Полный текст (1 060 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
فَالْحَاصِل أَن أَشد الضَّرْب هُوَ التَّعْزِير ثمَّ الْجلد فِي الزِّنَا ثمَّ فِي الشّرْب ثمَّ فِي الْقَذْف
وَفِي الْمَرْأَة لَا ينْزع الثِّيَاب إِلَّا الفرو والحشو لِأَن كشف الْعَوْرَة حرَام والزجر وَاجِب
وَيضْرب الْحَد فِي الْأَعْضَاء كلهَا مُتَفَرقًا إِلَّا فِي الْعُضْو الَّذِي هُوَ مقتل وَهُوَ الرَّأْس وَالْوَجْه والصدر والبطن والمذاكير وَهَذَا فِي حق الصَّحِيح
فَأَما الْمَرِيض فَلَا يجلد حَتَّى يبرأ وَكَذَا الْحَامِل حَتَّى تضع حملهَا وَتخرج عَن النّفاس لِأَن النّفاس مرض بِخِلَاف الْحيض
فَأَما الرَّجْم فيقام فِي الْأَحْوَال كلهَا إِلَّا فِي الْحَامِل لِأَنَّهُ لَا جِنَايَة من الْحمل
وَلَا تُقَام الْحُدُود فِي الْمَسْجِد وَإِنَّمَا تُقَام فِي مَوضِع يُشَاهِدهُ الإِمَام أَو يبْعَث أَمِينه حَتَّى يُقَام بَين يَدَيْهِ
وَإِذا مَاتَ المرجوم يدْفع إِلَى أَهله حَتَّى يغسلوه ويكفنوه ويصلوا عَلَيْهِ هَكَذَا قَالَ النَّبِي ﵇ فِي مَاعِز اصنعوا بِهِ مَا تَصْنَعُونَ بموتاكم
وَأما حد الْقَذْف فَيحْتَاج إِلَى بَيَان كيفيته وَبَيَان مِقْدَاره وَإِلَى تَفْسِير الْقَذْف الْمُوجب للحد وَإِلَى بَيَان شَرَائِطه
وَإِلَى بَيَان أَحْكَامه
стр. 842
أما الأول فحد الْقَذْف مُقَدّر بِثَمَانِينَ سَوْطًا لقَوْله تَعَالَى ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جلدَة﴾
وَأما تَفْسِير الْقَذْف فَهُوَ نَوْعَانِ أَحدهمَا أَن يقذفه بِصَرِيح الزِّنَا الْخَالِي عَن شُبْهَة الزِّنَا الَّذِي لَو أَقَامَ عَلَيْهِ أَرْبَعَة من الشُّهُود أَو أقربه الْمَقْذُوف يجب عَلَيْهِ حد الزِّنَا فَإِذا عجز الْقَاذِف عَن إثْبَاته بِالْحجَّةِ فَينْعَقد سَببا لوُجُوب حد الْقَذْف
الثَّانِي أَن يَنْفِي نسب إِنْسَان من أَبِيه الْمَعْرُوف فَيَقُول لست بِابْن فلَان أوهو لَيْسَ بأبيك فَهُوَ قَاذف لأمه كَأَنَّهُ قَالَ أمك زَانِيَة أَو زنت أمك
وَلَو قَالَ يَا ابْن الزَّانِي أويا ابْن الزَّانِيَة يكون قَاذِفا
وَلَو قَالَ لست لأمك لَا يكون قذفا
وَلَو قَالَ أَنْت ابْن فلَان لِعَمِّهِ أَو خَاله أَو لزوج أمه فِي غير حَال الْغَضَب لَا يكون قذفا لِأَنَّهُ ينْسب إِلَيْهِ فِي الْعرف
وَإِن كَانَ فِي حَال الْغَضَب على سَبِيل الشتم يكون قذفا
وَلَو قَالَ لرجل يَا زَانِيَة لَا يجب الْحَد عَن أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف خلافًا ل مُحَمَّد
وَلَا قَالَ لامْرَأَته يَا زاني يحد بِالْإِجْمَاع
وَلَو قَالَ يَا زانىء باهمزة وعنى بِهِ الصعُود يحد لِأَن الْعَامَّة لَا
стр. 843
تعرف هَذَا
وَلَو قَالَ زنأت فِي الْجَبَل وعنى بِهِ الصعُود فَعِنْدَ أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف يحد لما قُلْنَا خلافًا لمُحَمد
وَلَو قَالَ زنأت على الْجَبَل يحد بِالْإِجْمَاع لِأَنَّهُ لَا يسْتَعْمل لَفظه على الصعُود
وَأما الشَّرَائِط فشروط وجوب الْحَد أَن يكون الْمَقْذُوف مُحصنا
وشرائط إِحْصَان حد الْقَذْف خَمْسَة الْعقل وَالْبُلُوغ وَالْحريَّة وَالْإِسْلَام والعفة عَن الزِّنَا
وَأما شَرط ظُهُور حد الْقَذْف عِنْد القَاضِي بِالْبَيِّنَةِ أَو بِالْإِقْرَارِ فَهُوَ خُصُومَة الْمَقْذُوف ومطالبته وحضرته عِنْد الْإِقَامَة لِأَن فِيهِ حق العَبْد وَحقّ العَبْد لَا يثبت إِلَّا بمطاليته وخصومته
ثمَّ حق الْخُصُومَة والطلب للمقذوف إِذا كَانَ حَيا سَوَاء كَانَ حَاضرا أَو غَائِبا وَلَيْسَ لأحد حق الْخُصُومَة إِلَّا بإنابته عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد
وَعند أبي يُوسُف لَا تصح وكَالَة فِي حد وَلَا قصاص
وَأَجْمعُوا أَنه لَا يَصح الْوكَالَة فِي اسْتِيفَاء الْحُدُود وَالْقصاص وعنوا بِهَذَا أَنه لَا بُد من حَضْرَة الْمَقْذُوف وحضرة ولي الْقصاص للاستيفاء
فَأَما إِذا حضر فَفِي حد الْقَذْف الِاسْتِيفَاء إِلَى الإِمَام وَفِي الْقصاص إِلَى الْوَلِيّ
لَكِن إِذا وكل إنْسَانا بِالِاسْتِيفَاءِ بَين يَدَيْهِ لعَجزه وَضعف قلبه جَازَ بِالْإِجْمَاع
وَلَو أَنه طلب الْمَقْذُوف الْحَد وَخَاصم بَين يَدي القَاضِي وَحكم القَاضِي بِهِ ثمَّ مَاتَ أَو مَاتَ قبل أَن يُطَالب أَو مَاتَ بَعْدَمَا ضرب
стр. 844
بعض الْحَد بَطل وَبَطل مَا بَقِي وَإِن كَانَ سَوْطًا وَاحِدًا وَلَا تبطل شَهَادَة الْمَقْذُوف وَهَذَا عندنَا
وَعند الشَّافِعِي يَقُول الْوَارِث مقَامه فِي الْخُصُومَة والحضرة
فَالْحَاصِل أَن الْمُغَلب فِي حد الْقَذْف حق الله تَعَالَى عندنَا
وَعِنْده الْمُغَلب حق العَبْد فَلَا يُورث عندنَا خلافًا لَهُ
وعَلى هَذَا لَا يَصح الصُّلْح وَالْعَفو من الْمَقْذُوف عندنَا خلافًا لَهُ وَالْمَسْأَلَة مَعْرُوفَة
هَذَا إِذا قذفه فِي حَال الْحَيَاة فَأَما إِذا قذفه بعد الْمَوْت بِالزِّنَا فَإِن حق الْخُصُومَة فِيهِ للوالد وَإِن علا وللولد وَإِن سفل وَلَا حق للْأَخ وَالْعم وَالْمولى وَهَذَا قَول أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف حَتَّى يدْخل فِيهِ أَوْلَاد الْبَنَات عِنْدهمَا وَعند مُحَمَّد لَا يدْخل إِلَّا من يَرث بالعصوبة
وَأما بَيَان الْأَحْكَام فَنَقُول إِذا رفع الْمَقْذُوف الْأَمر إِلَى القَاضِي وَالْقَذْف صَحِيح فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يُنكر الْقَاذِف أَو يقر
فَإِن أنكر وَطلب الْمَقْذُوف من القَاضِي أَن يؤجله حَتَّى يُقيم الْبَيِّنَة وَادّعى أَن لَهُ بَيِّنَة حَاضِرَة فِي الْمصر فَإِنَّهُ يؤجله إِلَى أَن يقوم من الْمجْلس وَيحبس الْمُدعى عَلَيْهِ الْقَذْف فَإِن أَقَامَهَا إِلَى آخر الْمجْلس وَإِلَّا خلى سَبيله وَلَا يَأْخُذ مِنْهُ كَفِيلا بِنَفسِهِ وَهَذَا قَول أبي حنيفَة وَقَالَ أَبُو يُوسُف يَأْخُذ مِنْهُ كَفِيلا بِنَفسِهِ حَتَّى يحضر الشُّهُود وَلَا يحْبسهُ
وَعَن مُحَمَّد أَنه قَالَ أكفله ثَلَاثَة أَيَّام وَلَا أحبسه فَإِن أَقَامَ شَاهدا وَاحِدًا عدلا فَإِنَّهُ يحبس حَتَّى يحضر الشَّاهِد الآخر وَإِن أَقَامَ شَاهدا غير عدل فَإِنَّهُ يؤجله إِلَى آخر الْمجْلس
стр. 845
وَإِن قَالَ الْمَقْذُوف بينتي خَارج الْمصر أَو غائبون فَإِن القَاضِي يخلي سَبِيل الْقَاذِف على مَا ذكرنَا
وَإِن أَقَامَ رجلا وَامْرَأَتَيْنِ أَو
الشَّهَادَة على الشَّهَادَة
أَو كتاب القَاضِي فِي إِثْبَات الْقَذْف فَلَا يقبل لِأَن الذُّكُورَة شَرط فِي الْحَد
وَلَو أَقَامَ الْقَاذِف رجلا وَامْرَأَتَيْنِ على أَن الْمَقْذُوف صَدَقَة فِي قذفه لَهُ يقبل لِأَنَّهَا قَامَت على دَرْء الْحَد
وَإِن طلب الْمَقْذُوف من القَاضِي أَن يسْتَحْلف الْقَاذِف فَإِنَّهُ لَا يحلفهُ عندنَا خلافًا للشَّافِعِيّ بِنَاء على أَن حد الْقَذْف حق الْعباد عِنْده
فَإِذا أَقَامَ الْبَيِّنَة على الْقَذْف أَو أقرّ الْقَاذِف فَإِن القَاضِي يَقُول للقاذف أقِم الْبَيِّنَة على صِحَة قَوْلك
فَإِن أَقَامَ أَرْبَعَة من الشُّهُود على مُعَاينَة الزِّنَا أَو على إِقْرَاره بِالزِّنَا على الْوَجْه الَّذِي ذكرنَا يُقيم حد الزِّنَا على الْمَقْذُوف وَلَا يُقيم حد الْقَذْف على الْقَاذِف لِأَنَّهُ ظهر أَنه صَادِق فِي مقَالَته
فَإِن عجز عَن إِقَامَة الْبَيِّنَة للْحَال وَقَالَ للْقَاضِي أجلني حَتَّى أحضر الْبَيِّنَة ولي بَيِّنَة فِي الْمصر فَإِنَّهُ يؤجله إِلَى قيام الْمجْلس فَإِن أَقَامَ الْبَيِّنَة إِلَى آخر الْمجْلس وَإِلَّا أَقَامَ عَلَيْهِ حد الْقَذْف وَلَا يَأْخُذ مِنْهُ كَفِيلا حَتَّى يذهب فيطلب شُهُوده وَلَكِن يحْبسهُ وَيَقُول لَهُ ابْعَثْ إِلَى شهودك
وعَلى قَول أبي يُوسُف يُؤَجل إِلَى الْمجْلس الثَّانِي
وَعَن مُحَمَّد أَنه قَالَ إِن لم يجد أحدا يَبْعَثهُ إِلَى الشُّهُود أتركه حَتَّى يذهب ويحضر الشُّهُود وأبعث مَعَه شرطا حَتَّى يحفظوه وَلَا أَدَعهُ حَتَّى يفر فَإِن عجز أقيم عَلَيْهِ الْحَد
