← Джавами‘

Джавами‘ · id 7693

دروس للشيخ أبي إسحاق الحويني

أبو إسحق الحويني

Полный текст (1 719 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

استثمار الوقت عند العلماء إن الوقت هو من أكثر ما يغبن فيه المرء كما صح عن النبي ﷺ . وما من مسلم إلا ويعد الوقت في حياته هو رأس ماله، فإن استغله واستثمره كان ذلك فوزاً وفلاحاً له في الآخرة، وإن فرط فيه وضيعه كان حسرة عليه وندامة. ولقد ضرب لنا السلف أروع الأمثلة في استغلالهم لأوقاتهم، فلا يكاد الواحد منا يسمع تلك الروايات التي تحكي لنا عن كيفية استثمارهم لأوقاتهم في العمل والعلم، وقبل ذلك كله في العبادة إلا ويخال تلك الروايات من الأساطير لما يظهر فيها من جدهم واجتهادهم وجعلهم الآخرة نصب أعينهم.

стр. 2

احتساب السلف لأعمارهم وجهدهم في طلب العلم إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. إن أشرف ما يستثمر باتفاق العقلاء، هو الوقت؛ لأن الوقت هو العمر، وبمقدار ما يستثمر المرء هذا الوقت بمقدار ما تكون له المكانة في الدار الآخرة؛ لأن حياته في الآخرة إنما هي باستثماره لعمره، فإذا ضيعه خسر هناك، وإذا استثمره حق استثماره ربح. ولا أفضل ولا أجود من ضرب المثال في استثمار الوقت بحياة العلماء؛ لأنهم هم الذين عرفوا شرف هذا العمر، فلذلك نضرب المثل بهم، فهم القدوة، وهم الذين نأخذ عنهم الفتوى. لقد وجدنا في علمائنا السالفين أشياء يتعجب المرء منها، عندما ينظر إليهم وهم يستثمرون الثواني والدقائق في أعمالهم، وكان يتخلل ذلك كله إخلاص في طلب العلم؛ لذلك استطابوا المعاناة واحتسبوها في سبيل وجه الله ﵎ في طلبهم لهذا العلم. وهذا الذي يفرق بين هؤلاء وبين كثير من الأجيال من بعدهم، وهي مسألة الحسبة في الطلب، فإذا احتسب الرجل جهده في الطلب لا يشعر بأي شيء من المعاناة؛ لأنه إنما يحتسب وجه الله ﵎، وأضرب مثلاً بالقصة المشهورة في سبيل التثبت من لفظة واحدة أو من حديث للنبي ﵌ ينقله هؤلاء العلماء إلى جميع الأمة بعدهم، ولولا ثبات هؤلاء وحسن بحثهم لما كان بأيدينا شيء ذو بال من تراث النبي ﵊: من أحاديث وأسانيد وأقوال علماء. ذكر ابن حبان ﵀ في مقدمة كتابه المجروحين، عن نصر بن حماد أبي الحارث الوراق، قال: كنا بدار شعبة نتذاكر السنة، فقلت: حدثني إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الله بن عطاء عن عقبة بن عامر الجهني، أن النبي ﷺ قال: (من توضأ ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله فتحت له أبواب الجنة الثمانية)، قال: فخرج شعبة فلطمني ودخل الدار، وكان معه عبد الله بن إدريس، قال: فخرج -أي: بعد ذلك- فوجدني قاعداً أبكي، فقال: هو بعد يبكي، فقال له: عبد الله بن إدريس إنك لطمت الرجل، فقال: إنه مجنون إنه لا يدري ما يحدث، إني سألت أبا إسحاق عن هذا الحديث، سمعته من عبد الله بن عطاء فغضب ولم يجب، غضب؛ لأن أبا إسحاق السبيعي كان يدلس. ومعروف أن من أنواع التدليس -وهو تدليس أبي إسحاق السبيعي - أن يسقط الراوي شيخه الضعيف أو الصغير فيعلو بسنده، وقد يكون هذا الرجل ضعيفاً أو كذاباً أو متروكاً، لذلك لم يكن العلماء يقبلون من المدلس حديثاً إلا ما صرح فيه بسماعه من شيخه، وكان من أشد المنكرين للتدليس والمدلسين شعبة بن الحجاج صاحب هذه القصة، حتى أنه كان يقول: لأن أشرب من بول حمارٍ حتى أروي ظمئي أحب إلي من أن أدلس، وكان يقول: لأن أزني أحب إلي من أن أدلس، وكان شديداً جداً، وكان يقول: التدليس أخو الكذب، فـ أبو إسحاق السبيعي كان شعبة لا يأخذ من حديثه إلا ما صرح فيه بالسماع. وهنا فائدة في خصوص رواية شعبة عن ثلاثة نفر من شيوخه وهم من المدلسين، قال شعبة كما رواه البيهقي في معرفة السنن والآثار بسندٍ صحيح عنه: كفيتكم تدليس ثلاثة: كفيتكم تدليس قتادة، والأعمش، وأبي إسحاق السبيعي، فحيثما وجدت سنداً فيه شعبة عن واحد من هؤلاء ولو قال: (عن) فخذه ولا تعله بالتدليس، أي: إذا وجدت: شعبة عن أبي إسحاق السبيعي عن فلان، فلا تقل: أبو إسحاق مدلس وقد عنعن، لماذا؟ لأن الراوي عنه شعبة، وشعبة لا يروي عن هؤلاء إلا ما ثبت أنهم سمعوه من مشايخهم. إذاً: يروي شعبة عن هؤلاء رواية خاصة فلا تعل الحديث بتدليس واحد من هؤلاء، وفي صحيح أبي عوانة بسندٍ صحيح قال: عن شعبة قال: (كانت همتي من الدنيا شفتي قتادة، فإن قال: حدثني كتبتُ، وإن قال: قال، تركته)، فلأن أبا إسحاق السبيعي يدلس خاف أن يكون دلس في هذا الحديث فسأله: سمعت هذا الحديث من عبد الله بن عطاء، فغضب، وغضبه هذا يدل على أنه دلس؛ لأنه لو كان سمع حقيقةً لبادر وقال: نعم. سمعته، فما الذي يجعله يغضب ويتوقف؟! فهذا دليل على أنه لم يسمع، فأصر شعبة على أن يأخذ جواباً سمعت أو لم تسمع؟ وأَبى أبو إسحاق السبيعي أن يعطيه جواباً، فقال مصعب بن كدام وكان جالساً مع أبي إسحاق السبيعي: يا شعبة! إن عبد الله بن عطاء حيٌ بمكة -وشعبة هذا بصري- قال شعبة: فخرجت من سنتي إلى الحج ما أريد إلا الحديث. قال: فذهبت، فدخلت على عبد الله بن عطاء فإذا رجلٌ شاب، قلت له: حديث الوضوء حديث عقبة بن عامر قال: نعم. قلتُ له: سمعته من عقبة بن عامر، قال: لا. إنما حدثنيه سعد بن إبراهيم -وهو مدني- قال شعبة: فذهبت إلى مالك فسألته: حج سعد بن إبراهيم هذا العام؟ قال: ما حج العام! قال: فقضيت نسكي وانحدرت إلى المدينة، فدخلت على سعد بن إبراهيم، فقلت له: حديث الوضوء حديث عقبة بن عامر، قال: نعم. فقلت سمعته منه؟ قال: لا. إنما حدثنيه: زياد بن مخراق -وهو بصري- قال: من عندكم خرج، حدثني زياد بن مخراق قال شعبة: حديث مرة بصري، ومرة مدني، ومرة مكي، دمر عليه لا أصل له. قال: فانحدرت إلى زياد بن مخراق وأنا كثير الشعر وسخ الثياب، فقلت: حديث الوضوء عن عقبة بن عامر، قال: نعم، فقلت: سمعته من عقبة بن عامر؟ فقال لي: إنه ليس من حاجتك! أي: أنه ضعيف، فقال له شعبة فما بد؟ قال: فلا أحدثك حتى تذهب إلى الحمام فتغتسل، فتغسل ثيابك، ثم تأتيني، قال: فاغتسلت وغسلت ثيابي وجئته، قلت: حديث الوضوء، قال: نعم. قلت: سمعته من عقبة بن عامر؟ قال: لا. حدثنيه شهر بن حوشب، فقلت: شهر عن من؟ فقلت: عن أبي ريحانة عن عقبة به، فقال شعبة: حديث صعد ثم نزل دمر عليه لا أصل له، والله لو صح هذا الحديث لكان أحب إلي من أهلي ومالي. فأنت ترى رحلة شعبة من البصرة إلى مكة إلى المدينة، ثم إلى البصرة لأجل أن يتثبت من حديث واحد فيه هذا الثواب العظيم، كم من الليالي أنفقها شعبة في سبيل طلب صحة هذا الحديث الواحد؟!! وكان شعبة من أمراء المؤمنين في الحديث -يعني: ممن يحفظون ألف ألف- فكم من الأحاديث له فيها نفس هذه القصة؟ ألف أو ألفان أو أربعة آلاف من ألف ألف؛ لترى أن هؤلاء الناس عندما كانوا يطلبون الحديث كانوا يطلبونه تديناً لا تكثراً، لذلك طال نفسهم لحسبتهم، فكان أحدهم يتحمل كل هذا النصب حتى يؤدي إلى أمة النبي ﵊ حديثاً صحيحاً يتعبدون به جميعاً. ولذلك فنحن عندما نذكر شعبة بن الحجاج -وقد مضى على وفاته أكثر من ألف وثلاثمائة عام- وغيره من أهل الحديث، فإننا نترضى عليهم أكثر من آبائنا وأمهاتنا، وكان كثيرٌ منهم في المسافات الطويلة بين البلدان يؤجر نفسه خادماً للقوافل نظير أن يحملوه، فإذا كان مثلاً بصرياً وأراد أن يخرج إلى مكة فإنه يذهب إلى بعض القبائل التي تتوجه إلى مكة، أو بعض القوافل التي تتوجه إلى مكة فيعرض نفسه خادماً يخدمهم ويقوم عليهم نظير أن يحملوه إلى مكة، وقد يكون قلامة ظفرٍ من هذا الإمام تساوي القافلة كلها؛ لكنه لا يهمه ذلك، والمهم أن يصل إلى بغيته. فهؤلاء ما كانوا يضيعون أعمارهم، وكانوا يستثمرون العمر بشكل عجيب. قال ابن أبي حاتم الرازي: كنت أقرأ على أبي وهو يأكل، وهو يشرب، وهو مضطجع، وهو يمشي، وهو داخلٌ إلى الخلاء. وذكر ابن الجوزي أن الخطيب البغدادي كان يمشي في الطريق وفي يده جزء يطالعه. وذكروا عن ابن أبي حاتم الرازي أنه قال: دخلنا مصر فظللنا فيها سبعة أشهر ما ذقنا فيها مرقاً، فكنا في نهارنا ندور على الشيوخ وفي ليلنا ننسخ، حتى ذهبنا إلى بعض الشيوخ، فقالوا لنا: تأجل موعد الدرس، فقلنا: نأكل، فذهبنا إلى السوق فاشترينا سمكة، فما إن ذهبنا إلى الدار حتى حان موعد درس شيخ آخر فتركنا السمكة، وظللنا في نهارنا ندور على الشيوخ وفي ليلينا ننسخ، فمكثنا ثلاثة أيام ما استطعنا أن نقربها -أي: السمكة- ولم نتفرغ لشيها فأكلناها نيّئة، وهذا بسبب أنهم لا يجدون وقتاً. فإذا نظرت إلى مثل هؤلاء لوجدت أن ابن أبي حاتم الرازي كتب المصنف المسند في ألف جزء، مسند كبير في ألف جزء!! فما يستطيع أن يكتب ألف جزء من مروياته ولا الكتب الأخرى للجرح والتعديل وغيره إلا من كان يعد الدقائق والثواني. وذكروا عن ابن أبي داود أنه قال: خرجت إلى أبي سعيد الأشج لأكتب عنه -وهذا من كبار مشايخه- قال: فاشتريت ثلاثين مداً باقلة -يعني (٣٠) كيلو فول- فكنت آكل وأكتب عن أبي سعيد، فما نفد الفول

стр. 3

تميز السلف بكثرة الحفظ لإخلاصهم وهمتهم العالية إنك عندما تنظر إلى هؤلاء الأعلام وإلى عزائمهم، وتنظر إلى المتأخرين مع توفر الإمكانات وسهولة الحركة والتنقل، ومع ذلك لا ترى عند هؤلاء -المتأخرين من أهل العلم- عشر معشار ما عند المتقدمين، فالواحد لا يستطيع أن يحفظ مائة حديث مسند، فيدخل حديثاً في حديث، ويدخل متناً في متن، وتضطرب عليه الكلمات. أما أولئك فكانوا يحفظون الألوف المؤلفة من الأسانيد، وقصة البخاري المشهورة لما دخل بغداد فقلبوا عليه الأحاديث خير دليل على ذلك، فـ البخاري كان يحضر مجلسه مائة ألف، ولم يكن في وجهه شعرة، حتى كان بين المستملي والمستملي عشرون متراً، وعشرات الذين ينتظرون حتى ينقلوا كلام البخاري إلى هؤلاء الذين لا يسمعون صوت البخاري، فطار ذكره إلى بغداد قبل أن يدخلها، وكانت بغداد عاصمة الخلافة العباسية وكل العلماء فيها، والكل يحرص أن يدخل إلى بغداد حتى يقابل العلماء الكبار كـ أحمد وابن معين وغيرهم. وكان من عادة أهل بغداد أنهم ينتقصون الأفاضل، فلما رأوا البخاري استقلوه، فعمدوا إلى مائة حديث وقلبوا أسانيدها ومتونها، فجعلوا إسناد هذا الحديث في متن ذاك، وإسناد هذا المتن ذاك، وأعطوا عشرة رجال كل رجل عشرة أحاديث، وقالوا: قوموا واتلوا عليه هذه الأحاديث. فبعد أن انتهى المجلس قام أحدهم، وقال له: ما تقول في الحديث: حدثنا فلان عن فلان عن فلان وساق متنه، فقال: لا أعرفه، طيب: والحديث الثاني، قال: لا أعرفه. والثالث: لا أعرفه. وهكذا، وقال الثاني، فأخبره بأنه لا يعرف العشرة، إلى تمام المائة وهو يقول: لا أعرفه، فأما الجهلاء الأغماط فقالوا: لا يعرف أي شيء؟!! فقضوا عليه بالعجز، وأما العلماء فقالوا: فطن الرجل. فبعد أن انتهى العشرة من تمام المائة، قال للأول: أما حديثك الأول، فمع الثاني، هذا السند للمتن الفلاني، وسندك الثاني للمتن الفلاني، وسندك الثالث للمتن الفلاني، حتى رد المائة حديث إلى أسانيدها وإلى متونها، فما قام من مجلسه حتى شهدوا له بالفضل. يقول الحافظ ابن حجر: ليس العجب أن يحفظ الصواب، فإن الصواب يحفظه كل أحد، إنما العجب أنه حفظ الخطأ على ترتيب ما ألقوه، يعني يقول له: سندك الأول مع الخامس رقم أربعة، وسندك الثاني مع الثالث رقم تسعة، وهكذا، فكيف حفظ هذا الخطأ على هذا الترتيب بمجرد أن ألقوا عليه الحديث مرةً واحدة. فكان هؤلاء العلماء يحفظون، كما صح عن البخاري أنه قال: (أحفظ مائة ألف حديث صحيح، ومائتي ألف حديث غير صحيح)، لا يدخل عليه متن في متن، بل بلغ من ضبطهم -سواء كان ضبط الصدر أو ضبط الكتاب- مبلغاً عجيباً جداً. فيذكر ابن حبان وغيره في مقدمة المجروحين بسند صحيح إلى أحمد بن منصور الرمادي، قال: جاءني يحيى بن معين وأحمد بن حنبل، وفي يد يحيى ورقة، فقال: أعط هذه أبا نعيم الفضل بن دكين، وهذا من مشايخ أحمد وابن معين، ومن مشايخ البخاري، لأنه عمر فأدركه البخاري، فترى أن أحمد شيخ البخاري، والبخاري أدرك شيخ أحمد، إذاً: كأنه مثل أحمد في الطبقة في هذا الشيء، لأن كلام الرجلين يأخذ عن شيخ واحد، مع أن أحمد شيخ البخاري وهذا الذي يسميه العلماء العلو. فقال: يحيى بن معين أعط هذه الورقة لـ أبي نعيم إذا خف المجلس، قال: فنظر أحمد في الورقة فإذا يحيى بن معين خلط أحاديث لـ أبي نعيم بأحاديث ليست من حديثه، فخلطها ببعضها وأدخل أسانيد في المتون، على أساس أن يعطيها للفضل، فإذا نظر الفضل وأقر بما فيها فقد اختلط؛ لأنه لا يميز حديثه من حديث غيره، وكان الفضل بن دكين إذا جلس في تلك الأيام على الكرسي كان يجلس أحمد بن حنبل عن يمينه ويحيى بن معين عن يساره لجلالتهما، وكان بقية الطلبة يجلسون دونيهما. فبعدما خف المجلس قال أحمد بن منصور الرمادي: فناولته الورقة، قال: فنظر إليها وجعلت عيناه تلتفت أي: أنه قد فطن لهذا الأمر- ثم أطرق ساعة -أي: لحظة- ثم قال لي -يعني لـ أحمد بن منصور الرمادي -: أما أنت فلا تجرؤ على أن تفعل ذلك، وأما هذا وأشار إلى أحمد فآدب من أن يفعل ذلك، وليس هذا إلا من عمل هذا، يعني عمل يحيى، ثم أخرج رجله ورفسه، فأسقطه من على الدرج، وقال: أعلي تعمل؟! قال: فقام يحيى فقبله بين عينيه، وقال: جزاك الله عن الإسلام خيراً مثلك يحدث، إنما أردت أن أجربك، فلامه أحمد، وقال: قد نهيتك أن تفعل ذلك، وقلت لك: إن الرجل ثبت، فقال له يحيى: والله لرفسته أحب إلي من رحلتي. فكانوا يحفظون حفظاً عجيباً، وهذه الأمة تميزت من بين سائر الأمم بهذا الحفظ، يعني رجل يحفظ ألف ألف حديث ولا يدخل له إسناد في متن أبداً، هذا مما يقطع عليه بالعجب، فهؤلاء ما كانوا يفعلون ذلك إلا لأنهم ما كان يشغلهم عن ذلك شيء، فحياتهم وهمتهم في هذا الطريق. لذلك فطالب العلم إن لم يتأس بهؤلاء ضاع عمره هباءً، وإلا فأنت الآن عندك من الكتب والإمكانات التي ما كان يحلم بتوفرها أي إنسان، فالحافظ ابن حجر ما كان عنده هذه الكتب، وإنما كان أمين المكتبة العامة، كان هو صاحب الخزانة، فكان ينتفع بها، وإلا فقد كانوا فقراء، لا يستطيعون أن يستأجروا ناسخاً لينسخ لهم كل الكتب الموجودة، وأنت الآن عندك هذه الكتب، لكن متى ستحفظ؟ العز بن عبد السلام لم يكن عنده المحلى ولم يكن عنده المغني، وكان إذا أراد أن يستخرج مسألة من هذين الكتابين يرسل إلى محيي الدين بن عربي الصوفي المعروف ليستعير منه الكتابين، وقال: ما استطبت الفتيا حتى صارت عندي نسخة من المحلى والمغني، يعني: ما حصّلها إلا بعد زمن طويل، والآن أصغر الطلبة عنده هذين الكتابين وزيادة. وأقرب مثال الشيخ أبو الأشبال أحمد شاكر في تعليقه على المحلى لما نقل ابن حزم أثراً من مصنف عبد الرزاق، فجعل يتحسر، ويقول: أين هذه الكتب عند صبيان الكتاتيب ونحن لا نسمع لها بخبر ولا أثر، بل مات ﵀ ولم ير موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان، وهو يتكلم في ابن حبان قال: وعلمت أن للهيثمي كتاباً في ذلك، ولو اطلعنا عليه لكان كبير الفائدة ينفعنا في إخراج الصحيح. والآن الكتب كثيرة والمخطوطات كثيرة، ولكن كما يقول ابن الجوزي: إنما البكاء على خساسة الهمم!! لا يبكى على ضعف الإمكانات؛ لأنه إذا آتاك الله ﵎ همةً عالية فما من شيء يمكن له أن يعترضك، كان الحافظ الحازمي ﵀ يكتب طوال الليل يصنف ويؤلف ويتعقب وينسخ طوال الليل، فأشفق عليه جارٌ له من هذا السهر، فكلما نظر رأى السراج يضيئ، فقال لجاريته يوماً، قولي له: ليس بالقنديل زيت، لعله ينام أو يستريح. فقالت الجارية: ليس بالقنديل زيت، فقال: لا بأس، وطبعاً: الرجل يريد أن يراقب هل ينام أم لا. قال: فنظرت إليه فوجدته يقوم الليل، سُمع صوته وهو يقرأ القرآن إلى هذا الجار حتى أذن مؤذن الفجر. كانوا أناساً لم يتعودوا على عيشة البطالين، وإنما كانت حياتهم كلها إما عبادة وإما طلب علم، والحافظ الحازمي هذا مات وعمره ستة وثلاثون سنة، وابن عبد الهادي مات وعمره تسعة وثلاثون سنة، وأعجب من ذلك سيبويه الإمام المشهور، صاحب الكتاب في النحو، مات وعمره ثنتان وثلاثون سنة. وسيبويه هو صاحب الكتاب في النحو، الذي ما جسر كبار النحاة وكبار العلماء أن يدخلوا على هذا الكتاب حرفاً واحداً، ولا زالوا يلتزمون عباراته حرفياً حتى الساعة. وهذا كله بسبب الهمة العالية التي كانت عند الأسلاف: ومسلم ﵀ روى في صحيحه عن يحيى بن أبي كثير، مع أن هذا ليس من موضوع في كتابه، إنما موضوع كتابه الصحيح المسند، روى بسنده إلى يحيى بن أبي كثير، أنه قال: لا يستطاع العلم براحة الجسد. إذا كنت ذا همةٍ عالية فيظل بدنك متعباً بصفةٍ دائمة، لماذا؟ لأن روحك طموحة، تحتاج إلى بدن وبدن وبدن، يعني بدنك هذا لا يصلح لهذه الروح الفتية. وأعجب من ذلك ما ذكروه عن أبي الوفاء ابن عقيل الحنبلي، وهذا الرجل له كتاب اسمه (الفنون) طبع منه مجلدان، وهذا الكتاب يقع في ثمانمائة مجلد، قال ابن رجب في ذيل الطبقات: حدثني فلان أنه رأى منه المجلد كذا بعد الأربعمائة، وهذا كتاب واحد!! فكيف صنف كتاباً بهذه الضخامة؟ إلى جانب كتبه الأخرى، إلى جانب الدروس التي كان يلقيها، إلى جانب حياته، فكان له زوجة وأولاد وكان عنده مشاكل وكان له رحم، فمن أين وجد الوقت حتى يصنف مثل هذا الكتاب. اسمع إليه يقول: إنه لا يحل لي أن أضيع ساعةً من عمري، حتى إذا كلّ لساني عن مناظرة وبصري عن مطالعة، استرحت فأعمل فكري حال استراحتي، فلا أقوم إلا وقد خطر لي ما أسطره، وإنني أسطر بجهدي أوقات أكلي، حتى إنني أختار خث الكعك وتحسيه بالماء على الخبز لأجل ما بينهما من التفاوت في المضغ. فرجل يلاحظ الوقت ما بين مضغ الخبز والكعك، لا يمكن أن يضيع ساعتين أو ثلاثاً أو أربعاً وهو يحرص على دقيقتين، فكانوا يحرصون على الأنفاس؛ لأن الأنفاس هي العمر، وبقدر استكمالك للعمر يكون جزاؤك في الآخرة، كما قال النبي ﷺ : (أعذر الله ﵎ إلى عبدٍ بلّغه ستين سنة)، فإذا بلغ ستين سنة بلغ عذره، لأنه

стр. 4

فوائد أخذ العلم عن المشايخ قد يقول قائل: نحن الآن صارت عندنا همة، ونريد أن نطلب العلم، فما هي أقصر السبل إلى طلب العلم وقد ضاع من عمرنا الشيء الكثير؟ فيقال: إنك إذا أردت أن تقصر عمرك أو تختصره في طلب العلم فاحرص على لقاء المشايخ، فإن لقاء المشايخ والتعلم والأخذ عنهم سنةٌ ماضية، وانكبابك وحدك على الكتب له مضار كثيرة، وهذه المضار لا توجد إذا تلقيت العلم عن شيخ، فإن ميزة الأخذ عن شيخ أنه يقصر لك العمر، ويصحح لك الفهم، ويعطيك الأدب. لذلك تجد أن أكثر الذين تعلموا على الكتب وحدهم ليس عندهم من الأدب ما عند الذين تعلموا على المشايخ، لماذا؟ لأنه يقرأ في كتاب، فيرى العلماء يتعصب بعضهم لبعض، فيعيش في نفس الدور. فإذا ذكر النووي أو ذكر ابن حجر أو ابن تيمية أو غيره وقد رأى رد العلماء عليهم يتجاسر أيضاً فيرد عليهم، وما لاحظ الفرق بين الراد والمردود عليه، لكن لو تعلم على شيخ فإنه يتأدب بأدب طالب العلم.

