← Джавами‘

Джавами‘ · id 7693

دروس للشيخ أبي إسحاق الحويني

أبو إسحق الحويني

Полный текст (1 719 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

معنى شهادة أن محمداً رسول الله ينبغي أن يعلم المسلم الذي يقول: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، أن الشطر الثاني من الشهادة، وهو قولنا: محمد رسول الله، معناه: أن لا متبوع بحقٍ إلا رسول الله ﷺ ، لا شريك له في الاتباع، وأي عالمٍ يأتي بعده إنما نطيعه لطاعته لرسول الله ﷺ ، فهو الأصل، وقد أجمع أهل العلم على أن الرد إلى النبي ﷺ في حياته إليه، وبعد مماته إلى سنته؛ حتى تقوم الحجة على كل الخلائق الذين يأتون من بعده ﵊، وهذا شيءٌ لا نعلم أحداً خالف فيه: أن الرد إلى النبي ﵊ بعد مماته يكون إلى سنته. فترى كيف نقلت هذه السنة؟ وهل يمكن لأحدٍ أن يطعن عليها؟

стр. 1052

كيفية نقل السنة النبوية واهتمام الصحابة ومن بعدهم بذلك نقول بملء الفم: إنه لم يحظ نبيٌ قط من أنبياء الله بعشر معشار ما حظي به نبينا ﵊، ولا نعلم نبياً رزق بأصحابٍ أوفياء نقلوا كل شيءٍ عنه؛ لتتم الأسوة به غير نبينا ﵊، فما من بابٍ من أبواب العلم إلا وفيه أثر، مهما دق، حتى فيما يفعله الناس فطرة، ولا يحتاجون فيه إلى تعليم، كقضاء الحاجة مثلاً، قال اليهود لـ سلمان ﵁: (إن نبيكم علمكم كل شيءٍ حتى الخراءة؟ قال: نعم، علمنا: أنه إذا دخل أحدٌ الخلاء ألا يمس ذكره بيمينه، وأن يستطيب بثلاثة أحجار)، حتى في مثل هذا الأمر، حتى في إتيان الرجل شهوته، حتى في الأكل والشرب ما ترك شيئاً، وكانت أعينهم (كالكاميرا المسجلة) يقولون: (كنا نعرف قراءة رسول الله ﷺ في صلاة الظهر باضطراب لحيته) وحتى لما قرأ في سورة المؤمنون فجاء ذكر موسى وهارون سعل سعلةً فركع، أنه سعل سعلةً فركع. ويخرج جابر بن سمرة خصيصاً من بيته في ليلةٍ قمراء ليعقد مقارنةً بين القمر وبين وجه النبي ﵊، وخرج من بيته لأجل هذا، يقول: (خرجت في ليلةٍ قمراء إضحيان -كان القمر تاماً- فجعلت أنظر إلى القمر تارة، وإلى رسول الله ﷺ تارة، فكان في عيني أجمل من القمر)، ويسجل مثل هذا الحب. ولهم في ذلك أعاجيب في مسألة النقل، بحيث أن الأمر كما قال أبو ذر ﵁: ما من طائرٍ يقلب جناحيه في السماء إلا وعندنا منه علم عن النبي ﷺ . ونقلوا السنة على أوثق راءٍ من الإحكام والاتصال في السند، والدقة في الضبط والحفظ. فالنصارى لا يصلون إلى عيسى ﵇ بإسنادٍ متصلٍ أبداً، ولا يصلون إلى أصحاب نبيٍ أصلاً، والانقطاع في الأسانيد عندهم قد يصل إلى مائة عام، انقطاع بين الرجل وبين شيخه، بين الذي تلقى عنه الكلام، قد يصل الانقطاع إلى مائة عام، إنما نحن معاشر المسلمين نقلنا سنة نبينا ﵊ على أوثق القواعد العلمية، وتعب العلماء في تقريب هذه القواعد كعادة الأصول، الأصول مثلها كمثل هذا الجدار في الترابط والتماسك والقوة، فكل عالم يضع لبنة ويمضي، فهذا الجدار ليس نتاج فكر عالم واحد، إنما هو نتاج فكر مئات؛ بل ألوف العلماء الأذكياء، النابهين، فنقلوا السنة، ووضعوا لنا الشروط والضوابط لقبول الأفراد.

стр. 1053

معارضة السنة بالعقل ومعارضته لها مما يدعو للأسف أن الخلائف عندما جاءوا لم يكلفوا أنفسهم النظر فيما حققه الأسلاف! يا ليتهم نظروا، لكنهم طرحوا هذه الجهود وراء ظهورهم، وطفقوا يعترضون على السنة، كلما نقل إليهم كلام لا يستسيغونه، جعلوا عقولهم حاكمةً على كلام الرسول ﷺ ، وابتكروا أشياء هم لا ينفذونها في واقع حياتهم. يقولون مثلاً: أخبار الآحاد لا تقبل في العقيدة، مع أنهم يقبلون أخبار الآحاد من الكافرين، هذا الذي ينكر الشفاعة الآن، كونها جاءت عن طريق الآحاد، وهذا ليس من مذهب أهل السنة والجماعة، إنما هو مذهب المعتزلة، الذين يخلدون المذنبين أهل الكبائر في العذاب، ويحتجون بحجج واهية قد رد عليها أهل السنة، وما تركوا قولاً لقائل، وأتوا على بنيانهم من القواعد، فيأتي هذا الآن في الوقت الحاضر فيعرض أدلة المعتزلة يحسب أن أهل السنة لم يردوا عليها. لو أن هذا الإنسان أو غيره من المعترضين على السنة بعقولهم، أصيب بمرض وسافر إلى بلاد الغرب، فقال له الطبيب: أنت مريض بالمرض الفلاني، وأنت ستخضع لعلاج مكثف، وتأخذ الأدوية الفلانية، ترى: هل يقول له: أنت طبيب واحد -يعني: أنت فرد- ومن الممكن أن تخطئ في التشخيص، فلو سمحت ائتني بثلة من العلماء الأطباء -عشرين طبيباً، أو ثلاثين طبيباً- ممن يقع بهم التواتر، ويقولون: إنني مريض بالعلة الفلانية؛ حتى أسلِّم لك! هل سمعتم بهذا في العالمين: أن رجلاً ذهب إلى طبيب، فقال له: أنا لا أقبل كلامك، حتى تأتيني بأطباء يبلغ عددهم حدَّ التواتر، ولا يجوز عليهم الخطأ؛ حتى أقتنع بكلامك، وآخذ العلاج؟ ما علمنا أن أحداً قال هذا الكلام! فلماذا يقولونه في أحاديث النبي ﵊؟! وهذا الذي قال له: أنت مريض بالمرض الفلاني رجلٌ كافر، يعني لا ينعقد به خبر، فضلاً عن أن ينعقد به اليقين، ومع ذلك يسلِّمون له، فإذا اعترضنا عليهم بهذا القول اتهمونا بالجهل، وأنه لم يقل أحدٌ بقولنا. ثم يجوزون الأشياء العقلية التي لم يجر عمل الناس عليها، يجوزونها في كلام الرسول ﵊، ويأبونها في كلام الناس وفي أخبار الناس، فمثلاً: هل هناك امرأة معصومة بالنص من الزنا أي امرأة كانت؟! غير النساء اللاتي برأهن الله تعالى وعصمهن من الزنا، نحن نقول: إن العفيفات كثيرات، لكن قد تكون عفيفة وتزل مرة -وهي عفيفة-، وهذا الخطأ قد يرتكب بسبب ضعف الإيمان، ومع ذلك لا يزيل الخطأ اسم الإيمان عنها، فأي امرأةٍ في الدنيا ممكن عقلاً أن تزني، وليس هناك دليل على عصمة هذه المرأة ويستحيل منها الزنا السؤال أليس من الجائز أن يكون الولد الذي تعتقد في نفسك أنه ولدك، يكون ولد رجل آخر أتت به المرأة؟ نحن الآن نتكلم بالعقل مثلما يتكلمون في أحاديث النبي ﵊، فهذا الذي يتكلم في أحاديث النبي ﵊ بهذا العقل المجرد، لو أني قلت له: إن هذا الولد الذي ينسب إليك في الهوية -في البطاقة وفي الأوراق الرسمية- ليس ولدك عقلاً، احتمال أن تكون امرأتك زنت، وهي ليست معصومة من الزنا؛ لأنكر ذلك أشد الإنكار، ولجزم أن امرأته عفيفة، ونحن لا ننكر ذلك، لكن نقول: عقلاً يجوز للمرأة أن تزني، وعقلاً يجوز لأي رجل أن يشك في نسب ولده، لكن هل جرى هذا الكلام بين الناس؟ لم يجر. المرأة تلد الولد ابن سبعة أشهر، ابن ثمانية أشهر، يقول الأطباء: إنه يلزمه أن يدخل الحضانة لمدة شهر، حضانة فيها عشرات الأطفال، فأول ما يولد الولد قبل أن تتحقق من شكله، وقبل أن تعرف أن هذا ولدك تضعه في الحضانة، ويكون له رقم، أليس من الجائز أن تخطئ الممرضة فتأتيك بولدٍ ليس هو ولدك، أو هذا مستحيل؟ جائز عقلاً أم لا؟ جائز عقلاً، فكيف ساغ لك أن تسلم لهذه الممرضة مثل هذا الأمر الخطير، وتأخذ الولد مسلِّماً ومطمئناً مائة بالمائة أنه ولدك، مع أنه جائز عقلاً أن تخطئ الممرضة فتأتيك بغير ولدك. لماذا لا يعمل بهذا؟ مع وجود الفساد العريض المترتب عليه، فلماذا يأخذون هذا الجواز العقلي ويجعلونه في سنة النبي ﵊، يا ليتهم استضاءوا بكلام أهل العلم الأوائل، لكن يأتون بأدلة المعتزلة في إنكار الشفاعة مع أن أهل السنة والجماعة قد ردوا على المعتزلة، أراد أن يعيدها جذعة مرةً أخرى في زمن انتشر فيه الجهل، بحيث قد أصبح الناس لا يعرفون من الدين إلا قليلاً، فتراه يأتي بالآيات المطلقة التي خصصت بسنة النبي ﵊، ويقول: أن لا شفاعة لأحد، إنما هي لله، ويستدل بهذه الآيات يقول تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة:٤٨]، فهذا نصٌ في عدم قبول الشفاعة على الإطلاق، وقال تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر:١٨]، وقال : ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٨]، وقال سبحانه: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [السجدة:٤]، ﴿وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ [الأنعام:٧٠]، ويأتي بهذه الآيات، ويقول: هذه الآيات فيها دليلٌ على أن الشفاعة لا تكون لأحد. فنقول من القرآن: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥] أين ذهبت هذه الآية، وهذا دليلٌ واضح على أن الله يأذن لبعض الناس أن يشفعوا وقال : ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم:٢٦]، إذاً سيأذن لبعض عباده، ويرضى عن شفاعتهم، وقال تعالى: ﴿وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ:٢٣]، إذاً هناك استثناء، وهناك إذن بالشفاعة لمن شاء سبحانه. لماذا طويت هذه الآيات؟ ولماذا لم تبين وتوضع بجانب الآيات الأخرى؟ هذا هو المكر، ينقلون شيئاً ويتركون أشياء، وقد أجمع أهل العلم من أهل السنة والجماعة على قبول الأحاديث المتكاثرة، التي بلغت درجة التواتر العلمي أن النبي ﷺ يشفع، وأن المؤمنين يشفعون، وأن الشهداء يشفعون، ووردت في ذلك أحاديث صحيحة، فما هي المصلحة أن يأتي رجل على طائفة من الأخبار ويأخذها ويترك ما عداها؟ هذه فتنةٌ قديمة أطلت برأسها الآن وقد دحرها أهل العلم قديماً، وانتهت، ثم بدأت تعود جذعةً مرةً أخرى، والسبب في ذلك: غياب حرس الحدود، العلماء الرسميون ليس لهم رد فعل حتى الآن، مع أن هذا العفن يطفح يومياً على صفحات الجرائد والمجلات، وليس هناك رد فعل، وينبغي أن تصان عقائد الناس، ولا يسمح لهؤلاء أن يتكلموا إلا بشهادة تخصص، لماذا يتكلم الكل في دين الله ، ولا يحترمون أهل التخصص؟ العلماء هم الذين يقولون: هذا مستحب هذا واجب هذا مباح هذا مكروه هذا حرام هذا حقهم وملكهم، ومع ذلك يريدون أن ينتزع هذا الحق منهم، ويقولون: الحق هذا يذهب للأطباء، مع العلم أن الطبيب لا يجوز له أن يقول: هذا حرامٌ شرعاً أو هذا حلالٌ شرعاً، لا يجوز له ذلك. الختان فيه أحاديث، وطالب الأزهر من يوم أن أنشئ وهو يقرأ في كتاب الطهارة قول النبي ﷺ : (إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل) ختان الرجل وختان المرأة. وفي صحيح البخاري: (اختتن إبراهيم بالقدوم لما بلغ ثمانين عاماً) ونحن مطالبون بملة إبراهيم، ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل:١٢٣]، فملة إبراهيم تلزم المؤمنين جميعاً رجالاً ونساءً، فإذا كان إبراهيم ﵇ اختتن بالقدوم، فهذا فيه مشروعية الختان للرجال والنساء معاً، إذ الأدلة تعم الرجال والنساء، ولا يقال: هذا للرجال دون النساء إلا بدليل، كأن يقال: ثبت الدليل أن النساء لا يشرع في حقهن الختان. فلما نقلوا هذا إلى غير أهل التخصص أغرى ذلك الجهلة بخطوة أخرى مما جعل امرأة قد بلغت من العمر سبعين سنة، تقول في مقال لها: وبعد أن كسبنا الجولة الأولى في استصدار قانون بتحريم ختان النساء، فأنا الآن أطالب بمنع ختان الرجال. ليس عندها حياء، حتى لو كان لها وجه، ليس عندها حياء حيث تقول: أطالب بمنع ختان الرجال، ومن ثم تتكلم أن هذا أصلاً يؤثر على المسألة الجنسية! امرأة بلغت من العمر سبعين سنة، ما هذا الهوان الذي بلغناه؟! هذا معناه أنها ترتفع على كل رجل يحمل العلم الشرعي في هذا البلد، ومع ذلك لم تعاقب المرأة، ولا قيل لها: لقد تعديت الحدود، كيف تطالبين بمنع ختان الرجال، ولم يرد عليها المهتمون بالشريعة، بل أول من رد عليها الأطباء، لأنهم يعتقدون أن هذا من تخصصهم، مع أنه من خصائص أهل الشريعة بالدرجة الأولى. إن عمل وفعل هؤلاء الملبسة أغرى كثيراً من الجهلة في أن يطعنوا في سنة النبي ﵊، وبدءوا يأتون بالأحاديث التي لا يفهمونها، ولا يعرفون وجهها، ويعترضون عليها، وأسهل شيء عندهم هو أن يقول لك: هذا مكذوب على النبي ﵊. ولو أتيتهم بكل آية لم يؤمنوا؛ لأنه ليس لديهم منهج علمي يتحاكمون إليه، اعلم أن الأخبار تقوم على الصدق والكذب، فالصادق يقبل خبره، والكاذب يرد خبره، والمتوهم نتوقف في خبره حتى نتأكد أنه محق، هنا الضابط العام لقبول الأخبار، فهؤلاء إذا جاء حديث بسندٍ واحد، هذا الحديث كأن يكن في سنده مالك، عن نافع، عن ابن عمر، وهذا إسناد كالشمس، مالك بن أنس الإمام العلم، ونافع مولى ابن عمر، وابن عمر صاحب النبي عليه الصل

стр. 1054

الاعتراض على أحاديث في الصحيحين والرد عليه هذه القصة التي رواها الشيخان عن أبي هريرة ﵁ بإسناد في الصحيحين، من أصح الأسانيد، قال ﷺ : (جاء ملك الموت إلى موسى ﵇ فقال: أجب ربك، ففقأ موسى عينه، فصعد ملك الموت إلى الله، وقال: إنك أرسلتني إلى عبدٍ لا يريد الموت، فرد الله عليه بصره، وقال: اذهب لعبدي فقل له: ضع يدك على متن ثورٍ، فلك بكل شعرةٍ مستها يداك سنة. فلما نزل ملك الموت إلى موسى ﵇ وأخبره بذلك، قال: أي ربِّ! ثم ماذا -بعد هذا العمر الطويل-؟ قال: الموت. قال: فالآن) فيقولون: هذا حديث مكذوب على النبي ﵊، والدليل على كذبه أمور اسمع لتعلم حجم الهجمة الشرسة، وكيف يلعبون بكلام النبي ﵊، قالوا: أولاً: يستبعد هذا من نبيٍ من أولي العزم أن يفقأ عين ملك الموت. ثانياً: أنه صعد إلى الله وقال: إنك أرسلتني إلى عبدٍ لا يريد الموت، فكأن الله لا يعلم ذلك. انظر إلى طريقة الاعتراض! بهذه الطريقة يعترض على كلام الله في الوحي المنزل، قال تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤]، وقال تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت:١٣]، إذن: هو يعترض على الآية بنفس الطريقة التي اعترض بها على الحديث، يقول: كيف يحملون أثقالاً مع أثقالهم، والله يقول: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤]؟ كلام الله المنزل يعترض عليه بمثل هذه الطريقة أيضاً، فهلاّ قرءوا كلام أهل العلم في توجيه هذه الأحاديث، وأنه ليس فيها أي معنى منكر؟ فموسى ﵇ كان جالساً في بيته، فإذا به يرى رجلاً داخل البيت من أين دخل؟ لم يطرق باباً، والنوافذ مغلقة، وإذا بهذا الرجل يقول: أجب ربك. يعني: سلم روحك، هذا معنى الكلام، يعني يريد أن يقتله، يريد أن ينتزع روحه، فدفع الصائل مشروع، أي رجل يدخل عليك ويريد أن يقتلك فقاومه حتى لو أدى ذلك إلى قتله. وموسى ﵇ فعل بهذا الرجل هذا الفعل لكونه دخل البيت بدون إذن، كما جاء عن نبينا ﵊ من أمره بفقء عين الناظر في بيت غير بيته بغير إذن، وهذا حد شرعي، صعد ملك الموت إلى الله وقال: (إنك أرسلتني إلى عبدٍ لا يريد الموت)، رد الله عينه ثم أرسله مرة ثانية، فقال له: أجب ربك، لماذا لم يفقأ عينه في هذه المرة، وفقأ عينه في المرة الأولى؟ لأن ملك الموت ﵇ كان يأتي الأنبياء عياناً كما رواه الإمام أحمد في مسنده بسندٍ صحيح في هذه القصة أيضاً. فلما أراد الله أن يبتلي موسى ﵇، نزل ملك الموت هذه المرة بغير صورته التي يعرفها موسى، فلذلك فقأ عينه، فلما رد الله عليه عينه ونزل بصورته التي يعرفها موسى لم يفقأ عينه؛ علم أن الأولى كانت اختباراً وامتحاناً،؛ لذلك لم يفقأ عينه هذا جواب. الجواب الثاني: أن النبي ﷺ قال: (لم يقبض نبيٌ حتى يخير)، يخيره الله بين الدنيا وبين الآخرة، كما رواه أبو سعيد الخدري في الصحيحين أن النبي ﷺ صعد المنبر يوماً فقال: (إن عبداً خيره الله بين زهرة الحياة الدنيا، وبين ما عنده، فاختار ما عنده. فبكى أبو بكر وقال: نفديك بآبائنا وأمهاتنا يا رسول الله. قال: فتعجبنا لهذا الشيخ لِمَ يبكي؟ وكان أبو بكر أعلمنا برسول الله ﷺ ، وكان رسول الله ﷺ هو المخير) خيره الله بين ما عنده وبين زهرة الحياة الدنيا، فاختار ما عنده. فكل نبيٍ يخير بين أن يلقى الله وبين أن يعيش فهم يختارون لقاء الله، ولذلك في آخر الحديث لما قال: (أي ربِّ! ثم ماذا؟ قال: الموت. قال: فالآن) حينئذٍ خُير أنه يعيش بعدد سنوات شعر العجل، أو أنه يلقى الله، فلما خُير وعلم أن ذلك من عند الله اختار ما عند الله، فلما نزل عليه ملك الموت بغير صورته المعهودة وقال: أجب ربك -يعني: سلم روحك- ولم يسبق أن نزلت علامة، أو علم موسى أن هناك علامة، فظن أنه مفترٍ فعاقبه بفقء عينه، ولذلك لم يفقأ عينه في المرة الثانية. ثم يقول: إن الصالحين لا يكرهون الموت، وهذا خطأ، بل الصالحون يكرهون الموت، وفي هذا يروي الشيخان حديثاً عن عائشة ﵂ أنها قالت: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه. فقالت: يا رسول الله! كلنا يكره الموت) ومعروف أن لفظة (كل) من ألفاظ العموم، بل من أقوى ألفاظ العموم. فهاهي عائشة ﵂ تتحدث عن الكل: (كلنا يكره الموت) فلم يقل لها: لا يا عائشة، ليس كل الناس يكرهون الموت، بل الصالحون يحبون الموت، فلما ترك النبي ﷺ التعقيب عليها في هذا، وترك البيان؛ دل على أنه إقرار منه لها. وأن كل الناس يكرهون الموت، ولكن قال ﵊: (ليس الأمر كما تذهبين إليه -أي: من الفهم- إن العبد الصالح إذا كان في إدبارٍ من الدنيا وإقبالٍ من الآخرة رأى ما أعد الله له من الكرامة؛ فأحب لقاء الله؛ فأحب الله لقاءه. وإن العبد الفاجر إذا كان في إدبارٍ من الدنيا وإقبالٍ من الآخرة رأى ما أعد الله له؛ فكره لقاء الله؛ فكره الله لقاءه). فأي معنى منكر -يا عباد الله- في هذا الحديث حتى يقال: هذا كذبٌ على النبي ﵊، ويتجرأ على الدعوى أن صحيح البخاري فيه أربعمائة حديث مكذوب على النبي ﵊.