فَإِن ضرب بعض الْحَد فَحَضَرَ الشُّهُود وشهدوا بَطل الْحَد
стр. 846
الْبَاقِي وَأَقْبل شَهَادَتهم
وَإِن شهدُوا بعد إِقَامَة الْحَد على صدق مقَالَته تقبل شَهَادَتهم وَيظْهر فِي حق الشَّهَادَة حَتَّى لَا يرد شَهَادَته بعد ذَلِك
وَأما التَّعْزِير فَيجب فِي جِنَايَة لَيست بموجبة للحد بِأَن قَالَ يَا كَافِر أَو يَا فَاسق أَو يَا فَاجر وَنَحْو ذَلِك
وَيكون التَّعْزِير على قدر الْجِنَايَة وعَلى قدر مَرَاتِب الْجَانِي قد يكون بالتغليظ فِي القَوْل وَقد يكون بِالْحَبْسِ وَقد يكون بِالضَّرْبِ
وَأَقل التَّعْزِير ثَلَاثَة أسواط فَصَاعِدا وَلَا يبلغ أَرْبَعِينَ بل ينقص مِنْهُ سَوط وَهَذَا عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد
وَقَالَ أَبُو يُوسُف فِي العَبْد ينقص من أَرْبَعِينَ أسواط وَفِي الْحر لَا يبلغ ثَمَانِينَ وَينْقص مِنْهُ خَمْسَة أسواط
وَأَصله قَوْله ﵇ من بلغ حدا فِي غير حد فَهُوَ من الْمُعْتَدِينَ
وَلَا يُؤْخَذ فِيهِ الْكفَالَة
وَلَا يثبت بِشَهَادَة النِّسَاء مَعَ الرِّجَال وَلَا بِالشَّهَادَةِ على الشَّهَادَة
وَعند مُحَمَّد يُؤْخَذ فِيهِ الْكَفِيل وَتقبل فِيهِ الشَّهَادَة على الشَّهَادَة وَشَهَادَة النِّسَاء مَعَ الرِّجَال وَرُوِيَ عَنهُ أَنَّهَا تقبل فِي حق الْحَبْس أَيَّامًا ثمَّ يخرج وَلَا تقبل فِي حق الضَّرْب
стр. 847
كتاب السّرقَة
قَالَ ﵀ جمع فِي الْكتاب بَين السّرقَة وَقطع الطَّرِيق وَتَفْسِير الْبُغَاة وأحكامهم
أما الأول فَنَقُول يحْتَاج إِلَى تَفْسِير السّرقَة الْمُوجبَة للْقطع فِي الشَّرْع وَإِلَى بَيَان حكمهَا
أما الأول فَهُوَ أَخذ مَال الْغَيْر على سَبِيل الْخفية مَعَ شرائطها مِنْهَا أَن يكون السَّارِق عَاقِلا بَالغا
وَمِنْهَا أَن يكون الْمَسْرُوق مَالا مُتَقَوّما حَتَّى لَو سرق الْخمر وَالْخِنْزِير وَجلد الْميتَة فَإِنَّهُ لَا قطع عَلَيْهِ
وَلَو سرق حرا صَغِيرا فَمَاتَ فِي يَده أَو مرض فَلَا شَيْء عَلَيْهِ وَلَو أَصَابَته آفَة من الْوُقُوع فِي الْبِئْر أَو افتراس السَّبع يضمن لِأَنَّهُ تَضْييع لَهُ
وَمِنْهَا أَن يكون المَال الْمَسْرُوق مُقَدرا عندنَا بِعشْرَة دَرَاهِم
стр. 848
وَعند مَالك بِثَلَاثِينَ درهما
وَعند الشَّافِعِي بِربع دِينَار
وَتكلم الْعلمَاء فِي صفة الدَّرَاهِم الْعشْرَة ذكر أَبُو الْحسن الْكَرْخِي أَنه يعْتَبر عشرَة دَرَاهِم مَضْرُوبَة
وَكَذَا رُوِيَ عَن أبي يُوسُف وَمُحَمّد أَنه لَا يقطع فِي عشرَة دَرَاهِم تبرا مَا لم تكن مَضْرُوبَة
وروى الْحسن عَن أبي حنيفَة أَنه إِذا سرق عشرَة مِمَّا يروج بَين النَّاس قطع فَهَذَا يدل على أَن التبر إِذا كَانَ رائجا يقطع فِيهِ
وَيجب أَن يكون وزن الدَّرَاهِم الْعشْرَة وزن سَبْعَة مَثَاقِيل كَمَا فِي نِصَاب الزَّكَاة
وَيجب أَن يكون قيمَة الْمَسْرُوق عشرَة من وَقت السّرقَة إِلَى وَقت الْقطع وَلَا ينتقص من حَيْثُ السّعر
وَرُوِيَ عَن مُحَمَّد أَنه لَا يعْتَبر نُقْصَان السّعر بعد الْأَخْذ
وَلَو سرق فِي بلد وَأخذ فِي بلد أُخْرَى لَا يقطع مَا لم تكن الْقيمَة فِي البلدين عشرَة
فَأَما نُقْصَان الْقيمَة بانتقاص الْعين بعد الْأَخْذ فَلَا عِبْرَة بِهِ فَيقطع لِأَنَّهُ لَو هلك كُله لقطع فَكَذَا إِذا انْتقصَ
وَهَذَا الَّذِي ذكرنَا شَرط فِي سَرقَة عشر من حرز وَاحِد فَإِن أَخذ عشرَة من حرز وَاحِد يقطع سَوَاء كَانَت الْعشْرَة لوَاحِد أَو لجَماعَة لِأَنَّهَا سَرقَة وَاحِدَة من حرز وَاحِد
وَلَو أخرج عشرَة لرجل بَعْضهَا من دَار وَبَعضهَا من دَار أُخْرَى لَا يجب الْقطع لِأَنَّهُ سرقتان بِلَا نِصَاب
وَلَو أخرج من دَار وَاحِدَة عشرَة مرّة خَمْسَة وَمرَّة خَمْسَة لَا
стр. 849
يقطع مَا لم يُوجد إِخْرَاج الْعشْرَة جملَة مرّة وَاحِدَة
وَلَو حمل اللُّصُوص جملَة مَتَاعا من الْحِرْز دفْعَة وَاحِدَة فَإِن بلغ قيمَة الْمَتَاع مِقْدَار مَا تكون حِصَّة كل وَاحِد مِنْهُم نِصَابا كَامِلا يجب الْقطع وَإِلَّا فَلَا
وَمِنْهَا أَن يكون المَال الْمَسْرُوق مَحْفُوظًا محرزا على الْكَمَال
وَإِنَّمَا يكون محرزا بِأحد أَمريْن إِمَّا أَن يكون فِي مَكَان معد للإحراز عَادَة كالدور والبيوت والحوانيت والصناديق
وَإِمَّا أَن يكون محرزا بِالْحَافِظِ
وَفِي الْقسم الأول يكون الْمَكَان حرْزا بِنَفسِهِ سَوَاء كَانَ ثمَّة حَافظ أَو لَا وَذَلِكَ أَن يكون فِي الْأَمْصَار والقرى والخيام والأخبية فِي المفاوز مَعَ جمَاعَة ممتنعة إِلَّا إِذا كَانَ الْبَاب مَفْتُوحًا فِي اللَّيْل وَالنَّهَار وَلَيْسَ ثمَّة حَافظ فَهَذَا لَا يكون حرْزا فِي الْعَادة
وَأما الْقسم الثَّانِي فَأن لَا يكون الْمَكَان حرْزا بِنَفسِهِ وَإِنَّمَا يكون حرْزا بِالْحَافِظِ وَذَلِكَ نَحْو قَارِعَة الطَّرِيق والمفازة والمساجد فَإِن كَانَ ثمَّة حَافظ قريب من المَال يكون حرْزا سَوَاء كَانَ نَائِما أَو يقظانا
وَلَو كَانَ الْعدْل والجوالق على الدَّابَّة فِي حَال السّير فَسرق رجل من الْعدْل يقطع
وَلَو سرق وَالْعدْل نَفسه والجوالق لَا يَقع لِأَن هَذَا غير مَحْفُوظ بالسائق
وَلَو دخل السَّارِق الْحِرْز وَأخذ مِنْهُ مَتَاعا فَقبل أَن يُخرجهُ علم بِهِ صَاحب الْحِرْز فَأَخذه لَا يقطع لِأَنَّهُ لم يُوجد مِنْهُ الْإِخْرَاج من الْحِرْز
وَلَو أَخذه السَّارِق وَرمى بِهِ إِلَى خَارج الْحِرْز فَأَخذه صَاحبه ثمَّ إِن صَاحب الْحِرْز أَخذ السَّارِق من الْحِرْز لَا يقطع لِأَنَّهُ لم تثبت يَده عَلَيْهِ
стр. 850
عِنْد الْخُرُوج لثُبُوت يَد غَيره
وَلَو رَمَاه من الْحِرْز ثمَّ خرج وَأَخذه يجب الْقطع عندنَا خلافًا لزفَر لِأَن هَذَا فِي حكم يَده إِذا لم يَأْخُذهُ غَيره
وَلَو أَخذ الْمَتَاع من الْحِرْز وناول صاحبا لَهُ خَارج الْحِرْز فَلَا قطع عَلَيْهِمَا عِنْد أبي حنيفَة كَيْفَمَا كَانَ وَقَالَ مُحَمَّد إِن أخرج الدَّاخِل يَده من الْحِرْز ونال الْخَارِج يقطع الدَّاخِل دون الْخَارِج وَإِن أَدخل الْخَارِج يَده فِي الْحِرْز وَأخذ فَلَا قطع عَلَيْهِمَا
وَقَالَ أَبُو يُوسُف إِذا أخرج الدَّاخِل يَده لَا قطع عَلَيْهِ لِأَن عِنْده دُخُول الْحِرْز لَيْسَ بِشَرْط إِذا أمكن السَّارِق أَخذ المَال المحرز
وعَلى هَذَا إِن السَّارِق إِذا نقب الْجِدَار وأخد المَال المحرز
وعَلى هَذَا إِن السَّارِق إِذا نقب الْجِدَار وَأدْخل يَده وَأخذ مَتَاعا يُسَاوِي عشرَة دَرَاهِم لَا قطع عَلَيْهِ عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد
وَقَالَ أَبُو يُوسُف يقطع
وَكَذَا لَو دخل الْحِرْز وَجمع المتع عِنْد النقب ثمَّ خرج وَأدْخل يَده وَأخرج فَهُوَ على هَذَا الْخلاف
وَكَذَا لَو دخلُوا الْحِرْز وحملوا الْأَمْتِعَة على ظهر رجل مِنْهُم أَو رجلَيْنِ حَتَّى أخرجَا الْأَمْتِعَة وَخرج الْبَاقُونَ من غير حمل شَيْء الْقيَاس أَن لَا يقطع غير الْحَامِل وَفِي الِاسْتِحْسَان يقطعون لِأَن السّرقَة من الْجَمَاعَة هَكَذَا تكون عَادَة
وَكَذَا لَو حملُوا على دَابَّة حَتَّى خرجت بهَا من الْحِرْز يجب الْقطع
وَإِن كَانَ مَعَهم صبي أَو مَجْنُون لَا قطع على الْكل عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد وَقَالَ أَبُو يُوسُف إِن باشرا الْإِخْرَاج دون الْكِبَار العاقلين لَا
стр. 851
قطع على الْكل وَإِن بَاشر الْإِخْرَاج غَيرهمَا يجب الْقطع على الْكِبَار
وَمِنْهَا أَن يكون الْمَسْرُوق أعيانا قَابِلَة للإدخار والإمساك وَلَا يتسارع إِلَيْهَا الْفساد حَتَّى لَو سرق ثمارا مجدودة محرزة فِي حَظِيرَة عَلَيْهَا بَاب مغلق أَو كَانَ ثمَّة حَافظ وَلَكِن يتسارع إِلَيْهَا الْفساد نَحْو الْعِنَب والتين والسفرجل وَالرّطب والبقول لَا يقطع
وَلَو كَانَت مِمَّا يبْقى مثل الْجَوْز واللوز وَالتَّمْر الْيَابِس والفواكه الْيَابِسَة يجب الْقطع
وَلَو كَانَت الثَّمَرَة الْبَاقِيَة على الشّجر وَالْحِنْطَة فِي السنبلة لم تحصد فِي حَائِط موثق أَو ثمَّة حَافظ لَا يجب الْقطع لِأَنَّهُ لم تستحكم مَالِيَّته بعد
