ الْعين الْمَعْمُول فِيهِ فِي يَد الْمُسْتَأْجر بِأَن عمل الْأَجِير فِي ملك الْمُسْتَأْجر أَو فِيمَا فِي يَده من فنَاء ملكه وَنَحْو ذَلِك فَإِذا فرغ من الْعَمَل يسْتَحق كل الْأجر وَإِن لم يفرغ وَعمل بعضه يسْتَحق الْأجر بِقَدرِهِ وَيصير ذَلِك مُسلما إِلَى صَاحبه حَتَّى إِنَّه إِذا اسْتَأْجر إنْسَانا ليبني لَهُ بِنَاء فِي دَاره أَو فِيمَا فِي يَده أَو يعْمل لَهُ ساباطا أَو جنَاحا أَو يحْفر لَهُ بِئْرا أَو قناة أَو نَهرا فِي ملكه أَو فِيمَا فِي يَده فانهدم الْبناء أَو انهارت الْبِئْر أَو سقط الساباط لم يسْقط شَيْء من الْأجر إِن كَانَ بعد الْفَرَاغ وَإِن كَانَ قبل الْفَرَاغ يجب بِقدر حِصَّة الْعَمَل
وَأما إِذا كَانَ الْحفر أَو الْبناء فِي غير ملكه وَيَده فَلم يصر مُسلما إِلَيْهِ بِالْعَمَلِ فَمَا لم تُوجد التَّخْلِيَة من الْأَجِير بَين الْمُسْتَأْجر وَبَينه لَا يصير قَابِضا للمعقود عَلَيْهِ فَإِذا فسد قبل ذَلِك أَو هلك سقط الْأجر
وعَلى هَذَا إِذا اسْتَأْجرهُ ليضْرب لَهُ لَبَنًا فِي ملكه فَرب اللَّبن لَا يصير قَابِضا حَتَّى يجِف اللَّبن وينصبه فِي قَول أبي حنيفَة وَعِنْدَهُمَا حَتَّى يشرجه
стр. 704
وَإِن كَانَ ذَلِك فِي غير ملكه أَو فِي غير يَده لم يكن لَهُ الْأجر حَتَّى يُسلمهُ إِلَيْهِ مَنْصُوبًا عِنْده وَعِنْدَهُمَا مشرجا لِأَنَّهُ لم يكن فِي يَده حَتَّى يصير الْعَمَل مُسلما إِلَيْهِ فَلَا بُد من التَّخْلِيَة بعد الْفَرَاغ من الْعَمَل
وعَلى هَذَا الْخياط يخيط لَهُ فِي منزله قَمِيصًا فَإِن خاط بعضه لم يكن لَهُ أجر لِأَن هَذَا الْعَمَل لَا ينْتَفع بِبَعْضِه فَإِذا فرغ مِنْهُ ثمَّ هلك فَلهُ الْأجر لِأَنَّهُ صَار مُسلما للْعَمَل عِنْده
стр. 705
بَاب الْإِجَارَة الْفَاسِدَة
وَمَا يكون بِهِ مُخَالفا الْمُسْتَأْجر إِذا كَانَ مَجْهُولا أَو الْأجر مَجْهُولا أَو الْعَمَل أَو الْمدَّة فَالْإِجَارَة فَاسِدَة لِأَنَّهَا جَهَالَة تُفْضِي إِلَى الْمُنَازعَة كَمَا فِي البيع
وَإِجَارَة الْمشَاع فِيمَا يقسم أَو لَا يقسم فَاسِدَة عِنْد أبي حنيفَة وَزفر
وعَلى قَوْلهمَا جَائِزَة وَهُوَ قَول الشَّافِعِي
وَأَجْمعُوا أَنَّهَا من الشَّرِيك جَائِزَة
وَأَجْمعُوا أَنه لَو أجر من رجلَيْنِ جَازَ وَلَو مَاتَ أَحدهمَا حَتَّى بطلت الْإِجَارَة فِي حِصَّته وَصَارَت ملكا للْوَارِث فَيصير شيوعا طارئا فَإِنَّهُ لَا تبطل الْإِجَارَة فالشيوع الْمُقَارن مُفسد والطارىء غير مُفسد هَذَا هُوَ الْمَشْهُور من الرِّوَايَة وَالْمَسْأَلَة تعرف فِي الخلافيات
وَالْإِجَارَة على الْقرب والطاعات كَالْحَجِّ والإمامة والآذان وَنَحْوهَا فَاسِدَة عندنَا خلافًا للشَّافِعِيّ
وَالْإِجَارَة على الْمعاصِي كَمَا إِذا اسْتَأْجر مغنيا أَو نائحة فَهِيَ فَاسِدَة
وَلَا يجوز إِجَارَة النَّهر والبئر والقناة مَعَ المَاء وَلَا إِجَارَة المراعي وَالْآجَام لِأَن هَذِه إِجَارَة على اسْتِهْلَاك الْعين وَالْإِجَارَة لِاسْتِيفَاء الْمَنَافِع مَعَ بَقَاء الْعين
стр. 706
وَلَو أستجر نَهرا يَابسا أَو موضعا من الأَرْض مَعْلُوما ليسيل فِيهِ مَاء الْمَطَر أَو مَاء الزِّرَاعَة لَا يجوز لتَفَاوت فِي قلَّة المَاء وكثرته وَذَلِكَ مِمَّا يضر بالنهر وَرُوِيَ عَن مُحَمَّد أَنه يجوز
وَلَو اسْتَأْجر طَرِيقا فِي دَار غَيره ليمر فِيهَا وقتا مَعْلُوما لم يجز فِي قِيَاس قَول أبي حنيفَة وَيجوز فِي قِيَاس قَوْلهمَا بِنَاء على أَن إِجَارَة الْمشَاع فَاسِدَة عِنْده خلافًا لَهما
وَإِذا اسْتَأْجر رجلا للْبيع وَالشِّرَاء لَا يجوز لِأَنَّهُ لَا يقدر على ذَلِك إِلَّا بِفعل غَيره وَأما إِذا اسْتَأْجرهُ شهرا ليبيع لَهُ وَيَشْتَرِي جَازَ لِأَن الْإِجَارَة وَقعت على مَنْفَعَة الْمدَّة وَهِي مَعْلُومَة
وَلَو اسْتَأْجر أَرضًا فِيهَا رطبَة سنة لَا يجوز لِأَنَّهُ لَا يُمكن تَسْلِيمهَا إِلَّا بِضَرَر وَهُوَ قلع الرّطبَة فَإِن قلع رب الأَرْض الرّطبَة وَسلم أَرضًا بَيْضَاء جَازَ وَيجْبر على الْقبُول كَمَا إِذا اشْترى جذوعا فِي سقف
وَلَو اسْتَأْجر عبدا للْخدمَة أَو دَابَّة للْحَمْل وَشرط الْمُسْتَأْجر نَفَقَتهَا فَهِيَ فَاسِدَة لِأَن قدر النَّفَقَة مَجْهُول
ثمَّ فِي الْإِجَارَة الْفَاسِدَة إِذا استوفى الْمَنْفَعَة يجب أجر الْمثل مُقَدرا بِالْمُسَمّى عندنَا وَعند زفر يجب أجر الْمثل تَاما على مَا مر
وَأما بَيَان مَا يصير بِهِ مُخَالفا وَمَا لَا يصير بِهِ مُخَالفا فَنَقُول إِذا اسْتَأْجر دَابَّة ليحمل عَلَيْهَا شَيْئا فَحمل عَلَيْهَا غَيره ينظر إِن كَانَ ضَرَر الدَّابَّة من حَيْثُ الخفة والثقل فَإِن كَانَ ذَلِك الشَّيْء مثل الْمَأْمُور بِهِ أَو أخف فَلَا شَيْء عَلَيْهِ لِأَن التَّعْيِين لَا فَائِدَة فِيهِ
وَإِن كَانَ أثقل فَإِن كَانَ بِخِلَاف جنسه بِأَن حمل مَكَان الشّعير الْحِنْطَة فعطبت الدَّابَّة فَهُوَ مُخَالف وضامن وَلَا أجر عَلَيْهِ لِأَنَّهَا هَلَكت بِفعل غير
стр. 707
مَأْذُون فِيهِ فَوَجَبَ الضَّمَان دون الْأجر لِأَنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ
وَإِن كَانَ من جنسه فَحمل الْمُسَمّى وَزَاد عَلَيْهِ بِأَن حمل أحد عشر قَفِيزا مَكَان الْعشْرَة فَإِن سلمت الدَّابَّة فَلهُ مَا سمى من الْأجر وَإِن عطبت فَهُوَ ضَامِن لجزء من أحد عشر جُزْءا من أَجزَاء الدَّابَّة وَعَلِيهِ الْأجر الَّذِي سمي لِأَنَّهَا مَاتَت بِفعل مَأْذُون وَغير مَأْذُون فَيقسم على قدر ذَلِك
فَأَما إِذا كَانَ ضَرَر الدَّابَّة لَا من حَيْثُ الخفة والثقل بِأَن يسْتَأْجر دَابَّة ليحمل عَلَيْهَا مائَة من من قطن فَحمل عَلَيْهَا مثل وَزنه حديدا أَو أقل ضمن لِأَن ثقل الْقطن يكون على جَمِيع الْعُضْو لِأَنَّهُ ينبسط على الْموضع الَّذِي حمل عَلَيْهِ فَأَما ثقل الْحَدِيد فَيكون فِي مَوْضُوع وَاحِد فَيكون أَثَره أقوى فِي الضَّرَر
وعَلى هَذَا إِذا اسْتَأْجرهَا ليرْكبَهَا فأركب من هُوَ مثله فِي الثّقل أَو أخف ضمن لِأَن ذَلِك يخْتَلف بالحذق والخرق وَلَو ركبهَا وأركب مَعَ نَفسه غَيره فعطبت فَإِن كَانَت الدَّابَّة مِمَّا يُمكن أَن يركبهَا اثْنَان يضمن نصف قيمتهَا لِأَن التّلف حصل بركوبهما فَصَارَ كَمَا لَو تلفت بجراحتهما وَأَحَدهمَا غير مَأْذُون وَإِن كَانَ لَا يُمكن فَعَلَيهِ جَمِيع قيمتهَا لِأَن هَذَا إِتْلَاف مِنْهُ
وعَلى هَذَا إِذا اسْتَأْجر دَابَّة بإكاف فأسرجها لَا ضَمَان عَلَيْهِ لِأَن الضَّرَر أقل لِأَنَّهُ يَأْخُذ من الظّهْر أقل
وَإِن اسْتَأْجر حمارا بسرج فأسرجه سرجا آخر فَإِن كَانَ مثل الأول بِأَن يسرج بِهِ الْحمار لَا يضمن وَإِن أسرجه بسرج الْفرس يضمن
فَإِن أوكفه ذكر فِي الأَصْل أَنه يضمن بِقدر مَا زَاد الإكاف على السرج وَفِي
стр. 708
الْجَامِع الصَّغِير على قَول أبي حنيفَة يضمن الْكل
وَعِنْدَهُمَا بِقدر ذَلِك
وَإِن اسْتَأْجر حمارا عُريَانا فأسرجه فَإِن اسْتَأْجر ليركب خَارج الْمصر لَا يضمن
وَإِن اسْتَأْجر ليركبه فِي الْمصر فَإِن كَانَ رجلا من الْأَشْرَاف أَو الأوساط لَا يضمن لِأَن مثله لَا يركب من غير سرج فَيكون إِذْنا دلَالَة وَإِن كَانَ من الأسافل يضمن لِأَن مثله يركب بِغَيْر سرج بالجل وَنَحْوه والسرج أثقل فَيضمن
