← Джавами‘

Джавами‘ · id 7693

دروس للشيخ أبي إسحاق الحويني

أبو إسحق الحويني

Полный текст (1 719 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

عدم ركون العبد إلى عمله الصالح من مقومات الفرار إلى الله لكن يبقى أن نسأل: لماذا ذكر الفرار في الطلب؟ فالفرار عادة ما يذكر في المهرب، وهو مناسب، لكن هل يذكر في الطلب! نعم، إذا كان الفرار يحمل معنى الخوف والفزع فإن الفار إلى الله لا يجب عليه أن يثق بعمله وأنه مقبول، بل يعمل العمل وهو خائف ألا يقبل منه، ففراره إلى الله -وهو غاية كل طالب- فيها معنى هذا الخوف، وهو: عدم الوثوق بعمله، ولذلك الصحابة الأكابر كانوا يخافون، فهذا عمر بن الخطاب حين تقرأ سيرته وما قاله عند موته تشعر أن هذا الرجل ما فعل حسنة قط، حتى إن بعض الرافضة نشر كتاباً محققاً اسمه كتاب أسنى المطالب في مناقب الأسد الغالب علي بن أبي طالب، وكتب مقدمة كلها تنضح بالسم الزعاف؛ وهذا المؤلف من مدينة قم في إيران، وهو أحد آيات الله، وطبعاً عند علماء الحديث عندما يقال (فلان آية) يعني: في الكذب، فهذا مصطلح إخواننا المشتغلين بالحديث. فكل الآيات عندهم تتنزل على مصطلح أهل الحديث، فلما جاء هذا الرافضي يعلق على كلام عمر بن الخطاب لما قال: (ليت أم عمر لم تلد عمر) قال: فانظر إلى هذا الهالك لو كان يعلم أن له عند الله شيئاً ما قال هذا الكلام! يعني: لولا أنه موقن بالهلاك ما قال هذا الكلام؛ لأن عمر بن الخطاب قال: (لو أن لي ملأ الأرض ذهباً لافتديت به من عذاب الله في نفس الحديث، فبالتالي يقول: هذا كلام رجل غير موقن بالنجاة فنقول: إنما خرج كلامهم هذا المخرج لشدة خوفهم من الله . ولذلك عائشة ﵂ لما خرجت في الفتنة الكبرى رجعت وندمت ندامة كلية على خروجها في الفتنة بين علي ومعاوية رضي الله عن الجميع، وكانت إذا ذكرت هذه الفتنة بكت حتى تبل خمارها. وعمرو بن العاص ﵁ كما روى الإمام مسلم في صحيحه -قال- من حديث عبد الرحمن بن شماسة المهري قال: (دخلنا على عمرو بن العاص وهو في سياقة الموت، فلما رآنا حول وجهه إلى الجدار وبكى طويلاً، فقال عبد الله ولده: يا أبتي! ألم يبشرك النبي ﷺ بكذا وكذا؟ فاستدار إلينا وقال: لقد رأيتني على أطباق ثلاثة: لقد رأيتني وما أحد أشد بغضاً إليَّ من النبي ﷺ ، ولا أحب إليَّ من أن أكون استمكنت منه فقتلته؛ فلئن مت على هذه الحال لكنت من أهل النار، ثم أسلمت، فجئت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله! ابسط يدك فلأبايعك، فلما بسط يده قبضت يدي، قال: ما لك يا عمرو؟! قلت: يا رسول الله! أردت أن أشترط، قال: وتشترط بماذا؟ قلت: أشترط أن يغفر لي. قال: يا عمرو! أوما علمت أن الإسلام يهدم ما قبله، وأن الحج يهدم ما قبله، وأن الهجرة تهدم ما قبلها؟ قال: فأسلمت، فوالله ما كنت أملأ عيني منه إجلالاً له، ولئن سئلت أن أصفه لكم لما أطقت ذلك -لأنني ما كنت أملأ عيني منه؛ إجلالاً له- فلئن مت على هذه الحال -لم يقل: لكنت من أهل الجنة إنما قال:- لرجوت أن أكون من أهل الجنة). في الأول قال: لكنت من أهل النار، وقطع به؛ لأن الكافر مقطوع له أنه من أهل النار، إنما الرجل المسلم لا يعلم أيقبل عمله أم لا؟ لو وثق بعمله لقطعنا أنه من أهل الجنة، لكنه ما يدري أيقبل عمله أم لا هذا هو الشاهد، ولذلك لما تلت عائشة ﵂ قول الله : ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون:٦٠] أي: يفعلون الفعل وهم خائفون منه؛ لأنهم سيرجعون إلى الله فيحاسبهم، فقالت عائشة: (يا رسول الله! أهذا الزاني يزني والسارق يسرق -يعني: يفعل الفعل وهو خائف أن الله يحاسبه-؟ قال: لا يا ابنة الصديق! هؤلاء أقوام أتوا بصلاة وصيام وصدقة، ثم يخشون ألا يتقبل منهم). فإذاً الفار إلى الله يخشى عدم قبول عمله، لذلك فهو يعبد الله ما بين الخوف والرجاء. نسأل الله ﵎ أن يحسن ختامنا وإياكم، ويتقبل منا سائر أعمالنا. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

стр. 37

حكم التشبيه لصفات الله بصفات الخلق لاستحضار المعنى بقيت بعض الملاحظات على ما سبق: ففي الحديث الذي ذكرته: (أن النبي ﷺ لما تلا قوله : ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦] وأشار إلى أذنه، وأشار إلى عينه) أنا رددت بهذا الحديث على قول الزمخشري الذي قال: تقطع يد من فعل ذلك؛ لأنه شبه. فطبعاً يفهم من كلامي أن حديث النبي ﷺ ما خرج مخرج التشبيه؛ لأنني إنما سقته رداً على الزمخشري الذي يقول: تقطع يده؛ لأنه شبه إذ أشار. فإذا كان النبي ﷺ ما شبه الله بخلقه إذ أشار، فماذا قصد بالإشارة؟ هو لا يقصد التشبيه قطعاً؛ لأن الله تعالى قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] فماذا قصد بالإشارة عند ذكر السمع والبصر؟ القصد من التشبيه التمثيل واستحضار المعنى، والنبي ﷺ كان من أسلوبه في عظته لأصحابه أنه كان يستحضر المشهد أمام الصحابة، فمثلاً: يمر مع الصحابة على جدي أسك، مقطوع الأذنين ميت، ملقى على قارعة الطريق، فيقف هو وأصحابه أمام الجدي ثم يقول لهم: (أيكم يشتري هذا بدرهم؟) مع أن النبي ﷺ يعلم أنه لا أحد يشتريه، وهو لا يعرض، إنما أراد أن يجسد المعنى تمهيداً للموعظة (أيكم يشتري هذا بدرهم؟) فالجدي من أنفس أموال العرب فحين يباع بدرهم فإن هذا الذي يبيعه يكون مغبوناً، غبن الرجل الذي عناه الإمام الشافعي ﵀ في أبياته الرائقة التي قال فيها: لقلع ضرس وضرب حبس ونزع نفس ورد أمس وقر برد وقود فرد ودبغ جلد بغير شمس ونفخ نار وحمل عار وبيع دار بربع فلس ومن الذي يبيع داره بربع فلس؟! كل هذه الأشياء تعد مما يصعب على النفس تحمله. (لقلع ضرس وضرب حبس): يعني أن يحبس المرء ويوضع في السجن، و (نزع نفس): أي أن تنزع يطلع روحه من جسده، (ورد أمس): أي أن يلزم بإرجاع يوم فائت، (وقر برد): أي الموت من البرد، (وقود فرد): أي أن يحكم عليه بالقتل قصاصاً، (ودبغ جلد بغير شمس)، (وحمل عار): أي أن يصبح مفضوحاً، يحمل عاراً عظيماً، و (بيع دار بربع فلس) كل هذا أهون على الحر كما يقول الشافعي: أهون من وقفة الحر يرجو نوالاً بباب نحس يعني: أن الإنسان الحر يمكن أن يحتمل كل ذلك ولا يرضى أن يقف على باب لئيم يطلبه نوالاً، فمن الذي يبيع داراً بربع فلس؟! ومن الذي يشتري جدياً أسك بدرهم؟! فالرسول ﵊ جعل الصحابة يستحضرون هذا المشهد، فقالوا: (يا رسول الله! لو كان حياً ما اشتريناه -لأنه أسك- فكيف وهو ميت؟ قال: والله للدنيا أهون على الله من هذا على أهله) فوضعه ﷺ للصحابة في هذا الموقف تكون الموعظة فيه أشد أثراً، ولذلك قيل: ليس المخبر كالمعاين.

стр. 38

مكفرات الذنوب أعظم الآفات التي تصيب الإنسان هي آفة الذنب، يتولى كبر ذلك كله الشيطان، حيث يبدأ عداوته معه منذ نزوله من رحم أمه إلى أن يفارق الحياة، ومع ذلك فإن مكفرات الذنوب كثيرة، دلت عليها نصوص الكتاب والسنة، والله تعالى أشد فرحاً بتوبة عبده من أحدنا كان في صحراء ففقد راحلته عليها طعامه وشرابه ثم وجدها، وما على العبد إلا أن يرحل إلى الله بأعمال صالحة مقرونة بالخوف والرجاء، وليعلم عظم الثمرة والأجر الذي يعطيه الله له مقابل البذل والجهد والعطاء القليل المطلوب منه.

стр. 39

فرح الله بتوبة عبده إن الحمد لله تعالى نحمده، ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. قال العلماء: لكل شيء آفة تجتثه، ومن أعظم الآفات التي تصيب الإنسان آفة الذنب، كما صح في الحديث: (إن الشيطان ذئب الإنسان) ذئب الإنسان ينتظر منه أي غفلة ليفترسه. نظرت في الكتاب والسنة فوجدت أن مكفرات الذنوب عشراً، لا تكاد الأدلة تخرج عنها، أربع من الله، وثلاث من العبد، وثلاث من الناس. أما الأربع التي يبتدئها الله : فالمصائب في الدنيا والبرزخ والقيامة، ثم عفو الله برحمته بغير كسب من العبد، يعفو عنه هكذا بلا مقابل. وثلاث من العبد -المكلف-: التوبة، الاستغفار، الحسنات الماحية. وثلاث من الناس: شفاعة النبي ﷺ ، وإهداء العمل الصالح من الناس له -على قول للعلماء-، ثم دعاء المؤمنين له. وكل الأدلة تقريباً أو غالباً جزماً لا تخرج عن هذه العشر المكفرات. هذا إنما ابتدأت به لأقول: إن باب الذنب بمقابله عشرات من أبواب التوبة، لاسيما إذا رجعت إلى ربك ﵎ فإنه يعاملك بمعاملة الأكرمين، لا يعنفك، إنما يعفو، كما في الحديث الصحيح: (قال الله : أذنب عبدي ذنباً فقال: رب! إني أذنبت ذنباً، فاغفر لي. فقال الله : علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به. ثم أذنب ذنباً فقال: رب! إني أذنبت ذنباً، فاغفر لي. فقال الله : علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به. ثم أذنب ذنباً فقال: رب! إني أذنبت ذنباً، فاغفر لي. فقال الله : علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به، فليعمل عبدي ما شاء) ليعمل ما شاء ليس إذناً أن يفعل ما يشاء، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩] مع أنه لم يرخص في الكفر لأحد، كما قال ﵎: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر:٧] لكن هذه صيغة زجر. كما لو قلت لولدك: ذاكر أو لا تذاكر، أنت حر. هل قوله: (أنت حر) يعد إذناً منه ألا يذاكر؟ هذا تهديد، لكنه خرج مخرج التخيير، وهذا يكون أبلغ في الزجر كما قال الله ﵎: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الانشقاق:٢٤] وهل العذاب يبشر به! لا تكون البشرى إلا لشيء حسن، فلما توضع كلمة البشرى في العذاب؛ فيكون هذا تقريعاً أقوى مما لو قرعه بألفاظ التقريع نفسها. مداخل الذنوب لا حصر لها، لذلك قال الله ﵎: ﴿وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان:٥٨] (بذنوب) ما قال: (بحسنات)، إنما قال: (بذنوب)، إنما خص الذنب هنا بالذكر للدلالة على الإحاطة؛ لأن أغلب الذنوب تكون سراً، هل المؤمن بلا ذنب؟ التقي بلا ذنب؟ لكن لا يستطيع أن يجهر به هكذا أمام الناس، فأغلب الذنوب تكون سراً، كما قال ﷺ : (والإثم: ما حاك في صدرك، وخشيت أن يطلع عليه الناس) كم من الأشياء التي يفعلها الإنسان وهو يخشى أن يعلمها الناس، هي كثيرة لا حصر لها عند الفرد الواحد، انظر كم فرداً من لدن آدم ﵇ إلى أن تقوم الساعة، كل واحد لديه صندوق أسرار، يستحي أن يبرز جزئية منه للناس. فربنا يقول: ﴿وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ﴾ [الفرقان:٥٨] كفى بهذا دلالة على الإحاطة، وهذه الآية تشعرك بأن أغلب الذنوب تكون في الخفاء؛ لأن الله ذكر الآية للدلالة على إحاطته بفعل العبد، فهذه الآية آية مدح لإحاطته ، فلا يمكن أن تكون الذنوب صغيرة أو حقيرة؛ لأن الإحاطة حينئذ تكون ضعيفة. ثم هناك عدوك الذي لا يغفل عنك، والذي أعلن عداوته لك منذ نزلت من رحم أمك، كما قال ﵊ في حديث أبي هريرة عند الإمام مسلم: (كل بني آدم يمسه الشيطان يوم يولد؛ لذلك يستهل صارخاً) يبكي الولد الذي نزل من رحم الأم؛ لأن الشيطان نخسه (إلا مريم وابنها)، ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ [آل عمران:٣٦ - ٣٧] لذلك مريم وابنها ﵉ ما مسهما الشيطان، وهذا الحديث من الأحاديث القوية؛ لأن فيها لفظة (كل) التي تفيد العموم، ثم ذكر اسم الجنس، الذي يقوي أكثر هذا العموم، ينخسه؛ هو يقول له: من أجلك أنت خلقت أنا ألا ينبهك مثل هذا؟! ما قصر النبي صلى الله عليه سلم في البلاغ أبداً، لقد أوتينا من جهلنا وإهمالنا، قال ﵊: (أنا آخذ بحججكم، وأنتم تتهافتون على النار تتفلتون مني) كأن إنساناً يريد بكل قوته أن يدخل جهنم، وأنت ممسك به بكل قوتك، ومع ذلك غلبك ودخل جهنم. فإذا كان الشيطان ذئب الإنسان، ونحن نعلم أنه لا يموت إلى يوم القيامة حتى تستريح من شره، ونحن نعلم أنه لا يغفل عنك طرفة عين، وأنه في كل يوم يرسل سراياه تترا إلى بني آدم، كما في حديث جابر في صحيح مسلم، قال ﷺ : (إن الشيطان يضع عرشه على الماء كل صبح، ثم يرسل سراياه تترا -أي: بعضها يتبع بعضاً- كموج البحر إلى بني آدم) ليسوا ذاهبين لشرب الشاي بل لإضلال الناس، فنحن لو نعمل كعمل الشياطين في منتهى الجد لكنا من الأبرار، الشيطان بنفسه يتابع أعوانه الصغار، يجلس على الكرسي كل واحد يعرض تقريره ماذا فعلت؟ ما تركته حتى فعل كذا وكذا، أي: يمثل له بأي معصية. ما تركته حتى زنى لم تصنع شيئاً، وهل هذا شغل! وأنت؟ ما تركته حتى سرق لم تصنع شيئاً. وأنت؟ ما تركته حتى قتل أخاه وهل هذا شغل! وأنت؟ ما تركته حتى ضرب أباه. وأنت؟ ما تركته كل المعاصي. حتى يأتي أحدهم، ماذا فعلت؟ يقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين أهله حينئذ يقوم إبليس من على الكرسي، ويأخذ الشيطان هذا بالأحضان، يلتزمه ويعتنقه، ويقول له: نعم أنت، أنت أنت! هذا هو الشغل. قلنا قبل ذلك: الطلاق مباح، لو أن رجلاً طلق امرأته الصوامة القوامة المخبتة الخاشعة -إلى آخرها من الصفات الحسنة- لا يكون آثماً، لكنه لو زنى؛ لكان آثماً، وإذا كان غير محصن؛ يجلد محصن؛ يرجم قتل؛ يقتل، يقاد منه أو يدفع الدية سرق؛ تقطع يده، هذه كلها ذنوب، ومع ذلك هذه الذنوب لا يكترث بها إبليس، وعند الشيء المباح ينبسط لماذا؟ لأن إبليس يعلم أن العبد لو ظل في المعصية مائة عام وتاب، تاب الله عليه، فذهب كل عمل إبليس أدراج الرياح؛ لأن الذي يسقط الذنب يريد لك المغفرة والنجاة، ولا يعجل كعجلة أحدنا، لذلك كتب ربنا في كتابه الذي عنده: (إن رحمتي تغلب غضبي)، أين تجد هذا الرب؟ لا يسخط، ولا يبادر كمبادرة أحدنا، ولا حتى يجزي السيئة بعشر أمثالها، بينما الحسنة بعشر إلى سبعمائة، والسيئة مثلها ويمحو، وهذا الرب الجليل لا يستحق أن يعصى، ولو لم يتفضل عليك بكل شيء ما استحق أن يعصى، هو الذي لا يحب إلا لذاته، هو الله . فإبليس -الذي هو ذئب الإنسان- يعلم أن العبد إذا رجع من المعصية رجع إلى رب غفور، فما الذي يجعلك تتوانى؟ ومكفرات الذنب كثيرة، ولو لم يكن من فائدة تعود عليك إلا أن الله يفرح برجوعك لكان الواجب عليك أن ترجع. أتستقل بفرح الله برجوعك؟! قال بعض العلماء في قوله ﵎: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] قال: أشد عليهم من عذاب النار: أن يحرموا رؤية الله. وإنما أخذ مثل هذا الفهم من بعض الأحاديث التي فيها أن أهل الجنة لم يرزقوا شيئاً في الجنة أجل من رؤية الله . كذلك إذا حُجب العبد عن ربه كان أشد من عذاب النار، وفي صحيح مسلم -والحديث أيضاً في صحيح البخاري لكن سياق مسلم أوسع- قال ﷺ : (لله أفرح بتوبة عبده العاصي من أحدكم بأرض فلاة، معه راحلة عليها طعامه وشرابه) وجد شجرة، وأراد أن يستريح، فنام وترك الراحلة، وعليها أكله وشربه، فلما استيقظ لم يجد الراحلة، والصحراء سيموت إذا لم يتجاوزها، وهذا الطعام الذي أعده يبلغه المنزل، بحث عنها، يئس من وجودها، أيقن بالهلاك، فقال لنفسه: أرجع إلى مكاني وأموت -يموت في الظل- فلما رجع إذا به يجد الراحلة، فقال ممتناً ذاكراً: (اللهم أنت عبدي وأنا ربك، قال ﷺ : أخطأ من شدة الفرح). الله إذا رجعت يكون فرحه برجوعك أشد من فرح هذا الرجل بوجود الراحلة، تضن على نفسك أن يفرح الله برجوعك وهو مستغن عنك، فرح المفاجأة جعله يقسم، بعد أن أيقن بالهلاك، فلما وجد الراحلة لم يتماسك، وكذلك المفاجآت دائماً تفتت عزم القلب أو تشده، ولذلك