стр. 1055

الطعن في أبي هريرة ﵁ والرد عليه لقد صنف رجل كتاباً وسماه: الأضواء القرآنية لاكتساح ما في البخاري من الإسرائيليات، ويطبع في المطابع، ويباع على الأرصفة، وكأن هذه البلاد لا يوجد فيها عالم، ويطبع الكتاب أكثر من طبعة، بل إن كتاب: أضواء على السنة المحمدية، لرجلٍ أزهريٍ فاسد، فصله علماء الأزهر آنذاك من الجماعة الأزهرية، ألف كتاب: أضواء على السنة المحمدية، يتهم أبا هريرة بالكذب على النبي ﵊، ويطبع هذا الكتاب في أكبر دار طبع رسمية في البلد، وهي دار المعارف، ويمر هذا ويباع، ويطبع حتى إلى الآن! فلم يكذب أبو هريرة حافظ الصحابة؟! وهو الذي دعا له النبي ﷺ حيث قال: (اللهم حبب أبا هريرة وأمه إلى عبادك، قال أبو هريرة: فلا يسمع بي يهودي ولا نصراني إلا أحبني) عملاً بهذه البشارة، ومات رسول الله ﷺ وأبو هريرة حافظ الصحابة، ما طعن واحدٌ قط في صدقه يوماً ما. فلم يتكلم عن الصحابة بهذا الهراء؟! وتطبع الكتب في الطعن فيهم، وعدم رد العلماء الرسميين عليهم جناية كبيرة، من الذي يحفظ على الناس عقائدهم؟ لقد بدأ الشك يتسلل إلى الذين لا يعلمون شيئاً. جلست مع بعض الناس وتكلمت معه في هذه المسألة، فقال لي: يا أخي لا يضر السحاب نبح الكلاب. ومثل هذا كثير. كنت أتخيل كل شيء إلا شيئاً واحداً، لم أتخيله قط، وهو أن يخرج من بين أظهرنا رجل يدعي النبوة فيجد له أتباعاً، ممكن أن نصدق أي شيء إلا هذه، يخرج رجل من بين أظهرنا يقول: أنا رسول الله، والرسالة لم تختم، ويجد له أتباعاً! إذاً فكثير من الناس مستعد لقبول الباطل الظاهر، وحماية عقائد الناس أمر واجب، ولابد أن يقف العلماء للذود عن دينهم، ولا يغترون بقول القائل: (لا يضر السحاب نبح الكلاب)، وقول الآخر: يا أخي! صحيح البخاري في السماء، فلا يضر أن يأتي جاهل يتكلم على صحيح البخاري دعه يفضفض هذا هو تعبيره. فلم يتكلم عن صحيح البخاري، ويشكك فيه، ويدعي أن البخاري يروي المكذوبات، فكلما سمع حديثاً قال: وما يدريني لعله مكذوب؟ حتى يأتي ذلك على جميع السنة، فيصبح الناس وليس في أيديهم من البيان الذي امتن الله به على المسلمين، حيث يقول سبحانه: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤]، فإذا جاز أن يلعب بالسنة، وما جاء فيها من البيان والتوضيح؛ فإن الإجمال لا يكفي أحداً، إنكار السنة من حيث التفصيل، وإثباتها من حيث الجملة؛ بدعة قديمة بدأت تطل برأسها الآن.

стр. 1056

الاهتمام بطلاب العلم واجب شرعي إن مما على عموم الأمة أن تفرغ طلاب العلم، فلا ينفقون أوقاتهم في طلب المعاش، بل يتفرغون لإتقان العلم وأصوله؛ من أجل الذود عن هذا الدين، هذا واجب على العوام. أنت أيها التاجر الغني! لا تعرف شيئاً عن الأصول، ولا تستطيع أن ترد عن دينك، اكفل طالب علم، كان طلاب العلم قديماً تكفلهم الدولة، ولهم أعطيات، لذلك كثر العلماء وطلاب العلم في ديار المسلمين، فمع كثرة العلماء لا يستطيع المبتدعة أن يطلوا برءوسهم على السنة ولا يتكلموا فيها. الآن كثير ممن يشار إليهم بالبنان يصعدون المنابر، فيكذبون على النبي ﷺ من حيث لا يشعرون، نصف الأحاديث التي يحفظونها لم يقلها النبي ﷺ ، وهذا رجل محب لله ولرسوله إن شاء الله، ونحسبه محباً لله ورسوله، ومع ذلك يكذب على النبي ﵊، فيرحم الله زماناً سمع فيه شعبة بن الحجاج رجلاً يروي حديثاً منكراً، فقال له: لتنتهين عنه أو لاستعدين عليك السلطان، وكأنه لم ينته فذهب إلى أمير المؤمنين ويقول: إن رجلاً يروي حديثاً منكراً، فيعاقب بالحبس، أو يعاقب بالمنع من التحديث، فيرحم الله ذلك الزمان. إن إيجاد العلماء مهمة الأمة جمعاء، فرِّغ نفسك لطلب العلم، فإن لم تستطع أنت فتعاون مع آخرين في كفالة طالب علم. إننا مقبلون على خطبٍ عظيم، كل يوم يطل برأسه، ونحن نخاف على العوام مما يكتب في الجرائد والمجلات من طعن في الدين، وتشكيك في الثوابت. فإن هذا دين يجب المحافظة عليه، والدفاع عنه، فإذا كانت الحكومات تخصص إذا كانوا حرس حدود لمنع دخول (الهروين) و (الكوكايين) فإن الاعتداء على صحيح البخاري أعظم من دخول هذه الأشياء. لما رسم النبي ﷺ على صورة الخنزير، ولم يتحرك الناس، لأنه في تلك الفترة كان هناك مفاوضات على الأرض، إن عرض النبي ﷺ أثمن من الأرض، فلو أخذت أرض المسلمين جميعاً من تحت أرجلهم لكان أخف ألف مرة من أن يسب النبي ﷺ وفينا عينٌ تطرف. ينبغي أن يظهر هذا المعنى عند الناس، وأن يوالوا رسول الله ﷺ ، وأن يدفعوا هؤلاء الذين يكذِّبون بسنته بلا مستند ولا برهان. بإيجاد خط الدفاع الأول الذين هم في طبقة الفرسان، ونحن نعلم أن الضحايا سيكثرون في هذه الطبقة، الضحايا والقتلى يكثرون في الصف الأول، لكن نمهد للذين يأتون بعد ذلك، وقد هددنا الله ﵎، فقال: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨] في مثل هذا الجحود والنكران تضيع الأمانة: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨]. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

стр. 1057

الرد على الآراء الشاذة سبب في إشاعتها الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن، والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. إن الأصول التي ما اختلف عليها أحدٌ قط من أهل العلم، ولا من العوام، كثرت اليوم الآراء التافهة التي تتناولها، فكثر الكلام في الدين، والطعن فيه، أَوَ كلما قال رجلٌ رأياً تافهاً رددنا عليه؟ كان ينبغي أن لا يرد عليه حتى يموت قوله، لكن المشكلة أنه كلما قال رجل قولاً تافهاً قامت الصحافة والجرائد وأشاعوا هذا القول، وبعد ذلك يقولون: نريد من أن أهل العلم أن يردوا عليها، نريد من أهل العلم أن يقولوا قولهم في الموضوع، مع أنه قول تافه، ليس له قيمة، وما ينبغي أن يلتفت إليه، مثل ذلك الرجل الذي يقول: إن القرآن لم يحدد أن يوم عرفة هو يوم تسعة من ذي الحجة، وأن الله قال: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة:١٩٧] أشهر الحج: شوال، وذو العقدة، وعشرُ ذي الحجة، أي: سبعون يوماً، أو أقل بيومين تقريباً، على حسب الرؤية. إذن بدل من أن يتزاحم خمسة أو أربعة ملايين يقتل بعضهم بعضاً عند الجمرات، أو في طواف الإفاضة، أو طواف الوداع، أو في النفرة من عرفات، فبالإمكان أن نقول: في شهر شوال يحج أهل البلاد الفلانية، وفي شهر ذي القعدة يحج أهل البلاد الفلانية، وفي شهر ذي الحجة يحج أصحاب البلاد الفلانية، وبهذا نتغلب على مسألة الزحام، فبالتالي الذين سيحجون من واحد شوال إلى عشرة شوال يكون يوم عرفة بالنسبة لهم تسعة شوال، ويوم العيد عشرة شوال، وبهذا يكون هناك أكثر من يوم عرفة، وهناك أكثر من يوم نحر! كل هذا لنتغلب على مشكلة الزحام في الحج، مثلما حصل في تونس سنة (١٩٦٤م) حيث صدر قرار -لكن لم يعمل به- بنقل صلاة الجمعة إلى يوم الأحد، هي اسمها: صلاة الجمعة، من أجل يوم الجمعة فهذا قال لك: لا، إن يوم الأحد هو يوم العطلة الرسمية، فنجعل الصلاة فيه؛ لأن يوم الجمعة يذهب الناس لصلاة الجمعة فيتعطلون عن الإنتاج ساعة! فلم يقول هذا الكلام؟ يقول: إن القرآن لم يقل لنا: إن يوم عرفة يوم تسعة ذي الحجة، وأن يوم العيد كان يوم عشرة، لم يرد هذا في القرآن، وإنما جاء في السنة وفيها أحاديث مكذوبة كثيرة؛ فهذا لعله من المكذوب، فنحن نعرض -بدل ما نختلف هل هو صحيح أو ضعيف؟! - عن الكلام هذا، وننظر إلى مصلحتنا! هناك شخص اقترح اقتراحاً وهو: أن بدل الزحام الذي يكون حول الكعبة نقوم بإيجاد آلة سريعة يركب الناس عليها بذلك يكونون قد طافوا الأشواط السبعة في دقيقة واحدة، ويكون الجماعة الذين يركبون آلة السير قد طافوا طواف الإفاضة، وطافوا طواف الوداع، أو طواف القدوم، أو طواف العمرة في لحظات، وينزلون ويأتي غيرهم وانتهى الأمر! الآن هذا الكلام نحن نستخف به، لكن قد يصدر فيه قرار فيما بعد، مثلما نسمع بأن هناك دعوى بتدويل الحرمين، يعني: لا تكون الدولة السعودية هي التي تتحكم فيه، وإنما كل دولة تتحكم في الحرمين سنة، وهكذا. وكل كلام قد يقال هزلاً في يومٍ من الأيام، ربما يصير حقيقة مع انتشار الجهل وغياب العلماء الربانيين، قبل عشرين سنة قرأت عن الدولة البترولية الجديدة، وصار هذا الآن مشروعاً يريدون تحقيقه، وإن لم يستيقظ المسلمون ربما تحقق. ما هي الدولة البترولية الجديدة؟ قال لك: هي عبارة عن دائرة تشمل المنطقة الشرقية السعودية، وجزء من العراق، وجزء من الإمارات، وجزء من الكويت وهي عبارة عن الدائرة التي يوجد فيها البترول، فليس معنى أن (البترول) في أرضك أنك تتحكم في الناس لا، وإنما النظام العالمي الجديد سيهيمن على هذه البقعة ويجعلها دولة حيادية، يقول لك: الدولة البترولية هذه ليست خاضعة لأحد، هذه حق للعالم، وأنا أبوكم (أي أمريكا) فأنا الذي أوزع عليكم التركات، إذا كنت محتاجاً لبرميل نعطيك برميلاً، تحتاج برميلين نعطيك برميلين، وانتهى الأمر، لكن ليس معنى أن (البترول) في أرضك يكون ملكك! الكلام هذا منذ عشرين سنة وهو مكتوب، وبعد حرب الخليج بدأ يطرح نفسه بقوة، أنه لابد من التحكم في مصادر الطاقة في العالم؛ لأنها ليست ملكاً لمن هي في أرضه. هذا كان رأياً ربما قرأه قارئون في ذلك الزمان، فتمططوا ومطوا شفاههم استهزاءً، فأي رأي خطير ربما -مع غلبة الجهل واستدارة الزمان- يكون حقيقة. الآن يقول: يوم عرفة لم يرد في القرآن أنه يوم تسعة، إذاً نقول له: فأين السنة العملية التي أجمع أهل العلم عليها، بل وقال النبي ﷺ : (خذوا عني مناسككم)، وبدأ الحج في يوم ثمانية، وختمه في يوم ثلاثة عشر؟! فلا يحل لأحدٍ أن يقول: إن الحج يبدأ يوم سبعة، ولا يوم ستة، ولا يوم تسعة، بل هو كما وقَّته رسول الله ﷺ ، هل كان يخطر ببال أحدٍ أن يقول رجل مثل هذا الكلام؟! حسن رجل قال هذا الرأي الخطير، وصار يطرح كقضية للمناقشة، ثم يقال لعلماء الدين: ردوا عليه، فيشغلون العلماء بأمور مقطوع بها ومستقرة، متى يصل الإنسان إلى الغاية، إذا كان كلما نادى عليه منادٍ في الطريق وقف له ورد عليه فمتى يصل؟! يا إخوان! لقد بدأت الأصول ينظر إليها ويشكك فيها، الذي لم يكن يخطر على بال أحد في يوم من الأيام أن يناقش فيها، بدأنا نتناقش فيها، وفي هذا حيدة ولفت لأهل العلم عن القضايا الخطيرة التي ينبغي أن يعلموها الجماهير، وإشغالهم بهذه المناقشات التي لا طائل تحتها، كونها معروفة عند الجميع. إن حقوق النبي ﷺ على أمته كثيرة، وهذه الخطبة مقدمة لسلسلةٍ هي: (حق النبي ﷺ على أمته) ما هو هذا الحق، وما الذي ينبغي أن يفعله المسلم تجاه النبي ﷺ . نسأل الله ﵎ أن يعيننا وإياكم على تحقيق الشهادة، وأن يكون الرسول ﷺ هو مصدر التلقي بالنسبة لنا نحن المسلمين. قال ابن مسعود: كنا ضلالاً فجاءنا النبي ﵌ فعلمنا أننا لا نستقل بمعرفة مراد الله ﵎ إلا عن طريق النبي ﷺ ، كان الصحابة أزكى الناس، وكانوا أفهم الناس للمعاني والألفاظ، ومع ذلك (لما نزل قوله ﵎: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢] شق ذلك عليهم، وقالوا: يا رسول الله! أينا لم يلبس إيمانه بظلم؟ فقال: ليس كما تفهمون، ألم يقل العبد الصالح: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]؟ فهذا هو الظلم). قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام:٨٢]، العرب فهموا الآية على مقتضى أساليب العرب، إن النكرة في سياق النفي تفيد العموم، فالنكرة كلمة: (ظلم) - (نكرة) يعني: غير محلاة بالألف واللام- وأيضاً هذه النكرة منفية: ((الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ)) (لم) هذه نافية، هذه النكرة منفية تفيد العموم، يعني: أي ظلم مهما دق ومهما كان صغيراً، يؤاخذ المرء به فهذا الذي فهمه الصحابة. لذلك جاءوا وقالوا: (أينا لم يلبس إيمانه بظلم؟) فصحح لهم النبي ﷺ مراد الله ، حين قال: (ألم يقل العبد الصالح: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣])؟ فهذا هو الظلم المقصود من الآية، فنحن لا نعرف مراد الله ، ولا ما يحبه الله، ولا ما يبغضه، إلا عن طريق الرسول ﷺ . اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين. اللهم اجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر. اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا. رب آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا، وكل ذلك عندنا. وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 1058

حق النبي على أمته [٢] من المعلوم أن طاعة النبي ﷺ فرض، وأنها أحد أركان الإيمان والإسلام، وله ﷺ على أمته حقوق، منها: أن لا تضع في مقابله أحداً ولا تقدم قول أحد على قوله، وأن تجعل محبته ﷺ مقدمة على محبة النفس والأهل والولد. والعلماء رحمهم الله تعالى قد ألفوا الكتب في شمائله وأخلاقه وأوصافه ﷺ . فبدراستها وقراءتها نزداد محبة وموالاة وتأسياً به ﷺ .

стр. 1059

طاعة النبي ﷺ فرض على الأمة إن الحمد لله تعالى نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمدٍ ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. إن من المستقر عند المؤمنين جميعاً أن طاعة النبي ﷺ فرض، وأنها أحد أركان الإيمان والإسلام، قال ﷺ في تعريف الإسلام: (أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله) وبقية الأركان مبنية على هذه الشهادة، فالشهادة هي القاعدة، فلا تقبل صلاةٌ ولا زكاةٌ ولا صيامٌ ولا حجٌ ولا سائر الطاعات إلا بعد أن يسلِّم المرء بأن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله. معنى: أن محمداً رسول الله أي: لا متبوع بحقٍ سواه، كما أنه لا معبود بحقٍ إلا الله، فلا متبوع بحقٍ إلا رسول الله ﷺ ، فلا شريك لله في العبادة، ولا شريك للنبي ﷺ في الاتباع، واتباعنا للعلماء إنما هو من طاعة رسول الله ﷺ ، فإليها المرد في النهاية، كما قال سفيان بن عيينة ﵀: إن رسول الله ﷺ هو الميزان الأكبر الذي يوزن عليه كل أحد.

стр. 1060

عدم وضع أي مخلوق مقابل النبي ﷺ إن أول حقوق النبي ﷺ على هذه الأمة: أن لا يوضع في مقابله أحد، إذ لا يزنه أحد أصلاً، إذاً لا يوضع في مقابله أي إنسان كائناً من كان. هذا ابن عباس أتاه جماعةٌ فجادلوه في متعة الحج، وكان ابن عباس يفتي بوجوب التمتع، فقال له القائلون: إن أبا بكر وعمر كانا لا يريان ذلك، فقال: يوشك أن تنزل عليكم حجارةٌ من السماء، أقول لكم قال رسول الله ﷺ ، وتقولون: أبو بكر وعمر؟!) يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء ترجمون بها؛ وذلك لمجرد أنهم رأوا رأياً لأفضل الناس بعد النبي ﷺ وأزكاهم باتفاق الأمة، ومع ذلك يستعظم ابن عباس أن يوضع أحد في مقابل النبي ﵊، هذا أول حقه علينا. في مجادلات الناس مع الشباب والشابات وهم في طريق الالتزام، تجد كثيراً من الناس إذا أراد الشباب أن يعفي لحيته، وأن يحضر في حلقات العلم الشرعي، وأن يترك التعامل مع البنوك الربوية، وينتقدها فإنهم يقفون أمامه بالمرصاد ولكن دون جدوى، فالشاب ماض بعزيمة، وأيضاً الفتاة التي تريد أن تلبس الحجاب ماضية بعزيمة. وفي الأخير: إذا لم يذعن الفتى أو الفتاة لما يريدون، يقولون له: أنت ليس لك كبير. ليس لك كبير أي: قدوة. أقول: لا والله، هذا له كبير ولا أكبر منه في سائر المخلوقات، وهو رسول الله ﷺ ، بل أنتم ليس لكم كبير؛ لأنكم خالفتم الرسول ﷺ ولم ترجعوا إليه، وطاعته واجبة، ومخالفته تساوي ناراً وعذاباً، فمخالفته ليست بالأمر الهين. فأول شيء عليك أن لا تضع أحداً في مقابله؛ لأنه ﵊ لا يزنه أحد.

