Полный текст (1 060 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
الْقلع بِأَرْض الْمُعير فَأَما إِذا كَانَ يضر بِهِ فَالْخِيَار للْمُعِير إِن شَاءَ أَخذ الْغَرْس وَالْبناء بِالضَّمَانِ وَإِن شَاءَ رَضِي الله بِالْقطعِ فَأَما إِذا أعَار الأَرْض ليزرع فزرع ثمَّ أَرَادَ أَن يسْتَردّ وَالزَّرْع غير مدرك فَلَيْسَ لَهُ ذَلِك وَتبقى الأَرْض فِي يَده بطرِيق الْإِجَارَة إِلَى أَن يَأْخُذ الْغلَّة لِأَن هَذِه مُدَّة يسيرَة مَعْلُومَة فِيهِ وَفِيه نظر من الْجَانِبَيْنِ بِخِلَاف الْغَرْس وَالْبناء فَإِنَّهُ لَو انقلبت إِجَارَة يتَضَرَّر بِهِ الْمُعير لطول الْمدَّة
وَإِن اخْتلف الْمُعير وَالْمُسْتَعِير فِي عدد الْأَيَّام أَو فِي مِقْدَار الْحمل أَو فِي الْمَكَان فَالْقَوْل قَول الْمُعير لِأَن الْمُسْتَعِير قَابض لنَفسِهِ فَيكون سُقُوط الضَّمَان بِنَاء على الْإِذْن لَهُ
стр. 877
كتاب الدَّعْوَى والبينات
الدَّعْوَى نَوْعَانِ صَحِيحَة وفاسدة
أما الصَّحِيحَة فَأن يُوجد فِيهَا شَرَائِط الصِّحَّة بِأَن يدعى على خصم حَاضر وَأَن يكون الْمُدعى بِهِ شَيْئا مَعْلُوما معينا وَأَن يتَعَلَّق بِهِ حكم على الْمَطْلُوب مِنْهُ
والفاسدة أَن لَا يكون الْخصم حَاضرا وَأَن يكون الْمُدعى بِهِ مَجْهُولا لِأَنَّهُ لَا يُمكن للشُّهُود الشَّهَادَة وَلَا للْقَاضِي الْقَضَاء بِهِ وَأَن لَا تلْزم الْمَطْلُوب مِنْهُ ذَلِك بِأَن ادّعى أَنه وَكيل فلَان
وَالْقَاضِي لَا يسمع دَعْوَاهُ إِذا أنكر الآخر لِأَن يُمكنهُ عَزله للْحَال
ثمَّ إِنَّمَا يصير الْمُدعى بِهِ مَعْلُوما إِمَّا بِالْإِشَارَةِ إِلَيْهِ عِنْد القَاضِي بِأَن كَانَ مَنْقُولًا فِي الدَّعْوَى وبالشهادة وَإِن لم يكن مَنْقُولًا نَحْو الْعقار والرحى وَنَحْوهمَا مِمَّا يُمكن مَعْرفَته بالتحديد فإعلامه بذلك وَهُوَ فِي الْعقار
وَمَا لَا يُمكن مَعْرفَته بالتحديد كحجر الرَّحَى فينصب القَاضِي أَمينا حَتَّى يسمع الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَة عِنْد ذَلِك بِالْإِشَارَةِ
ثمَّ الْمُدَّعِي من يلْتَمس بِدَعْوَاهُ إِثْبَات ملك على غَيره فِي الْعين أَو فِي الدّين أَو يثبت حَقًا
وَالْمُدَّعى عَلَيْهِ من يدْفع ذَلِك عَن نَفسه وينفيه
стр. 878
وَقيل الْمُدعى من إِذا ترك الدَّعْوَى يتْرك وَالْمُدَّعِي عَلَيْهِ من إِذا ترك الدَّعْوَى لم يتْرك
وَذكر مُحَمَّد أَن الْمُدعى عَلَيْهِ وَهُوَ الْمُنكر
إِذا ثَبت هَذَا فَنَقُول إِذا جَاءَ الْمُدَّعِي إِلَى القَاضِي مَعَ خَصمه فَالْقَاضِي يسْأَله مَاذَا يَدعِي عَلَيْهِ فَإِذا ادّعى الْمُدَّعِي دَعْوَى صَحِيحَة على خصم حَاضر سَأَلَ الْمُدعى عَلَيْهِ عَن جَوَاب الْمُدَّعِي وَقَالَ أجب خصمك بِلَا أَو نعم وَمَا ذكرنَا اسْتِحْسَان وَالْقِيَاس مَا ذكر فِي الزِّيَادَات أَن الْمُدَّعِي إِذا جَاءَ إِلَى القَاضِي مَعَ خَصمه فَإِنَّهُ لَا يسْأَل الْمُدَّعِي مَاذَا يَدعِي حَتَّى يبْدَأ الْمُدَّعِي بِدَعْوَاهُ ثمَّ إِذا ادّعى دَعْوَى صَحِيحَة وسمعها لَا يسْأَل الْمُدعى عَلَيْهِ عَن جَوَاب مَا لم يسْأَل الْمُدَّعِي مِنْهُ أَن يسْأَل الْمُدعى عَلَيْهِ عَن جَوَابه لِأَنَّهُ إنْشَاء الْخُصُومَة
لَكِن الصَّحِيح هُوَ الِاسْتِحْسَان لِأَن الْخَصْمَيْنِ رُبمَا يعجزان عَن ذَلِك لمهابة مجْلِس القَاضِي
فَإِذا سَأَلَ الْمُدعى عَلَيْهِ عَن الْجَواب فَإِذا أقرّ بِهِ أمره بِتَسْلِيم الْمُدعى بِهِ إِلَى الْمُدَّعِي وَإِن أنكر سَأَلَ الْمُدَّعِي عَن الْبَيِّنَة عِنْد أبي حنيفَة وَعِنْدَهُمَا يحلف الْمُدعى عَلَيْهِ إِذا طلب الْمُدَّعِي مِنْهُ الْحلف لِأَن عِنْده إِذا قَالَ الْمُدَّعِي لي بَيِّنَة حَاضِرَة فِي الْمصر فَالْقَاضِي لَا يحلفهُ وَعِنْدَهُمَا يحلفهُ فَلذَلِك يسْأَل
فَإِذا قَالَ لَا بَيِّنَة لي أَو لَيْسَ لي بَيِّنَة حَاضِرَة فَإِنَّهُ يحلف الْمُدعى عَلَيْهِ إِذا طلب الْمُدَّعِي الْيَمين لِأَن الْيَمين حَقه فَلَا بُد من طلبه
فَإِذا حلفه فَإِن حلف تَنْقَطِع الْخُصُومَة إِلَى وَقت إِقَامَة الْبَيِّنَة وَإِن نكل يقْضِي عَلَيْهِ بِالنّكُولِ عندنَا فِي الْأَمْوَال وَعند الشَّافِعِي يرد الْيَمين إِلَى الْمُدَّعِي فَإِذا حلف يقْضِي لَهُ
وَفِي الْقصاص فِي
стр. 879
الطّرف يقْضِي بِالنّكُولِ أَيْضا عِنْد أبي حنيفَة وَعِنْدَهُمَا يقْضِي بِالدِّيَةِ وَأما فِي النَّفس فعندهما يقْضِي بِالدِّيَةِ أَيْضا
وَعِنْده لَا يقْضِي بِالْقصاصِ وَلَا بِالدِّيَةِ وَلَكِن يحبس حَتَّى يقر أَو يحلف وَكَذَا لَا يقْضِي بِالنّكُولِ فِي الْأَشْيَاء السَّبْعَة عِنْد أبي حنيفَة وَعِنْدَهُمَا يقْضِي وَأَجْمعُوا أَنه لَا يقْضِي بِالنّكُولِ فِي الْحُدُود
وعَلى هَذَا الِاسْتِحْلَاف عِنْده لَا يسْتَحْلف فِي الْأَشْيَاء السَّبْعَة وَهِي النِّكَاح وَالرّق وَالْوَلَاء وَالنّسب وَالرَّجْعَة والفيء فِي الْإِيلَاء وَالِاسْتِيلَاد لِأَن الِاسْتِحْلَاف لأجل النّكُول وَهُوَ بذل وَإِبَاحَة عِنْد أبي حنيفَة وَلَا يجْرِي ذَلِك فِي هَذِه الْأَشْيَاء
وَعِنْدَهُمَا هُوَ بِمَعْنى الْإِقْرَار الَّذِي فِيهِ شُبْهَة وَهَذِه الْأَشْيَاء مِمَّا يثبت بِدَلِيل فِيهِ شُبْهَة وَهَذَا مِمَّا يعرف فِي الخلافيات
ثمَّ الدَّعْوَى إِمَّا أَن تكون فِي ملك مُطلق أَو بِسَبَب مَعَ التَّارِيخ أَو بِدُونِ وَلَا يَخْلُو إِمَّا إِن كَانَت من الْخَارِج على ذِي الْيَد أَو من الخارجين على ذِي الْيَد أَو من صَاحِبي الْيَد أَحدهمَا على صَاحبه
أما إِذا كَانَ الدَّعْوَى فِي ملك مُطلق فَنَقُول إِن كَانَت من الْخَارِج على ذِي الْيَد بِلَا تَارِيخ فَبَيِّنَة الْخَارِج أولى عندنَا وَعند الشَّافِعِي بَيِّنَة الْيَد أولى وَهِي مَسْأَلَة مَعْرُوفَة
وعَلى هَذَا الْخلاف إِذا أرخا وتاريخهما سَوَاء لِأَنَّهُ لم يثبت سبق أَحدهمَا فَبَقيت دَعْوَى ملك مُطلق
فَأَما إِذا كَانَ تَارِيخ أَحدهمَا أسبق فَهُوَ أولى عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف وَهُوَ قَول مُحَمَّد أَولا ثمَّ رَجَعَ بعد رُجُوعه من الرقة وَقَالَ لَا تقبل بَيِّنَة ذِي الْيَد على وَقت وَلَا غَيره إِلَّا فِي التَّاج كَذَا ذكر ابْن سَمَّاعَة
وَذكر مُحَمَّد هَذِه الْمَسْأَلَة فِي كتاب الدَّعْوَى وَقَالَ عِنْد أبي
стр. 880
حنيفَة يقْضِي بهَا للْخَارِج ثمَّ رَجَعَ وَقَالَ يقْضِي بهَا لصَاحب الْيَد وَهُوَ قَول مُحَمَّد أَي قَوْله الأول لِأَن بَيِّنَة صَاحب الْيَد أَثْبَتَت أَنه أول المالكين
وَأما إِذا وَقت أَحدهمَا
وَلم يُوَقت الآخر فَعِنْدَ مُحَمَّد لَا عِبْرَة لتاريخ صَاحب الْيَد
فالخارج أولى
وَعند أبي يُوسُف بَيِّنَة صَاحب الْوَقْت أولى وَعَن أبي حنيفَة رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَة مَعَ مُحَمَّد وَفِي رِوَايَة مَعَ أبي يُوسُف
وَأما إِذا كَانَت الدَّعْوَى من الخارجين فِي ملك مُطلق بِلَا تَارِيخ أَو تاريخهما سَوَاء وَالشَّيْء فِي يَد الثَّالِث فَهُوَ بَينهمَا نِصْفَانِ عندنَا
وَللشَّافِعِيّ فِيهِ قَولَانِ فِي قَول تهاترت الْبَيِّنَتَانِ وَتبقى فِي يَد صَاحب الْيَد قَضَاء ترك وَفِي رِوَايَة يقرع بَينهمَا وَيَقْضِي للَّذي خرجت لَهُ الْقرعَة وَالْمَسْأَلَة مَعْرُوفَة
وَأما إِذا كَانَ تَارِيخ أَحدهمَا أسبق فَهُوَ أولى بالِاتِّفَاقِ لِأَن بَيِّنَة الخارجين مسموعة فيترجح أَحدهمَا بالتاريخ
وَأما إِذا وَقت أَحدهمَا دون الآخر فهما سَوَاء عِنْد أبي حنيفَة وَلَا عِبْرَة بالتاريخ لجَوَاز أَن يكون الآخر لَو وَقت كَانَ تَارِيخه أسبق
وَعند أبي يُوسُف صَاحب الْوَقْت أولى
وَعند مُحَمَّد الَّذِي أطلق أولى لِأَن الْملك الْمُطلق ملك من الأَصْل حكما حَتَّى يسْتَحق الزَّوَائِد بِهِ