ثمَّ الْإِجَارَة تفسخ بالاعذار المخصومة عندنَا وَإِن وَقعت الْإِجَارَة صَحِيحَة لَازِمَة بِأَن لم يكن ثمَّة عيب وَلَا مَانع من الِانْتِفَاع
وَقَالَ الشَّافِعِي لَا تفسخ وَالْمَسْأَلَة مَعْرُوفَة
ثمَّ الْعذر مَا يكون عارضا يتَضَرَّر بِهِ الْعَاقِد مَعَ بَقَاء العقد وَلَا ينْدَفع بِدُونِ الْفَسْخ بَيَان ذَلِك إِذا أَرَادَ الْمُسْتَأْجر أَن ينْتَقل عَن الْبَلَد أَو يُسَافر فَلهُ أَن ينْقض الْإِجَارَة فِي الْعقار وَغَيره
وَكَذَا مُسْتَأْجر الْحَانُوت إِذا ترك ذَلِك الْعَمَل أَو التِّجَارَة وانتقل إِلَى غَيره
وَكَذَا إِذا أفلس
وَلَيْسَ للمؤاجر عِنْد السّفر والنقلة عَن الْبَلَد عذر لِأَنَّهُ لَا ضَرَر عَلَيْهِ فِي تبقيه العقد
وَمرض الْحمال وَالْجمال بِحَيْثُ يضرّهُ الْحمل عذر فِي رِوَايَة أبي يُوسُف لِأَن غَيره لَا يقوم مقَامه إِلَّا بِضَرَر وَذكر مُحَمَّد فِي الأَصْل وَقَالَ
стр. 709
مرض الْجمال لَا يكون عذرا لِأَن خُرُوجه مَعَ الْإِبِل لَيْسَ بمستحق
وَكَذَا الدّين الَّذِي لَا طَرِيق للمؤاجر فِي قَضَائِهِ إِلَّا بيع الْمُسْتَأْجر يكون عذرا
وَكَذَا الْمُسْتَأْجر إِذا كَانَ لَا يحصل لَهُ النَّفْع مِمَّا اسْتَأْجر إِلَّا بِضَرَر يدْخلهُ فِي ملكه أَو بدنه فَبَدَا لَهُ ذَلِك فَلهُ فَسخه كمن اسْتَأْجر رجلا لِيقصرَ لَهُ ثيابًا أَو يقطعهَا أَو يخيطها أَو ينْقض دَارا لَهُ أَو يقطع شَجرا أَو يحدث فِي ملكه شَيْئا من بِنَاء أَو حفر أَو ليحتجم أَو يفتصد أَو يقْلع ضرسا لَهُ أَو ليزرع أَرضًا لَهُ ببذره وَنَحْو ذَلِك لِأَنَّهُ إِذا بدا لَهُ من ذَلِك ظهر أَنه لَهُ فِيهِ ضَرَرا
ثمَّ الْإِجَارَة تبطل بِمَوْت الْمُسْتَأْجر أَو المؤاجر عندنَا خلافًا للشَّافِعِيّ ونعني بِهِ موت من وَقع لَهُ عقد الْإِجَارَة دون الْعَاقِد حَتَّى إِذا كَانَ وَكيلا لَا تبطل
فَأَما هَلَاك الْمُسْتَأْجر فَإِن كَانَ شَيْئا بِعَيْنِه يبطل
وَإِن كَانَ بِغَيْر عينه بِأَن وَقعت الْإِجَارَة على دَوَاب بِغَيْر عينهَا للْحَمْل أَو الرّكُوب وَسلم إِلَيْهِ الدَّوَابّ فَهَلَكت فعلى المؤاجر أَن يَأْتِي بغَيْرهَا ليحمل الْمَتَاع وَلَيْسَ لَهُ أَن يفْسخ لِأَنَّهُ لم يعجز عَن وَفَاء مَا الْتَزمهُ بِالْعقدِ وَهُوَ حمل مَتَاعه إِلَى مَوضِع كَذَا
ثمَّ إجَازَة الظِّئْر مثل إِجَارَة عبد الْخدمَة لَا بُد من بَيَان الْوَقْت وَبَيَان الْأجر وَنَحْو ذَلِك إِلَّا أَن فِي الظِّئْر إِذا اسْتَأْجرهَا بكسوتها ونفقتها جَازَ من غير بَيَان عِنْد أبي حنيفَة اسْتِحْسَانًا وَعند أبي يُوسُف وَمُحَمّد وَالشَّافِعِيّ لَا يجوز لِأَن هَذِه جَهَالَة تُفْضِي إِلَى الْمُنَازعَة غَالِبا
وَإِنَّهَا بِمَنْزِلَة أجِير الوحد لَا يجوز لَهَا أَن ترْضع غَيره
وَعَلَيْهَا الرَّضَاع وَالْقِيَام بِأَمْر الصَّبِي فِيمَا يحْتَاج إِلَيْهِ من غسله وَغسل
стр. 710
ثِيَابه وطبخ طَعَامه وتهيئة ذَلِك وَالطَّعَام على الْأَب
وَذكر وَمَا يعالج بِهِ الصّبيان من الريحان والدهن فعلى الظِّئْر وَهَذَا من عَادَة بلدهم فَأَما فِي بِلَادنَا بِخِلَافِهِ فعلى الْأَب
ثمَّ الْإِجَارَة تتَوَقَّف على إجَازَة الْمَالِك ثمَّ ينظر إِن أجَاز العقد قبل اسْتِيفَاء الْمَنْفَعَة جَازَ وَتَكون الْأُجْرَة للْمَالِك
وَإِن أجَازه بعد اسْتِيفَاء الْمَنْفَعَة لم يجز بإجازته وَكَانَت الْأُجْرَة للعاقد لِأَن الْمَنْفَعَة الْمَاضِيَة تلاشت فَلَا يبْقى العقد بعد فَوَات مَحَله فَلَا يلْحقهُ الْإِجَازَة وَيصير الْعَاقِد غَاصبا بِالتَّسْلِيمِ فَصَارَ كَالْغَاصِبِ إِذا آجر وَقَالُوا فِي الْغَاصِب إِذا آجر وَسلم ثمَّ قَالَ الْمَالِك أجزت مَا آجرت إِذا انْقَضتْ الْمدَّة فالأجر للْغَاصِب وَإِن أجَاز فِي نصف الْمدَّة فالأجر كُله للْمَالِك فِي قَول أبي يُوسُف وَقَالَ مُحَمَّد أجر مَا مضى للْغَاصِب وَأجر الْبَاقِي للْمَالِك
وَكَذَا قَالَ مُحَمَّد فِيمَن غصب أَرضًا فأجرها للزِّرَاعَة فَأجَاز رب الأَرْض قَالَ إِن أَعْطَاهَا مُزَارعَة وأجازها صَاحب الأَرْض جَازَت وَإِن كَانَ الزَّرْع قد سنبل مَا لم ييبس فَلَا شَيْء للْغَاصِب من الزَّرْع لِأَن الْمُزَارعَة كالشيء الْوَاحِد لَا ينْفَصل بعض عَملهَا عَن بعض فَإِذا أجازها قبل الْفَرَاغ فَجعل كالابتداء وَأما إِذا يبس الزَّرْع فقد انْقَضى عمل الْمُزَارعَة فَلَا تلْحقهُ الْإِجَازَة فَيكون للْغَاصِب
ثمَّ تَفْسِير الاستصناع هُوَ عقد على مَبِيع فِي الذِّمَّة وَشرط عمله على الصَّانِع
وَالْقِيَاس أَن لَا يجوز
стр. 711
وَفِي الِاسْتِحْسَان جَائِز لتعامل النَّاس فَلَا جرم اخْتصَّ جَوَازه بِمَا فِيهِ تعامل كَمَا فِي الْخُف والقلنسوة والأواني وَنَحْوهَا بعد بَيَان الْقدر وَالصّفة وَالنَّوْع
وَهُوَ عقد غير لَازم وَلكُل وَاحِد مِنْهُمَا الْخِيَار فِي الِامْتِنَاع قبل الْعَمَل وَبعد الْفَرَاغ من الْعَمَل لَهما الْخِيَار حَتَّى إِن الصَّانِع لَو بَاعه قبل أَن يرَاهُ المستصنع جَازَ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعقد لَازم فَأَما إِذا جَاءَ بِهِ إِلَى المستصنع فَقَط سقط خِيَاره لِأَنَّهُ رَضِي بِكَوْنِهِ للمستصنع حَيْثُ جَاءَ بِهِ إِلَيْهِ
فَإِذا رَآهُ المستصنع فَلهُ الْخِيَار إِن شَاءَ أجَاز وَإِن شَاءَ فسخ عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد
وَقَالَ أَبُو يُوسُف لَا خِيَار لَهُ لِأَنَّهُ مَبِيع فِي الذِّمَّة بِمَنْزِلَة السّلم
وهما يَقُولَانِ إِنَّه بِمَنْزِلَة الْعين الْمَبِيع الْغَائِب
فَإِذا ضرب الْأَجَل فِي الاستصناع يَنْقَلِب سلما عِنْد أبي حنيفَة خلافًا لَهما لِأَنَّهُ إِذا ذكر فِيهِ الْأَجَل يكون فِيهِ جَمِيع مَعَاني السّلم وَالْعبْرَة للمعنى لَا للفظ وَلِهَذَا لَو استصنع مَا لَا يجوز استصناعه حَتَّى يكون استصناعا فَاسِدا وَشرط فِيهِ الْأَجَل يَنْقَلِب سلما بِلَا خلاف كَذَا هَذَا وَالله أعلم ب ٣
стр. 712
@
كتاب الشّركَة
الشّركَة نَوْعَانِ شركَة أَمْلَاك وَشركَة عُقُود
الشّركَة الْأَمْلَاك على ضَرْبَيْنِ أَحدهمَا مَا كَانَ بفعلهما مثل أَن يشتريا أَو يُوهب لَهما أَو يوصى لَهما فيقبلا
وَالْآخر بِغَيْر فعلهمَا وَهُوَ أَن يرثا
وَالْحكم فِي الْفَصْلَيْنِ وَاحِد وَهُوَ أَن الْملك مُشْتَرك بَينهمَا
وكل وَاحِد مِنْهُمَا فِي نصيب شَرِيكه كَالْأَجْنَبِيِّ لَا يجوز لَهُ التَّصَرُّف فِيهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ
وَأما شركَة الْعُقُود فعلى ثَلَاثَة أوجه شركَة بالأموال وَشركَة بِالْأَعْمَالِ وَشركَة بالوجوه وَيدخل فِي كل وَاحِد مِنْهَا شركَة الْعَنَان وَشركَة الْمُفَاوضَة فَنَذْكُر فِي كل نوع كيفيته وشرائطه وَأَحْكَامه
وَأما الشّركَة بالأموال فلهَا شُرُوط عنانا كَانَت الشّركَة أَو مُفَاوَضَة مِنْهَا أَن يكون مَال الشّركَة حَاضرا إِمَّا عِنْد العقد أَو عِنْد الشِّرَاء
стр. 713
وَلَا يجوز بِمَال غَائِب أَو دين فِي الْحَالين لهَذَا قَالُوا فِيمَن دفع إِلَى رجل ألف دِرْهَم وَقَالَ اخْرُج مثلهَا واشتر بهَا وبع فَمَا ربحت كَانَ بَيْننَا فَأخْرج ألفا وَاشْترى بهَا جَازَ وَإِن لم يُوجد المَال الْمعِين عِنْد العقد وَإِنَّمَا وجد عِنْد الشِّرَاء
وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِك لِأَن الشّركَة لَا تتمّ إِلَّا بِالشِّرَاءِ فوجود المَال عِنْده كوجوده فِي الِابْتِدَاء