стр. 40

العبودية بين الطاعة والذل تنازع العلماء في مسألة قد تبدو عجيبة، قالوا: أيهما أفضل: العبد التائب، أم العبد الذي لم يعص الله قط؟ الذي لم يعص الله أفضل بلا شك، وهذا هو البدهي، لا ننازع ولا نناقش في هذه الجزئية. لكن نقول: مما يفضل به العبد التائب على العبد الطائع أبداً: أن العبد الذي عصى الله ﵎ ثم تاب إليه زاد عبودية في نفسه على عبودية الطائع أبداً، وهي عبودية الذل والانكسار، والرجل الذي لم يعص الله قط -على افتراض وجوده- قد يدركه العجب بعمله يوماً ما، يقول: أنا رجل لي سنين أقوم الليل، وما مر علي خميس ولا إثنين أبداً إلا وأنا صائم، وكذلك ثلاثة أيام من كل شهر، وأتصدق والحمد لله، فهذا قد يدركه العجب من هنا. إنما العبد العاصي إذا تاب توبة نصوحاً يجعل الذنب دائماً أمامه، يخشى ألا يقبل الله عمله لهذا الذنب، كيف لا وأنبياء الله أدركهم مثل هذا الشعور، فلفظوا به في عرصات القيامة، كما في حديث الشفاعة المشهور، الناس يبحثون عن أي شفيع، يذهبون إلى آدم ﵇: أنت أبونا، صورك الله ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، اشفع لنا عند ربك. يقول: نفسي نفسي، أمرني ألا آكل من الشجرة فأكلت. مع أن آدم ﵇ تاب الله عليه، بل اجتباه الله بعد الذنب، لكنه تذكر ذنبه وخشي أن يؤخذ به. إبراهيم ﵇ نوح ﵇ موسى ﵇، كل واحد منهم يقول: نفسي نفسي! هذا حال الأنبياء المغفور لهم، يدخلون الجنة قبل أممهم، ولا يدخلون الجنة إلا بعد شهادتهم لهم أنهم آمنوا، ومع ذلك يقولون مثل هذا الكلام. العبد إذا تاب، ووضع الذنب أمامه، وخشي هذا الذنب كان سبيله إلى الجنة. ولذلك قال من قال من السلف: رب طاعة أورثت عزاً واستكباراً، ورب معصية أورثت ذلاً وانكساراً. وقال الآخر: إن العبد ليفعل الذنب فيأخذ بيده إلى الجنة، قالوا: كيف ذلك؟ قال: لا يزال ينظر إلى الذنب، ويجّود عمله ويحسنه حتى يلقى الله محسناً. هذه عبودية الذل والانكسار، العبد التائب من العصيان شارك العبد الطائع دائماً عبودية المحبة، وعبودية التسليم، وعبودية الرضا، وزاد عليه على الأقل عبودية الذل والانكسار وبهذا الأصل ينحل الإشكال. رأى جماعة رجلاً من الصالحين يوم مات ولده يضحك، فاستشكلوا هذا الأمر لماذا؟ لأن الرسول ﵊ يوم مات إبراهيم بكى، وهذا يضحك! فهل هذا راض أكثر من الرسول ﵊! إذا راعينا هذا الأصل انحل الإشكال، إذا مات الولد؛ العبد مطالب بأكثر من عبودية: مطالب بعبودية التسليم والرضا، وهو مطالب أيضاً بالرحمة والرأفة، فقلب ذلك العابد لم يتسع إلا لعبودية الرضا، إنما النبي ﷺ قلبه اتسع، أعطى الرحمة حقها فبكى على الولد، وأعطى التسليم حقه: (إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن ولا نقول ما يغضب الرب، ولما رأوه يبكي قالوا: تبكي! قال: هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده)، هذه عبودية التسليم والرضا، اتسع قلبه فأعطى هذا وذاك، وضاق قلب هذا العابد، فلما تزاحمت عليه أكثر من عبودية لم يستطع إلا أن يقدم عبودية الرضا. عبودية الذل والانكسار من أجلِّ ما يحصله الإنسان، كل شر في الأرض أحد أسبابه ضياع هذه العبودية، هذه العبودية هي المدخل الحقيقي الواضح لصفة العبادة المقبولة؛ لأن العبادة المقبولة هي أن تعبد الله بالخوف والرجاء، كما يقول ابن القيم ﵀: الخوف والرجاء بالنسبة للعبادة كجناحي طائر، لا يبلغ الطائر المنزل بجناح واحد، كذلك لا يبلغ العبد الجنة -التي هي المنزل- إلا إذا حقق هذين النوعين. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 41

غلبة الرجاء على الخوف سبب في التهاون الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن، والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أغلب المفرطين في زماننا الآن يعبدون الله بالرجاء، والعجيب أنه يوجد من ينسب إلى هذا الدين من يغذي هذا الشعور، على صفحات الجرائد والمجلات فيقول: الله! انتم تخوفون الناس من النار، ألا يوجد جنة، كله (وبئس المصير). فهم لا يريدون أن نتكلم عن النار إطلاقاً! هل هذا مجتمع رباني كل أفراده أبرار أخيار، أو هو مجتمع ملآن بالمخالفات، بلا شك أنت محتاج أن تقول له: ستدخل النار. إذا كان هناك ولد منحل، يخرج مع البنات، ويشرب الحشيش، ويشرب الكوكايين والسجائر، لو أن أباه جاء له بسيارة لخطّأه كل الناس حتى أهله، يقولون: هذا دلع، يجب أن تشد عليه. كذلك الواعظون عندما يرون هذا الانحلال كله؟ هل تريدهم أن يقولوا له: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٦٢] وما الذي عمله؟! أن لكل مقام مقال. فهناك من يغذي في الناس هذا الشعور، يعبد الله بالرجاء، والطمع في رحمته، ولذلك ستجد إنساناً لا يصلي، ولا يعمل أي شيء، تقول له: يا أخي صل. يقول لك: يا أخي! إن الله غفور رحيم. لماذا غفور رحيم فقط والله قال: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ﴾ [الحجر:٤٩ - ٥٠] لما لم تكملها؟ وقد قدم ﵎ الرحمة على العذاب؛ لأن هذه كما قال في الحديث القدسي: (إن رحمتي تغلب غضبي) لكي يكون باب العذر واسعاً بالنسبة للعبد، فعبادته لله بالرجاء، يجعله يقصر أكثر، ولو عبد الله بالخوف فقط يكفر؛ لأن مهما فعلت من حسنات لا تكون ثمناً للجنة أبداً. الرسول ﵊ لو لم يقل لنا: (لن يدخل أحد الجنة بعمله) لظننا أن أعمالنا تبلغنا المنزل؛ لأننا نقرأ في كتاب الله ذلك ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٣٢] (الباء) هنا (باء) السببية، أي: ادخلوا الجنة بسبب ما كنتم تعملون، إذاً السبب أدخلك الجنة، إذاً عملك بلغك المنزل، الآية هكذا، والرسول ﵊ المبين لكلام الله صحح لنا هذا المفهوم المغلوط، فقال: (لن يدخل أحد الجنة بعمله، ولا أنت يا رسول الله؟ ولا أنا) هذا منتهى اليأس، رسول الله ﷺ أعظم من مشى على الأرض بقدميه، ولا يوجد رجل في الدنيا عبد الله مثل عبادته، ولا جوّدها تجويده، يقول: أنا لا أدخل الجنة بعملي! إذاً: أنت مهما فعلت لن تدخل الجنة، وماذا تكون النتيجة؟ لماذا أعمل، لماذا أترك الفراش الوثير وأقوم الليل، لماذا أجوع نفسي وأصوم، لماذا أخرج من مالي الذي هو من كدي وعرقي لفلان، أنا أولى، إذا علم أن كل طاعة مردودة يئس. هذه القاعدة موجودة في أماكن كثيرة، ومن أبرزها في الجيش: السيئة تعم والحسنة تخص، طيب أنا رجل مستقيم ومنضبط، وأنت تعلم هذا، فلماذا تعاقبني؟ أنا أسأل نفسي: لماذا أنا واقف انتباه وشادد عظمي؟ حتى لا أنام، أي خلاص لا جزاء، فهذا العمل يفقد الانتماء، والمحبة، والولاء، وهذه حقيقة، ولذلك في السابق عندما كان الناس يدخلون الجيش ولا يخرجون منه، فكان الكثير منهم يحفظون القرآن عن ظهر قلب حتى يعفوا من الجيش، وكان الذي يدخل الجيش مفقود، والذي يخرج منه مولود، عندما يكون الواحد هذا شعوره هل يمكن أن تنتصر به؟ تنتصر بواحد يرى أن وجوده في الجهاد أو في هذا الرباط مغرم؟ طبعاً لا يمكن أن تنتصر بهم، شيء طبيعي جداً أن يهزم. لذلك من يعبد الله بالخوف فقط، فيرى أن كل طاعة لا قيمة لها، لن يضل هكذا على طول، بل سيسأل نفسه: ولماذا أعمل وأنا غير مستفيد من عملي، ثم ستجده يكف عن العمل. كذلك الذي يقول: إن الله غفور رحيم، يا أخي! مهما تركت؛ ربنا رحمته واسعة، هو غفر لأكثر مني وأشد عتواً وعدواناً على حرماته ويضل هكذا؛ فيضيع. لكن العبادة الحقة صفتها: أن تعبد الله بالخوف والرجاء معاً، فتلقى الله محسناً. طيب: أنا أريد أن أبلغ المنزل ماذا أفعل؟ المرة القادمة لن أتصدق علانية، أتصدق في السر، لعل هذا الشعور يزول، هو تصدق أول مرة، حمله هذا الخوف مع مداومته للطلب على أن يتصدق مرة ثانية، فتأتيه نفسه: مالك هذا حلال، لا تنس أنه كان فيه شبهة يوماً ما اقترفتها. طيب: إذاً ما الحل؟ اتق الشبهات، اجعل مالك حلالاً، فيذهب إذا كان هناك أي مبايعات فيها حرام أو شبهة يتجنبها. إذاً: كلما قدم طاعة؛ لامته نفسه وشككته فيها، فيقوم يحسن الطاعة أكثر لعلها تقبل، فما إن يفعل حتى يرجع إلى نفسه فيشك أنها قبلت أو حيزت بالقبول، فيجود عمله أكثر لعله يقبل وهكذا يلقى الله ﵎ دائماً محسناً. وأريد أن أنبه إلى جزئية مهمة، في قوله ﵎: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٣٢] إذا كان (الباء) هنا (باء) السببية، فكيف نوفق بين الآية وبين الحديث: (لن يدخل أحد الجنة بعمله)؟ الجواب أن هذا من تمام تفضل الله عليك، يعطيك الكثير بما تبذله من القليل الذي أمرك به. نضرب مثالاً: أصعب شيء في الدنيا أنك تجمع ما بين قلبين لماذا؟ لأن القلب ليس في ملكك ولا في ملك أحد، فلما يكون أحدهم رأس ماله العصافير التي في الدنيا؛ إذاً هو فقير؛ لأنها ليست في يمينه، والقلب معروف أنه ملك الرب ﵎، كما قال ﷺ : (إن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف شاء) وقال ﷺ : (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك) وكان أكثر يمينه (لا ومقلب القلوب) إعلاناً عن عجز الإنسان التام إزاء هذا القلب، وهذه حقيقة لا يمكن دفعها، لأنك أنت أحياناً تُغلب على حب إنسان وددت أنك أنت تكرهه، كم من العشاق الذين تلفوا فعلاً أو كاد بعضهم أن يتلف بعدما ذهبت نفسه وراء حبيبه! قيل له: انس. قال: لا أستطيع. لو كان قلبه بيده ما عذب إنسان نفسه طرفة عين. إذاً: أصعب شيء أن تجمع بين قلبين، وقد قال الله ﵎ ذلك للنبي ﷺ : ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ [الأنفال:٦٣]. لنفرض إن إنساناً لديه ما في الأرض جميعاً، ولكي يحصل ما في الأرض جميعاً ويصبح ملكه، هو يحتاج جهداً جباراً، ولو أنه تاجر في التراب لربح، وبعد ذلك أتحداه أن يوفق ما بين قلبين، قام وأتى بكل تعبه وقسمه نصفين، وقال: أنت تأخذ النصف والآخر يأخذ النصف الآخر، بشرط أن تحبوا بعضاً هو لا يستطيع أن يفعل هذا؛ لأن ربنا قال: ﴿لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ [الأنفال:٦٣] إذاً هذه تحتاج معجزة، ليست بملك أحد. إذاً: ما قولك في أن هناك شيئاً يسيراً جداً يمكنك به أن تجمع بين القلبين وأنت واضع رجلاً على رجل، وأمرت به! قال ﷺ : (لتسوون بين صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم -وفي رواية- بين قلوبكم) هل تسوية الصفوف أسهل أو أجمع بين قلبين؟ انظر إلى هذا اليسر! أن تسوي البدن بالبدن فقط. إذاً: هل بمجرد أننا نسوي الصف تتساوى جميع القلوب؟ لا تتساوى، لكن انظر إلى ما أمرت به وهو في ملكك ويمينك ما أيسره! وانظر إلى ما أعطاك في مقابله لا تستطيعه أبداً مهما فعلت، فقصر في ما في يمينه، وأراد أن يفعل الذي يعجز عنه، كل الذين يوفقون الآن بين القلوب، يقول لك: توفيق بين الجماعات، ونقعد مع بعض، ونعمل اجتماعات، ونعمل أي شيء. يا أخي! افعل ما أمرت به، نحن نعلم أن ما أمرت به في ملكك ويمينك، فهو ميسور؛ لأنه على قدر قوتك ﴿وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء:٢٨] لكن الثمرة التي يعطيكها الله في مقابل هذا الذي تبذله أعظم بكثير جداً من بذلك وعطائك. أنت مطلوب منك سبب لابد أن تفعله؛ حتى يعطيك الثمرة، وإذا لم تفعله لا يمكن يعطيك. أشياء يسيرة يجب الالتفات لها، بعض المسلمين الآن يقولون عن مثل هذه الجزئيات أنها قشور، تصور: تسوية الصف عند بعض المسلمين قشور! يقول: يا أخي! أي تسوية صف الذي أنت مهتم بها ربع ساعة والمسلمون يذبحون في لبنان، إذاً: نم على ظهرك، حلت مشكلة لبنان، حررت البوسنة والهرسك انظر التهريج! ترك ما أمر به، ولو فعل ما يوعظ به لكان خيراً له ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٥]. أحياناً قد يعمل الإنسان عملاً تراه في منتهى الجمال، مع أنه يسير ولم يقصده، والله ﵎، لا يستصغر معصية ولا يستقل بطاعة، وفي الحديث: (إفراغك من دلوك في دلو أخيك صدقة) نحن قصرنا فيما أمرنا به فحرمنا الثمرة. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم. اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين، اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا. ربنا آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا، وكل ذلك عندنا.