وَأما إِذا كَانَ الشَّيْء فِي أَيْدِيهِمَا فَأَقَامَ كل وَاحِد مِنْهُمَا الْبَيِّنَة أَنه لَهُ فَإِنَّهُ يقْضِي لكل وَاحِد مِنْهُمَا بِنصْف مَا فِي يَد صَاحبه لِأَنَّهُ خَارج فِي ذَلِك النّصْف
وَلَو أَقَامَ أَحدهمَا الْبَيِّنَة يقْضِي لَهُ بِنصْف مَا فِي يَد صَاحبه وَمَا فِي يَده يتْرك فِي يَده قَضَاء ترك
стр. 881
وَلَو لم يكن لَهما بَيِّنَة قضى بَينهمَا نِصْفَيْنِ قَضَاء ترك حَتَّى لَو أَقَامَ أَحدهمَا الْبَيِّنَة على صَاحبه بعد ذَلِك تقبل
وَكَذَا إِذا أرخا وتاريخهما سَوَاء
وَأما إِذا كَانَ تَارِيخ أَحدهمَا أسبق فَعِنْدَ أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف صَاحب الْوَقْت الأول أولى
وَقَالَ مُحَمَّد لَا يعْتَبر الْوَقْت فِي حق صَاحب الْيَد فَكَانَ بَينهمَا
وَأما إِذا كَانَ لأَحَدهمَا وَقت دون الآخر فَعِنْدَ أبي حنيفَة وَمُحَمّد لَا عِبْرَة للْوَقْت فَيكون بَينهمَا
وَقَالَ أَبُو يُوسُف هُوَ لصَاحب الْوَقْت فِي حق صَاحب الْيَد فَكَانَ بَينهمَا
وَأما إِذا كَانَ لأَحَدهمَا وَقت دون الآخر فَعِنْدَ أبي حنيفَة وَمُحَمّد لَا عِبْرَة للْوَقْت فَيكون بَينهمَا وَقَالَ أَبُو يُوسُف هُوَ لصَاحب الْوَقْت
وَأما إِذا كَانَ دَعْوَى الْملك بِسَبَب فَإِن كَانَ السَّبَب هُوَ الْإِرْث فَإِن كَانَ أَحدهمَا خَارِجا وَالْآخر صَاحب الْيَد وَأقَام كل وَاحِد مِنْهُمَا الْبَيِّنَة أَنه ملكه مَاتَ أَبوهُ وَتَركه مِيرَاثا لَهُ فَهُوَ للْخَارِج فِي قَول أَصْحَابنَا جَمِيعًا لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا يثبت الْملك للْمَيت مُطلقًا فَصَارَ كَمَا لَو حضر المالكان وادعيا ملكا مُطلقًا يكون للْخَارِج كَذَا هَذَا
وَكَذَا إِذا أرخا وتاريخهما سَوَاء أَو ذكر أَحدهمَا الْوَقْت دون الآخر
وَأما إِذا كَانَ تَارِيخ أَحدهمَا أسبق فَهُوَ لصَاحب الْوَقْت الأول عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف
وَفِي قَول مُحَمَّد الآخر للْخَارِج
وَأما إِذا كَانَا خَارِجين فِي دَعْوَى الْمِيرَاث على ثَالِث وَوقت أَحدهمَا أسبق فَهُوَ لَهُ فِي قَول أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف وَعند مُحَمَّد
стр. 882
رِوَايَتَانِ فِي ظَاهر الرِّوَايَة قَالَ فِي الْمِيرَاث ذَلِك كُله سَوَاء وَهُوَ بَينهمَا نِصْفَانِ
وَفِي نَوَادِر هِشَام إِن لم يؤرخا ملك الميتين فَهُوَ لصَاحب التَّارِيخ الأول
وَكَانَ أَبُو بكر الرَّازِيّ يفرق لمُحَمد بَين الْمِيرَاث من اثْنَيْنِ وَبَين الشِّرَاء من اثْنَيْنِ قَالَ فِي الْمِيرَاث بَينهمَا نِصْفَانِ وَفِي شِرَاء الخارجين من رجل وَاحِد إِنَّه لصَاحب الْوَقْت الأول لِأَن المُشْتَرِي يثبت الْملك لنَفسِهِ وَالْوَارِث يثبت الْملك للْمَيت
لَكِن رُوِيَ عَن مُحَمَّد فِي الْإِمْلَاء فِي الخارجين إِذا أَقَامَا الْبَيِّنَة على الشِّرَاء من وَاحِد وأرخا أَن التَّارِيخ لَا يقبل إِلَّا أَن يؤرخا ملك البَائِع وَسوى بَينه وَبَين الْمِيرَاث
وَأما إِذا كَانَ السَّبَب هُوَ الشِّرَاء بِأَن ادّعى الْخَارِج الشِّرَاء من صَاحب الْيَد وَهُوَ مُنكر يقبل
وَلَو ادّعى صَاحب الْيَد الشِّرَاء من خَارج يقبل أَيْضا لِأَنَّهُ يَصح تلقي الْملك من جِهَته
فَأَما إِذا ادّعى كل وَاحِد مِنْهُمَا الشِّرَاء من صَاحبه من غير تَارِيخ فَلَا يقْضِي بالبينتين عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف وَترك الْمُدعى بِهِ فِي يَد صَاحب الْيَد
وَعند مُحَمَّد يقْضِي بالبينتين جَمِيعًا لِأَنَّهُ يُمكن تصحيحهما وَيجْعَل كَأَن الْخَارِج بَاعَ من صَاحب الْيَد وَسلم إِلَيْهِ ثمَّ بَاعَ صَاحب الْيَد مِنْهُ وَلم يسلم إِلَيْهِ فَيُؤْمَر بِالتَّسْلِيمِ إِلَيْهِ وَلَا يُمكن على الْعَكْس لِأَن بيع الْعقار قبل الْقَبْض عِنْده لَا يجوز
وَأما إِذا أرخا وتاريخ أَحدهمَا أسبق فَإِنَّهُ يقْضِي لآخرهما وقتا أَيهمَا كَانَ وَالْبيع الثَّانِي ينْقض البيع الأول عِنْدهمَا وَقَالَ مُحَمَّد يقْضِي
стр. 883
بهَا للْخَارِج وَفِي الْمَسْأَلَة تَفْصِيل لم يذكرهُ الْكَرْخِي
وأماإذا أَقَامَا الْبَيِّنَة على الشِّرَاء وَالْقَبْض فعندهما تهاترت الْبَيِّنَتَانِ وَالْمُدَّعِي لمن هُوَ فِي يَده وَعند مُحَمَّد يقْضِي بهَا للَّذي فِي يَده وَالثمن بِالثّمن قصاصا كَأَن الْخَارِج اشْتَرَاهَا من الدَّاخِل فقبضها ثمَّ اشْتَرَاهَا الدَّاخِل مِنْهُ وَقبض لِأَن الْمَذْهَب عِنْده أَن الْقَبْض الْمَوْجُود مهما أمكن أَن يَجْعَل قبض بيع يَجْعَل حملا لأمر الْعَاقِل على الصِّحَّة
وَأما الخارجان إِذا ادّعَيَا الشِّرَاء على صَاحب الْيَد فَإِن كَانَ وَاحِدًا وَأَقَامَا الْبَيِّنَة على الشِّرَاء مِنْهُ بِثمن مَعْلُوم وَلم يذكرَا التَّارِيخ وَلَا الْقَبْض فَإِنَّهُ يَجْعَل بَينهمَا نِصْفَيْنِ عندنَا
وَعند الشَّافِعِي فِي قَول تهاترت الْبَيِّنَتَانِ
وَفِي قَول يقرع بَينهمَا
فَأَما إِذا أرخا وتاريخ أَحدهمَا أسبق فَهُوَ لَهُ
وَكَذَا إِذا وَقت أَحدهمَا دون الآخر فَهُوَ لصَاحب الْوَقْت لِأَنَّهُ ثَبت سبق بيع أَحدهمَا وَبيع الآخر معنى حَادث وَلَا يعلم تَارِيخه فَيحكم بِهِ للْحَال
وَأما إِذا لم يكن لوَاحِد مِنْهُمَا تَارِيخ وَلَكِن لَهُ قبض بِأَن كَانَ فِي يَد أَحدهمَا فَهُوَ أولى لِأَنَّهُ يحمل على قبض البيع وَالْبيع الثَّانِي حَادث وَلم يعرف تاريخهما فَجعل كَأَن بيع صَاحب الْقَبْض أسبق
فَإِن ذكر الآخر تَارِيخا ولأحدهما تَارِيخ وَللْآخر قبض لم يعْتَبر التَّارِيخ إِلَّا أَن يشْهدُوا أَن بَيْعه كَانَ قبل بيع الَّذِي الشَّيْء فِي يَده فَيَقْضِي لَهُ بِهِ وَيرجع الآخر بِالثّمن على البَائِع
فَأَما إِذا ادّعى كل وَاحِد مِنْهُمَا الشِّرَاء من رجل غير الَّذِي ادّعى
стр. 884
عَلَيْهِ صَاحبه وَأَقَامَا الْبَيِّنَة فَهُوَ بَينهمَا نِصْفَانِ لِأَن المشتريين قاما مقَام البائعين كَأَنَّهُمَا حضرا وَأَقَامَا الْبَيِّنَة وَالْمَال بَينهمَا نِصْفَانِ
وَلَو أرخا وتاريخ أَحدهمَا أسبق يكون لَهُ عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد وَهَذِه رِوَايَة الْأُصُول
وَقد ذكرنَا فرق أبي بكر الرازق وَرِوَايَة الْإِمْلَاء عَن مُحَمَّد فِي هَذَا الْفَصْل فَلَا نعيده
ثمَّ فِي هَذِه الْمسَائِل فِي الشِّرَاء يثبت الْخِيَار لكل وَاحِد من مدعي الشِّرَاء لِأَنَّهُ يَدعِي شِرَاء الْكل فَلَا يرضى بِالنِّصْفِ مَعَ الشّركَة وَهِي عيب فَإِن اخْتَار أَخذ النّصْف يرجع على البَائِع بِنصْف الثّمن لاسْتِحْقَاق نصف الْمَبِيع وَإِن اخْتَار الرَّد رَجَعَ بِجَمِيعِ الثّمن لانفساخ البيع
وَإِن اخْتَار أَحدهمَا الرَّد وَالْآخر الْأَخْذ فَإِن كَانَ قبل تَخْيِير الْحَاكِم لَهما وَالْحكم لَهما نِصْفَيْنِ فَإِنَّهُ يَأْخُذ جَمِيع الْمَبِيع بِجَمِيعِ الثّمن لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّه بِحكم العقد وَإِنَّمَا امْتنع لأجل الْمُزَاحمَة فَإِذا ترك الآخر الْخُصُومَة فَلهُ ذَلِك بِحكم العقد
فَأَما إِذا كَانَ بعد حكم الْحَاكِم بَينهمَا فَيَأْخُذ النّصْف بِنصْف الثّمن لِأَنَّهُ بِحكمِهِ يَنْفَسِخ العقد فِي النّصْف وَلَا يعود إِلَّا بالتجديد
وَأما دَعْوَى النِّتَاج فَإِن ادّعى الْخَارِج وَذُو الْيَد النِّتَاج فِي دَابَّة فَهِيَ لصَاحب الْيَد لِأَنَّهُمَا ادّعَيَا أولية الْملك فاستويا فِي الدَّعْوَى فيرجح بِالْيَدِ وَفِي عين هَذِه الْمَسْأَلَة ورد حَدِيث جَابر عَن النَّبِي ﵇
وَإِن ادّعى أَحدهمَا النِّتَاج فَهُوَ لصحب الْيَد أَيهمَا كَانَ لما ذكرنَا
стр. 885
وَإِن كَانَ خارجان ادّعَيَا النِّتَاج وَهُوَ فِي يَد ثَالِث يَدعِي ملكا مُطلقًا فَهِيَ بَين الخارجين نِصْفَانِ لِاسْتِوَائِهِمَا
ثمَّ ظَاهر مَذْهَبنَا أَنه يقْضِي لصَاحب الْيَد لَا أَن يتْرك فِي يَده بِلَا قَضَاء