стр. 1061

من لوازم تعظيمه ﷺ محبته اعلم يا أخي! أن هذا الحق إنما ينبني على شيءٍ ضروري، وهو: أن تحبه؛ فإن أحببته حققت هذا الحق الذي له ﷺ . روى البخاري من حديث عبد الله بن هشام قال: (كنا مع النبي ﷺ فأخذ بيد عمر، فقال عمر: يا رسول الله! والله لأنت أحب إليَّ من كل شيءٍ إلا من نفسي. فقال له النبي ﷺ : لا يا عمر! حتى أكون أحب إليك من نفسك. فقال عمر -مباشرة بلا تردد-: الآن يا رسول الله، والله لأنت أحب إليَّ من نفسي) الحب هنا ليس حب الطبع، إنما هو حب الاختيار، فإن المرء قد يطبع على حب ولده حتى يموت بسبب حبه، لو أصاب الولد شيئاً فإن الأب يتألم على ولده. روى ابن أبي الدنيا في كتاب: العيال: أن سفيان الثوري سئل لما مات ولده محمد، وكان ولده الوحيد، وكان سفيان الثوري كلما رآه يقول: يا بني! لو مت قبلي لاحتسبتك، وكان يحبه حباً شديداً فلما مات ولده محمد، سئل: ماذا فعلت يوم مات محمد؟ قال: بلتُ دماً. بال دماً من الحزن على ولده. لا سبيل إلى تغيير الطباع فمن المكن أن يحب إنسان إنساناً آخر إلى درجة الهلكة، ويغلب على حبه، مثل حب الوالد لابنه، وحب الطبع لا يحتاج إلى توصية، ولذلك أوصى الله الأبناء بالآباء وليس العكس قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة:٨٣] وقال : ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء:٣٦] وقال سبحانه: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الأنعام:١٥١] وقال الله : ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء:٢٣] وقال جل شأنه: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت:٨] وقال عز من قائل: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا﴾ [الأحقاف:١٥]، ولم يوص ربنا ﵎ الوالد بولده إلا في موضع واحد، قال: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١]؛ لأن الوالد مطبوع على حب الولد، ومغلوب عليه، فمثل هذا الحب المطبوع عليه صاحبه لا يقال له: أحب ولدك. ولذلك ترى الأب عندما يمرض ولده، يذهب ويبحث في أرجاء الأرض عن طبيبٍ يرفع هذه العلة عن ولده بإذن الله، وينفق ماله كله، ويذهب إلى أبعد مكانٍ في الأرض، ثم يموت الولد ويفلس أبوه! لا يندم الوالد على هذا الإفلاس أبداً، ولا يقول: يا ليتني سمعت كلام الأطباء عندما قالوا لي: لا تتعب نفسك، لا أمل. الطبيب يقول له: لا أمل، وهو يقول: الكلمة الأخيرة لله، أنا سأسعى. ويسعى بجد ونشاط، فكما قلت لكم: بعدما يموت الولد يكون هو قد أفلس، ومع ذلك لا يندم أبداً أنه أنفق كل ما يملك على ولده، برغم أنه قد سمع كلام الأطباء أنه لا فائدة. بالمقابل انظر إلى حال الولد مع أبيه المريض الذي طالت علته، والولد ينفق على أبيه من مال أبيه وليس من ماله، ويطوف به على الأطباء، فيقابله صاحب له: ماذا فعل أبوك؟ يقول: ربنا يريحه لماذا؟ لماذا قلت هذه الكلمة؟! إذا كانت كلمة بكلمة قل: الله يشفيه، قل: الله يعافيه، قل لصاحبك: ادع لأبي بالشفاء؛ بالعكس إنما قال: الله يريحه، هو يريد أن يقول: الله يريحني منه، لكنه يستحيي أن يقول ما في دخيلة نفسه. فانظر إلى هذا التباين، ما بين حب الطبع وحب الاختيار! الولد يحب أباه حب اختيار، والوالد يحب ابنه حب طبع؛ لذلك يكون حب الاختيار أعلى في الميزان من حب الطبع؛ لأن معنى الاختيار أنك تتجاوز هواك، يعني: أن هناك مطاوعة بينك وبين هواك؛ لأن هذا حب اختيار. ولذلك قال النبي ﷺ -يبين لنا التباين ما بين الحقَّين-: (لا يجزي ولدٌ والده) مهما فعل الولد، وتخيل كل شيء يمكن أن تفعله لأجل أبيك، فإنك لا تجزيه أبداً إلا في حالةٍ واحدة، إذا فعلتها وهي أن تجد أباك مملوكاً فتشتريه وتعتقه، كما جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يجزي ولدٌ والده إلا أن يجده مملوكاً فيعتقه)، في هذه الحالة الوحيدة التي يستوفي الوالد حقَّه من ولده. إذاً حب الاختيار أمامه عقبات وهي: وقوف الهوى، والنفس، وقرناء السوء، فالنبي ﷺ لما قال له عمر: (أنت أحب إليَّ من كل شيءٍ إلا من نفسي. قال: لا يا عمر! حتى أكون أحب إليك من نفسك) ليس هذا هو حب الطبع لا، إنما هو حب الاختيار، ولذلك بادر عمر مباشرةً، وأعلن أن حب النبي ﷺ أولى من حب نفسه. إذاً معنى الحديث: كأن النبي ﷺ قال: يا عمر! إنك لا تكون صادقاً في حبك لي إلا إذا آثرت رضاي على هواك، ولو كان فيه تلف نفسك هذا معنى الحديث: لا تصدق في حبي إلا إذا آثرت رضاي على هواك، ولو أدى اتباعي إلى هلاك نفسك.

стр. 1062

التزام أمره ﷺ ووجوب طاعته وقد قال الإمام الشافعي ﵀: كل شيءٍ أمر به رسول الله ﷺ فهو في القرآن، وقد ورد هذا في القرآن صريحاً كما في سورة النساء، فأغلبه يدور على هذا المعنى، الذي هو من أول قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء:٥٨] إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [النساء:٦٩] فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩]، فذكر الفعل مع لفظ الجلالة، وذكر الفعل مع الرسول، وأخلاه من أولي الأمر، ولم يقل: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأطيعوا أولي الأمر)، فدلنا ذلك على أن طاعته ﵎ واجبة، وطاعته ﷺ واجبة، وطاعة أولي الأمر خاضعة وتابعة لطاعة الله ورسوله، وليست مستقلة، فأوجب علينا ﵎ هذه الطاعة. ثم قال بعد ذلك: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء:٦٦ - ٦٨]. يعني: لو أن الله كتب عليك أن اقتل نفسك، فلا ينبغي لك أن تتردد، أو اخرج من دارك، فلا ينبغي لك أن تتردد، لو فعلت ما توعظ به لكان خيراً لك، حسن ما هو هذا الخير؟ ختمت هذه الفقرة بالبشارة وبالأجر، أن من أطاع الله ورسوله ولو أدت هذه الطاعة إلى هلاك نفسه، وإلى خروجه من ماله، وخروجه من داره، فهذا الرجل قال فيه الله ﵎: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء:٦٩ - ٧٠]. فهذا هو الأجر، والتكاليف الشرعية في جملتها طاعة الله تعالى وطاعة رسوله ﷺ . وفي الحديث الصحيح الذي رواه جماعة من الصحابة أن النبي ﷺ قال: (ثلاثةٌ يحتجون على الله يوم القيامة: الشيخ الهرم الذي جاء الإسلام ولا يعقل، يقول: يا رب! جاء نبيك ولا أدري شيئاً، والمجنون، والصغير -فهؤلاء يحتجون على الله، يعني: لو كنا عقلاء وجاءنا الرسول لآمنا- فيقول الله : ألئن أرسلت إليكم رسولاً تؤمنون به؟ قالوا: أجل. فأرسل إليهم رسولاً أن ادخلوا النار)، إذاً فجملة التكاليف الشرعية لهؤلاء هي امتثالهم لأمر ربهم بدخول النار. إن الحرب الضروس على الملتزمين المتدينين لشيء عجيب!! قال الأولون: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل:٥٦]، أهي جريمة أن أتطهر؟! مثال واقعي: شاب كان يغازل البنات أو كان في عصابة إجرامية، لا يصلي، فأول ما بدأ يلتزم وأعفى لحيته وواظب على حضور صلاة الجماعة في المسجد، وترك الربا، فبدلاً من أن يفرحوا بتوبته والتزامه، إذا بهم يشعلون الحرب ضده لماذا؟ بأي عقل؟ وفتاة منتقبة تقوم عليها الحرب، وتقوم عليها الأسرة الواسعة الطويلة العريضة، ويجبرونها على خلع نقابها لماذا؟! فهذا الملتزم يعاني من البلاء بسبب التزامه بدين الله، وقد يضحي برقبته في سبيل الله، وقد يسجن ولا يخرج إلا محمولاً على الأعناق، وقد يسجن ويخرج وهو مصاب بأمراض، ومعه عاهات، ومع ذلك هو ثابتٌ على الطريق، كل هذا لو جمعته لساوى النار؛ نار الابتلاء التي ابتلى الله بها أولئك المحتجين عليه بالصغر وبالجنون وبالكبر الذي لا يعقل صاحبه شيئاً. يقول ﵊: (فيرسل إليهم رسولاً أن ادخلوا النار، فمن أبى أن يدخلها سحب إليها، ومن دخلها وجدها برداً وسلاماً)، يعني: هذا الذي أبى الدخول في النار لو عاش، وكان سليم الأعضاء وجاءه نبي لعارضه، قال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام:٢٨]. فحب النبي ﷺ في هذا الحديث، المقصود به حب الاختيار، الذي يمليه العقل والإيمان.

стр. 1063

السبيل إلى محبته ﷺ إذاً: أنت لا تستطيع أن تطيع النبي ﷺ إلا إذا أحببته، فما هو السبيل إلى حبه؟ كيف تحب رسول الله ﷺ ؟

стр. 1064

النظر في وصفه ﷺ يوصل إلى محبته إننا إذا وفقنا في الإجابة عن هذا السؤال، فالنظر في وصفه ﷺ حتى يكون رأي عين يعيننا على استيفاء هذا الحق، وإنما يحسن تصور المرء بقدر ما يعطي قلبه وأذنه للكلام؛ فإنه إذا أعطى أذنه وقلبه عاين، أو كان قريباً من المعاينة، والفرق ما بين المعاينة والسماع المجرد كالفرق بين السماء والأرض. قال القائل: وكنت أرى أن قد تناهى بي الهوى إلى غايةٍ ما بعدها لي مطلب فلما تلاقينا وعاينت حسنها تيقنت أني إنما كنت ألعب هذا هو الفرق بين إنسان يتعلق بمعنى من معاني المحبة، ولكنه عند مشاهدة من يحبه يعلم أنه كان يلعب، أي: لعظمه ومكانته وحسنه وأنه لم يقدره حق قدره. إنما يُحب المرء لصفاته وشمائله، فكلما كان أقرب إلى الكمال، كان ينبغي أن يكون هذا الإنسان أوفى في مسألة المحبة له.

стр. 1065

التفكر في صفات الله تعالى يوصل إلى محبته سبحانه وأنت إذا تأملت في صفات الله ﵎، وأمعنت النظر فيها؛ غُلبت على حبه، لأجل هذا نتمنى إذا طرح باب الأسماء والصفات على الناس أن لا يطرح بالطريقة الأكاديمية الموجودة في الكتب، إنما نريد أن نحبب الخلق في الله، نريد من الخلق أن يحبوا الله، وأوسع هذه الأبواب باب الأسماء والصفات. وأنت تقرأ القرآن تأمل خواتيم الآيات، وتأمل أسماء الله وصفاته مع سياق الآيات، إن كنت ذكياً وعاقلاً بحثت في هذا الكون عن مقتضى لكل اسمٍ من هذه الأسماء. فمثلاً: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] عندما تنظر وتتأمل صفة الإحياء المشتملة على الرحمة في قوله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [الحج:٥] أرجو أن تعطيني سمعك؛ لأن الآيات لها سياق ﴿وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [الحج:٥] ثم قال تعالى: ﴿وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج:٥ - ٧]، وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت:٣٩]. انظر إلى هذا الربط ما بين خلق الإنسان وما بين الأرض؛ إنما يتكون المرء جنيناً في بطن أمه، والنساء هن الأرض التي تبذر فيها النطفة، فتخيل امرأةً لا تنجب، وطافت على الأطباء وقالوا لها: لا أمل. تستطيع أن تصف حالتها بأنها ذابلة، وحزينة، ولا أمل لها. قال تعالى: ﴿وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً﴾ [الحج:٥] (هامدة) أي: خاشعة، وأظهر علامات الخشوع: الذل والانكسار. (فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ) فمثل المرأة كمثل الأرض، فإذا ذهبت المرأة إلى طبيب وقال: مبروك، أنتِ حامل، اهتزت وربت، وربربت، وتورد وجهها، وصار لها في الدنيا أمل، فإذا تأملت هذا في الناس وفي الأرض علمت معنى المحيي، وبان لك هذا الاسم، هو صحيح موجود في القرآن، لكن إذا ربطته بالواقع زاد إيمانك، إذاً هناك علاقة ما بين نمو الإنسان في بطن المرأة وما بين الأرض، فالمرأة مثل الأرض، كما قالت امرأة أبي حمزة لما هجرها؛ لأنها لا تلد الذكور قالت: ما لأبي حمزة لا يأتينا غضبان أن لا نلد البنيينا والله ما ذلك في أيدينا إنما نحن كالأرض لزارعينا أي: نحن نخرج ما قد يبذر فينا ولذلك لا عهدة على المرأة في مسألة الذكور والإناث، رجل متزوج امرأة لا تنجب إلا البنات باستمرار، فيذهب الرجل ويتزوج بأخرى لكي تلد أولاداً ذكوراً، فالمرأة ليس لها دخل بمسألة الإنجاب سواء كانوا ذكوراً أو إناثاً. فانظر إلى آثار الله في هذا الكون، واربطه بأي اسم من الأسماء والصفات ومثل اسم (الوكيل) عندما يظلمك إنسان تقول: حسبي الله ونعم الوكيل، وترى المظلوم يذهب إلى القسم ويشتكي ممن ظلمه، ومع ذلك يفتري عليه، مع أنه قال: حسبي الله ونعم الوكيل، إذاً هذا الإنسان لم يفهم معنى (الوكيل) وإلا لما ذهب وعمل تقريراً مكذوباً، إذاً ما معنى الوكيل أو الكفيل؟ لا يكون الوكيل وكيلاً حتى يحفظ، ولا يكون كفيلاً حتى يحفظ، فإذا لم يحفظ لم يكن لا كفيلاً ولا وكيلاً. وإليك قصة الخشبة التي رواها البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: (تسلف رجل من رجلٍ ألف دينار، فقال الرجل: ائتني بكفيل. قال: كفى بالله كفيلاً، قال: ائتني بوكيل. قال: كفى بالله وكيلاً. قال: ائتني بشهيد، قال: كفى بالله شهيداً، قال صدقت، وأعطاه الألف دينار على أجل) بعد ما انتهت المدة المضروبة أراد الرجل أن يوفي دينه إلى صاحبه، وكان بينهما بحراً وهاجت الريح وانقطعت حركة الملاحة، وحيل بينهما. الرجل صاحب المال منتظر على الشاطئ الآخر، والرجل المدين على الشاطئ الثاني، فلما يئس المدين أن يجد مركباً أتى بخشبةٍ فنقرها، ثم رفع بصره إلى السماء، فقال: (ربِّ! إنك تعلم أنني جئت فلاناً فقلت: أسلفني ألف دينار. قال: ائتني بشهيد، قلت: كفى بالله شهيداً. فرضي بك، قال: ائتني بكفيل، قلت: كفى بالله كفيلاً، فرضي بك. قال: ائتني بوكيل، قلت: كفى بالله وكيلاً، فرضي بك، وأني استحفظك هذه الخشبة) -ووضع الألف الدينار في الخشبة وسمر عليها، وقذف بها في البحر. ما معنى خشبة في بحرٍ لجي، الأمواج فيه كالجبال، أليس من السهل أن تبتلع هذه الخشبة وتذهب؟ لكن الله وكيل، أي: حفيظ، كفى بالله كفيلاً، ولذلك البخاري افتتح كتاب الكفالة بهذا الحديث، ليقول لك: لا يكون كفيلاً إلا من يكون حفيظاً، فإذا ضيع لا يكون كفيلاً، ولا يكون وكيلاً. فلما رمى بالخشبة في البحر، وذهبت الخشبة وصلت إلى الرجل في الشاطئ الآخر، وجعلت تتأرجح على الموج تروح وتجيء، (فلما يئس الرجل أن يرى مركباً، ونظر إلى الخشبة فقال: آخذها أستدفئ بها أنا وعيالي، فأخذها، فلما ذهب إلى البيت نقرها فإذا صرةٌ تنزل منها، فتح الصرة فإذا بكتاب من صاحبه إليه: إنه قد حيل بيني وبينك، وإني قد استودعت الشهيد والكفيل الخشبة. فأخذ الرجل الخشبة، وعلم أن صاحبه عجز أن يصل إليه)، كل ذلك والرجل يحاول أن يجد مركباً آخر، حتى وجد مركباً (فأخذ ألف دينارٍ أخرى وانطلق إلى صاحبه، فقال: هذا مالك، وإنه لم يمنعني أن آتيك في الموعد إلا أنه حيل بيني وبينك ولم أجد مركباً. فقال له صاحبه: هل أرسلت إليَّ شيئاً؟ فقال الرجل: أقول لك: هذا أول مركب، فقال له -كما في صحيح ابن حبان من رواية أبي سلمة عن أبي هريرة -: ارجع راشداً فقد أدى عنك وكيلك)، لا يكون وكيلاً إلا أن يكون حفيظاً. ولذلك كثير من الناس يفهم كفالة اليتامى غلطاً، النبي ﵊ لما قال للصحابة -كما في الصحيحين من حديث سهل بن سعد -: (أنا وكافل اليتيم كهاتين) فبعض الناس يتصور أنه عندما يلقي بعشرة جنيه أو عشرين جنيهاً لكفالة اليتيم وكفى يتصور أنه حقق الكفالة وسيأخذ هذا الأجر أبداً. (أنا وكافل اليتيم) والنبي ﵊ يقول: (لا يتم بعد احتلام)، فأول ما يبلغ الولد الاحتلام سقط عنه حكم اليتم، وأول ما تبلغ المرأة المحيض لم تعد يتيمة. إذاً قبل الاحتلام وقبل المحيض هو طفل صغير، وصبي صغير، أو طفلة صغيرة، لا يدبر أمر نفسه، هذا الولد ماذا فقد؟ فقد أباه، فلا تأخذ هذا الأجر إلا إذا كنت في موضع الوالد من هذا اليتيم، تذهب إليه، وترعاه، وتتفقد أمره، إذا كان مريضاً تسعى في علاجه، إذا كان في المدرسة تتابع ملفاته... أنت ولي أمره، تنزله بمنزلة الولد. إذا فعلت هذا كنت كافلاً؛ لأن الكفيل بمعنى الحفيظ، وليس من أعطى يتيماً مبلغاً من المال يكون كافلاً له، لا. لكن لا شك أن هذا فيه خير، لكن لا يصل إلى ذلك الفضل أن يكون هو والنبي ﷺ كهاتين، والحافظ ابن حجر يقول: وإن كان هناك فرقٌ بين الإصبعين لكن ليس بينهما إصبع ثالث، وهذا يدل على المتاخمة، وعلى قرب ما بين هذا الكافل وما بين النبي ﷺ . إذاً ظلمك شخص وقلت: حسبي الله ونعم الوكيل، فإياك أن تعمل شيئاً محرماً، كأن تذهب وتفتري عليه، وتعمل تقريراً مكذوباً لماذا؟ لأنك جعلت الله وكيلك، وهذا شرفٌ لك أن يكون الله وكيلك، أنت لا يمكن أن تعطي توكيلاً رسمياً لخائن، أو لشخص تظن انه يمكن أن يبيع أملاكك، لا تعطي عادةً التوكيل إلا لرجلٍ يحفظ لك حقك، سواء كان توكيلاً مؤقتاً أو خاصاً أو عاماً، ولا يتصور أن توكل خائناً أبداً. فمعنى أن تجعل الله وكيلك فإنه سيستوفي لك يقيناً، أكثر من استيفائك لنفسك، فلما تقول: حسبي الله ونعم الوكيل تحقق من معنى اسم (الوكيل) وتأمله، لو تحققت من معناه وملأ قلبك؛ لتركت كل شيءٍ له، قال : ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣] ما الذي حصل لهم؟ قال : ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران:١٧٤]، فهذا جزاء الوكالة، فأنت لا تحب ربك إلا إذا ربطت ما بين الأسماء والواقع؛ لترى آثار الأسماء الحسنى في حياتك. حدثني بعض الذين كانوا يوصلون أموال الزكاة إلى الفقراء، قال: ذهبت إلى بعض الفقراء في منتصف الليل، وكنا في الشتاء -ومنتصف الليل في الشتاء يعني لا يوجد أحد قط في الشارع- قال: ولما أوصلت الأمانة للفقير حتى لا يراه الناس ولا يراني الناس وأنا أعطيه؛ حفاظاً على شعوره وإحساسه، قال: وأنا راجعٌ إلى بيتي سمعت غطيط نائم، قال: وكانت الدنيا باردة، والجو مطير وفيه رعد وبرق، فلفت نظري هذا الغطيط، ولا يصدر للمرء غطيط إلا إذا كان مستغرقاً في نومه، قال: فتتبعت