وَمِنْهَا أَن يكون رَأس مَال الشّركَة أثمانا مُطلقَة من الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير عِنْد أَكثر الْعلمَاء وَيصِح عقد الشّركَة فيهمَا بِالْإِجْمَاع وَلَو كَانَ من أَحدهمَا دَرَاهِم وَمن الآخر دَنَانِير جَازَت الشّركَة عندنَا
وَعند زفر لَا يجوز
وَأما التبر فَلَا تصح الشّركَة بِهِ وَجعله كالعروض فِي هَذَا الْكتاب وَفِي كتاب الصّرْف جعله ثمنا
وخلط الْمَالَيْنِ لَيْسَ بِشَرْط عندنَا وَعند زفر شَرط
وَأما الْمكيل وَالْمَوْزُون والعدديات المتقاربة فَلَا تصح الشّركَة بهَا قبل الْخَلْط بِالْإِجْمَاع لِأَنَّهَا لَيست بأثمان عِنْد التَّعْيِين وَالشَّرِكَة لَا تصح فِيهَا إِلَّا وَهِي ثمن وَإِنَّمَا هِيَ أَثمَان فِي الذِّمَّة أما بعد الْخَلْط فَقَالَ أَبُو يُوسُف لَا تصح الشّركَة وَإِنَّمَا صَارَت شركَة أَمْلَاك وَقَالَ مُحَمَّد صحت الشّركَة بالخلط
وَإِنَّمَا يظْهر الْخلاف فِيمَا إِذا كَانَ الْمكيل نِصْفَيْنِ وَقد شرطا أَن يكون الرِّبْح أَثلَاثًا فخلطاه واشتريا بِهِ قَالَ أَبُو يُوسُف الرِّبْح على قدر الْمَالَيْنِ وَقَالَ مُحَمَّد على مَا شرطا
وَأما الشّركَة بالعروض فَلَا تجوز عندنَا خلافًا ل مَالك لِأَن الشّركَة تَقْتَضِي الْوكَالَة وَالتَّوْكِيل على الْوَجْه الَّذِي تضمنه الشّركَة لَا يَصح بالعروض فَإِنَّهُ لَو قَالَ لغيره بِعْ عرضك على أَن ثمنه بَيْننَا لم
стр. 714
يَصح
وَلَو قَالَ لرجل اشْتَرِ بِأَلف من مَالك على أَن مَا اشْتَرَيْته بَيْننَا وَأَنا أَشْتَرِي بِأَلف من مَالِي على أَن مَا أَشْتَرِي بَيْننَا جَازَ فَلهَذَا افْتَرقَا
وَأما شركَة الْعَنَان فتفسيرها أَن يُشَارك صَاحبه فِي بعض الْأَمْوَال الَّتِي ذكرنَا لَا فِي جَمِيع الْأَمْوَال وَيكون كل وَاحِد مِنْهُمَا وَكيلا عَن صَاحبه فِي التَّصَرُّف فِي النَّوْع الَّذِي عينا من أَنْوَاع التِّجَارَة أَو فِي جَمِيع أَنْوَاع التِّجَارَة إِذا عينا ذَلِك أَو أطلقا ويبينان قدر الرِّبْح
وَهَذِه الشّركَة جَائِزَة بِلَا خلاف لِأَنَّهَا تَقْتَضِي الْوكَالَة فِي التَّصَرُّف عَن كل وَاحِد مِنْهُمَا لصَاحبه وَالتَّوْكِيل صَحِيح
وَلِهَذَا تجوز هَذِه الشّركَة بَين كل من كَانَ من أهل التِّجَارَة مَأْذُونا فِيهَا كَالْعَبْدِ الْمَأْذُون وَالصَّبِيّ الْمَأْذُون وَالْمكَاتب وَالذِّمِّيّ كَمَا تجوز بَين الْأَحْرَار الْبَالِغين الْمُسلمين لِأَن قبُول الْوكَالَة صَحِيح مِنْهُم
وَيجوز أَن يشْتَرط الْعَمَل عَلَيْهِمَا بَان اشْتَركَا على أَن يبيعا ويشتريا على أَن مَا رزق من ذَلِك فَهُوَ بَينهمَا على كَذَا وَيجوز أَن يشترطا الْعَمَل على أَحدهمَا دون الآخر
ثمَّ لَا شكّ أَنَّهُمَا إِذا شرطا الرِّبْح بَينهمَا نِصْفَيْنِ جَازَ بِالْإِجْمَاع إِذا كَانَ رَأس مَالهمَا على السوَاء سَوَاء شَرط الْعَمَل عَلَيْهِمَا أَو على أَحدهمَا لِأَن اسْتِحْقَاق الرِّبْح بِالْمَالِ أَو بِالْعَمَلِ وَقد وجد التَّسَاوِي فِي المَال
وَإِن شرطا الرِّبْح بَينهمَا أَثلَاثًا فَإِن كَانَ الْعَمَل عَلَيْهِمَا جَازَ سَوَاء كَانَ فضل الرِّبْح لمن كَانَ رَأس مَاله أَكثر أَو أقل لِأَنَّهُ يجوز أَن يكون لَهُ زِيَادَة حذاقة فَيكون الرِّبْح بِزِيَادَة الْعَمَل
وَإِن شرطا الْعَمَل على أَحدهمَا فَإِن شرطا الْعَمَل على الَّذِي شَرط لَهُ فضل الرِّبْح جَازَ لِأَن عَامل فِي مَاله وَربحه لَهُ وعامل فِي مَال
стр. 715
شَرِيكه بِبَعْض ربحه وَالرِّبْح يسْتَحق بِالْعَمَلِ
وَإِن شرطا الْعَمَل على أقلهما ربحا خَاصَّة لَا يجوز لِأَنَّهُ شَرط للْآخر فضل ربح بِغَيْر عمل وَلَا ضَمَان وَالرِّبْح لَا يسْتَحق إِلَّا بِمَال أَو عمل أَو ضَمَان وَلَا نعني بقولنَا الْعَمَل وجوده بل نعني بِهِ شَرط الْعَمَل
وَإِذا اشْترك الرّجلَانِ بِمَال على أَن يشتريا ويبيعا فَمَا كَانَ من الرِّبْح فَهُوَ بَينهمَا وَلم يخلطا المَال فَضَاعَ مَال أَحدهمَا قبل الشِّرَاء فقد انتقضت الشّركَة لِأَن الشّركَة تعيّنت فِي الْمَالَيْنِ فَإِذا هلك أَحدهمَا قبل الشِّرَاء بطلت الشّركَة فِيهِ وَبَطلَت فِي المَال الآخر لِأَن صَاحبه لم يرض بمشاركة شَرِيكه فِيهِ إِلَّا بِشَرْط الشّركَة فِي مَال وَإِذا بطلت الشّركَة فَمَا يَشْتَرِيهِ بِمَالِه يكون لَهُ خَاصَّة
وَلَو اشْترى بِأحد الْمَالَيْنِ ثمَّ هلك المَال الآخر فَمَا اشْتَرَاهُ فَهُوَ بَينهمَا لِأَنَّهُ اشْتَرَاهُ مَعَ بَقَاء الشّركَة فملكا الْمُشْتَرى فهلاك المَال بعده لَا يُغير حكم الْملك
ثمَّ لكل وَاحِد من شَرِيكي الْعَنَان بَعْدَمَا اشتريا بِرَأْس المَال أعيانا أَن يَبِيع مَال الشّركَة بِالنَّقْدِ والنسيئة وَيَشْتَرِي بِالنَّقْدِ والنسيئة وَإِنَّمَا أَرَادَ بِالشِّرَاءِ بِالنَّسِيئَةِ فِيمَا إِذا كَانَ فِي يَده دَرَاهِم أَو دَنَانِير أَو مَكِيل أَو مَوْزُون فَاشْترى بذلك الْجِنْس شَيْئا لِأَن الشَّرِيك وَكيل بِالشِّرَاءِ وَالْوَكِيل بِالشِّرَاءِ يملك الشِّرَاء بِالنَّسِيئَةِ
فَإِذا لم يكن فِي يَده مَا ذكرنَا وَصَارَ مَال الشّركَة كُله أعيانا وأمتعة فَاشْترى بِدَرَاهِم أَو بِدَنَانِير نَسِيئَة فَالْمُشْتَرِي لَهُ خَاصَّة دون شَرِيكه لِأَنَّهُ لَو صَحَّ فِي حق شَرِيكه صَار مستدينا على مَال الشّركَة
وَالشَّرِيك شركَة عنان وَالْمُضَارب لَا يملكَانِ الِاسْتِدَانَة إِلَّا أَن يُؤذن لَهما فِي ذَلِك
стр. 716
وَكَذَا لكل وَاحِد مِنْهُمَا أَن يبضع ويودع ويوكل بِالْبيعِ ويحتال بِالثّمن ويستأجر ويسافر بِمَال الشّركَة عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد فِي أصح الرِّوَايَات
وَكَذَا يقبض مَا بَاعَ بِنَفسِهِ ويخاصم فِيهِ وَلَا يقبض مَا بَاعَ صَاحبه وَلَا يُخَاصم فِيهِ إِلَّا إِذا قَالَ كل وَاحِد مِنْهُمَا لصَاحبه اعْمَلْ فِيهِ بِرَأْيِك فَلَهُمَا أَن يعملا فِي ذَلِك مَا كَانَ من التِّجَارَة وتوابعها من الرَّهْن والارتهان وَدفع المَال مُضَارَبَة وَالسّفر بِالْمَالِ فِي قَوْلهم إِلَّا الْقَرْض وَالْهِبَة وَالْكِتَابَة وَالتَّزْوِيج وَنَحْو ذَلِك لِأَن هَذَا من بَاب التَّبَرُّع وَلَيْسَ من جنس التِّجَارَة
وَأما شركَة الْمُفَاوضَة فَشرط صِحَّتهَا أَن تكون فِي جَمِيع التِّجَارَات وَلَا يخْتَص أَحدهمَا بِتِجَارَة دون شَرِيكه وَأَن يكون مَا يلْزم أَحدهمَا من حُقُوق مَا يتجران فِيهِ لَازِما للْآخر وَمَا يجب لكل وَاحِد مِنْهُمَا يجب للْآخر
وَيكون كل وَاحِد مِنْهُمَا فِيمَا وَجب لصَاحبه بِمَنْزِلَة الْوَكِيل وَفِيمَا وَجب عَلَيْهِ بِمَنْزِلَة الْكَفِيل عَنهُ ويتساويان مَعَ ذَلِك فِي رُؤُوس الْأَمْوَال فِي قدرهَا وَقيمتهَا ويتساويان فِي الرِّبْح فَإِن تَفَاوتا فِي شَيْء من ذَلِك لم تكن مُفَاوَضَة وَكَانَت عنانا فَصَارَت الْمُفَاوضَة مُشْتَمِلَة على الْوكَالَة وَالْكَفَالَة والتساوي فِي الرِّبْح وَالْمَال الَّذِي يَقع بِهِ الشّركَة وَلِهَذَا لَا تجوز إِلَّا بَين الْمُسلمين الحرين الْبَالِغين العاقلين لتساويهما فِي أَهْلِيَّة الْكفَالَة وأهلية سَائِر التَّصَرُّفَات بِخِلَاف العَبْد وَالصَّبِيّ وَالْمكَاتب وَالذِّمِّيّ وَالْمَجْنُون