وعَلى هَذَا لَو سرق اللَّحْم الطري أَو الْيَابِس لَا يجب الْقطع لِأَنَّهُ مِمَّا يتسارع إِلَيْهِ الْفساد
وعَلى هَذَا
النَّبِيذ الْحَلَال والعصير وَاللَّبن بِخِلَاف الْخلّ والدبس
وَمِنْهَا أَن لَا يكون الْمَسْرُوق شَيْئا يُوجد مُبَاح الأَصْل كالطيور والخشب والقصب والنورة وَاللَّبن إِلَّا إِذا كَانَ شَيْئا لَهُ خطر عِنْد النَّاس كالذهب وَالْفِضَّة واللعل والفيروزج والساج والعاج وَنَحْوهَا أَو يحدث فِيهِ صنع كالسرير وَنَحْوه
وَمِنْهَا أَن لَا يكون مَأْذُونا بِالدُّخُولِ فِي الْحِرْز أَو فِيهِ شُبْهَة الْإِذْن كالسرقة من ذَوي الرَّحِم الْمحرم
وَكَذَلِكَ عبد الرجل ومدبره ومكاتبه وخادمه وخادم امْرَأَته
стр. 852
وأجيرهما وضيفهما وَنَحْو ذَلِك
وَكَذَلِكَ لَو سرق العَبْد من ابْن مَوْلَاهُ وأبويه لِأَنَّهُ يدْخل عَلَيْهِم عَادَة
وَإِن سرق من غَرِيمه فَإِن كَانَ من جنس دينه وَهُوَ حَال لَا يقطع وَإِن كَانَ الدّين مُؤَجّلا لَا يقطع اسْتِحْسَانًا
وَإِن كَانَ الْمَسْرُوق أَكثر من الدّين وَتلك الزِّيَادَة تكون نصبا فَكَذَلِك لِأَن حَقه ثَابت فِي الْجُمْلَة شَائِعا
وَإِن كَانَ من خلاف جنسه يقطع خلافًا للشَّافِعِيّ
وَبَعض أَصْحَابنَا قَالُوا لَا يقطع لاخْتِلَاف الْعلمَاء فِيهِ من السّلف
وَمِنْهَا أَن لَا يكون الْمَسْرُوق شَيْئا لَهُ تَأْوِيل الْأَخْذ أَو الْإِتْلَاف كَمَا إِذا سرق مُصحفا أَو صليبا أَو نردا أَو شطرنجا من ذهب أَو فضَّة
وَمِنْهَا أَن لَا يكون النّصاب تبعا لما لَا يقطع بسرقته كَمَا إِذا سرق كَلْبا أَو سنورا وَفِي عُنُقه طوق ذهب أَو فضَّة أَو مُصحفا مرصعا بِالذَّهَب والياقوت أَو سرق صَبيا حرا عَلَيْهِ حلى أَو ثِيَاب ديباج لَا يجب الْقطع
وَكَذَلِكَ لَو سرق إِنَاء فضَّة فِيهِ طَعَام وَأخرجه من الْحِرْز كَذَلِك لَا يجب الْقطع
وَلَو صب الطَّعَام وَأخرج الْإِنَاء يقطع
وَمِنْهَا شَرط ظُهُور السّرقَة الْمُوجبَة للْقطع عِنْد القَاضِي وَهُوَ خُصُومَة الْمَسْرُوق مِنْهُ حَتَّى لَو شهدُوا على السّرقَة من غير خُصُومَة أَو أقرّ السَّارِق فَإِن القَاضِي لَا يقطع
وَلَو جَاءَ السَّارِق ثَانِيًا إِلَى الْمَالِك ورد إِلَيْهِ قبل المرافعة إِلَى الْحَاكِم سقط الْحَد فِي الْمَشْهُور عندنَا
وَأما إِذا ردهَا بعد المرافعة وَسَمَاع الْبَيِّنَة لَا يسْقط الْقطع سَوَاء
стр. 853
كَانَ قبل الْقَضَاء أَو بعده
وَأما إِذا وَهبهَا من السَّارِق أَو ملكهَا السَّارِق بِوَجْه مَا سقط الْقطع قبل الْقَضَاء وَبعده عندنَا خلافًا للشَّافِعِيّ
ثمَّ الشَّرْط خُصُومَة الْمَسْرُوق مِنْهُ بِأَن كَانَ صَاحب ملك أَو صَاحب يَد أَمَانَة أَو يَد ضَمَان وَيثبت السّرقَة فِي حق الِاسْتِرْدَاد أما فِي حق الْقطع فعندنا كَذَلِك وَعند زفر لَا يثبت
وَالشَّافِعِيّ يَقُول لَا يعْتَبر خُصُومَة غير الْمَالِك أصلا
وَأما السَّارِق من السَّارِق فَإِن خصومته لَا تعْتَبر فِي حق الْقطع بِالْإِجْمَاع
وَهل تعْتَبر فِي حق الِاسْتِرْدَاد فِيهِ رِوَايَتَانِ
وَإِنَّمَا تعْتَبر الْخُصُومَة إِذا لم يتقادم الْعَهْد
فَأَما إِذا تقادم عهد السّرقَة فَلَا يسمع الْخُصُومَة كَمَا فِي حد الزِّنَا على مَا ذكرنَا
وَأما قطاع الطَّرِيق والبغاة فَنَقُول إِن قطاع الطَّرِيق الَّذين لَهُم أَحْكَام مَخْصُوصَة لَهُم شَرَائِط أَحدهَا أَن يكون لَهُم مَنْعَة وشوكة بِحَيْثُ لَا تمكن للمارة المقاومة مَعَهم وَقَطعُوا الطَّرِيق عَلَيْهِم سَوَاء كَانَ بِالسِّلَاحِ أَو بالعصا الْكَبِيرَة وَالْحجر وَغَيرهَا
وَالثَّانِي أَن يكون ذَلِك خَارج الْمصر بَعيدا عَنهُ
فَأَما فِي الْمصر وقريبا مِنْهُ أَو بَين مصرين فَلَا يكون قطع الطَّرِيق وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَمُحَمّد وَخِلَافًا لأبي يُوسُف
وَالثَّالِث أَن يكون ذَلِك فِي دَار الْإِسْلَام على أهل دَار الْإِسْلَام
وَالرَّابِع أَن يُوجد فِيهِ جَمِيع مَا شَرط فِي السّرقَة الصُّغْرَى حَتَّى إِن مَا أخذُوا لَو قسم على القطاع فَأصَاب كل وَاحِد مِنْهُم عشرَة دَرَاهِم
стр. 854
يجب الْقطع وَإِلَّا فَلَا
وَيشْتَرط أَن يكون القطاع كلهم أجانب فِي حق أَصْحَاب الْأَمْوَال وَأَن يكون كلهم من أهل وجوب الْقطع حَتَّى إِذا كَانَ أحدهم ذَا رحم محرم أَو صَبيا أَو مَجْنُونا لَا يجب عَلَيْهِم الْقطع عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد خلافًا لأبي يُوسُف
وَإِذا كَانَ مَعَهم امْرَأَة فَفِيهِ رِوَايَتَانِ وَالأَصَح أَنه لَا يقطع
وَالْخَامِس أَن يظفر بهم الإِمَام قبل التَّوْبَة ورد الْأَمْوَال إِلَى أَرْبَابهَا
أما أحكامهم فَنَقُول إِن قطع الطَّرِيق على أَرْبَعَة أَنْوَاع إِن أخذُوا المَال لَا غير تقطع أَيْديهم وأرجلهم من خلاف إِذا كَانُوا صحيحي الْأَطْرَاف
وَإِن قتلوا وَلم يَأْخُذُوا المَال قتلوا
وَإِن أخذُوا المَال وَقتلُوا فالإمام بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ قطع وَقتل وَإِن شَاءَ قتل لَا غير ثمَّ هُوَ مُخَيّر بَين أَن يقْتله صلبا وَبَين أَن يقْتله بِلَا صلب
ثمَّ الْكَرْخِي يَقُول يصلب حَيا ثمَّ يقتل والطَّحَاوِي يَقُول يصلب مقتولا
وَإِن خوفوا بِقطع الطَّرِيق لَا غير يحبسون ويعزرون حَتَّى يتوبوا وَهُوَ تَفْسِير النَّفْي لقَوْله تَعَالَى ﴿أَو ينفوا من الأَرْض﴾
стр. 855
ثمَّ إِذا أقيم الحدان الْقطع وَالْقَتْل فَلَا شَيْء عَلَيْهِم من ضَمَان مَا هلك من الْأَمْوَال وَضَمان الْجِرَاحَات وَالْقَتْل لِأَن الْحَد مَعَ الضَّمَان لَا يَجْتَمِعَانِ
وَأما إِذا فَاتَ شَيْء من الشَّرَائِط حَتَّى لَا يُقَام الْحَد عَلَيْهِم فَإِنَّهُ يحكم القَاضِي بِمَا هُوَ حكم ذَلِك الْفِعْل بِدُونِ قطع الطَّرِيق حَتَّى إِذا أخذُوا المَال لَا غير يجب الرَّد أَو الضَّمَان فَإِن قتلوا لَا غير يجب الْقصاص لَا الْحَد حَتَّى إِذا قتلوا بِالسِّلَاحِ يقتلُوا وَلَا يقتلُوا إِذا قتلوا بِغَيْر السِّلَاح
وَلَا يقتل الردء والمعين
وَإِن خَرجُوا إِن أمكن اسْتِيفَاء الْقصاص يقْتَصّ مِنْهُم وَإِلَّا فَيجب الضَّمَان
وَأما الْبُغَاة فقوم لَهُم شَوْكَة ومنعة وخالفوا الْمُسلمين فِي بعض الْأَحْكَام بالتأويل كالخوارج وَغَيرهم وظهروا على بَلْدَة من الْبِلَاد وَكَانُوا فِي عَسْكَر وأجروا أحكامهم
فَإِذا قطعُوا الطَّرِيق على أهل الْعدْل من الْمُسَافِرين فَلَا يجب عَلَيْهِم الْحَد لأَنهم يدعونَ إِبَاحَة أَمْوَالهم عَن تَأْوِيل وَلَهُم مَنْعَة
وَلَو جَاءَ رجل من أهل الْبَغي تَائِبًا وأتى بسارق قد سرق مَاله من أهل الْبَغي لَا يقطعهُ الإِمَام الْعدْل
وَلَو كَانَ رجل مِنْهُم فِي دَار أهل الْعدْل فَسرق مَال أهل الْعدْل يقطع وَإِن استحله لِأَنَّهُ لَا مَنْعَة لَهُ وَالله تَعَالَى أعلم
стр. 856
كتاب الْهِبَة
يحْتَاج إِلَى بَيَان مَشْرُوعِيَّة عقد الْهِبَة
وَإِلَى بَيَان رُكْنه وَإِلَى بَيَان شَرَائِط صِحَّته وَإِلَى بَيَان حكمه
أما الأول فَنَقُول الْهِبَة عقد مَشْرُوع مَنْدُوب إِلَيْهِ بِالْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع
أما الْكتاب فَقَوله تَعَالَى ﴿فَإِن طبن لكم عَن شَيْء مِنْهُ نفسا فكلوه هَنِيئًا مريئا﴾
وَأما السّنة فَقَوله ﵇ تحَابوا وَقَالَ ﵇ الْعَائِد فِي هِبته كَالْكَلْبِ يعود فِي قيئه
وَعَلِيهِ الْإِجْمَاع
стр. 857
وَأما ركن الْهِبَة فَهُوَ الْإِيجَاب وَالْقَبُول فالإيجاب قَوْله وهبت هَذَا الشَّيْء مِنْك أَو جعلته لَك أَو هَذَا لَك أَو نحلته لَك أَو قَالَ جعلت هَذِه الدَّار لَك عمري أَو عمرك أَو حَياتِي أَو حياتك فَإِذا مت فَهُوَ رد عَليّ فَهَذَا كُله هبة وَهِي لَهُ حَيَاته وَمَوته وَالشّرط الَّذِي شَرطه بَاطِل على مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﵇ أَنه قَالَ امسكوا عَلَيْكُم أَمْوَالكُم لَا تعمروها فَإِن من أعمر شَيْئا كَانَ لمن أعْمرهُ