стр. 5

اكتساب الأدب من أهم فوائد التعلم على المشايخ من أعظم ثمرات الأخذ عن الشيخ: الأدب، والمشايخ كانوا ينقلون الأدب مع العلم، فما كانوا يعلمون فقط، وإنما كانوا يؤدبون، فممن أذكرهم في هذا المضمار الإمام العلم المشهور سليمان بن مهران الأعمش، وقد كان يؤدب تلاميذه أدباً ما نعرفه عن كثير من المشايخ، كان يذلهم إذلالاً في طلب الحديث، وكان عسراً جداً فما يكاد يعطي واحداً حديثاً إلا بشق الأنفس، حتى أن واحداً سأله سؤالاً فكلح وجهه، فقال له: والله لقد علمناك كالح الوجه إذا سئلت حديثاً كأنما تنتزع روحك، مع أن الأعمش من المتقنين، يعني: أحاديثه كثيرة جداً في دواوين الإسناد، فلم يكن على عُسر في الحقيقة، وإلا لو كان عسراً ما حفظنا عنه كل هذه الأحاديث، لكن كان إذا رآهم مقبلين على الحديث تمنع عليهم، حتى إذا كان فيهم مستكبر أو من يظن نفسه ابن أمير أو وزير فسيقول: أيظن أنه يذلنا؟ فينصرف، ومثل هذا لا يفلح، فهو كان يعالج فيهم الكبر بهذا الإذلال. حتى أن رجلاً ذات مرة جاءه وقال له: يا أبا محمد! -وهذا الراوي: كان يبكي في تذكره، لأنه كان إماماً كبيراً- قال: يا أبا محمد! حديث كذا وكذا ما إسناده، فأخذه من حلقه ورجزه في الحائط وقال: هذا إسناده، فما قال: الأعمش هذا سيئ خلق، والمشايخ غيره كثير، وكان بدل الأعمش ألوف؛ لأنهم كانوا يريدون الأعمش لعلو سنده وثقته وضبطه. وذكر الخطيب في شرف أصحاب الحديث عن الأعمش مقالات كثيرة جداً، وخص الأعمش بالذات بهذا الكم، فذكر من ضمن ما ذكر أنه اشترى كلباً لأصحاب الحديث، حتى إذا جاءوا واقتربوا من الباب أطلق عليهم الكلب، فكان إذا سمع همهمتهم وأصواتهم وأصوات أقدامهم يرسل عليهم الكلب فيفرقون، وهم في كل ذلك لا يكلون ولا يملون، أي: ليس إذا رأوا الكلب يعتبرون ذلك اليوم عطلة، لا. وإنما إذا دخل الكلب الدار رجعوا مرة أخرى، فإذا خرج الكلب عليهم فروا مرة أخرى وهكذا، حتى دخلوا عليه ذات يومٍ وإذا بالكلب غير موجود، فلما رآهم الأعمش بكى، فقالوا له: ما يبكيك يا أبا محمد؟! قال: قد مات الذي كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، الذي هو الكلب! وذات مرة كان يمشي في جنازة -وكان الأعمش كفيفاً ﵀ فأخذه رجلٌ من أصحاب الحديث، وقال: أصاحبك يا أبا محمد!، فصحبه لكنه أخذه وانحرف به عن طريق الجنازة، وطبعاً كان هناك صمت فلم ينتبه الأعمش أنه خرج من طريق الجنازة، فما زال يمشي ويمشي حتى قال له الرجل: يا أبا محمد! أتدري أين أنت؟ قال له: لا. قال له: أنت في جبانة كذا وكذا، والله لا أردك البلد حتى تملأ ألواحي حديثاً، فقال له: اكتب، فكتب! فقال: حدثني فلان عن فلان عن فلان حتى ملأ الألواح، وهذا الذي لا يستطيع أن يأخذ حديثاً من الأعمش، فأخذ منه هذه الأحاديث كلها، فرجع به والأعمش متغيظٌ عليه، وهو يعلم ماذا سيفعل الأعمش به إذا رجع إلى الدار، فدفع الألواح لأول صاحب لقيه في الطريق، فلما ذهب إلى الدار قال: وصلت إلى الدار يا أبا محمد! فأمسك بعنقه، وقال: خذوا الألواح من الفاسق!! فقال: لقد مضت الألواح يا أبا محمد؟ فقال له: كل ما حدثتك به كذب!! حتى يزهده فيها، فقال له: أنت أعلم بالله من أن تكذب. فكان عسراً جداً ﵀. فهذا كان يربي تلاميذه، وكان تلاميذه يجلسون فما يستطيع الواحد منهم أن يتنفس، فلو تكلم رجل في الحلقة فإنه يوقف مجلس التحديث وينصرف، حتى إن رجلاً من الغرباء جاء وجلس بجانب الأعمش، وكان الأعمش يكره أن يجلس أحد بجانبه، ولكن الرجل لا يعرف أن العادة أنهم لا يجلسون بجانب الأعمش، فجلس، فأحس به الأعمش، فكان يقول: حدثنا فلان ويبصق عليه ومن ينهونه أن يتحرك؛ لأنه لو قال للأعمش: ماذا تعمل؟ فسوف يوقف مجلس التحديث، فصبر على هذا حتى انتهى المجلس. فأي ذل أكثر من هذا؟!! إنها تربية فكان ﵀ شديداً، والمربي يحتاج في هذه المواضع إلى الشدة، حتى لا يفلت منه الحبل كما يقولون، وليس هذا فقط، بل كان هذا شأنه حتى مع الحلاقين، فكان إذا دخل عند الحلاّق وأمره بشيء فخالفه قام، حتى ذكروا أنه قال لأصحابه: أبغوني حلاقاً أخرس، لأن الحلاق معروف بكثرة الكلام، فهو يريد حلاقاً أخرس لا يتكلم يحلق له فقط، لا يجلس الوقت بعد الآخر يقول له: الحديث الفلاني يا أبا محمد والحديث العلاني، فبحثوا له عن حلاق وأخذوا على الحلاق المواثيق ألا يتكلم، ولا يسأله في حديث، فحلق له رأسه حتى بلغ النصف، قال: يا أبا محمد! حديث ولم يكمل! فقفز الأعمش من على الكرسي بنصف رأسه، ودخل الدار، فظل ثلاثة أيام ونصف ورأسه محلوق، حتى كانوا يقولون له: الرجل لن يتكلم بعد ذلك، فبعد ثلاثة أيام من المراجعة دخل إلى الرجل فحلق له النصف الآخر ولم يتكلم. فكان عند الأعمش ﵀ حدة، كان يستخدمها مع طلاب الحديث، ولم يكن الأعمش وحده هكذا بل كان كثير من المشايخ على هذا النحو، فذكر ابن عساكر في ترجمة يحيى بن معين في تاريخ دمشق: أن رجلاً جاء لـ يحيى بن معين وقال: يا أبا زكريا! أنا مستعجل، حدثني بحديثٍ أذكرك به، قال له: اذكرني إذ طلبت مني حديثاً فلم أفعل، وأبى أن يحدثه، وأبو بكر بن عياش أيضاً ورث هذه الشدة عن الأعمش، كان عسراً جداً، لا يكاد يعطيهم حديثاً، حتى إنهم قالوا له ذات يومٍ: يا أبا بكر! حدثنا بحديث، قال: ولا بنصف حديث، قالوا: حدثنا بنصف حديث، فقال لهم: اختاروا السند أو المتن؟ فقالوا: أنت عندنا اثنان، يعني: كبروه من أجل أن يحنّ عليهم، فقال لهم: (كان إبراهيم يدحرج) فقال الخطيب: فانظر إليه كيف أنه حدثهم بشيء لا ينفعهم. يعني ضن عليهم حتى في نصف حديث أن يحدثهم بشيء ينفعهم، فكانوا يربون، ما كانوا يعطون علماً فقط، فلذلك إذا لزمت المشايخ تأدبت كثيراً وراح عنك كثير من الأخلاق الجاهلية، ويظهر هذا في طلبة العلم لاسيما إذا تعددت مشايخهم؛ لأن الذي يلزم شيخاً واحداً إذا وقع الشيخ في حفرة سقط وراءه، وكما قال الأول: الذي يقتصر على شيخٍ واحد كمن له زوجة واحدة، إذا حاضت حاض معها، وإذا نفست نفس معها، وإذا مرضت مرض معها؛ أما الرجل الذي يعدد فليس كذلك، فكذلك الرجل إذا طلب العلم عن عدة مشايخ فإنه لا يستطيع أن يعرف خطأ شيخه الأول إلا إذا جالس شيخه الآخر، ولذلك ترى السماحة والإنفاق في البحث عند من له أكثر من شيخ أكثر ممن له شيخ واحد. فالذي له شيخ واحد يكون وراءه بقضه وقضيضه يقول بقوله، ويجمع جراميزه في سبيل نصر قول هذا الشيخ، بخلاف إذا كان له أكثر من شيخ، فطلب العلم على المشايخ مهم جداً.

стр. 6

اختصار الوقت في الطلب من فوائد التعلم على المشايخ التعلم على شيخ يقصر لك العمر، ويختصر لك الوقت، في مجلس واحد يلخص لك كتاباً لو أنك قرأته وحدك لعلك تظل فيه شهراً، ويحِل لك كثيراً من الإشكالات؛ يعني مثلاً: مرت عبارة من العبارات في كتاب، كان قالها أحد الذين يردون على بعض العلماء، بعدما أبدى بعض الاحتمالات على دليل من الأدلة، فقال بعد أن ذكر ذلك: والقاعدة تقول: (إذا تطرق إلى الدليل الاحتمال سقط به الاستدلال). فأنت تذهب وتفتش في الكتب عن هذه القاعدة، هل أفردها أحد بذكر فما تجد أن أحداً أفردها بذكر، فكل دليل يمكن أن يطرقه الاحتمال، وكل دليل تستطيع أن تورد عليه أي احتمال، فهل إذا أوردت احتمالاً على أي دليل يسقط الاستدلال بالدليل، إذاً: لم يسلم لك من الأدلة شيء، فأي إنسان يقول: يحتمل أن الموضوع كذا وكذا، يحتمل كذا، ويحتمل كذا. إذاً: هذه القاعدة هل هي صحيحة أم غير صحيحة؟ ولو سلمنا أنها صحيحة فما هو الحد الفاصل في الاحتمال؟ ما هو الاحتمال الذي يسقط الاستدلال بالقاعدة؟ هل هو كل احتمال أم لابد له من وصف معين؟ هذه المسألة لن تجد لها حلاً إلا إذا كنت تدرس الأصول على شيخ، وكنت ذكياً بحيث تمر عليك مثل هذه العبارات فتسأله وتناقشه، فيعطيك عصارة عمره في هذه القاعدة، وهذه القاعدة ليس لها فصل مفرد في كتب الأصول، ولكن هو من خلال استقرائه ومناقشته يعطيك ثمرة عمره، ولعله ظل السنوات حتى حصل على العشر كلمات التي أزجاهن لك في عشر دقائق. وأنت تطالع كتاب الفروق للقرافي أول فرق هو الفرق بين الشاهد والراوي، وقال: إنما بدأت بهذا الفرق لأني ظللت ثماني سنوات أطلبه، ولا أجد أحداً من مشايخي يكفيني حتى وقفت على كتاب، ثم كتبها في نصف صفحة. فالنصف صفحة هذه تساوي ثماني سنوات من عمر القرافي، فالشيخ يقصر لك العمر، ولا زلت أذكر أنني في بداية طلب علم الحديث ما كنت أعرف أن هناك شيئاً اسمه مشايخ، ولا أن هناك شيئاً اسمه علم، ما كنت أعلم إلا أني قرأت أشياء، فقلت: هذا العلم من أين آتيه؟ فقالوا: عليك بكتاب الباعث الحثيث أو آخر مختصر عنه. لكن ما كنت أعرف أن هناك مشايخ ولا طلب وما دلني أحد، فجعلت أقرأ في الكتب وأنا لا أفهم شيئاً، نعم هو كلام عربي لكن لا أفهم شيئاً من هذا الكلام، فقلت: سأدخر هذا الكتاب إلى الإجازة الصيفية ثم أقرأ فيه، فجعلت أقرأ فيه ولا أفهم أي شيء، وأجهد نفسي حتى أخذ مني الحديث الصحيح نحو واحد وعشرين يوماً؛ حتى فهمت، وبعدما بدأت أقرأ في مصطلح الحديث بدأت أفهم معنى المصطلحات، والمسألة يسرت لي، لكن اعترضتني عبارة في حد الحديث الضعيف، وحتى أساعد نفسي على الفهم كنت آتي ببعض الأولاد الصغار من القرية الذين في الإعدادية وأشرح لهم، وإنما أشرح لنفسي؛ لأنهم لا يفهمون، فأنا آتي وأصلي بهم ثم أسلم وأشرح، والإنسان عندما يشرح يصبح عنده شيء من النشاط، ويتوقد ذهنه ونحو ذلك. فكنت أشرح لهم؛ لأنني لا أعرف أحداً يدلني على هذا العلم، حتى جاءت هذه العبارة في هذا الكتاب، والضعيف: هو الذي لا يحتج به، والذي تقاعد به الجابر، والضعيف غير المنجبر هو الذي تقاعد به الجابر عن مرتبة الذي لا يحتج به، فما معنى (جابر) و (منجبر) و (تقاعد به)؟ فلم أفهمه قط، وكان موعد الدرس بعد العصر، فبعدما صليت الفجر جلست أفكر وآتي العبارة من اليمين والشمال لأفهم؛ لأني سأشرحها، وحاولت فهم العبارة ولكن دون جدوي، كانت مغلقة تماماً، وكانوا يجلسون أمامي وأنا خجلان بيني وبين نفسي ماذا أقول لهم، فجعلت أقول: الحديث الضعيف والمنجبر وغير المنجبر والكلام واضح، وهو ليس واضحاً بالنسبة لي، فأنا أتكلم لعلها تأتي من هنا أو تأتي من هنا، فقلت: تعرفون (المجبراتي)، وأول ما نطقت بكلمة (المجبراتي) افتتح علي التعريف، فقلت: يعني هل عرفتم عظم الإنسان إذا كُسر، فيأتي بالعظم على بعضه ويجبره، حتى يرجع العظم إلى مكانه، فإذا لم تنفع الجبيرة فلا يستطيع هذا الرجل أن ينتفع بعظمه؛ كذلك الحديث الضعيف يجبر؛ لأن كل طريق من طرقه ضعيف، فإذا ضممت هذا إلى هذا إلى هذا فكأنما جبرته، فيعطيه نوعاً من القوة. فالحديث الذي لا ينجبر وهو شديد الضعف الذي تقاعد به الجابر، يعني: أن هذا الجبر لا ينفعه؛ فلذلك لا يحتج به، فتصور أني لو وجدت شيخاً في مطلع هذه الدراسة، وإنما عثرت على الشيخ بعدما قطعت شوطاً طويلاً في الكتاب، ثم بدأت أعرف أن هناك طلبة ومشايخ، ولزمت شيخاً من مشايخ المنوفية ﵀ ﵎. فلو أني وجدت شيخاً في أول العمر لكان لخص لي هذا العلم واختصر علي المدة في اللبة التي أنفقتها في معرفة الحديث الصحيح من الحديث الضعيف -وهي مجرد تعريفات فقط- فضلاً عن أن أصير متمرساً في هذا العلم. فقراءتك على المشايخ يختصر لك العمر، ويصحح لك الفهم؛ لأنك ربما تقرأ فتقلب العبارة، ولذلك جرى على لسان كثير من العلماء التحذير من أخذ العلم من الصحف؛ لأن رب كلمةٍ تنقلب عليك، وأنت تنقلها على الخطأ وتفهمها على الخطأ بدون تدقيق لفظ وتدقيق معنى، وقد ذكروا في أخبار المصحفين أشياء مخجلة، وهي مخجلة مضحكة في آنٍ واحد. يذكرون أن رجلاً كان يحفظ كتاب الله ﵎ بدون شيخ، وتعرفون قديماً أن الكتابة لم يكن فيها إعجام (لم يكن فيها نقط)، فالذي لا يتلقى القرآن على المشايخ يخطئ، فهذا الرجل كان هو أحفظ من في القرية، فزاره في القرية شيخ كبير ماهر، فدعاه للغداء عنده، فلما تغدى انتحى به جانباً، وقال له: إني والحمد لله أقرأ من كتاب الله الشيء الكثير، لكن أشكلت علي بعض أحرف في الحمد -يعني: في الفاتحة- فقال له: وما أشكل عليك فيها؟ قال له: (إياك نعبد وإياك تسعين أم ستين)؟! -لأن (نستعين) إذا أزلت منها النقاط وأتى رجل لا يعرف شيئاً فسوف يقرؤها هكذا- فقال له: على كل حال أنا أقرؤها (تسعين) أخذاً بالاحتياط!!! ويروي أعداء حمزة بن حبيب الزيات -صاحب القراءة المشهورة، قراءة حمزة - عنه أنه لماذا لقب بـ الزيات؟ مع أنه ليس في لقب الأسرة لا زيات ولا زيت ولا أي شيء؟! قال: لأنه أول ما بدأ يقرأ القرآن الكريم قرأه وحده، وليس على شيخ فسمعه أبوه يقرأ ويقول: ألم، ذلك الكتاب لا زيت فيه، قال: قم، فالزم شيخاً، فلقبوه بالزيات، وأنا أقول أعداء حمزة لأنهم شنعوا عليه وعلى قراءته. أما في الحديث فحدث ولا حرج، فذات مرة سمع رجل ابن معين يقول: حدثني فلان عن فلان عن طاوس فقام ونفض نفسه، وقال: تحتجون علينا بالطيور، ما يعرف أن هناك رجلاً اسمه طاوس. ويقال: إن بعض الناس قرأ حديثاً عن النبي ﷺ قال: إذا أتى أحدكم إلى الصلاة فليأت بسكينة ووقار، فأراد أن ينفذ الحديث فأخذ سكيناً وفأراً -وهذا حكاه لنا الشيخ المطيعي - فذهب إلى المسجد فقالوا له: ما هذا الذي جئت به؟! فقال: تنفيذاً للسنة! وما في الأحاديث قال: إن النبي ﷺ قال: إذا جاء أحدكم إلى الصلاة فليأت بِسِكّينَةٍ وَقَار! وإنما قال: (بِسَكِينَةِ وَوَقَار)، فصحفها. وهكذا أخبار التصحيف عار يلحق صاحبه، لاسيما في الأسماء التي لا يدخلها القياس. ولا أنسى محاورةً جرت بيني وبين بعض الناس في مسألة وضع اليدين قبل الركبتين، وهذه المسألة كانت منذ أكثر من عشر سنوات هي شغلي الشاغل، فلا أذهب إلى بلد إلا وأذكرها وكأنها من أصول الدين، فقلت: من ضمن الأشياء أن ابن عمر في مستدرك الحاكم كان يضع يديه قبل ركبتيه ويقول: (إن النبي ﷺ كان يفعل ذلك) فقال: هذا الحديث مقلوب، قلت: ومن ادعى القلب فيه؟ قال الحاكم! فقلت: هذا غير موجود! فقال: هذا في المستدرك، ففتحنا المستدرك فإذا بـ الحاكم يقول بعد هذا الأثر: (وهذا الذي روي عن ابن عمر القلب إليه أميل)، فالقلب إليه أميل يعني: قلبه يميل إليه، فأين القلب في هذا، فقال: القلب يعني الحديث مقلوب، أي: أنه انقلب على راويه، فبدل أن يقول: الركبتين قبل اليدين، قال: اليدين قبل الركبتين، فقلت: سبحان الله! أنت تذكرني بالشيخ الذي مر على قارئ يقرأ: فخر عليهم السقف من تحتهم!! فقال: لا عقل ولا قرآن!! لأن السقف لا يكون إلا من فوق، فكيف يخر عليهم السقف من تحت، فلا عقل ولا قرآن. فهذا الرجل يقول: (والقلب إليه أميل) فهل يعني هذا أنه مقلوب؟ فالحضور على الشيخ يقيك من مثل هذا الفهم الخطأ، سواء كان فهماً أو تصحيفاً جلياً. وقرأت لبعض الناس، وهو يبدو من الذين انتحلوا نحلة الخوارج في حديث النبي ﷺ : (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)، يقول: هذا الحديث ليس معناه أهل الكبائر الذين يرتكبون الكبيرة من الذنب، وإنما الذين يفعلون الكبيرة من الطاعات، ومنه قول الله ﵎: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة:٤٥]، فهذا هو المقصود بالكبيرة في الحديث، فأهل الكبائر هم: أهل الصلاة والزكاة والحج، يعني الأعمال الكبيرة من أعمال البر والطاعات. فإذا قرأ رجل مثل هذا الكلام ولم يكن له شيخ يصححه وقع في مثل هذه المتاهات، وأخذ العفن الموجود في الكتب؛ لأنه لا يميز، وليس عنده شيخ يقول له: هذا صحيح، وهذا غير صحيح.