ثمَّ كل مَا يجوز لِشَرِيك الْعَنَان أَن يَفْعَله يجوز للمفاوض أَن يَفْعَله أَيْضا لِأَن شركَة الْمُفَاوضَة أَعم
ثمَّ كل مَا هُوَ شَرط فِي صِحَة شركَة الْعَنَان فَهُوَ شَرط فِي صِحَة
стр. 717
الْمُفَاوضَة وكل مَا فَسدتْ بِهِ شركَة الْعَنَان فَهُوَ مُفسد لشركة الْمُفَاوضَة
وَيجوز للمفاوض أَيْضا مَا لَا يجوز لِشَرِيك شركَة عنان فمما يخْتَص بِهِ المفاوض أَن يجوز إِقْرَاره بِالدّينِ على نَفسه وعَلى شَرِيكه وَيُطَالب الْمقر لَهُ أَيهمَا شَاءَ ليَكُون كل وَاحِد مِنْهُمَا كَفِيلا عَن صَاحبه وَكَذَلِكَ كل مَا وَجب على كل وَاحِد مِنْهُمَا من دين سَائِر الْعُقُود الَّتِي تكون فِي التِّجَارَة من الشِّرَاء وَالْبيع والاستئجار وَغير ذَلِك من سَائِر مَا يضمنهُ أَحدهمَا من الْأَمْوَال بالغصوب والبيوع الْفَاسِدَة وَالْخلاف فِي الودائع والعواري والاستهلاكات والإجارات الرَّهْن والارتهان وَالْكَفَالَة بِالْمَالِ عِنْد أبي حنيفَة خلافًا لَهما وَالْقَبْض وَالْخُصُومَة وَإِقَامَة الْبَيِّنَة والاستحلاف على الْعلم وَالْكِتَابَة وَالْإِذْن فِي التِّجَارَة لعبد الشّركَة وتزويج الْأمة وَنَحْو ذَلِك
وَلَا يجوز أَن يعْتق شَيْئا من عبيد التِّجَارَة وَلَا أَن يزوجهم
وَإِذا اشْترى أَحدهمَا طَعَاما لأَهله أَو كسْوَة أَو مَا لَا يتهم فِيهِ فَذَلِك جَائِز وَهُوَ لَهُ خَاصَّة دون صَاحبه وَللْبَائِع أَن يُطَالب بِثمن ذَلِك أَيهمَا شَاءَ إِلَّا أَنهم قَالُوا إِن الشَّرِيك يرجع على شَرِيكه بِنصْف ثمن ذَلِك لِأَنَّهُ قضى دينه من مَاله بِإِذْنِهِ دلَالَة
وَلَيْسَ لَهُ أَن يَشْتَرِي جَارِيَة للْوَطْء أَو للْخدمَة بِغَيْر إِذن الشَّرِيك وَإِذا اشْترى أَحدهمَا جَارِيَة ليطأها بِإِذن شَرِيكه فَهِيَ لَهُ خَاصَّة وَلَا يرجع عَلَيْهِ بِشَيْء من الثّمن وَلم يذكر الْخلاف فِي كتاب الشّركَة وَذكر فِي الْجَامِع الصَّغِير فَقَالَ عِنْد أبي حنيفَة لَا يرجع عَلَيْهِ بِشَيْء من الثّمن
وَعِنْدَهُمَا يرجع عَلَيْهِ بِنَصِيبِهِ على مَا عرف ثمَّ
وَأما الشّركَة بالوجوه فَأن يشْتَرك الرّجلَانِ وَلَا مَال لَهما على أَن يشتريا ويبيعا بوجوههما
стр. 718
على أَن مَا اشتريا أَو اشْترى أَحدهمَا فَهُوَ بَينهمَا نِصْفَانِ وَسميت شركَة الْوُجُوه لِأَنَّهُ لَا يَشْتَرِي بِالنَّسِيئَةِ إِلَّا من لَهُ وَجه عِنْد النَّاس
وَهِي عقد جَائِز عندنَا خلافًا للشَّافِعِيّ لتعامل النَّاس فِي الْأَعْصَار من غير نَكِير
ثمَّ كَيْفَمَا شرطا وُقُوع الْملك فِي الْمُشْتَرى بَينهمَا إِمَّا نِصْفَانِ أَو كَانَ لأَحَدهمَا أَكثر فَهُوَ جَائِز وَيَقَع الْملك بَينهمَا كَذَلِك وَيكون الرِّبْح على قدر ملكهمَا وَلَا يجوز أَن يفضل أَحدهمَا على ربح حِصَّته شَيْئا لِأَن الرِّبْح يسْتَحق فِي هَذِه الشّركَة بِالضَّمَانِ لَا بِالْمَالِ وَالْعَمَل وَالضَّمان على قدر الْحصَّة فَيكون الرِّبْح كَذَلِك إِذْ لَو شَرط زِيَادَة الرِّبْح فَإِنَّهُ يشْتَرط من غير عمل وَمَال وَضَمان وَهَذَا لَا يجوز
ثمَّ هما فِي جَمِيع مَا يجب لَهما وَمَا يجب عَلَيْهِمَا وَمَا يجوز فِيهِ فضل أَحدهمَا على شَرِيكه وَمَا لَا يجوز بِمَنْزِلَة شَرِيكي الْعَنَان لِأَنَّهُمَا اطلقا الشّركَة وَالشَّرِكَة الْمُطلقَة تَقْتَضِي الْعَنَان فَإِذا اشْتَركَا بوجوههما شركَة مُفَاوَضَة فَذَلِك جَائِز لِأَنَّهُمَا ضما إِلَى الْوكَالَة الْمُطلقَة الْكفَالَة وَذَلِكَ جَائِز إِلَّا أَنه لَا بُد من التَّسَاوِي فِيمَا يتبايعانه لِأَن الْمُفَاوضَة تمنع من التَّفَاضُل
وَأما الشّركَة بِالْأَعْمَالِ فَهِيَ تسمى شركَة الصَّنَائِع وَتسَمى شركَة الْأَبدَان لِأَن الْعَمَل بِالْبدنِ يكون وَهُوَ أَن يشْتَرك اثْنَان فِي عمل القصارة والصباغة على أَن يتقبلا الْأَعْمَال ويعملا فَمَا أخذا من الْأجر فَهُوَ بَينهمَا
وَهَذِه الشّركَة جَائِزَة عندنَا خلافًا للشَّافِعِيّ وَهِي مِمَّا جرى بِهِ التَّعَامُل فِي جَمِيع الْأَعْصَار
ثمَّ هِيَ قد تكون مُفَاوَضَة وَقد تكون عنانا
стр. 719
فالمفاوضة مَا ذكرا فِيهِ لَفْظَة الْمُفَاوضَة أَو ذكرا مَا هُوَ فِي معنى الْمُفَاوضَة بِأَن اشْترط الصانعان على أَن يتقبلا جَمِيعًا الْأَعْمَال وَأَن يضمنا جَمِيعًا الْعَمَل على التَّسَاوِي وَأَن يتساويا فِي الرِّبْح والوضيعة وَأَن يكون كل وَاحِد مِنْهُمَا كَفِيلا عَن صَاحبه فِيمَا لحقه بِسَبَب هَذِه الشّركَة فَهِيَ مُفَاوَضَة
وَإِن شرطا على أَن مَا قبلا من الْأَعْمَال وضمنا الْعَمَل فعلى أَحدهمَا الثُّلُثَانِ من الْعَمَل وعَلى الآخر الثُّلُث وَالْآخر والوضيعة على قدر ذَلِك فَهَذَا شركَة عنان لوُجُود معنى شركَة الْعَنَان
وَكَذَا إِذا ذكرا لَفْظَة الْعَنَان
وَكَذَا لَو أطلقا فَهِيَ شركَة عنان أَيْضا اسْتِحْسَانًا لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا قبلا الْأَعْمَال وضمنا تَسْلِيم ذَلِك إِلَى صَاحبه فَيكون ذَلِك جَارِيا مجْرى الْمُفَاوضَة فِي أَن الْعَمَل عَلَيْهِمَا وَلِصَاحِب الْعَمَل أَن يُطَالب بِالْعَمَلِ أَيهمَا شَاءَ وَلكُل وَاحِد مِنْهُمَا أَن يُطَالب بِأُجْرَة الْعَمَل وَإِلَى أَيهمَا دفع صَاحب الْعَمَل برىء وعَلى أَيهمَا وَجب ضَمَان الْعَمَل فَكَانَ لصَاحب الْعَمَل أَن يُطَالب الآخر وَلَكِن لَا تكون مُفَاوَضَة حَقِيقَة مَا لم تذكر لَفْظَة الْمُفَاوضَة أَو يُوجد مَعْنَاهَا وَهُوَ مَا ذكرنَا حَتَّى قَالُوا فِي الدّين إِذا أقرّ بِهِ أَحدهمَا من ثمن صابون أَو أشنان أَو أجر أجِير أَو حَانُوت قد مضى فَإِنَّهُ لَا يصدق على صَاحبه إِلَّا بِإِقْرَارِهِ أَو بِبَيِّنَة قَامَت عَلَيْهِ وَيَسْتَوِي أَن تكون الشّركَة فِي نوع عمل فيعملان ذَلِك أَو يعْمل أَحدهمَا عملا وَالْآخر غير ذَلِك أَو لم يعْمل بعد أَن ضمنا جَمِيعًا العملين جَمِيعًا لِأَن الْإِنْسَان قد يعْمل بِنَفسِهِ وأجيره
فَإِن عمل أَحدهمَا دون الآخر وَالشَّرِكَة عنان أَو مُفَاوَضَة فالأجر بَينهمَا إِن شرطا الْعَمَل عَلَيْهِمَا والتزما ذَلِك فَيكون أَحدهمَا معينا للْآخر كالقصار إِذا اسْتَعَانَ بِرَجُل فِي القصارة
стр. 720
وَكَذَلِكَ إِذا شرطا لأَحَدهمَا زِيَادَة أجر أَو شرطا الْعَمَل على قدر الْأجر والوضيعة كَذَلِك فَهُوَ جَائِز وَإِن كَانَ عمل الَّذِي شَرط لَهُ الْأجر الْقَلِيل أَكثر لِأَن الرِّبْح بِقدر ضَمَان الْعَمَل لَا بِحَقِيقَة الْعَمَل
وَإِن شرطا الوضيعة نِصْفَيْنِ لَا يَصح وَيبْطل وَتَكون الوضيعة على مَا شرطا من ضَمَان الْعَمَل وَالْأَجْر كَذَلِك
وَلَو جنت يَد أَحدهمَا فَالضَّمَان عَلَيْهِمَا جَمِيعًا لِأَن ذَلِك بِنَاء على ضَمَان الْعَمَل وَقد ضمنا جَمِيعًا
стр. 721
بَاب الشّركَة الْفَاسِدَة
وَهِي أَنْوَاع مِنْهَا الِاشْتِرَاك فِي جَمِيع الْمُبَاحَات الَّتِي تملك بِالْأَخْذِ مثل الِاصْطِيَاد
والاحتطاب والاحتشاش والاستقاء واجتناء الثِّمَار وحفر الْمَعَادِن