وَلَو قَالَ هَذِه الدَّار لَك رقبي أَو حبيسة وَدفعهَا إِلَيْهِ فَهِيَ عَارِية فِي يَده ويأخذها مِنْهُ مَتى شَاءَ وَقَالَ أَبُو يُوسُف إِذا قبضهَا فَهِيَ هبة وَقَوله رقبي وحبيسة بَاطِل
وَلَو قَالَ هَذِه الدَّار لَك سُكْنى أَو هَذِه الشَّاة أَو هَذِه الأَرْض لَك منحة فَهِيَ عَارِية فِي قَوْلهم جَمِيعًا لِأَن المنحة عبارَة عَن بذل الْمَنَافِع فَإِذا أضَاف إِلَى عين ينْتَفع بهَا مَعَ قِيَامهَا عمل بحقيقته فَأَما إِذا أضَاف إِلَى شَيْء لَا ينْتَفع بِهِ إِلَّا باستهلاكه كَمَا إِذا منحه طَعَاما أَو لَبَنًا أَو دَرَاهِم أَو دَنَانِير فَإِنَّهُ يكون هبة لِأَنَّهُ لَا مَنْفَعَة لَهُ مَعَ قيام عينه
وعَلى هَذَا قَالُوا إِن عَارِية الْأَعْيَان تمْلِيك الْمَنَافِع وعارية الْمكيل وَالْمَوْزُون قرض وَيكون تمْلِيك الْعين
وَكَذَا لَو قَالَ هَذِه الدَّار لَك سُكْنى عمري أَو عمري سُكْنى فَهِيَ عَارِية
وَكَذَا إِذا قَالَ هبة سُكْنى أَو سُكْنى هبة فَهِيَ عَارِية
стр. 858
وَإِن قَالَ هَذِه الدَّار لَك عمري تسكنها أَو صَدَقَة تسكنها فَهِيَ هبة وَصدقَة وَقَوله تسكنها أَو تؤاجرها أَو تعيرها يكون مشورة فَيكون شرطا فَاسِدا وَالْهِبَة لَا تبطل بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَة
كَذَا لَو قَالَ هِيَ لَك هبة تسكنها فَهِيَ هبة جَائِزَة لما ذكرنَا
وَلَو وهب الرجل أمة على أَن لَا يَبِيعهَا فالهبة جَائِزَة وَالشّرط بَاطِل عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد وَهُوَ قَول أبي يُوسُف أَيْضا
وَكَذَا لَو شَرط أَن يتخذها أم ولد أَو أَن يَبِيعهَا من فلَان أَو يردهَا عَلَيْهِ بعد شهر كَانَت الْهِبَة جَائِزَة وَالشّرط بَاطِل وَكَانَ يَنْبَغِي أَن لَا يكون الشَّرْط الْفَاسِد مُفْسِدا للْعقد وَإِنَّمَا جَاءَ الْفساد لأجل النَّهْي وَالنَّهْي ورد فِي البيع وَمَا ورد فِي غَيره فَبَقيَ غَيره على الأَصْل إِلَّا إِذا كَانَ فِي مَعْنَاهُ وَأَصله مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﵇ أَنه أجَاز الْعُمْرَى وأبطل شَرط المعمر
أما شَرَائِط الصِّحَّة فَمِنْهَا الْقَبْض حَتَّى لَا يثبت الْملك للْمَوْهُوب لَهُ قبل الْقَبْض وَهَذَا عندنَا
وَقَالَ مَالك الْقَبْض لَيْسَ بِشَرْط
وَأَصله مَا رُوِيَ عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم أَنهم قَالُوا لَا تجوز الْهِبَة إِلَّا مَقْبُوضَة محوزة
وَمِنْهَا أَن تكون الْهِبَة مقسومة إِذا كَانَ يحْتَمل الْقِسْمَة وَتجوز إِذا كَانَ مشَاعا لَا يحْتَمل الْقِسْمَة سَوَاء كَانَت الْهِبَة للشَّرِيك أَو غَيره
وَقَالَ الشَّافِعِي هبة الْمشَاع جَائِزَة
وَكَذَلِكَ الْخلاف فِي التَّصَدُّق بالمشاع
стр. 859
وَأَصله مَا روينَا عَن الصَّحَابَة أَنهم قَالُوا لَا تجوز الْهِبَة إِلَّا مَقْبُوضَة محوزة والحيازة يُرَاد بهَا الْقِسْمَة هَاهُنَا بِالْإِجْمَاع
وَمِنْهَا أَن تكون الْهِبَة متميزة عَن غير الْمَوْهُوب وَغير مُتَّصِلَة بِهِ وَلَا مَشْغُولَة بِغَيْر الْمَوْهُوب حَتَّى لَو وهب أَرضًا فِيهَا زرع للْوَاهِب دون الزَّرْع أَو نخلا فِيهَا ثَمَرَة للْوَاهِب معلقَة بِهِ دون الثَّمَرَة لَا يجوز وَكَذَلِكَ لَو وهب ثَمَرَة النّخل دون النّخل أَو الزَّرْع دون الأَرْض وَقبض النخيل وَالثَّمَرَة وَالْأَرْض وَالزَّرْع لَا يجوز
وَكَذَا لَو وهب دَارا فِيهَا مَتَاع للْوَاهِب أَو ظرفا فِيهِ مَتَاع للْوَاهِب دون الْمَتَاع أَو وهب دَابَّة عَلَيْهَا حمل للْوَاهِب دون الْحمل وَقَبضهَا فَإِنَّهُ لَا يجوز وَلَا يَزُول الْملك عَن الْوَاهِب إِلَى الْمَوْهُوب لَهُ لِأَن الْمَوْهُوب غير متميز عَمَّا لَيْسَ بموهوب فَيكون بِمَنْزِلَة هبة الْمشَاع
وَلَو قسم الْمشَاع وَسلم مَا وهب جَازَ
وَكَذَا فِي هَذِه الْفُصُول إِذا سلم الدَّار فارغة عَن الْمَتَاع
وَكَذَا إِذا حصد الزَّرْع وجز الثَّمر ثمَّ سلم النّخل وَالْأَرْض جَازَ لِأَن الْملك يثبت عِنْد الْقَبْض فَيعْتَبر حَالَة الْقَبْض وَتَكون الْهِبَة مَوْقُوفَة فِي حق ثُبُوت الْملك إِلَى وَقت الْإِفْرَاز وَفِي كَون الْهِبَة فِي الْحَال فَاسِدَة أَو لَا خلاف بَين الْمَشَايِخ وَلَكِن لَا خلاف أَنه إِذا وجد التَّسْلِيم بعد الْقِسْمَة والإفراز جَازَ
وَلَو وهب دَارا من رجلَيْنِ أَو كرا من طَعَام أَو ألف دِرْهَم أَو شَيْئا مِمَّا يقسم فَإِنَّهُ لَا يجوز عِنْد أبي جنيفة وَعِنْدَهُمَا جَائِز
وَالْحَاصِل أَن عِنْد أبي حنيفَة الشُّيُوع مَتى حصل عِنْد الْقَبْض فَإِنَّهُ يمْنَع صِحَة الْهِبَة وَإِن حصل الْقَبْض فِي غير مشَاع جَازَ فجوز هبة الِاثْنَيْنِ من الْوَاحِد وَلم يجوز هبة الْوَاحِد من الِاثْنَيْنِ
وَاعْتبر أَو يُوسُف
стр. 860
وَمُحَمّد فِي فَسَاد العقد حُصُول الشُّيُوع فِي الطَّرفَيْنِ جَمِيعًا فجوزا هبة الْوَاحِد من اثْنَيْنِ وَهبة الِاثْنَيْنِ من الْوَاحِد
وَلَو وهب عبدا من رجلَيْنِ أَو شَيْئا مِمَّا لَا يقسم جَازَ بِالْإِجْمَاع لِأَنَّهُ لَا عِبْرَة للشيوع فِيمَا لَا يحْتَمل الْقِسْمَة فِي بَاب الْهِبَة
وَلَو وهب رجل لِرجلَيْنِ وَقَالَ وهبت لَكمَا هَذِه الدَّار لهَذَا نصفهَا وَلِهَذَا نصفهَا فَهُوَ على الْخلاف الَّذِي ذَكرْنَاهُ
وَلَو قَالَ وهبت لَك نصفهَا وَلِهَذَا نصفهَا لم يجز بِالْإِجْمَاع لِأَن العقد وَقع فِي الْمشَاع فِي كل نصف
وَلَو قَالَ وهبت لَكمَا هَذَا الدَّار لهَذَا ثلثهَا وَلِهَذَا ثلثاها جَازَ عِنْد مُحَمَّد وَعند أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف لَا يجوز فهما مرا على أَصلهمَا وَأَبُو يُوسُف فرق عِنْد مُخَالفَة النَّصِيبَيْنِ كَمَا لَو رهن عينا وَاحِدَة من اثْنَيْنِ لأَحَدهمَا الثُّلُث وَللْآخر الثُّلُثَانِ فَكَذَلِك هَذَا
ثمَّ إِن عِنْد أبي حنيفَة إِذا قسم وَسلم إِلَى كل وَاحِد مِنْهُمَا حِصَّته مفرزة جَازَ لما قُلْنَا
وَلَو تصدق بِعشْرَة دَرَاهِم على مسكينين جَازَ وَلَو تصدق على غَنِيَّيْنِ لم يجز عِنْد أبي حنيفَة كَالْهِبَةِ من اثْنَيْنِ لِأَن الصَّدَقَة تقع من الْمُتَصَدّق لله تَعَالَى لَا للْفَقِير فَلَا يتَحَقَّق الشُّيُوع وَالصَّدَََقَة من الغنيين هبة فَلم تجز وَقيل على قَوْله تجوز الصَّدَقَة من الغنيين لِأَنَّهُ يحل لَهما صَدَقَة التَّطَوُّع
وَلَو وهب رجل لرجل مَا فِي بطن جَارِيَته أَو غنمه أَو مَا فِي ضروعها أَو وهب لَهُ سمنا فِي لبن أَو زبدا قبل أَن يمخض
أَو دهنا فِي سمسم قبل أَن يعصر أَو زيتا فِي زيتون أَو دَقِيقًا فِي حِنْطَة وسلطه على قَبضه عِنْد الْولادَة وَعند اسْتِخْرَاج ذَلِك فَإِنَّهُ لَا يجوز لِأَن بعض هَذِه
стр. 861
الْأَشْيَاء مَعْدُوم عِنْد العقد أَو معجوز التَّسْلِيم لِمَعْنى فِي الْمحل أَو مَجْهُول حَتَّى لَا يكون محلا للْبيع وَإِذا كَانَ هَكَذَا فَيكون فَاسِدا لَا مَوْقُوفا بِخِلَاف مَا ذكرنَا من هبة الْمشَاع والموهوب الْمُتَّصِل بِغَيْرِهِ حَيْثُ يجوز إِذا سلم بعد الْإِفْرَاز والفصل لِأَن الْمشَاع قَابل لحكمه لَكِن الْمَانِع هُوَ الْعَجز عَن التَّسْلِيم لِمَعْنى فِي غَيره فَإِذا زَالَ الْمَانِع فينقلب جَائِزا
وَلَو وهب جَارِيَة أَو حَيَوَانا وَاسْتثنى الْحمل جَازَت الْهِبَة فِي الْأُم وَالْحمل جَمِيعًا وَبَطل الِاسْتِثْنَاء
وَجُمْلَة هَذَا أَن الْعُقُود على ثَلَاثَة أضْرب أَحدهَا إِذا عقد على الْأُم دون الْحمل فسد العقد وَبَطل الِاسْتِثْنَاء وَهُوَ كَالْبيع وَالْإِجَازَة وَالرَّهْن لِأَن الْحمل تبع للْأُم فِي هَذِه الْعُقُود فَكَانَ مُوجبه ثُبُوت الحكم فِي الْكل فَإِذا اسْتثْنى الْحمل فقد نفى بعض مُوجب العقد ففسد العقد
وَالثَّانِي أَن يَصح فِيهِ العقد وَيبْطل الِاسْتِثْنَاء وَذَلِكَ مثل النِّكَاح وَالْخلْع وَالصُّلْح عَن دم الْعمد وَالْهِبَة لِأَن مُوجبه أَن يثبت الحكم فِي الْكل