وَرُوِيَ عِيسَى بن أبان أَنه تتهاتر الْبَيِّنَتَانِ وَيتْرك فِي يَده صَاحب الْيَد قَضَاء ترك وَهَذَا خلاف مَذْهَبنَا فَإِن الخارجين يقْضِي بَينهمَا وَلَو كَانَ ترك فِي يَد صَاحب الْيَد لَا بطرِيق الْقَضَاء يَنْبَغِي أَن يكون لصَاحب الْيَد إِذا تهاترت الْبَيِّنَتَانِ
فَإِن أرخا فَإِنَّهُ ينظر إِن كَانَ سنّ النِّتَاج يُوَافق أحد التاريخين فَهُوَ لَهُ
وَإِن أشكل الْأَمر سقط حكم التَّارِيخ وَجعل كَأَنَّهُمَا لم يذكرَا التَّارِيخ
وَإِن خَالف الْوَقْتَيْنِ ذكر فِي ظَاهر الرِّوَايَة أَنه لَا عِبْرَة للتاريخ وَالْحكم فِيهِ مَا ذكرنَا من غير تَارِيخ
وَذكر الْحَاكِم أَن فِي رِوَايَة أبي اللَّيْث تهاترت الْبَيِّنَتَانِ وَيبقى النِّتَاج فِي يَد صَاحب الْيَد قَضَاء ترك وَهُوَ الْأَصَح
كَذَا الْجَواب فِي كل مَا لَا يتَكَرَّر فِيهِ سَبَب الْملك وَلَا يُعَاد وَلَا يصنع مرَّتَيْنِ فَهُوَ كالنتاج
стр. 886
وَمَا يتَكَرَّر فِيهِ سَبَب الْملك ويصنع مرَّتَيْنِ فَهُوَ على التَّفْصِيل الَّذِي ذكرنَا من دَعْوَى الْملك الْمُطلق وبالسبب
وَإِذا كَانَ حَائِط بَين دارين وَلَيْسَ لوَاحِد مِنْهُمَا عَلَيْهِ جُذُوع وَلَا لَهُ اتِّصَال بِالْبِنَاءِ فَإِنَّهُ يكون بَينهمَا لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الاستظلال
وَإِن كَانَ لأَحَدهمَا عَلَيْهِ جُذُوع فالحائط لَهُ لِأَنَّهُ مُسْتَعْمل لَهُ
وَإِن كَانَ لَهما جُذُوع على السوَاء فَهُوَ لَهما لِاسْتِوَائِهِمَا
وَإِن كَانَ لأَحَدهمَا أَكثر ذكر الْكَرْخِي أَنه إِذا كَانَ لأَحَدهمَا ثَلَاثَة فَصَاعِدا وَللْآخر كثير فهما سَوَاء
أما إِذا كَانَ لأَحَدهمَا مَا دون الثَّلَاثَة وَللْآخر أَكثر فَهُوَ لصَاحب الْكثير وَكَذَا ذكر مُحَمَّد فِي كتاب الْإِقْرَار وَذكر فِي كتاب الدَّعْوَى أَن لكل وَاحِد مِنْهُمَا مَا تَحت خشبته وَلَا يكون لَهُ كل الْحَائِط
وَإِن لم يكن لَهما جُذُوع ولأحدهما اتِّصَال بِالْبِنَاءِ من جَانب وَاحِد
أَي يكون بعض ألبان الْحَائِط الْمُدعى بِهِ فِي حَائِط مَمْلُوك لَهُ قَالَ صَاحب الِاتِّصَال أولى
وَذكر فِي الأَصْل أَنه إِذا كَانَ اتِّصَال تربيع فَهُوَ أولى من صَاحب الْجُذُوع
وَرُوِيَ عَن أبي يُوسُف أَنه إِذا كَانَ الِاتِّصَال من الطَّرفَيْنِ كَانَ أولى من صَاحب الْجُذُوع
وَالْمرَاد من اتِّصَال التربيع أَن يكون بعض الألبان متداخلا فِي الْبَعْض كالأزج والطاقات وَأَبُو يُوسُف اعْتبر هَذَا فِي جَانِبي الْحَائِط الْمُدعى بِهِ مُتَّصِلا بحائطي
стр. 887
الْمُدَّعِي لِأَن هَذَا دَلِيل على أَن باني الْحَائِط هُوَ ثمَّ لصَاحب الْجُذُوع حق وضع الْجُذُوع فِي هَذِه الْمَسْأَلَة
وَكَذَا إِذا كَانَ لَهُ جذع وَاحِد فالحائط لصَاحب الْأَكْثَر وَله حق الْوَضع وَلَيْسَ لصَاحبه أَن يرفع إِلَّا إِذا أَقَامَ الْبَيِّنَة أَن الْحَائِط لَهُ فَحِينَئِذٍ يرفع لِأَن الْبَيِّنَة دَلِيل مُطلق
وَإِن كَانَ خصا بَين شَخْصَيْنِ والقمط إِلَى أَحدهمَا وَادّعى كل وَاحِد الخص فَهُوَ بَينهمَا عِنْد أبي حنيفَة وَلَا يرجح بِكَوْن القمط فِي جَانِبه
وَقَالا بِأَن صَاحب القمط أولى
وَلَو كَانَ وَجه الْبناء أَو الطاقات على الْحَائِط فِي أحد الْجَانِبَيْنِ فَلَا يرجع هَذَا بِالْإِجْمَاع لِأَن هَذَا لَا يخْتَص بِالْملكِ
وَلَو كَانَ لأَحَدهمَا سفل وَللْآخر علو فَلَيْسَ لصَاحب السّفل أَن يتَصَرَّف تَصرفا لم يكن فِي الْقَدِيم وَإِن كَانَ لَا يتَضَرَّر بِهِ صَاحبه عِنْد أبي حنيفَة
وَعِنْدَهُمَا لَا بَأْس بِهِ إِذا لم يكن فِيهِ ضَرَر وَكَذَا صَاحب الْعُلُوّ
وَلَو انهدما فَامْتنعَ صَاحب السّفل عَن الْبناء لَا يجْبر عَلَيْهِ لِأَن الْإِنْسَان لَا يجْبر على عمَارَة بَيته لَكِن يُقَال لصَاحب الْعُلُوّ ابْن بِمَالك السّفل وضع عَلَيْهِ علوك وارجع عَلَيْهِ بِقِيمَتِه مَبْنِيا وامنع الآخر عَن السكن حَتَّى يدْفع الْقيمَة
وَكَذَا الْجَواب فِي الْحَائِط بَين الدَّاريْنِ
وَلَو هَدمه أَحدهمَا يجْبر على الْعِمَارَة وَالله تَعَالَى أعلم
стр. 888
كتاب الْإِقْرَار
قَالَ ﵀ يحْتَاج فِي هَذَا الْكتاب إِلَى بَيَان كَون الْإِقْرَار حجَّة وَإِلَى بَيَان أَلْفَاظ الْإِقْرَار وَإِلَى بَيَان شَرَائِط صِحَّته وَإِلَى بَيَان الْمقر بِهِ وَمَا يتَّصل بذلك من الْفرق بَين حَالَة الصِّحَّة وَحَالَة الْمَرَض
أما بَيَان كَون الْإِقْرَار حجَّة فَإِنَّهُ خبر صدق أَو رَاجِح صدقه على كذبه فَإِن المَال مَحْبُوب الْمَرْء طبعا فَلَا يقر بِهِ لغيره كَاذِبًا
وَأما بَيَان أَلْفَاظ الْإِقْرَار فَنَقُول إِذا قَالَ لفُلَان عَليّ كَذَا أَو لفُلَان قبلي كَذَا فَهُوَ إِقْرَار لِأَن عَليّ كلمة إِيجَاب لُغَة والقبالة وَالْكَفَالَة اسْم للضَّمَان
وَكَذَا إِذا قَالَ لفُلَان فِي مَالِي ألف دِرْهَم فَهُوَ إِقْرَار لَهُ بذلك فِي مَال
لَكِن لم يبين مُحَمَّد فِي الأَصْل أَنه يكون مَضْمُونا أَو لَا وَذكر أَبُو بكر الرَّازِيّ أَنه إِقْرَار بِالشّركَةِ فَيكون ذَلِك الْقدر الْمقر بِهِ عِنْده أَمَانَة
стр. 889
وَقَالَ بعض مَشَايِخ الْعرَاق إِن كَانَ مَاله محصورا فَهُوَ إِقْرَار بِالشّركَةِ وَإِن كَانَ غير مَحْصُور فَهُوَ إِقْرَار فِي ذمَّته
وَإِن قَالَ لَهُ من مَالِي ألف دِرْهَم فَهُوَ هبة لَا تصير ملكا لَهُ إِلَّا بقبوله وَالتَّسْلِيم من الْمقر
وَلَو قَالَ لَهُ عِنْدِي ألف دِرْهَم فَهُوَ وَدِيعَة
وَكَذَا لَو قَالَ معي أَو فِي منزلي أَو فِي بَيْتِي أَو فِي صندوقي أَو فِي كيسي لِأَنَّهَا لَا تخْتَص بِالْإِيجَابِ فَيحمل على الْأَدْنَى
هَذَا الَّذِي ذكرنَا إِذا ذكر هَذِه الْأَلْفَاظ مُطلقًا
فَأَما إِذا قرن بهَا لفظا آخر مُخَالفا للْأولِ فِي الْمَعْنى بِأَن قَالَ لفُلَان عَليّ أَو قبلي ألف دِرْهَم وَدِيعَة يكون وَدِيعَة لِأَنَّهُ بَيَان مُعْتَبر فَيصح بِشَرْط الْوَصْل كالاستثناء
أما إِذا ذكر مُطلقًا وَقَالَ عنيت بِهِ الْوَدِيعَة لَا يصدق لِأَنَّهُ خلاف الظَّاهِر فَلَا يصدق على الْغَيْر
وَإِن قَالَ لفُلَان عِنْدِي أَو معي ألف دِرْهَم قرضا فَهُوَ إِقْرَار لِأَنَّهُ بَيَان مُعْتَبر
وَلَو قَالَ عِنْدِي كَذَا وأعني بِهِ الْإِقْرَار صدق وَإِن فصل لِأَن هَذَا إِقْرَار على نَفسه فَلَا يتهم
وَلَو قَالَ لَهُ من مَالِي ألف دِرْهَم لَا حق لي فِيهَا فَهُوَ إِقْرَار
стр. 890
وَلَو قَالَ لفُلَان عِنْدِي ألف دِرْهَم وَدِيعَة قرضا أَو وَدِيعَة دينا أَو مُضَارَبَة قرضا أَو دينا أَو بضَاعَة قرضا أَو دينا فَهُوَ إِقْرَار إِذا ادّعى الْمقر لَهُ الدّين لِأَن الضَّمَان قد يطْرَأ على الْأَمَانَة
وَلَو قَالَ لفُلَان عِنْدِي ألف دِرْهَم عَارِية فَهُوَ قرض
وَكَذَا فِي كل مَا يُكَال أَو يُوزن لِأَن إِعَارَة مَا لَا ينْتَفع بِأَعْيَانِهَا إِلَّا بالاستهلاك يكون قرضا فِي الْعرف
وَأما بَيَان الشَّرَائِط فالعقل وَالْبُلُوغ شَرط بِلَا خلاف لِأَنَّهُ لَا يَصح بدونهما التَّصَرُّف الضار
وَأما الْحُرِّيَّة فَهِيَ شَرط فِي بعض الْأَشْيَاء دون بعض على مَا نذْكر
وَكَذَا الرِّضَا والطوع شَرط حَتَّى لَا يَصح إِقْرَار الْمُكْره بِشَيْء على مَا يعرف فِي كتاب الْإِكْرَاه
وَأما بَيَان أَنْوَاع الْمقر بِهِ فَهُوَ نَوْعَانِ فِي الأَصْل حُقُوق الله تَعَالَى وَالثَّانِي حُقُوق الْعباد
أما حُقُوق الله تَعَالَى فنوعان أَحدهمَا أَن يكون خَالِصا لله كَحَد الشّرْب وَالزِّنَا وَالسَّرِقَة وَالْإِقْرَار بِهِ صَحِيح من الْحر وَالْعَبْد
وَلَو رَجَعَ الْمقر عَن ذَلِك قبل الِاسْتِيفَاء بَطل الْحَد لاحْتِمَال الصدْق فِي الرُّجُوع فأورث شُبْهَة
ويكتفي فِي ذَلِك بِالْإِقْرَارِ مرّة إِلَّا فِي الزِّنَا فَإِنَّهُ يشْتَرط الْعدَد أَربع مَرَّات لحَدِيث مَاعِز بِخِلَاف الْقيَاس
وَرُوِيَ عَن أبي يُوسُف أَنه اعْتبر عدد الْإِقْرَار بِعَدَد الشَّهَادَة فَشرط فِي السّرقَة وَالشرب الْإِقْرَار مرَّتَيْنِ لَكِن رُوِيَ عَنهُ أَنه رَجَعَ