فَإِن اشْتَركَا على أَن مَا أصابا من ذَلِك فَهُوَ بَينهمَا فالشركة فَاسِدَة وَلكُل وَاحِد مِنْهُمَا مَا أَخذه لِأَن الشّركَة تَقْتَضِي الْوكَالَة وَالْوكَالَة فِي الِاصْطِيَاد وَنَحْوه لَا تصح وَإِذا فَسدتْ فالأخذ سَبَب الْملك فَيكون ملكا لَهُ ثمَّ ينظر إِن أخذا جَمِيعًا مَعًا فَهُوَ بَينهمَا لِاسْتِوَائِهِمَا فِي سَبَب الْملك وَإِن أَخذ كل وَاحِد مِنْهُمَا شَيْئا بإنفراده وخلطاه وباعاه فَإِن كَانَ مِمَّا يُكَال ويوزن يقسم الثّمن على قدر الْكَيْل وَالْوَزْن الَّذِي لكل وَاحِد مِنْهُمَا وَإِن كَانَ مِمَّا لَا يُكَال وَلَا يُوزن يقسم الثّمن بَينهمَا بِالْقيمَةِ فَيَأْخُذ كل وَاحِد مِنْهُمَا بِقِيمَة الَّذِي لَهُ وَإِن لم يعرف الْكَيْل وَالْوَزْن وَالْقيمَة يصدق كل وَاحِد مِنْهُمَا فِيمَا يَدعِي إِلَى النّصْف وَإِن ادّعى أَكثر من النّصْف فَعَلَيهِ الْبَيِّنَة
وَإِن عمل أَحدهمَا وأعانه الآخر فِي عمله فَلهُ أجر الْمثل بَالغا مَا بلغ عِنْد مُحَمَّد وَعند أبي يُوسُف لَهُ أجر مثله لَا يُجَاوز بِهِ نصف الْمُسَمّى أَو قِيمَته أَي نصف ذَلِك الشَّيْء الَّذِي أَعَانَهُ فِيهِ أَو قِيمَته كمن قَالَ
стр. 722
لآخر بِعْ هَذَا الثَّوْب على أَن نصف ثمنه لَك فَإِنَّهُ يجب أجر الْمثل مُقَدرا بِنصْف ذَلِك الثّمن
وَمِنْهَا أَن يكون لأَحَدهمَا بغل وَللْآخر حمَار فاشتركا على أَن يأجرا ذَلِك فَمَا رزق الله من شَيْء فبينهما فأجراهما جَمِيعًا بِأَجْر مَعْلُوم فِي عمل مَعْلُوم وَحمل مَعْلُوم فَإِن هَذِه الشّركَة فَاسِدَة لِأَن الْوكَالَة على هَذَا الْوَجْه لَا تصح بِأَن قَالَ الآخر أجر بعيرك على أَن أجره بَيْننَا فَإِنَّهُ فَاسد فَكَذَا الشّركَة
وَإِذا فَسدتْ الشّركَة فَالْإِجَارَة صَحِيحَة لوقوعها على مَنَافِع مَعْلُومَة بِبَدَل مَعْلُوم فيقسمان مَا أخذا من الْأجر على قدر أجر مثل الْبَغْل وَالْحمار
وَمِنْهَا أَنه لَو دفع إِلَى رجل دَابَّة ليأجرها على أَن الْأجر بَينهمَا كَانَ ذَلِك فَاسِدا وَالْأَجْر لصَاحب الدَّابَّة وَكَذَلِكَ السَّفِينَة وَالدَّار لِأَنَّهُ عقد على ملك الْغَيْر بِإِذْنِهِ وَيجب أجر الْمثل لِأَنَّهُ استوفى مَنْفَعَة بِعقد فَاسد
وَنَوع آخر رجل اشْترى شَيْئا فَقَالَ لَهُ الآخر أشركني فِيهِ فَهَذَا بِمَنْزِلَة البيع وَالشِّرَاء بِمثل مَا اشْترى فِي النّصْف وَالتَّوْلِيَة أَن يَجْعَل كُله لَهُ بِمثل مَا اشْترى على مَا مر فِي كتاب الْبيُوع فَإِن كَانَ قبل أَن يقبض الأول لم يجز لِأَنَّهُ بيع الْمَبِيع الْمَنْقُول قبل الْقَبْض وَإِن كَانَ بعده جَازَ وَيلْزمهُ نصف الثّمن فَإِن كَانَ لَا يعلم بِمِقْدَار الثّمن فَهُوَ بِالْخِيَارِ إِذا علم إِن شَاءَ أَخذ وَإِن شَاءَ ترك
وَلَو اشْترى رجلَانِ عبدا فأشركا فِيهِ رجلا بعد الْقَبْض فَالْقِيَاس أَن يكون للشَّرِيك النّصْف لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا لَو أشركه فِي نصِيبه على الِانْفِرَاد اسْتحق نصفه فَكَذَا إِذا أشركاه جَمِيعًا مَعًا وَفِي
стр. 723
الِاسْتِحْسَان يكون لَهُ الثُّلُث لِأَن الشّركَة تَقْتَضِي الْمُسَاوَاة فَإِذا قَالَا لَهُ أشركناك فِيهِ فكأنهما قَالَا شاركناك
فَإِن أشركه أَحدهمَا فِي نصِيبه وَنصِيب صَاحبه فَأجَاز شَرِيكه ذَلِك كَانَ للداخل النّصْف وللأولين النّصْف لِأَنَّهُ لما أجَاز شَرِيكه فِي نصِيبه صَار نصف نصِيبه لَهُ وَقد أشركه فِي نصيب نَفسه هَذَا فَيكون للثَّانِي النّصْف وَبَقِي لكل وَاحِد مِنْهُمَا الرّبع
стр. 724
كتاب الْمُضَاربَة
يحْتَاج إِلَى معرفَة تَفْسِير الْمُضَاربَة والألفاظ الَّتِي بهَا تَنْعَقِد الْمُضَاربَة وَإِلَى بَيَان شُرُوط صِحَّتهَا والشروط الْمفْسدَة وَإِلَى بَيَان أَحْكَامهَا
وَأما تَفْسِير الْمُضَاربَة فَهُوَ دفع المَال إِلَى غَيره ليتصرف فِيهِ وَيكون الرِّبْح بَينهمَا على مَا شرطا فَيكون الرِّبْح لرب المَال بِسَبَب مَاله لِأَنَّهُ نَمَاء مَاله وللمضارب بِاعْتِبَار عمله الَّذِي هُوَ سَبَب وجود الرِّبْح
وَأما أَلْفَاظ الْمُضَاربَة فَأن يَقُول دفعت هَذَا المَال إِلَيْك مُضَارَبَة أَو مقارضة أَو مُعَاملَة أَو خُذ هَذَا المَال واعمل فِيهِ على أَن مَا رزق الله من شَيْء فَهُوَ بَيْننَا نِصْفَانِ أَو على أَن لَك ربعه أَو خمسه أَو عشره وَلم يزدْ على هَذَا فَهُوَ مُضَارَبَة
ثمَّ هِيَ نَوْعَانِ مُطلقَة وخاصة
أما الْمُطلقَة فَأن يدْفع المَال إِلَى رجل وَيَقُول دفعت هَذَا المَال إِلَيْك مُضَارَبَة على أَن الرِّبْح بَيْننَا نِصْفَانِ
وَأما الْخَاصَّة فَأن يدْفع إِلَيْهِ ألف دِرْهَم مُضَارَبَة على أَن يعْمل بهَا فِي
стр. 725
الْكُوفَة أَو أَن يعْمل بهَا فِي الْبَز أَو الْخَزّ أَو قَالَ خُذ هَذَا المَال مُضَارَبَة بِالنِّصْفِ على أَن تشتري بِهِ الطَّعَام وَنَحْو ذَلِك
وَأما شَرَائِط صِحَّتهَا فَمِنْهَا أَن يكون رأى رَأس المَال من الْأَثْمَان الْمُطلقَة فَكل مَا يصلح رَأس مَال الشّركَة وَيصِح بِهِ عقد الشّركَة تصح بِهِ الْمُضَاربَة وَإِلَّا فَلَا وَقد ذكرنَا هَذَا فِي كتاب الشّركَة
وَأما الْمُضَاربَة بِرَأْس مَال الدّين فَهُوَ على وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن يكون الدّين لرب المَال على رجل فَيَقُول لَهُ اعْمَلْ بديني الَّذِي فِي ذِمَّتك مُضَارَبَة بِالنِّصْفِ فَإِن اشْترى بهَا وَبَاعَ فَجَمِيع مَا اشْترى وَبَاعَ يملكهُ وَله ربحه وَعَلِيهِ وضيعته وَالدّين فِي ذمَّته بِحَالهِ عِنْد أبي حنيفَة بِنَاء على أَصله فِيمَن وكل رجلا ليَشْتَرِي بِالدّينِ الَّذِي فِي ذمَّته لم يجز
وعَلى أَصلهمَا يجوز هَذَا التَّوْكِيل وَيبرأ من الدّين فَيكون مَا اشْترى وَبَاعَ لرب المَال لَهُ ربحه وَعَلِيهِ وضيعته وَالْمُضَاربَة فَاسِدَة لِأَن الشِّرَاء وَقع للْمُوكل فَيكون مُضَارَبَة بالعروض
وَأما إِذا قَالَ لَهُ اقبض مَالِي على فلَان من الدّين واعمل بِهِ مُضَارَبَة فقد جَازَ لِأَنَّهُ أضَاف الْمُضَاربَة إِلَى الْمَقْبُوض الَّذِي هُوَ أَمَانَة فِي يَده
وَمن شَرط صِحَّتهَا أَن يكون الرِّبْح جُزْءا مشَاعا من الْجُمْلَة
أما إِذا عين بِأَن قَالَ على أَن لَك من الرِّبْح مائَة دِرْهَم أَو نَحْوهَا فَلَا يَصح لاحْتِمَال أَن الرِّبْح لَا يكون إِلَّا هَذَا الْقدر فَلَا يحصل الرِّبْح لرب المَال
وَكَذَا الْوَصِيّ لَو دفع مَال الصَّبِي مُضَارَبَة وَشرط عمل الصَّغِير فالمضاربة فَاسِدَة لبَقَاء يَد الْمَالِك على المَال
стр. 726
وَمِنْهَا انْقِطَاع يَد رب المَال عَن رَأس المَال شَرط صِحَّتهَا حَتَّى قَالُوا فِي الْمضَارب إِذا دفع المَال لي رب المَال مُضَارَبَة بِالثُّلثِ فالمضاربة الثَّانِيَة فَاسِدَة
وَمِنْهَا إِعْلَام قدر الرِّبْح لِأَن الرِّبْح هُوَ الْمَقْصُود فجهالته توجب فَسَاد العقد
فَكل شَرط يُؤَدِّي إِلَى جَهَالَة الرِّبْح يفْسد الْمُضَاربَة
وَإِن كَانَ لَا يُؤَدِّي إِلَى جَهَالَة الرِّبْح يبطل الشَّرْط وَيصِح العقد مثل أَن يشْتَرط أَن تكون الوضيعة على الْمضَارب أَو عَلَيْهِمَا فَالشَّرْط يبطل وَيبقى العقد صَحِيحا والوضيعة فِي مَال الْمُضَاربَة وَكَذَا لَو دفع ألفا مُضَارَبَة على أَن الرِّبْح بَينهمَا نِصْفَانِ وعَلى أَن يدْفع إِلَيْهِ رب المَال أرضه ليزرعها سنة أَو على أَن يسكنهُ دَاره سنة فَالشَّرْط بَاطِل وَالْمُضَاربَة جَائِزَة
وَأما الْأَحْكَام فَنَقُول الْمُضَاربَة تشْتَمل على أَحْكَام مُخْتَلفَة إِذا دفع المَال إِلَى الْمضَارب فَهُوَ أَمَانَة فِي يَده فِي حكم الْوَدِيعَة لِأَنَّهُ قَبضه بِأَمْر الْمَالِك لَا على طَرِيق الْبَدَل والوثيقة