وَقد نفى بعض الْمُوجب بِالِاسْتِثْنَاءِ فَيكون شرطا فَاسِدا وَالْهِبَة لَا تبطل بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَة
الثَّالِث يجوز العقد وَالِاسْتِثْنَاء وَهُوَ الْوَصِيَّة إِذا أوصى بِجَارِيَة إِلَّا حملهَا صحت الْوَصِيَّة فِي الْجَارِيَة وَبَقِي الْحمل للْوَرَثَة لِأَن الْحمل أصل فِي حق هَذَا التَّصَرُّف حَتَّى تجوز الْوَصِيَّة بِالْحملِ فَجَاز الِاسْتِثْنَاء
وَلَو أعتق مَا فِي بطن جَارِيَته ثمَّ وَهبهَا جَازَت الْهِبَة فِي الْأُم
وَلَو دبر مَا فِي بطن جَارِيَته ثمَّ وَهبهَا لم يجز فَمن أَصْحَابنَا من
стр. 862
قَالَ فِي الْمَسْأَلَة رِوَايَتَانِ وَمِنْهُم من فرق بَين التَّدْبِير وَالْإِعْتَاق
وَلَو وهب عبدا أَو ثوبا أَو عينا من الْأَعْيَان مفرزا مقسوما وَلم يَأْذَن لَهُ فِي قَبضه فَقَبضهُ الْمَوْهُوب لَهُ فَإِن كَانَ بِحَضْرَة الْوَاهِب يجوز اسْتِحْسَانًا وَالْقِيَاس أَن لَا يجوز ذكرنَا فِي الزِّيَادَات
وَإِذا قَامَ من الْمجْلس ثمَّ قبض لَا يَصح لِأَن الْقَبْض فِي الْهِبَة بِمَنْزِلَة الْقبُول فِي حق إِثْبَات الحكم وَذَلِكَ يَصح فِي الْمجْلس لَا بعده كَذَلِك هَذَا
وَلَو وهب دينا لَهُ على رجل لرجل وَأذن لَهُ بِقَبْضِهِ مِمَّن عَلَيْهِ جَازَت الْهِبَة إِذا قبض ذَلِك اسْتِحْسَانًا وَالْقِيَاس أَن لَا يجوز وَهُوَ قَول زفر وَلَو لم يَأْذَن لَهُ فِي قبض الدّين لم تجز الْهِبَة وَإِن قَبضه الْمَوْهُوب لَهُ بِحَضْرَة الْوَاهِب
وَلَو وهب الْعَارِية أَو الْوَدِيعَة وكل أَمَانَة فِي يَد إِنْسَان من صَاحب الْيَد فَإِنَّهُ يجوز وَيثبت الْملك للْمَوْهُوب لَهُ وينوب قبض الْأَمَانَة عَن قبض الْهِبَة وَهَذَا اسْتِحْسَان وَالْقِيَاس أَن لَا يكون قَابِضا حَتَّى يتَمَكَّن من قَبضه بالخلية وَوجه الِاسْتِحْسَان أَن الْهِبَة تبرع وَقبض الْأَمَانَة يَنُوب عَنهُ بِخِلَاف مَا إِذا بَاعَ من الْمُودع لِأَن البيع عقد ضَمَان وَقبض الْأَمَانَة لَا يَنُوب عَن قبض الضَّمَان
وَلَو كَانَت الْعين مَضْمُونَة فِي يَد إِنْسَان بِالْمثلِ أَو بِالْقيمَةِ كَمَا فِي الْغَصْب والمقبوض على سوم الشِّرَاء فَوَهَبَهَا من صَاحب الْيَد تصح الْهِبَة وَيبرأ عَن الضَّمَان فَيكون قبضا غير مَضْمُون
وَلَو كَانَت مَضْمُونَة بغَيْرهَا كَالرَّهْنِ وَالْمَبِيع فَوَهَبَهَا الْمَالِك لمن هِيَ فِي يَده فَإِنَّهُ لَا يكون قَابِضا بذلك مَا لم يقبضهَا قبضا مستأنفا بعد عقد الْهِبَة لِأَنَّهَا إِذا كَانَت مَضْمُونَة بغَيْرهَا لم تصح الْبَرَاءَة عَنْهَا بِالْهبةِ فَلَا يصير قبض أَمَانَة وَلَا بُد من تجانس القبضين حَتَّى يتساويا
стр. 863
ثمَّ إِذا صحت الْهِبَة عِنْد وجود شرائطها واحتجنا إِلَى بَيَان الحكم فَنَقُول حكم الْهِبَة ثُبُوت الْملك للْمَوْهُوب لَهُ غير لَازم حَتَّى يَصح الرُّجُوع وَالْفَسْخ عندنَا
وَعند الشَّافِعِي يَقع الْملك لَازِما إِلَّا فِي هبة الْوَلَد لوَلَده
لَكِن يكره الرُّجُوع فِي الْهِبَة لِأَن من بَاب الدناءة
وللموهوب لَهُ أَن يمْتَنع عَن الرَّد
وَلَا يَصح الرُّجُوع إِلَّا بتراض أَو بِقَضَاء القَاضِي لِأَنَّهُ فسخ بعد تَمام العقد فَصَارَ كالفسخ بِسَبَب الْعَيْب بعد الْقَبْض
وَإِنَّمَا يمْتَنع الرُّجُوع بِأَسْبَاب مِنْهَا الْعِوَض للْحَدِيث الْوَاهِب أَحَق بهبته مَا لم يثبت مِنْهَا أَي يعوض
وَلَكِن الْعِوَض نَوْعَانِ عوض مَشْرُوط فِي العقد وَعوض مُتَأَخّر عَن العقد
أما الْمَشْرُوط فِي العقد بِأَن قَالَ وهبت لَك هَذَا العَبْد على أَن تعوضني هَذَا الثَّوْب فَحكمه أَن لكل وَاحِد أَن يرجع فِي السلعتين جَمِيعًا مَا لم يتقابضا
وَإِن قبض أَحدهمَا دون الآخر كَانَ للقابض وَغير الْقَابِض الرُّجُوع
فَإِذا تقابضا جَمِيعًا انْقَطع الرُّجُوع وَصَارَ بِمَنْزِلَة البيع وَإِن كَانَ عقده عقد هبة حَتَّى يرد كل وَاحِد مِنْهُمَا بِالْعَيْبِ وَيرجع فِي الِاسْتِحْقَاق وَتثبت الشُّفْعَة وَهَذَا عندنَا وَعند زفر عقده عقد بيع حَتَّى يشْتَرط الْقَبْض عندنَا لثُبُوت الْملك فِي هَذِه الْهِبَة وَلَا يَصح فِي الشُّيُوع وَعِنْده بِخِلَافِهِ
стр. 864
فَأَما الْعِوَض الْمُتَأَخر عَن العقد فَهُوَ لإِسْقَاط الرُّجُوع فَلَا يصير فِي معنى الْمُعَاوضَة لَا ابْتِدَاء وَلَا انْتِهَاء وَإِنَّمَا يكون المَال الثَّانِي عوضا عَن الأول بِالْإِضَافَة إِلَيْهِ نصا بِأَن أعْطى للْوَاهِب شَيْئا وَقَالَ هَذَا عوض عَن هِبتك أَو قد نحلتك هَذَا عَن هِبتك أَو كافأتك أَو جازيتك أَو أثبتك أَو قَالَ هَذَا بدل هِبتك أَو مَكَان هِبتك أَو قد تَصَدَّقت بِهَذَا عَلَيْك بَدَلا من هِبتك فَإِن هَذَا عوض فِي هَذِه الْوُجُوه إِذا وجد قبض الْعِوَض وَيكون الْعِوَض هبة تصح بِمَا تصح بِهِ الْهِبَة وَتبطل بِمَا تبطل بِهِ الْهِبَة
فَأَما إِذا لم يضف الْعِوَض إِلَى الْهِبَة الأولى فَإِنَّهَا تكون هبة مُبتَدأَة وَيثبت حق الرُّجُوع فِي الهبتين جَمِيعًا
وَمِنْهَا الْعِوَض من حَيْثُ الْمَعْنى وَهُوَ لَيْسَ بعوض مَالِي كالثواب فِي الصَّدَقَة فَإِنَّهُ يكون عوضا مَانِعا من الرُّجُوع وكصلة الرَّحِم الْمحرم وصلَة الزَّوْجِيَّة حَتَّى لَا يَصح الرُّجُوع فِي هبة ذَوي الْأَرْحَام الْمَحَارِم وَهبة الزَّوْجَيْنِ لِأَنَّهُ قد حصل الْعِوَض معنى
وَمِنْهَا إِذا زَادَت فِي الْهِبَة زِيَادَة مُتَّصِلَة بِفعل الْمَوْهُوب لَهُ أَو بِفعل غَيره بِأَن كَانَت جَارِيَة مَهْزُولَة فَسَمنت أَو كَانَت دَارا فَبنى الْمَوْهُوب لَهُ فِيهَا بِنَاء أَو كَانَت أَرضًا فغرس فِيهَا أشجارا أَو نصب فِيهَا دولابا وَهُوَ مُثبت فِي الأَرْض مَبْنِيّ فِيهَا أَو كَانَ ثوبا فصبغه بعصفر أَو قطعه قَمِيصًا وخاطه لِأَن الْمَوْهُوب اخْتَلَط بِغَيْرِهِ وَالرُّجُوع لَا يُمكن فِي غير الْمَوْهُوب فَامْتنعَ أصلا
أما الزِّيَادَة الْمُنْفَصِلَة كالأرش وَالْولد والعقر فَلَا تمنع الرُّجُوع لِأَنَّهُ يُمكن الْفَسْخ فِي الْأُم وَالْأَصْل دونهَا بِخِلَاف زَوَائِد الْمَبِيع لِأَن ثمَّ يُؤَدِّي إِلَى الرِّبَا لِأَنَّهَا عقد معوضة بِخِلَاف الْهِبَة
стр. 865
وَأما نُقْصَان الْمَوْهُوب فَلَا يمْنَع الرُّجُوع لِأَنَّهُ فَاتَ بعضه وَلَو كَانَ الْكل قَائِما فَرجع فِي الْبَعْض دون الْبَعْض جَازَ فَكَذَا هَذَا
وَمِنْهَا خُرُوج الْمَوْهُوب عَن ملك الْمَوْهُوب لَهُ بِأَن بَاعَ أَو وهب لِأَن اخْتِلَاف الْملكَيْنِ كاختلاف الْعَينَيْنِ
وَكَذَا إِذا مَاتَ الْمَوْهُوب لَهُ لِأَن الْملك ينْتَقل إِلَى ورثته
وَكَذَا إِذا مَاتَ الْوَاهِب لِأَنَّهُ ينْتَقل إِلَى ورثته
وَكَذَا لَو هلك الْمَوْهُوب لِأَنَّهُ زَالَ الْملك فَلَا يحْتَمل الْفَسْخ
ثمَّ الرُّجُوع فِي الْهِبَة بِغَيْر الْقَضَاء فسخ عندنَا حَتَّى يجوز فِي الْمشَاع وَلَا يشْتَرط الْقَبْض خلافًا لزفَر وَالْمَسْأَلَة مَعْرُوفَة
وَلَو وهب رجل لِابْنِهِ الصَّغِير شَيْئا صحت الْهِبَة لِأَن قبض الْأَب كقبضه وَكَذَا قبض جده بعده وَقبض وَصِيّ الْأَب وَالْجد بعدهمَا حَتَّى لَو وهب هَؤُلَاءِ من الصَّغِير وَالْمَال فِي أَيْديهم صحت الْهِبَة ويصيرون قابضين للصَّغِير وعَلى هَذَا قَالُوا إِذا بَاعَ الْأَب مَاله من ابْنه الصَّغِير ثمَّ هلك الْمَبِيع عقيب البيع كَانَ الْهَلَاك على الصَّغِير لِأَنَّهُ صَار قَابِضا بِقَبض الْأَب
وَكَذَلِكَ لَو وهب أَجْنَبِي للصَّغِير شَيْئا فَقبض ذَلِك أحد هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة لِأَن لَهُم ولَايَة التَّصَرُّف فِي مَاله
وَمن غَابَ مِنْهُم غيبَة مُنْقَطِعَة فالولاية تنْتَقل إِلَى الْأَبْعَد كَمَا فِي ولَايَة النِّكَاح
وَلَا يجوز قبض غير هَؤُلَاءِ عَنهُ أَجْنَبِيّا كَانَ أَو ذَا رحم مِنْهُ لِأَنَّهُ لَا ولَايَة لَهُم عَلَيْهِ إِلَّا إِذا كَانَ الصَّغِير فِي حجره وَعِيَاله فَيكون قَبضه للهبة بِمَنْزِلَة إِيصَال النَّفْع إِلَيْهِ وَيكون من بَاب الْحِفْظ