стр. 891
وَيَسْتَوِي الْجَواب فِي الْإِقْرَار بالحدود بَين تقادم الْعَهْد وَعَدَمه إِلَّا فِي شرب الْخمر فَإِنَّهُ لَا يُؤْخَذ بِهِ عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف بعد ذهَاب رَائِحَة الْخمر اسْتِحْسَانًا لحَدِيث ابْن مَسْعُود وَعند مُحَمَّد يُؤْخَذ بِهِ وَهُوَ الْقيَاس
فَأَما حد الْقَذْف فقد ذَكرْنَاهُ فِي كتاب الْحُدُود
وَأما حُقُوق الْعباد فأنواع مِنْهَا الْقصاص وَالدية
وَمِنْهَا الْأَمْوَال
وَمِنْهَا الطَّلَاق وَالْعتاق وَحقّ الشُّفْعَة وَنَحْو ذَلِك
وَالْمَال قد يكون عينا وَقد يكون دينا وَقد يكون مَعْلُوما وَقد يكون مَجْهُولا وَقد يكون الْإِقْرَار فِي الصِّحَّة وَقد يكون فِي الْمَرَض فَنَذْكُر جملَة ذَلِك إِن شَاءَ الله تَعَالَى
أما إِقْرَار العَبْد فنذكره فِي كتاب الْمَأْذُون إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَأما الْحر فَإِقْرَاره بِالْمَالِ صَحِيح كَيْفَمَا كَانَ سَوَاء كَانَ بِالْمَالِ الْمقر بِهِ عينا أَو دينا وَسَوَاء كَانَ مَعْلُوما أَو مَجْهُولا وَعَلِيهِ الْبَيَان
فجهالة الْمقر بِهِ لَا تمنع صِحَة الْإِقْرَار وجهالة الْمَشْهُود بِهِ تمنع صِحَة الشَّهَادَة وَالْقَضَاء لِأَنَّهُ لَا يُمكن الْقَضَاء بِالْمَجْهُولِ فَأَما فِي الْإِقْرَار فَيُؤْمَر بِالْبَيَانِ وَالْقَوْل قَوْله بَيَانه
إِذا أقرّ أَنه غصب من فلَان مَالا أَو لفُلَان عَلَيْهِ شَيْء أَو حق فَإِنَّهُ يُؤمر بِالْبَيَانِ فَإِذا بَين شَيْئا لَهُ قيمَة وَيجْرِي فِيهِ الْمَنْع وَالشح يصدق
وَإِن كَانَ بِخِلَافِهِ يجْبر على بَيَان شَيْء لَهُ قيمَة
فِي الْغَصْب إِذا قَالَ غصبت مِنْهُ شَيْئا فَبين مَا لَا قيمَة لَهُ
стр. 892
بِأَن قَالَ غصبت مِنْهُ صَبيا حرا صَغِيرا أَو خمرًا لمُسلم أَو جلد ميتَة يصدق لِأَن هَذَا مِمَّا يغصب عَادَة
وَلَو قَالَ غصبت شَاة أَو عبدا أَو جَارِيَة فَبين سليما أَو مَعَ الْعَيْب أَو قَالَ غصبت دَارا فَبين فِي بَلْدَة قريبَة أَو فِي بَلْدَة بعيدَة يصدق لِأَن الْغَصْب يكون على مَا يتَّفق فَيكون القَوْل قَوْله إِلَّا أَن فِي غصب الدَّار إِن أمكنه تَسْلِيمهَا إِلَيْهِ يسلم وَلَا ضَمَان عَلَيْهِ إِن خرجت أَو عجز عَن التَّسْلِيم إِلَّا عِنْد مُحَمَّد فَإِنَّهُ يجب عَلَيْهِ الْقيمَة عِنْد الْعَجز وَهِي مَسْأَلَة مَعْرُوفَة
وَلَو قَالَ عَليّ قفيز حِنْطَة فَهُوَ بقفيز الْبَلَد الَّذِي أقرّ فِيهِ فَكَذَلِك الرطل والأمنان والصنجات فَذَلِك كُله على وزن الْبَلَد
وَلَو قَالَ عَليّ ألف دِرْهَم فَهُوَ على مَا يتعارفه أهل الْبَلَد من الأوزان أَو الْعدَد وَإِن لم يكن شَيْئا متعارفا فَيحمل على وزن سَبْعَة فَإِنَّهُ الْوَزْن الْمُعْتَبر فِي الشَّرْع وَكَذَلِكَ فِي الدِّينَار يعْتَبر وزن المثاقيل إِلَّا فِي مَوضِع يتعارف فِيهِ بِخِلَافِهِ
وَلَو قَالَ لفُلَان عَليّ دريهم أَو دنينير فَعَلَيهِ التَّام لِأَن التصغير قد يذكر لصِغَر الحجم وَقد يكون لاستحقار الدِّرْهَم وَقد يكون لخفة الْوَزْن فَلَا ينتقص الْوَزْن بِالشَّكِّ
وَلَو قَالَ لفُلَان عَليّ دَرَاهِم أَو دَنَانِير يَقع على ثَلَاثَة لِأَنَّهَا أقل الْجمع
وَلَو قَالَ عَليّ دَرَاهِم كَثِيرَة يَقع على عشرَة عِنْد أبي حنيفَة وَعِنْدَهُمَا على النّصاب وَهُوَ مِائَتَا دِرْهَم
وَلَو قَالَ عَليّ مَال عَظِيم أَو كثير أَو كَبِير فَعَلَيهِ مِائَتَا
стр. 893
دِرْهَم بِلَا خلاف عِنْد بَعضهم
وَقيل على قَول أبي حنيفَة يَقع على الْعشْرَة
وَقيل يعْتَبر حَال الْمقر إِن كَانَ غَنِيا يَقع على مَا يستعظم عِنْد الْأَغْنِيَاء وَإِن كَانَ فَقِيرا يَقع على النّصاب
وَلَو قَالَ غصبت إبِلا كَثِيرَة أَو شياها كَثِيرَة يَقع على أقل النّصاب من جنسه
وَإِن قَالَ عَليّ حِنْطَة كَثِيرَة يَقع عِنْدهمَا على خَمْسَة أوسق وَعند أبي حنيفَة الْبَيَان إِلَيْهِ
وَإِن قَالَ عَليّ أَمْوَال عِظَام رُوِيَ عَن أبي يُوسُف أَنه يَقع على سِتّمائَة لِأَن أقل الْجمع ثَلَاثَة
وَلَو قَالَ عَليّ ثَلَاثَة دَرَاهِم غير دِرْهَم يلْزمه دِرْهَمَانِ لِأَن كلمة غير بِالنّصب للاستثناء
وَكَذَا إِذا قَالَ عَليّ ثَلَاثَة آلَاف دِرْهَم غير ألف يلْزمه أَلفَانِ لما قُلْنَا
وَكَذَا لَو قَالَ عَليّ ثَلَاثَة دَرَاهِم إِلَّا درهما فَعَلَيهِ دِرْهَمَانِ
وَلَو قَالَ عَليّ عشرَة إِلَّا ثَلَاثَة يلْزمه سَبْعَة
وَلَو قَالَ إِلَّا سَبْعَة يلْزمه ثَلَاثَة لِأَن الِاسْتِثْنَاء تكلم بِالْبَاقِي
وَفِي الِاسْتِثْنَاء من الِاسْتِثْنَاء يكون الِاسْتِثْنَاء من الْمُسْتَثْنى لَا من الْمُسْتَثْنى مِنْهُ وَيلْحق ذَلِك بالمستثنى مِنْهُ
إِذا قَالَ عَليّ عشرَة دَرَاهِم إِلَّا ثَلَاثَة إِلَّا درهما يلْزمه ثَمَانِيَة لِأَن ثَلَاثَة وَصَارَت مُسْتَثْنَاة من الْعشْرَة ثمَّ الِاسْتِثْنَاء الثَّانِي من الثَّلَاثَة
стр. 894
لِأَنَّهُ أقرب إِلَيْهِ فَيخرج دِرْهَم ويلتحق بالمستثنى مِنْهُ وَهُوَ سَبْعَة فَصَارَ ثَمَانِيَة
وَلَو قَالَ لفُلَان عَليّ عشرَة دَرَاهِم إِلَّا ثوبا لَا يَصح الِاسْتِثْنَاء عندنَا
وَعند الشَّافِعِي يَصح وَيخرج قدر قيمَة الثَّوْب
وَلَو اسْتثْنى شَيْئا من الْمكيل وَالْمَوْزُون بِأَن قَالَ عَليّ عشرَة دَرَاهِم إِلَّا قفيز حِنْطَة أَو عَليّ مائَة دِينَار إِلَّا عشرَة دَرَاهِم يَصح الِاسْتِثْنَاء عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف رحمهمَا الله وَيخرج من الْمُسْتَثْنى مِنْهُ قدر قيمَة القفيز وَالْعشرَة لِأَن الْجِنْس وَاحِد وَهُوَ الْقدر وَقَالَ مُحَمَّد وَزفر رحمهمَا الله لَا يَصح الِاسْتِثْنَاء كَمَا فِي الثَّوْب
وَلَو قَالَ لفُلَان عَليّ ألف دِرْهَم إِلَّا قَلِيلا يلْزمه أَكثر من النّصْف وَالْقَوْل قَوْله فِي الزِّيَادَة مَعَ يَمِينه
وَكَذَا إِذا قَالَ عَليّ قريب من ألف أَو زهاء ألف أَو عظم الْألف لِأَن هَذَا أَكثر من النّصْف بِيَقِين وَفِي الزِّيَادَة القَوْل قَوْله
وَلَو قَالَ عَليّ ألف ونيف فَعَلَيهِ الْألف وَعَلِيهِ بَيَان النيف لِأَنَّهُ عبارَة عَن الزِّيَادَة
وَلَو قَالَ عَليّ ألف وَدِرْهَم أَو عَليّ مائَة ودينار يكون الْمَعْطُوف عَلَيْهِ من جنس الْمَعْطُوف بالِاتِّفَاقِ
وَكَذَلِكَ فِي جَمِيع الْمكيل وَالْمَوْزُون والعددي المتقارب
وَأما فِي الْعرُوض والعددي المفاوات بِأَن قَالَ عَليّ عشرَة وثوب أَو عشرَة وَعبد أَو عشرَة ودابة فعلى قَول مُحَمَّد يلْزمه الْمَعْطُوف الْمُسَمّى وَالْقَوْل قَوْله فِي بَيَان الْمَعْطُوف عَلَيْهِ وعَلى قَول أبي يُوسُف يكون الْمَعْطُوف عَلَيْهِ من جنس الْمَعْطُوف لِأَن الْعرف على هَذَا
стр. 895
وَلَو قَالَ لفُلَان عَليّ ألف لَا بل أَلفَانِ فجملة هَذَا إِن الِاسْتِدْرَاك فِي الإقرارات ثَلَاثَة أَنْوَاع إِمَّا أَن يكون فِي خلاف جنس الأول أَو يكون فِي جنس الأول واستدرك الْغَلَط فِي الْقدر من الْكَثْرَة والقلة أَو فِي الصّفة من الْجَوْدَة والرادءة
فَأَما الأول فبأن يَقُول عَليّ ألف دِرْهَم لَا بل مائَة دِينَار أَو كرّ حِنْطَة لَا بل كرّ شعير
وَحكمه أَنه يلْزمهُمَا جَمِيعًا لِأَن الْغَلَط فِيهِ نَادِر والنادر مُلْحق بِالْعدمِ
وَأما الثَّانِي بِأَن قَالَ عَليّ ألف دِرْهَم لَا بل أَلفَانِ أَو قَالَ عَليّ دِينَار لَا بل دِينَارَانِ فَيلْزمهُ الْأَكْثَر اسْتِحْسَانًا وَالْقِيَاس أَن يلْزمهُمَا جَمِيعًا كَمَا فِي خلاف الْجِنْس وكما فِي الطَّلَاق إِذا قَالَ أَنْت طَالِق وَاحِدَة لَا بل ثِنْتَيْنِ يَقع الثَّلَاث وَهُوَ قَول أبي يُوسُف وَمُحَمّد وَفِي الِاسْتِحْسَان أَنه إِخْبَار وَيجْرِي فِيهِ الْغَلَط فَيصح التَّدَارُك بِخِلَاف إنْشَاء الطَّلَاق حَتَّى إِن فِي الْإِخْبَار كَذَلِك بِأَن قَالَ كنت طلقت امْرَأَتي أمس وَاحِدَة لَا بل ثِنْتَيْنِ يَقع على الْأَكْثَر