стр. 42

الأجور الكثيرة المترتبة على الأعمال القليلة إن الحمد لله تعالى نحمده، ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد. قال العلماء: كل ما أوجبه الله ﵎ على العبد ففي إمكانه أن يفعله؛ لذلك أوجبه عليك، وكل طاعة دخلت في دائرة الاستحباب؛ يبلغه الله إياها بجده وحسن قصده وإن كان ضعيفاً. أقول هذا الكلام؛ لأن هذا ملتصق بما ذكرته آنفاً: أن ما تؤمر به قد يكون شيئاً يسيراً، لكن ما تعطاه بامتثالك بهذا اليسير يكون أعظم بكثير جداً من الذي بذلته. هذه مسألة أدندن عليها؛ لأن بعض الناس استقلوها، وأراد أن يدخل في المنطقة الصعبة التي ليست له، يرجع دائماً منها بخفي حنين. إذاً: دائرة المستحبات أوسع جداً من إمكانات العبد؛ لأن الورع ليس له آخر، ولو كنت سيد الورعين في هذا الزمان لما استطعت أن تأتي على كل ما ينبغي أن يتورع منه، نعم أنت بإمكانك هذا النهار ألا تأكل أي فاكهة أو لحماً أو أي شيء فيه شبهة، مثلما حكي عن بعض العلماء أنه لما سرقت شاة في أيامه؛ ذهب إلى قصاب وسأل عن العمر الافتراضي الذي تعيشه الشاة، قال له -مثلاً-: عشر سنين؛ فحرم على نفسه أكل لحوم الشاة عشر سنين، حتى يضمن أنه لن يدخل بطنه شيء من لحم الشاة المسروقة. إن ديننا وضع هذا الحرج، أنت غير مطالب أن تذهب إلى كل جزار لتنظر إلى كباشه من أين مصدرها، بل لو تحريت ذلك لدخلت في باب التنطع المنهي عنه، فلو تجاوز ذلك الأمر به لدخل باب الحرام مباشرةً، لكن أنت بينك وبين نفسك ترى أن صلاحك في ذلك افعل، لكن لا تأمر أحداً به؛ لأن الورع غير ملزم، بمعنى أنا مأذون لي أن أتمتع بالحلال، فأنت إن شئت تورعت، أنت حر، لكن لو أردت أن تفتح باب الورع في كل جزئية هذا مستحيل؛ إلا أن تكون نبياً. إذاً: دائرة المستحبات واسعة جداً، وهذه التي نحن نخصها بالذكر الآن، طالما أنها واسعة جداً، ولا تستطيع تحصيلها كلها، فجهدك القليل كيف تأخذ به ثواب كل هذا المستحب الذي لم تفعله؟ هنا تأتي الأمثلة التي سوف نضربها الآن، والبيان الذي ذكره العلماء في كتبهم، أنك تفعل الشيء اليسير الذي أنيط بك فعله، وما عليك من الباقي. مسألة تسوية الصف هذه السنة صارت غريبة تحتاج إلى تهيئة من الإمام الراتب الذي يصلي دائماً، مع أن الناس الآن كل واحد يسوي نفسه بنفسه، والإمام يقول: (استووا) ووجهه إلى القبلة، لكن لو أن إماماً جعل يسويهم ثلث ساعة، ويمر على الصفوف المتطاولة، ويحاول يعمل مثل ما ورد في بعض الآثار، يأتي بجريدة خضراء، ومن ثم أنت ركبتك بارزة قليلاً، أنت كوعك هل أنت متصور أن المصلين يسلمون له بذلك؟ طبعاً لا يسلمون له بذلك. بل قد تصير مشكلة كبيرة لو أن هذه الجريدة أوجعت إنساناً. فمثل هذه السنة تحتاج إلى تهيئة. كذلك بعض الأئمة مثلاً لما نصلي وراءه الجمعة يطيل في القراءة، ويطيل في الركوع، ويطيل في مواضع لم يتعود العامة أن يطيل فيها، لو كان حافظاً فيها ذكراً واحداً فقط لانتهى في خمس عشرة ثانية، مثلاً الجلسة ما بين السجدتين، كثير من الناس يتصور أن ترفع رأسك فقط، وليس فيها ذكر، بل فيها: (اللهم عافني واجبرني، وارحمني واهدني، وارزقني وتولني). النبي ﵊ كانت صلاته واحدة، يقرأ خمسين آية، يركع بمقدار خمسين آية، يرفع (سمع الله لمن حمده) ويقعد يذكر الله بمقدار خمسين آية، يسجد بمقدار خمسين آية، يرفع ما بين السجدتين بمقدار خمسين آية، يسجد سجوداً ثانياً بمقدار خمسين آية كانت صلاته هكذا ﵊. هو يقول لك ماذا؟ ليس خمسين آية، عشر آيات فقط، أحياناً يمد المد المتصل والمنفصل، يأتي لك بأربع حركات في المنفصل وست حركات في المتصل ويشبع، بدل ما تأخذ القراءة عشر دقائق تأخذ لها خمس عشرة دقيقة، بسبب المدود، فهو يقعد ما بين السجدتين خمس دقائق، والخمس الدقائق هذه تفقع مرارة تسعين بالمائة من المصلين، لاسيما إذا أضفت إلى ذلك وجود الأولاد الذين يبكون، أحد المصلين يقول في نفسه: أنا قرأت حديث: (إني لأدخل في الصلاة فأريد إطالتها فأسمع بكاء الصبي) وهذا هل يسمع أم ماذا؟ فيخرج متغيضاً من الصلاة. هذا الإمام ينبغي أن يعرف المسجد الذي يصلي فيه، صلاة الإمام الراتب كيف هي؟ ويسأل ويرى، اتركه يصلي كيفما يريد، لكن إذا سمع صوت بكاء يتجوز، الخطأ هنا خطأ الإمام الراتب الذي لم يعلم رواد المسجد هذه السنن، يأخذها شيئاً فشيئاً، بحيث لو جاء رجل فأطال؛ تكون المسألة غير مستغربة. ولذلك كان من أغرب الغرائب أن مسجداً من المساجد التي تقام بها السنة الناس لا يعرفون أن المسافر يصلي ركعتين، طيب وهذه من أين أتت؟! أنا مرة صليت في مسجد من المساجد التي تقام فيها هذه السنن في محافظة من المحافظات، وبعد أن انتهينا من المحاضرة ذهبت أتوضأ للعشاء، وقد كان المسجد مكتظاً إلى آخره، ثم جئت لأصلي، فلم أجد مكاناً لأصلي فيه، فنظرت فإذا بي أجد فرجة تحت سرير السلم في آخره، فمشيت بين الصفوف، وليس في ذلك قطع لسترة المأمومين. المهم: وأنا ذاهب وجدت أحدهم يقطع بيده طريقي، فتجاوزته برفق ومررت، أنا قلت في نفسي: بعد أن أكمل الصلاة أذهب وأقول له: يا عم الحاج! وجهك منور، والسنة كذا وكذا. هو ما أمهلني، انتهينا من الصلاة: ما الذي فعلته؟ كيف تمر من بين المصلين؟ قلت له: هناك حديث في البخاري. قال: أي بخاري؟!! المفزع إلى الآن أنه ليس هناك أي إثارة، الإثارة ستأتي قريباً، ذهبنا نتعشى، فلقيت الجماعة الذين اعترضوا علي هم الذين يضعون الأكل، طيب: نتعرف فلان رئيس مجلس الإدارة، وفلان عضو مجلس الإدارة، وهم الذين قالوا: أي بخاري؟! وأي كلام تتحدث عنه! فهل يعقل أن رئيس مجلس إدارة مسجد يقيم السنة لا يعرف مثل هذا؟ طيب: هذا خطأ من؟ خطأ الإمام الراتب، الذي لم يبذل جهداً في تعليم رواد المسجد الأصليين مثل هذه الأشياء. أنا أقول هذا الكلام حتى نعرف أننا سندخل معارك من أجل تسوية الصفوف، فأنا لو أردت أن أسوي الصف ممكن الذي لا يعترض يسكت، لكن بينه وبين نفسه غير راض على هذا الأمر، فما بالك بالعوام، فانظر سنة خفيفة ممكن نفعلها، انظر كيف صارت بإهمالنا صعبة الآن! لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى فهذه الجبال التي هي التفات القلوب عن بعضها الآن؛ سببها الحصوة التي تركناها، حصوة مع حصوة وصارت جبلاً، ليس بالسبب تنال، لكن الله -كما قلت- يعاملك بالفضل، فقط افعل ما أمرت به وإن كان ضئيلاً. الإمام البخاري ﵀ في صحيحه في كتاب المواقيت باب وقت صلاة العصر، روى ثلاثة أحاديث في هذا الباب، الحديث الأول عن أبي هريرة: (من أدرك ركعة من العصر فقد أدرك) وهذا واضح الدلالة، والحديث الثاني حديث ابن عمر ﵄، والحديث الثالث حديث أبي موسى الأشعري. حديث ابن عمر يقول فيه النبي ﷺ : (إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس) عمر هذه الأمة بالنسبة لأعمار الأمم السالفة مثل ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس، (أوتي أهل التوراة التوراة، فعملوا حتى إذا انتصف النهار وعجزوا؛ فأعطوا قيراطاً قيراطاً، وأوتي أهل الإنجيل الإنجيل، فعملوا حتى إذا انتصف النهار -لصلاة العصر يعني- وعجزوا؛ فأعطوا قيراطاً قيراطاً، وأوتينا القرآن، فعملنا من وقت صلاة العصر إلى غروب الشمس؛ فأعطانا قيراطين قيراطين، اعترض اليهود والنصارى قالوا: أي ربنا! كنا أكثر عملاً منهم وأقل أجراً. فقال: هل ظلمتكم من أجوركم من شيء؟ قالوا: لا. قال: فذلك فضلي أوتيه من أشاء) فهذه الأمة تعامل بالفضل. لكن ما علاقة هذا الحديث بتبويب الإمام البخاري (باب من أدرك ركعة من العصر) مع أن الحديث هذا ما فيه لا ظهر ولا عصر، إلا لضرب المثل فقط؟ الإمام البخاري وضع هذا الحديث في هذا الباب برغم خفاء دلالته؛ ليقول: إن الله ﵎ عاملك بالفضل يوم أن قبل منك ركعة في الوقت وثلاث ركعات في غير الوقت، فعاملك بالفضل؛ لأنك عندما تصلي ركعة واحدة من العصر، ويدخل عليك المغرب، إذاً هناك ثلاثة ركعات من العصر وقعت في وقت المغرب، إذاً أنت ما صليتها في وقتها، إذاً المفروض أن الثلاث الركعات هذه لا تحسب لك لا، تكرماً منه ﵎ وهب لك الثلاث الركعات في غير الوقت للركعة التي أدركتها في الوقت! البخاري ﵀ يريد أن يقول هكذا، فكما أننا أقل أعماراً إلا أننا أعظم أجراً، وكما أن الركعة هي أقل القليل في صلاة العصر فقد أعطاك أجر العصر كله بإدراك ركعة واحدة، وما عاملك بالعدل، فقبل منك ركعة وحرمك أجر ثلاث ركعات إذاً نحن نعامل بالفضل. الله يعطيك الشيء الجزيل على الشيء اليسير الذي أمرك أن تفعله، وأنت ترى هذا في أعمارنا من الستين إلى السبعين، وقليل من يصل إلى مائة، ومع ذلك تستطيع أن تلقى الله بعبادة أربعة آلاف سنة، قال ﵎: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر:٣] ألف شهر، أي: ثلاثاً وثمانين سنة وبضعة أشهر، الغ الكسر واجعلها ثلاثاً وثمانين سنة، فأنت مثلاً إذا أعطاك الله من العمر ستين سنة، فُرض عليك رمضان وأنت ابن خمس عشرة سنة، فتكون قد أدركت خمسة وأربعين رمضاناً، ولنفترض أنك صمته، وقمت ليلة القدر في كل رمضان إيماناً و

стр. 43

الأسئلة

стр. 44

درجة حديث: (لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة) السؤال ما صحة حديث (لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة) هل هو على سبيل الأفضلية؟ الجواب هذا الحديث اختلف العلماء في رفعه ووصله، والصواب أنه مرفوع، والرواية الموقوفة لا تقدح في الرواية المرفوعة، لكن هذا الحديث على الأفضلية، وليس على نفي الذات، والذي جعلنا لا نقول بذلك: أنه لم يتبن أحد من العلماء -حتى الذين صححوا هذا الحديث- القول بنفي الذات، وصرفوا (لا) -هذه (لا اعتكاف) - على نفي الكمال. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 45

مواطن رفع اليدين في الدعاء السؤال ما هي المواطن التي لا يجب رفع اليدين فيها بالدعاء؟ الجواب أما (المواطن التي لا يجب) فالسؤال هكذا صعب. لا، مسألة تحريم رفع اليدين في الدعاء هكذا لا، ارفع في الاستسقاء، ربما يكون مقصود السائل في غير المواضع التي ورد فيها الرفع، فنحن نقول: إذا كان هناك موضع مشتهر فيه جمع، وفيه دعاء، ومع ذلك لم ينقل رفع الأيدي فالصواب عدم الرفع لماذا؟ لأنه لو كان لنقل ولتوافرت الهمم والدواعي على النقل، مثل الرفع في خطبة الجمعة. والجمع التي صلاها الرسول ﵊ كثيرة ولم ينقل في حدود ما أعلم، وفي حدود علم علماء المدينة الذين أخذت عنهم هذه الفتوى أن الصحابة كانوا يرفعون أيديهم في دعاء الجمعة -مثلاً-، مع أن الجمعة تجمع أكبر عدد من المصلين، أكثر من الصلاة العادية، وتتكرر كل أسبوع، فالصحابة الذين نقلوا أدق صفة صلاته ﵊، مثلاً وهو ساجد ﵊ يثني أصابع رجليه إلى القبلة، إذاً يرى هذا ولا يرى أحدهم ماذا يعمل كل جمعة. فلما توافرت الهمم والدواعي أو كان هذا الأمر بمكان تتوافر الهمم والدواعي على نقله، ومع ذلك لم ينقل، فنقطع بعدم حدوثه، بخلاف ما يكون خفياً عن ذلك، مثلاً: إذا أراد أن يدعو الله بدعاء في أي موطن وفي أي وقت فرفع يديه فدعا، فهذا لا نقول له: لا ترفع يديك لماذا؟ لعموم قوله ﷺ : (إن الله ليستحي من العبد أن يرفع إليه يديه فيردهما صفراً خائبتين) فهذا رفع اليد، اجعله أيضاً في المواطن العامة، لكن المواطن الخاصة بالذات التي تتوافر الهمم والدواعي على النقل ومع ذلك لم ينقل، فنحن لا نقول برفع اليد فيه والله أعلم.

стр. 46

عوامل بناء المجتمع إن النفاق لا يظهر إلا عندما يكون الإسلام قوياً، أما إذا ضعف الإسلام، فإن الكفر يظهر بصراحة كما هو الحال في وقتنا الحاضر، فقد ضعف الإسلام، وتفرق المسلمون إلى دويلات متناحرة، فاشرأب الكفر بعنقه واضحاً جلياً، فترى من أدعياء الإسلام من يظهر الكفر والسخرية من الإسلام والمسلمين صراحة، كما يحصل في الإذاعات والقنوات، وما يبث فيها من مسلسلات تسعى لهدم الدين وتمكين الكفرة الملحدين من مسخ أجيال المسلمين.

стр. 47

سبب انهزام الأمة الإسلامية إن الحمد لله تعالى نحمده، ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. فهذه خطبة عارضة أسوقها تعليقاً على الأحداث الجارية، وإذا كان تأخير البيان عن وقت الخطاب يجوز، فإن تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه لا يجوز. إن الأحداث الجارية التي تمر بها الأمة المسلمة تستحق وقفة جادة، وكم وقفنا هذه الوقفات، لكن الجماهير العريضة لا تجعل الإسلام قضية حياة. ولو استطعنا أن نجعل قضية الإسلام كرغيف الخبز لكنا أعز أمة، ورغيف الخبز أهم عند الجماهير من الإسلام، ولو أن رغيف الخبز غداً صار بعشرة قروش، لحصلت المظاهرات، ولصار الحديث في كل بيت عن رغيف الخبز، وقد حدثت مظاهرات في الثامن عشر والتاسع عشر من يناير (٧٧ م) عندما ارتفع كيلو السكر من أربعين قرشاً إلى ستين قرشاً، وقامت مظاهرات، وحرقت قاطرات وسيارات كلفت ملايين، وسبب ذلك زيادة عشرين قرشاً في كيلو سكر. فلو استطعنا أن نجعل قضية الإسلام كقضية الخبز، ما قتل منا مائة رجل ساجد كالأبقار بل دم الأبقار -الآن- أغلى من دم المسلمين، وأتحدى أي رجل أن يذبح بقرة في الهند، فقد تطير عنقه في مقابل بقرة، لكن ما وصلنا إليه هو بتفريط كثير منا، وكم قام الداعي يحذر هؤلاء العوام من مغبة ذلك، ولكن لا يحبون الناصحين.

стр. 48

فضل المداومة على الأعمال الصالحة وإن قلت رمضان شهر عظيم، لكنه يكشف بسرعة أدعياء الإيمان، يكشف أصحاب العبادة الموسمية، والله يكره العبادات الموسمية، إن الله ﵎ يحب أن يكون العمل دائماً، كما قال ﵊: (أحب الأعمال إلى الله أدومه وإن قل)، وقالت عائشة ﵂ لما سئلت عن عمله ﵌ قالت: (كان عمله ديمة) وكان آل محمد ﵌ إذا عملوا عملاً أثبتوه: (أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل). إن العمل الموسمي يدل على الفتور، والله ﵎ يحب الطالبين له دائماً، فالذي يداوم على الذكر وإن كان قليلاً يدل ذلك على أنه حسن القصد، أما الذي يعمل بقوة ثم يفتر، يدل دلالة واضحة على أن مطلوبه ليس بذاك، ولذلك فتر عنه، من هنا كان أحب العمل إلى الله أدومه. فيا تُرَى الذين يصلون في رمضان ويقطعون الصلاة في شوال يعتقدون أن رب رمضان غير رب شوال، أو أن الله يسمع ويرى ويحاسب في رمضان فقط؟! عجب والله! العمل الموسمي عمل خطير، يكرهه الله ، والصحابة رضوان الله عليهم ما جعل الله الأرض تحت أقدامهم في عشر سنوات فقط، فعشر سنوات في عمر أمة كطرفة عين، أعمار الأمم لا تقاس بالسنين أعمار الأمم دهور متطاولة فكم يا تُرى تشكل عشر سنوات في حياة أمة وكانوا قلة مستضعفين إلا لأنهم حققوا العبودية لله على الدوام. وما وصل اليهودي إلى هذه الجرأة ودخل بسلاحه، واطمأن أنه سيقتل مائة أو مائتين إلا لأنه يعلم أنه لن يكون هناك رد فعل، لكنه يعلم أن أقصى ما يمكن أن يفعله المسلمون هو الشجب في الجرائد، وأقوى بيان شجب لوزارة الخارجية. ماذا استفدنا من ذلك الشجب؟! على الأقل لو يطردون السفير، لكنهم لا يستطيعون فهم أجبن من ذلك.

стр. 49

دأب الكفر في النكاية بالإسلام وأهله نحن لا ننسى تصرف إنجلترا في قضية سلمان رشدي لما أهدرت إيران دم سلمان رشدي الذي يسب النبي ﵊، ويتهم أزواجه بالزنا، إذا بريطانيا تسحب سفيرها. لماذا يسحبون السفير؟ من هو سلمان رشدي؟ كم يساوي سلمان رشدي في الخريطة؟ ما له قيمة إلا أنه مواطن إنجليزي من أصل هندي. بالرغم من أن إيران قتلت عشرات الإنجليز في قلب لندن ولكن القضية ليست قضية مواطن، بل القضية قضية الإسلام والكفر، فرئيس أمريكا لماذا يستقبل سلمان رشدي؟ نكاية في المسلمين، وهذه تحديات سافرة جداً. ومع ذلك يتكلم عن الإرهاب الداخلي، فما هي نسبة الإرهاب الداخلي بجانب الإرهاب اليهودي؟!