стр. 1066

وفاؤه ﷺ في باب الوفاء مثلاً: إذا استحضرت أن الغدر مر وسيء، ولا تحتمله نفسك؛ عظمت قيمة الوفاء، فانظر إليه ﷺ في هذا الباب، ونحن سنمر على أبوابٍ كثيرة؛ لأن هذه المحاضرات تعينك على محبة النبي ﵊ وتعلمك كيف تحبه حب الاختيار، بمعنى لا تقدم قول أحدٍ على قوله ولو كان فيه تلف نفسك، ولو لم يكن لك فيه مصلحة ألبتة، لا يدفعك إلى سلوك هذا السبيل الصعب إلا الاختيار الذي دافعه الحب والإيمان. باب الوفاء ضرب فيه النبي ﷺ أروع الأمثلة حتى مع أعدائه، جاء في صحيح مسلم عن حذيفة بن اليمان قال: لم أشهد بدراً لا أنا ولا أبي، السبب في ذلك أن المشركين لقوهما مهاجرين إلى المدينة، فقالوا لهما: إلى أين؟ قالا: إلى المدينة. فقالوا لهما: إنكما ستقاتلاننا مع محمد. قالا: بل نحن متوجهان إلى المدينة. قالوا: لا نترككما إلا إذا أعطيتمانا العهد أن لا تقاتلا معه، فأعطوهما العهد على ذلك، ومضيا إلى النبي ﷺ ، وقصا عليه ما جرى، فقال ﵊: (وفوا لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم) وهم أعداء وهم محاربون لهم، قال: (وفوا لهم عهدهم، ونستعين الله عليهم). أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 1067

معاملته ﷺ مع أعدائه الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن، والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وأيضاً روى أبو داود والنسائي وغيرهما، عن سعد بن أبي وقاص ﵁، قال: (لما فتح النبي ﷺ مكة أمَّن الناس جميعاً إلا أربعة رجالٍ وامرأتين، قال: اقتلوهم ولو وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة: عكرمة بن أبي جهل، وعبد الله بن خطل، ومقيط بن قبابة، وعبد الله بن سعد بن أبي السرح. فأما عبد الله بن خطل فأدركه الناس متعلقاً بأستار الكعبة فقتلوه، وأما مقيط بن قبابة فأدركه الناس في السوق فقتلوه، وأما عكرمة بن أبي جهل ففر إلى البحر وركب سفينة، فهاجت ريحٌ عاصف، فقال صاحب السفينة: أيها الناس! إنه لن تنفعكم آلهتكم هنا، أخلصوا. فقال عكرمة: لإن لم ينجني في البحر إلا الإخلاص فلا ينجيني في البر غيره، لله عليَّ إن أنجاني لآتين محمداً ﷺ ، فلأجدنه عفواً كريماً. فجاء عكرمة فبسط يده للنبي صلى الله وسلم، وأسلم وقبل منه، فلما دعا النبي ﷺ إلى البيعة العامة، وكان عبد الله بن سعد بن أبي السرح قد اختبأ عند عثمان بن عفان ﵁، فلما دعا النبي ﷺ إلى البيعة العامة جاء عثمان بـ عبد الله، -وكما تعلمون كان لـ عثمان حظوة عند النبي ﵊، وكان يحبه ويقربه- ولما جاء عثمان بـ عبد الله قال: يا رسول الله! بايع عبد الله. فرفع إليه بصره وخفضه وسكت، قال: يا رسول الله! بايع عبد الله. فسكت، قال يا رسول الله! بايع عبد الله، فبايعه بعد الثالثة. ثم التفت إلى أصحابه وقال: أليس منكم رجلٌ رشيد، إذ رآني كففت يدي عن بيعة هذا، أن يقوم إليه فيضرب عنقه؟! قالوا: يا رسول الله! وما أعلمنا بما في نفسك، هلا أومأت إلينا بعينيك -غمزت لنا غمزة-؟ فقال ﵊: إنه لا ينبغي أن يكون لنبيٍ خائنةٌ الأعين). انظر إلى الوفاء حتى مع الأعداء، أمثله ﷺ لا يحب حب اختيار؟! أمثله لا يوالى؟! أمثله لا يستعذب المرء العذاب في سبيل نصر دينه؟! استحضر هذا يمدك الله بقوةٍ على قوة، لا يغلبك أحد، إننا المستضعفون الآن في الأرض لا شك في ذلك، لكننا على يقين أننا سنغلِب، هذه المسألة مسألة إيمانية محضة، لا يصلح فيها الحساب؛ لأن معنا الملك، وانظر إلى كل طائفةٍ من طوائف المؤمنين قبل ذلك، تراها قلة، لكن مكَّن الله لها.

стр. 1068

تفاني الصحابة في الدفاع عنه ﷺ وعن دعوته في حديث ابن عباس في صحيح البخاري، حديث هرقل لما أرسل له النبي ﷺ الكتاب، وحصل بين هرقل وبين أبي سفيان محاورة بشأن النبي ﵊ وأتباعه، فكان من ضمن هذه المحاورة أن قال هرقل لـ أبي سفيان: هل أتباعه الضعفاء أم الأشراف والأغنياء؟ قال: بل الضعفاء. قال: يزيدون أم ينقصون؟ قال: بل يزيدون. فقال له هرقل بعد ما تم الأسئلة: لئن كان صدقاً ما تقول ليملكن موضع قدميَّ هاتين. من الذي معه؟ مستضعفون عضهم الفقر بنابه، وتأمل هذا الاستضعاف في يوم بدر كانوا ثلاثمائة وأربعة عشر صحابياً خرجوا لأخذ تجارة قريش ولم يخرجوا للحرب، أفلت أبو سفيان بالعير وأرسل إلى قريشٍ: لا عليكم فقد نجوت بالعير، لكن تعست أمةٌ على رأسها أبو جهل! فقال أبو جهل: لا، بل لابد أن نخرج، فننزل بدراً، وتغنينا القيان، ونشرب، وتسمع بنا العرب، فلا يزالون يهابوننا أبداً. وخرج مع ألف رجل، كانوا يذبحون عشراً من الجمال في اليوم الواحد ليأكلوها، وكان النبي ﷺ يقتسم مع أصحابه التمرات، ولما فرضت عليهم المعركة فرضاً، وهم ما خرجوا لقتال أصلاً، وإنما خرجوا لأخذ العير، لكن لم يكن أمامهم إلا القتال، ولابد أن يقاتلوا. فنظر النبي ﷺ إلى أصحابه، ثم رفع يديه إلى ربه، وبالغ في رفع يديه والتذلل إليه، حتى سقط برده عن منكبه، وهو يقول: (اللهم إنهم جياع فأطعمهم، اللهم إنهم عراة فاكسهم، اللهم إنهم عالة فاحملهم، اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد أبداً) هذا هو وضعهم، ودارت رحى الحرب، وكان الظفر للمؤمنين لسبب واضح وبسيط: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ﴾ [الأنفال:١٢] من الذي يغلب إذا انحاز إليه الملك؟ من الذي يغلبه؟ في الصحيحين من حديث سلمة بن الأكوع أن النبي ﷺ خرج على طائفة من أصحابه وهم يتناضلون بالسهام، فقال: (ارموا يا بني إسماعيل، فإن أباكم كان رامياً، ارموا وأنا مع بني فلان، فالجماعة الآخرين وضعوا النبال وقعدوا، قال: ما لكم؟ قالوا: كيف نرمي وأنت معهم؟! -يعني: ما نستطيع أن نرمي، ولا نغلب وأنت معهم- قال: ارموا وأنا معكم جميعاً). لا يغلب أبداً طرفٌ يؤيده الملك، إننا مستضعفون نعم، لكن سنغلب، والله العظيم! سنغلب بإذن الله، مع أننا ضعاف، ولا نملك الشوكة، لكننا سنغلب، لكن المسألة تحتاج إلى انحيازٍ كامل لله ورسوله؛ حتى تضمن ولاء الملك لك، أن تنحاز بكليتك إلى الله، إنما هذا التردد عندما تجد الواحد منا يفعل طاعة ثم تراه يترك الطاعة بمنتهى السهولة، أللامبالاة موجودة عنده، فمثل هذا لا يَغلب أبداً. النبي ﵌ قدوتنا في كل باب من أبواب الخير، تجده متقدماً على الخلق جميعاً، أمثله ﷺ لا يحب ولا يوالى؟ والله يا إخواني! لو درستم شمائله ﷺ لغلبتم على حبه -أقول: لغلبتم على حبه- ولقدرتموه حق قدره، وهناك كتب في الشمائل مثل: كتاب الترمذي، وهذا الكتاب اختصره شيخنا الألباني حفظه الله، وميز صحيحه من ضعيفه، وكتاب: أخلاق النبي ﷺ لـ أبي الشيخ؛ وكتاب: الأنوار للبغوي حسين بن مسعود، وهذا أوسع الكتب تقريباً. مع كتب المناقب الموجودة في كتب الصحاح والسنن، فكلها مشتملةٌ على وصف النبي ﷺ في كل الأبواب، حتى وصل الوصف إلى نعله، أنا على يقين بأنك إذا أدمنت النظر في شمائله وواليته ﷺ فإنك ستحبه وتعظمه وتقدره وتبجله، ولا غرو ولا عجب، ففي حديث أم زرع؛ الطويل المعروف، أن المرأة لما تزوجت أبا زرع فجعلت تصف أبا زرع وابنه وابنته وأمه وجاريته، وتصبغ عليهم من الأوصاف والخصال الحميدة، يقول الراوي في غير الصحيحين عند الزبير بن بكار، يقول: وجعلت المرأة تصف كل شيءٍ، حتى وصفت كلب أبي زرع! انظر من حبها للرجل وصفت الكلب. فلذلك سنذكر فضائله ﷺ في كل باب؛ لتستعين بهذا العرض الصحيح على محبته ﷺ ، وأنه يستحق أن لا تضع أحداً في مقابله. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم. اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين. اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر، اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا. ربِّ آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا، وسرنا وعلانيتنا، وما أنت أعلم به منا، أنت المقدم وأنت المؤخر، وأنت على كل شيء قدير. والحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

стр. 1069

البحث عن الرجال إن الأمة الإسلامية اليوم تعيش ويلات ومصائب ونكبات، وتمر بأزمة هي أشد وأقسى أزماتها على الإطلاق أزمة لا ككل الأزمات، إنها تعاني أزمة حادة في الرجال. نعم! الرجال الذين يحملون هم هذا الدين ويقتدون بالأنبياء والمرسلين، وما قصة إبراهيم ﵇ وأهل بيته إلا مثالاً يقتدى، وأنموذجاً يحتذى لمن تاقت نفسه لأن يكون رجلاً يؤثر فيما حوله، ويكون عاملاً في صناعة الأحداث، وليس مجرد صفر يضاف إلى الأصفار الكثيرة التي تمتلئ بها المجتمعات المسلمة.

стр. 1070

نص حديث المنطق إن الحمد لله، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. اللهم صلِّ على محمد وعلى آله محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، في العالمين، إنك حميد مجيد. روى الإمام البخاري في صحيحه من حديث سعيد بن جبيرٍ ﵀، قال: قال ابن عباس: (أول ما اتخذ النساء المنطق من قبل أم إسماعيل، اتخذت منطقاً لتعفي أثرها على سارة؛ ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه، حتى وضعها عند البيت عند دوحةٍ فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذٍ أحد، وليس بها ماءٌ؛ فوضعهما هنالك، ووضع عندهما جراباً فيه تمرٌ وسقاءً فيه ماء، ثم قفا إبراهيم منطلقاً فتبعته أم إسماعيل، فقالت: يا إبراهيم! أين تذهب وتتركنا في هذا الوادي الذي ليس فيه إنسٌ ولا شيء، فقالت له ذلك مراراً، وجعل لا يلتفت إليها، فقالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذاً: لا يضيعنا، ثم رجعت، فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه، استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهذه الكلمات ورفع يديه فقال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ [إبراهيم:٣٧] حتى بلغ: ﴿يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم:٣٧]، وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفد ما في السقاء؛ فعطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى -أو قال: يتلبط- فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبلٍ في الأرض يليها، فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحداً فلم تر أحداً، فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها فنظرت هل ترى أحداً فلم تر أحداً، ففعلت ذلك سبع مرات، فقال ابن عباس: قال النبي ﵌: فذلك سعي الناس بينهما، فلما أشرفت على المروة سمعت صوتاً فقالت: صهٍ -تريد نفسها- ثم تسمعت أيضاً، فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه، أو قال: بجناحه حتى ظهر الماء، فجعلت تحوضه وتقول بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعدما تغرف. قال ابن عباس: قال النبي ﵌: يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم -أو قال-: لو لم تحوضه لكان زمزم عيناً معيناً. قال: فشربت وأرضعت ولدها، فقال لها الملك: لا تخافي الضيعة، فإن هاهنا بيت الله يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله، وكان البيت مرتفعاً من الأرض كالرابية، تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وشماله، فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جرهم، أو أهل بيتٍ من جرهم مقبلين من طريق كذا فنزلوا في أسفل مكة، فرءوا طائراً عائفاً، فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على ماء، لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماءٌ، فأرسلوا جرياً أو جريين، فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبروهم بالماء فأقبلوا، قال: وأم إسماعيل عند الماء، فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك، فقالت: نعم. ولكن لا حق لكم في الماء. قالوا: نعم. قال ابن عباس: قال النبي ﷺ : فألفى ذلك أم إسماعيل وهي تحب الإنس، فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم؛ فنزلوا معهم حتى إذا كانوا بها أهل أبياتٍ منهم، وشب الغلام وتعلم العربية منهم وأَنْفَسَهم وأعجبهم حين شبّ، فلما أدرك زوجوه امرأةً منهم، وماتت أم إسماعيل، فجاء إبراهيم بعدما تزوج إسماعيل يصارع تركته، فلم يجد إسماعيل، فسأل امرأته عنه فقالت: خرج يبتغي لنا، ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بشرٍ، نحن في ضيقٍ وشدة، فشكت إليه، قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي ﵇ وقولي له: يغير عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل كأنه آنس شيئاً، فقال: هل جاءكم من أحدٍ؟ فقالت: نعم. جاءنا شيخ كذا وكذا، فسألنا عنك، فأخبرته، وسألني كيف عيشنا، فأخبرته: أنا في جهدٍ وشدة، قال: فهل أوصاك بشيء؟ فقالت: نعم. أمرني أن أقرأ عليك السلام، ويقول: غير عتبة بابك، فقال: ذاك أبي وقد أمرني أن أفارقك. الحقي بأهلك، فطلقها وتزوج منهم أخرى، فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله ثم أتاهم بعدُ فلم يجده، فدخل على امرأته فسألها عنه، فقالت: خرج يبتغي لنا، قال: كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم، قالت: نحن بخيرٍ وسعةٍ، وأثنت على الله، فقال: ما طعامكم؟ قالت: اللحم. قال: فما شاربكم؟ قالت: الماء. قال: اللهم بارك لهم في اللحم والماء. قال النبي ﷺ : ولم يكن لهم يومئذٍ حب، ولو كان لهم دعا لهم فيه، قال: فهما لا يخلو عليهما أحدٌ بغير مكة إلا لم يوافقاه، قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي ﵇ ومُريه يثبت عتبة بابه؛ فلما جاء إسماعيل، قال: هل أتاكم من أحدٍ؟ قالت: نعم، أتانا شيخٌ حسن الهيئة وأثنت عليه، فسألني عنك فأخبرته، فسألني كيف عيشنا فأخبرته أنا بخير، قال: فأوصاك بشيءٍ؟ قالت: نعم. هو يقرأ عليك السلام ويأمرك أن تثبت عتبة بابك. قال: ذاك أبي، وأنت العتبة، أمرني أن أمسكك، ثم لبث عنهم ما شاء الله، ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبري نبلاً له تحت دوحةٍ قريباً من زمزم، فلما رآه قام إليه فصنع كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد، ثم قال: يا إسماعيل! إن الله أمرني بأمرٍ، فقال: فاصنع ما أمرك ربك، قال: وتعينني؟ قال: وأعينك. قال: فإن الله أمرني أن أبني هاهنا بيتاً، وأشار إلى أكمةٍ مرتفعةٍ على ما حولها، قال: فعند ذلك رفع القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع هذا البناء جاء بهذا الحجر: فوضعه له، فقام عليه وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة:١٢٧]).

стр. 1071

قصة إبراهيم ﵇ مع ولده إسماعيل وزوجته هاجر هذه قصة أهل بيت نذروا أنفسهم لله ﵎، قصة إبراهيم مع ولده إسماعيل ﵉. ذكر ابن عباس ﵄: أن أول من اتخذ المِنْطق أم إسماعيل؛ لتعفي أثرها على سارة، وكانت سارة لشدة غيرتها من هاجر قد أقسمت أن تقطع منها ثلاثة أعضاء، وهاجر وهبها ملك مصر الجبار لـ سارة -كما رواه الشيخان في صحيحيهما-: أن إبراهيم ﵇ لما دخل بلداً -ذكر الشراح أنها مصر-، وكان حاكم البلد طاغيةً جباراً لا يرى امرأة جميلة إلا اصطفاها لنفسه، إلا أن تكون أختاً مع أخٍ لها؛ -إنما زوجة مع زوجها- كان يأخذها عنوة، فأرسل شرطته يبحثون فوجدوا امرأةً وضيئة -أي جميلة- فكان إبراهيم ﵇ يعرف هذا من خلق هذا الجبار، فقال ل سارة: إذا سئلت فأنا أخوك وأنت أختي، والله لا أعلم أحداً يعبد الله غيرنا، فأنت أختي في دين الله تعالى، هذه من الكذبات التي كذبها إبراهيم ﵇ في ذات الله ﵎. فلما رأى الملك جمالها خالف شرطه فأخذها، فمد يده نحوها فدعت عليه فيبست يده وشلت، فقال لها: ادعي الله لي إن عافاني لا أقربك بسوء، فدعت فعوفي، فمد يده مرةً أخرى فدعت عليه فيبست يده -يعني شلت-، فقال لها: ادعي مرةً أخرى ولا أَمسّكِ بسوء، فدعت، فمد يده مرةً ثالثة، فدعت عليه فيبست يده، فقال لهم: إنكم ما جئتموني إلا بشيطان، ثم دعت له ففك الله شلله، فأخدمها هاجر -أعطاها هاجر كخادمة- فتزوجها إبراهيم ﵇، ثم حملت هاجر، فغارت منها سارة غيرة شديدة، فأقسمت -كما يذكر الشراح- أن تقطع منها ثلاثة أعضاء؛ فخافت هاجر على نفسها، فكانت تشد المنطق على وسطها -وهو: نوع من الإزار كانت تربطه على وسطها وتجره خلفها كي تعفي أثرها؛ كرسم القدم على الرمال ونحو ذلك، كان هذا المنطق يغير رسم القدم فيزيله من على الأرض حتى تضلل سارة وهي تبحث عنها لتقطع منها أعضاءها، فلا تجدها-؛ لذلك اتخذت هاجر المنطق خوفاً من ذلك.