وَأما الثَّالِث بِأَن قَالَ عَليّ ألف دِرْهَم سود لَا بل بيض
أَو قَالَ عَليّ قفيز حِنْطَة جَيِّدَة لَا بل وسط فَيلْزمهُ الأجود
وَلَو قَالَ لفُلَان عَليّ ألف ثمن مَبِيع إِلَّا أَنه زيوف فَعِنْدَ أبي حنيفَة رَحْمَة الله عَلَيْهِ يلْزمه الْجيد وَلَا يصدق سَوَاء وصل أَو فصل كَمَا لَو قَالَ بِعْتُك هَذَا العَبْد على أَنه معيب لم يصدق وَإِن وصل وَعِنْدَهُمَا إِن وصل يصدق وَإِن فصل لَا يصدق
وَفِي الْقَرْض رِوَايَتَانِ عَنهُ
وَإِذا قَالَ عَليّ ألفم دِرْهَم مُطلقًا ثمَّ قَالَ زيوف يصدق بِشَرْط الْوَصْل فِي قَوْلهم
стр. 896
وَفِي الْغَصْب والوديعة
يصدق وصل أَو فصل
وَلَو قَالَ عَليّ من ثمن بيع ألف دِرْهَم ستوقة أَو رصاصا لَا يصدق عِنْد أبي حنيفَة وَعَن أبي يُوسُف أَنه يصدق إِذا وصل
وَفِي البيع الْفَاسِد وَفِي الْغَصْب والوديعة يصدق فِي الستوقة بِشَرْط الْوَصْل فِي قَوْلهم جَمِيعًا
وَلَو قَالَ لَهُ عَليّ ألف دِرْهَم ثمَّ قَالَ هُوَ ثمن عبد لم أقبضهُ مِنْهُ لم يصدق فِي قَول أبي حنيفَة إِلَّا أَن يَقُول مَوْصُولا وَالْعَبْد قَائِم بِعَيْنِه فِي يَد الْمقر لَهُ وَعِنْدَهُمَا إِن صدقه الْمقر لَهُ كَانَ القَوْل قَوْله وَإِن لم يصدقهُ كَانَ الْألف لَهُ لَازِما عَلَيْهِ
وَلَو قَالَ اقتضيت من فلَان ألف دِرْهَم الَّتِي لي عَلَيْهِ أَو قَالَ استوفيت أَو قبضت أَو أخذت وَقَالَ الْمقر لَهُ لم يكن لَك عَليّ شَيْء يُؤمر بردهَا إِلَيْهِ مَعَ يَمِينه على مَا يَدعِيهِ الْمقر
وَلَو قَالَ أخذت من فلَان ألف دِرْهَم وَدِيعَة فَقَالَ فلَان بل أخذت غصبا فَالْقَوْل قَول الْمقر لَهُ لما قُلْنَا
وَلَو قَالَ أودعني فلَان ألف دِرْهَم أَو قَالَ أَعْطَانِي وَدِيعَة فَقَالَ لَا بل أَخَذتهَا غصبا فَالْقَوْل قَول الْمقر لِأَنَّهُ مَا أقرّ بِسَبَب الضَّمَان وَهُوَ الْأَخْذ
ثمَّ الْإِقْرَار فِي حَالَة الصِّحَّة يَصح للْأَجْنَبِيّ وَالْوَارِث جَمِيعًا من جَمِيع المَال وَلَا يكون الدّين الْمُتَقَدّم أولى وَيكون الْغُرَمَاء أُسْوَة إِذا صَار مَرِيضا لَيْسَ لَهُ أَن يُؤثر الْبَعْض فِي الْقَضَاء وَفِي الْأَدَاء فِي حَالَة الصِّحَّة لَهُ أَن يُؤثر الْبَعْض لِأَن الدّين يثبت فِي الذِّمَّة حَالَة الصِّحَّة وَإِنَّمَا ينْتَقل
стр. 897
إِلَى المَال بِالْمرضِ فَكَذَلِك على هَذَا
أما الْإِقْرَار فِي الْمَرَض فَيصح للْأَجْنَبِيّ من جَمِيع المَال وَلَا يَصح للْوَارِث إِلَّا إِذا أجَاز الْوَرَثَة لَكِن دين الصِّحَّة مقدم على دين الْمَرَض الثَّابِت بِإِقْرَارِهِ
أما إِذا ثَبت بِالْبَيِّنَةِ أَو بمشاهدة القَاضِي فهما سَوَاء
وَإِقْرَار الْمَرِيض بِاسْتِيفَاء الدّين فِي حَالَة الْمَرَض يَصح سَوَاء كَانَ دين الصِّحَّة أَو دين الْمَرَض فِي الْجُمْلَة وَهَذَا فِي حق الْأَجْنَبِيّ وَله تفاصيل كَثِيرَة
وَإِمَّا الْإِقْرَار بالوارث من الْمَرِيض أَو من الصَّحِيح فنوعان فِي حق النّسَب وَفِي حق الْمِيرَاث
أما فِي النّسَب فَمن الرجل يَصح بِخَمْسَة نفر بالوالدين وبالولد وبالزوجة وبكونه مولى لفُلَان لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تحميل النّسَب على غَيره
من الْمَرْأَة يَصح بأَرْبعَة بالوالدين وبالزوج وبالولاء دون الْوَلَد لِأَن فِيهِ تحميل النّسَب على الْغَيْر
وَلَا يَصح الْإِقْرَار بالأخ وَالْعم وَالْخَال فِي حق النّسَب وَنَحْو ذَلِك لما فِيهِ من تحميل النّسَب فَلَا بُد من الْبَيِّنَة
فَأَما فِي حق الْمِيرَاث فَإِن لم يكن للْمقر وَارِث ظَاهر صَحَّ إِقْرَاره فِي حق الْإِرْث لِأَنَّهُ إِقْرَار على نَفسه
فَأَما إِذا كَانَ لَهُ وَارِث ظَاهر فَلَا يَصح فِي حَقه وَإِن كَانَ الَّذِي أقرّ بِهِ مقدما عَلَيْهِ بِأَن أقرّ بالأخ وَله خَال وعمة لِأَن فِيهِ إبِْطَال حق الْقَرِيب
وَكَذَلِكَ لَو كَانَ لَهُ مولى الْمُوَالَاة لِأَنَّهُ آخر الْوَرَثَة فَلَا يَصح إِقْرَاره فِي حَقه
وَلَو أوصى بِجَمِيعِ مَاله ثمَّ أقرّ بِأَخ صَحَّ إِقْرَاره وتنفذ الْوَصِيَّة من الثُّلُث
стр. 898
وَكَذَا لَو أقرّ بِأَخ ثمَّ أوصى بِجَمِيعِ مَاله يَصح من الثُّلُث لِأَن إِقْرَاره بالأخ صَحِيح فِي حَقه إِن لم يَصح فِي حق غَيره
وَلَو أقرّ بالأخ ثمَّ رَجَعَ صَحَّ لِأَنَّهُ ثَبت بقوله
وعَلى هَذَا الْوَارِث إِذا أقرّ بوارث آخر يَصح فِي حق نصِيبه حَتَّى إِن الْأَخ إِذا أقرّ بِأَخ آخر فَإِن مَا فِي يَده يكون بَينهمَا نِصْفَيْنِ
وَهَذَا كُله إِذا صدقه الْمقر لَهُ فِي ذَلِك فَأَما إِذا لم يصدقهُ لم يثبت
стр. 899
كتاب الْوَصَايَا
فِي هَذَا الْكتاب فصلان فصل فِي الْوَصِيَّة وَفصل فِي الْإِيصَاء
نبدأ بِالْوَصِيَّةِ فَنَقُول نحتاج إِلَى بَيَان الْوَصِيَّة وَإِلَى بَيَان صفة المشروعية وَإِلَى بَيَان شَرَائِط الصِّحَّة وَإِلَى بَيَان الْمُوصى بِهِ وَإِلَى بَيَان الْمُوصى لَهُ وَمَا يتَّصل بِهَذِهِ الْجُمْلَة
أما الْوَصِيَّة فَهِيَ تمْلِيك مُضَاف إِلَى مَا بعد
стр. 900
الْمَوْت بطرِيق التَّبَرُّع إِذْ التَّمْلِيك أَنْوَاع ثَلَاثَة فَلَا بُد لكل نوع من اسْم خَاص ليتميز عَن صَاحبه فَالْبيع اسْم لتمليك عين المَال بعوض فِي حَالَة الْحَيَاة وَالْهِبَة وَالصَّدَََقَة تمْلِيك عين المَال بِغَيْر عوض فِي حَالَة الْحَيَاة بطرِيق التَّبَرُّع وَالْعَارِية تمْلِيك الْمَنْفَعَة بطرِيق التَّبَرُّع فِي حَالَة الْحَيَاة فَيكون الْوَصِيَّة اسْما لتمليك المَال بعد الْمَوْت بطرِيق التَّبَرُّع فِي الْعين وَالْمَنَافِع جَمِيعًا
فَأَما الْإِعْتَاق فِي معرض الْمَوْت تنجيزا وَكَذَا الْهِبَة والمحاباة فَلَيْسَتْ من جملَة الْوَصِيَّة فَإِنَّهَا نَافِذَة للْحَال
وَكَذَلِكَ الْكفَالَة وَضَمان الدَّرك لَكِن فِي معنى الْوَصِيَّة على معنى أَنه يعْتَبر من ثلث المَال لتَعلق حق الْغُرَمَاء بِالتَّرِكَةِ فِي مرض الْمَوْت
وَلَو كَانَ عَلَيْهِ حجَّة الْإِسْلَام أَو الزَّكَاة أَو الْكَفَّارَات وَجَبت فِي الصِّحَّة أَو فِي الْمَرَض فَيبْطل بِالْمَوْتِ عندنَا
وَلَو أوصى بهَا تصح من الثُّلُث بِمَنْزِلَة التَّبَرُّع فِي الْمَرَض
وعَلى هَذَا قُلْنَا إِن الْقبُول من الْمُوصى لَهُ وَالرَّدّ يعْتَبر بعد الْمَوْت لِأَن الْإِيجَاب ينزل بعد الْمَوْت وَالْقَبُول يشْتَرط عِنْد الْإِيجَاب كَمَا فِي البيع وَغَيره وَهَذَا عندنَا
وَعند زفر الْقبُول لَيْسَ بِشَرْط وَلَا ترتد بِالرَّدِّ كالميراث
وَلَو رد أَو قبل فِي حَيَاة الْمُوصي لَا يَصح حَتَّى لَو مَاتَ الْمُوصى لَهُ بعد الْقبُول قبل موت الْمُوصي فَإِن الْوَصِيَّة لَا يكون ملكا لوَرَثَة الْمُوصى لَهُ
وَلَو مَاتَ الْمُوصى لَهُ بعد موت الْمُوصي قبل الْقبُول وَالرَّدّ فَالْقِيَاس أَن لَا يكون لوَرَثَة الْمُوصى لَهُ شَيْء لِأَن الْقبُول لم يُوجد من الْمُوصى لَهُ فَيبْطل وَفِي الِاسْتِحْسَان يصير لوَرثَته إِمَّا لِأَنَّهُ وجد الْقبُول مِنْهُ دلَالَة أَو لِأَن الْإِيجَاب قد تمّ بِنَفسِهِ وَتوقف على قبُوله فَإِذا مَاتَ ثَبت الْملك لَهُ كَأَنَّهُ قبل دلَالَة كالمشتري بِالْخِيَارِ إِذا مَاتَ يلْزم العَبْد
فَلَو رد ورثته بعد مَوته هَل يَصح ردهم اخْتلف الْمَشَايِخ فِيهِ قيل يجوز الرَّد لِأَنَّهُ صَحَّ لوُجُود الْقبُول مِنْهُم دلَالَة فَإِذا وجد الرَّد
стр. 901
صَرِيحًا يبطل
وَقيل لَا يجوز لِأَنَّهُ صَار مِيرَاثا للْوَرَثَة عَن الْمُوصى لَهُ لصيرورته ملكا لَهُ بِالْمَوْتِ وَلَا يَصح رد الْمِيرَاث
وَأما بَيَان المشروعية فَنَقُول
قَالَ بَعضهم مَشْرُوعَة بِصفة الْوُجُوب فِي حق الْكل
وَقَالَ بَعضهم وَاجِبَة فِي حق الْوَالِدين لقَوْله تَعَالَى ﴿الْوَصِيَّة للْوَالِدين والأقربين﴾
وَالصَّحِيح أَنَّهَا مَشْرُوعَة بطريقة النّدب لقَوْله ﵇ إِن الله تَعَالَى تصدق عَلَيْكُم بِثلث أَمْوَالكُم فِي آخر أعماركم زِيَادَة فِي أَعمالكُم