стр. 50

المسلسلات الهابطة وأثرها على الأمة الإسلامية هناك مسلسل اسمه العائلة، يحرمون فيه الخيار وغير ذلك من الأشياء، ويقولون: إن هذا فكر الجماعات الإسلامية. هل هذا حق؟ أنا أُسَلِّم أنه يوجد من يحرم الخيار، لكن هل يقال: إن هذا فكر شريحة عريضة من المجتمع. لا. هذا تهريج؟! ومع ذلك فهم ينفقون الأموال الطائلة على مقاومة الإرهاب ﴿فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ [الأنفال:٣٦]، إن الذي يحارب الله لا ينتصر، وهؤلاء الذين يحرمون الخيار مع ما فيهم فهم أجود ممن يحارب الله ورسوله، ويكفيك أنت -يا من تتولى حرب الإرهاب- يكفيك الذي أنت فيه من اختلاسات ولصوصية؛ لكن من لم يجعل الله له نوراً فما له من نور، وإذا غضب الله على العبد حرمه التوفيق. لو أنهم يريدون الفتوى الشرعية في الخيار، فأنا أفتيهم الآن أن الخيار يمكن أن يكون حراماً، لأن الخيار والموز والفلفل الذي مثل البطيخ محقون بالهرمونات التي تسبب أمراض السرطان، وكل الزراعة الآن تالفة، وهذا ليس كلامي، فأنا لا أفهم في هذا المجال، إنما أنقل كلام المختصين في ذلك، فالموز الإسرائيلي محقون بالهرمونات، والخيار والفلفل كذلك محقون بالهرمونات؛ فلذلك يسبب أمراض السرطان، وعلماء الزراعة يقولون هذا، فإذا كانت المسألة كذلك، كانت الفتوى أن هذا أقرب ما يكون إلى التحريم. هب أن رجلاً مجنوناً زعم أن الخيار حرام فهل نعمل عليه مسلسلاً كاملاً ونتهم شريحة عريضة من المجتمع أنها تحرم الخيار، وأن هذا فكرها؟ وهل تعالج القضايا بمثل هذه المسلسلات والتهريج؟ أليس هذا من الظلم البين والعدوان الواضح؟ إن هذا المسلسل يتهم العقائد، وينفي عذاب القبر، ويقول: الأزهر لا يراجع؛ لأن هذا مسلسل درامي، والأزهر لا يفهم إلا في مسلسل تاريخي. إن هذا المسلسل يسب الله فيه ويقول: إن عذاب القبر ليس فيه نص من القرآن. وهذا جهل؛ لأن عذاب القبر وارد في القرآن الكريم في آية صريحة جداً، ومع ذلك فإجماع علماء المسلمين أن السنة تنفرد بتقرير الأحكام، فعن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵁، أنه سمع رجلاً يقول: أوجد لي كذا في كتاب الله، قال: يا أحمق! أوتجد الظهر في كتاب الله أربعاً، والعصر أربعاً، والمغرب ثلاثاً، والصبح ثنتين؟! تجد في كتاب الله أن هذا يسر به وهذا يجهر به؟! قال ﵎: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦]، هذه هي آية إثبات عذاب القبر ﴿غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا﴾ [غافر:٤٦]، غدواً وعشياً قبل قيام الساعة، أين يا ترى؟! في البرزخ، وهو عذاب القبر، مع ثبوت عذاب القبر في الأحاديث المتواترة، والنبي ﵊ استعاذ من عذاب القبر، وأحاديثه في ذلك مشهورة: (اللهم إني أعوذ بك من فتنة المحيا، وأعوذ بك من فتنة الممات، وأعوذ بك من فتنة النار وعذاب النار، وأعوذ بك من فتنة القبر ومن عذاب القبر). و (سلوا الله لأخيكم التثبيت فإنه الآن يُسأل). وحديث البراء بن عازب الطويل في إثبات عذاب القبر وفي إثبات سؤال الملكين. وقوله ﵎: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧] في عذاب القبر، وفي الثبات على كلمة التوحيد داخل القبر. فحين يأتي هذا الرجل في مسلسله ويقول: إنه لا يوجد عذاب قبر، ولا يوجد نص من القرآن على ذلك، ويختم الحلقة على هذا، فماذا يعني هذا؟! أهو يخاطب الصم البكم العمي؟! لا. ومع ذلك تجد الجماهير مستمرة في السماع. ألا من رجل يغار على أحكام الله! إن جهاز التلفزيون وما يبث فيه سرطان ينخر في جسد الأسرة والمجتمع والأمة، فهو الذي ضيعنا ودمرنا، واقتناؤه حرام، حتى ما يبث فيه من المسلسلات التي يزعمون أنها دينية، من الذي يؤديها؟ أليس ممثلاً داعراً فاجراً كان يمثل عاشقاً في الحلقة الأخرى؟! فهل نرضى أن يمثل دور عمر بن عبد العزيز أو عمر بن الخطاب، أو عمار بن ياسر؟! هذا طعن في هؤلاء السادة العظماء وتحقير لهم، ومع ذلك لم يحرك المسلمون ضد هذا العفن ساكناً. وقد رفعت الشكوى للوزير شخصياً -وزير الإعلام- فقال: (ما الجهاز ليه زرار، مش عاجبك. اقفل) فنقول له: أنتم لماذا تقاومون أصحاب المخدرات؟! أليس كل شخص يعرف مصلحة نفسه، ويعرف أن المخدرات حرام؟! إذاً: اتركه يشرب، وكذلك دع السارق يسرق، ودع شارب الخمر يشرب الخمر؟!! لماذا جعل السلطان إذاً؟! هل كل الخلق يعرفون مصلحتهم؟! هل كل الخلق يمكن أن يقفوا على حدود الله ؟! والجماهير يجب أن تتنبه أن اليهود لا يلعبون، فألف مليون مسلم على وجه الأرض لا يستطيعون أن يقفوا أمام اثني عشر مليون يهودي في العالم كله، لا يستطيعون أن يرفعوا رءوسهم، وتتم المجزرة أمام أعينهم كما حصل في البوسنة والهرسك، وأريقت دماء الآلاف المؤلفة من المسلمين، وحتى الآن لم يستطع المسلمون أن يصدروا قراراً بضرب الصرب، القضية واضحة جداً. نقول: إن النفاق يوجد في حال قوة الإسلام، أما في حالة الضعف فلا نفاق، وإنما كفر صريح، إذا ضعف الإسلام وجدت الكفر ظاهراً جداً، وصوته عالياً، وحينما يكون الإسلام قوياً جداً يظهر النفاق، والآن الكفر طافح صريح، والأحداث الجارية مؤلمة جداً، صار الإنسان لا يدري من أي سهم يتألم، وأي سهم يرد: تكسرت النصال على النصال ولو كان سهماً واحداً لاتقيته ولكنه سهم وثانٍ وثالث فهل نرد سهم المسلسلات الهابطة التي تنخر في جسد الأمة، أم قتل المسلمين وهم سجد ركع، أم سهم البوسنة والهرسك، أم سهم إرتيريا؟! فيا ترى أي السهام أشد إيلاماً من صاحبه؟! سهام كثيرة جداً والمسلمون مع ذلك لا يتنبهون: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨] في الجحود والنكران، ﴿ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨] في هذا الفتور رغم الحريق المشتعل. أنا كنت أتصور أن الإنسان يكون فاتر الهمة إذا كانت الأحداث فاترة، لكنها قوية جداً، ورد فعلنا -نحن المسلمون- لا يساوي الأحداث الجارية. فالواجب أن نربي أولادنا على صد الكفر ومكر اليهود، فأولادنا يقعون ضحية المخدرات، والتطرف الديني أهون ألف مرة من التطرف الدنيوي، وحينما يتطرف المرء في دينه فذلك أفضل من أن يشرب المخدرات -والمخدرات قد طفحت في المدارس، والجامعات، والبعثات التي تذهب إلى إسرائيل- وأفضل من الوقوع في الفاحشة والإصابة بالإيدز؛ كما حصل لسبعين من كفر الشيخ هنا ذهبوا في بعثة ورجعوا يحكون عن الليالي الحمراء، وقد عشعش الإيدز في أجسادهم، وبهذا تقتل الأجيال القادمة. وقد قرأت في مذكرات أحد الساسة الإسرائيليين أنهم كانوا قد نشروا أسرار حرب سبعة وستين قبل وقوع الحرب بخمسة عشر يوماً في الجرائد الأوروبية، وبعدما حصلت الحرب سألوهم عن ذلك، لأن نشر أسرار الحرب على جريدة يعني أنها مناورة لا أقل ولا أكثر، ولا يمكن أن تكون خطة حرب، فلما وقعت الواقعة سألوهم عن هذه الجرأة، فكان ردهم: (إن العرب لا يقرءون وإذا قرءوا لا يفهمون). وما صرنا إلى هذا إلا بعد أن تركنا ديننا وخالفنا أمر ربنا، وإلا فالمسلمون هم أهل العقول النيرة، وأذكى الناس هم المسلمون، لكن العرب هم الجنس الوحيد الذين لا يصلحون إلا بدين، فغيرهم يصلح بغير دين، لكن العرب لا يصلحون إلا بدين، ويعرف هذه الحقيقة من قرأ التاريخ. فقد كانت قبل الإسلام قبائل متناحرة لا قيمة لها، فلما جاء الإسلام فجر طاقاتهم، ولم شملهم، وجعلهم قادة أمم، ولا يمكن أن يعود للإسلام مجده إلا من بلاد العرب، ولا يمكن أن يخرج من بلاد الغرب، بدلالة النصوص الكثيرة، فالعرب هم الشجعان بالإسلام، وبلادهم مهبط الديانات. فهل يتصور لو قامت حرب أن أي أمة تستطيع أن تقاتل قتال العرب المسلمين؟ أبداً. لا يمكن ذلك، لذلك في حرب الخليج قدموهم. إننا نحتاج إلى يقظة، فكل امرئ حجيج نفسه، أنت رب بيتك، فما الذي يمنعك من الإصلاح؟! ما الذي يمنعك؟! فالحكومة ليس لها دخل في بيتك، ما الذي يمنعك أن تصلح بيتك؟! ربِ أولادك، فالجيل القادم سيمكن له إن شاء الله، أما جيل آبائنا فقد شرب كل الهزائم، لذلك هو غير مستعد للتضحية، والتضحية عنده جنون، ومن الطبيعي في هذه الحالة أن لا ينتصر الإسلام بنا، لكن إذا تربى أبناؤك على التربية الصحيحة، فالوضع يختلف، والمسألة مسألة وقت فقط، وسوف يمكن الله لهم. الإنسان عندما ينظر للمسلمين في بقاع الأرض يشعر بحسرة، فأين الحرارة التي كانت موجودة -مثلاً- عند الشيخ محمد رشيد رضا ﵀؟! فقد كان هذا الرجل مهموماً بالمسلمين دائماً، رأته أمه يوماً مكتئباً في ذات صباح، فقالت له: يا بني! مالك، أمات مسلم في الصين؟! رجل همومه تتجاوز -لا أقول: مصالحه الشخصية- إنما تتجاوز بلده إلى البلاد الأخرى، فقد كان نبيلاً ذا همة. لو أن فينا ثلة من طراز الصحابة لفتح الله بنا، ولكننا ما عَبَّدنا أنفسنا لله كما ينبغي. واعلم أنك لن تحكم العالم وأنت عاجز أن تقيم أسرتك على طريق الله، خمسة أفراد لا نستطيع أن نضبطهم على أمر الله فكيف سنقود أمة؟! إذا عجزت أن تقول للولد: صل، وللمرأة: البسي الحجاب، فأنت إنسان عاجز، وتعجز بداهة عن الأقوى والأكثر، نحن نحتاج إلى تجديد العهد الذي بلي، وإقامة شرع الله في حياتنا: بأيمانهم نوران ذكر وسنة فما بالهم في حالك الظلمات رئيس تحرير جريدة الوفد يكتب بالخط العريض: القرآن غير صالح لكل زمان ومكان! فهو يطعن في هيمنة الكتاب المجيد، والله حكم أنه مهيمن على كل الكتب السابقة، وقال: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨]، وهو يقول: غير صالح، فلا نفاق الآن -ك

стр. 51

قصة فتح عمورية الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا اله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قصة فتح عمورية قصة مشهورة، وكلنا نعرفها، لكن في وقت الضعف يحتاج الإنسان لمن يذكره بانتصارات المسلمين، وقصة فتح عمورية تتلخص في: أن رجلاً يهودياً كشف عورة امرأة مسلمة، فقالت المرأة: وامعتصماه! وبين المرأة وبين المعتصم بحار ومفاوز، لكن النخوة كانت تجري في العروق، فسمعها رجل مسلم فقطع الفيافي وعبر البحار حتى وصل إلى المعتصم، فقال له: إن رجلاً يهودياً كشف عورة امرأة مسلمة فقالت: وا معتصماه! وكان المعتصم رجلاً تدب النخوة في عروقه، وتجري في دمه، فجرد جيشاً كاملاً وفتح البلد -عمورية- لأن يهودياً كشف عورة امرأة مسلمة. واليوم كل العرايا من نساء المسلمين بسبب اليهود، فهم الذين كشفوا عورات كل نساء المسلمين إلا من عصم الله منهم، وهم قلة، برغم الرجوع الحميم إلى الله في السنوات الأخيرة. فبيوت الأزياء، والموضة كلها يهودية، فهم الذين كشفوا عورات المسلمين، حتى وصل الأمر إلى (الميكروجب والميني جب والميني ميني واللاميني) وصل الأمر إلى هذا. فيجب الحذر كل الحذر.

стр. 52

خطر ذم الصحابة والتنقص منهم وفي الآونة الأخيرة إتماماً لما بدأه الرافضة والمستشرقون؛ نسمع صيحات ولافتات على صفحات الأهرام لإعادة كتابة التاريخ الإسلامي؛ لأن المؤرخين المسلمين -حسب زعمهم- خونة، فقد كانوا يرضون الحكام، فإذا كانت الدولة أموية، شتموا في العباسيين، وإذا كانت الدولة عباسية شتموا في الأمويين، وهكذا خرجوا بأن علماء المسلمين خونة. وأخرجوا كتباً في ذلك، وقالوا: تريدون أن تحكمونا كما حكمنا معاوية؟! إن معاوية بن أبي سفيان، ذاك الرجل الحليم الحكيم الذي حكم المسلمين عشرين سنة وما اشتكى منه أحد، وكان كاتباً لوحي النبي ﷺ ، وقد استخلفه عمر على الشام، وقد كان يضرب به المثل في الحلم والسياسة، وهو داهية من دهاة العرب ﵁. فهم يصورون الخلاف الذي حصل بين علي ومعاوية أنه خلاف دنيوي، ويقولون: هؤلاء هم الصحابة الذين أنتم تريدون أن تتأسوا بهم، هم هؤلاء الذين وردت فيهم الأحاديث المكذوبة -حسب زعمهم-. والمسلسلات الدينية التي ينشرها أصحاب التنوير المزعوم -وفيها بعض الصحابة- يقصد منها تشويه صورهم الجليلة، لأنه حين ينطبع في ذهن المشاهد أن عمار بن ياسر هو فلان الفلاني الذي يمثل في هذا المسلسل، تذهب الأسوة به، فلذلك العلماء يقولون: القضايا العظيمة لا يتكلم فيها إلا بإتقان؛ لأن صورتها تضعف. مثلاً: في قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذا تكلم فيها أي إنسان لا يفقه شيئاً، فالقضية نفسها تذوب، وقيمتها تقل، إنما حين يتكلم فيها الراسخون تظل قيمتها كما هي. الصحابة رضوان الله عليهم يعتدى الآن -وبكل وقاحة- على شخصيات منهم كما حصل في جريدة في مصر، بأن كُتِب: أن أبا هريرة كذاب يكذب على الرسول ﵊، وليس مقصودهم أبا هريرة، وإنما يقصدون سد باب الإسلام وإبطال نقل الوحيين عن هؤلاء الصحابة الكرام، وقد تسمع في غدٍ أن شخصاً آخر غير أبا هريرة يكذب. فالكلام عن الصحابة رضوان الله عليهم واتهامهم بالكذب أخطر على الدين من خطر الإيدز على أصحابه. أمة تهين أسيادها هذه الإهانة تذل والله. إن المجتمع الغربي يلمع أناساً على أساس أنهم عمالقة، وهم سذج أصحاب شهوات وجنس، وأعظم واحد عندهم لا يساوي شراك نعل واحد عند المسلمين، ومع ذلك لا يسمحون إطلاقاً بتشويه سير العظماء عندهم. المهم: أن الخرق اتسع على الرَّاقِع، والمسألة تحتاج إلى وقفة جادة، وهاهو رمضان شهر مبارك قد أقبل، وفيه تعرض أكبر نسبة من البرامج والمسلسلات التي تهدم دين الله ، فأين حرمة رمضان؟! الناس يقبلون على الله ، وهؤلاء ينفقون الملايين في هذا الشهر ليشغلوهم عن عبادة الله، برغم تحذيرات المفتي وشيخ الأزهر واعتراض العلماء على ذلك، لكن ليس له أكثر من أن يعترض فقط. وبقي الأمل على الجماهير، فالمسألة بأيديهم، فأنت ابدأ أول خطوة من البيت، رب ولدك على النهوض بالأمة والدعوة، لأن اليهود يربون أولادهم على خدمة المصالح والأهداف والمبادئ، ففي حرب (٦٧م) كانوا لا ينامون وهم يملكون مائة وعشرون رأساً نووياً، ونحن محرومون من أي مفاعل نووي حتى للأغراض السلمية، وتفتيش دوري، وإسرائيل عندها مفاعلات نووية وتنتج القنبلة الذرية، وهم أربعة مليون فقط، ورحمة الله على الشيخ المطيعي فقد كان يقول: (لو كل واحد منا بصق بصقة لأغرقناهم) أي: اليهود، لكنه الخور، خور القلب. وليس لنا إلا طريق الله ، وقد جرب زعماؤنا كل الطرق الفاشلة، ونحن نقطع أنها فاشلة، فليس هناك إلا طريق واحد فقط لا غير، خير الهدي هدي محمد ﷺ ، وليست الطرق إلى الله كعدد أنفاس البشر -كما يقولون- فالطريق واحد فقط، خير الهدي هدي محمد ﷺ نسأل الله ﵎ أن يرد المسلمين إلى دينهم رداً جميلاً، اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين. اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر. اللهم هيئ لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر.

стр. 53

القلب ملك البدن لقد بين الله أن القلب السليم هو الذي ينفع صاحبه يوم القيامة، فلا ينفعه مال ولا بنون، بل ينفعه القلب السليم من الشهوات والشبهات، فكان لزاماً علينا أن نحافظ على هذه المضغة التي بصلاحها تكون نجاتنا يوم القيامة، وبفسادها يكون هلاكنا يوم القيامة والعياذ بالله. ومادة حياة القلب في اثنتين، المادة الأولى هي: الوحي، وهو الكتاب والسنة، وذلك باتباعهما والاعتصام بهما، والمادة الثانية هي: المحن والابتلاء، فبالمحن يشتد القلب ويزداد الإيمان.