стр. 1072

أهمية صدق الرجل مع أهل بيته لما رأى إبراهيم ﵇ ذلك -بحث سارة عن هاجر - أخذ إسماعيل وأمه هاجر ورحل من الشام إلى مكة، فجاء بها فوضعها في هذا المكان -مكة- في وادٍ غير ذي زرع، فلما وضعها وابنها وترك معها جراباً فيه تمر وسقاء فيه ماء، ولى راجعاً ولم يكلمها كلمة، فتركها ومضى: فنادت عليه: يا إبراهيم! يا إبراهيم! فلم يجبها، فانطلقت وراءه حتى وصلت إلى ثنية في مكة وهي تنادي: يا إبراهيم! يا إبراهيم! إلى من تتركنا، فوقف ولم يرد عليها، قالت: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذاً: لا يضيعنا، ثم قفلت راجعة. ونستفيد من هذا الجواب أن صدق الرجل في بيته من أهم أسباب إقناع المرأة بأخطر القرارات التي يتخذها الرجل في حياته وتجد أن الرجل الكذوب الذي يكذب وتكتشف امرأته أنه يكذب فيفعل الفعل ولا يجرؤ على أن يصرح به، تضعف هيبته ويقل رأس ماله عند امرأته بخلاف الصدق كما يبدو واضحاً جلياً في جواب إبراهيم على سؤال هاجر وردة فعلها كما جاء في بعض الروايات: (آلله أمرك بهذا؟ فأومأ برأسه أن نعم، قالت: إذاً: لا يضيعنا) أي: وثقت فيه، فإذا قال: الله أمرني بهذا لا تراجعه، ولا تكذبه، ولا تمتري في صدقه، فرأس مال الرجل: أن يكون صادقاً. إن الآباء لهم في حياة أبنائهم عمق وتأثير وللرجل في حياة المرأة عمق وتأثير، لاسيما إذا تزوجها بكراً، وكان أول رجل في حياتها؛ فإنه يؤثر جداً في تنشئتها وتربيتها؛ ولهذه العلة حث الرسول ﵊ على الزواج بالأبكار.

стр. 1073

بيان مدى تأثر المرأة بخلق زوجها ومما يدل على ذلك ما ورد في في حديث أم زرع كما تقول أم زرع: (أبو زرع فما أبو زرع، أناس من حليّ أذنيَّ، وملأَ من شحمٍ عضديَّ، وبَجَّحَنِي فبجحت إليَّ نفسي، وجدني في أهل غنيمة بشق، فجعلني في أهل صهيل، وأطيط، ودائس، ومنق، فعنده أقول: فلا أقبح، وأرقد فأتصبح، وأشرب فأتقمح). وكما هو واضح فهي تصف زوجها وتقول: هي امرأة بكر، وأبو زرع هذا كان قد تزوج قبلها، والرجل لا يقال عنه بكر أو ثيب، فإن هذا الوصف خاص بالنساء، فالرجل يمكن أن يتزوج مائة امرأة، والمرأة مرة واحدة وتصبح ثيباً، فيكون أول رجل قادراً على تشكيلها والتأثير فيها كما يريد. تقول: أناس من حلي أذني. أناس: أي: ليس عندها ذهب ولا تلبسه في أذنها، فجعل الذهب في أذنها. وكلمة أَنَاسَ: من النوس وهو الاضطراب. يعني: المرأة إذا هزت رأسها اهتز القرط في أذنها وهو معنى قولها: (أناس من حلي أذني). تقول: (وملأ من شحمٍ عضديَّ) أي: كانت هزيلة فلما تزوجها أطعمها وسقاها إلى أن امتلأ عضدها بالشحم واللحم. وقولها: (وجدني في أهل غُنَيمة بشق). غنيمة تصغير غنم. أي: كانت حالتهم تعيسة جداً وكانوا فقراء للغاية، وكلمة: بشق. يعني: كانوا يعيشون بشق الأنفس، وكانت الحياة كرباً. فنقلها نقلة عظيمة فجعلها في أهل صهيل: -كناية عن الخيل- وأطيط: -كناية عن الإبل- ودائس: -كناية عن الزرع- ومنق: -المنق: هو المنخل- وكان يستخدم المنخل آنذاك أهل الترف. قولها: (فعنده أقول فلا أقبح) أي: إذا قلت قولاً مهما قلت لا يجرؤ أحد أن يقول: قبحكِ الله، أو قبح الله وجهكِ، لا. لماذا؟ لأنها كريمة على زوجها، لا يوجد أحد يستطيع أن يسبها ولا يشتمها ولا يقبحها. تقول: (وأشرب فأتقمح)، وفي الرواية الأخرى: (فأتقنح)، والفرق بينهما أن يقال: بعيرٌ قامح، إذا ورد الماء فشرب وارتوى ثم رفع رأسه زهداً في الشراب. أما أتقنح: فهو يشرب فوق طاقته. أي: أنها تأكل وتملأ معدتها وبعد ذلك زوجها يقول لها: خذي هذا وكليه، فلم يبق في بطنها موضع للقمة كرامة لها؛ لأنها كريمة عليه. وقولها: (وأرقد فأتصبح)، يعني: تستيقظ في ضحوة النهار، وهذا يدل على أنها امرأة مخدومة عندها خدم؛ لأن المرأة إذا كانت عاملة نفسها فإنها تقوم من بعد صلاة الفجر ولا تنام، تخدم أولادها وتخدم زوجها، وإنما هذه تنام إلى أن ترتفع الشمس في السماء، وهذا يدل على أن عندها خدم يكفونها المؤنة. وبعد أن وصفت زوجها أبا زرع، ومن حبها له وصفت قرابته فقالت: ابن أبي زرع فما ابن أبي زرع: مضجعه كمسل شطبة، يشبعه ذراع الجفرة: المضجع هو السرير. كمسل شطبة: مسل الشطبة جريدة نخل، وهذا يوحي أن الولد مفتول معتدل القوام، بحيث أن السرير الذي ينام عليه مثل مسل الشطبة، وهذا كلام مدحٍ عند العرب، ففي الكر والفر والقتال لا يظفر إلا ولد بمثل هذا العود. يشبعه ذراع الجفرة، أي: ولد قنوع يشبعه ذراع الجفرة. وتقول: (بنت أبي زرع، فما بنت أبي زرع، طوع أبيها وطوع أمها، وملء كسائها، وغيظ جارتها). فالمرأة على عكس الرجل، هي تقول: بنت أبي زرع طوع أبيها وطوع أمها، يعني: بنت مؤدبة تسمع كلام أبيها وأمها، وملءُ كسائها، يعني: بدينة، والبدانة مستملحة في النساء، وقد كان العرب يحبون ذلك بخلاف المرأة النحيفة. وغيظ جارتها: كان الرجل -زوجها- متزوجاً بامرأة أخرى فهي ضرتها. أي: جارتها، فهي مغيظة لها من جمالها وبدانتها. أم أبي زرع، فما أم أبي زرع، عقومها رداح وبيتها فساح. العقوم: هي الجراب التي تتخذ فيه المطعومات، وهذا يدل على السعة والرفاهية. ورداح بمعنى: طويل. وبيتها فساح: واسع؛ لأن سعة البيت نعمة من الله . - جارية أبي زرع، فما جارية أبي زرع، لا تبث حديثنا تبثيثاً -أي: ليست مثل البث المباشر، أي شيء وقع في البيت نقلته على طول إلى بقية الخلق، لا- فهي كتومة، تحفظ الأسرار، ولا تبث الحديث وتشيعه. ولا تنقث ميرتنا تنقيثاً، يعني: لا تتبذل بالمال وتحافظ على المعاش، فهي مُدَبِّرة للبيت. ولا تجعل بيتنا تعشيشاً: أي: لا تجعل البيت كعش الطائر يكون كالمزبلة. بل نظيف مرتب. قالت: فخرج أبو زرع والأوطاب تمخض الدنيا ربيعاً، والماشية كلها تحلب لبناً، فلقي امرأةً معها ولدان لها كالفهدين، يلعبان من تحت خصرها برمانتين، فأعجبه المنظر هذا! فطلقني ونكحها، قالوا: يا رجل! أمسك المرأة وتزوج عليها، لكن الرجل أعجبه المنظر الذي رآه فطلق المرأة ونكح المرأة الأخرى. قالت: فطلقني ونكحها؛ فنكحت بعده رجلاً سرياً، ركب شرياً، وأخذ خطياً، وأراح علي نعماً ثرياً، وأعطاني من كل رائحة زوجاً، وقال: كلي أم زرع وميري أهلك. ومعنى كلامها: فتزوجت بعده رجلاً سرياً، أي: من سراة الناس وأشرافهم. ركب شريا، الشري: أجود أنواع الخيل. وأخذ خطياً، الخط: هو الرمح الذي كان يجلب من الهند، وكان مركز توزيعه في الجزيرة بلد بالبحرين اسمها الخط، كانت الرماح الهندية تأتي إلى البحرين، ومن البحرين كانت توزع على الجزيرة، فنسب الخط إليها مسمى الرمح. -فهذا الراكب شريف، ومن سراة الناس ويركب أجود الخيل، وراكب الخيل يشعر بالكبر وهو راكب عليه وقد ألمح الرسول ﵊ إلى هذا، فقال: (الكبر والبطر في أهل الخيل، والسكينة والوقار في أهل الغنم)، فالغنم تمشي وهي مدلية رأسها باسطة في الأرض، فالراعي يأخذ من صفاتها، وكذا راكب الخيل فإنه يتقمص بعض صفات الخيل في مشيه وتبختره. وهناك من كتب في بحوث الأغذية أن الإنسان الذي يدمن على أكل لحم حيوان ما ينتقل إليه بعض صفات ذلك الحيوان-. تقول: وأعطاني من كل رائحة زوجاً: -وفي الرواية الأخرى-: وأعطاني من كل ذابحةٍ زوجاً، أي: من كل ما يصلح أن يذبح، من بقر أو غنم إلخ. وقال: كلي أم زرع وميري أهلك. تقول: فلو أني جمعت كل شيء أعطانيه هذا الرجل ما بلغ أصغر آنية أبي زرع. يعني: كل الرفاهية والتوسع التي عند هذا، تساوي أقل إناء عند أبي زرع. ما هو الفرق؟ الفرق: أن أبا زرع كان يخاطب قلب المرأة، ولكنها لم تجد هذا الخطاب ودفء الحنان عند الرجل الآخر، على الرغم من أنه وفر لها جميع سبل الرفاهية والعيش الهنيء. فيتبين أن المرأة لا تحتاج إلى مال، ولكنها بحاجة إلى قلب وحنان، وهذا هو الذي فعله أبو زرع، ثم إن أبا زرع كان هو أول رجل في حياة أم زرع، لذلك خط في وجدناها خطاً عميقاً جداً، فهو أول رجل في حياتها، وكان رجلاً صدوقاً حنوناً فأثر فيها. فالمرأة لا تنسى أول رجل في حياتها وهي تحتاج إلى قلب الرجل، وتحتاج إلى دفء الحنان، ولا تحتاج إلى الترف أبداً، فإذا شعرت المرأة معك بالأمان والسلام النفسي، استغنت عن كل شيء في الدنيا. واعلم أن رأس مال الرجل مع زوجته أن يكون رجلاً صريحاً، قدوة، لا يكذب عليها، وإلا فالمرأة تعامل الرجل على ما عرفته من سجاياه أول مرة، وهناك مثل يقول: (اذبح بستك -قطتك- ليلة دخلتك)، البس: كناية عن القط، وفي هذا المثل قصة لطيفة وظريفة: يقال: أن رجلين تزوجا في يوم واحد، أما أحدهما فكانت حياته مستقرة تمام الاستقرار، بينما الآخر في حياة مضطربة صاخبة، مليئة بالمشاكل الأسرية والضرب والصياح، وفي يوم قال الرجل -صاحب المشاكل- لصاحبه: أنا لا أسمع صوتك ولا صوت امرأتك، وأنا كل يوم في نكد، فقال: إن حياتي هانئة جداً، وممتازة، فقال له: ما الذي صنعته؟ فقال: في أول ليلة الزواج كنا نأكل لحمة مع بعض وهناك قطة قربت مني فأمسكتها وذبحتها بالسكين -فهابته المرأة فاعتدلت- فقال: هذه نصيحتك؟ قال: نعم. فذهب إلى السوق واشترى قطة ووضعها في البيت، وأتى بلحمة وجعل يأكل هو وزوجته، وجاءت القطة، فقام وأمسك القطة وذبحها، فقالت له زوجته: هذه فاتت عليك، (اذبح قطتك ليلة دخلتك)، أي: هذا الفعل جاء متأخراً، فلو أنك فعلت هذه الفعلة ليلة الدخلة كنت أتيت بنتيجة. خلاصة الكلام: أن المرأة أول ما رأت خلق الرجل وعرفت أخلاقه عاملته على قدرها. إذاً: الرجل هو قطب الدائرة، والمرأة تدور حوله، يبقى الرجل هو الأصل، وأنا من واقع تجربتي، وملامستي للمشاكل التي أتوسط فيها كل يوم على مدار أكثر من خمسة وعشرين عاماً، ما وجدت امرأة ناشزاً قط إلا وجدت الرجل سبباً في نشوزها، فلو قام عليها بحق القوامة ما نشزت عليه، لكن تفريط الرجل في قوامته هو الذي أغرى المرأة في النشوز، وهاهو إبراهيم الخليل ﵇ يبين لنا كيف أن المرأة لا تعصي زوجها إن قام عليها بحق القوامة، فانظر إليه ﵇ وقد جاء بزوجته إلى بلد ليس فيها إنسي وتركها بوادٍ غير ذي زرع وجن الليل عليها هي وابنها الرضيع وإذا بها تلحق به وتقول له: يا إبراهيم! يا إبراهيم! وهو لا يرد عليها، وهي ما تزال تجري وراءه حتى وصلت إلى أعالي مكة، ثم بعد ذلك تقول: يا إبراهيم! لمن تتركنا، بواد غير ذي زرع ولا إنسي، فلا يجيبها، فتقول: آلله أمرك بهذا؟ فأشار برأسه أن نعم. فما زادت المرأة المُسَلِّمَة لله على أن قالت: إذاً: لا يضيعنا. فرجعت تواجه أقدارها؛ إنما رجعت لأن معها الصدق الذي تعودته من إبراهيم ﵇، فهو ما كذبها أبداً ﵇.

стр. 1074

حفظ الله لأوليائه رجعت هاجر إلى ابنها وعاشت وحدها، تشرب من السقاء الذي تركه إبراهيم ﵇، وتأكل من جراب التمر حتى نفد الماء، وعطشت وعطش الصبي وجعل يتلمظ من أثر التمر ولا ماء، فكرهت أن تراه وهو يموت، فذهبت فكان أقرب شيء إليها الصفا، فصعدت الصفا فلم تر أحداً وانحدرت تجري حتى صعدت المروة، تبحث في كل هذا عن ماء، فلم تر أحداً، وسعت سبع مرات، وهكذا يسعى الناس بين الصفا والمروة، وكانت تسعى سعي الإنسان المجهود، والمسافة بين الصفا والمروة حوالي أربعمائة وخمسين متراً. وهي تقطع هذه المسافة وتجري تبحث عن ماء. وبعد أن سعت كل هذا السعي، فإذا بها تسمع شيئاً، فقالت: صهٍ -لنفسها- تقول لنفسها: قد أسمعت لو كان عندك غواث، أي: لو كان شيء يغيثني فضرب جبريل ﵇ بجناحه الأرض، فخرج الماء من زمزم، فأول ما رأتها تفور، جعلت تحوضها. أي: تعمل حولها حوضاً بقصد أن تحفظ الماء، فالنبي ﷺ قال: (يرحم الله أم إسماعيل لو تركتها، لكانت عيناً معيناً). انظر: ماء زمزم من أيام إبراهيم ﵇ والناس يشربون ويتوضئون ويغتسلون ويرسلون إلى كل مكان وهي لا زالت عيناً، فكيف لو لم تحوضها، إذاً: لملأت الدنيا، فذهبت هاجر إلى رضيعها إسماعيل فإذا بها تجد أنه قد رضع وأكل وشرب وارتوى، وأن الذي غذاه هو جبريل ﵇. وهذا درس نستفيده: أن الله لا يترك أولياءه يتخطفون في الأرض، لكنه يبتليهم وتكون العاقبة لهم. وهذا الكلام موجه لكل رجل مبتلى، لكل رجلٍِ فارٍ في أنحاء الأرض بدينه، لاسيما إذا كان أهله معه أيضاً، فإن الله لا يضيع هؤلاء، فكل الأنبياء والصالحين، الذين فروا بدينهم إلى الله مكن الله لهم، كما قال النبي ﵊: (كذلك نحن معاشر الأنبياء نبتلى ثم تكون العاقبة لنا). وقد يقول قائل: لماذا أناط الله البلاء بالأولياء وهم أكرم عليه من أعدائه؟ أي: الأنبياء يبتلون وكذا الأولياء، وأعداؤهم -أعداء الله- لهم الدولة والقوة، وهم الذين شردوا المؤمنين، والله قادر على أن يمكن لأوليائه الكل، فلم أعطى الله الدولة لأعدائهم وأناط البلاء بهم؟ فتقول: العبد يوزن عند الله يوم القيامة بقلبه لا بجسمه، فسلامة قلبك عند الله مقدمةٌ على سلامة جوارحك، يبتليك في جوارحك، ويحفظ لك قلبك وهذه رحمة منه جل وعلا. قال إبراهيم ﵇: ﴿وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٧ - ٨٩]. فالقلب يستمد حياته من المحن ومن العواصف، وتجد أن أضعف الناس قلوباً هم أهل الترف، لكن أهل البلاء هم أقوى الناس قلوباً، فلذلك أناط الله البلاء بأوليائه؛ حتى يلقوا الله بقلب سليم. والجارحة تستمد قوتها من القلب. فهذا أيوب ﵇ مرض ثمانية عشر عاماً حتى رفضه القريب والبعيد، لكن قلبه كان سليماً وما ضره ما فاته من الجارحة.

стр. 1075

قصة أبي قلابة في الصبر على البلاء وفي هذا قصة رواها الإمام ابن حبان في كتاب الثقات عن الإمام أبي قلابة الجرمي. عن عبد الله بن محمد قال: كنت مرابطاً بعريش مصر فمررت على خيمة فإذا أنا برجل ذهبت يداه ورجلاه، وبصره، وثقل سمعه، فسمعته يقول: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل:١٩]، فقلت: سبحان الله! ما هذا الذي يقوله الرجل، أعلمٌ علمه؟ والله لآتين هذا الرجل، فأتيته فقلت: يا عبد الله! سمعتك تقول كذا وكذا، أي شيء تحمد الله عليه، قال: يا عبد الله! لو أرسل الله الجبال فدمرتني، وأرسل إلي البحر فأغرقني ما ازددت لربي إلا شكراً على هذا اللسان الذاكر، وهذا القلب الشاكر. ثم قال: إن لي ولداً كان يوضئني، وكان يطعمني ويقوم على أمري وقد افتقدته منذُ ثلاثة أيام فابحث لي عنه، فقلت: والله ما سعى إنسان في حاجة آخر أفضل منك، قال: وذهبت أبحث عن الولد، فما مضيت غير بعيد إلا ووجدت عظامه بين كثبان من الرمل قد افترسه سبع، قال: فركبني الغم، وقلت: ماذا أقول للرجل، وهو في هذا البلاء العظيم؟ قال: فجعلت أفكر ماذا أقول له، فتذكرت أيوب ﵇؟ قال: فجئت فسلمت عليه، قال: ألست بصاحبي؟ قلت: بلى. قال: ما فعل ولدي، قلت يا عبد الله! أتعرف أيوب ﵇؟ قال: نعم. قلت: ما تعرف عنه؟ قال: ابتلاه الله ثمانية عشر عاماً، قلت: فكيف وجده؟ قال: وجده صابراً، وليس هذا فحسب إنما ابتلاه بأهله وابتلاه بماله، فوجده صابراً، فقل ماذا تريد؟ قلت: احتسب ولدك، فإني وجدت عظامه بين كثبان الرمل، قال: فشهق شهقةً وقال: الحمد لله الذي لم يخلق مني ذريةً إلى النار ومات. قال: فركبني غم، وقلت: ماذا أفعل بالرجل؟ فلا أملك له شيئاً، إن تركته أكلته السباع، فمر قطاع طرق، فوجدوني أبكي بعدما سجيته فقالوا: مالك وما قصتك، ومن هذا الرجل، فكشفوا عنه فإذا هو أبو قلابة الجرمي، فقالوا: بأبي عينٌ طالما غضت عن محارم الله وبأبي جسمٌ طالما عانا في طاعة الله، قال: فسجيته ودفناه، وذهبت إلى رباطي، فلما نمت رأيته في منامي في أحسن حالة، فقلت له: ألست بصاحبي؟ قال: بلى. قلت: ما فعل الله بك؟ قال: أدخلني الجنة، وقيل لي: سلامٌ عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار. وأبو قلابة الجرمي أحد الأئمة الثقات، من الرواة عن أنس بن مالك، ثقةٌ، حافظ. فهذا البلاء المنوط بالأولياء هو نعمة من الله عليهم كما هو واضح في قصة أبي قلابة الجرمي، وقصة هاجر وإسماعيل ﵉. وعاشت هاجر وإسماعيل في هذا الوادي، وبينما قبيلة جرهم تمر في طريقها إلى بلدها، إذا رأوا طائراً يطير ويحوم فقالوا: لا يحوم هذا الطير إلا على ماء، فأرسلوا جرياً لهم أو جريين يعني: رسولاً -يبحثون عن ماء فوجدوا أم إسماعيل ووجدوا الماء هناك، فجاءوا واستأذنوا أن يسكنوا حول الماء، فقالت: نعم، اسكنوا ولكن لا حق لكم في الماء فوافقوا، وبنوا لها بيتاً وسكنت، وشب إسماعيل ﵇ في هذه القبيلة، وتعلم منها العربية وقد جاء في بعض الآثار أن إسماعيل ﵇ هو أول من تكلم بالعربية، وفي هذا الحديث: أن جرهم هي التي علمته العربية. فجمع العلماء بين الحديثين، وقالوا: أول من تكلم بالعربية الفصيحة المعربة هو إسماعيل، ومطلق التكلم باللغة العربية كان جرهم. وسكنت قبيلة جرهم مع هاجر وإسماعيل ﵉، وكبر إسماعيل فيهم وكان ذا خلق رفيع، فكان كل بيت يريدون أن يزوجوه ابنتهم، وتزوج إسماعيل ﵇ امرأة منهم.