стр. 866
وَلَو قبض الصَّغِير الْعَاقِل مَا وهب لَهُ وَاحِد من هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة جَازَ قَبضه اسْتِحْسَانًا وَالْقِيَاس أَن لَا يجوز لِأَن هَذَا من بَاب النَّفْع وَقبض هَؤُلَاءِ عَلَيْهِ أَيْضا وَإِن كَانَ عَاقِلا لِأَن النّظر الْكَامِل فِي هَذَا أَن يملك كل وَاحِد مِنْهُمَا ذَلِك
وَلَو وهب الْأَب مَال الصَّغِير لَا يجوز لِأَنَّهُ تبرع وَلَو وهب بِشَرْط الْعِوَض وَقبل الآخر الْعِوَض لم يجز ذَلِك فِي قَول أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف وَقَالَ مُحَمَّد يجوز ف أَبُو حنيفَة اعْتبر نفس الْهِبَة وَهِي من بَاب التَّبَرُّع وَلَا يملك الْأَب ذَلِك وَمُحَمّد يَقُول هَذَا بِمَعْنى البيع
وعَلى هَذَا الْخلاف الْمَأْذُون وَالْمكَاتب إِذا وهبا بِشَرْط الْعِوَض لم يجز عِنْدهمَا خلافًا لَهُ
وَلَو وهب رجل لعبد رجل فَإِن الْقبُول وَالْقَبْض إِلَى العَبْد دون مَوْلَاهُ وَيكون الْملك لمولى بِحكم أَنه كسب عَبده لِأَن الْغَرَض هُوَ وَجه العَبْد فَيكون هبة لَهُ وَلَا يجوز قبض الْمولى وقبوله عَنهُ سَوَاء كَانَ على العَبْد دين أَو لم يكن لِأَنَّهُ هبة للْعَبد
وَكَذَلِكَ الْجَواب فِي الْمكَاتب أَن قبُول الْهِبَة وَقَبضهَا إِلَيْهِ دون مَوْلَاهُ لِأَنَّهُ أَحَق بِكَسْبِهِ
وَيكون للْوَاهِب الرُّجُوع إِذا كَانَ العَبْد أَجْنَبِيّا فِي حَقه وَإِن كَانَ انْتقل الْملك إِلَى مَوْلَاهُ لِأَن ملك العَبْد غير مُسْتَقر فِيهِ فَكَأَن الْملك وَقع للْمولى ابْتِدَاء
وَكَذَلِكَ فِي الْمكَاتب إِن عتق فَظَاهر لِأَنَّهُ اسْتَقر ملكه وَإِن عجز وَصَارَ كَسبه للْمولى فَلهُ حق الرُّجُوع فِي قَول أبي يُوسُف وَلم يجز الرُّجُوع فِي قَول مُحَمَّد بِنَاء على أَن عِنْد أبي يُوسُف كَأَن الْملك وَقع للْمولى من الِابْتِدَاء وَعند مُحَمَّد كَأَنَّهُ ثَبت من وَقت الْعَجز
стр. 867
وَلَو وهب الرجل لعبد رجل هبة والواهب ذُو رحم محرم من العَبْد دون الْمولى فَإِنَّهُ يرجع بالِاتِّفَاقِ
وَأما إِذا كَانَ الْمولى ذَا رحم محرم من الْوَاهِب دون العَبْد فَعِنْدَ أبي حنيفَة يرجع أَيْضا وَعِنْدَهُمَا لَا يرجع وَهَذَا بِنَاء على أَن الْملك فِي الْهِبَة يَقع للْمولى فَيكون هبة من الْمولى عِنْدهمَا وَإِن كَانَ ذَا رحم محرم لَا يرجع وَإِن كَانَ أَجْنَبِيّا يرجع وَلَا عِبْرَة لجَانب العَبْد وَعند أبي حنيفَة هَذَا هبة للْمولى من وَجه وَلِلْعَبْدِ من وَجه فَلَا تكون صلَة كَامِلَة فِي حق كل وَاحِد على الِانْفِرَاد والصلة الْكَامِلَة مَانِعَة للرُّجُوع فَلَا تتعدى إِلَى الصِّلَة من وَجه
فَأَما إِذا كَانَا جَمِيعًا ذَوي رحم محرم من الْوَاهِب ذكر أَبُو الْحسن الْكَرْخِي عَن مُحَمَّد أَن قِيَاس قَول أبي حنيفَة أَن يرجع لِأَنَّهُ لم يكن لكل وَاحِد مِنْهُمَا صلَة كَامِلَة
وَقَالَ أَبُو جَعْفَر الهندواني لَيْسَ لَهُ أَن يرجع فِي قَوْلهم جَمِيعًا لِأَن الْهِبَة لأيهما كَانَت تمنع الرُّجُوع
وعَلى هَذَا التَّفْرِيع لَو وهب للْمكَاتب وَهُوَ ذُو رحم محرم من الْوَاهِب أَو مَوْلَاهُ ذُو رحم محرم من الْوَاهِب فَإِن أدّى الْمكَاتب اعْتبر حَاله لِأَنَّهُ اسْتَقر ملكه بِالْعِتْقِ
فَإِن عجز فَفِي قِيَاس قَول أبي حنيفَة يعْتَبر حَال الْمولى كَأَن الْهِبَة وَقعت لَهُ من الِابْتِدَاء
وَعند مُحَمَّد لَا يرجع لِأَن الْكسْب كَانَ للْمكَاتب وَعند الْعَجز ينْتَقل إِلَى الْمولى
وَلَو وهب الرجل أَوْلَاده فَسلم إِلَى الْكِبَار حصتهم وَقبض هُوَ حِصَّة الصغار جَازَ لما قُلْنَا
وَلَكِن يَنْبَغِي أَن يُسَوِّي بَين أَوْلَاده فِي الْهِبَة فِي قَول أبي يُوسُف وَفِي قَول مُحَمَّد يجْزِيه إِن أَعْطَاهُم على قدر مواريثهم وَالله أعلم بِالصَّوَابِ
стр. 868
كتاب الْوَدِيعَة
اعْلَم أَن عقد الْوَدِيعَة مَشْرُوع ومندوب إِلَيْهِ لِأَن فِيهِ إِعَانَة لصَاحِبهَا لحفظ مَاله وَالله تَعَالَى يَقُول ﴿وتعاونوا على الْبر وَالتَّقوى﴾
ثمَّ عقد الْوَدِيعَة استحفاظ من الْمُودع وائتمان لَهُ فَتكون الْوَدِيعَة أَمَانَة فِي يَد الْمُودع لوُجُود الائتمان من الْمُودع يلْزمه حفظهَا إِذا قبل الْوَدِيعَة لِأَنَّهُ الْتزم الْحِفْظ فَيجب عَلَيْهِ أَن يحفظ على الْوَجْه الَّذِي يحفظ مَاله بحرزه وَبِيَدِهِ وبيد من كَانَ مَاله فِي يَده نعني بحرزه الَّذِي هُوَ ملكه أَو يستأجره أَو يستعيره وَلَيْسَ الشَّرْط أَن يحفظه فِي الْحِرْز الَّذِي يحفظ فِيهِ مَاله ونعني بيد من كَانَ مَاله فِي يَده كل من كَانَ فِي عِيَاله حَتَّى المتسأجر الَّذِي اسْتَأْجرهُ مشاهرة بِنَفَقَتِهِ وَكسوته دون الَّذِي اسْتَأْجرهُ بِالدَّرَاهِمِ أَو الْمُسْتَأْجر مياومة وَيدخل فِيهِ العَبْد الْمَأْذُون الَّذِي فِي يَده مَاله وَشريك الْمُفَاوضَة والعنان وَإِن لم يَكُونُوا فِي عِيَاله
ثمَّ إِذا أخرجه من يَده وَدفعه إِلَى غَيره وَدِيعَة يصير ضَامِنا لِأَنَّهُ رَضِي بحفظه دون حفظ غَيره من غير ضَرُورَة حَتَّى إِذا وَقع الْحَرِيق وَنَحْوه فِي دَاره فأودع غَيره لَا يضمن
وَأما مُودع الْمُودع هَل يضمن لَو هَلَكت الْوَدِيعَة فَعِنْدَ أبي حنيفَة
стр. 869
لَا يضمن وَعند أبي يُوسُف وَمُحَمّد يضمن وَالْمَالِك بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ ضمن الْمُودع الأول وَإِن شَاءَ ضمن الثَّانِي فَإِن ضمن الأول لَا يرجع على الثَّانِي وَإِن ضمن الثَّانِي يرجع على الأول
وَلَو اسْتهْلك الثَّانِي الْوَدِيعَة فَلصَاحِب الْوَدِيعَة الْخِيَار فِي تضمينها فَإِن ضمن الأول يرجع الأول على الثَّانِي لِأَنَّهُ يصير ملكا لَهُ بِالضَّمَانِ فَكَأَنَّهُ أودع مَاله عِنْده وَإِن ضمن الثَّانِي لَا يرجع على الأول وَالْمَسْأَلَة مَعْرُوفَة
فَإِن اسْتردَّ الْمُودع الأول من الثَّانِي وَحفظه بِنَفسِهِ يبرأ عَن الضَّمَان عندنَا خلافًا للشَّافِعِيّ
وعَلى هَذَا إِذا اسْتعْمل الْوَدِيعَة بِأَن ركب الدَّابَّة وَلبس الثَّوْب ثمَّ نزل وَنزع يعود أَمينا عندنَا خلافًا للشَّافِعِيّ وَالْمَسْأَلَة مَعْرُوفَة
وَفِي الْمُسْتَأْجر وَالْمُسْتَعِير إِذا خالفا ثمَّ تركا الْخلاف بَقِي الضَّمَان وَعند بَعضهم هَذَا بِمَنْزِلَة الْمُودع
وَلَو سَافر بالوديعة لَا يضمن عِنْد أبي حنيفَة وَلَو أودع إنْسَانا ضمن وَعِنْدَهُمَا يضمن وَالْمَسْأَلَة مَعْرُوفَة
وَلَو رد الْوَدِيعَة إِلَى بَيت الْمُودع من غير حَضْرَة الْمُودع يضمن
وَكَذَا إِذا رد إِلَى يَد من فِي عِيَال الْمَالِك لِأَنَّهُ لم يرض بيدهم حَيْثُ أودع وَفِي الْإِجَارَة وَالْعَارِية لَا يضمن لعادة النَّاس حَتَّى إِن الْعَارِية إِذا كَانَت شَيْئا نفيسا قَالُوا يضمن وَقيل أَيْضا فِي الثِّيَاب كَذَلِك وَإِنَّمَا الْعَادة فِي بعض آلَات الْبَيْت
وَلَو بعث الْوَدِيعَة مَعَ من كَانَ فِي عِيَاله لَا يضمن
стр. 870
وَلَو قَالَ لَهُ احفظ فِي هَذِه الدَّار وَلَا تحفظ فِي هَذَا الْبَيْت وَإنَّهُ مثل غَيره فِي الْحِرْز فَلَو حفظ فِي غَيره لَا يضمن بِخِلَاف الدَّاريْنِ
وَلَو قَالَ احفظ فِي هَذَا الْمصر وَلَا يخرج يجب عَلَيْهِ الْحِفْظ فِي ذَلِك الْمصر إِلَّا إِذا كَانَ ثمَّة عذر ظَاهر بِأَن قصد السُّلْطَان أَخذه فَأخْرجهُ مَعَ نَفسه
وَلَو قَالَ الْمُودع هَلَكت الْوَدِيعَة عِنْدِي أَو رَددتهَا إِلَيْك وَأنكر الْمُودع وَقَالَ لَا بل أتلفتها فَالْقَوْل قَول الْمُودع لِأَنَّهُ أَمِين فِي ذَلِك وَلَكِن مَعَ الْيَمين لِأَنَّهُ لَو أقرّ بذلك يلْزمه فَإِن أَقَامَ الْمُودع الْبَيِّنَة على الْإِتْلَاف يضمن الْمُودع وَكَذَا إِذا حلف الْمُودع على الْإِتْلَاف فنكل
فَلَو أَقَامَ الْمُودع الْبَيِّنَة على أَنه أتلفهَا الْمُودع وَأقَام الْمُودع الْبَيِّنَة على أَنَّهَا هَلَكت فَبَيِّنَة الْمُودع أولى لِأَنَّهَا أَكثر إِثْبَاتًا
وَلَو أَقَامَ على إِقْرَار الْمُودع أَنَّهَا هَلَكت يقبل وَيكون إكذابا لبينته