стр. 7

تحديد المنهجية في انتقاء الكتب من الأسباب المعينة على الاستفادة منها ما هو السبيل إلى الانتفاع بالكتب وهي كثيرة؟ لأنك إذا دخلت في الكتب على غير منهج تفارق عليك أمرك، فأفضل وسيلة بعدما تأخذ قدراً من العلم وهذا كلام موجه إلى من انتهى من الفرض العيني ويريد أن يتخصص، يعني كلامنا ليس للذين يطلبون الفرض العيني، فأفضل وسيلة أن تأتي لكل فن من الفنون بأفضل كتابٍ وأشده تحريراً، وتبدأ تخدم هذا الكتاب وتقرؤه بتمعن، فافترض مثلاً أنك تبنيت كتاباً فقهياً، فتأخذ -على سبيل المثال- نيل الأوطار، أو سبل السلام -وله متن أيضاً- على أساس أنه من أقصر الكتب وأفضلها. فكيف تنتفع بكتاب سبل السلام؟ الذي يعتمد فقه الدليل، فيأتي لك بالدليل ثم يأتي لك بالفوائد المستنبطة منه؟ عليك أن تفعل الآتي: فمثلاً أول حديث في كتاب سبل السلام، حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال في ماء البحر: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته). فيبدأ يأتي لك بكلام أبي بكر ابن العربي، فيقول لك: وهذا من محاسن الفتيا، الذي يسميه العلماء الجواب الحكيم، وهو أن يزيد المفتي في كلامه على حاجة السائل، فأنت تحرر هذا الكلام في دفتر خارجي: أن يزيد المفتي على حاجة السائل في الجواب، ثم تبدأ بجمع أدلة وأحاديث تقابلك تحت هذا المعنى، وكل حديث يقابلك أن النبي ﷺ زاد للسائل في الجواب، تأخذه وتضعه في مكانه، وهذا لا يتأتى لك بمرة أو مرتين أو ثلاث، ولكن تظل طيلة عمرك وأنت تجمع في هذا الشيء، فقد تمر عليك عشر سنوات ولم تجمع سوى عشرة أدلة فقط؛ لأن قراءتك متناثرة متنوعة، فكلما وقفت على فائدةٍ تنفعك في هذا الموضع وضعتها، ولعلكم جربتم كم من الفوائد مرت عليكم واستملحتموها لكن حرتم أين تضعونها، فيقول أحدكم: ما مكانها حتى أستحضرها إذا أردتها، لكن لما لم يكن لك منهج في الكتب فقدت الفائدة، فإذا احتجتها ندمت عليها، وقلت: ليتني كتبتها، لكن إذا كتبتها فلن تنتفع بها إذا لم يكن لك منهج. فتنظر في كل الاعتراضات على كل حكم من الأحكام في الكتب الفقهية، أي: عندما تقرأ كتاب أدب المفتي والمستفتي تجد قول العلماء: لا ينبغي للمفتي أن يزيد على حاجة السائل في الجواب، ويجعلون هذا من سوء الأدب، فأنت تفاجأ بهذا الكلام، إذا سبق عند كلام أبي بكر بن العربي أن الزيادة في الجواب على سؤال المستفتي من الجواب الحكيم. فإياك أن ترد كلام الفقهاء وتقول: لا. هذا الكلام بخلاف القاعدة، وعندنا الأحاديث ترد هذا الكلام، فالمسألة أهون من ذلك، فلو أنك تمعنت قليلاً لعلمت أنه لا منافاة بين هذا ولا ذاك. فعليك أن تبحث عن جواب تخرج به قول الفقهاء الذين يمنعون، وتجمع بينه وبين قول أبي بكر بن العربي والأحاديث التي فيها أن النبي ﷺ زاد في الجواب عن حاجة السائل؛ لأنه قال للسائل لما سأله عن ماء البحر، قال: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته)، مع أن الرجل لم يسأل: هل ميتة البحر حلال أم لا؟ لكنه زاده حل ميتة البحر؛ لأنه إذا كان استشكل على السائل طهورية ماء البحر فاستشكاله لميتته أولى وأشد، فلعله يستشكل ميتته وهو رجل يركب البحر، فيحتاج إلى أن يصطاد، فيقول: إن هذا داخل في جملة الميتة فلا آكله. إذاً: النبي ﷺ إنما قال له هذا الحكم ليستحضره وينتفع به، فيحمل كلام العلماء على أن الزيادة في الجواب تشوش على السائل -يعني: لا تنفعه- وإنما تشوش عليه، كأن يسأل عن مسألة من المسائل: كالقراءة خلف الإمام، أو التكبيرات الانتقالية يرفع فيها أم لا، أو النزول على الركبتين واليدين، فيقول له المفتي: فيها أقوال: أما القول الأول: فقد قال فلان وفلان وعلان، واعترضوا عليه بكذا، ولم يكن ذاك الدليل صريحاً في المسألة والقول الثاني: فيه وفيه، فالرجل في الأخير لا يفهم شيئاً، ويقول: ثم ماذا؟!! يعني: أقرأ أو لا أقرأ؟ أرفع أو لا أرفع؟ لأنه ما استطاع أن يحصِّل جواباً من خلال هذه الأجوبة الكثيرة. فهذا هو الذي يمنع منه المفتي، فإذا زاد زيادةً تشوش على السائل فلا ينبغي له أن يزيد، وعلى هذا ينزل كلام العلماء الذين منعوا المفتي من أن يزيد. فعندما تتبنى تفصيل الكتب بهذه الطريقة تكون فقيهاً ضليعاً، فكل مسألة لها عندك أدلة كثيرة، بخلاف ما إذا اقتصرت على الدليل الوارد في كتاب الأصول، فلو سلمنا أنك قابلت رجلاً أمهر منك في هذا العلم، فقال لك مثلاً في علم الحديث: نريد أن نعرف الفرق بين الشذوذ وزيادة الثقة، فتقول له: نعم، هناك فرق، وتضرب له مثالاً أو مثالين فيهدم لك هذه الأمثلة، ويقول لك: ليس لك فيها حجة لكذا وكذا وكذا هات أمثلة أخرى، فتقف أنت عند هذا الحد!! لماذا؟ لأنك لا تحفظ إلا الموجود في الكتب، بخلاف ما إذا كنت تبنيت هذا المنهج، وكلما مررت بحديث ووصفه العلماء بالشذوذ وضعته بجانب، فيصير عندك في بحث الشاذ مائة أو مائتين مثلاً، فإذا هدم لك دليلاً أتيته بثانٍ وثالث ورابع وخامس وسادس. أضف إلى ذلك أنه بكثرة الأمثلة يتضح الفرق، ولذلك أكثر الذين يخطئون في التفريق ما بين الشذوذ وزيادة الثقة بسبب أنهم لم يمارسوا ذلك عملياً، والفرق بين المفهومين دقيق جداً يحتاج إلى كثرة أمثلة لكي يتضح. مثاله: حديث التحريك بالسبابة في التشهد، فالبعض يقول: يحركها وآخرون يقولون: لا يحركها، هذه هي المخالفة؛ إنما هل زائدة خالف فعلاً، أم تفرد؟ الواقع أنه تفرد، ولذلك ابن خزيمة ﵀ لما روى هذا الحديث في صحيحه، قال: (خبرٌ تفرد به زائدة) ولم يقل: شذ؛ لأن هناك فرقاً بين التفرد والشذوذ، فمطلق التفرد ليس لعلة، وإنما ينظر في حال المتفرد: فإن كان ثقة ثبتاً أميناً يقبل تفرده، وإن كان ضعيفاً يرد عليه تفرده، مثل حديث عبيد الله العمري الضعيف في أن النبي ﷺ سُئِل عن الرجل يجد البلل في ثوبه ولا يذكر احتلاماً، أو الرجل يذكر احتلاماً ولا يجد بللاً، وهذا الحديث فيه أن النبي ﷺ قال: (إذا رأى بللاً ولم يذكر احتلاماً يغتسل، وإذا ذكر احتلاماً ولم يجد بللاً لا يغتسل)، فجعل مناط الأمر رؤية البلل. فتفرد عبيد الله العمري بهذا التفصيل: (إذا رأى البلل وإذا لم يره)، في حين أن الذين رووا هذا الحديث لم يذكروا هذا، فهو تفرد بهذا التفصيل فيرده العلماء عليه، دليل على أنه ضعيف. إذاً: التفرد ليس بعلة، فـ ابن خزيمة لاحظ هذا، فلم يقل: شذّ، وإنما قال: تفرد. مثاله: حديث رواه جماعة منهم الطفيل بن سعيد وعمرو بن علي الفلاس وغيرهم عن حماد بن زيد عن ثابت البناني عن أنس بن مالك ﵁، (أن النبي ﷺ أُتي بإناء رحراح -والرحراح هو الواسع- فوضع يده عليه، قال: فرأيت الماء يفور من بين أصابعه)، قلت: إنه روى جماعة عن حماد بن زيد، فقالوا: (بإناء رحراح)، روى هذا الحديث أيضاً أحمد بن عبدة عند ابن خزيمة عن حماد بن زيد عن ثابت عن أنس؛ لكنه قال: (في إناء زجاج) ولم يقل: (رحراح)، قال الحافظ ابن حجر: حكم جماعة من الحذاق على أحمد بن عبدة أنه صحفه، أي: رحراح وزجاج حصل فيه تصحيف. ابن خزيمة ﵀ لم يسلك هذا المسلك؛ لأن الجمع أولى من الترجيح، فلا نرجح إلا مع عدم إمكان الجمع، فقال ابن خزيمة: والرحراح هو الواسع من إناء الزجاج لا العميق منه، فجمع بين الروايتين، فما هو المانع، فيحمل على أن هؤلاء رووا هذا الحديث، فقالوا: (رحراح) فذكروا صفته، أما أحمد بن عبدة فذكر جنسه، فهو إناء زجاجٍ رحراح، وهذا أولى من توهين الثقة لغير حجة، فنحن هنا لا نستطيع أن نقول: إنه شذ، لكن نقول: إنه تفرد بقوله: زجاج، ولا منافاة بين هذه الرواية وبين رواية الذين قالوا رحراح؛ لإمكان الجمع بينهما. كذلك حديث زائدة بن قدامة عندما قال: يحركها، وهم قالوا: يشير بها، فالجمع بين الروايات المتناثرة يلزمه على الأقل إتقان بحث التعارض والترجيح لأصول الفقه؛ لأن هذه المتون تحتاج إلى قوانين لضبط الفهم والاستنباط، إذ حققت أن زائدة ثقة ثبت كان يعيد السماع ثلاث مرار، لم يغمزه أحدٌ قط بوهن، فإن لم تقبل زيادة هذا فمن الذي تقبل زيادته، فهنا: هل هناك منافاة بين الذين قالوا: يشير، وبين زائدة عندما قال: يحركها، لا؛ لأن الإشارة تجامع التحريك غالباً، ولا نقول: دائماً، لماذا؟ لأن الإنسان قد يشير ولا يحرك، فمثلاً لو سأل سائل: أين فلان؟ تقول: هو ذاك، فأشرت ولم تحرك، لكن الإشارة تجامع التحريك غالباً، وإن أبيت أنها تجامع التحريك غالباً فهي تجامع التحريك، ذلك أنك إذا أشرت ولم تحرك راح المعنى الذي تريده من الإشارة، فإنك إذا قلت لرجلٍ: تعال! تشير إليه، فماذا عساك أن تفعل، تقول: تعال! وتحرك عندما تشير، ولا يتصور أنك لو قلت له: تعال! أنك لا تحرك، فما يفهم الذي تريد إلا إذا قرنته مع الإشارة بالتحريك، وإذا قلت: اخرج! أو قم! أو تعال! لا بد من التحريك في هذه المسائل. فالإشارة لا تنافي التحريك، فما هو المانع أن يكون هؤلاء ذكروا الإشارة أنه إذا جلس في التشهد أشار بالسبابة، ثم ذكر زائدة بن قدامة التحريك، ولا منافاة بين هذا وذاك، فهذا الجمع أولى من أن نواسي زائدة بن قدامة وهو ثقة ثبت لا مجال لتوهيمه. إذاً عندما تورد مثل هذه الأمثلة، وتجمع كل ما مر بك من الأمثلة على هذه المسألة وتضعه في مكانه، فيصير عندك بكثرة الجمع قناعة أن الشذوذ لابد أن تتوفر فيه المخالفة، والمخالفة لا تتأتى مع إمكان الجمع، فلو أنك وأنت تقرأ كتب الأصول كان هذا في ذهنك، وكل فائدة تقرؤها في الكتب توظفها لهذه الفنون؛ ستخرج بع

стр. 8

تصنيف الفوائد بعد تقييدها مما يعين على حفظ العلم إن قلت: هذه الكتب الكثيرة كيف أنتزع منها الفوائد؟ نقول: يجب أن يكون عندك طريقة منظمة في قراءة الكتب، وهذا على حسب اهتمامك، فمثلاً تقرأ في السير مثل سير أعلام النبلاء، فكلما مر بك تعليق لطيف للذهبي أو موقف من أحد العلماء في السلوك أو في الفتوى أو في الخوف أو في الورع أو في هذه الأشياء تدونه في بصورة مختصرة، وتكتب له عنواناً مناسباً ملائماً، حتى إذا أردت هذه الفائدة تستطيع أن تصل إليها. فمثلاً: تقرأ في ترجمة عبد الله بن وهب قال: نذرت أنني كلما اغتبت إنساناً أصوم يوماً، فكنت أغتاب وأصوم، فلما أجهدني الصوم، نذرت أنني كلما اغتبت إنساناً أتصدق بدرهم، فمن حبي للدراهم تركت الغيبة. فتأتي وتكتب على هذا المقطع: الإخلاص، أو أن الرجل إذا أخلص لا يهمه المدح والذم، فيستوي عنده المدح والذم، أو تقول مثلاً: هضم حظ النفس، لأن هذا فضح، والعادة أن الإنسان دائماً يكثر من ذكر نفسه بالجميل، لكنه فضح نفسه، فتعمل عدة عناوين لمثل هذه الفائدة وتضعها في بطاقة، وتكتب: (سير أعلام النبلاء، الجزء كذا، صفحة كذا). وتمر مثلاً فتجد في ترجمة الدارقطني يقول: طلبنا العلم لغير الله، فأبى الله إلا أن يكون له، فهذه أيضاً تفيد الإخلاص، فأصبح عندك مثالين في الإخلاص. وعندما تقرأ الكتاب ستكتب كلمة الإخلاص عشرين أو ثلاثين مرة، وفي نفس الوقت تكتب: كيف نعامل الشيطان، أو أي عنوان آخر مثلاً، وما وجه معاملة الشيطان في قصة ابن جريج؟ وتتمثل معاملة الشيطان في أن كثيراً من الطلبة ينصرفون عن العلم، يقول: أنا أخشى أن يقال عني: فقيه أو عالم فيحبط عملي، فنقول له: إن الدارقطني قال: طلبنا العلم لغير الله، أي: أنه لما كان حديث عهد بالطلب، ولم يكن عنده من فقه العمل شيء، لما طلب العلم طلبه من أجل أن يقال: الدارقطني المحدث الفقيه؛ لكن لما كان عنده من الإخلاص في الجملة صار كلما قرأ حديثاً انتفع بما فيه، فنفعهُ الله بهذا في الإخلاص، حتى صار فقيهاً وصار مخلصاً إلخ. فإذا وجدت في نفسك صدوداً عن هذا العلم خوفاً من أن يكون من الرياء؛ فاعلم أن الشيطان يريد أن يصدك من هذا الباب، فتستخدم هذه في الرقائق والدروس. وتمر مثلاً على جرح الأقران: فتجد أن قريناً جرح أخاه، مالك يقول في فلان من أقرانه: دجال من الدجاجلة، فتكتب أن جرح الأقران لا يضر، وبعدما تنقل فوائد هذا الكتاب تأتي بالبطاقات، وتضع كل عنوان مشترك مع أخيه، فتضع الإخلاص مع بعضه، وجرح الأقران مع بعضه، وهكذا فاقرأ الكتب على هذا الاعتبار، ستجد بعد نهاية القراءة أنه أصبح عندك بطاقات كثيرة في موضوعٍ واحد، ثم تبدأ بتصنيف هذه الموضوعات: فإذا أردت أن تتكلم عن الإخلاص فلديك بحر من الأمثلة، فأنت بهذه الصورة تكون قد استطعت توظيف هذه القراءة إذا كنت خطيباً، أو مدرساً، أو مؤلفاً، تستطيع أن تطعم كتبك أو تطعم دروسك بما يحار الإنسان في إيجاده من تلك الأمثلة والنكت. وإذا قرأت كتاباً في الحديث ككتاب التهذيب فتجد أحياناً تنبيهاً على بعض مصطلحات العلماء، أو تقرأ في كتاب مثل علل الحديث لـ ابن أبي حاتم فتقف على أشياء لا تقف عليها أبداً إذا اقتصرت على كتاب من كتب أهل العلم، يعني: هناك شيء اسمه كلمات الثناء التي ظاهرها الجرح، فإذا لم تقف على أصل مغزاها حكمت على ظاهرها، فيكون خطأً، فمثلاً في ترجمة إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي في تهذيب التهذيب آخر كلمة في الترجمة ذكرها الحافظ ابن حجر، قال: وذكر عثمان بن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن مهدي أنه قال: إسرائيل لص يسرق الحديث. فكلمة يسرق الحديث معروف أنها جرح، فإذا ذهبت لكتاب ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل فتجد العبارة بخلاف ما فهمت، فـ ابن أبي حاتم رواها عن أبي بكر بن أبي شيبة وليس عثمان، وعثمان أقوى من أبي بكر وأبو بكر أوثق الرجلين، فرواها عن أبي بكر بن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن مهدي أنه قال: كان إسرائيل في الحديث لصاً، وليس هناك (يسرق)، فقال ابن أبي حاتم: أي: يتلقف العلم تلقفاً، إذاً: هذا مدح؛ كما أن اللص إذا دخل تلقف؛ لأنه مستعجل، فهذا إسرائيل بن يونس يتلقف العلم تلقفاً، وكما أن السارق إذا دخل انتقى الجيد من المتاع؛ ما خف وزنه وغلى ثمنه، فكذلك إسرائيل ينتقي حديث مشايخه، فترى أن الحافظ ابن حجر روى الرواية بالمعنى، فسواءٌ كان الحافظ هو الذي ذكرها أو عثمان بن أبي شيبة هو الذي ذكرها بالمعنى فقد أفسد الكلام، فبوقوفك على هذا تكون قد وقفت على فائدة، لكن إن لم تقف على هذه الفائدة فمن الممكن أن تقول في أي حديث مثلاً: ولكن إسرائيل يسرق الحديث، فتتهم الرجل ولا تهمة عليه. كذلك في كتاب علل الحديث لـ ابن أبي حاتم كلمة في ترجمة إسماعيل بن أبي رجاء خلت منها كتب التراجم وهي أن شعبة سئل عن إسماعيل بن أبي رجاء فقال: ذاك شيطان!! والشيطان لا يفهم منه إلا الذم، فقال ابن أبي حاتم: يعني من حسن حديثه. يعني: هل رأيت الجن عندما تأتي بالخوارق، حتى إنهم ذكروا أن يحيى بن معين قال في راوٍ: أظن أن أباه تزوج بجنية؛ لأنه كان صاعقة في الحفظ، يعني هذا الحفظ ليس لآدمي، فيقول إسماعيل بن أبي رجاء شيطان، يعني: من حسن حديثه، فلولا هذا التخصيص لقلنا: إنه شيطان، وقال شعبة: إنه شيطان! فإذا نظمت هذه الفوائد وعرفت كيف تجمعها في بطاقات سلِم لك جمعك، لكن عندما تقرأ على غير هدى، وليس عندك خطة في الكتب فتمر بك الفائدة فتستملحها، ولكن تحتار أين تضعها؟ وكيف تحفظها؟ حتى إذا احتجت إليها أخذتها. إذاً: لابد من القراءة المنهجية في أي كتاب وأي فن، وهذه الطريقة هي أسلم الطرق، وهي أن يكون لك منهج في قراءة الكتب كلها، فتمسك بالكتب كتاباً كتاباً وتقرأ، فما مر بك كتبته بعنوان يناسبك، حتى وإن خالف عنوان الكتاب، المهم أن يناسبك أنت حتى إذا أردت أن تستحضر هذه المادة استحضرتها، وهذه هي أجود وسائل الطلب واستخراج الفوائد من الكتب، وجرب هذه الطريقة ستجد أنك بفضل الله ﵎ ستحصِّل فضلاً غزيراً لم يخطر لك على بال، والله أعلم.

стр. 9

الأسئلة

стр. 10

استحباب خروج طالب العلم إذا لم يجد من يعينه على الطلب في بلده الذي يسكنه السؤال: ما العمل في حالة عدم وجود طالب علم متمكن في العلم في المنطقة التي أعيش فيها لآخذ عنه؟ الجواب لن يعدم؛ لأنه من غير الممكن ألا يكون في المنطقة كلها طالب علم جيد، لا نقول: إنه شيخ، والإنسان إذا فقد الماء فليتيمم، أي: يستفيد من خبرة من سبقوه في هذا المضمار في تذليل بعض الصعوبات التي تواجهه، وإلا فيستحب لمثل هذا أن يرحل لطلب العلم، وطبعاً لا يفعل هذا إلا رجلٌ نذر نفسه لأجل هذا الدين، أي: يستهين بالمصاعب في سبيل الله، أما أنه يجد لنفسه الأعذار ويقول: أنا لا أستطيع، وعندي من الشواغل كذا إذاً: فليترك هذا العلم، لكن الدراسة على المشايخ فيها الفوائد العظيمة.

стр. 11

عدم بذل العلم لمن لا يستحقه لا يعد من كتمان العلم المنهي عنه السؤال ما نقلته عن الأعمش رحمه الله تعالى هل هو من الشرع النبوي في معاملة الشيخ لتلاميذه؟ أليس في هذا شيء من كتم العلم؟ الجواب لم يكتم علماً، بدليل أنني قلت في مطلع الكلام: إن دواوين الإسلام مليئة بحديث الأعمش، لكنه كان بعد أن يشتد عليهم يعود فيحدثهم، ونسيت أن أذكر في هذا الكلام أنه بعد أن يشتد عليهم ويعود ليحدثهم كان يقول: لو كنت بقالاً لاستقذرتموني؛ -لأنه كان في عينيه عمش- إنما رفعني الله بهذا العلم، فهو كان يحدث، وما كان يكتم علماً، ولكن كان يؤدب. فالأخ يقول: نخشى أن يقوم بعض الشباب بنفس هذه الأفعال، فيقال: لا. نحن ضربنا المثل بهذا لنعلل لماذا كان يسلك هذا المسلك، وإلا فلكل مقامٍ مقال، وأحياناً بعض الناس لا ينفع معه إلا الشدة، وبعضهم لا ينفع معه إلا اللين، فكلما كان هناك إقبال على الشيخ وكان طلابه يحتملون منه جاز له أن يفعل مثل هذه الأشياء، لكن إذا كان الإنسان متروكاً، أو ليس له تعظيم في قلوب الناس إذا عمل هذا العمل تركه الناس، فالإنسان يستخدم ما يسميه المتقدمون بالفقه النفسي والله أعلم. مداخلة: هل يقال في هذا: إنه من باب عدم إذلال العلم؟ الشيخ: نعم. فيما مضى كان العلماء يتعففون أن ينتقلوا بكتب العلم إلى أحد، حتى إن الإمام البخاري لما قال له الأمير عبد الله بن طاهر: إني أريدك أن تقرأ كتابك على أولادي -يعني: كتاب التاريخ الكبير وكتاب الصحيح- فقال: إني لا أذل العلم ولا أحمله إلى أبواب السلاطين، فإن كان لأولادك حاجة فليأتوني في المجلس، قال: يأتوك ولكن خصهم بمجلس! قال: لا أخصهم بشيء دون المسلمين، فإن شئت فامنعني حتى يكون لي حجةٌ عند ربي. والإمام البخاري يقول هذا الكلام في عز دولة العلم، وكان الأمراء يوقرون أهل العلم؛ لكن الآن أنت تحمل علمك على كتفك، وتترصد الطلبة لعلهم يقبلون منك، وهذا بسبب اختلاف الأحوال، فلو وضع الإنسان رجلاً على رجل، وقال: من أراد العلم فليأتني فلعله يفوت الناس الكثير، فهو يأخذ هذا العلم ويمضي به إلى الناس يعلمهم، وطبعاً اختلاف الأزمان والبيئات له علاقة في الحكم بلا شك.

стр. 12

القول المجمل في حكم حديث شهر بن حوشب السؤال ما هو القول الصحيح في شهر بن حوشب هل يحسن حديثه أم لا؟ الجواب القول المجمل أنه يحسن حديثه إلا في المخالفة، يعني: هو حسن الحديث كـ محمد بن عمرو بن علقمة.

стр. 13

قبول زيادة الثقة لا يكون على الإطلاق السؤال هل زيادة الثقة مقبولة على الإطلاق؟ الجواب لا. إنما تقبل بشروط، ليس هناك شيء اسمه على الإطلاق، كل شيء مقيد، فزيادة الثقة لا تكون مقبولة على الإطلاق إلا عند الأصوليين والفقهاء، لكن عند أهل الحديث لا يقبلون الزيادة على الإطلاق.