стр. 54

وجوب الاهتمام بالقلب والمحافظة عليه من الأمراض إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها الإخوة الكرام! إن المرء يوزن عند الله بقلبه لا بجسمه، ولذلك دعا إبراهيم الخليل ربه ﵎ بدعوات، أبان لنا بهذه الدعوات أن الأمر كله معلق بسلامة القلب، فقال: ﴿وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٧ - ٨٩]. القلب: هو ملك البدن، وإذا طاب الملك طابت رعيته، وإذا فسد الملك فسدت رعيته، كما قال النبي ﷺ : (إن الأعضاء تكفر اللسان، تقول له: يا لسان! اتق الله فينا فإنما نحن بك، إذا استقمت استقمنا وإذا اعوججت اعوججنا). واللسان هو آلة التعبير عن القلب، فالقلب هو ملك البدن، فمن العجبٍ أن أكثر الناس لا يهتم بقلبه الاهتمام الروحي، من حيث زيادة الإيمان ونقصانه. إنما يهتم بجوارحه. إننا نقرأ في لافتات الأطباء: أن هذا أخصائي أو (دكتور) في أمراض القلب وضغط الدم، وإذا مرض الواحد منا بمرض ظاهري في القلب فإنه يتخذ مستشاراً له، وإذا حدثت أي تغيرات عليه، فإنه سرعان ما يتصل بالطبيب، فيقول له: البصر فيه ضعف، ويوجد أيضاً ضعف في أطرافك، فتراه يتعاهد بدنه غاية التعاهد، هل هذا له علاقة بالقلب، أم لا؟ نحن في أمس الحاجة أن يكون لكل واحد منا مستشار في أمراض القلب وضغط الهم، أمراض القلب التي تتلفه، نحن في أمس الحاجة لهذا المستشار، كلما شعر المرء بقسوة في قلبه، هل فكر أن يتجه إلى عالم من العلماء فيذكر له هذه القسوة مثل ما كان يفعله العلماء الكبار. روى أبو العلي القشيري محمد بن سعيد الحراني، في تاريخ الرقة، في ترجمة ميمون بن مهران، وميمون هذا كان كاتباً لـ عمر بن عبد العزيز ﵁. شعر ميمون بن مهران بقسوة في قلبه، وكان قد تقاعد، فقال لابنه عمرو: يا بني! خذ بيدي وانطلق بنا إلى الحسن، قال عمرو: فأخذت بيد أبي أقوده إلى الحسن البصري، قال: فاعترضنا جدول ماء -قناة- فلم يستطع الشيخ أن يعبرها، فجعلت نفسي قنطرة عليها فمر من فوق ظهري، ثم انطلقت به أقوده، فلما وصلنا إلى بيت الحسن، وطرقنا الباب خرجت الجارية، فقالت: من؟ قال لها: ميمون بن مهران، فقالت له الجارية: يا شيخ السوء ما أبقاك إلى هذا الزمان السوء، فبكى ميمون، وعلا نحيبه، فسمع الحسن بكاءه فخرج، فلما رآه اعتنقا فقال ميمون للحسن البصري: يا أبا سعيد: إني آنست من قلبي غلظة، فاستلم لي -استلم لي: يعني: قل لي شيئاً يلينه أو قل لي شيئاً أصمت له وتزول القسوة التي أشعر بها. فقال الحسن: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء:٢٠٥ - ٢٠٧]، فأغشي على ميمون، فجعل الحسن يتفقد رجله كما تتفقد رجل الشاة المذبوحة، يظن أنه مات، وبعد مدةٍ أفاق، فقالت الجارية لهما: اخرجا، لقد أزعجتما الشيخ اليوم. نفهم من كلام الجارية: أن هذه الآيات فتتت كبد الحسن هو الآخر، وبمجرد ما تلاها انهار هو الآخر، وانخرط في بكاء، حتى قالت الجارية: ازعجتماه، اخرجا. قال عمرو: فلما خرجت بأبي أقوده، قلت له: يا أبي! هذا هو الحسن، قال: نعم يا بني، قال: قلت: كنت أظنه أكبر من ذلك. قال عمرو: فضرب أبي بيده في صدري، وقال: يا بني! لقد قرأ عليك آيات لو تدبرتها بقلبك لأرسلت لها، لكنه لؤم فيك؟ هذه الآيات لا تغادر سمعك حتى تجرح قلبك: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء:٢٠٥ - ٢٠٧]. كل حيٍ سيموت ليس في الدنيا ثبوت حركات سوف تفنى ثم يتلوها خبوت وكلامٌ ليس يحلو بعده إلا السكوت أيها السادر قل لي أين ذاك الجبروت كنت مطبوعاً على النطق فما هذا الصموت ليت شعري أخمود ما أراه أم قنوت أين أملاكٌ لهم في كل أفقٍ ملكوت زالت التيجان عنهم وخلت تلك البيوت أصبحت أوطانهم من بعدهم وهي خبوت لا سميع يفقه القول ولا حي يصوت عمرت منهم قبورٌ وخلت منهم بيوت لم تزد عنهم نحوت الدهر إذ حالت بخوت خمدت تلك المساعي وانقضت تلك النعوت إنما الدنيا خيالٌ باطلٌ سوف يفوت ليس للإنسان فيها غير تقوى الله قوت ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء:٢٠٦ - ٢٠٧]. في أمثالنا في الدنيا، يقول بعضنا لبعض: (من رأى مصيبة غيره هانت عليه مصيبته)؛ لأن الله خلق فينا التأسي، وكل إنسان يتأسى بغيره. قالت الخنساء لما قتل أخوها صخر: ولولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي أي: إنما كانت تسلي النفس عنه بالتأسي، فكلما رأت رجلاً يبكي أو امرأة تبكي على ميت هانت عليها المصيبة. قال الله مخبراً لنا عن هذا الخُلق وأنه لا يكون في الآخرة، فقال ﵎: ﴿وَلَنْ يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف:٣٩]، لا تتخيل أنك إذا دخلت النار فوجدت رجلاً يعذب بجانبك أن هذا يخفف عنك؟ لا. هذا كان في الدنيا، إذا رأيت مصيبة غيرك هانت عليك مصيبتك، لكن في الآخرة لا، فإن هذا الخلق يزول، ولا ينفعك أن ترى غيرك يعذب: ﴿وَلَنْ يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف:٣٩] ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء:٢٠٧]، المتعة: هي جاه أو سلطان أو غير ذلك، فهي لا تنفع المجرم آنذاك: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٨ - ٢٩]. الحسن البصري لما ذكر هذه الآيات، فتتت كبد ميمون، والموت ما ذكر في ضيقٍ إلا وسعه، ولا في واسعٍ إلا ضيقه. جَرِّب: وأنت جالس مع أولادك في جلسة سمر، جرب أن تذكر الموت بينك وبين نفسك، يعكر عليك المتعة. تذكر الموت وأنت جالس مع أولادك، وأنتم تأكلون وتشربون وتضحكون، أول ما تتذكر أنك تحمل إلى دار البلى وتدفن بجانب ابنك في قبرٍ واحد، وهذا لا يشعر بهذا ولا ذاك يشعر بذاك، وهذا منعم، وهذا معذب، ولا أحد يحمل عن أحد، أول ما تتذكر هذا تنغص عليك الجلسة، ويضيق عليك الواسع، ويحطم عليك الآمال، ذكر الموت في المستقبل، ويتذكر أن غداً سيدفن ويتذكر مصرعه، فعندها يضيق عليه الأمر. وما ذكر الموت في ضيق إلا وسعه: أي رجل مبتلى بمرض، وصار هذا المرض ملازماً له لسنين طويلة، فهو يعذب ويتألم منه، لكن أول ما يتذكر القبر، ووحدة القبر، وعذاب القبر والسؤال يقول: ما أنا فيه نعمة؛ فيوسع عليه الأمر، ويخفف عليه المرض. نحن لا نذكر الموت في بيوتنا، فالرجل منا إذا قال لامرأته: إذا أنا مت تقول: لا تكمل الله يطول عمرك، يطول عمره إلى متى؟ دعيه يوصي، أقول: إذا أنا مت، افعلي كذا وكذا ولا تفعلي كذا وكذا. فقد أصبح ذكر الموت في بيوتنا غريباً، لا نكاد نذكر الموت أبداً، كأننا لا نعد له، وإذا ذكر الرجل الموت، يقولون: يوم نكد، الله المستعان عليه، ضيع علينا المتعة. قابل رجلٌ الإمام أحمد ﵀ فقال له: أطال الله في عمرك، فقال له: سألت الله في آجالٍ مضروبة. أي: سألت الله في أجلٍ مضروب مقسوم.

стр. 55

مادة حياة القلب: الوحي والمحن إن مادة حياة القلب في اثنتين: في الوحي: كما قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال:٢٤]، -فحياتك في الوحي قرآناً وسنة- ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٢٤]، هذه مادة الحياة الأولى. ومادة حياته الثانية: المحن: تجد أضعف الناس قلوباً هم أهل الترف؛ وبهذا يحصل إشكال يواجه كثيراً من الناس وهو: لماذا جعل الله البلاء قرين الأنبياء وأتباع الأنبياء؟ لماذا لا يمكّن الله لأنبيائه، ويترك السوقة والرعاع من الناس يتطاولون عليهم ويعذبونهم؟ لماذا يخرج موسى خائفاً يترقب؟ موسى ﵇ أكثر الأنبياء تعرضاً للخوف، من حين ولادته إلى وفاته ﵊. ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص:٢١] ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ [طه:٦٧] ﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ [الشعراء:١٤]، لماذا لا يؤمن الله وليه وكليمه. وكذلك الرسول ﵊ يتطاول عليه أبو جهل وأبو لهب، وسفهاء قريش، لماذا لا يمكن له؟ لأن العبد يوزن عند الله بقلبه، فلأن يبتليك في بدنك حتى يستقيم لك قلبك، أفضل من أن يعافيك في بدنك ويضعف قلبك. إذاً حياة القلب في المحن، فالإنسان الممتحن المبتلى من أقوى الناس قلباً، وأضعف الناس قلوباً هم أهل الترف. لماذا صاحب الترف خائف دائماً؟ لأنه سينتقل إلى أقل مما هو فيه، وربنا : قال: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ [الإسراء:١٦]، بعض الناس استشكلوا ظاهر الآية، فقالوا: كيف يأمر الله بالفسق حيث قال: (أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا)؟! فقال العلماء: الآية لها معان: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [الأعراف:٢٨]. أول هذه المعاني للآية: أن الآية فيها أمر، أمرنا مترفيها: يعني: بالطاعة: فبدلوا. المعنى الآخر والأقوى في الآية: أن (أمرنا) بمعنى (كثرنا)، وهذا المعنى وارد في كثير من الأحاديث، مثل الحديث الذي رواه البخاري في مطلع صحيحه، من حديث ابن عباس (لما ذهب أبو سفيان إلى هرقل، وأراد أن يؤلب هرقل على أتباع النبي ﷺ ممن هاجر إلى هرقل. قال أبو سفيان: فسألني هرقل عدة مسائل: المهم بعدما أجاب أبو سفيان على أسئلة هرقل، وعلت الأصوات في الجلسة، قال أبو سفيان: لقد أَمِر أمرُ ابن أبي كبشة) أمِر: يعني: فشا وذاع، ومنه قول النبي ﷺ : (خير المال تركةٌ مأمورة)، مأمورة: يعني: كثيرة النتاج. فبالله عليك: تصور منطقة من المناطق كل أهلها أو غالبهم مترفون فسقة -مترف وفاسق في نفس الوقت- ما الذي تتصوره؟ يطلقون العنان لشهواتهم! لذلك العلماء لما تنازعوا: أيهما أفضل: الفقير الصابر أم الغني الشاكر؟ انفصل محققوهم: على أن الغني الشاكر أفضل، قالوا: لأن الصبر في أهل الفقر كثير، والشكر في أهل الغنى قليل، قلّ مَا تجد غنياً شاكراً يقوم بحق الله في المال، والمال وسيلة الطغيان، فقالوا: إن الغني الشاكر أفضل، لا يقوم بشكر المال إلا أفذاذ من الرجال. حياة القلب في المحن، فإذا أصبت بمصيبة فلا تخف ولا تجزع؛ فإن الله أراد سلامة قلبك، وفي نفس الوقت، يجب أن تسد على قلبك باب الهوى، كل منفذٍ إلى القلب سده، منافذ القلب: الحواس: الذوق، والشم، والسمع، والنظر، فالجوارح لها طريق إلى القلب، وهي تتفاوت في ذلك. قال ﷺ : (أكثر ما يدخل الناس النار: الأجوفان: الفم والفرج)، اعلم أن مدة بقاء الطعام في فمك ثلاثون ثانية فقط، وتنتهي لذة الطعام، ولكن تجد كثيراً من الناس يحرص في هذه الدنيا على كثرة الأكل. والمثل المشهور: (نحن نعيش لنأكل)، فجعل حياته كلها مطعماً، يشتغل فترة، ويشتغل فترتين وثلاثاً لماذا؟ ليوفر المال الذي يشتري به ما يريد من الطعام، فهذا همه. هذه اللذة والمتعة التي ضيعت عليك قلبك هي لذة نصف دقيقة وهي مدة بقاء الطعام في فمك، فلو أنك ألغيت هذا الباب استرحت ولربما رضيت بالفتات.

стр. 56

نماذج من صبر العلماء على المحن وخوفهم من فساد قلوبهم لما ابتلي الإمام أحمد في المحنة المشهورة، وجلد ثلاثمائة جلدة في يوم الإثنين وهو صائم، دخل عليه عمه، فقال: يا أحمد قلها- أي: أجبهم إلى ما يريدون- يعجبك المكان الذي تنام فيه، وهذا الطعام الدون الذي تأكله. فقال له يا عم: إنما هو طعامٌ دون طعام، وكساءٌ دون كساء، وإني عرضت نفسي على السيف وعلى النار، فلم أتحمل النار. وظل الإمام أحمد سنتين والقيد في رجله، إذا أراد أن يصلي خلع القيد وصلى، وبعدما ينتهي يضع القيد في رجله، امتثالاً للأمر. إنما هو طعام دون طعام وكساءٌ دون كساء، وإنما هو وقت معدود معلوم، فالدنيا خطوة رجل، هذا المسجد الذي نصلي فيه الآن كان مقبرةً للذين سبقونا، كما قال الله : ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا * أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات:٢٥ - ٢٦]، (كفاتاً): مأخوذ من الكفت وهو الجمع، وكما تقول العوام: (الكفتة) وهي التي تجمع من أخلاط وتفرم مع بعضها، أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا، يعني: جمعناهم على ظهرها، ثم جمعناهم في بطنها. خفف الوطء، فما أظن أديم هذه الأرض إلا من هذه الأجساد. ما من مكانٍ في الأرض إلا كان قبراً لرجلٍ سبقنا، إذاً: هي خطوة، ثم تلقى الله . سفيان الثوري مات هارباً: أرادوا أن يولوه القضاء فهرب؛ لأن القضاء تبعاته كبيرة، فخاف أن يأتي الله بمظالم العباد، فبحث الخليفة عنه فلم يجده، ومات سفيان الثوري ﵀ في بيت تلميذه عبد الرحمن بن مهدي، وكان معه في لحظة الموت تلميذه الآخر: يحيى بن سعيد القطان، كان سفيان الثوري نائماً واضعاً رأسه في حجر عبد الرحمن، ويحيى بن سعيد القطان عند رجليه، وفجأة انخرط سفيان في بكاءٍ عميق، فقال له: يحيى بن سعيد: ما يبكيك يا أبا عبد الله، ألست تقدم على الذي كنت تعبده؟ الذي أفنيت حياتك فيه ولأجله، فأنت قادم عليه، وتخرج من الضيق إلى السعة، وأنت ممن قضى حياته في عبادة ربه، أتخشى ذنوبك؟ فأخذ سفيان الثوري تبنة -قشة من على الأرض- وقال: لذنوبي أهون عليّ من هذه، إنما أخشى سوء الخاتمة، ما أخشى ذنبي، إنما أخشى سوء الخاتمة. سفيان العابد الزاهد الورع الكبير، يقول: أخشى سوء الخاتمة، لا يزال المرء يذكر الموت والبلى فيرق قلبه، فينتفع به، ألم يقل النبي ﵊: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكر بالآخرة)، فكل طريق يفيد القلب يفسده سده، حتى تنتفع بالوحي؛ فإن صاحب الهوى لا ينتفع بالوحي، قال ﵎: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [القصص:٥٠]، إما وحيٌ وإما هوى، صاحب الهوى لا ينتفع بالوحي، وإذا أردت أن تنتفع فسد كل طريق يفسد القلب، سواء عن طريق الذوق أو طريق الشم. قال النبي ﷺ : (أيما امرأةٍ خرجت مستعطرة فشموا ريحها فهي زانية، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه)، كم أردى هذا الشم من رجال، فلو أنه أغلق هذا الباب على نفسه استراح قلبه من عناء التصور، واعلم أن السمع والنظر هما أخطر طريقين إلى القلب قاطبةً. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