وَلَو طلب الْمُودع يَمِين الْمُودع بِاللَّه مَا يعلم أَنَّهَا هَلَكت فَالْقَاضِي يحلفهُ فَإِن حلف يقْضِي بِالضَّمَانِ وَإِن نكل يقْضِي بِالْبَرَاءَةِ
وعَلى هَذَا إِذا جحد الْوَدِيعَة فَالْقَوْل قَوْله
وَلَو أَقَامَ الْمُودع الْبَيِّنَة على الْوَدِيعَة يضمن الْمُودع فَإِن أقرّ بالوديعة وَأقَام الْمُودع الْبَيِّنَة على أَنَّهَا هَلَكت قبل جحوده الْوَدِيعَة لَا يقبل لِأَنَّهُ بالجحود أكذب بَينته وَإِن أَقَامَ على إِقْرَار الْمُودع بذلك يقبل
وَلَو طلب من القَاضِي أَن يحلف الْمُودع بِاللَّه مَا يعلم أَن الْوَدِيعَة هَلَكت قبل جحوده إِيَّاهَا يحلفهُ فَإِن حلف يقْضِي بِالضَّمَانِ وَإِن نكل يقْضِي بِالْبَرَاءَةِ
وَلَو أودع رجلَانِ عِنْد رجل وَدِيعَة وغابا ثمَّ حضر أَحدهمَا فَلَيْسَ لَهُ أَن يدْفع إِلَيْهِ حِصَّته
مَا لم يجتمعا وَإِن طلب مِنْهُ عِنْد أبي
стр. 871
حنيفَة وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد لَهُ أَن يقسم وَيدْفَع إِلَيْهِ حِصَّته وَلَا تصح الْقِسْمَة فِي حق الْغَائِب حَتَّى لَو هلك النّصْف الْبَاقِي فِي يَده يكون للْغَائِب فِي أَن يَأْخُذ الْمُودع نصفه الآخر
وَلَو أودع رجل عِنْد رجلَيْنِ وَدِيعَة مِمَّا يقسم فَلَهُمَا أَن يقسماه وَيَأْخُذ كل وَاحِد نصفه للْحِفْظ لِأَنَّهُ رَضِي بحفظهما وَأمكن من هَذَا الْوَجْه
وَلَو دفع أَحدهمَا إِلَى صَاحبه ضمن النّصْف عِنْد أبي حنيفَة لِأَنَّهُ رَضِي بحفظهما لَا بِحِفْظ أَحدهمَا وَعِنْدَهُمَا لَا يضمن
وَأَجْمعُوا أَنَّهَا إِذا كَانَت لَا تقسم لَا يضمن لِأَنَّهُ لَا يُمكن حفظهما فِي مَكَان وَاحِد فَكَانَ رَاضِيا بِحِفْظ أَحدهمَا
وعَلى هَذَا الْخلاف فِي المرتهنين والوكيلين بِالْقَبْضِ
وَلَو خلط الودية بِمَال نَفسه إِن كَانَ يُمكن التَّمْيِيز لَا شَيْء عَلَيْهِ ويميز وَإِن كَانَ لَا يُمكن التَّمْيِيز يضمن الْحَافِظ عِنْد أبي حنيفَة مثله لصَاحبه
وَكَذَلِكَ إِذا كَانَت وديعتان فخلط إِحْدَاهمَا بِالْأُخْرَى يضمن مثل ذَلِك لصاحبهما وَإِذا أدّى الضَّمَان حل لَهُ ذَلِك وَعِنْدَهُمَا فِي الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير إِن شَاءَ الْمَالِك ضمنه مثله وَإِن شَاءَ أَخذ نصف الْمَخْلُوط
وَكَذَا فِي الوديعتين وَفِي سَائِر المكيلات والموزونات إِن شَاءَ ضمنه كل وَاحِد مثل حَقه وَإِن شَاءَ باعا الْمَخْلُوط وقبضا الثّمن وَيَأْخُذ صَاحب الْحِنْطَة ثمن الْحِنْطَة غير مخلوط بِالشَّعِيرِ وَيَأْخُذ صَاحب الشّعير ثمن الشّعير غير مخلوط بِالْحِنْطَةِ
وَلَو مَاتَ الْمُودع وَلم يبين الْوَدِيعَة فَإِن كَانَت مَعْرُوفَة وَهِي
стр. 872
قَائِمَة ترد إِلَى صَاحبهَا
وَإِن لم تعرف يضمن وَيكون صَاحبهَا شَرِيكا للْغُرَمَاء وَالله تَعَالَى أعلم
стр. 873
كتاب الْعَارِية
أعلم أَن إِطْلَاق اسْم الْعَارِية فِي الْعرف بطريقتين بطرِيق الْحَقِيقَة وبطريق الْمجَاز
أما بطرِيق الْحَقِيقَة فَهُوَ إِعَارَة الْأَعْيَان الَّتِي ينْتَفع بهَا مَعَ قِيَامهَا كالدور وَالْعَبِيد وَالدَّوَاب وَنَحْوهَا وَهُوَ تمْلِيك مَنَافِع الْأَعْيَان عِنْد عَامَّة الْمَشَايِخ
وَقَالَ الْكَرْخِي إِنَّه عقد إِبَاحَة فَإِنَّهُ لَيْسَ للْمُسْتَعِير أَن يُؤَاجر وَلَو كَانَ تَمْلِيكًا لملك الْإِجَارَة كالمستأجر يملك أَن يُؤَاجر
لَكِن هَذَا لَيْسَ بِصَحِيح فَإِنَّهُ يملك أَن يعير وَلَو كَانَ إِبَاحَة لَكَانَ لَا يملك كالمباح لَهُ الطَّعَام لَا يملك الدّفع إِلَى غَيره إِلَّا أَنه لَا يملك الْإِجَارَة لِأَنَّهُ عقد لَازم وَالْعَارِية تبرع فَكيف يملك بِهِ مَا هُوَ لَازم فَيُؤَدِّي إِلَى تَغْيِير الْمَشْرُوع ثمَّ الْعَارِية أَمَانَة عندنَا وَعند الشَّافِعِي مَضْمُونَة وَهِي مَسْأَلَة مَعْرُوفَة
وَلَو شَرط الضَّمَان فِي الْعَارِية هَل يَصح الْمَشَايِخ مُخْتَلفُونَ فِيهِ وَأما بطرِيق الْمجَاز فَهُوَ إِعَارَة الْمكيل وَالْمَوْزُون وكل مَا لَا يُمكن الِانْتِفَاع بِهِ إِلَّا
стр. 874
باستهلاكه فَهُوَ قرض حَقِيقَة وَلَكِن يُسمى عَارِية مجَازًا لِأَنَّهُ لما رَضِي بِالِانْتِفَاعِ بِهِ باستهلاكه بِبَدَل كَانَ تَمْلِيكًا لَهُ بِبَدَل وَهُوَ تَفْسِير الْقَرْض وَلَا يلْزم الْأَجَل فِيهِ كَمَا فِي الْعَارِية
ثمَّ الْعَارِية قد تكون مُطلقَة وَقد تكون مُقَيّدَة فالمطلقة
أَن يستعير شَيْئا وَلم يبين أَنه يَسْتَعْمِلهُ بِنَفسِهِ أَو بِغَيْرِهِ وَلم يبين كَيْفيَّة الِاسْتِعْمَال
وَحكمهَا أَنه ينزل منزلَة الْمَالِك فَكل مَا ينْتَفع بِهِ الْمَالِك ينْتَفع بِهِ الْمُسْتَعِير من الرّكُوب وَالْحمل وَله أَن يركب غَيره وَلَكِن يحمل بِقدر الْمُعْتَاد لَا زِيَادَة عَلَيْهِ لِأَن الزِّيَادَة تكون إتلافا
فَأَما إِذا بَين أَنه يسْتَعْمل بِنَفسِهِ فَهَذَا على وَجْهَيْن إِن كَانَ مِمَّا يتَفَاوَت النَّاس فِي اسْتِعْمَاله كالركوب واللبس فَإِنَّهُ يخْتَص بِهِ وَلَا يجوز لَهُ أَن يركب غَيره وَأَن يلبس غَيره
وَإِن كَانَ شَيْئا لَا يتَفَاوَت كسكنى الدَّار فَلهُ أَن يعير غَيره
وَكَذَا إِذا سمي وقتا أَو مَكَانا فجاوز ذَلِك الْمَكَان أَو زَاد على الْوَقْت يضمن لِأَن التَّخْصِيص مُفِيد
فَأَما إِذا بَين مِقْدَار الْحمل وَالْجِنْس فَإِن حمله عَلَيْهِ أَو زَاد يضمن بِقدر الزِّيَادَة
وَلَو حمل عَلَيْهِ شَيْئا بِخِلَاف جنسه فَإِن كَانَ مثله فِي الخفة أَو أخف مِنْهُ لَا يضمن وَإِن كَانَ أثقل مِنْهُ يضمن إِلَّا إِذا كَانَ شَيْئا فِيهِ زِيَادَة ضَرَر بالدابة فَيضمن وَإِن كَانَ مثله فِي الْوَزْن والثقل بِأَن اسْتعَار دَابَّة ليحمل عَلَيْهَا مائَة من من الْقطن فَحمل عَلَيْهَا مائَة من من الْحَدِيد فَإِنَّهُ يضمن لِأَن ثقل الْحَدِيد يكون فِي مَوضِع وَاحِد وَثقل
стр. 875
الْقطن يتفرق على جَمِيع ظهرهَا وبدنها
وَإِن كَانَ أثقل مِنْهُ فَإِن كَانَ من الْجِنْس الْمَذْكُور يضمن بِقدر الزِّيَادَة وَإِن كَانَ من خلاف الْجِنْس يضمن كل الْقيمَة
وَلَيْسَ للْمُسْتَعِير أَن يُؤَاجر لما ذكرنَا فَإِن فعل فَهُوَ ضَامِن من حِين سلمه إِلَى الْمُسْتَأْجر وَيكون الْمُعير بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ ضمن الْمُسْتَعِير وَإِن شَاءَ ضمن الْمُسْتَأْجر لوُجُود التَّعَدِّي مِنْهُمَا فَإِن ضمن الْمُسْتَعِير لم يرجع على الْمُسْتَأْجر لِأَنَّهُ ملك الْعين بِالضَّمَانِ فَكَأَنَّهُ آجر ملك نَفسه فَهَلَك وَإِن ضمن الْمُسْتَأْجر فَإِن كَانَ لَا يعلم أَنه عَارِية يرجع على الْمُسْتَعِير لِأَنَّهُ ضمن الدَّرك بِإِيجَاب عقد فِيهِ بدل فَيكون غرور فَأَما إِذا كَانَ يعلم فَلَا يرجع لِأَنَّهُ لَا غرور فِيهِ وَالرُّجُوع بِحكم الْغرُور
وَلَو اسْتعَار أَرضًا على أَن يَبْنِي فِيهَا بِنَاء أَو يغْرس فِيهَا غرسا فإمَّا إِن كَانَ مُطلقًا أَو مؤقتا إِلَى عشر سِنِين وَنَحْوه
فَإِن كَانَ مُطلقًا فَبنى فِيهَا أَو غرس فَلصَاحِب الأَرْض أَن يستردها فِي أَي وَقت شَاءَ لِأَن الْعَارِية غير لَازِمَة وعَلى الْمُسْتَعِير أَن يَأْخُذ غرسه وبناءه لِأَنَّهُ شغل أَرض غَيره وَلم يرض صَاحبه بذلك وَلَيْسَ للْمُسْتَعِير أَن يضمن الْمُعير قيمَة غرسه وبنائه وَيتْرك ذَلِك عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لم يُوجد مِنْهُ الْغرُور لِأَن الْعَارِية تسترد على كل حَال
وعَلى قَول مَالك لَهُ أَن يرجع عَلَيْهِ
وَإِن كَانَ مؤقتا فَلهُ أَن يسْتَردّ أَيْضا لَكِن الْمُسْتَعِير بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ ضمن الْمُعير قيمَة غرسه وبنائه وَيتْرك ذَلِك عَلَيْهِ لِأَنَّهُ غره حَيْثُ وَقت وقتا طَويلا ثمَّ اسْتردَّ قبل مضيه وَإِن شَاءَ أَخذ غرسه وبناءه إِن لم يضر
стр. 876