стр. 1076

دور المرأة الصالحة الزاهدة في صلاح البيت وسعادة الرجل وانقضت الأيام ومرت الشهور والأعوام وجاء إبراهيم ﵇ من الشام لينظر ماذا فعلت المرأة والولد فوجد هاجر قد ماتت، وسأل عن بيت إسماعيل، فدلوه عليه، فدخل وقال لزوجته: أنت زوجة إسماعيل؟! قالت: نعم. فقال: أين إسماعيل؟ قالت: خرج يبتغي لنا، -أي: يطلب المعاش- فقال: كيف حالكم؟ قالت: في كرب وظنك وشدة، والله المستعان، وقعدت المرأة تشتكي له. فقال لها: إذا أتى فقولي له: إن أباك يسلم عليك، ويقول لك: غير عتبة بابك. فمضى إبراهيم ﵇، وجاء إسماعيل ﵇ وأول ما دخل البيت آنس شيئاً -هذه لغة القلوب يحس أن هناك شيئاً، فهذا يعقوب ﵇ كما قال الله: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ * قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ * فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٩٤ - ٩٦]- فسأل إسماعيل ﵇: هل جاء أحد؟ قالت: نعم. جاء رجل، قال: ما صفته؟ قالت: رجلٌ وضيء، صفته كذا وكذا. قال: هذا أبي، فهل أوصاك بشيء، قالت: يقرئك السلام، ويقول لك: غير عتبة دارك، -هي لا تعلم معنى عتبة الدار، فهي تقولها بسلامة نية، وربما لو كانت عرفت أنه يقول له غيِّر عتبة دارك يعني: طلق زوجتك، ربما كتمت هذا الكلام- فقال: هذا أبي وأمرني أن أطلقك فالحقي بأهلكِ. ونستفيد من هذا فائدتين: الأولى: أن المرأة هي زينة البيت، وعتبته، -والعتبة كناية عن الباب- فهي التي تحفظ البيت، وتدبر المعاش، فإذا كانت المرأة خائنة، ومسرفة، أشقت الرجل غاية الشقاء. الثانية: أنه لا ينبغي للمرأة أن تشكو من زوجها ولا تفضحه أمام أحد ولو كان أقرب الأقربين، ولا تشتكي أنها لا تأكل ما تريد، وأن مرتبه ودخله ضعيف، وأنه لا يستطيع أن ينفق عليها، فليس هذا من وفاء المرأة، والرجل دائماً يحب المرأة الوفية التي تستر عليه، ولا تكشف عيبه ولا عجزه، ويحفظ لها الجميل. وأنا أعرف رجلاً غنياً من أعيان الجيزة في مصر كان يبكي على امرأته لما ماتت بكاءً شديداً، وأصبره وأقول له اصبر واحتسب، -لأنه كان يبكي بصوت عالٍ- فقال لي: ومن أين لي بمثل هذه المرأة؟ وبدأ يحكي طرفاً من حياته معها، فقال: تزوجتها وليس لي في الأرض شيء، كنت عامل بناء، أعمل مع مقاول، فلما رأى المقاول فيَّ الأمانة والجد، جعلني رئيس العمال، ثم زوجني ابنته هذه، قال: فتزوجتها فكانت نعم الزوجة، كنت فقيراً وكنا نذهب كل خميس وجمعة، لزيارة والد المرأة، وكان بعد صلاة الجمعة يعمل مأدبة ويتوسع فيها، يقول: فكنت آكل، ولكن زوجتي لم تكن تأكل، فيقول لها والدها: كلي، فتقول: يا أبي! فلان هذا كل يوم يأتي لنا بمثل هذا، وهي لم تأكل من ذلك شيئاً، وإنما تظهر هذا التعفف، لكي لا تفضح زوجها ولا يظهر بأنه أقل من أبيها. فالمرأة لا ينبغي أن تفضح زوجها وتشوه سمعته، وليس هذا من خلق المرأة الوفية، المرأة عتبة الباب، وعتبة الدار هي محل اعتناء واهتمام، فإذا أغلق الباب بإحكام أمنا على ما في الدار، فكذلك إذا كانت المرأة أمينة أمن الرجل على ماله وعرضه. ولذلك إبراهيم ﵇، عندما جاء وسأل زوجة ولده فتبرمت واشتكت الضيق والشدة. إن المرأة غير الوفية لا تستحق الحياة مع هذا الرجل، والرجل يتخذ قراراً حاسماً، إذا كانت المرأة تشقيه ويئس من إصلاحها، بشرط أن يكون قام بحق القوامة عليها، كما هو حال إسماعيل ﵇، عندما استمع وصية أبيه وطلق زوجته. وفي الصحيح: (أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: لابنه عبد الله بن عمر: طلق امرأتك، قال: لا أطلقها. إني أحبها، فشكاه عمر إلى النبي ﷺ ، فقال: إني قلت له: طلق المرأة فأبى وقال: أنا أحبها. فقال النبي ﷺ : يا عبد الله! أطع أباك، فطلقها عبد الله بن عمر). قال الإمام أحمد ﵀: ليس كل الناس عمر؛ لأن عمر بن الخطاب عندما يقول: طلق المرأة، إنما يقول ذلك لأمرٍ ديني شرعي، كما قال إبراهيم ﵇ لابنه وعمر بن الخطاب لا يمكن أن تكون المرأة صالحة، تقية، وفية، مطيعة لزوجها ويأمر بطلاقه فلهذا السبب فإن هذا الحديث ليس عاماً، فإذا أمرك أبوك لغير أمرٍ شرعي أن تطلق زوجتك فلا طاعة له. وبعد أن طلق إسماعيل ﵇ زوجته عملاً بوصية والده، تزوج امرأة أخرى من جرهم وعاش معهم، ومضت الأيام والأعوام وجاء إبراهيم ﵇ يسأل عن ولده، فدخل بيت إسماعيل، فوجد امرأته فسلم وقال: أين إسماعيل؟ قالت: خرج يبتغي لنا. فقال: كيف حالكم؟ فأثنت على الله ، وحمدته وقالت: بخير حال. فقال: ما طعامكم؟ قالت: اللحم. فقال: ما شرابكم؟ قالت: الماء. فدعا إبراهيم ﵇ لهم باللحم والماء، ولو كان في مكة حب وزرع آنذاك لدعا لهم إبراهيم بالبركة بالحب والزرع أيضاً، ولذلك تجد اللحم والماء والبركة في مكة، وتجد فيها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف، كما قال ﵎: ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص:٥٧]، كل الثمرة الموجودة في الدنيا تجبى إلى مكة تحقيقاً لدعاء إبراهيم ﵇. فلما وجد إبراهيم ﵇ المرأة تثني على الله ﵎ بما هو أهله، وتحمده ﵎ وتثني على زوجها، قال لها: أقرئيه السلام وقولي له: إن أباك يقول لك: ثبت عتبة دارك، فجاء إسماعيل، وكأنما آنس شيئاً فسأل: هل جاءكم من أحدٍ؟ فقالت: نعم. جاء رجل. فقال: ما صفته؟ قالت: كان رجلاً وضيئاً، ومن وصفته كذا وكذا. فقال: بما أوصاك؟ قالت: أن أقرئك السلام، ويقول لك: ثبت عتبة دارك، فقال: إن أبي يأمرني أن أمسكك.

стр. 1077

الاهتمام بالأبناء وتربيتهم وتنمية عقولهم وبعد سنوات جاء إبراهيم ﵇، وقال لابنه إسماعيل: إن الله أمرني أن أبني البيت هنا، أفتعينني؟ قال: نعم. بعد أن قال: افعل ما أوصاك الله به، وإسماعيل ﵇ له موقف مشرف وغير هذا، كما هو وارد في قصة ذبحه، عندما قال له أبوه: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات:١٠٢]. وفي هذا درس لنا ينبغي على الآباء أن يهضموه لكي يخرجوا ذرية طيبة من الأولاد وهذا الدرس في قوله: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات:١٠٢]، فهذا حوار، وإشراك الولد في اتخاذ القرار، ما رأيك؟ قل لي رأيك في الموضوع؟ لا تقل: إنما هو ولد صغير، فالولد كبير لكنك أنت الذي تصغره، فيكبر وليس له شخصية. لكن إبراهيم ﵇ يشارك ولده في القرار، فيرد الصغير: ﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات:١٠٢]. والولد ينشأ على ما عوده أبوه وما رباه عليه أهله. وهذا محمد الفاتح الذي فتح القسطنطينية وحقق الوعد الأول للرسول ﵊ كانت أمه تأخذه كل يوم وهو صغير إلى النهر، وتكلمه عن الشاطئ الآخر، وتحدثه أن الشاطئ الآخر أحد الأماني الذي يسعى المسلمون إلى فتحه وكل يوم يتفرج على الماء وهي تمنيه وتقول له: نريد أن نعبر ونصل إلى الشط الآخر، وكان يكبر كل يوم ويكبر فيه هذا المعنى، فكبر محمد الفاتح وعنده هذه العاطفة، عاطفة النهر حتى صار شيئاً أساسياً في حياته، فصدق فيه قول القائل: (وراء كل رجلٍ عظيم أم). وليس كما يقولون: امرأة. بل هناك نساء دمرن رجالاً تدميراً. مثل أم محمد الفاتح، ومثل أم سفيان الثوري، فقد كانت تقول له: يا بني! اطلب العلم وأنا أكفيك بمغزلي، تشتغل بالمغزل وتبيع الغزل لكي تصرف على ابنها الذي يطلب العلم، ووراء الشافعي أم علمته العلم وكانت أيضاً تغزل، وكانت تنفق عليه. فنشأ محمد الفاتح على هذا الحلم والأمنية حتى صار حقيقة. فالواجب على الآباء والأمهات الاعتناء بتربية أولادهم وتنمية عقولهم، ومشاركتهم في المشاكل والحوادث؛ لكي يتعلموا معنى الرجولة الحقة، عليهم أن يقدموا تنمية عقولهم على الأكل والشرب والملبس. فإبراهيم ﵇ كان يشرك ولده في القرارات والملمات كما قال تعالى حاكياً عنه: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات:١٠٢]، أي: أرنا كيف تري الله من نفسك؟ أرِ الله من نفسك خيراً ولا تنكص على عقبيك، فيرد الولد، ويقول: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات:١٠٢]، كان في كلامه التسليم. تؤمر: فعل لما لم يسم فاعله: أي أن هناك آمر، يعني: هذا ليس بملكك ولو كان بملكك ما ذبحتني، لكن هذا أمرٌ لا دخل لك فيه، فأول شيء تفطن له إسماعيل ﵇، في إحالته أن والده مأمور: (سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ)، قال إن شاء الله، ولم يقل: ستجدني من الصابرين، إنما قال: (سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ)؛ لأنه لم يركن إلى نفسه، ولم يعتمد عليها، ولم يثق بها، إنما استثنى، وفوض أمره إلى الله. وهناك قصة لأحد العباد الزهاد ويسمى سيمنون الزاهد، كان يقول: يا رب! ابتلني وسوف أريك. -أي: سأصبر على البلاء- فحبس الله فيه البول، فتمرغ بالتراب وقال: يا رب! يا رب! فرّج عني، يا رب! أزل العذاب، لم يتحمل البول محبوساً بداخله، فعافاه الله، فكان هذا العابد يذهب يطوف على الكتاتيب، ويقول للأطفال الذين يحفظون القرآن: استغفروا الله لعمكم الكذاب. فلا تثق بعزيمتك؛ فإن العزائم تنفسخ، والإيمان يزيد وينقص. ولكن قل: إن شاء الله. فأنت قد تقرأ قصة لأحد الأبطال كأن تقرأ قصة أحد المجاهدين من الصحابة، فتحس أنك لبست الشخصية وتقمصتها، حتى إنه لو جاءوك وقطعوك إرباً إربا لا تتأوّه؛ لأنك ما زلت متحمساً وتقرأ في القصة، وتعيش هذا الدور، وفي هذه اللحظة إيمانك مرتفع، ولو جاءوا بك وآذوك فلن تستكين لهم، لكنك لا تدري بعد أن تقرأ القصة ويمضي الوقت ما يحدث، فعند أول كربة قد تصرخ: ارحمونا، ارحمونا. فإسماعيل ﵇، يقول: (سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ)، يعني: أنا لا أثق بعزمي، وأنا ما عندي من قوة فهي من الله ﵎: فخلع الحول والقوة في كلامه، قال: (سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ). وختاماً: لهذه القصة نقول: إن قصة إبراهيم ﵇، تدور على ثلاثة هم: إبراهيم، وابنه إسماعيل، وأمه هاجر. فكن قوي العزم وتأس بالرجال؛ إذا أردت الأسوة: إبراهيم ﵇، فإن نزل عزمك، فتأس بالصبيان تأس بإسماعيل ﵇، فإن نزل عزمك، أفلا تتأسى بربع رجل، وهي هاجر ﵍، وأنت تعرف أن المرأة الحرة، نصف الرجل، والأمة نصف الحرة، أي: ربع رجل، وتثبت وتعتمد على الله بقلبها، وتسكن في بيداء مكة وحدها، وهي موقنة أن الله لن يضيعها. فلابد لك من أسوة، والله يقول: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الممتحنة:٤]، وهؤلاء هم أسرة إبراهيم ﵇. ونحن نحتاج في عصرنا هذا إلى أمثال هؤلاء الرجال، أزمتنا أزمة رجال، وليست أزمة موارد أبداً، إن الله جعل الخير في بلاد المسلمين، لكننا نحتاج إلى رجال، رجال من معادن الرجال الذين مكن الله لهم في عشر سنوات. اقرأوا تاريخ البشرية من لدن آدم ﵇ إلى زماننا هذا، لن تجدوا أقواماً مكن الله لهم، وصنعوا دولة في عشر سنوات إلا الصحابة، فقط، دولة عشر سنوات فقط، يعني من ساعة ما هاجروا إلى المدينة، إلى أن مات رسول الله ﷺ ، عشر سنوات صنعوا دولة ودانت لهم فارس والروم، وما مات النبي ﷺ إلا وكلمة الله هي العليا؛ لأنه كان عنده أمثال هؤلاء الصحابة الكرام الأفذاذ. إذاً: أزمتنا أزمة رجال، فهذا الحديث فيه بحث عن الرجال أصحاب القيمة. نسأل الله ﵎ أن ينفعنا بما علمنا، وأن يعلمنا ما جهلنا، وأن يأخذ بأيدينا ونواصينا إلى الخير، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين.

стр. 1078

الولاء والبراء [١] إن أعلى مقامات الحب هي العبودية، ولا تنبني العبودية إلا على أصلين عظيمين هما: كمال الحب، وتمام الذل، ولا ينبغي صرف هذين الأصلين إلا لله سبحانه، وإن أكبر ثمرة من ثمار هذا الحب هي موالاة الله ورسوله والمؤمنين، والبراءة من الكافرين والمنافقين، ولقد كانت أهم قضية تناولها القرآن بعد نبذ الشرك وتقرير التوحيد هي قضية تقرير عقيدة الولاء والبراء، ولقد ضرب لنا الصحابة في ذلك أروع الأمثلة، ولعل من أبرز ثمار هذه العقيدة قيام الجهاد في سبيل الله، وهو الباب الذي فرطت فيه الأمة في هذا العصر، حتى وصلت إلى ما وصلت إليه.

стр. 1079

العبودية أعلى مقامات الحب إن الحمد لله تعالى نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. لا زال الحديث موصولاً عن علامات الحب، وآخر علامة نقف عليها اليوم، ثم نصل إلى الثمرة العظمى من هذه الدروس وهي: أن أعلى علامات الحب قاطبة هي العبودية، وقد درج بعض الناس -لاسيما بين الرجال والنساء- إذا أراد أحدهما أن يعبر عن شدة حبه للآخر، وأنه ليس له بعد الحب مذهب، يقول أحدهما للآخر: أنا أعبدك. هكذا يقولون، والعبادة لا تكون إلا لله ، مستحق الحمد وحده ومستحق العبودية وحده، لكنهم يعرفون أن أعلى علامات الحب هي العبادة، وحقيقة العبادة تنبني على أصلين عظيمين: الأصل الأول: هو كمال الحب، والأصل الثاني: هو تمام الذل، فلا ذل إلا بحب، ولا حب إلا بذل. فإذا وصل العبد إلى درجة العبادة لا يرى لنفسه اختياراً قط؛ لأن هذا ينافي الذل وينافي الحب اخضع وذل لمن تحب فليس في حكم الهوى أنف يشال ويعقد ليس لك أنف وأنت محب؛ لأنك إذا تحسست أنفك -الذي هو مناط النخوة- فهذا يضاد الحب، والمحب لا أنف له يتحسسه. المستحق للعبادة وحده هو الله ؛ لأنه وحده هو الذي يحب لذاته، ومن دونه يحب لقربه من الله، لا يحب لذاته لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، إنما نحبهم لقربهم من الله؛ ولأن الله اصطفاهم؛ لذلك أحببناهم وقدمناهم.

стр. 1080

العبودية مفتاح النصر والسنوات القادمة لعلها تتمخض عن حرب فاصلة بيننا وبين اليهود، فما هي عدتنا لهذه الحرب، إننا سنغلب اليهود في أول جولة إذا حققنا شيئاً واحداً: إذا كنا عباداً لله فقط. فالعبودية لله سلاحنا الوحيد، واقرأ مطلع سورة الإسراء يتبين لك هذا الأمر: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ * وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا * ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا * وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا * فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ [الإسراء:١ - ٦]. انظر! السورة بدأت بالعبودية، وكررت العبودية مرتين: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾، ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾، ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا﴾. كلمة (عباد) في القرآن عندما تأتي مضافة بالياء -ياء الإضافة- ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء:٥٣]، أو بنون الإضافة ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف:٢٤]، ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾ [مريم:٦٣]، ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر:٣٢] لما تأتي كلمة (عباد) في القرآن مضافة على الله ، فهي في الغالب تأتي إضافة تشريف، بخلاف كلمة (العبيد) فلم تأت قط إضافة تشريف، وإنما جاءت لوصف العبودية العامة الشاملة على العباد، عبودية القهر، وأن الكل يحتاج إلى الله ، لكن عبودية التشريف لا تأتي (بعبيد) تأتي (بعباد) ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا﴾ [الإسراء:٥]. وقلت: إن (عباد) إذا جاءت مضافة إنما تعني إضافة التشريف غالباً؛ لأنها قد تأتي مضافة وليس للتشريف، وإنما للقهر أيضاً، كقوله : ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:١٨] وهذه ربوبية شاملة على العباد. فالله سيبعث على هؤلاء عباداً له قاموا بحق عبوديته، ولا يمنع أن يسلط عليهم من هو أرذل منهم، كما قال ﵎: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [الأعراف:١٦٧]، سواء كان مؤمناً أو كافراً. واستحضروا في العصر الحديث ما فعله هتلر النازي باليهود، حتى إنهم في المؤتمر الأخير طالبوا الرئيس الأمريكي أن يعتذر عما فعله هتلر رسمياً، مع أن الرئيس الأمريكي لا علاقة له بما فعله هتلر، ولكن هي الآن: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ [الإسراء:٦]، لماذا؟ لم يعودوا عباداً، فرجعت الكرة عليهم مرة أخرى! ثم حذرهم وقال لهم: ﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ﴾ [الإسراء:٧] إذا ضللتم عباداً سيظل لكم الغلبة والنصر، وتظفرون على عدوكم، ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء:٧] ترجع الكرة عليكم مرة أخرى. : ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا * عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ [الإسراء:٧ - ٨] أيضاً، إذا سكرتم بخمرة الانتصار، وتجاوزتم حدود الله ، وعدتم للطغيان بعد أن أظفرناكم على بني إسرائيل؛ عدنا أيضاً لإذلالكم، وعاد بنو إسرائيل ليظهر عليكم مرة أخرى وهكذا. وشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كان يقول: (إن الله لينصر الدولة الظالمة إذا كانت عادلة، ويخذل الدولة المسلمة إذا كانت ظالمة) فإن الله لا يحابي أحداً من عباده: ﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء:٧]، انظر! مع أن المناسب أن يقال: (وإن أسأتم فعليها) وليس (فلها) لكن هذا نوع من التبكيت، كقول الله : (فبشرهم بعذاب أليم)، والبشرى لا تكون إلا بالخير، فهذا نوع من التبكيت: أن توضع البشرى مكان النذارة والعكس (وإن أسأتم فلها). سلاحنا في مقاومة كل أعدائنا: أن تكون عبداً لله ، كثير من الناس يسمع هذا الكلام وينفعل، ولكنه لا يغير في بيته شيئاً، ومع ذلك يصرخ في كل مكان، وينادي بالخلافة، وينادي بالحكم فمن غير المعقول أن يعجز الرجل عن ضبط بيته ثم يحكم دولة، هذا ليس بالإمكان! عاجز أن يأمر امرأته أو ابنته بلبس الحجاب الشرعي، أو هو عاجز أن يأمر ولده بالصلاة، ثم يريد أن يحكم دولة هيهات،!! هو عن حكم الدولة أعجز. إذاً العبودية هي مفتاحنا إلى النصر، وسلاحنا الوحيد. وإنني أطنبت وطولت في الكلام على علامات العبودية لكي أصل إلى الثمرة المرجوة من هذه الدروس وهي: الولاء والبراء، ولأن أكثر أهل الأرض أدعياء، والناس أربعة: مؤمن وكافر ومنافق وعاص.