стр. 57

مفسدات القلب وطرق الوقاية منها الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن، والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أخطر طريقين إلى القلب يفسدانه هما: السمع، والنظر، كما ورد في صحيح البخاري ومسلم: أن النبي ﷺ قال لـ أنجشة، وكان يحدو الإبل، وكان يركب بعض هذه الإبل بعض أزواج النبي ﵊، وكان أنجشة حسن الصوت جداً، ومعروف أن الإبل إذا حدوت خلفها جدت في السير، فقال ﵊: (رويدك يا أنجشة رفقاً بالقوارير)، القوارير في هذا الحديث هن النساء، والقارورة أرق الزجاج وأخفه، وأسرعه كسراً، (رفقاً بالقوارير). وفي مستدرك الحاكم، بيان لمعنى هذا الأمر: وذلك أن النبي ﷺ خاف على زوجاته من حسن صوت أنجشة هذا أحد المعنيين في الحديث، خاف على زوجاته من حسن صوت أنجشة، وهن زوجاته وأمهات المؤمنين، العفيفات المؤمنات، خاف عليهن، فكيف يترك الرجل امرأته وبناته يستمعن إلى الخنا في ألفاظ الغناء، وهو يأمن عليهن؟! والله لقد رأيت عشرات بل مئات المشاكل كانت سبباً في انهدام بيوت بأكملها، والمشكلة هي الاستماع إلى المحرمات. رجلٌ له مركز مرموق، جاءني يوماً وقال: إن امرأتي تطلب الطلاق، وأنا متزوجها منذُ خمسة وعشرين سنة، وأولادي في الجامعة، وله منصب عالٍ. يعني: أن طلبها الطلاق منه يهز منصبه؛ لأنه يعتمد على سمعته في هذا المنصب، وهي مصرة على الطلاق. لماذا يا أخي؟ قال: بدون أي أسباب. واستمرت المشاكل بينهم فترة ستة أشهر، والمرأة كل يوم تهينه وتسبه حتى ترغمه على الطلاق، وهو صابر محتمل لأجل الأولاد ولأجل السمعة، ولم يجد بداً في النهاية من تطليقها، وبعد انقضاء العدة بيوم واحد تزوجت المرأة، فجاء الرجل وقد تغير وجهه. فقال: تصور أن المرأة تزوجت، وهل تدري بمن؟ قال: بأعز أصدقائي، تعرف أن صديقي هذا كنت وأنا غائب آذن له في دخول البيت؛ فخانني، كنت أوصي امرأتي وأقول لها: لو جاء فلان: أدخليه في (الصالون) حتى آتي، فكان يخلو بها الساعة والثنتين والثلاث والأربع والله أعلم ماذا يجري؟! وكما يقولون: يذهب الشوق ويبقى الحب والاحترام. يعني: أن البعض أول حياته الزوجية يكون مقبلاً على امرأته، يسمعها كلاماً جميلاً، وبعد ذلك يبدأ الكلام الجميل يذهب، والرجل ليس كلما دخل على امرأته قال لها: الدنيا من غيرك لا تساوي شيئاً، كأنه لا يعرف إلا هذا الكلام، لقد كان يقول هذا الكلام في أول شهرين أو ثلاثة أو أربعة أو سنة أو سنتين وانتهى، ويبقى الاحترام والمودة والمعاملة بالمعروف. ليعلم أن المرأة محتاجة لهذا الكلام، فبسبب خلو الحياة الزوجية من الثناء المتبادل بينهما تجد الرجل يقول: والله أنا تعبت مع زوجتي، وأبحث عن الراحة والسعادة، وهي تقول: والله وأنا تعبت مع زوجي، ولم يعد يقول لي الكلام الجميل الذي كان يقوله لي وبدأ الرجل بعد خمس وعشرين سنة مع زوجته الأولى يبحث عن أخرى. يعني: أن المرأة الأولى صار سنها ثلاثة وخمسين سنة، ما بقي من الكرم إلا الحطب. الرسول ﵊ قال: قارورة، يعني: أن المرأة يستطيع أي رجل يحسن الكلام أن يستميلها، ولو كان زوجها من أفضل الأزواج، فهي معرضةً لذلك، والنبي ﵊ يقول: (يا أنجشة رويدك رفقاً بالقوارير)، يخشى على قلوب زوجاته العفيفات أمهات المؤمنين، أن تتأثر بهذا الحداء الجميل الذي ليس فيه خناً ولا فجور ولا فيه شرك، لا يحلف بعينيها ولا يحلف بحياتها، وإنما هو كلام جميل موزون، ومع ذلك خشي عليهن، وخشي على قلوبهن بأن تنصدع بهذا الصوت الجميل، فهذا خطير جداً، أغلق هذا الطريق عن القلب تستريح كثيراً. ثم النظر وهو أخطر الطرق كلها، فكم أردى من قتيل؛ ولذلك النبي ﷺ كما رواه الدارمي في سننه، قال: (إذا رأى أحدكم المرأة تعجبه فليأتِ أهله، فإن معها مثل الذي معها)، خَلْقٌ واحد، إنما هو الحلال والحرام، والعلماء لهم قاعدة تقول: (ما منع سداً للذريعة أبيح للمصلحة الراجحة)، النظر ليس ممنوعاً لذاته، إنما هو ممنوع لما يجلبه من الفاحشة بعد ذلك، فأمر الله المؤمنين أن يغضوا من أبصارهم حتى لا يقعوا في الزنا. إذاً: منع النظر إلى النساء سداً لذريعة الزنا. أما لو وجد في النظر مصلحة راجحة كالنظر إلى المخطوبة، كرجل أراد أن يخطب امرأة أجنبية، فالأصل أنه لا يجوز له النظر إلى المرأة الأجنبية، لكنه يريد أن يحطب ويختار شريكةً لحياته، فيقال له: النظر الذي منعناه سداً لذريعة الزنا أبحناه لك في هذا الموضع؛ تحقيقاً للمصلحة الراجحة؛ لأن النبي ﵊ قال للمغيرة بن شعبة لما قال له: (إني خطبت امرأة من الأنصار، قال: هل نظرت إليها؟ قال: لا. قال: فانظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما)، يؤدم: أي: يدوم الود. وفي الرواية الأخرى قال: (فانظر إليها؛ فإن في أعين الأنصار شيئاً)، شيئاً: يعني صغراً، كانت عيون نساء الأنصار ضيقة، فلعلها لا تعجب المغيرة، فلماذا يتزوجها بدون نظر وبعد ذلك لا تعجبه فيطلقها، فأباح النبي ﷺ لنا أن ننظر إلى المرأة الأجنبية للمصلحة الراجحة، أما فيما عدا ذلك فسد علينا الباب وحذرنا منه. قال ﷺ : (النظرة الأولى لك) أي: النظرة الأولى ليست ربع ساعة، يبقى ينظر ويقول: أنا في النظرة الأولى، لا. النظرة الأولى ورد تفسيرها في الحديث الآخر، التي هي نظرة الفجأة، رجل يمشي رفع رأسه فوجد امرأة؛ فإنه يغض طرفه، هذه هي النظرة الأولى التي قال النبي ﷺ لـ علي بن أبي طالب ﵁: (فإن النظرة الأولى لك والثانية عليك)، فإذا رفع الرجل طرفه مرةً أخرى إلى المرأة كتبت عليه، وكل هذا لسلامة القلب؛ لأن هذا كله يفسد القلب، ويجعل كل جزء منه في كل وادٍ. فالله اللهَ في قلوبكم؛ فإن العبد يوزن عند الله يوم القيامة بقلبه لا بجسمه، وصدق ابن القيم ﵀، لما قال: (يأتي الرجل البدين السمين لا يزن عند الله جناح بعوضة، ويأت الرجل النحيف تكون ساقاه أثقل في الميزان من أحد؛ لأن الله يزن العباد بقلوبهم). وأقرب مثال إلينا: ابن مسعود ﵁: كان من نحافته لو هبت ريح قوية تكفأه على ظهره، ولما صعد على شجرةٍ ذات يومٍ فنظر إليه الصحابة وضحكوا، فقال النبي ﷺ : (ما يضحككم منه؟ قالوا: يا رسول الله! يضحكنا دقة ساقية، -رجلاه نحيفتان جداً- فقال ﵊: والذي نفسي بيده، لهما أثقل في الميزان من أحد)، إنما هذا لسلامة قلب ابن مسعود. نسأل الله ﵎ أن يحفظ علينا قلوبنا. اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين. اللهم اجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر. اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا. رب آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا وكل ذلك عندنا.

стр. 58

حاجتنا إلى طلب العلم طلب العلم فريضة على كل مسلم، وبالعلم يعبد الله على بينة وبصيرة ولا يشرك به شيئاً، وفضل طلبه عظيم كما اشتهر في الأحاديث والآثار. ولكي يؤتي الطلب ثمرته؛ لابد من التزام الطالب آداب المتعلم مع العالم ومع إخوانه المتعلمين كذلك. ثم لابد له من الإخلاص في الطلب، وعدم التهاون في السؤال عما أشكل عليه، وهناك أمر يعين على التأدب بآداب العلماء وطلاب العلم: ألا وهو قراءة سير العلماء وطلاب العلم من السلف الصالح: كالشافعي وأحمد وغيرهما.

стр. 59

شرح حديث صفوان بن عسال في المسح على الخفين إن الحمد لله تعالى نحمده، ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمدٍ ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالة في النار. اللهم صل على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد، وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد. روى الإمام الترمذي في سننه -وصححه- من حديث زر بن حبيش ﵀ قال: (أتيت صفوان بن عسال المرادي ﵁، فلما رآني قال: ما جاء بك يا زر؟ قلت: ابتغاء العلم، فقال: إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يطلب، فقال له: إنه قد حك في صدري شيءٌُ في المسح على الخفين، وكنت امرأً من أصحاب النبي ﵌، فهل عندك عنه شيء؟ قال: نعم، أمرنا إذا كنا سفْراً -أي: مسافرين- أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، لكن من غائط أو بول أو نوم، فقلت له: هل تذكر في الهوى شيئاً؟ قال: بينما نحن مع النبي ﵌ في سفرٍ، إذ ناداه أعرابيٌ بصوتٍ له جهوريٍ: يا محمد، فقلت له: ويحك، اغضض من صوتك، أولم تُنْه عن هذا؟ فقال: والله لا أغضض، فأجابه النبي ﵌ بنحوٍ من صوته: هاؤم، فقال: الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم؟ فقال ﵊: المرء مع من أحب، فما زال يحدثنا حتى أخبرنا أن لله ﵎ باباً لا يغلقُ حتى تطلع الشمس من مغربها، عرضه سبعون -أو قال: أربعون ذراعاً- جعله الله ﵎ للتوبة).

стр. 60

حسن السؤال نصف العلم فقال له: (إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يطلب)، فقال له زر: (إنه قد حك في صدري شيءٌ في المسح على الخفين)، وفي هذا دليلٌ على مشروعية أن يسأل المرء إذا حاك في صدره شيء، أن يسأل أهل العلم، ولا يسأل أي إنسان له سمت العالم، إنما يسأل أهل العلم فقصة حديث الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفساً، لما أراد أن يتوب، قال: دلوني على أعلم أهل الأرض، فدلوه على راهب فلما سأله: إني قتلت تسعة وتسعين نفساً؛ ألي توبة؟ قال له: لا، فقتله، وفي بعض طرق الحديث قال: (فدلوه على راهب عابد) ومن أخطر ما يقع فيه اللبس عدم التفريق بين العالم وشبيه العالم، فكثير من الناس لا يفرقون بين العالم الحق وبين من يتزيا بزي العالم؛ فيحدث الخلط، فهذا شد رحاله إلى الصحابي الجليل وسأله سؤالاً، وهذا السؤال دل على فقه زر بن حبيش حيث قال فيه: (إنه قد حك في صدري شيءٌ في المسح على الخفين) قال له: (وكنت امرأً من أصحاب النبي ﵌ فهل عندك عنه شيء؟) نِعمَ السؤال! ما قال له: ما رأيك في هذا الموضوع؟ أو أنت ما ترى من فتوى؟ وكما قال القائل: ومن طلب البحر استقل السواقيا. مباشرةً رفع المسألة إلى الرسول ﵊، قال: (هل عندك عنه شيءٌ؟) وكما قيل قبل ذلك: حسن السؤال نصف العلم؛ لأن العلم عبارة عن سؤال وجواب، فإذا أحسن الرجل السؤال خرج الجواب حسناً على مقتضى السؤال، وعادةً تجد أكثر الفتاوى التي تخرج من العلماء الأعلام لا توافق الفتوى الصحيحة، والسبب في ذلك أن السؤال لم يكن صحيحاً. ونحن نقف على فتاوى لبعض العلماء، فنتعجب كيف أفتوا بذلك، لكننا نقف على جواب العالم، ولا نقف على السؤال الذي وُجِّه إليه، وعادةً يكون في الجواب من الخلل بقدر ما يكون في السؤال من الخلل؛ لأن الجواب مع السؤال كالصدى مع الصوت. وقديماً ذكروا أن صبياً خرج إلى الغابة يصطاد فبينما هو يصطاد إذ صرخ، فلما صرخ رجع له صدى الصراخ، فظن أن ولداً آخر في الغابة يغيظه، فقال له: من أنت؟ فرجع له الصوت: من أنت؟ قال: قل لي: من أنت؟ فرجع الصدى: قل لي: من أنت؟ فأخذ غصناً وجعل يبحث عن هذا الولد الذي يحاكي صوته ليضربه، فلما تعب فقال له: إنك حقاً قبيح، فرجع له الصوت: إنك حقاً قبيح، فزاد في غيظه، فجعل يبحث عن هذا الولد، فلما يئس أن يجده رجع إلى أمه كسيف البال حزيناً، فلما رأته حزيناً قالت: ما لك يا بني؟ فحكى لها القصة، فتبسمت الأم، وقالت: يا بني إنه لم يكن شيءٌ مما ذكرت، ذلك صدى صوتك، ولو قلت حسناً لسمعت حسناً! وتعني بذلك حين قال له: إنك حقاً قبيح، فرجع له صدى الصوت: إنك حقاً قبيح، فهو لو قال كلمة جيدة، لرجعت له الكلمة الجيدة أيضاً. فكذلك الجواب مع السؤال كالصدى مع الصوت تماماً، فإذا خرج السؤال سيئاً خرج الجواب على مقتضى سوء السؤال. أما زر بن حبيش فقد سأل سؤالاً يدل على علمه، وهو أنه يرفع السؤال بأن يطلب دليلاً: (وكنت امرأً من أصحاب النبي ﵌ فهل عندك عنه شيء؟)، وكذلك كان جميع علمائنا بحمد الله ﵎، كما أنهم ويتبرءون من مخالفة النبي ﵌ أحياءً وأمواتاً.

стр. 61

الاهتمام بالنفسيات من سمات العلماء هذا الحديث يشتمل على جُملٍ من العلم، أول هذه الجمل: أن الصحابة رضوان الله عليهم كان عندهم من فقه بعلم النفس ما لم يكن عند أي جيلٍ جاء بعدهم، والمقصود بعلم النفس هو تنزيل الكلام على مقتضى حال المخاطب، هذا هو فقه النفس أن تضع الكلمة في مكانها، سواء كانت بشدةٍ أو كانت بلطف، كما قال المتنبي: ووضع الندى في موضع السيف بالعلى مضرٌ كوضع السيف في موضع الندى بمعنى أ، الإنسان الرقيق إذا عاملته بالسيف فهذا مضر، لكن إذا وضعت السيف في مكانه، فحسن وجميل؛ برغم أنه شديد، والشدة في موضعها هي اللطف، كما أن اللطف في موقعه هو كذلك، فأصحاب النبي ﵊ كانوا فقهاء، يظهر ذلك من سؤال صفوان بن عسال المرادي -وهو أحد أصحاب الرسول ﵊ لما رأى زر بن حبيش جاء وقد قطع هذه المسافات لأجل أن يسأل مسألةً، قال: ما جاء بك يا زر؟ قال: ابتغاء العلم، قال له: (إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يطلب). فهذا هو فقه النفس، أن بشره بالجائزة، فطالب العلم الذي يقطع المسافات الطويلة في سبيل طلب العلم، حين يعلم أن الملائكة تضع أجنحتها له رضاً بما يطلب؛ يهون عليه كل شيء. الله ﵎ جبل الناس على أن يعملوا لأجر، لذلك قال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة:١١١]، تصور الحوار الذي دار بين النبي ﵊ في بعض المعارك وبين رجل كان يأكل تمرات قال: (مالي عند ربي إن قتلت في سبيله؟ قال: لك الجنة، فرمى بالتمرات وقال: إنها لحياةٌ طويلة حتى آكل هذه التمرات)؛ لأن الذي يفصل بينه وبين الجنة هو أن يموت، فاستكثر هذه الدقائق التي يكمل فيها التمر، ورمى بها وقال: إنها لحياة طويلة حتى آكل هذه التمرات، ثم قاتل حتى قتل. لو أن الرسول ﵊ لما سأله هذا الرجل وقال له: مالي عند ربي إن قتلت في سبيله؟ فقال: ليس لك شيء؛ هل كان يرمي بالتمرات ويستعجل الموت؟ الجواب لا، إنما لأن هناك نتيجة وجائزة، رمى بهذه التمرات. كما جاء رجلٌ إلى عبد الله بن الزبير أيام حربه مع الحجاج بن يوسف الثقفي، لما ضرب الحجاج الكعبة بالمنجنيق، فجاء رجل كان مشهوراً بالقتال، فقال لـ عبد الله بن الزبير: أنا فارسٌ مغوار، وصنعت كذا وكذا، وجعل يعدد له أمجاده، ما تعطيني إذا قاتلت معك الحجاج؟ فقال: أعطيك كذا وكذا من الأموال، قال: أنقدني، فقال له: عندما نرجع، فتولى عنه الرجل وقال: أُراك تأخذ روحي نقداً، وتعطيني دراهمك نسيئة! فالله جبل الناس على أن يعملوا لشيءٍ لأجر، ولذلك جعل الجنة وجعل النار، وجعل يبشر المتقين بالجنان، ويبشر الكافرين بالنار، كل هذا لأنه جبل الناس على أن يعملوا لشيء، وهذا البحث يظهر بشيءٍِ من التأمل في قوله ﵌: (إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها). (فسيلة) أي: نخلة. لماذا قال: (فليغرسها)؟ لأن الإنسان لكونه لا يعمل إلا لأجل هدفٍ، فإنه لا يغرس النخلة عادةً إلا ليأكل منها من يأتي من بعده من أولاده وأحفاده، فلما تقوم الساعة لن يأكل منها أحدٌ، فلربما تجاوب الرجل مع ما هو مجبول عليه، فيرمي هذه الفسيلة، ويقول لنفسه: من الذي ينتفع بها؟ فيرميها، فكأنه ﵊ قال له: خالف ما جبلت عليه واغرسها. وأضرب مثلاً يقرب المقصود من الحديث: أعرف طبيباً غنياً، وكان عنده عيادتان، وعنده عدة عمارات، وتزوج بابنة خالته وكان شديد الحب لها، والله ﵎ كأنه قضى عليها بالعقم، وهو يريد الولد منها، فدار تقريباً في أكثر دول العالم المتقدمة في الطب، رجاء أن يرزقه الله ﵎ الولد منها، وفي آخر مرة ذهب بها إلى النمسا، رجع وقد قضي على آخر أملٍ له في الإنجاب، فلما رجع جعل يبيع العمارات، وباع عيادة من عيادتيه فلما سئل: لماذا تفعل ذلك؟ قال: ولمن أترك كل هذا؟ هو لو علم أنه عقيم من أول ما تزوج، أو امرأته عقيم من أول ما تزوج، ما كان عنده ذاك الأمل في هذا البنيان ولا هذه الاستزادة من المال، لكنه كان يؤمِّل يقول: لعل الله ﵎ يرزقني ويهب لي مولوداً، فلما علم يقيناً أنه لا أمل في ذلك، صار يبيع كل هذا، وصار يستمتع بالمال ويقول: لمن أتركه؟ إذاً: الإنسان مجبول على حب المكافأة، فـ صفوان بن عسال المرادي ﵁ -وهو فقيه عالم بالنفس- بمجرد أن رأى زر بن حبيش قد قطع كل هذه المسافات حتى يسأل عن مسألةٍ، أعطاه الجائزة الذي تهون عليه كل صعبٍ لقيه في سبيل هذه المسألة.