стр. 14

ضابط الجمع والترجيح بين الروايات السؤال هل الجمع بين الروايات لازم، أم لابد من توافر ضوابط معينة لذلك؟ الجواب مثلما ذكرنا في المثالين، مسألة تحريك الإصبع ومسألة الإناء الرحراح والإناء الزجاج، فذكرنا الضابط وهو ألا تكون هناك مخالفة، فإذا تحققت المخالفة وتعذر أو استحال الجمع ففي هذه الحالة لابد من الترجيح بالحكم على إحدى الروايتين بالشذوذ إن كان راويها ضعيفاً.

стр. 15

الأحوال التي يقبل فيها جرح الأقران السؤال هل جرح الأقران بعضهم بعضاً يغض من قدرهم، بغض النظر عن أسباب الجرح؟ الجواب لا. جرح الأقران لا يقبل إذا لاح أنه لعصبية أو هوى، إنما لو تكلم سني في صاحب بدعة فهذا مقبول منه، لأن هذا من باب البيان والتبليغ، ولا يقال: إن الحامل له على أن يتكلم فيه هو أنه من أقرانه، وإنما إذا لاح أنه لعصبية أو هوى فهذا الذي يرد، أما لغير ذلك فلا.

стр. 16

اعتبار الصحيحين أصح كتابين بعد كتاب الله لا ينفي وجود أحاديث ضعيفة فيها السؤال تلقت الأمة الصحيحين بالقبول، فماذا يقال لمن ادعى أنهما يحويان أحاديث ضعيفة؟ الجواب أما عامة الناس فلا أظن أن لهم شغلاً في هذا الفن، وإذا قصد أن بعض المتخصصين أو من لهم أهلية تكلموا في بعض أحاديث الصحيحين؛ فيناقش كل إنسان تكلم، يعني: المسألة تكون مسألة علمية؛ لأنه ليس هناك من ادعى العصمة لكتاب البخاري ومسلم بحيث أنه لا يناقش في لفظة من ألفاظ الكتاب، ما قال بهذا أحد والحمد لله، ومن قال به فهو غالٍ، لكن ينظر في دعوى المدعي، فمثلاً: إذا كانت الدعوى قوية لاسيما وأن هذا المتأخر كان مسبوقاً إليها، ومع ذلك فنحن لا نفتح الباب لكل من يريد الكلام في الصحيحين، فكلام الجهلاء غير مقبول، وإنما كلامنا الآن في أهل الفن، الذين هم أصحاب القواعد وأولى الناس بالكلام في الصحيح والضعيف، فحينئذٍ ننظر إلى ما جاءوا به، فإن كانت أشياء غير مقبولة رددناها، مثلما فعلنا في حديث ابن عباس في صحيح مسلم لما قال أبو سفيان للنبي ﵊: يا رسول الله أعطني ثلاثاً؟ قال: نعم، فكان منها: (وأن أزوجك أم حبيبة أجمل العرب) فتكلم العلماء وقال الذهبي: إن هذا منكر، لماذا؟ لأن أم حبيبة تزوجت النبي ﷺ قبل أن يسلم أبو سفيان بدهر، حتى ثبت أنها طوت البساط من تحته وما تركته يجلس على بساط النبي ﷺ ، فكيف يقول: (أزوجك أم حبيبة)، فالعلماء أجابوا بعدة وجوه واستضعف هذه الأوجه كلها ابن القيم. لكن إذا اتهم على هذه الجزئية بنكارة لمخالفتها ما هو معلوم في السيرة بالاطراد وهو أن النبي ﷺ تزوجها قبل إسلام أبي سفيان فإنما نحكم على هذه الجزئية دون غيرها، هذا إذا لم نستطع أن نأتي بوجهٍ غير مقبولٍ من وجوه الجمع، وإلا فالأصل إن استطعنا أن نجمع ما بين هذا وما بين الروايات الأخرى التي ظاهرها التناكر بوجه من وجوه الجمع المعتبرة؛ فهذا الذي يشار إليه، ولا ينبغي أن يصل إلى الترجيح إلا مع تعذر الجمع أو استحالته.

стр. 17

أسباب تثبيت الحفظ لطالب العلم السؤال هل صح أنه يوجد دواء يساعد على الحفظ ويقوي الذاكرة؟ الجواب سُئل الإمام البخاري ﵀ وقد قيل: إنه يتعاطى دواءً يثبت الحفظ فسأله ابن أبي حاتم الوراق عن ذلك وعن قول الناس؟ فقال: ما أعلم شيئاً من ذلك إلا نهمة الطالب ومداومة النظر، يعني: الرغبة الشديدة لطلب العلم مع مداومة النظر، فهذا الذي يثبت الحفظ، والله أعلم.

стр. 18

اشتغال السلف بطلب العلم مع عدم تقصيرهم في السعي لطلب الرزق السؤال هلا علقتم على قول البعض: كيف نفعل فعل السلف في الطلب مع مشاغل اليوم الكثيرة، وقد نقل عن الشافعي قوله: لو كلفني أهلي بشراء بصلة لما طلبتُ العلم. الجواب أولاً: هم كانوا في الشغل أكثر منا، بل لم يكن عندهم من الفراغ وسهولة الحركة مثل ما عندنا في حياتنا اليوم، أي: أنت تستطيع الآن أن تصل إلى أبعد بلاد الدنيا في ساعات قليلة، بينما هو إذا خرج من بلده ولتكن مصر مثلاً أو الشام، أو كان مثلاً من بلاد الأعاجم وأراد أن يصل إلى مكة والمدينة كان يقضي شهوراً، وأنت الآن تقطعها في ساعات، فهذا الوقت المختصر ماذا تفعل به؟ لا شيء، فهم كانوا أكثر شغلاً منا، وكانوا مع ذلك أرق حالاً منا، لكن المسألة تتوقف على الهمة. وقول الإمام الشافعي لو صح عنه يشير إلى أن المرء لو اشتغل بالمعاش عن العلم، ولكن هل كان الإمام الشافعي عاطلاً، ما كان يعمل شيئاً قط؟ كان الإمام الشافعي يسعى في معاشه، لكن كان يختصر غالب حاجاته ويستغني عنها لطلب العلم، فتجد أنه قد يقصر في حظ نفسه، وفي جلب الطعام الجيد والفراش الوثير وهذه الأشياء لطلب العلم. وأذكر في هذا العصر للشيخ محمد ناصر الدين الألباني حفظه الله، أنه قال: إنه كان لديه محل ساعات، ولكن كان يعمل في اليوم ساعة واحدة أو ساعتين، بمقدار ما يعيشه ذلك اليوم، ثم يغلق المحل وينطلق إلى المكتبة الظاهرية، فيقضي فيها عامة يومه ولا ينقلب إلا قرابة نصف الليل. لكن عندما يكون للإنسان مطامع، يريد أن يحسن هنا ويفعل هنا وكذا ما تفقه، فلعل قول الإمام الشافعي يحمل على أن المرء إذا جعل همته في طلب الدنيا لا يفلح في طلب العلم. فلو أن أحدنا يسعى في معاشه كل يوم ثماني ساعات، فيبقى عنده ثماني ساعات ينام فيها، ويبقى له ثمان ساعات، فلو كان عنده ذهن وإقبال ونهم فهذه الساعات تكفيه.

стр. 19

صحيح البخاري إن ما نشاهده اليوم من تفلت ديني، وتولية زمام الأمور غير أهلها، وانتشار الجهل في الدين، وإحياء البدع وإماتة السنن لهو مصداق لحديث رسول الله ﷺ عندما أخبر أن من علامات الساعة ضياع الأمانة، وتوصيد الأمر إلى غير أهله سواء أمر الولاية أو أمر الإفتاء والعلم والدعوة، أو أمر الحكم والقضاء، فبهذا كله ينتشر الفساد والظلم، ويفشو الجهل، وتكثر الفتن، وتقوم الساعة بعد ذلك على شرار خلق الله .

стр. 20

شرح حديث أبي هريرة في سؤال الأعرابي عن الساعة إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد. قال الإمام البخاري ﵀: باب (من سئل علماً وهو مشتغل في حديثه فأتم الحديث ثم أجاب السائل) حدثنا محمد بن سنام قال: حدثنا فليح ح وحدثني إبراهيم بن المنذر قال: حدثنا محمد بن فليح قال: حدثني أبي قال: حدثني هلال بن علي عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة قال: (بينما النبي ﵌ في مجلس يحدث القوم جاءه أعرابي فقال: متى الساعة؟ فمضى رسول الله ﷺ يحدث، فقال بعض القوم: سمع ما قال، فكره ما قال. وقال بعضهم: بل لم يسمع. حتى إذا قضى حديثه قال: أين أراه السائل عن الساعة؟ قال: ها أنا يا رسول الله! قال: فإذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، قال: كيف إضاعتها؟ قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة). وهذا الحديث رواه الإمام البخاري أيضاً في كتاب الرقاق من حديث محمد بن سنام عن فليح بن سليمان.

стр. 21

اللطائف الحديثية في سند الحديث الإمام البخاري ﵀ روى هذا الحديث عن شيخين له: الشيخ الأول هو محمد بن سنام. والشيخ الآخر هو إبراهيم بن المنذر. لكن بين رواية الشيخين فرق: الفرق الأول: أن رواية محمد بن سنام عالية، ورواية إبراهيم بن المنذر نازلة، وأشرف أنواع العلو أن يقل عدد الوسائط بينك وبين رسول الله ﷺ ، فمثلاً: الإسناد فيه عال ونازل، العالي أنك تصعد إلى فوق، ولنفترض أن هذا القلم إسناد، فهذا طرفه الأول، وهذا طرفه الآخر، هنا الإمام البخاري في هذا الطرف، والطرف المقابل صحابي، فالإمام البخاري عندما يقول: حدثني محمد بن سنام، هنا الإمام البخاري الطرف الأسفل، وهنا في العلو الصحابي على أساس أن الزمان نازل، فالإمام البخاري متأخر، والصحابي هو أعلى طبقة في السند، وينقسم هذا السند إلى فترات زمنية تسمى طبقات، ولنتخيل أن هنا -مثلاً- طبقة، وهنا طبقة، وهنا طبقة، وهنا طبقة، فالإمام البخاري عندما يقول: حدثنا محمد بن سنام، حدثنا فليح بن سليمان، وبعد ذلك هلال بن علي ثم عطاء بن يسار، ثم أبو هريرة، فهذا اسمه علو كلما صعد إلى فوق. السند الأول عندنا فيه محمد بن سنام، ثم فليح بن سليمان، وبعده هلال بن علي، وبعد ذلك عطاء بن يسار، وبعد ذلك أبو هريرة إذاً: بين الإمام البخاري وبين النبي ﵊ في السند الأول خمسة رجال. السند الثاني: قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر حدثنا محمد بن فليح قال: حدثني أبي عن هلال بن علي عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة بينه وبين النبي ﷺ ستة. فيبقى السند الأول أعلى من السند الثاني؛ لأن البخاري نزل فيه درجة، فأشرف أنواع العلو أن يقل عدد الوسائط بينك وبين رسول الله ﷺ ، فكلما اقتربت من الضوء ومن المصباح كان أفضل، وكان المحدثون يسعون إلى تحصيل هذا النوع من العلو مهما كلفهم من الجهد والمال. قيل لـ يحيى بن معين في مرض موته: ما تشتهي؟ قال: بيت خالٍ، وإسناد عالٍ، فالإسناد العالي مطمح للمحدثين؛ لأنه يقترب من الرسول ﵊، وكانوا يرحلون الفراسخ البعيدة لتحصيل السند العالي، لكن علو الإسناد مشروط بصحته، وإلا فالإسناد الصحيح النازل خير من الإسناد العالي الضعيف، والعلماء أحياناً كانوا يتجاوزون عن هذا الشرط في الأحاديث العالية من باب الإغراب الذي كانوا يعدونه للمذاكرة. فالمحدثون كان لهم مذاكرات يأتون فيها بكل غريب وعجيب ومنكر، لأجل أن يغرب بعضهم على بعض، وليس المقصود أن يحتجوا بالحديث في إثبات حكم شرعي، لا. فهذه الأسانيد الغريبة العالية من منح العلم، ما كانوا يحتجون بها في دين الله ولا يأخذون منها الأحكام ولا الآداب، إنما كانوا يدللون على حفظهم وعلى رحلتهم وعلى سعة علمهم بمثل هذا النوع من العلم. الإمام البخاري ﵀ أورد هذا الحديث في كتاب الرقاق بالسند العالي، وسنبين لماذا نزل الإمام البخاري في السند الآخر. قال: حدثنا محمد بن سنام قال: حدثنا فليح -ثم ذكر حرف الحاء، وهذا الحرف مأخوذ من كلمة (تحويل) فهو فن ابتكره المحدثون يساوي الاختزال في العصر الحديث- وحتى أبين لك كيف اختصر الإمام البخاري السند، أسرده لك بكامله: قال: حدثنا محمد بن سنام قال: حدثنا فليح بن سليمان قال: حدثني هلال بن علي عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة قال: ويسوق المتن كله، وبعد ذلك يبتدئ من جديد فيقول: وحدثني إبراهيم بن المنذر قال: حدثنا محمد بن فليح قال: حدثني أبي قال: حدثني هلال بن علي عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال. فحتى يعفي نفسه من هذه الإعادة يذكر السند الأول بالمتن، أو يذكر السند الأول كله، وبعد ذلك يذكر السند الثاني بالمتن، وهذا للاختصار، والاختصار في التحويل يبدأ من عند الراوي المشترك في السند. فالإمام البخاري اختصر فقال: حدثنا محمد بن سنام حدثنا فليح وحدثنا إبراهيم بن المنذر عن محمد بن فليح عن أبيه. يعني: عن فليح فالراوي المشترك فليح، ولو وضع حرف الحاء في موضع آخر غير هذا الموضع لكان غلطاً. إذاً: أنا لو أريد أن أختصر اختصاراً آخر، سأقول: قال البخاري: حدثنا محمد بن سنام وبعد ذلك أكتب (ح) وبعد ذلك أقول: حدثني محمد بن إبراهيم بن المنذر قال: حدثني محمد بن فليح كلاهما عن فليح قال: حدثني هلال بن أبي ميمونة. والإمام البخاري نادراً ما يحول، والإمام مسلم أكثر منه تحويلاً، والسبب أن الإمام مسلم ﵀ يكثر من ذكر الأسانيد للحديث الواحد بخلاف البخاري، فأول حديث في صحيح مسلم ذكر له أسانيد كثيرة، فمع كثرة الأسانيد يحتاج إلى حرف التحويل، والأسانيد المكررة عند الإمام البخاري قليلة، ليست كما هي عند الإمام مسلم ﵀، وهلال بن علي هذا هو هلال بن أبي ميمونة وهو هلال بن أبي هلال، كل هذه الأسماء الثلاثة إنما هي لرجل واحد. مداخلة: فائدة تحويل سند الحديث؟ الجواب الله أعلم. مسألة التحويل هذه مسألة فن، الإمام البخاري لم ير حاجة إلى ذلك، لكن أنت لو حولت من بعد محمد بن سنام جاز لك ذلك وربما الإمام البخاري لم يحول، لأنه لو حول بعد محمد بن سنام سيكون التحويل قيمته قليلة فهو راوٍ واحد فقط، لأنه إنما نحول إذا كثر عدد الشيوخ فخشينا الالتباس، فهو لو حول من بعد محمد بن سنام يبقى التحويل ليس له تلك القيمة. مداخلة: هل هناك فرق بين أدوات التحل؟ الجواب: بالنسبة لأدوات التحمل: (حدثنا) و (حدثني)، فالعلماء يقولون: إن (حدثنا) تكون من لفظ الشيخ، وذلك إذا قرأ الحديث بنفسه تبقى أنت كمستمع تقول: (حدثنا)، وإذا قرأه رجل على الشيخ وهو يسمع ويقر تقول أنت: أخبرني، لكن هذا مجرد اصطلاح، وقد اتفق العلماء على أنه لا فرق بين (حدثنا) و (أنبأنا) و (أخبرنا)، فكلها بمعنىً واحد. ولفظ (حدثنا) بالجمع إذا الشيخ هو الذي قرأ وسمع أكثر من واحد، أما إذا الشيخ حدث رجلاً على انفراده فيقول: حدثني، هذا هو المشهور عند جماهير العلماء. ولا فرق عند العلماء ما بين أن يقرأ الشيخ من لفظه، أو أن يُقرأ على الشيخ وهو يسمع، فالقراءة على الشيخ وهو يسمع تُسمى عرضاً، أي: أن التلميذ عرض على الشيخ حديثه فأقره، وحصل خلاف ما بين أهل العراق وأهل المدينة في مسألة العرض والسماع، فكان أهل المدينة يرون أن العرض مثل السماع، وكان أهل العراق يقولون: لا. بل ما كان من لفظ الشيخ يكون أرفع من العرض، فالإمام مالك ﵀ رد عملياً على أهل العراق بأنه لا يقرأ الموطأ على أحد، إنما يقرأ عليه وهو يسمع؛ ولذلك حديث مالك في صحيح مسلم كله عرض، ما جاء من طريق يحيى بن يحيى عن مالك في صحيح مسلم كله عرض، يقول مسلم: حدثني يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك، هكذا في صحيح مسلم، يعني: أنه أخذ الحديث عرضاً. وقال إبراهيم بن سعد وهو أحد أئمة المدينة: يا أهل العراق! لا تدعون تنطعكم! العرض مثل السماع. وبالغ بعض أهل المدينة وقال: بل العرض أقوى من السماع، لكن العرض كالسماع وإن كان احتمال دخول الوهم في العرض أقوى من دخوله في التحديث المباشر، لأن الشيخ قد يسهو والتلميذ يقرأ عليه، وتدركه سنة أو نحو ذلك فلا ينتبه، فلا شك أن التحديث يمتاز عن العرض بمثل هذا، لكن المشهور والمعروف عند جماهير العلماء أن العرض والسماع كلاهما صيغة واحدة. مداخلة: هل الكتابة مع الإجازة أقوى من السماع؟ الجواب: لا. هذا خطأ بل التحديث أرفع أدوات التحمل، وهو أن يصرح الشيخ بلفظ التحديث، ربما يقول لك: الكتابة أحد أدوات التحمل، والإجازة أحد أدوات التحمل، فإذا اجتمعا هذا مع ذاك يبقى كأنه نور على نور، لا. أقوى صيغ التحمل (حدثني) و (حدثنا) و (أنبأني) و (أنبأنا) و (أخبرني) و (أخبرنا)، وثم (قال لي)، فهي ملتحقة بحدثنا وحدثني، ولفظة (قال لي) أكثر من يستخدمها الإمام البخاري، يعني: لم أقف لأحد من الأئمة الستة على استخدام هذه العبارة إلا عند الإمام البخاري ذكرها في الصحيح قليلاً، لكنه أكثر منها في كتاب التاريخ الكبير. وأحياناً يروي في التاريخ الكبير حديثاً يقول فيه: قال لي مثلاً قتيبة بن سعيد، ويكون روى هذا الحديث بعينه عن قتيبة في الصحيح لكنه قال: حدثني قتيبة، فالعلماء قالوا: إن لفظة (قال لي) عند الإمام البخاري هي بمنزلة: (حدثني)، أو (أنبأني) أو (أخبرني). والطحاوي له رسالة اسمها: التسوية بين حدثنا وأخبرنا، يرد فيها على من يفرق بينهما ويقول: إن أخبرنا للعرض وحدثنا للقراءة. وأيضاً من أدوات التحمل (عن) وهي من أدوات التحمل التي تحتمل ا

стр. 22

الفوائد الفقهية والأصولية من الحديث

стр. 23

استحباب الرحيل في طلب العلم وقوله (جاءه أعرابي) فيه دلالة على استحباب الرحلة في طلب العلم والأعرابي: هو من يسكن البادية، يعني: ليس من أهل الحضر فالرسول ﵊ يعقد المجلس لأصحابه وهذا الأعرابي رحل من بلده إلى الرسول ﵊ ليسأله عن أمر جلل، والرحلة في طلب الحديث أشهر من فعلها هم المحدثون، وأكثر من (٩٥%) من الذين رحلوا من مكان إلى مكان إنما هم أهل الحديث، وتبقى (٥%) لأهل الفقه وأهل اللغة، وسائر الذين يطلبون فنون العلم الأخرى. فيمكن أن يكون في بلدك اثنين أو ثلاثة من الفقهاء تتخرج عليهم، وتكون فقيهاً (١٠٠%)، وتأخذ ما عندهم، لكن في الحديث قد لا تجد. لماذا؟ لأن الأسانيد فرقت ووزعت بسبب رحلة الصحابة إلى الأمصار، وتركهم المدينة ومكة، فانتقل هؤلاء الصحابة ومعهم حديث كثير عن النبي ﵊، ففي كل بلد طلاب علم يسمعون عن شيوخ البلد، فكل واحد من هؤلاء معه من الأسانيد ما ليس مع الطرف الآخر، فلذلك وزعت الأسانيد كلها في صدور مئات بل ألوف من طلاب العلم في مختلف الدنيا، فهذه الرحلة اختص المحدثون بها لحاجتهم إليها بسبب تفرق الأسانيد في البلاد، وبذل المحدثون جهداً عظيماً كبيراً في سبيل جمع كل هذه الأحاديث من صدور طلاب العلم الذين أخذوا عن العلماء، والخطيب البغدادي له كتاب اسمه: الرحلة في طلب الحديث، ذكر فيه نماذج من رحيل الصحابة إلى النبي ﵊، ومن رحيل التابعين إلى الصحابة، ومن رحيل العلماء إلى المشايخ في البلاد الأخرى، فمجيء الأعرابي يدل على الحرص على طلب العلم، وأنه كلما بدا لك سؤال يستحب لك أن ترحل إلى العالم الذي يشفيك. وقصة شعبة بن الحجاج في سبيل التثبت من حديث واحد مشهورة، ذكرها ابن حبان في كتاب المجروحين، وذكرها الخطيب البغدادي في كتاب الكفاية، وهي مشهورة، وقد نوه بها الحاكم النيسابوري في المستدرك في آخر حديث (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي) بعدما روى هذا الحديث وذكر له طرقاً كثيرة، نوه برحلة شعبة بن الحجاج ﵀ إلى طلب هذا الحديث الواحد، أراد أن يقول: إنني تعبت واستقصيت جمع طرق هذا الحديث، ولا مانع من ذلك؛ فقد فعل شعبة مثل هذا، فرحلة شعبة بن الحجاج ﵀ استغرقت منه نحو شهرين أو ثلاثة في سبيل التثبت من حديث واحد، فعن نصر بن حماد الوراق قال: كنا بباب شعبة نتذاكر السنة؛ فقلت: حدثني إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الله بن عطاء عن عقبة بن عامر الجهني أن النبي ﷺ قال: (من توضأ ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء) قال: وبينما أنا أحدث بهذا الحديث خرج شعبة من الدار فسمعني فلطمني ودخل الدار، وكان معه عبد الله بن إدريس، قال: فجلست أبكي فدخل شعبة الدار ثم خرج فوجدني أبكي، فقال عبد الله بن إدريس: إنك لطمت الرجل، قال: إنه مجنون، إنه لا يدري ما يحدث، إني سألت أبا إسحاق السبيعي عن هذا الحديث قلت له: حدثك إبراهيم بن سعد؟ فغضب وأبى أن يخبرني، فقال لي مسعر بن كدام وكان جالساً مع أبي إسحاق: يا شعبة! إبراهيم بن سعد حي بالمدينة إن أردت أن تستثبت فارحل إلى المدينة واسمع الخبر من إبراهيم بن سعد. وشعبة بصري من أهل البصرة، قال شعبة: فخرجت من سنتي إلى الحج ما أريد إلا الحديث فقال: فلقيت مالكاً في الحج قلت له: حج إبراهيم بن سعد؟ قال لي: لا. ما حج العام، قال: فقضيت نسكي وتحللت وانحدرت إلى المدينة، فدخلت على إبراهيم بن سعد، فقلت له حديث الوضوء سمعته من عبد الله بن عطاء؟ قال: لا. قلت: ممن سمعته؟ فذكر أنه سمعه ممن -أدركني سوء الحفظ- قال: حدثني زياد بن مخراق قال: فانحدرت إلى زياد بن مخراق فقلت له: حديث الوضوء سمعته من عبد الله بن عطاء؟ قال: ما هو من حاجتك، قلت له: لابد، قال: لا أحدثك حتى تذهب إلى الحمام وتغتسل وتغسل ثيابك ثم تأتيني، قال: فذهبت فاغتسلت وغسلت ثيابي وأتيته، فقلت له: حديث الوضوء، قال: حدثني شهر بن حوشب، قلت: عمن؟ قال: عن أبي ريحانة عن عبد الله بن عطاء عن عقبة بن عامر، فقال شعبة: حديث مرة مكي! ومرة مدني! ومرة بصري لا أصل له، والله لو صح هذا الحديث لكان أحب إلي من أهلي ومالي. وهذا الحديث صحيح لكن من غير الطريق الذي أنكره شعبة، والحديث إنما صح عن عقبة بن عامر عن عمر بن الخطاب، كما رواه الإمام مسلم في صحيحه، لكن الذي يقرأ هذه القصة عن شعبة بن الحجاج لا يتصور أنه بذل ثلاثة أشهر من عمره في سبيل أن يتأكد من حديث واحد فيه مثل هذه الفضيلة، وهو يقول: (والله لو صح هذا الحديث لكان أحب إلي من أهلي ومالي). فالحمد لله رب العالمين أنه قد صح هذا الحديث. فالعلماء كانوا يسافرون هذه الأشهر الطويلة في سبيل التثبت من لفظة واحدة، يأتي من بعدهم لا يشعر بقيمة الجهد الكبير الذي بذلوه. ومن أمثلة الرحلة أيضاً في طلب العلم أو في طلب الحاجة: ما رواه الشيخان البخاري ومسلم من حديث أنس ﵁ قال: (بينما النبي ﷺ يخطب الجمعة إذ جاءه أعرابي فقال: يا رسول الله! هلك الزرع والضرع، ونفقت الماشية فادع الله أن يسقينا، قال: فرفع النبي ﷺ إصبعه إلى السماء وقال: اللهم اسقنا اللهم اسقنا اللهم اسقنا، قال أنس: وكانت السماء مثل الزجاجة -يعني: ليس فيها سحابة- قال: فما إن دعا ﷺ حتى تكاثر الغمام في السماء، وما نزل من على المنبر إلا والمطر يتحدر من على لحيته، وخرجنا إلى بيوتنا نخوض في الماء، وظللنا لا نرى الشمس جمعة، قال: وفي الجمعة التي بعدها وبينما النبي ﷺ يخطب الجمعة، إذ جاءه هذا الأعرابي فوقف على الباب وقال: يا رسول الله! هلك الزرع والضرع ونفقت الماشية فادع الله أن يحبس عنا الماء، فتبسم رسول الله ﷺ وقال: أشهد أني عبد الله ورسوله، اللهم حوالينا لا علينا، اللهم على الآكام والضراب ومنابت الشجر، قال: فكان على المدينة شمس وحول المدينة مطر). وكذلك ما رواه البخاري من حديث أبي هريرة أيضاً أن رجلاً جاء يسأل النبي ﷺ عن الإيمان والإحسان والإسلام، وكان النبي ﷺ يجلس بين أصحابه، فلم يكن تميز عنهم فكان الجائي يجيء فيسأل عنه أين محمد؟ فجاء أعرابي فسأل عنه، فقالوا له: هذا الرجل الأبيض المتكئ، فذهب إليه وقال: يا بن عبد المطلب! قال: قد أجبتك، فسأله عن الإيمان والإسلام والإحسان، فقالوا له: يا رسول الله! لو اتخذنا لك منبراً، قال: إن شئتم، ومن هنا اتخذوا له منبراً كان يجلس عليه ليتميز فلا يحتاج السائل أن يسأل عنه إذا جاء، بل إذا وجده يجلس على هذا المكان المرتفع عرف أن هذا هو رسول الله ﷺ .