وَأما شَرَائِط الصِّحَّة فَمِنْهَا أَهْلِيَّة التَّبَرُّع حَتَّى لَا يَصح من الصَّبِي وَالْعَبْد وَالْمكَاتب فِي حق الْمولى
وَمِنْهَا عدم الدّين لقَوْله تَعَالَى ﴿فَلَنْ تَجِد لَهُ نَصِيرًا﴾
وَمِنْهَا التَّقْدِير بِثلث التَّرِكَة حَتَّى أَنَّهَا لَا تصح فِيمَا زَاد على الثُّلُث إِلَّا أَن يُجِيز الْوَرَثَة وإجازتهم وردهم يَصح بعد الْمَوْت
أما قبل الْمَوْت فَلَا يَصح لما قُلْنَا إِن الْملك بِالْوَصِيَّةِ يثبت بعد الْمَوْت
وَمِنْهَا أَن يكون الْمُوصى لَهُ أَجْنَبِيّا حَتَّى أَن الْوَصِيَّة للْوَارِث لَا تجوز إِلَّا بِإِجَازَة الْوَرَثَة لقَوْله ﵇ لَا وَصِيَّة لوَارث إِلَّا أَن يُجِيز الْوَرَثَة فَإِن أجَاز بعض الْوَرَثَة تنفذ بِقدر حِصَّته من الْمِيرَاث لَا غير
стр. 902
وَمِنْهَا أَن لَا يكون قَائِلا لقَوْله ﵇ لَا وَصِيَّة لقَاتل
وَلَو أجَاز الْوَرَثَة يجوز عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد لِأَنَّهُ لَا يجوز لحق الْوَرَثَة فَيجوز بإجازتهم كَمَا فِي وَصِيَّة الْوَارِث
وَعند أبي يُوسُف لَا يجوز لِأَن الْمَانِع حق الله تَعَالَى فَصَارَ كالميراث
وَمِنْهَا أَن يكون الْمُوصى لَهُ مَوْجُودا حَيا حَتَّى لَو أوصى للجنين إِن كَانَ مَوْجُودا حَيا عِنْد الْإِيصَاء يَصح وَإِلَّا فَلَا
وَإِنَّمَا يعرف بِأَن ولد قبل سِتَّة أشهر حَيا
وَأما بَيَان الْمُوصى بِهِ فالموصى بِهِ يجب أَن يكون مَالا
ثمَّ المَال نَوْعَانِ الْمَنَافِع والأعيان
وَأما الْوَصِيَّة بالمنافع فجائزة بِأَن أوصى بِخِدْمَة عبد بِعَيْنِه لفُلَان يكون وَصِيَّة بِالْخدمَةِ لَهُ وَعين العَبْد تكون للْوَرَثَة مَا دَامَ الْمُوصى لَهُ حَيا وَإِذا مَاتَ فَيسلم العَبْد إِلَى الْوَرَثَة فَإِنَّهَا فِي معنى الْعَارِية المؤبدة فينتهي بِمَوْت الْمُوصى لَهُ
وَكَذَا لَو أوصى بِالْعَبدِ لإِنْسَان وبخدمته لآخر جَازَ لما قُلْنَا
وَكَذَا لَو أوصى بسكنى دَاره أَو بغلة بستانه وَلم يُوَقت فِي ذَلِك وقتا فَيكون للْمُوصى لَهُ مُدَّة حَيَاته وَيعود الْبُسْتَان وَالدَّار إِلَى الْوَرَثَة وَمَا كَانَ من الثَّمَرَة وَالْغلَّة حَاصِلا قبل موت الْمُوصى لَهُ فَيكون لوَرثَته وَمَا يحصل بعد مَوته يكون لوَرَثَة الْمُوصي
وَإِنَّمَا يجوز إِذا خرج من الثُّلُث وَإِنَّمَا يعْتَبر خُرُوج قيمَة الْأَعْيَان الَّتِي أوصى بغلتها وَخدمتهَا وثمرتها من الثُّلُث دون أَن يضم الْغلَّة وَقِيمَة الثَّمَرَة والخدمة إِلَى رَقَبَة الْأَعْيَان
стр. 903
وَلَو أوصى بالثمرة بالغلة للْمَسَاكِين جَازَ بِالْإِجْمَاع
وَلَو أوصى بسكنى دَاره أَو بِخِدْمَة عَبده أَو بِظهْر فرسه للْمَسَاكِين لَا يجوز عِنْد أبي حنيفَة وَعِنْدَهُمَا يجوز
وَلَو أوصى لفقير وَاحِد بِعَيْنِه جَازَ وَهِي مَسْأَلَة مَعْرُوفَة
وَأما الْوَصِيَّة بأعيان الْأَمْوَال فَإِنَّهُ يجوز سَوَاء كَانَ الْمُوصى بِهِ مَوْجُودا معينا أَو بِربع المَال أَو ثلثه أَو خمسه وَله مَال أَو أوصى بالمعدوم بِأَن يُوصي بِمَا يُثمر نخله أَو مَا يخرج من بستانه أَو بِثلث مَاله وَلَا مَال لَهُ فَإِن الْوَصِيَّة جَائِزَة من الثُّلُث
وَيعْتَبر الثُّلُث وَقت موت الْمُوصي لَا قبله لما ذكرنَا أَنَّهَا إِيجَاب الْملك عِنْد الْمَوْت حَتَّى إِنَّه لَو أوصى بِثلث مَاله وَله ثَلَاثَة آلَاف دِرْهَم ثمَّ مَاتَ وَله ألف فَإِن الْوَصِيَّة تصح فِي ثلث الْألف لما قُلْنَا
وَلَو أوصى بِلَبن غنمه وأصوافها وَأَوْلَادهَا ثمَّ مَاتَ الْمُوصي فَإِنَّهُ يَقع على مَا هُوَ الْمَوْجُود يَوْم الْمَوْت دون مَا يحدث من بعد الْمَوْت وَإِن لم يكن شَيْئا مَوْجُودا وَقت الْمَوْت بِخِلَاف الْوَصِيَّة بثمرة النَّخْلَة فَإِنَّهُ يَقع على الْمَوْجُود وَقت الْمَوْت إِن كَانَ وَإِن لم يكن يَقع على مَا يحدث بعد موت الْمُوصي
وَأما الْوَصِيَّة بالموجود فَإِن كَانَ شَيْئا معينا فَإِنَّهُ يَصح فِيهِ حَتَّى إِذا خرج من الثُّلُث يكون للْمُوصى لَهُ وَإِن لم يكن يخرج يكون لَهُ بِقدر الثُّلُث
وَإِذا هلك ثُلُثَاهُ وَبَقِي الثُّلُث يكون كل الثُّلُث لَهُ إِن خرج من ثلث المَال
وَأما إِذا كَانَت الْوَصِيَّة بِثلث المَال أَو بربعه وَنَحْو ذَلِك فَإِن خرج يكون لَهُ وَإِن لم يخرج يكون لَهُ بِقدر الثُّلُث
وَأما إِذا اجْتمعت الْوَصَايَا لأَحَدهم بِالثُّلثِ وَلآخر بِالربعِ وَلآخر
стр. 904
بالخمس فَإِن أجَاز الْوَرَثَة جَازَ فِي الْكل
وَإِلَّا يصرف إِلَى كل وَاحِد مِنْهُم من الثُّلُث بِقدر وَصيته ويتضاربون فِي ذَلِك فَيكون ثلث الثُّلُث لهَذَا وَربع الثُّلُث وَخمْس الثُّلُث للآخرين كَمَا فِي الْمَوَارِيث
وَإِن كَانَ وَصِيَّة أحدهم أَكثر من الثُّلُث بِأَن أوصى لَهُ بِالنِّصْفِ أَو بالثلثين فَعِنْدَ أبي حنيفَة يضْرب من زَاد نصِيبه على الثُّلُث بِالثُّلثِ دون الزِّيَادَة وَمن كَانَ نصِيبه دون الثُّلُث فِيمَا سمي لَهُ
وَعِنْدَهُمَا يضْرب صَاحب الزِّيَادَة بِجَمِيعِ مَا سمي لَهُ كَمَا فِي الْمِيرَاث
وَأَجْمعُوا فِي خمس وَصَايَا أَنه يضْرب بِمَا سمي وَإِن جَاوز عَن الثُّلُث فِي الْعتْق الْموقع فِي الْمَرَض وَفِي الْعتْق الْمُعَلق بِمَوْت الْمُوصي وَهُوَ التَّدْبِير وبالمحاباة فِي الْمَرَض وبالوصية بِالْإِعْتَاقِ بعد الْمَوْت وبالوصية الْمُرْسلَة وَهِي الْوَصِيَّة بِشَيْء بِغَيْر عينه وَلَا يكون مَنْسُوبا إِلَى جُزْء من المَال نَحْو الْوَصِيَّة لفُلَان بِمِائَة دِرْهَم وَنَحْوهَا
وَهل يقدم بعض أَصْحَاب الْوَصِيَّة مُعلى الْبَعْض فَلَا يَخْلُو إِمَّا إِن كَانَت الْوَصَايَا للعباد أَو تقع الله تَعَالَى
أما إِذا كَانَت الْوَصَايَا للعباد فَإِنَّهُ يقدم الْعتْق الْموقع فِي الْمَرَض وَالْعِتْق الْمُعَلق بِمُطلق الْمَوْت وَهُوَ التَّدْبِير الصَّحِيح والمحاباة فِي البيع الْوَاقِع فِي الْمَرَض
وَمَا سوى هَذِه الْوَصَايَا يتضارب فِيهَا أهل الْوَصَايَا على السوَاء لَا يقدم بَعضهم على بعض
وَإِن ضَاقَ الثُّلُث عَن الْعتْق والمحاباة يبْدَأ بِمَا بَدَأَ بِهِ الْمُوصي مِنْهُمَا لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْقُوَّة فترجح بالبداءة وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَقَالا يبْدَأ بِالْعِتْقِ لَا محَالة لِأَنَّهُ لَا يحْتَمل الْفَسْخ
стр. 905
وَأما إِذا كَانَت الْوَصَايَا بِمَا هُوَ من حُقُوق الله تَعَالَى نَحْو الْحَج وَالزَّكَاة وَالْكَفَّارَات وَالصَّدقَات وَنَحْوهَا من أَعمال الْبر ينظر إِن كَانَ كُله تَطَوّعا بَدَأَ بِمَا بَدَأَ بِهِ الْمُوصي لِاسْتِوَاء الْكل فِي نَفسه فِي الْقُوَّة فيترجح بالبداءة لِأَنَّهُ هُوَ الأهم عِنْده ظَاهرا وَلَا يقدم الْوَصِيَّة بِالْإِعْتَاقِ لِأَنَّهُ يحْتَمل الْفَسْخ كَسَائِر الْوَصَايَا فَإِذا بلغ الثُّلُث للْكُلّ فبها ونعمت وَإِن فني الثُّلُث بِالْبَعْضِ يبطل الْبَاقِي
وَإِن كَانَت كلهَا فَرَائض مُتَسَاوِيَة بِأَن كَانَ وُجُوبهَا ثَبت بِدَلِيل مَقْطُوع بِهِ يرجح بالبداءة لتساويها فِي الْقُوَّة وَقَالُوا فِي الْحَج وَالزَّكَاة عِنْد أبي يُوسُف يقدم الْحَج فِي رِوَايَة وَإِن أَخّرهُ جَازَ
وَفِي رِوَايَة يقدم الزَّكَاة وَهُوَ قَول مُحَمَّد ﵀
ثمَّ مَا أوجبه الله تَعَالَى ابْتِدَاء أولى مِمَّا أوجبه عِنْد فعل من الْمُكَلف فَقَالُوا يقدم الْحَج وَالزَّكَاة على الْكَفَّارَات الْمَذْكُورَة فِي الْقُرْآن
ثمَّ هَذِه الْكَفَّارَات مُقَدّمَة على صَدَقَة الْفطر والفطرة مُقَدّمَة على كَفَّارَة الْفطر لِأَنَّهَا ثبتَتْ بِخَبَر الْوَاحِد وَهِي مُقَدّمَة على الْمَنْذُور هُوَ مقدم على الْأُضْحِية
والواجبات كلهَا مُقَدّمَة على النَّوَافِل