стр. 62

تبرؤ الأئمة الأربعة من مخالفة الحديث الشريف وما أجمل ما ذكره بعض المعاصرين -وقد توفي منذُ نحو أربعين سنة- في أرجوزة له لطيفة اسمها: أرجوزة المهدي، أو أرجوزة الهدى، فذكر الكلام المنقول عن علماء المسلمين الأربعة في تبرئهم من مخالفة النبي ﵊، فقال ﵀: وقول أعلام الهدى لا يعمل بقولنا بدون نص يقبل فيه دليل الأخذ بالحديث وذاك في القديم والحديث قال أبو حنيفة الإمام لا ينبغي لمن له إسلام أخذاً بأقوالي حتى تعرضا على الكتاب والحديث المرتضى ومالك إمام دار الهجرة قال وقد أشار نحو الحجرة كل كلام منه ذو قبول ومنه مردود سوى الرسول والشافعي قال إن رأيتم قولي مخالفاً لما رويتم من الحديث فاضربوا الجدارا بقولي المخالف الأخبارا وأحمد قال لهم لا تكتبوا ما قلته بل أصل ذاك فاطلبوا فانظر مقالات الهداة الأربعة واعمل بها فإن فيها منفعة لقمعها لكل ذي تعصب والمنصفون يكتفون بالنبي ﵌! بل قال في هذه الأرجوزة -برغم أنه حنفي المذهب-: واعجب لما قالوا من التعصب أن المسيح حنفي المذهب يعني: وصلت المسألة لدرجة الاعتقاد أن المسيح ﵇ حين ينزل سوف يحكم بالمذهب الحنفي، بناءً على خرافة أن المسيح عندما ينزل لا يجد شيئاً من الإسلام إلا فقه أبي حنيفة ﵀، وهذا موجود في صندوق في نهر جيحون، ثم يذهب ليبحث عن هذا الصندوق حتى يتسنى له أن يحكم بالإسلام. كم من سنوات التخلف التي عاناها المسلمون بسبب عدم وقوفهم عند النص الشرعي، لو أننا تبنينا هذا السؤال الذي سأله زر بن حبيش ﵀ لـ صفوان بن عسال المرادي، لقل الخلل، لو أنا نقول: ماذا قال النبي ﵌ في المسألة الفلانية؟ بدلاً من أن نقول: ما فتوى العالم الفلاني في المسألة الفلانية؟ لقل الكلام، ولسقطت كثير من الأقوال التي لا دليل عليها من الكتاب والسنة. لقد أحسن زر بن حبيش جد الإحسان بذاك بقوله لما قال في سؤاله: (وكنت امرأً من أصحاب النبي ﵌، فهل عندك عنه شيء؟) أي: في المسح على الخفين، فقال له: (أمرنا ﵌ إذا كنا سفْراً -أو مسافرين- ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن، إلا من جنابة، لكن من غائطٍ أو بولٍ أو نوم) أي: لكن لا ننزع الخف من غائط أو بولٍ أو نوم.

стр. 63

طالب العلم يتحمل التعب والهوان في طلب العلم وطالب العلم إذا ظفر بعالم فليستكثر، طالب العلم الذكي إذا ظفر بعالم يستكثر من السؤال، فما بالك إذا كان هذا العالم هو صاحب رسول الله ﵌، وطلبة العلم كانوا يتجرعون الهوان أحياناً في استفادة مسألة من المشايخ، فقطعوا مسافات طويلة جداً وقد لا يظفرون. جاء رجلٌ إلى الأعمش ﵀ وقال: يا أبا محمد أنا رجلٌ فقير اكتريت حماراً بدينار لأسألك مسألة، فقال له الأعمش: اكترِ حماراً بدينارٍ آخر وارجع، وأبى أن يجيبه. وجاء رجلٌ إلى يحيى بن معين وقال له: يا أبا زكريا أنا مستعجل، أنا ذاهبٌ إلى بلدي، حدثني حديثاً أذكرك به. قال: اذكرني إذ طلبت مني فلم أفعل، وأبى أن يعطيه. بل اشتُهر عن الأعمش ﵀ أنه كان شديداً جداً على الطلبة، لدرجة أنه كما قال الخطيب البغدادي في "كشف أصحاب الحديث" روي أن الأعمش اشترى له كلباً، مجرد أن يسمع وقع أقدام أصحاب الحديث اقتربوا من الدار يطلق عليهم الكلب، انظر حين يجري أحد كـ شعبة بن الحجاج وسفيان الثوري، هرباً من الكلب، ثم إذا ما الكلب رجع، رجعوا مرةً أخرى إلى بيت الأعمش، لا يملون أبداً، قال الخطيب في الرواية: حتى ذهبوا إليه ذات يوم فلم يخرج إليهم، فدخلوا الدار فلما رآهم الأعمش بكى، قالوا: ما يبكيك يا أبا محمد؟! فقال لهم: قد مات الذي كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر (الذي هو الكلب) وجاءه رجل مرة من سفر، وقال له: يا أبا محمد حديث كذا وكذا ما إسناده؟ فأخذ بحلقه ولصقه في الحائط، وقال: هذا إسناده. وكان إذا حدّث ﵀ لا يحب أحداً أن يجلس بجواره، فجاء رجلٌ من الغرباء، ولا يعرف طبع الأعمش، فجلس بجواره، فأحس به الأعمش وكان كفيفاً، فلما أحس به، صار يقول: حدثنا ويبصق عليه، فلان ويبصق عليه، قال: حدثنا ويبصق عليه، وهم جميعاً يحذرونه أن يتكلم؛ لأنه لو تكلم لقطع الأعمش مجلس التحديث، فكان طلاب العلم يلقون الهوان، والمشايخ بطبيعة الحال ما كان قصدهم الإذلال لمجرد الإذلال، بل كانوا يقصدون كسر الكبرياء والشموخ الذي عند التلميذ، لأن التلميذ إذا جاء إلى الأستاذ وهو يستحضر نسبه ويستحضر أسرته فإنه لا يفلِح أبداً، بل يجب أن يتزيا بزي التلميذ طالما أنه تلميذ.

стр. 64

تواضع الإمام الشافعي وإجلاله لأهل العلم الإمام الشافعي ﵀، كان بلا شك عند جميع العلماء أفضل من محمد بن الحسن الشيباني، فـ محمد بن الحسن الشيباني ليس مجتهداً مطلقاً، حيث كان ينتسب إلى مذهب أبي حنيفة، أما الشافعي فقد كان مجتهداً مطلقاً، ومع ذلك لمّا أراد الشافعي ﵀ أن يأخذ فقه أهل العراق ذهب إلى محمد بن الحسن الشيباني، وجلس أمامه بسمت تلميذ، حتى أن الشافعي -وقد كان يخالف كثيراً من فتاوى محمد بن الحسن - من أدبه أنه لم يبادر بالاعتراض على الأستاذ، لكن إذا قام محمد بن الحسن الشيباني ناظر التلاميذ، وأظهر لهم أنه أخطأ في المسألة؛ لأن فتواه مخالفة للحديث، ويسوق الأسانيد المتكاثرة بأن المسألة خطأ ومخالفة للأثر، فكانوا لا يجدون جواباً، وكان الشافعي يظهر عليهم كل مرة، فشكوا ذلك إلى محمد بن الحسن فعندها قال له: محمد بن الحسن: إنه بلغني أنك تعترض، وأنك قلت كذا وكذا، فناظرني، فقال له الإمام الشافعي: إني أجلُّك عن المناظرة! لاحظ الأدب! قد يكون التلميذ في يوم من الأيام أعلم من شيخه أو أستاذه، لكن لا يحمله ذلك على أن يهضم حق شيخه الذي فتح ذهنه على طلب العلم، مهما كان حجم أستاذه ضئيلاً، فالنبلاء يحفظون الجميل، فقال له: لابد لك من ذلك، فناظره الشافعي فظهر عليه؛ لأن الشافعي كان عنده الاهتمام بالحديث والأثر أكثر من أهل العراق. ثم تناظروا في الماء المطلق، فقال له الشافعي ﵀ بعد انتهاء البحث: (إنكم لتقولون في الماء قولاً) انظر لكلام الشافعي، والحقيقة أنه قال كلمة شديدة في محمد بن الحسن الشيباني، ولكنه صاغ الكلمة في أسلوب جميل، تسمعونه فلا تشعرون أنه طعن فيه، قال له: (إنكم لتقولون في الماء قولاً لعله لو قيل لعاقل: تخاطأ، فقال بقولكم، لكان قد أحسن التخاطؤ). لاحظ، قد تظن أن الكلمة رقيقة، وهي في منتهى الشدة، ملخصها أنه قال له: إنكم لتقولون في الماء قولاً، لو قيل لعاقلٍ: ادَّعِ الجنون، فمثّل دور المجنون، لما فعل أحسن من قولكم في الماء، لاحظ فإنه كلام شديد جداً. وكان محمد بن الحسن الشيباني سميناً بديناً، فكان الشافعي يقول: (ما أفلح سمين قط إلا محمد بن الحسن)، وكان يقول: (إن العلم يُزيل الدهن (لأن المعتاد أن طالب العلم الجيد يكثر من السهر، ومن كثرة استغراقه في الطلب باستمرار يضمر، لكنه مازال محتفظاً بهذا السمن، فمعنى ذلك أنه يأكل جيداً وينام جيداً، وهذا ينافي ما كان عليه العلماء، كما روى مسلم في صحيحه عن يحيى بن أبي كثير قال: (لا يستطاع العلم براحة الجسد)، وطالب العلم يحتاج إلى قوة أكثر للجسد حتى يتحمل روحه الفتية التي تحرمه النوم.

стр. 65

شدة حب الصحابة للنبي ﷺ وفي غزوة الخندق أصاب الصحابة جوع كما في الحديث، فذبحوا داجناً، وعجنوا كف طحين، فأمر النبي ﷺ باللحم، فجيء به فبصق فيه وبارك ثم قال: أين عجينكم؟ فجيء به، فبصق فيه وبارك، قال جابر: فأقسم بالله لقد أكلوا حتى تحولوا وتركوه، وكانوا ألف رجل، وإن البرمة لتغط باللحم كما هي، وإن العجين ليخبزُ كما هو. الشاهد قول جابر: لقد رأيت شيئاً ما لي عليه صبر، مع أنه أيضاً كان جائعاً، لكن من شدة حبه نفى جوع نفسه لما رأى الجوع في وجه الرسول ﵊. وفي صحيح مسلم من حديث عبد الرحمن بن شماسة المهري ﵀ قال: دخلنا على عمرو بن العاص وهو في سياقة الموت، فلما رآنا حول وجهه إلى الجدار وبكى طويلاً، فقال ابنه: يا أبت! ألم يبشرك النبي ﵌ بكذا وكذا؟ قال: فالتفت إلينا وقال: (لقد رأيتني على أطباقٍ ثلاث) أي: مررت في حياتي بثلاث مراحل: (لقد رأيتني وما أحدٌ أشد بغضاً إلي من النبي ﵌، ولا أحب إلي من أن أكون استمكنت منه فقتلته، فلئن متُّ على هذا الحال لكنت من أهل النار، فلما أسلمت جئت النبي ﵌، فقلت: يا رسول الله ابسط يدك فلأبايعك، فبسط يده، فقبضت يدي، قال: مالك يا عمرو؟ فقلت: أردت أن أشترط، قال: تشترط ماذا؟ قلت: أشترط أن يغفر لي، قال: أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله؟ قال: فوالله ما كان أحدٌ أحب إلي قط من النبي ﵌، ووالله ما كنت أملأ عينيّ منه إجلالاً له، ولئن سئلت أن أصفه لكم لما أطقت ذلك، لأنني ما كنت أملأ عيني منه إجلالاً له، فلو متُ على هذا الحال، لرجوت أن أكون من أهل الجنة) من كثرة هيبة النبي ﷺ وإجلاله لم يملأ عينيه من النظر إلى وجهه. فلذلك حين سمع الصحابة رضوان الله عليهم قوله ﵊: (المرء مع من أحب)، طاروا فرحاً، لأنه المحبوب الأعظم في البشر، فما كانوا يحبون أحداً أكثر منه، ولذلك أنس بن مالك قال كما سمعتم: فما فرحنا بعد إسلامنا كفرحنا بهذا؛ لأنهم جميعاً كانوا يحبون النبي ﵌، فآفة الآفات عندنا أننا لا نعظم النبي ﵊ التعظيم الواجب، دعك من أصحاب الدعاوى، فأسهل شيءٍ أن يدعي المرء أنه يحب الرسول ﵊. مرةً جمعني مجلس برجل كان يدخن، فقلت: يا أخي أما تعلم أن التدخين حرام؟ فأخذ نفساً عميقاً وأخرجه من خياشيمه، ثم قال لي: يعني ليس مكروهاً فقط؟ فقلت له: هب أنه مكروه ما يحملك على أن ترتكب مكروهاً؟ ثم بدأ يناقش وهو يدخن دون احترام، بدلاً من أن يطفئ السيجارة حتى يقتنع أحدنا بكلام الآخر أو على الأقل احتراماً لمن يخاطبه. وفي الحقيقة فإنا نجد هذه الأفعال كثيراً؛ لأننا لم نوقر النبي ﵊ ذاك التوقير الواجب الذي كان ظاهرةً ملفتة في جيل الصحابة رضوان الله ﵎ عليهم. نسألُ الله أن يجعلنا وإياكم من محبي النبي ﵌، وأن يرزقنا حبه، وحب من يحبه. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، واعذروني إذا كنت قد أطلت عليكم، فإن الكلام في محبة الرسول ﵊ ذو شجون.

стр. 66

الأسئلة

стр. 67

حكم تكفير من أنكر معلوماً من الدين بالضرورة السؤال هل لابد من إقامة الحجة على من أنكر شيئاً معلوماً من الدين بالضرورة، وكذلك الذي يصدر منه كفرٌ بواح؟ الجواب المعلوم من الدين بالضرورة لا نحتاج إلى إظهار الحجة عليه، لأن معنى (معلوم من الدين بالضرورة) أنه ليس هناك جهلٌ به. نحن مثلاً في ديار تنتسب إلى الإسلام، ما هناك أحدٌ قط يجهل أن الصلاة من فرائض الإسلام، هذا أمر معلوم من الدين بالضرورة. لكن إقامة الحجة واجبة في المسائل التي لا تعلم من الدين بالضرورة، لأنها قد تخفى مثل مسألة التشبه بالمشركين، قد توجد بعض أشياء يُنازع أن فيها تشبهاً بالمشركين، بسبب جهل المتشبه حيث يقول: لا، لا يوجد دليل على أنها من التشبه، فحينئذٍ نثبت أن هذا من التشبه، ونقيم عليه الحجج، لماذا؟ لخفاء معنى التشبه على هذا الإنسان، فإذا أقمنا الحجة التي يكفر تاركها، وتبين لنا أن هذا الإنسان معاند يريد برأيه أن يطعن في نحر النص؛ فلك أن تحكم عليه بما يناسب الحال. لكن إذا كان الأمر معلوماً من الدين بالضرورة -وأنا أركِّز على هذه الكلمة (معلوماً من الدين بالضرورة) - فإقامة الحجة ليست بواجبة، بخلاف ما إذا كان خفياً أو يحتاج إلى بحث، فهذا يجب فيه إقامة الحجة قبل التكفير والله أعلم.

стр. 68

حكم إقامة الحد من آحاد الناس السؤال ما حكم المرتد؟ وهل فعلاً يجوز لغير الحاكم إقامة الحدود؟ يرجى توضيح المسألة، وما هو القول المشهور في ذلك؟ وما تقول في من يقول: إذا سب الرجل النبي ﷺ أمامي أَقتله، أو إذا سجد لغير الله أَقتله؟ الجواب بالنسبة لإقامة الحد ونحن نتكلم عن الواقع. إقامة الحد في الأصل إنما تكون للسلطان ولذي الشوكة أو من ينيبه هذا هو المشهور في كتب أهل العلم، والمسألة مرتبطة بالمصالح والمفاسد، فإذا غاب السلطان، فهناك لفيف من أهل العلم يجوِّزون لأحد الرعية أن يقوم بالحد، بشرط أن لا يترتب عليه مفسدة أعظم من المصلحة الناجمة من إقامة الحد. وأنا أتصور أن مسألة الكلام في جواز إقامة الحد لآحاد الرعية ليست مربط الفرس، إنما مربط الفرس مسألة تقدير المصالح والمفاسد، كثيرٌ من الذين يرون إقامة الحد لآحاد الرعية لا يقدرون المصالح والمكاسب كما ينبغي. لكن سنفترض مجرد افتراض: لو أن آحاد الرعية أقام الحد على رجلٍ بعد إقامة الحجة عليه، وهذا الرجل أصر على ذلك، فاستطاع أن يقيم عليه الحد بغير حدوث مضرةٍ أعظم من إقامة الحدِ جاز له، لكن الواقع يقول: إن إقامة الحد على أي إنسان في ظل الظروف الحالية التي نحن نمر بها يكون فيه من المفسدة ما هو أعظم من قتل هذا الإنسان، أو من جلده أو نحو ذلك. لذلك أنا في اعتقادي وقناعتي بما أراه من الواقع الآن أن إقامة الحد لآحاد الرعية فتح باب لشر عظيم، لذلك إذا غلبت المفسدة على المصلحة يجب أن يتوقف. بالنسبة للسؤال الآخر: إذا سب رجلٌ النبي ﵌ فإن الذي عليه جماهير العلماء أنه يقتل ولو تاب، وتفصيل هذه المسألة في كتاب "الصارم المسلول على شاتم الرسول". وهذه المسألة تختلف عن مسألة السجود لغير الله، قد يجهل الإنسان أن السجود لغير الله ﵎ من الكفر، كما حدث لـ معاذ ﵁، حين جاء فسجد بين يدي النبي ﵊، فقال: ما هذا؟ قال: رأيتهم يسجدون لأساقفتهم، فأنت أولى أن يسجد لك، فقال ﵊: (لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحدٍ، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها). فمسألة السجود لغير الله تختلف عن مسألة سب الرسول ﵊. هناك ثلاثة أشياء يكفر مرتكبها ولا يعذر فيها بالجهل: سب الله ﵎، وسب دين الله ، وسب الرسول ﵊، لأن هذه الثلاثة: توقير الله ، وتوقير الرسول ﵊، وتوقير الدين؛ لا تحتاج إلى علم؛ فنقول: إنه جاهل؛ فنحتاج أن نعلمه أن الله لا يجوز له سبه، وكذلك النبي ﵊، فإذا سب رجلٌ النبي ﵊، فهذا يقتل ولو تاب؛ بخلاف الرجل الذي سجد للصنم، أو سجد للقلم فقيل له: إن هذا شركٌ، أو إن هذا كفرٌ فتب منه، فقال: تبت، فلا قتل عليه أبداً؛ لأنه كان يجهل، بخلاف ما إذا سب فقال: تبت، العلماء يقولون: لا تقبل توبته حفاظاً على جناب الرسول ﵊؛ لأنه إذا فتحنا هذا الباب فيمكن لأي إنسان أن يسب ثم يقول: أنا تُبت، وهو لم يتُب في الحقيقة فيسب، ويقول: أنا تُبت! فحينئذٍ تضيع هيبة الرسول ﵊، مع كثرة السب، فحمايةً لجنابه ﵊ يقتل، فلو تاب حقاً، نفعه ذلك بينه وبين الله، أما إذا لم يتب فقد قتل وسيلقى جزاءه عند ربه، فهناك فرق ما بين المسألتين، والله أعلم.