стр. 24

الرفق بالسائل خصوصاً إذا كان جاهلاً قال هذا الأعرابي: (متى الساعة؟ فمضى رسول الله ﷺ يحدث)، هذا فيه إعراض من النبي ﵊، لماذا؟ لأن السؤال غير عاجل، هذا سؤال ما له كبير قيمة، أن تعرف متى الساعة، لذلك صرف النبي ﷺ الرجل إلى ما ينفعه، وهذا فيه من الأدب أنه ينبغي على الشيخ أن يرفق بالسائل، لأنه قد يكون جاهلاً، أو قد يكون من الذين لا يحسنون السؤال، فيعلمه إحسان السؤال، فالرسول ﵊ ما أجابه إنما سأله، فرد على السؤال بسؤال، كأنما قال له: السؤال الذي ينبغي أن تطرحه ليس الذي ذكرت بل الذي أنا أذكره، والذي ينبغي أن تهتم به. وروى الإمام مسلم عن أبي رفاعة (أن النبي ﷺ كان يخطب فدخل رجل فقال: رجل غريب يريد أن يتعلم دينه، فنزل النبي ﷺ من على المنبر وجلس على كرسي وأدنى هذا الرجل وجعل يعلمه ما يلزمه من دينه، وبعد أن انتهى صعد المنبر فأكمل خطبته)، فهذا رجل متعجل لا يدري شيئاً عن دينه، فربما إذا أقيمت الصلاة لا يدري كيف يصلي، فالإجابة هنا عاجلة بخلاف الرجل الذي يقول: متى الساعة؟ فينبغي للعالم أن ينظر إلى سؤال السائل إذا كان الرجل متعجلاً فليعجل له بالجواب فهذا أرفق، وإذا كان السؤال يحتمل التراخي أقبل على شأنه وعلى كلامه ثم بعد ذلك لا يضره إن هو رجع له مرة أخرى. لماذا؟ لتحاشي حصول مضرة من تأخير الجواب. فهو يقول هنا: متى الساعة؟ فأقبل النبي ﷺ يحدث، فالناس الذين يسمعون النبي ﷺ انقسموا إلى فريقين، جماعة قالوا: سمع ما قال، فكره ما قال، وجماعة قالوا: بل لم يسمع. أما الفريق الأول الذي قال: سمع فكره، عرفوا من عادة النبي ﷺ أنه إذا كره الشيء لا يجيب، مثل الحديث الذي رواه البخاري ومسلم أيضاً أن النبي ﷺ قال: (إن الله فرض عليكم الحج فحجوا، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت ولم يجبه، -حتى كرر الرجل المسألة أكثر من مرة- فقال النبي ﷺ : ذروني ما تركتكم، إنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، وفي اللفظ الآخر قال: لو قلت نعم لوجبت ولما أطقتم) فالرسول ﵊ كان إذا كره السؤال لا يجيب، لكن يضاف إلى عدم الإجابة شيء آخر هو الذي جعل الفريق الآخر يقول: لم يسمع، أنه ﵊ كان إذا كره لم يجب ويحمر وجهه، يظهر عليه علامات الكراهة، فعدم احمرار وجه الرسول ﵊ أغرى طائفة أخرى فقالوا: لم يسمع، لأنه لو سمع وكره ما قال لتغير وجهه ﵊ كما هي عادته، وكذلك فإن الفريق الآخر غلب حسن الخلق؛ لأن الرسول ﵊ لم يكن من عادته أن يهمل من يريده، لاسيما إذا كان الرجل من البادية، رحل وجاء من مسافة بعيدة، فقالوا: لا. لم يسمع، لأن حسن خلقه ﷺ في استقبال الغريب يمنعه ألا يجيبه، فالأولون غلبوا ما رأوه من عادته ﵊ أنه كان إذا كره لا يجيب، لاسيما أن هذا السؤال وجه إلى النبي ﵊ ولم يجب على السائل. (حتى إذا قضى حديثه وأكمله، قال: أين أراه السائل عن الساعة؟ فقال: ها أنا يا رسول الله! قال: إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة)

стр. 25

استحباب عقد مجالس التحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: (بينما النبي ﷺ في مجلس يحدث القوم جاءه أعرابي) قلنا: إن هذا فيه دليل على استحباب عقد مجالس التحديث لأن النبي ﵊ كان يعقد المجالس لتعليم أصحابه

стр. 26

من علامات الساعة: ضياع أمانة الدين إن الأمانة اسم عام لكل تكليف كلفناه ربنا ﵎ أو الرسول ﵊ كما في قول الله : ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:٧٢] فالأمانة هي كلمة: لا إله إلا الله بتكاليفها، هذه هي التي أشفقت السماوات والأرض والجبال عن حملها وفي حديث حذيفة قال: عن النبي ﷺ قال: (إن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال). الجذر الذي هو الأصل، أي: أن تعظيم حرمات الله إنما يكون محله القلب، وهذا يصدقه قول ابن عمر وقول حذيفة أيضاً: (تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن) فهذا الإيمان هو الأمانة، وعادة لا ينشط الرجل إلى فعل ما أمره الله إلا والإيمان رائده، فالذي يفرط في أوامر الله خائن، إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، ليس المقصود بالأمانة أن يعطى رجل آخر مبلغاً من المال فيأكله لا، هذا لون من ألوان الخيانة، لكن أعظم الخيانة أن يخون الرجل ما أمره الله بحفظه لاسيما العقد الأول الذي أنت وقعت عليه، ووقعه كل إنسان على وجه الأرض، فخانه أكثر الناس قال ﵎: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف:١٧٢] هذا هو التوقيع، شهدوا لله بالوحدانية، أعظم الأمانة خيانة توحيدك، فكل البشرية جميعاً شهدوا على أنفسهم ووقعوا هذا العقد، قالوا: بلى شهدنا، فقال الله لهم: ﴿أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف:١٧٢]، أي: إنما أشهدتكم حتى لا يقول قائل: إني غافل عن هذا. هل أحد منا يذكر هذه المراجعة؟ لا أحد على الإطلاق يذكر هذه المراجعة؛ لأن الله إنما فعل ذلك ونحن في عالم الأرواح، كما في الحديث الصحيح الذي يفسر هذه الآية أن الله ﵎ مسح ظهر آدم فاستخرج من ظهره كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيام، ثم خاطبهم في عالم الأرواح -في عالم الغيب- جعل لهم أرواحاً وخاطبهم ألست بربكم؟ قالوا: بلى شهدنا أنك ربنا، قال: ﴿أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف:١٧٢] فلما لم يذكر العباد هذا الميثاق أرسل الله الرسل تذكر العباد بهذا الميثاق إذ جزاء العقاب والثواب إنما هو مرهون ببعثة الرسول. قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥] وأخطأ من زعم أن هذا الميثاق حجة على كل العباد، ولا يعذر بالجهل بسبب هذا، أن الكل أقر في عالم الغيب أن الله هو ربهم لا. بل العذاب والثواب كله مرهون ببعثة الرسول ﵊، ثم بوصول البيان والبلاغ، قال ﵎: ﴿لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام:١٩] فمن بلغته النذارة انقطعت حجته، وانقطع عذره، أما إذا بعث الرسول ﵊ ومع ذلك لم يصل كلامه إلى إنسان معين، فهذا الرجل يعذر بجهله حتى تقوم عليه الحجة الرسالية التي يكفر تاركها فأجل الأمانة التوحيد لذلك حفاظك على توحيدك أمانة، وتفريط الإنسان في معرفة التوحيد خيانة لهذه الأمانة.

стр. 27

من ضياع الأمانة: تصدر أهل الجهل للفتوى والعلم هل الصحابة كانوا يفعلون مثل هذا؟! لا. القرآن عند الصحابة كان غالياً هذه هي الأمانة أن تعظم كلام الله الذي أنت تأخذ منه الأحكام والآداب، الذي هو رائدك إلى الجنة، فإذا وجدت مثل هذه الخيانات في شتى المجالات، في الأحكام الشرعية، وفي التوحيد، وفي الآداب، وفي السلوك وفي مثل هذه الأشياء فاعلم أن الساعة قد اقتربت (إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة). فاللفظ مجمل -وأغلب الإشكال يأتي من الإجمال- فلم يقنع هذا الرجل بهذا الإجمال فكرر السؤال مرة أخرى يستفسر، فقال هذا الأعرابي: (كيف إضاعتها؟ قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة). إذاً: كل شيء من الخلاف سببه كلام الجاهل في غير فنه، ولله در من قال من علمائنا: لو سكت من لا يعلم لقل الخلاف، فمثلاً لو أن شخصاً في زماننا لا نشهد له بالعلم ألف كتاباً، وأتى فيه بأقوال شاذة. ثم مر عليه خمسمائة عام فعثر على الكتاب شخص وقال لك: وجدنا مخطوطة لأحد أئمة الإسلام، وأخرج المخطوط وحققه، هذا الشخص الذي هو كان عندنا في زماننا لا يساوي فلساً، بعد خمسمائة سنة سيبقى شيخ الإسلام الإمام العالم العلامة، الحبر الفهامة، البحر، قوي العارضة، شديد المعارضة، ألقاب يضعونها لهؤلاء، فيقوم هذا الرجل الذي ما كان يساوي شيئاً فيصير حجة بعد الزمن الطويل، لماذا؟ لأن كل يوم يمر علينا العلم يتناقص، والرسول ﵊ قال: (من أشراط الساعة أن يرفع العلم، وأن يكثر الجهل، ويكون للقيم الواحد خمسون امرأة). فهناك مناسبة ما بين كثرة الجهل والنساء، لماذا؟ لأن العلم هذا تبع الرجال، والجهل يكثر في أواسط النساء جداً أكثر من الرجال بألف درجة، فمن كثرة الجهل بأحكام الشرع أصبح لهذا الرجل خمسون امرأة، يعني: الحكم الشرعي أن الرجل له أربع حرائر فقط، لكنه من شدة الجهل بالأحكام -فهذا أحد المعاني في الحديث- أن الرجل يتزوج خمسين امرأة بسبب الجهل، لأن الكل جاهل والعلم رفع. والمعنى الثاني: أن هذا يدل على قلة الرجال حتى أن الرجل الواحد تلوذ به خمسون امرأة، فيطعمهن ويرعاهن لعدم وجود من يقوم بحال النساء في ذلك الزمان. فالرسول ﵊ يقول: (إذا وسد الأمر إلى غير أهله)، فهذا الزمان عندما ترى مفتياً جاهلاً يتصدر للإفتاء للعوام، كم سيحصل من الشر المستطير بسبب فتوى هذا المفتي، ولا نقصد بهذا المفتي أنه لابد أن يكون له منصباً رسمياً لا. أي رجل تصدى للإفتاء، والعلماء عندما يقولون: (مذهب العامي مذهب مفتيه) ليس المقصود مفتي البلد، بل مذهب المفتي الذي سأله السائل، فعندما يأتي جاهل يفتي في دين الله وهو لم يحط بالمسألة علماً يضل الناس، والسلف كان لهم كلمة تقال: (إذا زل العَالِم زل بزلته عَالَم). ومن أكبر وسائل الإضلال عدم التمييز ما بين العالم وشبيه العالم، مثل العالم الجاهل كشخص يلبس فروة أسد وهو جبان، فهو أخذ سمت الأسد ورسمه، لكنه ما أخذ قوة قلبه ولا شجاعته، كذلك المدعون للعلم يلبسون العمامة والزي الذي هو زي العلماء، لكن ليس عندهم علم تحت هذا الزي! فهذا يذكرني بقصة لطيفة جداً ذكرها أصحاب الأدب، ذكر أبو الفرج الأصفهاني في كتاب الأغاني عن شاعر من طبقة الشعراء الصعاليك، لقبه تأبط شراً، هذا لقبه المشهور به، واسمه ثابت بن جابر وهذا الشاعر أحد ثلاثة من أشهر طبقة الشعراء الصعاليك منهم الشنفرا صاحب اللامية الرائقة الجميلة الذي أولها: أميطوا بني أمي صدور مطيكم فإني إلى قوم سواكم لأميل وفي هذه اللامية بيت جميل آخر يقول: وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى وفيها لمن خالف الخِلى متحول فـ الشنفرا أحد الشعراء الصعاليك، وتأبط شراً أيضاً أحد الشعراء الصعاليك، لقب بهذا اللقب لأنه كان يمشي في طريق فوجد الغول على هيئة خروف، فأخذه ووضعه تحت إبطه، فلما ذهب به إلى أهله، قالوا له: يا ثابت! قد تأبطت شراً، فنفضه فإذا هو الغول، يعني: قصة خرافية، المهم أن تأبط شراً كان قصيراً ونحيفاً وذميماً، ولكنه كان مرعباً مثل الأسد المفترس، الناس كلها تخاف منه، فقابله رجل ثقفي أحمق، فقال: بم ترعب الرجال يا ثابت وأنت ذميم وضئيل؟ قل لي: ما هو السر الذي معك حتى ترعب به الكل؟ قال له: ليس هناك سر أبداً، إنما اسمي هو الذي يرعبهم، عندما ألقى الرجل، أقول له: أنا تأبط شراً؛ فينخلع قلبه، فآخذ منه ما أريد قال له: بهذا فقط! قال له: بهذا فقط. ففكر الثقفي قليلاً ثم قال له: هل تبيعني اسمك؟ فقال تأبط شراً: بكم؟ فقال الثقفي: بهذه الحلة الجديدة -وكان قد اشتراها في ذلك الوقت- وباسمي، وهو كان يكنى بـ أبي وهب قال له: أعطيك القميص هذا الجديد وأعطيك اسمي كذلك، قال له: موافق اخلع، خلع الثقفي القميص الجديد، وتأبط شراً قام فخلع ثيابه وأعطاها للشنفرا، وبعد ذلك تأبط شراً قال له: أنت من اليوم تأبط شراً، وأنا أبو وهب، فبعد هذه المبادلة كتب تأبط شراً ثلاثة أبيات إلى امرأة الثقفي الأحمق يقول فيها: ألا هل أتى الحسناء أن حليلها تأبط شراً واكتنيت أبا وهب فهبه تسم اسمي وسماني اسمه فأين له صبري على معظم الخطب وأين له بأس كبأسي وسورتي وأين له في كل فادحة قلبي هو أخذ اسمي، لكن هل أخذ قلبي؟ هل أخذ جرأتي وثباتي على الأحداث؟ لا. ليس المعنى أني أعطيته اسمي أنه أخذ الشجاعة والقوة التي هي رأس المال. وهذا الرجل الذي أخذ لقب تأبط شراً، قام وظهر على مجموعة من الناس وأخذ يقول لهم: أنا تأبط شراً، هل يتصور أنه ممكن يقولها كمثل ثابت بن جابر؟ لا. لأنه يقول لهم: أنا تأبط شراً، وهو في نفسه خائف، لماذا؟ لأن قلبه ضعيف، فالقوة قوة القلب وليست قوة العضلة، ولذلك قوة العضلات تستمد من القلب فأحياناً تجد الرجل الثابت القوي عندما تعطيه خبراً كالصاعقة يسقط على طوله، لماذا خانته رجلاه ولم تحمله عضلاته؟ لأن قلبه ضعيف، فقوة العضلة أصلاً منبعثة من قوة القلب فهذا ثابت بن جابر كانت عنده جرأة وشجاعة يدخل مباشرة على الرجل فيقول: أنا تأبط شراً، فينخلع قلبه. فمن أكبر الأشياء التي تهدد العلم عدم تمييز العوام بين العالم وشبيه العالم، فيأتي العامي يذهب إلى شبيه العالم يظنه عالماً، فيسأله وقد وسدت الفتوى إلى غير أهلها بسبب ضياع الأمانة. وهذا الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفساً، أول ما سأل سأل على أعلم أهل الأرض، قالوا: نعرف فلاناً عمامته كبيرة وكل ما يقف في الصلاة يبكي هذا أحسن واحد عندنا، وهذا الرجل كان عابداً ولم يكن عالماً، فأول ما ذهب إليه سأله، قال له: قتلت تسعة وتسعين نفساً، قال: لا توبة لك. فقتله فأكمل به المائة، وبعد ذلك دُلَّ على راهب عالم، فقال له: قتلت مائة نفس هل لي من توبة؟ قال: نعم. ومن يحجب عنك باب التوبة، اخرج إلى أرض كذا وكذا وأفتاه بالفتوى الصحيحة. إذاً: فالعوام الذين دلوه على الراهب لا يعرفون الفرق بين الراهب العالم وبين الراهب العابد، بسبب اشتباه الأزياء واشتباه السمت. فمن جملة توسيد الأمر إلى غير أهله أن يسأل الناس من له سمت العالم، ولكن ليس بعالم في الحقيقة، فكم من الشر المستطير يكون إذا وجد في بلد من البلدان خمسة عشر واحداً من هؤلاء المتصدرين للإفتاء. سيضلون الناس، لماذا؟ لأن الأمر وسد إلى غير أهله. فتوسيد الأمر إلى غير أهله تضييع للأمانة، فإذا كان الأمر كذلك فمن علامات الساعة أن يرفع العلم، وأن يكثر الجهل، والرسول ﵊ قال: (لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله) وفي اللفظ الآخر عند الإمام أحمد قال: (حتى لا يقال في الأرض: لا إله إلا الله) يصل الجهل بالبشرية أنها ترجع إلى عبادة اللات والعزى كما رواه الإمام مسلم في صحيحه، ولا يعرفون الله. تقوم الساعة على هؤلاء الذين لا يعرفون شيئاً من دين الله ﵎، بسبب أن الأمر وسد إلى غير أهله على سائر العصور، تراكمت هذه النقائص وهذه المحن شيئاً فشيئاً حتى وصلنا إلى الجهل المطبق نسأل الله ﵎ أن ينفعنا وإياكم بما علمنا، وأن يعلمنا ما جهلنا. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