وَأما إِذا كَانَ مَعَ الْوَصَايَا الثَّابِتَة لحق الله تَعَالَى الْوَصِيَّة للآدمي فَإِن الْمُوصى لَهُ يضْرب مَعَ الْوَصَايَا بِالْقربِ وَيجْعَل كل جِهَة من جِهَات الْقرب مُفْردَة بِالضَّرْبِ وَلَا يَجْعَل كلهَا جِهَة وَاحِدَة بِأَن قَالَ ثلث مَالِي فِي الْحَج وَالزَّكَاة وَالْكَفَّارَات ولزيد يقسم على أَرْبَعَة أسْهم لِأَن كل جِهَة غير الْأُخْرَى وَلَا يقدم الْفَرْض على حق الأدمِيّ لحَاجَة العَبْد إِلَى حَقه
ثمَّ إِنَّمَا يصرف إِلَى الْحَج الْفَرْض وَالزَّكَاة وَالْكَفَّارَات إِذا أوصى
стр. 906
بهَا فَأَما بِدُونِ الْوَصِيَّة فَلَا يصرف الثُّلُث إِلَيْهَا بل يسْقط عندنَا خلافًا للشَّافِعِيّ على مَا ذكرنَا فِي الزَّكَاة
وَإِذا أوصى يعْتَبر من الثُّلُث لتَعلق حق الْوَرَثَة بِمَالِه فِي مرض الْمَوْت
وَأما بَيَان الْمُوصى لَهُ وَأَحْكَامه فَنَقُول الْمُوصى لَهُ يجب أَن يكون حَيا وَأَن يكون أَجْنَبِيّا لَا وَارِث لَهُ وَلَا قَائِلا إِيَّاه وَقد ذكرنَا هَذَا حَتَّى لَو أوصى لِرجلَيْنِ أَحدهمَا ميت تكون الْوَصِيَّة كلهَا للحي
وَلَو أوصى لأَجْنَبِيّ ولوارثه يكون النّصْف للْأَجْنَبِيّ لِأَن الْوَارِث من أهل الْوَصِيَّة حَتَّى لَو أجَاز بَاقِي الْوَرَثَة جَازَ
وَلَو أوصى لِذَوي قرَابَته أَو لأقربائه أَو لذِي قراباته أَو لأرحامه أَو لِذَوي رحم مِنْهُ فَإِن عِنْد أبي حنيفَة يعْتَبر فِي هَذِه الْوَصِيَّة أَشْيَاء ذُو الرَّحِم الْمحرم وَالْأَقْرَب فَالْأَقْرَب وَأَن لَا يكون فيهم وَالِد وَلَا ولد وَأَن يكون اثْنَيْنِ فَصَاعِدا إِن كَانَ بِلَفْظ الْجمع أَو يَقُول لِذَوي قرَابَته
وَلَو قَالَ لذِي قرَابَته يَقع على الْوَاحِد فَصَاعِدا
وَعند أبي يُوسُف وَمُحَمّد الْوَصِيَّة لجَمِيع قرَابَته من جِهَة الرِّجَال وَالنِّسَاء إِلَى أقْصَى أَب لَهُ فِي الْإِسْلَام الْقَرِيب والبعيد فِيهِ سَوَاء كَمَا إِذا أوصى للعلوية والعباسية يصرف إِلَى من يتَّصل بعلي وعباس ﵄ دون من فَوْقهمَا من الْآبَاء
بَيَانه إِذا ترك عمين وخالين فَعنده الْوَصِيَّة للعمين للقرب وَعِنْدَهُمَا بَين الْكل أَربَاعًا
وَلَو ترك عَمَّا وخالين فللعم النّصْف وَالنّصف للخالين عِنْده
стр. 907
لِأَن اسْم الْجمع فِي الْوَصِيَّة ينْصَرف إِلَى اثْنَيْنِ فَيسْتَحق كل وَاحِد النّصْف فَيكون للأقرب النّصْف وَالنّصف للأبعدين بَينهمَا سَوَاء
وَإِن ترك عَمَّا وَاحِدًا وَلم يكن لَهُ غَيره من ذَوي الرَّحِم الْمحرم فالنصف للعم وَالنّصف رد على الْوَرَثَة عِنْده
وَعِنْدَهُمَا يصرف إِلَى ذِي الرَّحِم الَّذِي لَيْسَ بِمحرم
وَإِن كَانَ أوصى لذِي قرَابَته فَجَمِيع الثُّلُث للعم لما بَينا
وَلَو أوصى لأهل بَيت فلَان أَو لحسبه أَو نسبه أَو لأنسبائه فَهَذَا يَقع على قرَابَة أَبِيه الَّذين ينسبون إِلَيْهِ إِلَى أقْصَى أَب لَهُ فِي الْإِسْلَام دون قرَابَة أمه لِأَن النّسَب والحسب وَالْبَيْت يخْتَص بِالْأَبِ دون الْأُم
وَكَذَا لَو أوصى لآل فلَان فَهُوَ بِمَنْزِلَة أهل بَيت فلَان
وَلَو أوصى لأهل فلَان فَالْقِيَاس أَن يَقع على زَوْجَة فلَان خَاصَّة وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَعِنْدَهُمَا يصرف إِلَى جَمِيع من كَانَ فِي عِيَاله من الْأَحْرَار وَلَا يدْخل فِيهِ المماليك وَأما الابْن الْكَبِير الَّذِي اعتزل عَنهُ وَالْبِنْت الَّتِي فِي بَيت الزَّوْج فَلَا تدخل
وَلَو أوصى لبني فلَان فَإِن كَانُوا لَا يُحْصى عَددهمْ كبني تَمِيم وَبني الْعَبَّاس فَإِنَّهُ يصرف إِلَى جَمِيع الْقَبِيلَة
وَيدخل فيهم الحليف وَالْموالى بِسَبَب الْوَلَاء والعتاقة لِأَن هَذَا بِمَنْزِلَة الصَّدَقَة وَله أَن يصرف إِلَى وَاحِد وَأكْثر عِنْد أبي يُوسُف لِأَنَّهُ اسْم جنس وَعند مُحَمَّد يصرف إِلَى اثْنَيْنِ وَأكْثر دون الْوَاحِد لِأَن اسْم الْجمع فِي الْوَصِيَّة يَقع على الِاثْنَيْنِ وَالذكر وَالْأُنْثَى فِيهِ سَوَاء لِأَنَّهُ اسْم للقبيلة
وَلَو كَانُوا يُحصونَ وأبوهم من الْعَرَب فَإِنَّهُ يدْخل فِيهِ بَنو فلَان من الْعَرَب دون الحلفاء والموالي
стр. 908
ثمَّ عِنْد أبي حنيفَة يدْخل فِيهِ الذُّكُور من أَوْلَاد الصلب دون الْإِنَاث
وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد يدْخل فِيهِ الْكل وَهُوَ قَول أبي حنيفَة الأول
وَأَجْمعُوا أَنه إِذا كَانَ الْكل إِنَاثًا لَا يدْخلُونَ
وَأما إِذا لم يكن لفُلَان ولد الصلب فَإِن الْوَصِيَّة للذكور من أَوْلَاد الْبَنِينَ عِنْد أبي حنيفَة وَعِنْدَهُمَا يدْخل الْكل
وَهل يدْخل بَنو الْبَنَات فروى الْحسن عَن أبي حنيفَة أَنهم يدْخلُونَ وَذكر فِي السّير الْكَبِير أَنهم لَا يدْخلُونَ
وَلَو كَانَ لَهُ ابْن وَاحِد وَبَنُو بَنِينَ فللابن النّصْف وَالْبَاقِي للْوَرَثَة دون بني الْبَنِينَ وَعِنْدَهُمَا للِابْن النّصْف وَالْبَاقِي لبني الْبَنِينَ
وَلَو كَانَ لَهُ ابْنَانِ وَبَنُو ابْن فَالْكل للابنين لِأَن الِابْنَيْنِ فِي الْوَصِيَّة بِمَنْزِلَة الْجمع
وَلَو كَانَ لَهُ ابْن وَاحِد وَبَنَات فالنصف للِابْن وَالْبَاقِي للْوَرَثَة عِنْد أبي حنيفَة
وَعِنْدَهُمَا للِابْن النّصْف وَالْبَاقِي للبنات
وَلَو كَانَ لَهُ بَنَات وَبَنُو ابْن فَلَا شَيْء لَهُم بل للْوَرَثَة عِنْده وَعِنْدَهُمَا للْكُلّ على السوَاء
وَلَو أوصى لولد فلَان فَإِنَّهُ يدْخل فِيهِ الذّكر والانثى على السوَاء وَيدخل فِيهِ الْجَنِين الَّذِي يُولد لأَقل من سِتَّة أشهر وَلَا يدْخل ولد الْوَلَد مَا دَامَ الصلبي حَيا
وَلَو كَانَ لَهُ بَنَات وَبَنُو الابْن فَهِيَ للبنات لَا غير
وَلَو كَانَ ولد وَاحِد فَالْكل لَهُ لِأَن اسْم الْوَلَد يَقع لَهُ
وَلَو أوصى لعقب فلَان فعقب الرجل هُوَ وَلَده من الذُّكُور وَالْإِنَاث
فَإِن لم يكن فولد وَلَده من الذُّكُور دون الْإِنَاث وَدون ولد
стр. 909
الْإِنَاث
وَيكون هَذَا الِاسْم بعد موت الْأَب لَا قبله حَتَّى إِن الْمُوصي إِذا مَاتَ وَفُلَان حَيّ فَلَا شَيْء لَهُم لأَنهم لَا يكونُونَ عقبا حَال حَيَاته
وَكَذَا لَو أوصى لوَرَثَة فلَان فَهُوَ مثل عقب فلَان إِلَّا أَن فِي الْعقب سهم الذّكر وَالْأُنْثَى سَوَاء فِي الْوَرَثَة يكون بَينهم على قدر الْمَوَارِيث
وَلَو أوصى لعصبة فلَان فَإِنَّهُ يَصح الْوَصِيَّة وَإِن لم يمت فلَان حَتَّى إِذا مَاتَ الْمُوصي تصرف الْوَصِيَّة إِلَى عصبته فَإِن كَانَ لَهُ أَب وَابْن فالعصبة هُوَ الابْن دون الْأَب وَيكون للأقرب فَالْأَقْرَب على تَرْتِيب الْعَصَبَات
وَلَو أوصى لأختانه فالختن زوج كل ذَات رحم محرم مِنْهُ وكل ذِي رحم محرم من أَزوَاجهنَّ من الذّكر وَالْأُنْثَى وهم فِي الْوَصِيَّة سَوَاء
وَلَو أوصى للأصهار فالصهر كل ذِي رحم محرم من زَوجته الذّكر وَالْأُنْثَى
وَلَو أوصى لأيتام بني فلَان فَإِنَّهُ يَقع على من لَا أَب لَهُ
وَلَو أوصى لأيامى بني فلَان فالأيم كل امْرَأَة لَا زوج لَهَا بكرا كَانَت أَو ثَيِّبًا وَعند مُحَمَّد يَقع على الثّيّب الأيم والأرملة كل امْرَأَة محتاجة أرملت من زَوجهَا وَمَالهَا
ثمَّ هَذِه الْوَصَايَا نَوْعَانِ فَالْوَصِيَّة لقوم يُحصونَ تقع على عدد رؤوسهم على السوَاء ذكرهم وأنثاهم غنيهم وفقيرهم صَغِيرهمْ وَكَبِيرهمْ
فَأَما إِذا كَانُوا لَا يُحْصى عَددهمْ فَهُوَ على ثَلَاثَة أوجه
стр. 910
إِن أوصى لأهل الْحَاجة نصا بِأَن قَالَ لفقراء بني تَمِيم أَو لمساكينهم وأراملهم فَإِنَّهُ يَصح لِأَن الْحق فِيهِ لله تَعَالَى والفقراء مصارف فَصَاحب الْحق مَعْلُوم فَصحت
وَالثَّانِي أَن يذكر اسْما لَا يدل على الْحَاجة لَا عرفا وَلَا لُغَة كَقَوْلِه أوصيت لبني فلَان أَو لأيامى بني فلَان أَو لشبانهم أَو لكهولهم أَو لشيوخهم فَإِنَّهُ لَا يجوز لِأَن الْوَصِيَّة تقع لَهُم وهم مَجْهُولُونَ