الْقلع بِأَرْض الْمُعير فَأَما إِذا كَانَ يضر بِهِ فَالْخِيَار للْمُعِير إِن شَاءَ أَخذ الْغَرْس وَالْبناء بِالضَّمَانِ وَإِن شَاءَ رَضِي الله بِالْقطعِ فَأَما إِذا أعَار الأَرْض ليزرع فزرع ثمَّ أَرَادَ أَن يسْتَردّ وَالزَّرْع غير مدرك فَلَيْسَ لَهُ ذَلِك وَتبقى الأَرْض فِي يَده بطرِيق الْإِجَارَة إِلَى أَن يَأْخُذ الْغلَّة لِأَن هَذِه مُدَّة يسيرَة مَعْلُومَة فِيهِ وَفِيه نظر من الْجَانِبَيْنِ بِخِلَاف الْغَرْس وَالْبناء فَإِنَّهُ لَو انقلبت إِجَارَة يتَضَرَّر بِهِ الْمُعير لطول الْمدَّة
وَإِن اخْتلف الْمُعير وَالْمُسْتَعِير فِي عدد الْأَيَّام أَو فِي مِقْدَار الْحمل أَو فِي الْمَكَان فَالْقَوْل قَول الْمُعير لِأَن الْمُسْتَعِير قَابض لنَفسِهِ فَيكون سُقُوط الضَّمَان بِنَاء على الْإِذْن لَهُ
стр. 877
كتاب الدَّعْوَى والبينات
الدَّعْوَى نَوْعَانِ صَحِيحَة وفاسدة
أما الصَّحِيحَة فَأن يُوجد فِيهَا شَرَائِط الصِّحَّة بِأَن يدعى على خصم حَاضر وَأَن يكون الْمُدعى بِهِ شَيْئا مَعْلُوما معينا وَأَن يتَعَلَّق بِهِ حكم على الْمَطْلُوب مِنْهُ
والفاسدة أَن لَا يكون الْخصم حَاضرا وَأَن يكون الْمُدعى بِهِ مَجْهُولا لِأَنَّهُ لَا يُمكن للشُّهُود الشَّهَادَة وَلَا للْقَاضِي الْقَضَاء بِهِ وَأَن لَا تلْزم الْمَطْلُوب مِنْهُ ذَلِك بِأَن ادّعى أَنه وَكيل فلَان
وَالْقَاضِي لَا يسمع دَعْوَاهُ إِذا أنكر الآخر لِأَن يُمكنهُ عَزله للْحَال
ثمَّ إِنَّمَا يصير الْمُدعى بِهِ مَعْلُوما إِمَّا بِالْإِشَارَةِ إِلَيْهِ عِنْد القَاضِي بِأَن كَانَ مَنْقُولًا فِي الدَّعْوَى وبالشهادة وَإِن لم يكن مَنْقُولًا نَحْو الْعقار والرحى وَنَحْوهمَا مِمَّا يُمكن مَعْرفَته بالتحديد فإعلامه بذلك وَهُوَ فِي الْعقار
وَمَا لَا يُمكن مَعْرفَته بالتحديد كحجر الرَّحَى فينصب القَاضِي أَمينا حَتَّى يسمع الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَة عِنْد ذَلِك بِالْإِشَارَةِ
ثمَّ الْمُدَّعِي من يلْتَمس بِدَعْوَاهُ إِثْبَات ملك على غَيره فِي الْعين أَو فِي الدّين أَو يثبت حَقًا
وَالْمُدَّعى عَلَيْهِ من يدْفع ذَلِك عَن نَفسه وينفيه
стр. 878
وَقيل الْمُدعى من إِذا ترك الدَّعْوَى يتْرك وَالْمُدَّعِي عَلَيْهِ من إِذا ترك الدَّعْوَى لم يتْرك
وَذكر مُحَمَّد أَن الْمُدعى عَلَيْهِ وَهُوَ الْمُنكر
إِذا ثَبت هَذَا فَنَقُول إِذا جَاءَ الْمُدَّعِي إِلَى القَاضِي مَعَ خَصمه فَالْقَاضِي يسْأَله مَاذَا يَدعِي عَلَيْهِ فَإِذا ادّعى الْمُدَّعِي دَعْوَى صَحِيحَة على خصم حَاضر سَأَلَ الْمُدعى عَلَيْهِ عَن جَوَاب الْمُدَّعِي وَقَالَ أجب خصمك بِلَا أَو نعم وَمَا ذكرنَا اسْتِحْسَان وَالْقِيَاس مَا ذكر فِي الزِّيَادَات أَن الْمُدَّعِي إِذا جَاءَ إِلَى القَاضِي مَعَ خَصمه فَإِنَّهُ لَا يسْأَل الْمُدَّعِي مَاذَا يَدعِي حَتَّى يبْدَأ الْمُدَّعِي بِدَعْوَاهُ ثمَّ إِذا ادّعى دَعْوَى صَحِيحَة وسمعها لَا يسْأَل الْمُدعى عَلَيْهِ عَن جَوَاب مَا لم يسْأَل الْمُدَّعِي مِنْهُ أَن يسْأَل الْمُدعى عَلَيْهِ عَن جَوَابه لِأَنَّهُ إنْشَاء الْخُصُومَة
لَكِن الصَّحِيح هُوَ الِاسْتِحْسَان لِأَن الْخَصْمَيْنِ رُبمَا يعجزان عَن ذَلِك لمهابة مجْلِس القَاضِي
فَإِذا سَأَلَ الْمُدعى عَلَيْهِ عَن الْجَواب فَإِذا أقرّ بِهِ أمره بِتَسْلِيم الْمُدعى بِهِ إِلَى الْمُدَّعِي وَإِن أنكر سَأَلَ الْمُدَّعِي عَن الْبَيِّنَة عِنْد أبي حنيفَة وَعِنْدَهُمَا يحلف الْمُدعى عَلَيْهِ إِذا طلب الْمُدَّعِي مِنْهُ الْحلف لِأَن عِنْده إِذا قَالَ الْمُدَّعِي لي بَيِّنَة حَاضِرَة فِي الْمصر فَالْقَاضِي لَا يحلفهُ وَعِنْدَهُمَا يحلفهُ فَلذَلِك يسْأَل
فَإِذا قَالَ لَا بَيِّنَة لي أَو لَيْسَ لي بَيِّنَة حَاضِرَة فَإِنَّهُ يحلف الْمُدعى عَلَيْهِ إِذا طلب الْمُدَّعِي الْيَمين لِأَن الْيَمين حَقه فَلَا بُد من طلبه
فَإِذا حلفه فَإِن حلف تَنْقَطِع الْخُصُومَة إِلَى وَقت إِقَامَة الْبَيِّنَة وَإِن نكل يقْضِي عَلَيْهِ بِالنّكُولِ عندنَا فِي الْأَمْوَال وَعند الشَّافِعِي يرد الْيَمين إِلَى الْمُدَّعِي فَإِذا حلف يقْضِي لَهُ
وَفِي الْقصاص فِي
стр. 879
الطّرف يقْضِي بِالنّكُولِ أَيْضا عِنْد أبي حنيفَة وَعِنْدَهُمَا يقْضِي بِالدِّيَةِ وَأما فِي النَّفس فعندهما يقْضِي بِالدِّيَةِ أَيْضا
وَعِنْده لَا يقْضِي بِالْقصاصِ وَلَا بِالدِّيَةِ وَلَكِن يحبس حَتَّى يقر أَو يحلف وَكَذَا لَا يقْضِي بِالنّكُولِ فِي الْأَشْيَاء السَّبْعَة عِنْد أبي حنيفَة وَعِنْدَهُمَا يقْضِي وَأَجْمعُوا أَنه لَا يقْضِي بِالنّكُولِ فِي الْحُدُود
وعَلى هَذَا الِاسْتِحْلَاف عِنْده لَا يسْتَحْلف فِي الْأَشْيَاء السَّبْعَة وَهِي النِّكَاح وَالرّق وَالْوَلَاء وَالنّسب وَالرَّجْعَة والفيء فِي الْإِيلَاء وَالِاسْتِيلَاد لِأَن الِاسْتِحْلَاف لأجل النّكُول وَهُوَ بذل وَإِبَاحَة عِنْد أبي حنيفَة وَلَا يجْرِي ذَلِك فِي هَذِه الْأَشْيَاء
وَعِنْدَهُمَا هُوَ بِمَعْنى الْإِقْرَار الَّذِي فِيهِ شُبْهَة وَهَذِه الْأَشْيَاء مِمَّا يثبت بِدَلِيل فِيهِ شُبْهَة وَهَذَا مِمَّا يعرف فِي الخلافيات
ثمَّ الدَّعْوَى إِمَّا أَن تكون فِي ملك مُطلق أَو بِسَبَب مَعَ التَّارِيخ أَو بِدُونِ وَلَا يَخْلُو إِمَّا إِن كَانَت من الْخَارِج على ذِي الْيَد أَو من الخارجين على ذِي الْيَد أَو من صَاحِبي الْيَد أَحدهمَا على صَاحبه
أما إِذا كَانَ الدَّعْوَى فِي ملك مُطلق فَنَقُول إِن كَانَت من الْخَارِج على ذِي الْيَد بِلَا تَارِيخ فَبَيِّنَة الْخَارِج أولى عندنَا وَعند الشَّافِعِي بَيِّنَة الْيَد أولى وَهِي مَسْأَلَة مَعْرُوفَة
وعَلى هَذَا الْخلاف إِذا أرخا وتاريخهما سَوَاء لِأَنَّهُ لم يثبت سبق أَحدهمَا فَبَقيت دَعْوَى ملك مُطلق
فَأَما إِذا كَانَ تَارِيخ أَحدهمَا أسبق فَهُوَ أولى عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف وَهُوَ قَول مُحَمَّد أَولا ثمَّ رَجَعَ بعد رُجُوعه من الرقة وَقَالَ لَا تقبل بَيِّنَة ذِي الْيَد على وَقت وَلَا غَيره إِلَّا فِي التَّاج كَذَا ذكر ابْن سَمَّاعَة
وَذكر مُحَمَّد هَذِه الْمَسْأَلَة فِي كتاب الدَّعْوَى وَقَالَ عِنْد أبي
стр. 880
حنيفَة يقْضِي بهَا للْخَارِج ثمَّ رَجَعَ وَقَالَ يقْضِي بهَا لصَاحب الْيَد وَهُوَ قَول مُحَمَّد أَي قَوْله الأول لِأَن بَيِّنَة صَاحب الْيَد أَثْبَتَت أَنه أول المالكين
وَأما إِذا وَقت أَحدهمَا
وَلم يُوَقت الآخر فَعِنْدَ مُحَمَّد لَا عِبْرَة لتاريخ صَاحب الْيَد
فالخارج أولى
وَعند أبي يُوسُف بَيِّنَة صَاحب الْوَقْت أولى وَعَن أبي حنيفَة رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَة مَعَ مُحَمَّد وَفِي رِوَايَة مَعَ أبي يُوسُف
وَأما إِذا كَانَت الدَّعْوَى من الخارجين فِي ملك مُطلق بِلَا تَارِيخ أَو تاريخهما سَوَاء وَالشَّيْء فِي يَد الثَّالِث فَهُوَ بَينهمَا نِصْفَانِ عندنَا
وَللشَّافِعِيّ فِيهِ قَولَانِ فِي قَول تهاترت الْبَيِّنَتَانِ وَتبقى فِي يَد صَاحب الْيَد قَضَاء ترك وَفِي رِوَايَة يقرع بَينهمَا وَيَقْضِي للَّذي خرجت لَهُ الْقرعَة وَالْمَسْأَلَة مَعْرُوفَة
وَأما إِذا كَانَ تَارِيخ أَحدهمَا أسبق فَهُوَ أولى بالِاتِّفَاقِ لِأَن بَيِّنَة الخارجين مسموعة فيترجح أَحدهمَا بالتاريخ
وَأما إِذا وَقت أَحدهمَا دون الآخر فهما سَوَاء عِنْد أبي حنيفَة وَلَا عِبْرَة بالتاريخ لجَوَاز أَن يكون الآخر لَو وَقت كَانَ تَارِيخه أسبق
وَعند أبي يُوسُف صَاحب الْوَقْت أولى
وَعند مُحَمَّد الَّذِي أطلق أولى لِأَن الْملك الْمُطلق ملك من الأَصْل حكما حَتَّى يسْتَحق الزَّوَائِد بِهِ
وَأما إِذا كَانَ الشَّيْء فِي أَيْدِيهِمَا فَأَقَامَ كل وَاحِد مِنْهُمَا الْبَيِّنَة أَنه لَهُ فَإِنَّهُ يقْضِي لكل وَاحِد مِنْهُمَا بِنصْف مَا فِي يَد صَاحبه لِأَنَّهُ خَارج فِي ذَلِك النّصْف
وَلَو أَقَامَ أَحدهمَا الْبَيِّنَة يقْضِي لَهُ بِنصْف مَا فِي يَد صَاحبه وَمَا فِي يَده يتْرك فِي يَده قَضَاء ترك
следующие страницы →