стр. 28

من ضياع الأمانة: التلاعب بالقرآن وتحريف آياته كان عمر بن الخطاب يشدد غاية التشديد في الذي يلعب بمعنى آيات القرآن ليس بالقرآن أنت تعرف أن ابن عربي في تفسيره آيات القرآن، ليس المعنى فقط، بل الآيات نفسها، فهو يقول في قول الله ﵎: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥] معناها ليس كما تفهمون ولا تقرءون، هذه فيها إشارة إلى الذل في العبادة، ما هو مفهومها؟ قال: من ذل ذي يشف عِ. يعني: (من ذل) من الذل (ذي) اسم إشارة إلى النفس، أي: من ذل نفسه يشف من الشفاء (عِ) فعل أمر من وعى أي: عِ هذا الكلام ويعتبر هذا تفسيراً. هذا عمر بن الخطاب كاد أن يقتل صبيغ العراقي ضرباً بسبب مسألة ليست كهذه؛ فإنه كان يسأل عن معنى (الذاريات ذرواً) والذاريات: هي الريح، وصبيغ العراقي ما كان يسأل عن (الذاريات ذروا) لأنه يجهل معنى هذا اللفظ، لا. العرب كانوا يفهمون القرآن، لكن صبيغاً أراد شيئاً آخر غير المعنى اللغوي، وهذا ما فهمه أبو موسى الأشعري، لذلك أرسل إلى عمر بن الخطاب وقال له: إن هنا رجلاً يسأل عن معنى (الذاريات ذرواً) فقال عمر: ابعثه إلي. وبعد ذلك قال له: أرسله لي على إكاف بعير، وانتبه أن تبعثه على بردعة لينة طرية، إنني أريدك أن تكسر عظمه في الطريق، والإكاف نوع من الخشب فإذا قفز البعير وهو ماشٍ يكسر عظمه في الطريق، وهذا نوع من العقوبة العاجلة. فأرسل إليه صبيغ العراقي ومعه رسول، ولما جاء صبيغ العراقي كان عمر بن الخطاب قد جهز الجريد الأخضر فأول ما دخل قال له: صبيغ العراقي!! تعال فسحبه وجعل يضربه بالجريد الرطب الثقيل المؤلم، فظل يضربه إلى أن أدمى ظهره، ثم تركه يومين أو ثلاثة حتى بدأ الجرح يخف ثم جاء به وضربه مرة أخرى حتى أدمى ظهره، ثم تركه، وبعد ثلاثة أو أربعة أيام جاء به كذلك لكي يضربه قال له: يا أمير المؤمنين! إن كنت تريد أن تقتلني فاقتلني قتلاً جميلاً، يعني: أموت مرة واحدة وانتهى الأمر، وإن كنت تريد أن تداويني فقد والله برئت. ثم إن عمر بن الخطاب ﵁ أرسل لـ أبي موسى الأشعري وقال له: لا أحد يكلمه، ولا يسلم عليه، فطال عليه ذلك فشكا إلى أبي موسى الأشعري ما يجد من الوحشة -فلا أحد يكلمه، ولا أحد يسامره- فأرسل أبو موسى الأشعري إلى عمر يخبره أن الرجل قد تاب وحسنت توبته، فأذن بالكلام معه. فانظر إلى الصحابة كيف كانوا يعظمون القرآن؛ ولذلك لم يحدث التفسير الباطني ولا التفسير بالإشارة إطلاقاً على عهدهم أبداً، وهذا اللعب بآيات القرآن والضياع التي الأمة المسلمة تجرعته في القرون التي أتت بعد ذلك سلم منه عصر الصحابة لشدة حرصهم، وفي نفس الوقت حزمهم بالنسبة للقرآن، انظر في صحيح البخاري في كتاب الحدود ستجد أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: (لقد رجم رسول الله ﷺ ، ورجم أبو بكر ورجمت، وأخشى أن يطول بالناس زمان فيقول قائلهم: لا نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، ولولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله -هذا رواه البخاري وغيره، لفظ البخاري لا أحفظه فربما زدت شيئاً من الروايات الأخرى- لكتبته على حاشية المصحف) انظر التوقي! لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتب حكم الرجم على حاشية المصحف، فحفاظاً على القرآن لم يكتب عمر ﵁ هذا الذي ذكره، وكان حكم الرجم آية تتلى ثم رفعت كلها فكان الصحابة حريصين غاية الحرص فالرجل صبيغ لما قال: (والذاريات ذرواً) قصد نفس المعنى الذي قصده عمر كما رواه البخاري وغيره من حديث أنس (أن عمر بن الخطاب ﵁ قرأ مرة (وفاكهة وأباً) ثم قال: الفاكهة قد عرفناها فما الأب؟! ثم رجع إلى نفسه وقال: إن هذا لهو التكلف يا عمر وما عليك أن لا تدريه) نحن نعرف (الأب) وعمر يعرفه قبلنا كذلك، (الأب) هو العشب، ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [النازعات:٣١ - ٣٢]، فالأب -الذي هو العشب- طعاماً للأنعام، لكن عمر بن الخطاب لم يقصد مطلق اللفظ من أنه لا يدري ما معنى (الأب)، الصحابة كانوا عرباً أقحاحاً، والقرآن نزل بلغتهم لكن عمر قصد شيئاً زائداً على المعنى المعروف لديه يعني: أصله أين؟ وكيف البذرة تلقح؟ والرياح تأخذ ماذا؟ قصد الكلام هذا الذي الآن هم يدرسوه ويسمونه: الإعجاز العلمي للقرآن، ما هو أصل نبات (الأب)، عمر بن الخطاب قصد هذا المعنى، وصبيغ العراقي قصد (والذاريات ذرواً) مثل عمر في تفسير (الأب)، لذلك أنكر عليه عمر بن الخطاب وعاجله بهذه العقوبة. فالصحابة كانوا يبجلون القرآن ويكبرونه ويحافظون عليه، إنما الذين ورثوا الكتاب بعد ذلك هان عليهم القرآن، يعني: انظر إلى ابن عربي وتفسيره لقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة:٦ - ٧]، صح عن ابن عباس أنه قال: (إن الله أنزل آيتين في المؤمنين، وآيتين في الكافرين، وثلاث عشرة آية في المنافقين فبعدما ذكر ربنا المؤمنين: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [البقرة:٣]، ذكر الكافرين، ابن عربي قال: لا. الآيتين هذه (إن الذين كفروا) نزلت في أهل الورع الذين هم أفضل المؤمنين، وقال: إن معنى (الذين كفروا) أي: كفروا إيمانهم وغطوه لأن أصل الكفر التغطية، وسمي الكفر كفراً لأنه يغطي الإيمان، وسمي الزارع كافراً؛ لأنه يغطي البذرة في بطن الأرض ويواريها كقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ [الحديد:٢٠] فالكفار هنا هم الزراع، وسميت الكفور كفوراً، لأن الكفور هي البيوت التي كفرتها الأشجار فغطتها عن العيون، أشجار متكاثفة فتغطي البيوت عن السائر، فسميت كفوراً لأجل ذلك. فقال: (إن الذين كفروا) أي: غطوا إيمانهم حتى لا يحبط بالرياء والسمعة سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون تهددهم بالناس أو لا تهددهم بالناس لا يصدقون هذا التهديد لماذا؟ لأنهم في معية الله ختم الله على قلوبهم فلا يدخلها غيره -بالشمع الأحمر- وعلى سمعهم فلا يسمعون إلا منه وعلى أبصارهم غشاوة يعني: لا يرون غيره، ولهم عذاب عظيم من المخالفين. انظر! إذا جاز للإنسان أن يفهم الكلام بهذه الصورة لا يبقى حق على وجه الأرض، لماذا؟ لأن كل حق يمكن أنك تقدر محذوفاً وينقلب إلى باطل فمثلاً لو أن شخصاً يقول: لا إله إلا الله فأي إنسان ممكن أن يقدر أي تقدير ويضيع هذه الكلمة، فلو قال: لا إله إلا الله ولم يقدر (لا إله بحق إلا الله وقال: لا إله إلا أن يأذن الله يحط أي تقدير، الكلام كله يضيع الدين كله يضيع عندما نقول: الذين كفروا إيمانهم، ولهم عذاب عظيم من المخالفين، وختم على قلوبهم فلا يدخلها غيره ولذلك تفسير الإشارة كله لعب بهذه الطريقة. فالقرآن كان عند الصحابة أعز عليهم من أن يفعلوا به هذا الفعل، ولذلك انظر الآية: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ [الأعراف:١٦٩] يرتكبون الموبقات ويقولون: سيغفر لنا. أحد المقرئين الكبار في عام (٦٥) تقريباً زار مصر رئيس يوغسلافيا جوزف تيتو، فشخص من الجماعة القراء يمازحه ويقول له: أنت اسمك ورد في القرآن، تيتو الله أعلم هل يرد على الجنة أو لا. فيقوم يقول: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥]. وهذا شخص كان يمتحن طلبة في القرآن قال لأحدهم: أنا سأسألك سؤالاً واحداً في القرآن، اذكر لي الآية التي فيها ثلاث (لمون) -أي: ليمون- في القرآن؟ ولو أجبت عن هذا السؤال سأعطيك الدرجة النهائية طبعاً الطالب حافظ، لكنه عصر دماغه لكي يعثر على الآية فلم يعرف يأتي بها نهائياً، وفشل الآخر أنه يأتي بهذه الآية ويقوم الفالح يقول له: ﴿وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾ [النساء:١٠٤].

стр. 29

من ضياع الأمانة: ضياع الأحكام والفرائض كلمة: (إذا ضيعت الأمانة) لفظ عام يشمل دين الله ﵎ كله، يعني: إذا ضيع دين الله فانتظر الساعة، وقد ورد في أحاديث كثيرة أن من علامات الساعة ضياع الصلاة، وضياع الحكم، فأنت ترى أن ثلث الأمة لا يصلي مثلاً وربما أكثر من الثلث، والصلاة فرض عين على كل إنسان ومع ذلك هؤلاء لا يصلون. حتى أن صلة بن زفر راجع حذيفة بن اليمان في هذا الصنف من الناس يقول حذيفة (إنه في آخر الزمان يكون قوم لا يدرون ما الصلاة ولا الزكاة ولا الحج)، ولا يدرون شيئاً من أوامر الله ، إنما يقولون: لا إله إلا الله، -هذه الكلمة كما لو كانت كلمة تراثية أو شيء موضوع في متحف- ما معنى لا إله إلا الله؟ قالوا: لا ندري إنما أدركنا آباءنا يقولوها فنحن نقولها يعني: هم ورثوا لا إله إلا الله فهم يقولونها كما قالها أسلافهم، لكن لا يدرون شيئاً عن مقتضياتها. وبكل أسف فهذا هو الفرق بين الوارث والعامل، الذي ورث الكتاب ليس كالذي تلقى الكتاب وناضل من أجله، هناك فرق ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾ [الأعراف:١٦٩] هناك فرق بين من قاتل على تنزيل آيات الكتاب، وبين من ورث الكتاب، فرق كبير جداً الذين ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون: سيغفر لنا، فانظر الربا مثلاً المعصية الوحيدة التي ذكر الله فيها الحرب: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ﴾ [البقرة:٢٧٩]، ومع ذلك فهناك أحد المفتين جاءه رجل فقال: والله أنا مضطر أن أقترض بالربا ولا أجد أحداً يقرضني إلا بالربا، فهل تجد لي مناصاً وخلاصاً من إثم الربا؟ قال: نعم. هو يعطيك مثلاً المائة بمائة وعشرة، أنت تقول: هذا ربا، لكن تتخلص من الربا، قل: لله علي أن أعطيه عن كل مائة عشرة، فصار نذراً واجب الوفاء -فهذا لعب بالشرع-، يقول له: أنت العب واجعله نذراً، وقل: لله علي أن أعطيه عن كل مائة عشرة، فصار النذر في حقك فرضاً، إذاً: أنت في هذه الحالة تؤدي ما افترضته على نفسك وليس هذا من الربا بسبيل. لو كان هذا من الصحابة الذين تلقوا الكتاب هل ممكن يهون عليه أن يفعل هذا؟ أبداً. لا يمكن، وأنت اعتبر بسيرة أبي ذر ﵁ في الصحيحين لما بعث النبي ﵊ فأرسل أبو ذر أخاه يسأل عن هذا الرسول وما صفته؟ وماذا يقول؟ وما رسالته؟ ونحو ذلك، فذهب وسمع وبعد ذلك رجع إلى أبي ذر وقال: وجدته يأمر بمكارم الأخلاق، ويدعو لعبادة الله، قال له: ما شفيتني، ثم ركب أبو ذر راحلته ورحل إلى الرسول ﵊ ودخل مكة وإذا أهلها أشد حرباً على النبي ﵊ وعلى أصحابه، فـ أبو ذر رأى الأوضاع سيئة وأنهم يضطهدون أتباع النبي ﷺ فأحب أن يتخلص من العنت والمشقة، فأراد أن يسأل عن النبي ﵊ دون مشاكل، قال: فتضعفت رجلاً منهم قال: أسأله لأنه لن يعمل شيئاً حتى لو غضب مني، فهو ضعيف لا يستطيع أن يدخل معي في مبارزة ولا قتال، أتعرفون! هذا الضعيف وضعوه فخاً، أي واحد يدخل مكة ويسأله عن النبي ﵊ يشير إشارة فقط فيأتي كل كفار قريش فيضربونه. فـ أبو ذر يقول: فتضعفت رجلاً منهم؛ لأن الضعيف مأمون الغائلة غالباً، قال: فقلت له: أين ذلك الصابئ الذي يدعو إلى كذا وكذا؟ فقال ذلك الرجل: الصابئ الصابئ قال: فانقلب علي القوم بكل مدرة وعظم، هذا جاء بلحي بعير، والثاني جاء بعظمة حمار، قال: وانهالوا علي جميعاً، فما تركوني إلا وقد جعلوني نصباً أحمر، والنصب التمثال إذا سكب عليه دم، أي: أن الدماء سالت منه بسبب الضرب الذي هم ضربوه، قال: فمشيت إلى زمزم، وليس له إلا ماء زمزم يشرب منها، هو طعام وشراب، قال: حتى تكسرت عكن بطني ولم أجد على كبدي سخفة جوع، صار ذو كرش، وزال أثر الجوع تماماً من على كبده. فالمهم عندما خرج مر عليه علي بن أبي طالب وكل منهم ينظر إلى الآخر ولا يكلم الآخر، ثم في اليوم الثاني جاء علي بن أبي طالب فجعل يقول له: أما آن للغريب أن يعرف مثواه، يعرض عليه الكلام، حتى أمن لـ علي بن أبي طالب فسأله عن النبي ﷺ فقال له: اتبعني امش خلفي، فإذا خفت عليك جلست كأنني أصلح نعلي. يعني: إذا قعدت كأني أصلح نعلي فاستمر في المشي كأنك لا تعرفني. وبعد ذلك أخذه علي بن أبي طالب ومضى خلفه حتى ذهب إلى النبي ﵊، وأسلم أبو ذر وسمع آيات القرآن، فأخذته الحمية ورجع مرة أخرى إلى المسجد الحرام وقال: والله لأصرخن بها بينهم، وصرخ بها بينهم في المسجد الحرام، فانهالوا عليه مثل المرة الأولى، وما خلصه إلا العباس مثلما خلصه في المرة الأولى، وقال: ويلكم! ألا تعلمون أنه من غفار وأن طريق تجارتكم يمر من غفار فأنتم إذا قتلتموه وقفت لكم غفار بالمرصاد، وقطعوا عليكم الطريق، وأخذوا التجارة منكم. فلما ذكر لهم ذلك سكتوا وكفوا عنه. فمثل أبي ذر هل من الممكن أن تهون عليه آية من آيات الكتاب فيحرفها لمأرب شخصي أو لعرض من أعراض الدنيا؟ هذا مستحيل، لذلك الفرق بين الذي أنزل عليه الكتاب والذي تلقاه وورثه كبير جداً، وأنت اعتبر في الدنيا بالرجل المكافح الذي جمع ماله حال شبابه، وكان قبل ليس له مال، بدأ من الصفر وجعل يجتهد في جمع المال، ولا يمكن أن هذا الرجل ينفق المال بسفه، كل مسألة ومشروع يريده يعمل له دراسة جدوى؟ هل هو أفضل أم الفلوس أفضل، ودائماً تجده حكيماً في التصرف والنفقة، حتى جمع ألوفاً وملايين ثم مات، وورث ابنه هذا المال، فلو أنفق المال كله في ضحوة من نهار ما ذرف عليه دمعة واحدة، ولو المال كله احترق لا يبكي عليه لماذا؟ لأنه ما جمع هذا المال، ولا تعب عليه.

стр. 30

ففروا إلى الله إن النفس البشرية جبلت بطبيعتها على الهروب مما تخافه وتخشاه، إلا أن علاقة المسلم بربه نقضت هذه القاعدة الفطرية، فصارت علاقة المسلم بربه قائمة على الخوف والرجاء. فالمسلم حين يفر من الله تعالى فإنما يفر إليه راجياً استشعار الأمن في كنفه تعالى، طامعاً في رحمته وجوده. ومن الأسباب المؤدية إلى صدق فرار المسلم إلى ربه تعالى فراره من المعصية إلى الطاعة، ومن الجهل إلى العلم، ومن الكسل والدعة إلى العمل والسعي لنيل مرضاة الله .

стр. 31

الفرار من الله لا يكون إلا إليه إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد. إن عنوان هذه المحاضرة (ففروا إلى الله). ولقد بدا لي أن أعطي إطلالة عامة أمهد بها للدعاة الذين يأتون فيما بعد إن شاء الله بتبيين معنى الفرار إلى الله، وأيضاً ذكر أقسامه، وكيف نفر إلى الله ﵎، فقد رأيت أن هذا أعون على فهم مضمون هذا الأسبوع بما يتفق مع هذا العنوان. ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الذاريات:٥٠] آية وردت في سورة الذاريات لكنها من أعجب الآيات، إذ إن الفرار لا يكون إلا (من)، ولا يكون (إلى)؛ لأن الذي يفر إنما يفر لأنه خائف هارب، فالمناسب أن يفر (من)، لا يفر (إلى)، وقد عُدي هذا الفعل بحرف الجر (من) في القرآن الكريم في مواضع كثيرة كقوله تعالى: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ [الكهف:١٨] وقال موسى لفرعون: ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾ [الشعراء:٢١]، ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ * كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر:٤٩ - ٥١]، ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ﴾ [الجمعة:٨] فالفرار لا يكون إلا (من)، والعجيب أن الآية السابقة عُدي فيها هذا الفعل بـ (إلى) وهذا غير معهود، فترى ما هي النكتة في تعدية هذا الفعل بحرف الجر (إلى)؟!! إذا استعرضت الآيات التي سبقت هذه الآية، والآيات التي تلت هذه الآية ظهر لك هذا المعنى بجلاء. إن الله ﵎ هو الوحيد الذي تفر منه إليه؛ لأن الله قال: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا﴾ [الرحمن:٣٣] هذا تمام الإحاطة بالعباد، فالله محيط بالسموات والأرض فإذا أردت أن تفر منه فإلى من تذهب وهو محيط بالعالمين؟! تفر منه إليه، ولذلك علمنا رسول الله ﷺ أن نعلن هذا الفرار إلى الله كل ليلة، الأذكار الموظفة التي علمناها رسول الله ﷺ من أذكار النوم كما رواه البخاري ومسلم من حديث البراء بن عازب، أن النبي ﷺ قال له: (إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم نم على شقك الأيمن، وقل: اللهم ألجأت ظهري إليك، وفوضت أمري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك) هذا هو الفرار (لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت). لما تقول هذا الذكر في كل ليلة فكأنك تستحضر هذا الفرار إلى الله ، وسنذكر النكتة بذكر لفظ الفرار (إلى) دون غيره، مع ما في الفرار من إشارات الرعب والهلع. فأنا عندما أفر فإنما أفر (من)؛ لأن الذي يطلبني يريد إهلاكي؛ فأنا أفر منه، فإذا توجهت إلى الله وهو غاية المطلوب فالمفترض أن أستريح، والمفترض أن يطمئن قلبي، فيعبر بلفظ آخر غير لفظ الفرار الذي يقتضي الرعب والهلع والفزع، فلماذا عبر أيضاً بلفظ الفرار وعدي بـ (إلى)؟ أي رجل فار له جهتان: مهرب، ومطلب؛ مهرب يهرب منه، ومطلب يرجوه. من أول قول الله : ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ * قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ * لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ * فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ [الذاريات:٣١ - ٣٧] هذه أول واحدة. ﴿وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ * فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ [الذاريات:٣٨ - ٤٠] وهذه الثانية. ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ * مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ [الذاريات:٣٨ - ٤٢] وهذه الثالثة. ﴿وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ * فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنظُرُونَ * فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنتَصِرِينَ﴾ [الذاريات:٤٣ - ٤٥]. ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [الذاريات:٤٦]. فما سبق كان هذا كله إهلاك، ثم قال: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات:٤٧] والله إن ترتيب هذه الآيات عجيب! ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ * وَالأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ * وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الذاريات:٤٧ - ٥٠] (ففروا) يعني هناك إهلاك مستمر، فهذا هو مقتضى الفرار. والعجيب أنه لم يذكر الجهة التي تفر منها، إنما ذكر الجهة المطلوبة، وفي هذا نكتة حدد الجهة المطلوبة، ولم يذكر الجهة التي تهرب منها لماذا؟ لأنها واضحة، من أول قصة قوم لوط ﵇ بيان من الله بوجود إهلاك فبعدما تقرأ هذه الآيات، وتعلم أنك إن أعرضت مثل هؤلاء حاق بك ما حاق بهم، إذاً قد وضحت الجهة التي منها تهرب وهي العذاب. لكن تخلل السياق -ما بين (ففروا إلى الله) وإهلاك القوم- آيتان ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات:٤٧] بـ (أيدٍ) أي: بقوة، (وإنا لموسعون) هذا اللفظ إما من التوسعة أو من السعة، واللفظ يحتمل، (وإنا لموسعون) من التوسعة على العباد، ومنه قول الله : ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة:٢٣٦]، أو من السعة التي هي البسط: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات:٤٧]. فإذا استحضرت قول الله : ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر:٥٧] ظهر لك عظمة الله ، وأن إهلاك القوم من أيسر ما يكون، إذ إن السماء -وهي أعظم خلقاً من الأرض ومن الإنسان- الله يوسع فيها، يوسِّع أرزاقها، ويوسِّعها هي نفسها، فهذا إظهار لقدرة الله وعظمته، وتأكيد بأن إهلاك الخلق من أيسر الأمور عليه ﴿وَالأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾ [الذاريات:٤٨] فإذا كان الأمر كذلك ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الذاريات:٥٠].

стр. 32

مراتب الفرار إلى الله لما ذكر أبو إسماعيل الهروي منزلة الفرار قال: الفرار مِن من لم يكن إلى من لم يزل، وهو على ثلاث مراتب:

стр. 33

الفرار من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة المرتبة الثالثة للفرار: (ومن الضيق إلى السعة ثقة ورجاءً) وهذا هو نهاية المطاف، (من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة ثقة ورجاءً) إذ أنك فررت إلى الله ، وهذا الفرار إلى الله ترجمه الصحابة -أيضاً-: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الذاريات:٥٠] تعلموها واستخدموها حتى في كلامهم. روى الإمام البخاري ومسلم من حديث أبي عبد الرحمن السلمي عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: (أرسل النبي ﷺ سرية، وأمَّر عليهم رجلاً -وفي بعض الروايات: أن هذا الرجل كان فيه دعابة- فضايقوه، فقال لهم: ألم يأمركم رسول الله ﷺ بطاعتي؟ قالوا: بلى. قال: اجمعوا لي حطباً، فجمعوا الحطب. قال: أججوه ناراً؛ فأججوه ناراً. قال: ادخلوا فيها. فلا زال بعضهم يدفع بعضاً -قاموا لكي يرموا أنفسهم في النار- فقال قائلهم: إنما فررنا إلى الله ورسوله من النار! فلا زال يدفع بعضهم بعضاً حتى انطفأت النار وسكن غضب هذا الأمير، فلما رجعوا إلى النبي ﷺ قال: والله لو دخلوها ما خرجوا منها، إنما الطاعة في المعروف). وفي الصحيحين أيضاً من حديث ابن عباس ﵄ لما وقع الطاعون أيام عمر بن الخطاب أراد عمر ألا يدخل الأرض التي هو فيها، فقال له أبو عبيدة: (يا عمر! أفرار من قدر الله؟ قال: يا أبا عبيدة! لو غيرك قالها! نعم، نفر من قدر الله إلى قدر الله) فهذا هو معنى: (لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك) (نفر من قدر الله إلى قدر الله). وفي سنن الترمذي ومسند الإمام أحمد من حديث عدي بن حاتم قال: كنت بالعقرب -العقرب هذا اسم مكان متاخم لأرض الروم- وذلك لأنه لما انتشر الإسلام وعم الجزيرة، هرب عدي بن حاتم من الإسلام، وخاف أن يسلم، وهذا كحال بعض الناس فهو يخاف أن يقتنع بما عندك فيتحاشاك. وأورد هنا قصة رجل كان ابنه يحضر بعض الدروس، وكان هذا الابن يعد من الأوتاد، فصار يحضر معنا دروساً في شرح كتاب رياض الصالحين في منطقة بجانبنا، وبدأ يسمع كلام الوحي، وبدأ يحس بسعادة وعلم لأول مرة يتعلمه، ثم صار يذهب إلى أبيه يجادله في ما كان يعتقد من قبل، فجاء الرجل إلى المسجد وأحدث بعض الفوضى، فلما كلمناه قلنا له: يا فلان! نحن على استعداد أن نجلس معك، فإذا كان الحق عليك تركت ابنك، وإذا كان لك أخذته منا؛ فأبى علينا، فأخبرنا الشاب فيما بعد أن أباه استشار أناساً قبل أن يأتينا فقالوا له: لا تجلس مع هؤلاء فإنهم سيلبسون عليك من حيث لا تشعر ونحو ذلك. فالرجل لا يجلس معك خشية من أن يقتنع، كما فعل عدي بن حاتم، فلما هرب إلى مكان اسمه العقرب والرسول ﵊ أرسل خيله في غزوة، فأخذوا من ضمن السبايا عمة عدي بن حاتم، فأرسلوا إليه في العقرب وقالوا: إن الرسول ﷺ سبى عمتك. قال: فقلت في نفسي: فلآتينه، فإن عرض علي أمراً والله لا يخدعني، إن وجدت كلامه حسناً قبلته وإلا لم أقبل. يعني: هو منَّى نفسه وجاء من العقرب. وقبل أن يجيء اعترضت المرأة العجوز رسول الله، وقالت: (يا رسول الله! والله ما بي من خدمة -يعني: أنها من السبي وستقع في نصيب واحد من الصحابة وستبقى أمة، وهي عجوز لا تقوى على الخدمة- منَّ عليَّ منَّ الله عليك -يعني قل: أنت حرة لوجه الله- قال: من وافدك؟ قالت: عدي بن حاتم. قال: الذي فر من الله ورسوله؟ فجاء عدي بن حاتم فقال: يا عدي بن حاتم! ما أفرك أن يقال: لا إله إلا الله، وهل من إله إلا الله؟ ما أفرك أن يقال: الله أكبر، وهل شيء أكبر من الله؟ قال: فأسلمت، فاستبشر وسر، واستنار وجهه، وقال: يا عدي بن حاتم! إن اليهود مغضوب عليهم، وإن النصارى ضالون) فانظر إلى قوله: (ما أفرك) ثم إلى قوله: (الذي فر من الله ورسوله). فالصحابة كانوا يعرفون أنهم إنما يفرون من الله إليه: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ﴾ [الحجر:٤٩ - ٥٠] فمن هذا نفر نفر من الله ومن عذابه، كما قال ابن عباس: (نفر من معصيته إلى طاعته، ومن سخطه إلى رضاه) وهذا هو معنى قول النبي ﷺ : (المهاجر من هجر ما نهى الله عنه) فالمهاجر من السيئة إلى الحسنة فار إلى الله . إذاً المنزلة الأخيرة من منازل الفرار بالنسبة لعوام الخلق هي: الفرار من الضيق إلى السعة ثقة ورجاءً.