فَإِذا اشْترى بِهِ فَهُوَ وكَالَة لِأَنَّهُ تصرف فِي مَال الْغَيْر بِإِذْنِهِ
فَإِذا ربح صَار شركَة لِأَنَّهُ ملك جُزْءا من المَال بِشَرْط الْعَمَل وَالْبَاقِي نَمَاء مَال الْمَالِك فَهُوَ لَهُ فَكَانَ مُشْتَركا بَينهمَا
فَإِذا فَسدتْ الْمُضَاربَة بِوَجْه من الْوُجُوه صَارَت إِجَارَة لِأَن الْوَاجِب فِيهَا أجر الْمثل وَذَلِكَ يجب فِي الْإِجَارَات
فَإِن خَالف الْمضَارب صَار غَاصبا وَالْمَال مَضْمُون عَلَيْهِ لِأَنَّهُ
стр. 727
تعدى فِي ملك غَيره
ثمَّ من حكم الْمُضَاربَة الْمُطلقَة الْعَامَّة أَن يتَصَرَّف الْمضَارب فِي مَال الْمُضَاربَة مَا بدا لَهُ من أَنْوَاع التِّجَارَات وَله أَن يدْفع بضَاعَة ووديعة ويستأجر الْأَجِير وَالدَّوَاب والبيوت وَأَن يَبِيعهُ بِالنَّقْدِ والنسيئة ويوكل وَكيلا فِي الشِّرَاء وَالْبيع وَله أَن يرْهن ويرتهن فِي الْمُضَاربَة وَله أَن يُسَافر بِالْمَالِ فِي الطَّرِيق الَّذِي يُسَافر فِيهِ التُّجَّار
وَلَيْسَ لَهُ أَن يقْرض وَأَن يستدين على الْمُضَاربَة وَإِن يَأْخُذ سفتجة حَتَّى يَأْمُرهُ بذلك وَلَيْسَ لَهُ أَن يدْفع المَال إِلَى غَيره مُضَارَبَة وَأَن يُشَارك بِهِ وَأَن يخلطه بِمَالِه وَلَا بِمَال غَيره فِي قَوْلهم جَمِيعًا
وَفِي الرِّوَايَة الْمَشْهُورَة لَهُ أَن يَأْذَن لعبد الْمُضَاربَة فِي التِّجَارَة لِأَنَّهُ عَادَة التُّجَّار
وَأما الْمُضَاربَة الْخَاصَّة فَهِيَ فِيمَا ذكرنَا من الْأَحْكَام مثل الْمُضَاربَة الْعَامَّة وَإِنَّمَا تفارقها فِي قدر الْخُصُوص وَهُوَ أَن يتَقَيَّد بِالْمِصْرِ الَّذِي قَيده بهَا بِأَن دفع المَال مُضَارَبَة ليعْمَل بهَا فِي الْكُوفَة فَلَيْسَ لَهُ أَن يخرج المَال من الْكُوفَة بِنَفسِهِ وَلَا يُعْطِيهَا أَيْضا بضَاعَة لمن يخرج بهَا عَن الْكُوفَة فَإِن أخرجهَا من الْكُوفَة ضمن فَإِن اشْترى بهَا وَبَاعَ فَمَا اشْترى فَهُوَ لنَفسِهِ وَإِن لم يشتر بهَا شَيْئا حَتَّى يردهُ إِلَى الْكُوفَة برىء من الضَّمَان وَرجع المَال مُضَارَبَة على حَالهَا كَالْمُودعِ إِذا خَالف فِي الْوَدِيعَة ثمَّ عَاد إِلَى الْوِفَاق
стр. 728
وَلَو دفع إِلَيْهِ على أَن يعْمل فِي سوق الْكُوفَة فَعمل بِالْكُوفَةِ فِي غير سوقها فَهُوَ جَائِز على الْمُضَاربَة اسْتِحْسَانًا لِأَنَّهُ لَا يُفِيد غَالِبا
وَلَو قَالَ لَهُ لَا تعْمل إِلَّا فِي سوق الْكُوفَة فَعمل فِي غير السُّوق فَبَاعَ وَاشْترى فَهُوَ ضَامِن لِأَن هَذَا حجر وَالْأول تَخْصِيص وَإِنَّمَا يَصح التَّخْصِيص إِذا كَانَ مُفِيدا وَالْحجر عَن التَّصَرُّف فِي ملك نَفسه جَائِز وَلَا يَصح التَّصَرُّف بِدُونِ إِذْنه
ثمَّ فِي الْمُضَاربَة الْمُطلقَة إِذا نهى رب المَال أَن يخرج المَال من الْمصر الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْهُ وَعلم بِالنَّهْي فَلَيْسَ لَهُ أَن يخرجهه وَحَاصِل هَذَا أَن فِي الْمُضَاربَة الْمُطلقَة إِن خصصها رب المَال بعد العقد فَإِن كَانَ رَأس المَال بِحَالهِ أَو اشْترى بِهِ مَتَاعا ثمَّ بَاعه وَقبض ثمنه دَرَاهِم ودنانير فَإِن تَخْصِيصه جَائِز كَمَا لَو خصص الْمُضَاربَة فِي الِابْتِدَاء لِأَنَّهُ يملك التَّخْصِيص إِذا كَانَ فِيهِ فَائِدَة
أما إِذا كَانَ مَال الْمُضَاربَة عرُوضا فَلَيْسَ يَصح نهي رب المَال حَتَّى يصير نَقْدا وَذَلِكَ نَحْو أَن يَقُول لَا تبع بِالنَّسِيئَةِ لِأَن الْمُضَاربَة تمت بِالشِّرَاءِ وَلَو أَرَادَ الْعَزْل عَن البيع لم يَصح عَزله فَكَذَلِك عَن صفته
وَمِنْهَا أَن الْمضَارب لَيْسَ لَهُ أَن ينْفق من مَال الْمُضَاربَة مَا دَامَ فِي مصره وَإِذا سَافر أنْفق من مَال الْمُضَاربَة لنفقته وَكسوته ومركوبه وعلف دوابه وَنَفَقَة أجيره ومؤونته وَمَا لَا بُد فِي السّفر مِنْهُ عَادَة إِلَّا مؤونة الْحجامَة والخضاب والنورة فَهُوَ من مَاله
وروى الْحسن أَن كل مَا يثبت فِيهِ نَفَقَة الْإِنْسَان كَانَ فِيهِ الدَّوَاء والحجامة فِي قِيَاس قَول أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف وَكَذَلِكَ الدّهن وَقَالَ مُحَمَّد الدّهن فِي مَاله
стр. 729
وَلَو أَقَامَ فِي مصر من الْأَمْصَار للْبيع وَالشِّرَاء وَنوى الْإِقَامَة خَمْسَة عشر يَوْمًا فنفقته من مَال الْمُضَاربَة مَا لم يتَّخذ من الْمصر دَارا للتوطين
ثمَّ إِذا دخل مصره فَمَا فضل من نَفَقَته وَكسوته يردهُ إِلَى مَال الْمُضَاربَة
ثمَّ مِقْدَار النَّفَقَة الَّتِي أنْفق يحْتَسب كُله من الرِّبْح إِن كَانَ ربح وَإِن لم يكن فَهُوَ من رَأس المَال
وَمَا أنفقهُ من مَاله فِيمَا لَهُ أَن يُنْفِقهُ من مَال الْمُضَاربَة على نَفسه فَهُوَ دين فِي الْمُضَاربَة كالوصي إِذا أنْفق على الصَّغِير من مَال نَفسه لِأَن تَدْبِير ذَلِك مفوض إِلَيْهِ
وَمِنْهَا أَن قسْمَة الرِّبْح قبل قبض رَأس المَال لَا تصح حَتَّى أَنَّهُمَا لَو اقْتَسمَا الرِّبْح وَرَأس المَال فِي يَد الْمضَارب فَهَلَك فَمَا أَخذ رب المَال من الرِّبْح يكون محسوبا من رَأس المَال وَيرجع على الْمضَارب فِيمَا قَبضه حَتَّى يتم رَأس المَال فَإِن فضل فَهُوَ ربح بَينهمَا
وَلَو هلك رَأس المَال فِي يَد الْمضَارب قبل أَن يَشْتَرِي بِهِ شَيْئا يهْلك أَمَانَة وتنفسخ الْمُضَاربَة لِأَن المَال يتَعَيَّن فِي الْمُضَاربَة
وَالْقَوْل فِي الْمُضَاربَة الصَّحِيحَة قَول الْمضَارب وَفِي الْفَاسِدَة قَول رب المَال
فَأَما إِذا اشْترى بِالْمَالِ رَقِيقا فَهَلَك الرَّقِيق فَهُوَ على الْمُضَاربَة
وَلَو كَانَ رَأس المَال ألفا فَاشْترى بِهِ شَيْئا فَهَلَك الْألف قبل التَّسْلِيم فَإِنَّهُ يرجع هُوَ بِالْألف على رب المَال ثَانِيًا وثالثا ورابعا وَذَلِكَ كُله رَأس المَال لِأَن الْمُضَاربَة قد تمت
لَو مَاتَ الْمضَارب يَنْفَسِخ عقد الْمُضَاربَة لعَجزه عَن الْعَمَل بِهِ
стр. 730
فَصَارَ كلما لَو عَزله إِلَّا أَن فِي الْعَزْل لَا بُد من الْعلم وَفِي الْمَوْت يَنْفَسِخ وَإِن لم يعلم لِأَنَّهُ فسخ حكمي كَذَلِك إِذا مَاتَ رب المَال يَنْفَسِخ سَوَاء علم الْمضَارب بِمَوْتِهِ أَولا لِأَنَّهُ فسخ حكمي
وَهَذَا إِذا كَانَ المَال نَقْدا فَأَما إِذا كَانَ المَال عرُوضا فَإِن بيع الْمضَارب جَائِز حَتَّى يصير نَقْدا فَيُؤَدِّي رَأس المَال وَلَا يَنْعَزِل بِالْعَزْلِ صَرِيحًا وَكَذَلِكَ بِالْمَوْتِ
ثمَّ الْمُضَاربَة مَتى فَسدتْ وَقد ربح فِيهَا فَالرِّبْح لرب المَال وللمضارب أجر الْمثل لِأَن اسْتِحْقَاق رب المَال الرِّبْح لكَونه نَمَاء مَاله وَالْمُضَارب إِنَّمَا يسْتَحق بِالشّرطِ وَقد فسد العقد لَكِن عمل لَهُ بِحكم عقد فَاسد فَيلْزمهُ أجر الْمثل
وَكَذَا إِذا لم يربح لِأَنَّهُ اسْتَعْملهُ مُدَّة فِي عمله فَكَانَ عَلَيْهِ أجر الْعَمَل
وَفِي الْمُضَاربَة الصَّحِيحَة إِن لم يكن ربح فَلَا شَيْء للْمُضَارب لِأَنَّهُ عَامل لنَفسِهِ فَلَا يسْتَحق الْأجر وَالله أعلم
стр. 731
كتاب الصّرْف
الصّرْف اسْم لبيع الذَّهَب وَالْفِضَّة والتبر والمضروب والمصوغ فِي ذَلِك سَوَاء وَكَذَلِكَ الْجِنْس وَخلاف الْجِنْس والمفرد وَالْمَجْمُوع مَعَ غَيره
يُسمى هَذَا العقد صرفا لاختصاصه بالتقابض وَالصرْف من يَد إِلَى يَد
وَحكمه حكم سَائِر الموزونات والمكيلات فِي جَرَيَان رَبًّا الْفضل والنسا وَذَلِكَ عِنْد اتِّحَاد الْجِنْس وَالْقدر