стр. 69

نصيحة للشيخ حول التخصص في طلب العلم السؤال أجد في نفسي الميل إلى تعلم علم واحد فقط من علوم الشريعة الإسلامية، أما تعلم العلوم الأخرى، فلا أميل إليها؟ الجواب العلوم تتبعض وتتجزأ، لكن عادةً علوم الشريعة قنوات بعضها يؤدي إلى بعض، فإذا تعلم الرجل نوعاً واحداً فقط من العلم، وجهل الباقي فأنا أظن أنه سوف يكون عنده شيء من مزلة الأقدام في ذلك العلم، لكن هو يتبحر في ذلك العلم الذي يحبه، ويكون له مشاركات في العلوم الأخرى، يعني لا أتصور مثلاً رجلاً يتعلم الفقه، ويجهل علم المصطلح تصحيحاً وتضعيفاً، وإلا فعلم الفقه كله قائم على افتراض صحة الحديث، فإذا لم يكن عنده خبر بصحة الحديث من ضعفه، فيستطيع المخالف له أن يهدم دليله، وأن يهدم له حكمه بادعاء ضعف دليل المسألة، وحينئذٍ لا يجد بين يديه دليلاً. ولذلك أنا لا أظن أن هناك رجلاً يستقيم له الأمر في أي علم إلا إذا ضرب بسهم وافر في علم الحديث، لأنه كما يقول أرباب العلوم: علم الحديث علمٌ خادم، والعلوم الأخرى مخدومة، فعلم الحديث ومصطلحه هو مهيمن، فمثلاً: لو أن هناك إنساناً مرفهاً لا يستطيع أن يعيش بغير خادم، فمرض خادمه، فقد يموت من الجوع، فهو لا يستطيع أن يصنع لنفسه طعاماً؛ لأن الخادم هو الذي يفعل له كل شيء، فإذاً حياة هذا الإنسان إنما هي بالخادم، فلو مات الخادم، أو ذهب وتركه؛ فهذا الإنسان لا يساوي شيئاً، كذلك علم الحديث كل علم يحتاج إلى هذا العلم، فأنا أنصحه إذا كان العلم الذي يميل إليه، بخلاف علم الحديث، فله ذلك، لكن لابد من أن يضرب بسهمٍ في علم الحديث حتى يضمن سلامة أدلته، والله أعلم.

стр. 70

تقسيم البدعة إلى بدعة مفسقة ومكفرة السؤال هل تقسيم البدعة إلى بدعة مفسِّقة وبدعة مكفِّرة تقسيمٌ صحيح؟ وما هو الدليل على هذا التقسيم؟ حيث يقول النبي ﵌: (كل بدعة إلخ)؟ الجواب بالنسبة لتقسيم البدعة إلى بدعة مفسِّقة وبدعة مكفرة صحيح، فلا مشاحة في الاصطلاح؛ لأن الفسق والكفر كلاهما من الضلال، فلا تعارض أصلاً، (كل بدعةٍ ضلالة)، فالضلال كلمة جامعة للفسق والكفر، إذاً لا تعارض، إنما الحقيقة الحكم على شخصٍ ما بأن بدعته مفسِّقة أو مكفِّرة، وهذا يكون بالنظر إلى ذات البدعة نفسها، يعني: هل تخرِجه من الملة أم لا؟ فمثلاً قد يبتدع رجلٌ بدعةً، وينسبها إلى النبي ﵌ ويقول: أنا أعلم أنها ليست من الشرع، لكنني أضيفها مثلاً إلى الشارع أو نحو ذلك، فهذا قد يفسَّق، وقد يئول الأمر به إلى الكفر. فأنا أعتقد أن واقع كل إنسان هو الذي يفرق ما بين إذا كان كفَر -أي: خرج ببدعته التي ابتدعها من الشرع- أم ما زال ينتسب إلى الشرع ولكنه فسَق؟ أنا أعتقد أنه لا يوجد حد فاصل تستطيع أن تجعله قانوناً ما بين البدعة المفسقة والبدعة المكفرة، بل الملابسات التي تحيط بذات الشخص هي التي تجعله يلتحق بهذا القسم أو ذاك والله أعلم.

стр. 71

فقه الواقع السؤال هل نحن ملزمون بتعلم فقه الواقع؟ الجواب فقه الواقع كان يسمى على ألسنة العلماء القدامى بفقه النفس الذي أشرت إليه قبل في الدرس، فهو هنا مجمل، والجواب: ليس الإنسان ملزماً بتعلم فقه الواقع، كما أنه ليس ملزماً بتعلم كل شيءٍ في الشرع، بل هناك أشياء هي فرائض الأعيان التي لا يجوز للمسلم أن يجهلها، فيما يتعلق بالتوحيد، وفي عبادته ونحو ذلك، هناك فرائض الأعيان وهناك فرائض الكفايات، فإذا كان كثير من علوم الشرعية -ومنها فقه الواقع- من فروض الكفايات فمن الذي يقول: نحن ملزمون جميعاً أن نتعلمه؟! لكن هذا إذا تعلمه جماعة سقط عن الباقين، وأنا ما أريد أن أخوض كثيراً في المسألة لاسيما كلمة (في الواقع) الآن إذا أطلقوها، يطلقها الذي سيسأل على معرفة واقع المسلمين الآن بالنسبة لأعدائهم، ولا أظن أحداً من أهل العلم يقول أن هذا الباب ليس مهماً، بل هو بابٌ مهم، لكن الاشتغال به عما هو أولى هو الذي يجعل المسألة فيها نظر، إنما ليس المسلمون جميعاً ملزمين بتعلم فقه الواقع؛ لأنه من فروض الكفايات، إذا علمه جماعة سقط عن الباقي والله أعلم.

стр. 72

نبذة عن طلب الحويني للعلم السؤال نرجو من فضيلتكم إعطاءنا نبذة مختصرة عن كيفية طلبكم للعلم؟ الجواب والله لا تؤاخذوني في فتح الجواب عن هذا السؤال، لأن أخاكم ليس بذاك، يعني ما حصّل شيئاً يذكر حتى يمكن أن يقول: أنا! فأنا أعترف بقصوري وقصور باعي وتطفلي علي هذا العلم، وأمثالي لو كان موجوداً في زمن علم لما صلح إلا لأن يحمل إبريق الشيخ، لكن نحن بكل أسف صرنا في زمانٍ نتفاضل فيه بالجهل، بينما كان أسلافنا يتفاضلون بالعلم، فكن يقال: فلان أعلم من فلان، نحن الآن نقول فلان أخف جهلاً من فلان، فأنا أستحيي أن أتكلم لأني ما عندي شيء يستحق الذكر، إنما إذا أردتم أنكم تبحثُوا عن حياة شيخٍ أو رجل يستحق الذكر، فعليكم بالشيخ محمد ناصر الدين الألباني ومن جرى مجراه في هذه الحلبة؛ لأنهم أهلٌ لأن يحتذوا، إنما أنا مثلكم، لا فرق بيني وبينكم إلا أنني أجلس في هذه المنصَّة وأنتم تحتها!.

стр. 73

لابد لطلب العلم من الهمة والمثابرة السؤال ما رأيكم بمن يقول: لن أطلب العلم حتى ألتحق بالجامعة، وهناك سأتفرغ وأهتم وأجد وأجتهد؟ الجواب الذي يظن أن الدراسات الجامعية تؤهله لأن يكون عالماً أو طالب علم فهو مخطئ، إن الكتب الجامعية لا يمكن أن تخرِّج نصف طالب علم، ولا ربع طالب علم، إذا رأيتم طالباً على مستوى عال في بعض هذه الجامعات، فاعلموا أن هذا من جهده في المقام الأول، وأنه خرج عن حيز الدراسة. فالذي يؤجل طلب العلم إلى أن يدخل الجامعة ضيع أحلى سنوات العمر وأفضلها، وكما يقال: التعلم في الصغر كالنقش على الحجر. وأنت لا تضمن أن تكون بصحتك عند دخولك الجامعة، ولا تضمن أن تكون خالياً من المشاكل والمشاغل إذا وصلت إلى الجامعة، ابدأ الآن في طلب العلم، حيث أن الله ﵎ أفاء عليك بالوقت، وأفاء عليك بالراحة، ووسائل المواصلات المريحة، وأفاء عليك بالمال، فتستطيع أن تشتري الكتب، وأفاء عليك بالمواصلات الحديثة كالهاتف والفاكس وهذه الأشياء، وبدلاً من الرحيل إلى الشيخ في أقصى بلاد الدنيا، تستطيع أن ترفع الهاتف وتكلِّم الشيخ، أسلافنا ما كانوا كذلك. دعوني أحكي لكم قصة لـ شعبة بن الحجاج ﵀ أراد أن يتأكد من حديثٍ واحد. وهذه القصة مذكورة في مقدمة كتاب المجروحين لـ ابن حبان، ورواها الخطيب البغدادي أيضاً في كتاب الكفاية من طريق نصر بن حماد أبي الحارث الوراق، قال: كنا بباب شعبة نتذاكر السنة، فقلت لهم: حدثني إسرائيل عن أبي إسحاق السبيعي عن عبد الله بن عطاء عن عقبة بن عامر الجهني أن النبي ﵌ قال: (من توضأ ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية)، قال: فما أن انتهيت من الحديث حتى خرج شعبة من الدار فلطمني فدخل، وكان معه عبد الله بن إدريس، قال: فقعدتُ أبكي، فخرج شعبة فوجدني أبكي، فقال: هو بعد يبكي؟ فقال عبد الله بن إدريس: إنك لطمت الرجل، قال: إنه مجنون، إنه لا يدري ما يحدِّث به، ثم استقبل شعبة الحديث يسرده -سيحكي قصته مع هذا الحديث- قال: (إني سألت أبا إسحاق: هل سمعت هذا الحديث من عبد الله بن عطاء)، ولعلكم تعلمون أن أبا إسحاق السبيعي كان يدلِّس، والمدلِّس يعمد إلى شيخه أو إلى شيخ شيخه فيحذفه، وينظم الرواية بالعنعنة، وكان شعبة شديد النكير على هؤلاء المدلسين، وكان يعلم أن أبا إسحاق السبيعي مدلس، وهو القائل كما صح عنه: كفيتكم تدليس ثلاثة، وذكر منهم أبا إسحاق السبيعي. (فلمّا سمع أبو إسحاق السبيعي كلمة شعبة غضب، وأبى أن يجيب)، فإذاً لابد أنه دلِّس في السند؛ فطالما أنه أبى أن يجيب فيكون قد دلّس؛ لأنه لو كان سمع حقاً لبادر، وقال: سمعت. فقال مسعر بن كدام -وهو إمامٌ ثقة كبير القدر-: يا شعبة عبد الله بن عطاء حيٌ بمكة -إذا أردت أن تتأكد فاذهب إلى مكة- وشعبة أين؟ شعبة في البصرة، أهي مسافة قصيرة؟!! شعبة في البصرة، وعبد الله بن عطاء في مكة، قال شعبة: (فخرجت من سنتي إلى الحج ما أريد إلا الحديث)، قال: (فلما ذهبت إلى مكة دخلت على عبد الله بن عطاء، فإذا رجلٌ شاب فقلت له: حديث الوضوء هل سمعته من عقبة بن عامر؟ قال: لا، إنما حدثنيه سعد بن إبراهيم، وسعد بن إبراهيم هذا مدني يسكن في المدينة، قال: فذهبت إلى مالك -الإمام المشهور- فسألته عن سعد بن إبراهيم فقال لي: ما حج العام -إذاً سيكلِّفه رحلة إلى المدينة- قال: فقضيت نسكي وتحللت وانحدرت إلى المدينة، فقابلت سعد بن إبراهيم قلت له: حديث الوضوء سمعته من عقبة بن عامر؟ قال له: لا، من عندكم خرج -أي: من البصرة-، قلت: من حدثك؟ فقال: زياد بن مخراق، فقال شعبة: حديثٌ مرةً مكي، ومرةً مدني، ومرة بصري، دمِّر عليه لا أصل له. قال: وانحدرت إلى زياد في البصرة وأنا كثير الشعر وسخ الثياب، فقلت له: حديث الوضوء سمعته من عقبة بن عامر؟ قال: ما هو من بابتك، قلت له: فما من بُد، هذه حاجتي، قال له: لا أحدثك حتى تذهب إلى الحمام فتغتسل وتغسل ثيابك ثم تأتيني، فذهب واغتسل وغسل ثيابه وجاء، قال: حديث الوضوء سمعته من عقبة بن عامر؟ قال له: لا، سمعته من شهر بن حوشب، وشعبة كان سيئ الرأي في شهر بن حوشب، قال: شهر بن حوشب عمن؟ قال: عن أبي ريحانة عن عقبة بن عامر، لاحظ كم رجلاً سقط من الإسناد؟ سقط سعد بن إبراهيم، وسقط زياد بن مخراق، وسقط شهر بن حوشب، وسقط أيضاً أبو ريحانة، أربعة سقطوا، مما يبيِّن لك خطورة التدليس، فقال شعبة ﵀: (حديثٌ صعد ثم نزل، دمِّر عليه لا أصل له، والله لو صح هذا الحديث لكان أحب إليّ من أهلي ومالي)، وطبعاً هذا الحديث صح، لكن من طريق آخر غير الطريق الذي وقع لـ شعبة. فهذا مثال رحلة من شعبة بن الحجاج يطوف فيها على بلدان وتعلمون المسافات الشاسعة بين تلك البلدان وبعضها؛ لأجل أن يتأكد من حديثٍ واحد، قد يصيب بعض طلبة العلم المتخصصين الكسل أن يدير قرص الهاتف حتى يتّصِل بالشيخ الفلاني، يسأله مسألة في علم الحديث أو علم الفقه، انظر إلى الهمم!! كان ابن الجوزي يقول: (إنما البكاء على خساسة الهمم) المسألة ليست قلة إمكانات أبداً، أي كتاب مهما كان تستطيع أنك تشتريه، إن لم تستطع أن تشتريه تستطيع أن تصوِّره في الحال، تصور لو أننا في زمن ابن حجر، وأردت أن تنسخ فتح الباري، وكلفت ناسخاً ينسخه لك، تريد أشهراً لنسخه، أما الآن فأنت تستطيع أن تصوِّره في ليلة واحدة، لو وقفت وقفة رجل حازم، وعندنا من الكتب ما لم يكن عند كثير من هؤلاء، ومع ذلك لا نعلم منها شيئاً، هذا بسبب ماذا؟ بسبب التأخر في طلب العلم، تأخر زمان طلب العلم كلما قلت الهمم، والذي يؤجل طلب العلم إلى أن يدخل الجامعة الإسلامية أو غيرها من الجامعات، فليستبشر خيراً أنه لن يكون الذي يحلم، لن يكون ذلك. لو أنفقت في طلب العلم عمرك كله من وقت أن نطقت إلى أن تموت، ولو عمِّرت عمر نوح ﵇ لمُتَّ مليئاً بجهلك، تموت وأنت جاهل فهناك مسائل أنت ما عرفتها. ابن جرير الطبري ﵀، دخل عليه بعض أصحابه يعوده في مرض الموت، فتذاكروا مسألة أظنها في الفرائض، فدعا ابن جرير الطبري بقرطاس ودواة وقلم، وأراد أن يكتبها، فقال له صاحبه: أفي هذا الحال؟ أي: رجل يعاني من مرض الموت، قال له: أَخرُج من الدنيا وأنا عالمٌ بها، خيرٌ من أن أخرج منها وأنا جاهل بها، مع أنه لن يكون عنده من الوقت ما يستطيع أن يفيد غيره بذلك، لكن هي محبة لطلب العلم، الذي يحب طلب العلم يُغلب على حبه، فلا يضيع شيئاً من وقته، وأخيار العلماء كانوا حريصين على الوقت وعلى طلب العلم أشد الحرص وأعظمه. فأنا أنصح هذا السائل إن كان عنده حب للعلم، أن يبدأ من الآن، وكفاه ما ضاع من عمره، فلا ينتظر حتى يضيع سنوات أخرى هو أحوج ما يكون إليها، والله أعلم. مداخلة: إن الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة من أعلى الجامعات الإسلامية، تخرج ما يربو على الألف أو الألفين سنوياً، ولكن كأنهم في خبر من يبحث عن الدنيا ويبحث عن المادة، ولا تسمع منهم إلا القليل القليل الذين فادوا وأفادوا واعتمدوا على الله ﵎.

стр. 74

الإحسان وأثره في التمكين إن الله أمر بالإحسان في كل الأمور، حتى حين يذبح المرء ذبيحته، وأولى الناس بالإحسان هم الدعاة؛ لأن الدعوة إلى الله تعالى شرف للقائم بها، فلابد للداعية من اتخاذ الأسلوب المناسب الذي يمكن له في قلوب الناس، وبالتالي يتمكن من نشر دعوته بين الناس وإيصال الحق إليهم، ولنا في أنبياء الله أسوة حسنة، فقد كانوا يتدرجون في دعوتهم ويتخذون الطرق المناسبة لذلك.

стр. 75

التمكين في القلوب بالمحبة قبل التمكين في الأرض إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد. القرآن الكريم معين لا ينضب؛ لكنه يحتاج إلى إعمال النظر، إذ إن الأمر كما قال عمر بن الخطاب ﵁: (إن القرآن حمالٌ وجوه)، وقد اخترت أن لا يكون الموضوع مباشر مع العنوان، ولكن جعلت هذا الموضوع تأملات في سورة يوسف ﵇، وهذا التأمل خاص بموضوع في غاية الأهمية والحيوية، ألا وهو موضوع الإحسان ومكانه من التمكين للمسلمين في الأرض. سُئل ابن مسعود ﵁ -كما في صحيح البخاري- عن أجمع آية للخير والشر في القرآن؟ فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل:٩٠]، فهذه أجمع آية للخير والشر في القرآن الكريم.
следующие страницы →