стр. 34

الفرار من الكسل إلى العلم المرتبة الثانية للفرار: الفرار من الكسل إلى التشمير جداً وعزماً، وهذه محنة يشتكي منها كثير من إخواننا، ويسأل البعض فيقول: أقرأ في سير السلف فأرى جدهم في العبادة، فأحاول أن أقلدهم لكن سرعان ما تفتر همتي، فما هو السبب؟ أريد كلما قرأت شيئاً عن السلف أن أكون مثلهم في الجد والعبادة، مثلاً أبو مسلم كان يصلي من الليل، فكلما تعبت قدماه كان له عكاز -عصا- يتعكز عليه، وكلما أدركه الفتور والتعب وأحس أن قدميه عجزتا عن حمله، يأخذ العصا ويضرب رجليه، ثم يقول: (والله إنكما أحق بالضرب من دابتي، أيظن أصحاب محمد ﷺ أنهم لم يخلفوا بعدهم رجالاً؟! والله لأزاحمنهم على الحوض) ثم يقوم يستأنف الصلاة. فإذا قرأ القارئ منا مثل هذه الحكاية، وقام يريد أن يصلي ويطيل في الصلاة، فبعد نحو نصف ساعة يشعر بالملل ويشعر أن الألم بدأ يدب في ساقيه، ثم سرعان ما يفتر وهو متألم أنه لم يكن كـ أبي مسلم، ثم يسأل: ما هو السبب في هذا الفتور؟ نظهر السبب، ونذكر العلاج في هذه المنزلة من منازل الفرار (والفرار من الكسل إلى التشمير جداً وعزماً). إننا أمرنا أن نأخذ أوامر الله ورسوله بقوة وبلا تردد ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة:٩٣] لا تتردد ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر:٧] بقوة، لا تتردوا في الأخذ ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ [الأعراف:١٤٥] (أحسنها) هنا على نحو ما شرحناه في قوله : ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر:٥٥] ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم:١٢]. فإذا صح عن الله قول، أو صح عن النبي ﷺ قول فلا تتردد في الأخذ به. العزم ثم الجد، العزم هو: عقد الإرادة، والجد هو: عقد العمل. إذاً يلزمك عزم وجد. إن زادك أيها الفار الهارب من النار إلى الله هو سيرة النبي ﷺ ، وسيرة الصحابة والتابعين، ولذلك نحن نوصي إخواننا بقراءة كتب التراجم التي عنيت بذكر سير العلماء، وأخص بالذكر منها الكتاب العظيم كتاب الإمام شمس الدين الذهبي سير أعلام النبلاء. وكان أخذ الأمر بالقوة والعزم هو ما أمر الله به كل الأنبياء والأمم، وقد جاء هذا الأمر منه لبني إسرائيل ولموسى ﵇ وليحيى ﵇ أن يأخذ الكتاب بقوة، وهذا يوجهنا إلى ألا نتردد في إظهار القوة في أخذ كلام الله ورسوله؛ لأن هذا له فوائد: الفائدة الأول: أنك تشد من عضد أخيك الذي ينتظر إظهار هذه القوة. الفائدة الثانية: أن عدوك يخشاك إذا أظهرت القوة في أخذ كلام الله . فهما فائدتان: فائدة لحبيبك، وفائدة لعدوك. فعدوك يخافك إذا رأى منك القوة، وصاحبك الذي ينتظر من يأخذ بيده يستفيد أيضاً من إظهار هذه القوة، ومن متابعة الأحداث على الساحة نحن نعلم علماً قطعياً لا يشوبه شك أن اليهود هم أجبن خلق الله لأن هذا حكم الله عليهم ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤]، ﴿لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر:١٤] فنحن نعلم أن هؤلاء الناس ضعاف جداً وجبناء، فبينما يقوم رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو بالتلويح بالقبضة الحديدية ويصر على دق أجراس الحروب، بينما سائر اليهود يطالبون بمواصلة عملية السلام حتى لا تضيع عليهم المكاسب التي حصلوا عليها من هذه العملية. فهم بشكل عام يسيرون وفق مخطط مدروس، وبناء على خطة السلام المزعوم فكان من الواجب أن يتفق العرب مع اليهود على مكاسب معينة، ولكن هذا (النتن) جاء وشدهم إلى ما قبل الاتفاق، حتى إذا وصلوا إلى ما اتفقوا عليه أول مرة إذا بالعرب يفرحون به ويعدونه مكسباً؛ لأنهم ضعفاء لا حيلة لهم، فبعد هذا الشد القوي أول ما يبدأ يرخي فإنهم يعتبرون أن الجلوس معه -مجرد الجلوس معه- مكسب؛ وما ذاك إلا لأنه أظهر قوة أمام أناس في غاية الضعف. ووفق المخططات اليهودية فإن حرباً توشك أن تندلع بيننا وبين اليهود، خلال عشر سنوات، وهذا ما جاء في بروتوكولات حكماء صهيون، والتي ترجمت للعربية، إلا أن المسلمين لا يقرءون، فكل الذي جاء في تلك البروتوكولات من سنوات طويلة يحدث الآن بالحرف الواحد، ومن أراد أن يتأكد فليقرأ بروتوكولات حكماء صهيون، فالذي يحدث الآن على الساحة مكتوب، وهم يخططون قبل سنة ألفين أو بعد سنة ألفين بحولي سنتين لانقضاضة قوية على بلاد الإسلام، لكن لا يمكنهم الله أمام هذا التنامي للصحوة الإسلامية في ديار المسلمين؛ لأن الدنيا تغيرت، ووجه الساحة تغير بهؤلاء الشباب هذا الجيل الذي استعبده الله وخلقه لطاعته، فهذا يظهر القوة؛ فالضعيف يخاف، والقوي يضع يده في يده. فكذلك أمر الله إيانا أن نأخذ أوامره بقوة لا تخف؛ لأن الله الذي أنزل هذا الكتاب هو المهيمن على أقدار الناس جميعاً، كما قال ﵎: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود:٥٦]. إذاً المنزلة الثانية من منازل الفرار -بعدما صححت معين الأخذ، ووقفت على أول طريق النجاة-: أن تبدأ في العمل بهذا العلم الذي خرجت به من ظلمات الجهل. السبب في أن عزمنا ينفسخ، ولا نستطيع أن نقلد أسلافنا: أن الدين على ثلاثة أنحاء: إسلام، وإيمان، وإحسان. اجتناب للحرمات -المحرمات- وفعل للواجبات والمستحبات. أبو مسلم -الذي ضرب رجليه بالعصا، وهب منتفضاً كله عزم ونشاط ليواصل الصلاة- تمم الواجبات واجتنب المحرمات؛ فسهل عليه أن يصل إلى درجة الإحسان، لكن بعضنا مقصر في الواجبات، ملابس للمحرمات، لكن يدركه علو الإيمان في فترة من الفترات، فيقرأ مثل هذه الحكايات فيريد أن يرتفع، فإذا بالأغلال تشده. من أراد أن يكون كهؤلاء السلف فليتمم أبواب الواجبات، وليكف عن أبواب المحرمات؛ ليصل تلقائياً إلى درجة الإحسان. لذلك يسيخ عزمنا بسرعة؛ للفرق الذي بيننا وبينهم. ومن الأئمة الكبار، أبو حصين رحمه الله تعالى، وكان رجلاً عالماً، وكان شديد الورع في الفتوى، حتى أنه كان يقول: (إنكم لتفتون الفتوى التي لو عرضت على عمر لجمع لها أهل بدر) يعني: يقول ما أجرأكم! لو عرضت هذه المسألة على عمر لخاف أن يفتي، ولجمع لها أهل بدر يستشيرهم، وكان أبو حصين من أعلم الناس. وكذلك الإمام عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، وهو أحد الأئمة المجتهدين، وكان له مذهب مثل مذاهب الأئمة الأربعة، لأن المذاهب الفقهية ليست محصورة في أربعة مذاهب: الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي لا، المذاهب الفقهية كانت كثيرة، كان هناك مذهب لـ سفيان الثوري، وكان هناك مذهب لـ سفيان بن عيينة، وكان هناك مذهب لـ إسحاق بن راهويه، وكان هناك مذهب لـ داود بن علي، وكان هناك مذهب للإمام الأوزاعي -الذي هو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي - وكان عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي من أقران الإمام مالك، فـ مالك كان في المدينة والأوزاعي كان في الشام، وكان الأوزاعي جليلاً كبيراً، عظيماً معظماً عند العلماء، لدرجة أن سفيان الثوري -رضي الله عن سفيان كان شامة في جبين الزمان- لما رأى الأوزاعي في السوق يركب دابته أخذ سفيان الثوري بلجام دابة الأوزاعي يسله من الزحام، وهو يقول: أوسعوا لبغلة الشيخ. وجاء رجل لـ سفيان الثوري وقال: يا أبا محمد! رأيت كأن وردة خرجت من أرض الشام إلى السماء. قال: ويحك! لو صدق ما تقول فإن الأوزاعي قد مات. فجاءه نعي الأوزاعي في آخر النهار. وكان الإمام مالك ﵀ يقول: لا زال أهل الشام بخير ما بقي فيهم الأوزاعي. كان هذا الإمام الكبير قواماً بالليل، تالياً لكتاب الله ، سريع الدمعة، غزير العبرة، حتى قال مترجموه: أن أجفانه ذبلت من البكاء، فكان إذا صلى بالليل وأراد أن يخرج اكتحل، وشد أشفار عينيه حتى لا يظهر هذا الذبول. وكذلك أيوب بن أبي تميمة السختياني -وهو من طبقة الإمام مالك أيضاً، وإن كان أكبر منه في السن- كان إذا ذكر بالله جرت العبرة من عينه فتخللت أنفه، فكان إذا شعر بذلك قال: سبحان الله! ما أشد الزكام! حتى لا يسأل عن هذا الماء الذي يتساقط من أنفه. أنت إذا أردت أن تصل إلى مثل هذا كيف تصل وقد لابست بعض المحرمات؟! فهذه الأخبار وردت عن التابعين، والصور في حال الصحابة أجل وأعظم! عبد الله بن عمرو بن العاص لولا صحة الأسانيد إلى حكايته ما كاد المرء أن يصدقها، عبد الله بن عمرو بن العاص كان يختم القرآن كل ليلة، قال عبد الله بن عمرو بن العاص: (جمعت القرآن على عهد النبي ﷺ فكنت أختمه كل ليلة) وكان ﵁ شديد الاجتهاد في العبادة، وكان يشتاق للصلاة، فلما تزوج ترك امرأته وقام يصف قدميه لله ، حتى عتب عليه النبي ﷺ هذا الجد في العبادة، وهذا الجد في الصيام، فقد كان يصوم كل يوم، ويختم القرآ

стр. 35

الفرار من الجهل إلى العلم المرتبة الأولى: الفرار من الجهل إلى العلم عقداً وانسياقاً، ومن الكسل إلى التشمير جداً وعزماً، ومن الضيق إلى السعة ثقة ورجاءً. فالذي يريد أن يفر إلى الله يتأكد من تحقق هذه المنازل، فمطلع كلامه: (الفرار مِن من لم يكن) أي: من المخلوق، والمخلوق لم يكن له وجود قبل ذلك، أو الفرار من النار، والنار مخلوقة، فأنت تفر مِن من لم يكن إلى من لم يزل وهو الله ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الذاريات:٥٠] وهو هنا يترجم معنى الآية، فرار مِن من لم يكن إلى من لم يزل، وهو ثلاثة مراتب: الفرار من الجهل إلى العلم، وهذا الذي ذكره أبو إسماعيل مذكور في نفس الآية ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الذاريات:٥٠] والنذارة لا تكون إلا بعلم ﴿إِنَّمَا أُنذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ [الأنبياء:٤٥] فكيف تفر من شيء لا تعلم أنه يعطبك ويهلكك؟ إذن لابد من العلم للفرار، وشرط النجاة بالفرار العلم. والملفت للنظر أيضاً: أن هذا المقطع من آخر الآية تكرر بألفاظه في الآية التي بعدها! ﴿وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الذاريات:٥١] فهذا يدل على أن الفرار أول ما يكون من الشرك إلى التوحيد، إذ إن آية الفرار أعقبت بهذه الآية: ﴿وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الذاريات:٥١] إذاً: على هذا كيف نصل إلى التوحيد؟ ﴿إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الذاريات:٥١]، هذا يقتضي منا أن ندرس الوحي؛ لأن الله قال: ﴿إِنَّمَا أُنذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ [الأنبياء:٤٥] إذاً الفرار من الجهل إلى العلم. والعلم بالله وصفاته أول ما ينبغي على العبد أن يطلبه للفرار إليه، ولذلك يقلب المرء كفيه عجباً لما يقرأ مذاهب أهل البدع في معرفة الله ، فقد ضلوا ضلالاً بعيداً؛ لأنهم ركبوا عقولهم في طلب معرفة الله ، حتى إن المعتزلة جعلت للعقل منزلة فوق منزلة الوحي، فهم يقولون: إن الله تعبدنا بالعقل، وإذا لم يكن عندنا عقل سديد ما انتفعنا بالوحي، فيقولون: العقل ثم النقل. فقاسوا قياساً من أعجب ما يكون؛ إذ قاسوا الغائب على الشاهد، وهو قياس باطل بإجماع أهل العلم، قياس الغائب على الشاهد هذا قياس باطل؛ لانفكاك الجهة، فإن الله ما رآه أحد، فإذا أثبت لنفسه صفة فكيف تنفيها أنت لأن لك نفس الصفة؟! فحادوا بذلك عن الطريق الوحيد الذي يؤدي إلى النجاة، وأنت إذا أردت أن تفر لابد لك من طريق تسير عليه، وهذا الطريق لا يتعدد، بل هو طريق واحد فقط، كان النبي ﷺ يذكر به في كل خطبة يخطبها أمام الصحابة، كان يقول: (وخير الهدي هدي محمد ﷺ الطريق الذي يسلكه الفار إلى الله طريق وحيد، إذا لم تعرف رسم هذا الطريق ضلت بك السبل. أيها الهارب الذي طرفك منتبه دائماً، لا تكاد تغمض عينك، إن هناك من يطلبك، والطريق إلى الله ليس كما قال المبتدعة بعدد أنفاس البشر، بل الطريق إلى الله طريق واحد فقط، قال ﵌: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه اليوم وأصحابي). إذن إذا أردت النجاة لابد أن تعرف ماذا كان عليه رسول الله ﷺ يوم تكلم هذه الكلمة، ثم ضم إليها قول الإمام مالك لما جاءه رجل فقال: (يا إمام! من أين أحرم؟ قال: من ذي الحليفة. قال: إني أريد أن أحرم من عند القبر -قبر النبي ﷺ ومن مسجده، فقال مالك له: لا تفعل فإني أخشى عليك الفتنة. فقال: يا إمام! بضعة أميال أزيدها؛ أبتغي الأجر بها أفتتن؟! فقال: وأي فتنة أعظم من أن تظن أنك سبقت إلى فضيلة لم يفعلها رسول الله؟! ثم تلا قول الله : ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣] ثم قال قولته اللامعة المضيئة: ما لم يكن يومئذٍ ديناً فلا يكون اليوم ديناً). فأنت انظر إلى سائر ما تعبد الله به، هل كان هذا ديناً في القرون الثلاثة الأُول أم لا؟ فإذا بحثت فوجدت أن هذا الذي يأمرك به أي إنسان -كائناً من كان- ليس له وجود في القرون الثلاثة الأول، فإياك أن تعبد الله به (فما لم يكن يومئذٍ ديناً فلا يكون اليوم ديناً أبداً). إن اعتقادك أن هذا الشيء الذي لم يكن في القرون الثلاثة الأول ديناً طعن على كل تلك القرون، أنه فاتهم كل هذا الخير، وهذا فيه غمط لأشرف أمة أمة الوسط الذين مقدمهم صحابة النبي ﷺ . تعال إلى باب العقيدة الذي قصده النبي ﷺ وهو يقول: (وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة) هؤلاء الثلاثة والسبعون تركز اختلافهم إلا في تعريف المؤمن والمسلم، والكافر والفاسق، فخلافهم كان في مسائل الإيمان والتوحيد، ولم يتركز على المسائل الفرعية، كالمسح على الخفين، والمسح على الجوربين، ومسح الرأس، وصفة الوضوء والتيمم. إذاً بمقتضى هذه الكلمة: (ما أنا عليه اليوم وأصحابي) أيها الخوارج! الذين تخرجون الرجل من دائرة الإيمان بالمعصية، من سلفكم في هذا من القرن الأول؟! إن الخوارج -كما تعلمون- ظهروا في آخر القرن الأول. فمن سلفكم أيها الخوارج من الصحابة؟ ومن منهم قدوتكم؟ وقد كان على عهد النبي ﷺ من الصحابة من وقع في المعصية، فعلى ذلك فإن الذين رجمهم النبي ﵊ إذا كنتم تكفرون بالمعصية فيلزمكم أن تستدركوا على النبي ﷺ وتقولوا: يا رسول الله! كيف لم تكفر هؤلاء؟ يعني: المرأة التي رجمها النبي ﵊ وقال: (لقد تابت توبة لو قسمت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم) فهل النبي ﷺ كفَّرها؟ لم يكفرها. لما ذهب إليهم ابن عباس وناظرهم وجادلهم، في تلك المناظرة المشهورة رجع منهم أربعة آلاف بعد مناظرة ابن عباس، وقد كانوا ستة آلاف قبل تلك المناظرة. تصور أن هؤلاء يكفرون علي بن أبي طالب المقطوع له بالجنة، وهذه جرأة متناهية: أن يعرض للنص القطعي برأيه الفاسد! ويقول: هو إمام الكافرين؛ لأن المسألة عندهم إما أبيض أو أسود، قالوا: محا عن نفسه صفة أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين. والخوارج أتباعهم هم جماعة التكفير والهجرة، وجماعة التوقف، وقد جربناهم ووجدناهم من أجهل الناس بالاستدلال، وبمعرفة ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه المعتزلة والجهمية الذين نفوا الصفات عن الله من سلفهم في القرن الأول الفاضل؟! أنا أبين لك لماذا تشعبت السبل بهؤلاء؟ لأنهم تركوا الطريق الوحيد الذي يؤدي إلى النجاة، وركبوا عقولهم؛ فضلوا. وأنا هنا أبين لك طريق الفرار، فأنت تريد لنفسك النجاة، وأمامك ثلاث وسبعون طريقاً، فأي الطرق تسلك لتنجو؟ أنا أضع لك الآن ملامح الطريق الذي ينبغي أن تسلكه وأنت هارب إلى الله ، فهذا هو طريق النجاة الوحيد. هؤلاء الجهمية الذين نفوا صفات الله من سلفهم في القرن الأول الفاضل؟ الصحابة الذين نقلوا لنا أحاديث العقائد تكلموا فيهم، فكان عمرو بن عبيد إذا ذكر سمرة بن جندب يقول: وما تفعلوا بـ سمرة، قبح الله سمرة يقول هذا عن صحابي! هذه خطة جهنمية شيطانية، أول معول هدم في العلماء. وجماعة التكفير أول شيء كانوا يفعلونه هدم العلماء، بحيث أنك لا تجد عالماً معتمداً تستطيع أن تنقل كلامه إليهم، فنقول لمثل هؤلاء: عاملونا بأصولكم لا بأصلونا، أنت يا بني تقرأ عليَّ مذكرة شكري -وهي مذكرة كانوا يحفظونها كالقرآن- وتقيم عليَّ الحجة بعالمك أنت، فلماذا أخذت بقول لعالمك ورميت بعالمي؟! خذ المسألة على أصولك. وحتى إن منهم من كانوا لا يحسنون القراءة، مرة أحدهم ونحن نتكلم معه، يقرأ أمثلة، ثم قال: وعلى هذا فَقَس. قلت له: يعني البيض؟! بينما الصحيح هو (على هذا فقِس) فهو رجل لا يحسن حتى القراءة. فأقول: عاملني بأصولك هذا هو العدل، أنت لك عالم تحتج به وتقيم عليَّ الحجة به، وأنا لي أيضاً عالمي، فيقول: لا، هم رجال ونحن رجال. فأول لبنة يهدمونها أنهم لا يرفعون الرأس بعالم، بل ينبذونهم نبذ النواة، وهكذا المبتدعة، يأتي عمرو بن عبيد مع ما كان فيه من الزهد، حتى أن المأمون كان إذا رآه تمثل ببعض أبيات يشيد فيها بـ عمرو بن عبيد الزاهد الورع، يقول: كلكم يمشي رويد غير عمرو بن عبيد كلكم يمشي رويد، اللص لا يسير بسرعة، إنما يسير سيراً هادئاً لماذا؟ لأنه يترقب ويتلفت، ماذا يسرق، ماذا يخطف، فيقول: كلكم يمشي رويد كلكم طالب صيد غير عمرو بن عبيد رجل متجاف عن دار الغرور، ورجل زاهد وعابد وورع؛ ولذلك أهل البدع يخطفون قلوب العوام بهذا الزهد الذي يظهرونه. فيقول: من سمرة؟ قبح الله سمرة. والذين تكلموا في أبي هريرة وقالوا: (إنه يكذب) هم الرافضة الذين هم أشر الشيعة وغلاتهم، وقد كذبوا أبا هريرة في حياة أبي هريرة، فقال لهم: (يا أهل العراق! تزعمون أني أكذب على رسول الله ﷺ ليكون لكم المهنأ وعليَّ المغرم!! أشهد عدد هذا الحصى) كان يحدثهم بحديث فردوه عليه، وكانوا يكذبونه. فأول لبنة: أنهم لا يحترمون الصحابة ولا يوقرونهم. فنقول: هؤلاء الصحابة هم الذين نقلوا إلينا بيان الوحي، كم من ال