إِنَّمَا اخْتصَّ من سَائِر الْبياعَات بِثَلَاثَة أَشْيَاء أَحدهَا أَنه لَا يَصح بِدُونِ تقابض الْبَدَلَيْنِ قبل افْتِرَاق الْعَاقِدين بأنفسهما فَإِذا عقدا عقد الصّرْف بِأَن بَاعَ دِينَارا بِدِينَار أَو دِينَارا بِعشْرَة دَرَاهِم سَوَاء كَانَا حاضرين وَقت العقد أَولا فَإِنَّهُ ينْعَقد العقد وَينفذ إِذا وجد التَّقَابُض قبل افْتِرَاق الْعَاقِدين
وَكَذَلِكَ إِذا كَانَ مجموعا مَعَ غَيره بِأَن بَاعَ ذَهَبا وثوبا بِفِضَّة أَو ذهب فالفضة تَنْقَسِم على الذَّهَب وَالثَّوْب فَمَا يكون بِمُقَابلَة الذَّهَب يكون صرفا وَمَا يُقَابل الثَّوْب يكون بيعا فَإِذا قبض حِصَّة الذَّهَب من الْفضة وَقبض الآخر الذَّهَب بِحِصَّة الْفضة جَازَ وَإِن لم يقبض حِصَّة الثَّوْب لَكِن الشَّرْط افْتِرَاق الْعَاقِدين سَوَاء كَانَا مالكين أَو نائبين
стр. 732
كَالْوَكِيلِ وَالْأَب وَالْوَصِيّ لِأَن الْقَبْض من تَمام عقد الصّرْف فَيعْتَبر بالعاقدين فَإِن وجد أحد الْبَدَلَيْنِ زُيُوفًا أَو نبهرجة فَحكم الْمَسْأَلَة مَعَ فروعها قد ذَكرْنَاهُ فِي كتاب الْبيُوع
وَالثَّانِي أَن لَا يكون فِيهِ خِيَار شَرط لَهما أَو لأَحَدهمَا
الثَّالِث أَن لَا يكون لَهما أَو لأَحَدهمَا أجل فِي الصّرْف
فَإِذا أبطلا الْخِيَار أَو مَاتَ من لَهُ الْخِيَار قبل افْتِرَاق الْعَاقِدين يجوز الصّرْف اسْتِحْسَانًا عندنَا خلافًا ل زفر
وَكَذَا إِذا أبطلا الْأَجَل فِي الْمجْلس عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد وَعَن أبي يُوسُف رِوَايَتَانِ
وَإِن افْتَرقَا ولأحدهما خِيَار رُؤْيَة بِأَن كَانَ مصوغا أما فِي الْمَضْرُوب فَلَا يثبت خِيَار الرُّؤْيَة لِأَنَّهُ لَا فَائِدَة فِيهِ كَمَا فِي الْمُسلم فِيهِ فَلَا يفْسد العقد لِأَنَّهُ خِيَار حكمي
وَكَذَا خِيَار الْعَيْب
وَكَذَا خِيَار الْإِجَازَة بِأَن وجد الصّرْف من الفضوليين على غَيرهمَا فَإِذا بلغه كَانَ لَهُ خِيَار الْإِجَازَة وَإنَّهُ لَا يفْسد لِأَنَّهُ خِيَار يثبت حكما
والمفسد خِيَار الشَّرْط لَا غير وَلَو تصارفا دِينَارا بِدِينَار وَسلم أَحدهمَا الدِّينَار وَأَبْرَأ صَاحبه عَن الدِّينَار أَو وهب مِنْهُ
стр. 733
فَإِن قبل الَّذِي عَلَيْهِ الدّين مَا أَبرَأَهُ أَو وهب لَهُ بَطل الدّين عَنهُ وانتقض الصّرْف لِأَن الْبَرَاءَة توجب سُقُوط الْقَبْض الَّذِي هُوَ مُسْتَحقّ حَقًا للشَّرْع فِي الصّرْف فَإِذا اتفقَا على إِسْقَاطه بَطل العقد بفواته
وَإِن لم يقبل عَلَيْهِ الدّين الْبَرَاءَة لَا تصح لِأَنَّهَا سَبَب للْفَسْخ فَلَا يثبت بقول أحد الْمُتَعَاقدين بعد صِحَة العقد وَلَو استبدل عَن ذَلِك الدِّينَار شَيْئا بِخِلَاف جنسه فَالْبيع فَاسد لِأَن فِيهِ تَفْوِيت الْقَبْض الَّذِي هُوَ حق الشَّرْع وَإِذا لم يَصح هَذَا بَقِي عقد الصّرْف وَقد وجد قبض أحد الْبَدَلَيْنِ فَعَلَيهِ أَن يقبض الآخر وَيتم العقد الأول بَينهمَا
وَإِن أَخذ عَن الدِّينَار الَّذِي عَلَيْهِ دِينَار أردأ مِمَّا سمى أَو زُيُوفًا فَإِنَّهُ يجوز وَلَا يكون استبدالا لِأَنَّهُ من جنس حَقه إِلَّا أَنه نَاقص الْوَصْف والجيد والرديء سَوَاء هَهُنَا
فَإِن امْتنع الْوَاهِب والمبرىء أَن يَأْخُذ مَا وهب لَهُ أَو أَبْرَأ فَإِنَّهُ يجْبر على ذَلِك لِأَن فِي ترك قبض ذَلِك فَسَاد عقد الْغَيْر
وَلَو بَاعَ دِينَارا بِعشر دَرَاهِم وَسلم الدِّينَار وَلم يقبض الْعشْرَة وَكَانَ لمشتري الدِّينَار على بَائِعه عشرَة دَرَاهِم فَأَرَادَ الْمُقَاصَّة فهاهنا ثَلَاث مسَائِل أَحدهَا أَن الْعشْرَة الَّتِي على البَائِع وَجَبت عَلَيْهِ قبل الصّرْف بقرض أَو غصب أَو من ثمن مَبِيع فَأَرَادَ أَن يجعلا ثمن الدِّينَار وَهُوَ الْعشْرَة قصاصا بذلك الدّين فَإِن أجمعا على ذَلِك جَازَ وَكَانَ قصاصا وَإِن لم يجمعا على ذَلِك لم يكن قصاصا وَهَذَا جَوَاب الِاسْتِحْسَان وَالْقِيَاس أَن لَا يجوز وَهُوَ قَول زفر
وَالثَّانيَِة أَن يصير قصاصا وَإِن لم يتقاصا وَهُوَ أَن تكون الْعشْر دينا على بَائِع الدِّينَار بِقَبض مَضْمُون بعد عقد الصّرْف بِأَن غصب
стр. 734
مِنْهُ عشرَة أَو أقْرضهُ عشرَة وَسلمهَا إِلَيْهِ فَيصير قصاصا بِثمن الصّرْف وَإِن لم يتقاصا
وَالثَّالِثَة وَهُوَ أَن تجب الْعشْرَة على بَائِع الدِّينَار بِعقد مُتَأَخّر عَن عقد الصّرْف فَلَا يصير قصاصا بِثمن الصّرْف وَإِن تقاصا
وَهَذِه الْمسَائِل ذَكرنَاهَا فِي الْبيُوع
стр. 735
بَاب آخر مِنْهُ أصل الْبَاب
أَن مَا يجوز البيع فِيهِ مُتَفَاضلا يجوز فِيهِ البيع مجازفة وَمَا لَا يجوز فِيهِ البيع مُتَفَاضلا لَا يجوز فِيهِ البيع مجازفة
إِذا بَاعَ الذَّهَب بِالذَّهَب وَالْفِضَّة بِالْفِضَّةِ مجازفة لَا يجوز لِأَنَّهُ لَا يجوز البيع فِيهِ مُتَفَاضلا فَكَذَلِك المجازفة لاحْتِمَال الزِّيَادَة فِي أَحدهمَا
وَيَسْتَوِي الْجَواب بَين أَن لَا يعرف الْمُتَبَايعَانِ وزن كل وَاحِد مِنْهُمَا أَو كَانَا يعرفان وزن وَاحِد دون الآخر أَو كَانَ أَحدهمَا يعرف وَالْآخر لَا يعرف
فَإِن وزنا فِي الْمجْلس فَكَانَا سَوَاء فِي الْوَزْن فَالْبيع جَائِز اسْتِحْسَانًا وَإِن تفَرقا قبل الْوَزْن ثمَّ وزنا واستويا فِي الْوَزْن فَالْبيع فَاسد
وَقَالَ زفر إِذا اسْتَويَا فِي الْوَزْن جَازَ فِي الْحَالين
وَالْقِيَاس مَا قَالَه لِأَن الْفساد لأجل احْتِمَال الْفضل وَقد تبين أَنه لَا فضل وَلَكنَّا نقُول إِن علم الْمُتَعَاقدين بالتساوي بَين الْبَدَلَيْنِ شَرط جَوَاز العقد فَيعْتَبر عِنْد العقد إِلَّا أَن للمجلس حكم حَالَة وَاحِدَة فَكَانَ كَالْعلمِ عِنْد العقد
وَأما إِذا كَانَ بِخِلَاف الْجِنْس بِأَن بَاعَ الذَّهَب بِالْفِضَّةِ مجازفة
стр. 736
جَازَ لِأَنَّهُ جَازَ البيع فيهمَا مُتَفَاضلا وَلِهَذَا قَالُوا إِذا بَاعَ قلب فضَّة محشوا بدرهم وَلَا يعلم قدر وزن الْقلب فَالْبيع بَاطِل وَقَالَ زفر جَائِز إِلَّا أَن يعلم التَّفَاضُل
وعَلى هَذَا الْقِسْمَة إِذا قعت فِيمَا يجْرِي فِيهِ الرِّبَا لَا تجوز مجازفة فِي الْجِنْس الْوَاحِد وَتجوز فِي مختلفي الْجِنْس
وَلَو بَاعَ السَّيْف بِالسَّيْفِ وأواني الصفر بجنسها مجازفة جَازَ لِأَنَّهُ جَازَ التَّفَاضُل
وَلَو بَاعَ فضَّة فِيهَا غش بِفِضَّة مثلهَا وَالْفِضَّة غالبة فَحكمهَا حكم الْفضة لَا يجوز بيعهَا بِالْفِضَّةِ الْخَالِصَة إِلَّا سَوَاء بِسَوَاء يدا بيد
وَإِن كَانَ الْغِشّ هُوَ الْغَالِب فَحكمهَا حكم النّحاس الْخَالِص لَا يُبَاع بِالنُّحَاسِ إِلَّا مثلا بِمثل يدا بيد
وَإِن كَانَ الْغِشّ مَعَ الْفضة سَوَاء فَيكون حكمه حكم الْفضة فِي أَنه لَا يجوز أَن يُبَاع إِلَّا وزنا وَلَا يجوز بَيْعه مجازفة وعددا وَإِذا قوبل بِالْفِضَّةِ الْخَالِصَة فِي البيع يُرَاعى فِيهِ طَرِيق الِاعْتِبَار إِن علم أَن الْفضة الْخَالِصَة أَكثر حَتَّى تكون الْفضة بِإِزَاءِ الْفضة وزنا وَالزِّيَادَة بِإِزَاءِ الْغِشّ جَازَ البيع
وَإِن كَانَت الْفضة الْخَالِصَة أقل من الْفضة الَّتِي فِي الْمَغْشُوش أَو مثلهَا أَو لَا يدْرِي لَا يجوز لما فِيهِ من الرِّبَا