وَالثَّالِث أَن يكون الِاسْم قد يَقع على الْفُقَرَاء إِمَّا فِي عرف اللُّغَة أَو فِي عرف الشَّرْع كَمَا إِذا أوصى لأيتام بني فلَان أَو لعميانهم أَو لزمناهم لقَوْله تَعَالَى ﴿واليتامى وَالْمَسَاكِين﴾ فَمَتَى كَانُوا لَا يُحصونَ يسْتَدلّ بِهِ أَنه أَرَادَ بِهِ الْفُقَرَاء مِنْهُم تَصْحِيحا للْوَصِيَّة بِخِلَاف مَا إِذا كَانُوا يُحصونَ فَإِنَّهُ يَقع على الْأَغْنِيَاء والفقراء جَمِيعًا لِأَنَّهُ يُمكن الْعَمَل بِحَقِيقَة الِاسْم لِأَن الْوَصِيَّة تصح لَهُم
وَلَو أوصى لغلمان بني فلَان ولصبيانهم يَقع على من لم يَحْتَلِم
وَلَو قَالَ لشبانهم أَو لفتيانهم يَقع على من بلغ مِنْهُم إِلَى أَن يصير كهلا وَدخل فِي الثَّلَاثِينَ إِلَّا إِذا غَلبه الشمط قبل ذَلِك
والكهل يَقع على من دخل فِي الثَّلَاثِينَ إِلَى خمسين إِلَّا إِذا غلب الْبيَاض
وَالشَّيْخ يَقع على الْخمسين إِلَى آخر الْعُمر إِلَّا إِذا غلب الْبيَاض قبله هَذَا هُوَ الْأَشْبَه من الْأَقْوَال
стр. 911
فصل فِي الْإِيصَاء
الله جلّ ذكره نقُول الْإِيصَاء جَائِز
وَلَا بُد لَهُ من الْقبُول من الْمُوصي لِأَنَّهُ مُتَبَرّع بِالْعَمَلِ فِيهِ فَلَا بُد من قبُوله
وَكَانَ يَنْبَغِي أَن يعْتَبر الْقبُول بعد الْمَوْت كَمَا فِي الْوَصِيَّة بِالْمَالِ لِأَنَّهُ إِيجَاب بعد الْمَوْت لَكِن جَازَ هَاهُنَا الْقبُول فِي حَال الْحَيَاة بِخِلَاف الْوَصِيَّة بِالْمَالِ لضَرُورَة أَن الْمَيِّت إِنَّمَا يُوصي إِلَى من يعْتَمد عَلَيْهِ من الأصدقاء والأمناء فَلَو اعْتبر الْقبُول بعد الْمَوْت فَرُبمَا لَا يقبل فَلَا يحصل غَرَضه وَهُوَ الْمُوصي الَّذِي اخْتَارَهُ
وَإِذا صَحَّ فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن كَانَ الْمُوصي حَاضرا أَو غَائِبا
فَإِن كَانَ حَاضرا وَقبل مُوَاجهَة صَحَّ
وَلَو أَرَادَ أَن يرد الْوِصَايَة وَيرجع لَا يَصح بِدُونِ محْضر الْمُوصي أَو علمه لما فِيهِ من الْغرُور بِهِ
وَإِذا رد فِي المواجهة صَحَّ
فَأَما إِذا كَانَ غَائِبا فَبَلغهُ الْخَبَر فَقبل فَلَا يَصح رده إِلَّا بِحَضْرَة الْمُوصي
وَإِذا بلغه وَلم يقبل ورده صَحَّ بِغَيْر محضره لِأَنَّهُ لَيْسَ بغرور
وَأما إِذا بلغه بعد الْمَوْت فَإِذا قبل أَو تصرف فِي التَّرِكَة تَصرفا يدل
стр. 912
على قبُوله فَلَا يَصح رده إِلَّا عِنْد الْحَاكِم لِأَنَّهُ قَائِم مقَام الْمُوصي كَالْوَكِيلِ لَا يملك عزل نَفسه فِي حَال غيبَة الْمُوكل وَيملك فِي حَال حَضرته
فَأَما إِذا لم يقبل ورد كَمَا علم يَصح وَله الْخِيَار بَين أَن يقبل وَيرد لِأَنَّهُ مُتَبَرّع فِي الْعَمَل فَلَا يجْبر عَلَيْهِ
وَلَو لم يعلم القَاضِي بِأَن للْمَيت وَصِيّا وَالْوَصِيّ غَائِب فأوصى إِلَى رجل فالوصي هُوَ وَصِيّ الْمَيِّت دون وَصِيّ القَاضِي لِأَنَّهُ اتَّصل بِهِ اخْتِيَار الْمَيِّت كَمَا إِذا كَانَ القَاضِي عَالما
ثمَّ للْقَاضِي أَن يعْزل وَصِيّ الْمَيِّت إِذا كَانَ فَاسِقًا غير مَأْمُون على التَّرِكَة
وَإِن كَانَ ثِقَة لكنه ضَعِيف لَا يقدر على التَّصَرُّف وَحفظ التَّرِكَة بِنَفسِهِ فَإِن القَاضِي يضم إِلَيْهِ غَيره وَلَا يعزله لاعتماد الْمُوصي عَلَيْهِ لأمانته فيحصيل الْغَرَض بهما
وَلَو أوصى الْمَيِّت إِلَى رجل ثمَّ أوصى إِلَى آخر كَانَ هَذَا اشتراكا فِي الْوِصَايَة مَا لم ينص على عزل الأول وإخراجه
وَكَذَلِكَ هَذَا من القَاضِي
وَلَو أَنه أوصى إِلَى رجل بِقَضَاء دينه وَأوصى إِلَى آخر بِأَن يعْتق عَنهُ فَهُوَ وصيان فيهمَا جَمِيعًا عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف
وَكَذَلِكَ إِذا أوصى بِنَصِيب بعض وَلَده إِلَى رجل وبنصيب من بَقِي إِلَى آخر
وعَلى هَذَا لَو أوصى بميراثه فِي بلد إِلَى رجل وَفِي بلد آخر إِلَى آخر
وَكَذَلِكَ لَو أوصى بتقاضي الدّين إِلَى رجل وبنفقة الْوَرَثَة إِلَى آخر وبحفظ
стр. 913
المَال إِلَى آخر
وَكَذَا إِذا أوصى إِنْسَان للْحَال وَإِلَى آخر إِن قدم فَإِذا قدم فلَان فَهُوَ وَصِيّ دون الأول فهما وصيان فِي ذَلِك كُله عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف خلافًا ل مُحَمَّد لِأَن الْوِصَايَة لَا تتجزأ عِنْدهمَا مَتى ثبتَتْ فِي الْبَعْض تثبت فِي الْكل
وَرُوِيَ عَن أبي حنيفَة فِيمَن أوصى إِلَى فلَان حَتَّى يقدم فلَان فَإِذا قدم فَهُوَ الْوَصِيّ دون الأول فَهُوَ كَمَا قَالَ فَيكون عَن أبي حنيفَة رِوَايَتَانِ فِي هَذَا
وَيجوز أَن يكون الأول قَول أبي يُوسُف خَاصَّة
وَعند وَمُحَمّد كل وَاحِد مِنْهُمَا وَصِيّ فِيمَا جعل إِلَيْهِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُور من الْخلاف
وَلَو أوصى إِلَى رجل وَهُوَ وَصِيّ لرجل آخر فَإِنَّهُ يكون وَصِيّا فِي تركته وتركة الأول عندنَا خلافًا لِابْنِ أبي ليلى
وَلَو أوصى إِلَى رجلَيْنِ فَإِن أَحدهمَا لَا ينْفَرد بِتَصَرُّف يحْتَاج فِيهِ إِلَى الرَّأْي عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد
وَعند أبي يُوسُف ينْفَرد
ثمَّ إِن عِنْدهمَا ينْفَرد فِي أَشْيَاء مَخْصُوصَة بِأَن يكون فِي تَأْخِير التَّصَرُّف ضَرَر إِلَى حَضْرَة صَاحبه أَو لَا يحْتَاج فِيهِ إِلَى الرَّأْي وَذَلِكَ نَحْو شِرَاء الْكَفَن وجهاز الْمَيِّت وَكَذَا جمع الْأَمْوَال المتفرقة من قبض الدُّيُون والودائع وَالْمَغْصُوب
وَكَذَلِكَ فِي أَدَاء مَا على الْمَيِّت من رد الودائع وَالْمَغْصُوب وَقَضَاء الدّين وتنفيذ الْوَصِيَّة بِأَلفَيْنِ أَو بِأَلف مُرْسلَة أَو بِإِعْتَاق عبد بِعَيْنِه بِخِلَاف الْوَصِيَّة بأعمال الْبر أَو إِعْتَاق عبد غير معِين لِأَنَّهُ يحْتَاج فِيهِ إِلَى الرَّأْي
وَكَذَا شِرَاء مَا لَا بُد للْيَتِيم مِنْهُ نَحْو الْإِنْفَاق وَالْكِسْوَة وَكَذَا قبُول
стр. 914
الْهِبَة وَبيع مَا يتسارع إِلَيْهِ الْفساد لِأَن فِيهِ مَنْفَعَة للصَّبِيّ
وَهَكَذَا ينْفَرد بِالْخُصُومَةِ للْمَيت وَعَلِيهِ
وَلَو مَاتَ أحد الْوَصِيّين وَأوصى إِلَى رجل آخر جَازَ وَيكون قَائِما مقامة
وَإِن لم يوص إِلَى آخر فللقاضي أَن ينصب وَصِيّا آخر حَتَّى ينفذ تصرفهما عِنْدهمَا خلافًا لأبي يُوسُف
ثمَّ وَصِيّ الْأَب أولى من الْجد
فَإِن لم يكن فالجد ثمَّ وَصِيّ الْجد
فَإِن لم يكن فَالْقَاضِي ووصي القَاضِي
ثمَّ ينظر إِن كَانَ فِي التَّرِكَة دين يملك الْوَصِيّ بيع كل شَيْء لقَضَاء الدّين من الْعقار وَالْمَنْقُول
وَإِن لم يكن دين وَالْوَرَثَة كلهم صغَار يملك بيع كل شَيْء وإمساك ثمنه وَالتَّصَرُّف فِيهِ
وَإِن كَانَ كلهم كبارًا وهم حُضُور لَيْسَ لَهُ ولَايَة بيع شَيْء إِلَّا إِذا كَانَ فِيهِ وَصَايَا
وَإِن كَانُوا غيبا يملك بيع الْمَنْقُول لِأَن حفظ الثّمن أيسر وَله ولَايَة حفظ مَال الْغَائِب وَلَا يملك بيع الْعقار
وَإِن كَانَ بَعضهم صغَارًا وَبَعْضهمْ كبارًا غيبا يملك بيع الْعقار عِنْد أبي حنيفَة وَعِنْدَهُمَا لَا يَصح فِي حِصَّة الْكِبَار
وَأما وَصِيّ الْأُم وَالْأَخ وَالْعم فَهَؤُلَاءِ بِأَنْفسِهِم يملكُونَ حفظ مَال الصَّبِي وَبيع الْمَنْقُول لِأَنَّهُ من بَاب الْحِفْظ
стр. 915
وَلَو قَالَ لرجل إِن مت من مرضِي هَذَا أَو فِي سَفَرِي هَذَا فَأَنت وَصِيّ فِي مَالِي فبرأ وَلم يمت حَتَّى رَجَعَ من السّفر ثمَّ مَاتَ لَا يكون وَصِيّا لِأَنَّهُ تعلق بِشَرْط خَاص وَلم يُوجد
وَلَو أوصى إِلَى عبد إِنْسَان أَو إِلَى ذمِّي أَو إِلَى صبي عَاقل فَإِنَّهُ لَا ينفذ ويخرجه القَاضِي
وَلَو عتق العَبْد وَأسلم الذِّمِّيّ قبل إِخْرَاج القَاضِي تنفذ الْوَصَايَا
وَإِذا بلغ الصَّبِي لَا تنفذ عِنْد أبي حنيفَة وَعِنْدَهُمَا تنفذ
وَلَو تصرف العَبْد أَو الذِّمِّيّ قبل الْإِخْرَاج يَصح فِي رِوَايَة وَلَا يَصح فِي رِوَايَة وَفِي الصَّبِي لَا يَصح بِالْإِجْمَاع
وَلَو أوصى إِلَى عبد نَفسه فَإِن لم يكن فِي الْوَرَثَة كَبِير جَازَ عِنْد أبي حنيفَة خلافًا لَهما
وَلَو كَانَ فِي الْوَرَثَة كَبِير لَا يَصح بِالْإِجْمَاع
следующие страницы →