стр. 1081

ولاؤك لمن فولاؤك لا يكون إلا للمؤمنين، وبراءتك لا تكون إلا من الكافرين والمنافقين، والعاصي يكون ولاؤك له بقدر إيمانه بالله، وبراءتك منه بقدر معصيته. فإذا راقبت علامات المحبة في الناس عرفت من توالي ومن تعادي، ومن الذي تلقي إليه بالمودة ومن الذي تتبرأ منه.

стр. 1082

ضياع عقيدة الولاء والبراء في واقعنا المعاصر عقيدة الولاء والبراء لأنها متصلة بالله مباشرة؛ حرص أعداؤنا على تمييعها وتضييعها، فظهرت مصطلحات الأخوة الإنسانية، حتى من بعض الذين ينسبون إلى الدعوة يقولون: إخواننا من النصارى، إخواننا الأقباط، هذا قدح في الإيمان، وقدح في عقيدة الولاء والبراء، لقد كفرهم الله وهذا يقول: أخونا في الوطن، إخواننا النصارى أو إخواننا الأقباط!! هذا حرام لا يجوز، لأن الله كفرهم، فلا يحل لمن كفره الله وأهانه أن تكرمه. وإذا أردت أن تعرف عقيدة الولاء والبراء أنها ضاعت فاسمع التجار الذين يتعاملون مع المستوردين، وانظر إلى إكرام التجار لهؤلاء الكافرين، وكيف أنه لا يجلس على الكرسي إلا إذا أجلسه، ويتودد إليه، وأن هذا الكافر قد يعقد صفقة محرمة، وقد يفعل شيئاً أو قد يقول شيئاً محرماً، ثم يبتسم هذا المسلم، ولا يغضب لله ! انظر أيضاً إلى الدرجات العلمية في الجامعات لما يأتي مستشرق، انظر إلى تكريمه في الجامعات! فضيلة المستشرق الفلاني، وقد جاء وهو عبقري وعلامة وفهامة إلى آخر هذه الألفاظ. جون بولكلتر الوجودي أول ما جاء هنا هو وعشيقته دخلوا الجامع الأزهر وأنا رأيته بعيني، وأنا في الأزهر ذات مرة كان هناك رجل فراش أعطوه خُمر، فأي واحدة متبرجة أجنبية تريد أن تتفرج وتدنس المسجد بقدميها -انظر الورع الكاذب والبارد! - يقول لها: البسي هذا الخمار طيب هي لابسة (شورت!) لبِّسها جلباب! امرأة لابسة خمار وشورت في الجامع الأزهر! فأنا داخل المسجد فوجدت هناك مجادلة بين المرأة والفراش، وهو يحاول أن يعطيها الخمار وهي ترفض، هل تعلم ماذا كانت النتيجة؟ أخرجت جنيهاً من جيبها وأعطته في يده، فلم يلزمها بوضع وهذا يحصل في بيوت الله! لماذا يدخل الكفار المسجد الأزهر؟ ما هي المصلحة؟ هل المسجد الأزهر أثر؟ أهو هرم؟ أهو أبو الهول؟ هذا بيت الله ، وبيت الله لا يدخله كافر إلا إذا دخله ليسأل عن شيء، وفيه أحكام كثيرة، كما كان الكفار يدخلون على النبي ﷺ ، يدخل لأجل أن يسأل؛ لأن النبي ﷺ كان له الغلبة، وكان له القهر والسلطان، فأي مشرك يدخل المسجد يدخل لعلة أو لمصلحة، لكن يدخل ليتفرج والمرأة متبرجة ويدخلون في مساجدنا؟! الآن أنا أقرأ في الجرائد منذ سنة (١٩٧٤م) مقالات لمستشار يقول فيها: إن اليهود والنصارى والمجوس والمسلمين في الجنة، مستشار يكتب من سنة (٧٤م) حتى الآن، وكتبها هذه السنة أيضاً أن المسلمين واليهود والنصارى والمجوس والصابئين في الجنة كلهم. ويسمح لمثل هذا أن يكتب، وينشر، ولو كان مضاداً لعقيدتنا التي تمتهن بحجة حرية التعبير وحرية الرأي. المشاركة في أعياد الكافرين، وتسهيل المسألة، ولا تكن متزمتاً ولا تكن متعصباً، كل هذا ضرب لعقيدة الولاء والبراء في مقتل، وصار الذين يملئون ويعمرون أعياد الكافرين هم المسلمون، من الذي يملأ أعياد الكافرين يوم (شم النسيم) غير المسلمين، وبكل أسف أرى أصحاب لحى، وأرى صاحبات نقاب يتنزهون، وخرجوا يشمون الهواء، أقول في نفسي: هل غيب هؤلاء؟ هل نسي هؤلاء أنهم مصنفون كإرهابيين على كل الموائد الدولية؟ هل نسي هؤلاء هذا الأمر؟ هل نسي هؤلاء أن كل حرب تعقد في بلاد من بلاد العالم إنما هي عليهم؟! يخرجون يعمرون مشاهد الكافرين! ليلة رأس السنة من الذي يزني، ومن الذي يعاشر النساء ويشرب الخمر غير المسلمين؟! ويدفعون ألوف (الجنيهات) في الفنادق، والذي له واسطة يجد تذكرة دخول، من الذي يفعل ذلك غير المسلمين في ديار المسلمين؟! وهذا على مرأى ومسمع، ثم بعد كل ذلك يطلبون النصر من الله . إن بقاء هذه الأمة على وجه الأرض مع كل هذا الخبث معجزة، إننا نستدل على أننا سننتصر على عدونا ببقائنا، بقاؤنا مع كل المخالفات معجزة وآية من آيات الله ، نستدل بها أننا سننتصر، كل هذا ولم يخسف بنا. إن الله ﵎ نهانا أن نسكن في مساكن الذين ظلموا، مع أن الأرض لله، والأرض لا تقدس أهلها، ولا تصبغ إلا بصبغة الساكنين عليها. مكة -التي هي أحب البلاد إلى الله- كانت في يوم من الأيام دار كفر، وهي أحب البلاد إلى الله، إنما الدار بساكنيها. الآن الدار دار إسلام غداً تصير دار كفر، فالأرض لا علاقة لها بالكفر والإيمان، ومع ذلك نهانا أن نسكن في مساكن الذين ظلموا مع أن الأرض لله لماذا؟ هذا داخل في عقيدة الولاء والبراء، فكثرة مشاهدة آثار الذين ظلموا تؤثر على القلب، ويزعمون أنهم أتوا ليروا أبا الهول والأهرام! فكثرة مشاهدة آثار الظالمين يؤثر على عمل القلب، ولذلك النبي ﷺ لما مر على الحجر من ديار ثمود، أين ثمود من الرسول ﵊؟ تفصله عنهم سنين طويلة، ومع ذلك أول ما مر على الحجر من ديار ثمود تقنع، واستحث الراحلة أن تسرع، وقال: (إذا مررتم بديار الذين ظلموا فأسرعوا؛ خشية أن يصيبكم ما أصابهم)، وهؤلاء موتى لا يؤثرون، فكيف بالأحياء؟ إذاً يقول لك: إذا مررت على قبر ميت أسرع، وبعد ذلك تتعامل مع الكافر فهل هذا كلام معقول! وقد أمرك بالإسراع بجانب قبر الميت منهم، فيحرم عليك أن تجامع المشرك، قال ﷺ : (من جامع المشركين فهو منهم)، ألا يكفي هذا رادعاً؟ فيجب علينا أن نخرج العادات والتقاليد البالية التي أخذناها من بلاد الكفر كالتقاليد البالية في الأفراح. بالأمس كان هناك فرح سبحان الله! هؤلاء الناس ليس عندهم حياء، المرأة متبرجة والديوث يتأبطها، والذي لا يشتري يتفرج، في الشارع! حتى قال مؤذن الفجر: الله أكبر فسكتوا وذهبوا ليناموا. أليس هؤلاء أولى بالعقوبة؟! أليس هؤلاء أولى بالعقوبة شرعاً وعرفاً؟! بعض الناس كانوا يشتكون من المحاضرات المعلنة في المساجد، وذات مرة نزل أحدهم ممن لم يصل الفجر في المسجد، ونسي القائمون على المسجد أن يطفئوا (الميكرفونات) الخارجية، وكنت أقول تذكرة عشر دقائق، فتطوع هذا ونزل من بيته ودخل على المسجد كأنه كتلة نار، وقال: هناك أناس نائمون، وهناك طلبة يذاكرون واستدار. وأنا أكمل الجملة، قلت: أكملها في دقيقة، فهو قال هاتين الكلمتين واستدار ذاهباً إلى باب المسجد، وبينما أنا أكمل الجملة استدار وشتم وخرج فهل يستطيع هذا إذا كان الفرح تحت بيته أن يتكلم؟ لا يستطيع، ولا ينصره لا عرف ولا سلطان. فهذه أمثلة! وفي سنة ثمانية وسبعين حين كان أحدهم وزيراً للأوقاف، ساكنو حي المهندسين اشتكوا من الأذان في (الميكرفونات) وقالوا: إن الأذان يزعجنا، وصدر قرار بإغلاق الميكرفونات العلنية في حي المهندسين، وقامت وقتها ضجة وثورة، وتكلم الدعاة عليها كلاماً طويلاً، وقالوا: الأذان لا يزعج أحداً، بل المريض وهو يتقلب في مرضه إذا سمع (الله أكبر) قال: رب أنت أكبر من المرض، فعافني، إذا سمع الله أكبر استبشر؛ لأنه لا ناصر له إلا الله في هذه الحالة، فهل تقوم تحرمه أن يسمع الأذان، وتقول الأذان يزعج! لا يزعج إلا البطالين الكسالى الذين شربوا الخمر إلى الأذان ثم يريدون أن يناموا. إذاً عقيدة الولاء والبراء هي والإيمان بالله لا ينفصمان، إذا وجد أحدهما وجد الآخر، وإذا رحل أحدهما رحل الآخر. وأيضاً -لخطورة عقيدة الولاء والبراء؛ ولأنها أخطر وأطول في الكلام من علامات المحبة- سنذكر أيضاً ضوابطها وعلاماتها، وأن بعض الصور تخرج من مسألة الولاء والبراء مثل المبايعة مع الكافر: أن تتعامل مع الكافر في البيع والشراء هذه الأفعال غير داخلة في عقيدة الولاء والبراء إلا إذا انضاف إليها أشياء، وسنذكر كل شيء بضوابطه. نسأل الله أن يرد المسلمين إلى دينه رداً جميلاً. اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين. اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر. اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولاتسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا. رب آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا، وكل ذلك عندنا.

стр. 1083

نماذج من حياة الصحابة في تقرير عقيدة الولاء والبراء الصحابة الأوائل ضربوا أروع الأمثلة في عقيدة الولاء والبراء، فقد خرجوا من ديارهم وتركوا كل شيء جمعوه في حياتهم فداءً لله ورسوله، ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال:٧٢] آمن لكنه لم يهاجر، وكانت الهجرة علامة على الولاء لله ، فبرغم أنه مؤمن إلا أنه قال: (لا توالوهم حتى يهاجروا)، فالصحابة لما خرجوا من ديارهم وتركوا كل شيء، تركوا آباءهم وأبناءهم وأموالهم لله ، حتى إن بعض هؤلاء كان رجلاً كبيراً بلغ من الكبر عتياً، فوق الثمانين عاماً، ولكنه آمن وكره أن يعيش في برودة المجتمع الكافر، فخرج يقاوم سنه، ويقاوم قلبه وجوارحه، وخرج من مكة إلى المدينة ماشياً، فبينما هو في الطريق إذ أدركه الموت، فضرب كفاً بكف، وقال: اللهم هذه بيعتي لك، اللهم هذه بيعتي لنبيك، فأنزل الله قوله: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء:١٠٠]. اعمل لله ومت حيث شئت ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا * أَحْيَاءً ?وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات:٢٥ - ٢٦] أي: جمعناهم على ظهرها ونجمعهم في بطنها، فكن عبداً لله ومت حيث شئت، كن في جوف سبع، كن في جوف بحر، ستصل إلى الله . وها هو صهيب الرومي ﵁، وكان قد جمع مالاً طائلاً وخبأه تحت جدار، ثم خرج هارباً بالليل، فعلم به المشركون فخرجوا وراءه، فأدركوه في الطريق، فقالوا له: جئتنا صعلوكاً لا مال لك، ثم تريد أن تخرج بالمال. قال: أرأيتم إن أعطيتكم مالي تخلون بيني وبين وجهي؟ قالوا: أجل. قال: فإن المال في مكان كذا. فلما قدم على النبي ﷺ وأخبره بما حدث، قال له: (ربح البيع أبا يحيى) ربح البيع لماذا ربح البيع؟ لأن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة. عقد بيع ينتظر توقيعك فقط، المشتري مضمون، لا ينكث أبداً، عقد بيع ينتظر توقيعك أنت فقط، فهل توقع؟ ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة:١١١]، لذلك قال له: (ربح البيع أبا يحيى). وهذا سعد بن أبي وقاص ﵁ وكان أبر الناس بأمه، حتى كان يضرب المثل ببره، فلما أسلم قالت: (لا آكل ولا أشرب حتى تكفر بدينك، لا آكل ولا أشرب حتى أموت فتعير بي، فيقال: يا قاتل أمه). وظلت يومين أو ثلاثة لا تأكل، حتى كانوا إذا أرادوا أن يطعموها فتحوا فمها بالعصا، قال: فجئتها فقلت لها: (والله يا أمي! لو كان لك مائة نفس فخرجت نفساً نفساً ما كفرت بديني، كلي أو دعي) هذا هو الولاء والبراء، هذا هو الولاء لله ، كامل المحبة كامل الولاء، وولاؤك بقدر محبتك. وذكر ابن هشام في سيرته أن أبا بكر الصديق ﵁ لما بعث النبي ﷺ ضرب ضرباً شديداً حتى كان يهذي، بسؤال واحد: ماذا فعل رسول الله؟ يسكتونه ويهدئون من روعه، وهو لا يكف عن هذا السؤال، حتى جاءت أم جميل بنت الخطاب وقد استدعوها: تعالي، طمئنيه، وهو لا يفتأ يقول: ماذا فعل رسول الله ﷺ ؟ فقالت: هو بخير. قال: أين هو؟ قالت: في دار الأرقم. أيها المسلمون: لقد عجز كثير من المسلمين أن يكونوا مثل امرأة مسلمة، لما مات أبوها وأخوها وزوجها، ثم لا تأبه بكل ذلك وتقول: وما فعل رسول الله ﷺ ؟ قالوا: هو بخير. قالت: أريد أن أراه. فلما رأته قالت: كل المصائب بعدك جلل لا قيمة لها!

стр. 1084

الولاء والبراء في القرآن الكريم القرآن الكريم يدور في أغلب محاوره على تقرير التوحيد ونبذ الشرك، والمعنى التالي مباشرة لهذا المعنى هو: الولاء والبراء، وعقيدة الولاء والبراء: أن تتولى الله ورسوله والمؤمنين، وأن تتبرأ من الكافرين والمنافقين والعصاة بالقيد الذي ذكرته في العصاة، واعلم أن من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه، ومتى كانت المحبة في القلب كاملة كان الإيمان كاملاً، أما فعل الجوارح فبقدر الاستطاعة. الإيمان: اعتقاد وعمل قول وعمل، وهو: قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان، ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة:٢٧٧]، (آمنوا): هذا عمل القلب، و (عملوا الصالحات): عمل الجوارح، فالإيمان اعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح، فلابد أن يكون عقد القلب كاملاً لا نقص فيه، كل نقص في عقد القلب يعد نقصاً في الإيمان، بخلاف عمل الجوارح، فهذا بقدر الاستطاعة: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦] (أكره): عمل الجوارح. مر رجل على قوم يعبدون الأصنام، فقالوا له: لن تمر حتى تقرب لإلهنا قرباناً، وإلا قتلناك، فقرب قرباناً لآلهتهم وهو كاره فهذا لا يضره شيء، لأن عقد القلب كامل، ولا يتصور نقصه في عقد القلب؛ لأن في مقابله نقص في الإيمان، والذي يحب الناس لمحبته واعتقاده فيهم إنما يحبهم بالهوى، ينبغي أن تكون محبته لله ، قد يسيء إليك أخوك ولكنك تحبه، لما فيه من الإيمان برغم إساءته لك، هذا هو الإيمان. الإيمان اعتقاد بالقلب، ولذلك الرسول ﵊ قال: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وليس وراء ذلك مثقال حبة خردل من إيمان) لماذا؟ لأنه لا يتصور الإكراه في عمل القلب، لأنك تستطيع أن تظهر غير ما تعتقد وأنت آمن؛ لأنه لا يشق عن قلبك، فلذلك جعل الإنكار باليد والإنكار باللسان بحسب الاستطاعة؛ لأنه ظاهر، أما القلب فلم يعذر فيه؛ لأنه لا يتصور عقد القلب إلا كاملاً، والنقص فيه يساوي النقص في الإيمان. إذاً كلامنا على علامات المحبة حتى تعرف من توالي ومن تعادي ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة:٥١] فالذي لم يكن مؤتمناً على عبادة ربه كيف يولى منصباً؟!. ذكر ابن القيم ﵀ في كتاب أحكام أهل الذمة حكاية عجيبة: أن الملك الصالح كان عنده مستشاراً نصرانياً، وكان هذا المستشار شجاً في حلوق المسلمين، كان يقرب النصارى ويبعد المسلمين، وفي يوم من الأيام جلس الملك الصالح مع هذا النصراني في مجلس، فتطرق الكلام إلى الكلام على النصارى واعتقاد النصارى، فالملك الصالح ذم النصارى، وذكر حكايات عن النصارى فقال: إنهم لا يحسنون الحساب، لأنهم جعلوا الثلاثة واحداً والواحد ثلاثة! جسم الأب والابن والروح القدس إله واحد! فخطر على بال الملك الصالح أنه يفتش وراء هذا الرجل، فإذا كان خان الله في التوحيد فماذا يفعل في الخزينة؟! فأكتشف أنه يؤدي إلى السلطان ديناراً ويأخذ دينارين على مذهبه، فهم ثلاثة، خان الله في التوحيد أفنجعله أميناً على الخزنة؟!! أميناً على الجباية!! ومع أن الأدلة صريحة في القرآن، فأهم معنى بعد التوحيد ونبذ الشرك هو الولاء والبراء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة:٢٣ - ٢٤]، هذه الأشياء التي ذكرها الله هي مدار حياة الناس كلها، هذه الأشياء هي التي يوالون عليها ويعادون، الآباء والأبناء والإخوان والأزواج والعشيرة والتجارة والمساكن، هذه هي حياة الناس، قال الله : ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ [التوبة:٢٤]، (تربصوا): يعني انتظروا فاقرة، وانتظروا عقوبة تنزل بكم حتى يأتي الله بأمره، ثم فسقهم جميعاً فسق هؤلاء الذين يحبون هذه الأعراض على الله ورسوله وعلى الجهاد في سبيل الله .