وَلَو بَاعَ سَيْفا محلى بِذَهَب أَو فضَّة إِن بَاعَ بِجِنْس الْحِلْية وَالثمن أَكثر من الْحِلْية جَازَ وَتَكون الْحِلْية بيعا بِمثل وَزنهَا وَالْفضل بِإِزَاءِ الجفن والحمائل لِأَن الأَصْل عندنَا فِي تَقْسِيم الثّمن على الْمَبِيع إِذا كَانَ أَشْيَاء بَعْضهَا من جنس الثّمن وَالْبَعْض لَا صرف الثّمن إِلَى جنسه بِمثل وَجه فِيهِ تَصْحِيح العقد مَا أمكن وَذَلِكَ فِي صرف بعض الثّمن
стр. 737
إِلَى جنسه بِمثل وَزنه وَالْبَعْض إِلَى خلاف الْجِنْس على طَرِيق الِاعْتِبَار وَذَلِكَ مَا قُلْنَا
وَأما إِذا كَانَ الثّمن مثل الْحِلْية أَو أقل فَلَا يجوز لِأَنَّهُ يبْقى الجفن والحمائل فضلا فِي بيع الرِّبَا
وَكَذَلِكَ إِذا كَانَ لَا يعلم أَو اخْتلف التُّجَّار فِي ذَلِك فَإِن علم أَن الْحِلْية أقل فِي الْمجْلس يكون جَائِزا عندنَا وَإِن علم بعد الِافْتِرَاق لَا يجوز عندنَا خلافًا ل زفر كَمَا فِي بيع المجازفة
وَهَذَا إِذا قبض حِصَّة الْحِلْية فِي الْمجْلس فَأَما إِذا تفَرقا قبل أَن يتقابضا أَو قبض أَحدهمَا دون الآخر فَإِنَّهُ ينظر إِن كَانَت الْحِلْية مِمَّا لَا يتَخَلَّص عَن السَّيْف إِلَّا بِضَرَر فسد البيع كُله
وَإِن كَانَت تتخلص بِغَيْر ضَرَر جَازَ فِي السَّيْف وَفَسَد فِي الْحِلْية لِأَن العقد بِقدر الْحِلْية يكون صرفا وَفِي حق السَّيْف يكون بيعا مُطلقًا والتقابض شَرط صِحَة الصّرْف لَا غير فَإِذا كَانَت تتخلص الْحِلْية من غير ضَرَر فكأنهما شَيْئَانِ منفصلان وَلِهَذَا جَازَ العقد فِي أَحدهمَا دون الآخر وَلذَا جَازَ أَن يبْقى
فَأَما إِذا كَانَت لَا تتخلص إِلَّا بِضَرَر فَاسد كُله فِي حِصَّة الْحِلْية لعدم التَّقَابُض وَفِي حِصَّة السَّيْف لِأَنَّهُ بيع شَيْء لَا يُمكن تَسْلِيمه إِلَّا بِضَرَر يلْحق البَائِع وَابْتِدَاء البيع على هَذَا الْوَجْه مُفسد للْبيع فَكَذَا فِي حَالَة الْبَقَاء كَمَا إِذا بَاعَ جذعا فِي سقف حَتَّى لَو فصل الْحِلْية عَن السَّيْف وَسلم جَازَ وَيجْبر المُشْتَرِي لتغير صفة الْمَبِيع
وَلَو بَاعَ السَّيْف الْمحلى بِجِنْس الْحِلْية أَو بِخِلَاف جِنْسهَا من الذَّهَب وَالْفِضَّة وَالثمن أَكثر من الْحِلْية ولأحدهما خِيَار الشَّرْط فِي البيع أَو
стр. 738
كَانَ شَرط تَأْجِيل الثّمن فِي العقد ثمَّ تفَرقا عَن قبض
فَإِن كَانَت الْحِلْية مِمَّا لَا يتَمَيَّز إِلَّا بِضَرَر فسد البيع فِي الْحِلْية بالتأجيل وَالْخيَار المفسدين للصرف وَفَسَد فِي السَّيْف لِأَنَّهُ لَا يجوز إِفْرَاده بِالْعقدِ لما فِيهِ من إِلْحَاق الضَّرَر بالبائع بِالتَّسْلِيمِ مُنْفَصِلا
وَإِن كَانَت تتَمَيَّز من غير ضَرَر فسد العقد فيهمَا عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف لِأَن الصَّفْقَة اشْتَمَلت على الصَّحِيح وَالْفَاسِد وَالْفساد فِي نفس الْمَعْقُود عَلَيْهِ وَفِي مثل هَذَا يشيع الْفساد فِي الْكل عِنْدهمَا وَعند مُحَمَّد يجوز البيع فِي السَّيْف وَيبْطل فِي الْحِلْية لِأَن الصَّفْقَة اشْتَمَلت على الصَّحِيح وَالْفَاسِد وللفاسد قِيمَته فَيصح فِي الصَّحِيح وَيفْسد فِي الْفَاسِد
وَإِذا اشْترى من الرجل قلب فضَّة وَزنه عشرَة بِعشْرَة وافترقا عَن قبض ثمَّ حط البَائِع عَنهُ درهما أَو زَاده المُشْتَرِي درهما وَقبل الآخر ذَلِك فَالْبيع فَاسد عِنْد أبي حنيفَة وَقَالَ أَبُو يُوسُف الْحَط وَالزِّيَادَة فاسدان وَالْعقد الأول صَحِيح
وَقَالَ مُحَمَّد الْحَط جَائِز وَالزِّيَادَة فَاسِدَة وَالْعقد الأول صَحِيح وَهَذَا فرع اخْتلَافهمْ فِي الشَّرْط الْفَاسِد يلْتَحق بِالْعقدِ ويفسده عِنْد أبي حنيفَة فَإِذا وجدت الزِّيَادَة والحط والتحقا بِالْعقدِ يَجْعَل كَأَن العقد فِي الِابْتِدَاء على هَذَا الْوَجْه فَيفْسد للتفاضل فِي مَال الرِّبَا وَإِنَّمَا شَرط الْقبُول فِي الْحَط هَهُنَا عِنْده لِأَنَّهُ يتَعَلَّق بِهِ فسخ العقد فَلَا يملكهُ أحد الْعَاقِدين إِلَّا بِرِضا الآخر وَمن أصل أبي يُوسُف أَن الشَّرْط الْفَاسِد لَا يلْتَحق بِالْعقدِ فَيسْقط اعْتِبَار الزِّيَادَة والحط جَمِيعًا وَأما مُحَمَّد فَقَوله مثل قَول أبي يُوسُف إِلَّا أَنه يَقُول الزِّيَادَة فَاسِدَة فَلَا نلتحق بِالْعقدِ والحط صَحِيح لِأَنَّهُ يُمكن أَن يَجْعَل هبة مُبتَدأَة كحط جَمِيع الثّمن
فَأَما إِذا كَانَ بِخِلَاف الْجِنْس بِأَن بَاعَ قلب فضَّة وَزنه عشرَة بِدِينَار وَالْمَسْأَلَة بِحَالِهَا صَحَّ الْحَط وَالزِّيَادَة بِالْإِجْمَاع ويلتحقان بِأَصْل العقد
стр. 739
فَيشْتَرط قبض هَذِه الزِّيَادَة فِي الْمجْلس حَتَّى لَو افْتَرقَا قبل قبض الزِّيَادَة فِي مجْلِس الزِّيَادَة يفْسد العقد فِي حِصَّة الزِّيَادَة لِأَن الزِّيَادَة صَارَت ثمن الصّرْف
وَفِي الْحَط تفَرقا أول لم يَتَفَرَّقَا فَهُوَ صَحِيح لِأَن الْفضل فِي خلاف الْجِنْس جَائِز وَيجب عَلَيْهِ رد مَا حط
وَلَو بَاعَ دِينَارا ودرهما بِدِرْهَمَيْنِ ودينارين جَازَ عندنَا وَيصرف الْجِنْس إِلَى خلاف الْجِنْس خلافًا ل زفر وَالشَّافِعِيّ
وعَلى هَذَا الْخلاف إِذا قوبل أبدال من جِنْسَيْنِ مُخْتَلفين بأبدال من جِنْسَيْنِ مُخْتَلفين فِي أَمْوَال الرِّبَا فِي الْمكيل وَالْمَوْزُون فَإِنَّهُ يصرف الْجِنْس إِلَى خلاف الْجِنْس وَالْمَسْأَلَة مَعْرُوفَة
وَلَو كسر حلية سيف أَو سوارا فَإِنَّهُ يضمن قيمَة الصياغة بِخِلَاف جنسه لِأَن هَذِه جودة مُتَقَومَة لحصولها بصنع الْعباد وَلَكِن لَا يُمكن تَضْمِينه من جنسه لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى الرِّبَا فَيجب التَّضْمِين بِخِلَاف الْجِنْس
فصل الْقَرْض جَائِز
فِيمَا لَهُ مثل من جنسه لِأَنَّهُ يجب عَلَيْهِ رد الْمثل
وَالْأَجَل فِي الْقَرْض بَاطِل شَرط فِي الأَصْل أَو طَرَأَ عَلَيْهِ لِأَن أحذ مثل الْقَرْض كعين الْقَرْض فَيكون فَاضلا فِي الْعين وَهُوَ بَاطِل
وَلَو اسْتقْرض فُلُوسًا أَو دَرَاهِم ثمَّ كسدت فَعِنْدَ أبي حنيفَة يجب عَلَيْهِ رد مثلهَا وَعند أبي يُوسُف وَمُحَمّد رد قيمتهَا لَكِن عِنْد أبي يُوسُف تعْتَبر الْقيمَة يَوْم الْقَرْض وَعند مُحَمَّد فِي آخر وَقت نفاقها قبل أَن تكسد وَهَذَا كالاختلاف بَينهمَا فِيمَن عصب مثلِيا وَانْقطع قَالَ أَبُو يُوسُف تجب قِيمَته يَوْم الْغَصْب وَعند مُحَمَّد يَوْم الِانْقِطَاع
فَإِذا بَاعَ الْفُلُوس بِخِلَاف جِنْسهَا فَإِنَّهَا لَا تتَعَيَّن إِن كَانَ مَا يقابلها من الْعرُوض بِمَنْزِلَة الدَّرَاهِم وَإِن كَانَ مَا يقابلها من الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير لَا
стр. 740
تتَعَيَّن أَيْضا لَكِن إِذا افْتَرقَا من غير قبض أَحدهمَا يفْسد العقد لِأَنَّهُ افْتِرَاق عَن دين بدين وَإِن قبض أَحدهمَا جَازَ وَلَا يشْتَرط قبضهما لِأَنَّهُ لَيْسَ بِصَرْف
وَأما إِذا بَاعَ الْفُلُوس بَعْضهَا بِبَعْض
فَإِن كَانَ عينا بِعَين فَإِنَّهُ يجوز عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف متفاضلة أَو مُتَسَاوِيَة لِأَنَّهَا إِنَّمَا لَا تتَعَيَّن لعدم الْفَائِدَة وَفِي التَّعْيِين فَائِدَة وَهُوَ جَوَاز العقد وَعند مُحَمَّد لَا يجوز متفاضلة لِأَنَّهُ ثمن فَيكون كَبيع الدِّرْهَم بِالدِّرْهَمَيْنِ
فَأَما إِذا كَانَ الْكل دينا أَو أَحدهمَا فَالْمَشْهُور من الرِّوَايَة عَنْهُم أَنه لَا يجوز وَعَن أبي يُوسُف يجوز وَالْمَسْأَلَة تذكر فِي الخلافيات
следующие страницы →