стр. 36

عدم ركون العبد إلى عمله الصالح من مقومات الفرار إلى الله لكن يبقى أن نسأل: لماذا ذكر الفرار في الطلب؟ فالفرار عادة ما يذكر في المهرب، وهو مناسب، لكن هل يذكر في الطلب! نعم، إذا كان الفرار يحمل معنى الخوف والفزع فإن الفار إلى الله لا يجب عليه أن يثق بعمله وأنه مقبول، بل يعمل العمل وهو خائف ألا يقبل منه، ففراره إلى الله -وهو غاية كل طالب- فيها معنى هذا الخوف، وهو: عدم الوثوق بعمله، ولذلك الصحابة الأكابر كانوا يخافون، فهذا عمر بن الخطاب حين تقرأ سيرته وما قاله عند موته تشعر أن هذا الرجل ما فعل حسنة قط، حتى إن بعض الرافضة نشر كتاباً محققاً اسمه كتاب أسنى المطالب في مناقب الأسد الغالب علي بن أبي طالب، وكتب مقدمة كلها تنضح بالسم الزعاف؛ وهذا المؤلف من مدينة قم في إيران، وهو أحد آيات الله، وطبعاً عند علماء الحديث عندما يقال (فلان آية) يعني: في الكذب، فهذا مصطلح إخواننا المشتغلين بالحديث. فكل الآيات عندهم تتنزل على مصطلح أهل الحديث، فلما جاء هذا الرافضي يعلق على كلام عمر بن الخطاب لما قال: (ليت أم عمر لم تلد عمر) قال: فانظر إلى هذا الهالك لو كان يعلم أن له عند الله شيئاً ما قال هذا الكلام! يعني: لولا أنه موقن بالهلاك ما قال هذا الكلام؛ لأن عمر بن الخطاب قال: (لو أن لي ملأ الأرض ذهباً لافتديت به من عذاب الله في نفس الحديث، فبالتالي يقول: هذا كلام رجل غير موقن بالنجاة فنقول: إنما خرج كلامهم هذا المخرج لشدة خوفهم من الله . ولذلك عائشة ﵂ لما خرجت في الفتنة الكبرى رجعت وندمت ندامة كلية على خروجها في الفتنة بين علي ومعاوية رضي الله عن الجميع، وكانت إذا ذكرت هذه الفتنة بكت حتى تبل خمارها. وعمرو بن العاص ﵁ كما روى الإمام مسلم في صحيحه -قال- من حديث عبد الرحمن بن شماسة المهري قال: (دخلنا على عمرو بن العاص وهو في سياقة الموت، فلما رآنا حول وجهه إلى الجدار وبكى طويلاً، فقال عبد الله ولده: يا أبتي! ألم يبشرك النبي ﷺ بكذا وكذا؟ فاستدار إلينا وقال: لقد رأيتني على أطباق ثلاثة: لقد رأيتني وما أحد أشد بغضاً إليَّ من النبي ﷺ ، ولا أحب إليَّ من أن أكون استمكنت منه فقتلته؛ فلئن مت على هذه الحال لكنت من أهل النار، ثم أسلمت، فجئت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله! ابسط يدك فلأبايعك، فلما بسط يده قبضت يدي، قال: ما لك يا عمرو؟! قلت: يا رسول الله! أردت أن أشترط، قال: وتشترط بماذا؟ قلت: أشترط أن يغفر لي. قال: يا عمرو! أوما علمت أن الإسلام يهدم ما قبله، وأن الحج يهدم ما قبله، وأن الهجرة تهدم ما قبلها؟ قال: فأسلمت، فوالله ما كنت أملأ عيني منه إجلالاً له، ولئن سئلت أن أصفه لكم لما أطقت ذلك -لأنني ما كنت أملأ عيني منه؛ إجلالاً له- فلئن مت على هذه الحال -لم يقل: لكنت من أهل الجنة إنما قال:- لرجوت أن أكون من أهل الجنة). في الأول قال: لكنت من أهل النار، وقطع به؛ لأن الكافر مقطوع له أنه من أهل النار، إنما الرجل المسلم لا يعلم أيقبل عمله أم لا؟ لو وثق بعمله لقطعنا أنه من أهل الجنة، لكنه ما يدري أيقبل عمله أم لا هذا هو الشاهد، ولذلك لما تلت عائشة ﵂ قول الله : ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون:٦٠] أي: يفعلون الفعل وهم خائفون منه؛ لأنهم سيرجعون إلى الله فيحاسبهم، فقالت عائشة: (يا رسول الله! أهذا الزاني يزني والسارق يسرق -يعني: يفعل الفعل وهو خائف أن الله يحاسبه-؟ قال: لا يا ابنة الصديق! هؤلاء أقوام أتوا بصلاة وصيام وصدقة، ثم يخشون ألا يتقبل منهم). فإذاً الفار إلى الله يخشى عدم قبول عمله، لذلك فهو يعبد الله ما بين الخوف والرجاء. نسأل الله ﵎ أن يحسن ختامنا وإياكم، ويتقبل منا سائر أعمالنا. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

стр. 37

حكم التشبيه لصفات الله بصفات الخلق لاستحضار المعنى بقيت بعض الملاحظات على ما سبق: ففي الحديث الذي ذكرته: (أن النبي ﷺ لما تلا قوله : ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦] وأشار إلى أذنه، وأشار إلى عينه) أنا رددت بهذا الحديث على قول الزمخشري الذي قال: تقطع يد من فعل ذلك؛ لأنه شبه. فطبعاً يفهم من كلامي أن حديث النبي ﷺ ما خرج مخرج التشبيه؛ لأنني إنما سقته رداً على الزمخشري الذي يقول: تقطع يده؛ لأنه شبه إذ أشار. فإذا كان النبي ﷺ ما شبه الله بخلقه إذ أشار، فماذا قصد بالإشارة؟ هو لا يقصد التشبيه قطعاً؛ لأن الله تعالى قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] فماذا قصد بالإشارة عند ذكر السمع والبصر؟ القصد من التشبيه التمثيل واستحضار المعنى، والنبي ﷺ كان من أسلوبه في عظته لأصحابه أنه كان يستحضر المشهد أمام الصحابة، فمثلاً: يمر مع الصحابة على جدي أسك، مقطوع الأذنين ميت، ملقى على قارعة الطريق، فيقف هو وأصحابه أمام الجدي ثم يقول لهم: (أيكم يشتري هذا بدرهم؟) مع أن النبي ﷺ يعلم أنه لا أحد يشتريه، وهو لا يعرض، إنما أراد أن يجسد المعنى تمهيداً للموعظة (أيكم يشتري هذا بدرهم؟) فالجدي من أنفس أموال العرب فحين يباع بدرهم فإن هذا الذي يبيعه يكون مغبوناً، غبن الرجل الذي عناه الإمام الشافعي ﵀ في أبياته الرائقة التي قال فيها: لقلع ضرس وضرب حبس ونزع نفس ورد أمس وقر برد وقود فرد ودبغ جلد بغير شمس ونفخ نار وحمل عار وبيع دار بربع فلس ومن الذي يبيع داره بربع فلس؟! كل هذه الأشياء تعد مما يصعب على النفس تحمله. (لقلع ضرس وضرب حبس): يعني أن يحبس المرء ويوضع في السجن، و (نزع نفس): أي أن تنزع يطلع روحه من جسده، (ورد أمس): أي أن يلزم بإرجاع يوم فائت، (وقر برد): أي الموت من البرد، (وقود فرد): أي أن يحكم عليه بالقتل قصاصاً، (ودبغ جلد بغير شمس)، (وحمل عار): أي أن يصبح مفضوحاً، يحمل عاراً عظيماً، و (بيع دار بربع فلس) كل هذا أهون على الحر كما يقول الشافعي: أهون من وقفة الحر يرجو نوالاً بباب نحس يعني: أن الإنسان الحر يمكن أن يحتمل كل ذلك ولا يرضى أن يقف على باب لئيم يطلبه نوالاً، فمن الذي يبيع داراً بربع فلس؟! ومن الذي يشتري جدياً أسك بدرهم؟! فالرسول ﵊ جعل الصحابة يستحضرون هذا المشهد، فقالوا: (يا رسول الله! لو كان حياً ما اشتريناه -لأنه أسك- فكيف وهو ميت؟ قال: والله للدنيا أهون على الله من هذا على أهله) فوضعه ﷺ للصحابة في هذا الموقف تكون الموعظة فيه أشد أثراً، ولذلك قيل: ليس المخبر كالمعاين.

стр. 38

مكفرات الذنوب أعظم الآفات التي تصيب الإنسان هي آفة الذنب، يتولى كبر ذلك كله الشيطان، حيث يبدأ عداوته معه منذ نزوله من رحم أمه إلى أن يفارق الحياة، ومع ذلك فإن مكفرات الذنوب كثيرة، دلت عليها نصوص الكتاب والسنة، والله تعالى أشد فرحاً بتوبة عبده من أحدنا كان في صحراء ففقد راحلته عليها طعامه وشرابه ثم وجدها، وما على العبد إلا أن يرحل إلى الله بأعمال صالحة مقرونة بالخوف والرجاء، وليعلم عظم الثمرة والأجر الذي يعطيه الله له مقابل البذل والجهد والعطاء القليل المطلوب منه.

стр. 39

فرح الله بتوبة عبده إن الحمد لله تعالى نحمده، ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. قال العلماء: لكل شيء آفة تجتثه، ومن أعظم الآفات التي تصيب الإنسان آفة الذنب، كما صح في الحديث: (إن الشيطان ذئب الإنسان) ذئب الإنسان ينتظر منه أي غفلة ليفترسه. نظرت في الكتاب والسنة فوجدت أن مكفرات الذنوب عشراً، لا تكاد الأدلة تخرج عنها، أربع من الله، وثلاث من العبد، وثلاث من الناس. أما الأربع التي يبتدئها الله : فالمصائب في الدنيا والبرزخ والقيامة، ثم عفو الله برحمته بغير كسب من العبد، يعفو عنه هكذا بلا مقابل. وثلاث من العبد -المكلف-: التوبة، الاستغفار، الحسنات الماحية. وثلاث من الناس: شفاعة النبي ﷺ ، وإهداء العمل الصالح من الناس له -على قول للعلماء-، ثم دعاء المؤمنين له. وكل الأدلة تقريباً أو غالباً جزماً لا تخرج عن هذه العشر المكفرات. هذا إنما ابتدأت به لأقول: إن باب الذنب بمقابله عشرات من أبواب التوبة، لاسيما إذا رجعت إلى ربك ﵎ فإنه يعاملك بمعاملة الأكرمين، لا يعنفك، إنما يعفو، كما في الحديث الصحيح: (قال الله : أذنب عبدي ذنباً فقال: رب! إني أذنبت ذنباً، فاغفر لي. فقال الله : علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به. ثم أذنب ذنباً فقال: رب! إني أذنبت ذنباً، فاغفر لي. فقال الله : علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به. ثم أذنب ذنباً فقال: رب! إني أذنبت ذنباً، فاغفر لي. فقال الله : علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به، فليعمل عبدي ما شاء) ليعمل ما شاء ليس إذناً أن يفعل ما يشاء، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩] مع أنه لم يرخص في الكفر لأحد، كما قال ﵎: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر:٧] لكن هذه صيغة زجر. كما لو قلت لولدك: ذاكر أو لا تذاكر، أنت حر. هل قوله: (أنت حر) يعد إذناً منه ألا يذاكر؟ هذا تهديد، لكنه خرج مخرج التخيير، وهذا يكون أبلغ في الزجر كما قال الله ﵎: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الانشقاق:٢٤] وهل العذاب يبشر به! لا تكون البشرى إلا لشيء حسن، فلما توضع كلمة البشرى في العذاب؛ فيكون هذا تقريعاً أقوى مما لو قرعه بألفاظ التقريع نفسها. مداخل الذنوب لا حصر لها، لذلك قال الله ﵎: ﴿وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان:٥٨] (بذنوب) ما قال: (بحسنات)، إنما قال: (بذنوب)، إنما خص الذنب هنا بالذكر للدلالة على الإحاطة؛ لأن أغلب الذنوب تكون سراً، هل المؤمن بلا ذنب؟ التقي بلا ذنب؟ لكن لا يستطيع أن يجهر به هكذا أمام الناس، فأغلب الذنوب تكون سراً، كما قال ﷺ : (والإثم: ما حاك في صدرك، وخشيت أن يطلع عليه الناس) كم من الأشياء التي يفعلها الإنسان وهو يخشى أن يعلمها الناس، هي كثيرة لا حصر لها عند الفرد الواحد، انظر كم فرداً من لدن آدم ﵇ إلى أن تقوم الساعة، كل واحد لديه صندوق أسرار، يستحي أن يبرز جزئية منه للناس. فربنا يقول: ﴿وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ﴾ [الفرقان:٥٨] كفى بهذا دلالة على الإحاطة، وهذه الآية تشعرك بأن أغلب الذنوب تكون في الخفاء؛ لأن الله ذكر الآية للدلالة على إحاطته بفعل العبد، فهذه الآية آية مدح لإحاطته ، فلا يمكن أن تكون الذنوب صغيرة أو حقيرة؛ لأن الإحاطة حينئذ تكون ضعيفة. ثم هناك عدوك الذي لا يغفل عنك، والذي أعلن عداوته لك منذ نزلت من رحم أمك، كما قال ﵊ في حديث أبي هريرة عند الإمام مسلم: (كل بني آدم يمسه الشيطان يوم يولد؛ لذلك يستهل صارخاً) يبكي الولد الذي نزل من رحم الأم؛ لأن الشيطان نخسه (إلا مريم وابنها)، ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ [آل عمران:٣٦ - ٣٧] لذلك مريم وابنها ﵉ ما مسهما الشيطان، وهذا الحديث من الأحاديث القوية؛ لأن فيها لفظة (كل) التي تفيد العموم، ثم ذكر اسم الجنس، الذي يقوي أكثر هذا العموم، ينخسه؛ هو يقول له: من أجلك أنت خلقت أنا ألا ينبهك مثل هذا؟! ما قصر النبي صلى الله عليه سلم في البلاغ أبداً، لقد أوتينا من جهلنا وإهمالنا، قال ﵊: (أنا آخذ بحججكم، وأنتم تتهافتون على النار تتفلتون مني) كأن إنساناً يريد بكل قوته أن يدخل جهنم، وأنت ممسك به بكل قوتك، ومع ذلك غلبك ودخل جهنم. فإذا كان الشيطان ذئب الإنسان، ونحن نعلم أنه لا يموت إلى يوم القيامة حتى تستريح من شره، ونحن نعلم أنه لا يغفل عنك طرفة عين، وأنه في كل يوم يرسل سراياه تترا إلى بني آدم، كما في حديث جابر في صحيح مسلم، قال ﷺ : (إن الشيطان يضع عرشه على الماء كل صبح، ثم يرسل سراياه تترا -أي: بعضها يتبع بعضاً- كموج البحر إلى بني آدم) ليسوا ذاهبين لشرب الشاي بل لإضلال الناس، فنحن لو نعمل كعمل الشياطين في منتهى الجد لكنا من الأبرار، الشيطان بنفسه يتابع أعوانه الصغار، يجلس على الكرسي كل واحد يعرض تقريره ماذا فعلت؟ ما تركته حتى فعل كذا وكذا، أي: يمثل له بأي معصية. ما تركته حتى زنى لم تصنع شيئاً، وهل هذا شغل! وأنت؟ ما تركته حتى سرق لم تصنع شيئاً. وأنت؟ ما تركته حتى قتل أخاه وهل هذا شغل! وأنت؟ ما تركته حتى ضرب أباه. وأنت؟ ما تركته كل المعاصي. حتى يأتي أحدهم، ماذا فعلت؟ يقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين أهله حينئذ يقوم إبليس من على الكرسي، ويأخذ الشيطان هذا بالأحضان، يلتزمه ويعتنقه، ويقول له: نعم أنت، أنت أنت! هذا هو الشغل. قلنا قبل ذلك: الطلاق مباح، لو أن رجلاً طلق امرأته الصوامة القوامة المخبتة الخاشعة -إلى آخرها من الصفات الحسنة- لا يكون آثماً، لكنه لو زنى؛ لكان آثماً، وإذا كان غير محصن؛ يجلد محصن؛ يرجم قتل؛ يقتل، يقاد منه أو يدفع الدية سرق؛ تقطع يده، هذه كلها ذنوب، ومع ذلك هذه الذنوب لا يكترث بها إبليس، وعند الشيء المباح ينبسط لماذا؟ لأن إبليس يعلم أن العبد لو ظل في المعصية مائة عام وتاب، تاب الله عليه، فذهب كل عمل إبليس أدراج الرياح؛ لأن الذي يسقط الذنب يريد لك المغفرة والنجاة، ولا يعجل كعجلة أحدنا، لذلك كتب ربنا في كتابه الذي عنده: (إن رحمتي تغلب غضبي)، أين تجد هذا الرب؟ لا يسخط، ولا يبادر كمبادرة أحدنا، ولا حتى يجزي السيئة بعشر أمثالها، بينما الحسنة بعشر إلى سبعمائة، والسيئة مثلها ويمحو، وهذا الرب الجليل لا يستحق أن يعصى، ولو لم يتفضل عليك بكل شيء ما استحق أن يعصى، هو الذي لا يحب إلا لذاته، هو الله . فإبليس -الذي هو ذئب الإنسان- يعلم أن العبد إذا رجع من المعصية رجع إلى رب غفور، فما الذي يجعلك تتوانى؟ ومكفرات الذنب كثيرة، ولو لم يكن من فائدة تعود عليك إلا أن الله يفرح برجوعك لكان الواجب عليك أن ترجع. أتستقل بفرح الله برجوعك؟! قال بعض العلماء في قوله ﵎: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] قال: أشد عليهم من عذاب النار: أن يحرموا رؤية الله. وإنما أخذ مثل هذا الفهم من بعض الأحاديث التي فيها أن أهل الجنة لم يرزقوا شيئاً في الجنة أجل من رؤية الله . كذلك إذا حُجب العبد عن ربه كان أشد من عذاب النار، وفي صحيح مسلم -والحديث أيضاً في صحيح البخاري لكن سياق مسلم أوسع- قال ﷺ : (لله أفرح بتوبة عبده العاصي من أحدكم بأرض فلاة، معه راحلة عليها طعامه وشرابه) وجد شجرة، وأراد أن يستريح، فنام وترك الراحلة، وعليها أكله وشربه، فلما استيقظ لم يجد الراحلة، والصحراء سيموت إذا لم يتجاوزها، وهذا الطعام الذي أعده يبلغه المنزل، بحث عنها، يئس من وجودها، أيقن بالهلاك، فقال لنفسه: أرجع إلى مكاني وأموت -يموت في الظل- فلما رجع إذا به يجد الراحلة، فقال ممتناً ذاكراً: (اللهم أنت عبدي وأنا ربك، قال ﷺ : أخطأ من شدة الفرح). الله إذا رجعت يكون فرحه برجوعك أشد من فرح هذا الرجل بوجود الراحلة، تضن على نفسك أن يفرح الله برجوعك وهو مستغن عنك، فرح المفاجأة جعله يقسم، بعد أن أيقن بالهلاك، فلما وجد الراحلة لم يتماسك، وكذلك المفاجآت دائماً تفتت عزم القلب أو تشده، ولذلك

стр. 40

العبودية بين الطاعة والذل تنازع العلماء في مسألة قد تبدو عجيبة، قالوا: أيهما أفضل: العبد التائب، أم العبد الذي لم يعص الله قط؟ الذي لم يعص الله أفضل بلا شك، وهذا هو البدهي، لا ننازع ولا نناقش في هذه الجزئية. لكن نقول: مما يفضل به العبد التائب على العبد الطائع أبداً: أن العبد الذي عصى الله ﵎ ثم تاب إليه زاد عبودية في نفسه على عبودية الطائع أبداً، وهي عبودية الذل والانكسار، والرجل الذي لم يعص الله قط -على افتراض وجوده- قد يدركه العجب بعمله يوماً ما، يقول: أنا رجل لي سنين أقوم الليل، وما مر علي خميس ولا إثنين أبداً إلا وأنا صائم، وكذلك ثلاثة أيام من كل شهر، وأتصدق والحمد لله، فهذا قد يدركه العجب من هنا. إنما العبد العاصي إذا تاب توبة نصوحاً يجعل الذنب دائماً أمامه، يخشى ألا يقبل الله عمله لهذا الذنب، كيف لا وأنبياء الله أدركهم مثل هذا الشعور، فلفظوا به في عرصات القيامة، كما في حديث الشفاعة المشهور، الناس يبحثون عن أي شفيع، يذهبون إلى آدم ﵇: أنت أبونا، صورك الله ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، اشفع لنا عند ربك. يقول: نفسي نفسي، أمرني ألا آكل من الشجرة فأكلت. مع أن آدم ﵇ تاب الله عليه، بل اجتباه الله بعد الذنب، لكنه تذكر ذنبه وخشي أن يؤخذ به. إبراهيم ﵇ نوح ﵇ موسى ﵇، كل واحد منهم يقول: نفسي نفسي! هذا حال الأنبياء المغفور لهم، يدخلون الجنة قبل أممهم، ولا يدخلون الجنة إلا بعد شهادتهم لهم أنهم آمنوا، ومع ذلك يقولون مثل هذا الكلام. العبد إذا تاب، ووضع الذنب أمامه، وخشي هذا الذنب كان سبيله إلى الجنة. ولذلك قال من قال من السلف: رب طاعة أورثت عزاً واستكباراً، ورب معصية أورثت ذلاً وانكساراً. وقال الآخر: إن العبد ليفعل الذنب فيأخذ بيده إلى الجنة، قالوا: كيف ذلك؟ قال: لا يزال ينظر إلى الذنب، ويجّود عمله ويحسنه حتى يلقى الله محسناً. هذه عبودية الذل والانكسار، العبد التائب من العصيان شارك العبد الطائع دائماً عبودية المحبة، وعبودية التسليم، وعبودية الرضا، وزاد عليه على الأقل عبودية الذل والانكسار وبهذا الأصل ينحل الإشكال. رأى جماعة رجلاً من الصالحين يوم مات ولده يضحك، فاستشكلوا هذا الأمر لماذا؟ لأن الرسول ﵊ يوم مات إبراهيم بكى، وهذا يضحك! فهل هذا راض أكثر من الرسول ﵊! إذا راعينا هذا الأصل انحل الإشكال، إذا مات الولد؛ العبد مطالب بأكثر من عبودية: مطالب بعبودية التسليم والرضا، وهو مطالب أيضاً بالرحمة والرأفة، فقلب ذلك العابد لم يتسع إلا لعبودية الرضا، إنما النبي ﷺ قلبه اتسع، أعطى الرحمة حقها فبكى على الولد، وأعطى التسليم حقه: (إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن ولا نقول ما يغضب الرب، ولما رأوه يبكي قالوا: تبكي! قال: هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده)، هذه عبودية التسليم والرضا، اتسع قلبه فأعطى هذا وذاك، وضاق قلب هذا العابد، فلما تزاحمت عليه أكثر من عبودية لم يستطع إلا أن يقدم عبودية الرضا. عبودية الذل والانكسار من أجلِّ ما يحصله الإنسان، كل شر في الأرض أحد أسبابه ضياع هذه العبودية، هذه العبودية هي المدخل الحقيقي الواضح لصفة العبادة المقبولة؛ لأن العبادة المقبولة هي أن تعبد الله بالخوف والرجاء، كما يقول ابن القيم ﵀: الخوف والرجاء بالنسبة للعبادة كجناحي طائر، لا يبلغ الطائر المنزل بجناح واحد، كذلك لا يبلغ العبد الجنة -التي هي المنزل- إلا إذا حقق هذين النوعين. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
следующие страницы →