стр. 1085

عسى الله أن يأتي بالفتح إن الحمد لله تعالى نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد. في قول الله : ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ [المائدة:٥٢] ما هو الفتح؟ وما هو الأمر؟ وهل بينهما فرق؟ ((فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ)). (أن يأتي بالفتح): أن نظهر عليهم، ونستبيح بيضتهم، فإن لم يكن هذا الفتح، ((أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ)) يدمرهم مكانهم بغير كسب منك، كما فعل الله فيهم يوم الأحزاب ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب:٢٥] ((أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ)): يعني: ما خطر لك على بال، ولا دخل في حسابك. والفتح: كسب منك، والله يظفرك به ويظهرك عليه. وإذا نظرت إلى حال الصحابة الأوائل، وجدت أن كلا الأمرين قد تحقق، الصحابة خرجوا من ديارهم وأموالهم. وقصة جالوت وداود وطالوت، لما اشتكوا لنبيهم ماذا قالوا له؟ قالوا: ﴿وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ [البقرة:٢٤٦] ولو كانت وأبناؤنا (بالضم) يعني: نحن وأولادنا خرجنا وتركنا المال والديار، لكن انظر! يقول: أخرجنا من ديارنا وأخرجنا من أبنائنا، فانظر إلى فداحة المصيبة! ﴿أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ [البقرة:٢٤٦]. الولد قرة عين الوالد، فهؤلاء الصحابة لما قيل لهم: اخرجوا، تركوا ما بذلوه طيلة أعمارهم من المال والدار وراءهم، وذهبوا إلى مستقبل غير معروف، الصورة غير معروفة على الإطلاق، والنبي ﷺ لما دعاهم إلى الله لم يضمن لهم أكلاً جيداً ولا ملبساً جيداً، وما تكلم عن هذه قط، ولكنه وعدهم الجنة، فإذا بذلت نفسك لله وخرجت من ديارك وخرجت من مالك وخرجت من ولدك أنا لا أعدك بشيء في الدنيا، فلا أعدك بتمكين ولا أعدك بمطعم وشراب بارد، وإنما أعدك إذا مت أن تدخل الجنة، هذه هي دعوة الرسول ﵊. إذاً: وقود البذل والتضحية هو الإيمان لماذا؟ لأن هذه جنة! ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة:١١١] لم يقل: بأنه يمكن لهم، ولذلك من الغبن الشديد في حقنا: أننا نستعجل التمكين ونستعجل النصر، الرسول ﵊ قال له الله : ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود:١١٢]، أما مسألة أن يمكن لك أو يمكن لابنك أو يمكن لحفيدك أو لا يمكن إلا للجيل القادم بعد زمن طويل هذه مسألة في علم الله ، المطلوب منك أن تستقيم، أما الوعد بالتمكين فلا، لا نعد بالتمكين إلا إذا أقمنا العبودية، فإن الله وعدنا بذلك، لكن لا تقل: أنا فعلت، فلم لم يمكن لي؟! الصحابة لما خرجوا وتركوا أموالهم، ما الذي حصل؟ الله أباح لهم رافداً إلى يوم القيامة، نحن نعيش على خيره لو رجعنا إلى الجهاد، كم أُخذ منهم من المال تقريباً؟ جازاهم بأن أباح لهم الغنائم إلى يوم القيامة، والجزاء من جنس العمل، فعندما ترك الصحابة مالهم لله؛ أباح لهم رافداً لا ينضب، فأباح لهم الغنائم في وقعة بدر، والرسول ﷺ قال: (إن الغنائم لم تحل لسود الرءوس غيركم).

стр. 1086

تضييع الأمة لفريضة الجهاد ونذكر هنا قصة يوشع بن نون المشهورة، وهذه القصة وإن كنا تكلمنا فيها وفي فوائدها ولكن أذكرها لأن هذا وقتها، وقت الجهاد والفداء، وليستشعر الذين كانوا يثبطون الدعاة ويكتبون ضدهم حينما كانوا يدعون إلى الجهاد، فقد ظهر شخص على أعلى مستوى دبلوماسي في مؤتمر صحفي يقول: كلام الجهاد والعنتريات هذا ولى وانقضى، الآن زمان السلام. الكلام هذا كان بمدريد. فالسياسة لا دين لها، والدعاة لم يغيروا كلامهم أبداً، فهم ينادون دائماً بضرورة تعبئة الأمة للجهاد في سبيل الله، وصارت كلمة الجهاد سبّة، وعوقب من ينسب إليها ولو زوراً! بعدما قتلت هذه الروح في الجماهير وهجم علينا أعداؤنا، من يدفع الضريبة ومن يدفع الثمن؟ بعدما قتلوا هذه الروح الفتية في نفوس الجماهير، من الذي سيدفع هذا الثمن، ويدفع ثمن هذا الجرم العظيم في حق الأمة؟ فالجهاد مصطلح إسلامي خالص لا يعرف في أي ملة، يعرف القتال الكفاح النضال أي شيء من هذا الكلام، لكن (الجهاد) كلمة إسلامية خالصة، لم تعرف إلا عن المسلمين. أحد الملوك مرة قال: الجهاد! فاهتزت العروش، وأرسل الأمريكان والإنجليز ليسألوه: ماذا تقصد بهذه الكلمة؟ وضح مرادك! لماذا كلمة (الجهاد) مرعبة؟ لأنها أولاً: مصطلح إسلامي. ثانياً: لا يعلم استخدام هذه الكلمة من قبل المسلمين إلا مع الكافرين، فعندما تقاتل أخاً لك مسلماً فليس اسمه جهاداً: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات:٩] فقال: اقتتلوا ولم يقل جاهدوا، وقوله: (إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه) لم يقل: إذا جاهد. فلما نحيي كلمة الجهاد مرة ثانية، وندرس أبواب الجهاد وأحكام الجهاد، فأنت تجهز نفسك لمن؟ نحن نعرف أن الجهاد للكفرة فقط.

стр. 1087

عواقب ترك الجهاد فنحن في زمان الجهاد، وقد أظلنا زمان الجهاد، والجهاد في سبيل الله متعة، والصحابة كانوا يتسابقون إليه، وما الفقر الذي نحن فيه إلا بسبب ترك الجهاد، ولو نغزو كل سنة مرة أو مرتين أو ثلاث، ألم يكن سيسلم أناس كثيرون في الأرض؟ والذين سيرفضون هذه الدعوة ويحولون بيننا وبين دعوة الناس ألن نقاتلهم، ونغزوا أولادهم وأموالهم ونساءهم، وكل هذه عبارة عن أموال، وكل مجاهد كان يرجع من الجهاد ومعه أموال كثيرة والسبي من النساء والأولاد، ولو ذهب ليعمل صفقة تجارية في بلاد الغرب ما حصَّل هذه الأموال أبداً، وإذا احتاج إلى المال يبيع من السبي، وليس هذا فقط، بل هؤلاء منهم من سيسلم، فيكون هو أدخل أناساً آخرين في دين الله وظهرت كلمة الله . فكتاب أحكام الذمة لـ ابن القيم كتاب من أمتع الكتب في هذا الباب، وقد نشره رجل محقق واعترض على ابن القيم في أشياء كثيرة بسبب الذل المضروب على المسلمين. مثلاً: ابن القيم يقول: إن النصارى واليهود لابد أن يعطوا الجزية وهم صاغرون فهذا شرط، يعني: لا يدفع الجزية إلا وهو ذليل منكس رأسه ويقول: خذ الجزية وهذا شرط مذكور في الآية. فهذا يرد على ابن القيم ويقول: هذا الكلام هذا غير صحيح، ويكفي أن نأخذ الجزية، وما صاغرون هذه؟ وهذا الكلام غير صحيح وإنما هذا المحقق يتكلم من وضع الضعف والهوان الذي يراه ويعيش فيه! الرسول ﵊ قال: (لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالكلام). وصح عن عبد الله بن عمر أنه سلم على رجل فعلم أنه يهودي فجرى وراءه، وقال له: رد علي سلامي -هكذا بمنتهى العزة- فقال له: رددت عليك سلامك؛ لأن عز الفرد من عز أمته ودولته، وذله من ذل أمته ودولته.

стр. 1088

وقفات مع قصة يوشع بن نون ومقارنتها بالواقع فالرسول ﵊ لما ذكر قصة يوشع بن نون، قال: (غزا نبي من الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- فقال: لا يتبعني أحد ثلاثة نفر: لا يتبعني رجل بنى بامرأة ولما يدخل بها، ولا يتبعني رجل بنى بيوتاً ولم يرفع سقوفها، ولا يتبعني رجل له خلفات ينتظر نتاجها)، أي إنسان من هؤلاء أنا في غنى عنه: رجل تزوج ولم يبن -أي: لم يدخل بالمرأة- فهذا يجلس بجانبها لماذا؟ لأن الرجل يتمنى أن يتزوج، و (يعيش في ثبات ونبات ويخلف صبيان وبنات)، فهذا أول ما يرى بارقة السيف تلمع يفر كالجبان هذا لا ينفع. (ورجل بنى بيوتاً ولم يرفع سقوفها)، رفع الجدران وما زال السقف والدور الثالث والرابع والخامس، هذا الرجل يتمنى أن يرجع ليتمم ما بنى، فهذا يقعد. (ورجل له خلفات ينتظر نتاجها) له غنم، وهو ينتظر الغنم تلد، فبدل أن يكون لديه رأس غنم واحد يكون عنده رأسان وثلاثة وأربعة ويمني نفسه بالغنى. وهذا يذكرني بالرجل الفقير الذي كان له (قلة) سمن، وهذا الفقير كان في كل سبت يذهب ليبيع قلة السمن هذه ويشتري بطتين، ثم يبيعها ويشتري وزتين، فيوم من الأيام رأى بطاً ووزاً، فقال: هذا البط سأبيعه وآتي بشياه، ثم أبيع الشياة وأتي بخرفان، ثم أبيع الخرفان وآتي ببقر وجواميس، وبذلك سأصير غنياً جداً، وأبني قصراً منيفاً، وأتزوج أجمل امرأة في البلد، وأخلف من هذه المرأة ولداً جميلاً أربيه وأؤدبه وهذا الرجل كان يمشي على عكاز، انظر إلى هذه الأحلام كلها! وهو يمشي على عكاز ويحمل القلة، وهو ذاهب إلى السوق ليبيعها ويرجع، وهو مستغرق في أحلامه: وهذا الولد لابد أن أحسن تربيته -وهو في ذلك الوقت كان قاعداً والعكاز بجانب السرير- وأنا لا أحب الحال المشين ولا الكلام الفارغ، لابد أن أجعله ولداً جيداً، فإذا قال لي: لا؛ سأضربه هكذا فضرب على القلة فكسرها وانتهت أحلامه! فهذا رجل له خلفات ينتظر نتاجها ويقول: إن شاء الله تلد وسوف نبني ونترك ونفعل فالقلب هو الذي يعطي قوة الجارحة، فإذا أدبر القلب سحب تأييده للجارحة، وإذا أقبل أعطاها القوة، فلما يكون الإنسان يتمنى أن يرجع فهل يريد أن يموت؟!! ولذلك أحسن هذا النبي الكريم ﷺ غاية الإحسان حينما استثنى هؤلاء، فخرج بالجيش وكان ذاهباً إلى حرب العماليق، وليس الجبناء هؤلاء. بالمناسبة! الجيش الأمريكي جيش ضعيف، ولم ينتصر في معركة دخلها قط، واسألوا فيتنام، فالجيش الأمريكي ليس لديه أي انتصار مشرف يستطيع أن يقول: أنا انتصرت، وكما هو معلوم فإن اللص (الفتوة) إنما يرعب الآخرين بقوته وفتوته، والأمريكان يعيشون هكذا (فتوات) فقط. وفي حرب الخليج لو أن العرب تنحوا عنها أكان بإمكان أمريكا أن تدخل وتنتصر؟ أبداً والله، ولذلك أدخلوا العرب في الحرب البرية، وهم شاركوا في الطيران فقط، ولكن الحرب البرية التي هي حرب المواجهة الحقيقية، فالذي يريد أن يقول: أنا غلبت، وأنا قوي، وأنا شجاع يدخل الحرب البرية، فالحرب البرية قدموا فيها العرب، حتى يكونوا -أي: العرب- هم الذين يطهرون الأرض أماهم في الألغام. فيوشع بن نون ﵇ أخذ جنوده، وكان ذاهباً لمحاربة العماليق، ويذكرون في الإسرائيليات أن العماليق هؤلاء الواحد منهم كان طويلاً جداً، وكانت خلقتهم عظيمة. يقولون: من ضمن الحكايات أن واحداً من جيش يوشع بن نون ذهب إلى بستان حتى يتجسس على العماليق ويأتي بأخبارهم، مع العلم أن هذا الجندي ربما كان طوله كطولي مرتين -فالخلق ما زال يتناقص إلى يوم القيامة- فجاء أحد العماليق ودخل البستان فوجده مختبئاً في جذع شجرة، فأخذه ووضعه في كمه -الرواية تقول هكذا- وذهب به للأمير وقال له: وجدت هذا. فتخيل جماعة هذه صفتهم وذاهبون لمحاربة عماليق! أنا أقول هذا الكلام لتعرف أن الجبان لا ينتفع بالقنبلة في يده، الجبان يسلم لك مباشرة لو أنك أجرأ منه قلباً، فالرءوس الذرية التي يتحدثون عنها والتي يمكن لها أن تحرق الشرق الأوسط كله من أوله إلى آخره لا تهب قوتها ولا تخف منها؛ لأن الله ناصرك، ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ [المائدة:٥٢]. ومثلاً: دولة مبتدعة مثل إيران، والذي حصل في صحراء إيران أيام الرهائن الأمريكان معلوم عند الكثيرين، والرئيس الأمريكي غُلب بسبب هذه المسألة، فقام الأمريكان في صحرائهم فبنوا سفارة مثل سفارة أمريكا في إيران تماماً بنفس المداخل والمخارج، ووضعوا رهائن داخلها وأحضروا قوات (كوماندوز) ليخلصوا الرهائن ولعبوا هذه اللعبة! فهم مخترعو (السينما) في العالم، وتنظر فتجد عمارة مكونة من ستين دوراً وإذا بأحدهم يقفز منها كيف نزل سليماً؟ فهم أصحاب (هوليود). فيقول لك: نحن لابد أن نبين قوة أمريكا فأعدوا هذه التمثيلية لمدة ثلاثة إلى أربعة شهور، يأتي الطيران فينزل جنود (الكوماندوز)، ولكنهم نسوا شيئاً مهماً، نسوا أن الرجل مهما كان يمثل لا يمكن أن يتقمص شخصية الخصم. المهم تدربوا على هذه المسألة مرة ومرتين وأربع مرات وعشر مرات حتى تيقنوا مائة بالمائة أنهم سينتصرون؛ لأن (الرادارات) الموجودة في إيران كلها صنع أمريكي، وهم يعلمون كيف يشوشون على هذه (الرادارات)، ويعرفون أقصى مدى لها، وأنا قرأت في مذكرات بعض القادة العسكريين التي نشرت في السنوات الأخيرة أن أي دولة تصنع السلاح لا يمكن أن تعطي كل أسرار السلاح للدولة المستوردة، فتترك بعض أشياء معينة وكفاءات خاصة لا تستخدمها إلا الدولة المصنعة نفسها، فأنا لدي رادار مثلاً، وهذا الرادار أقول لهم: أقصى مدى له إذا الطائرة أتت على ارتفاع -مثلاً- سبعين متراً، وممكن (الرادار) هذا يكشف الطائرة وهي على بعد أكثر من ذلك، ولكن أنا معطل لهم هذه الخاصية، فلا يستطيعون أن يستخدموها. فطارت الطائرات الأمريكية على ارتفاع منخفض جداً وأفلتت من رقابة (الرادارات)، وربضت في صحراء إيران، وإيران ليس عندها علم بأن هناك طائرات أجنبية على أرضها، واستعدوا للدخول إلى السفارة وتخليص الرهائن حتى يعرِّفوا العالم أن أمريكا لا تغلب، وبينما هم يطيرون اصطدموا ببعضهم، هذا لو أنه مازال يتعلم ما فعل الخطأ البسيط هذا، فاصطدموا مع بعضهم أحياناً وأنت تمشي على الطريق السريع ترى حوادث سيارات لا يعملها طفل صغير، والذي فعلها إنسان يسوق السيارة منذ سنين طويلة. والحادثة أنت إذا وصفتها فستقول: طفل صغير لا يعملها، وتنكشف المسألة بحدوث حريق في الصحراء، ما هذا الحريق؟ قالوا: الطائرات اصطدمت ببعضها، والرجل ظهر واعترف. لماذا هؤلاء لم يضعوا الله في حسبانهم؟ نسوا الله فنسيهم، وهؤلاء مبتدعة، فما بالك إذا كنا نحن على عبودية لله كاملة، ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد:٧]. فخرج يوشع بن نون ﵇ هو والجيش صباح يوم الجمعة -كما في مستدرك الحاكم- وظلوا يقاتلون العماليق قتالاً عنيفاً إلى أن غربت الشمس ولم يفتح لهم، حينئذ قال يوشع ﵇ للشمس: (إنك مأمورة وأنا مأمور اللهم ردها علينا) فرجعت الشمس كما كانت، فظل يقاتل حتى فتح له، وغلب وانتصر لماذا؟ لأن معه رجالاً، والأزمة الموجودة في أمتنا الآن: أزمة رجال، وليست أزمة موارد ولا أزمة سلاح ولا أزمة خطط، وإنما أزمة رجال فقط. فلما جمعوا الغنائم كانت العادة أن النار تنزل من السماء فتحرق الغنائم، فهذا يدل على أن الله تقبل غزوهم، فلما نزلت النار لتأكل الغنائم لم تطعمها وارتفعت مرة ثانية، فمباشرة يوشع ﵇ قال: (فيكم غلول)، هناك لص في الجيش سرق شيئاً وغل مالاً، فمن يعترف؟ لم يعترف أحد إذاً: (فليبايعني من كل قبيلة رجل أو رجلان)، وكان من علامة (الغال) آنذاك أن تلتصق يده بيد النبي، فالتصقت يد رجل أو رجلين بيده فقال: فيكم الغلول؛ فأخرجوا من رحالهم مثل رأس البقرة من ذهب، فلما أرجعوه نزلت النار من السماء فأحرقت الغنائم.

стр. 1089

من ثمار الجهاد هذه القصة عقب عليها الرسول ﵊ وقال: (فلما رأى الله عجزنا وضعفنا أباحها لنا) التي هي الغنائم (لما رأى عجزنا وضعفنا أباحها لنا) مع الحديث الآخر: (إن الغنائم لم تحل لسود الرءوس غيركم) إذاً نحن الأمة الوحيدة المتفردة بحل الغنائم، فنكون قد ضيعنا على أنفسنا خيراً كثيراً على المستوى الاقتصادي بضياع كل هذه الغنائم. الغنائم أباحها الله لنا بعد قصة مطاردة أبي سفيان لما هرب بالعير، والرسول ﵊ أراد أن يأخذ عير قريش جزاءً وفاقاً، أيأخذون أموال الصحابة، ويحرمونهم من مالهم ونتركهم؟! لا، فعلى الأقل نأخذ هذه العير في مقابل ما أخذوه من مال. فلما هرب بالمال عوضهم الله خيراً من هذه الصفقة برافد إلى يوم القيامة، والتي هي الغنائم، تطبيقاً لقول النبي ﷺ : (من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه)، فالشيء الذي نتركه لله محضاً وخالصاً يعوضنا الله خيراً منه فلا تظنن بربك ظن سوء فإن الله أولى بالجميل ونحن نقرأ في هذه الآية: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾ أننا نغلب وننتصر، ونظهر عليهم، ونستبيح بيضتهم، وفي ذلك شفاء لصدور المؤمنين.

стр. 1090

إن الله يعين عباده المجاهدين بما يسلطه على أعدائهم من العذاب ﴿أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ [المائدة:٥٢] وأنا ربما حدثتكم قبل ذلك عن الفيضان الذي ضرب ولاية فلوريدا الأمريكية، وكانت الخسائر المبدئية اثنين وأربعين مليار دولار، وبعد حوالي شهر ضرب أيضاً البحر -بإذن الله مدينة هاواي الأمريكية، وهي مركز من مراكز الدعارة العالمية، فكانت الخسائر المادية خمسة مليارات دولار، ففي ثلاثين يوماً كانت الخسائر سبعة وأربعين مليار دولار وأنت لا تدري ما الذي جرى، مع هذه المخالفات التي في ديار المسلمين، خسر الأمريكان سبعة وأربعين مليار دولار في شهر، ولو أنك تمتلك أقوى جيش في العالم ودخلت في حرب معهم فلا يمكن أن تخسرهم سبعة وأربعين مليار دولار في شهر واحد. إذاً السلاح الماضي لنا هو العبودية ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الإسراء:٥]. بختنصر الذي ظهر على اليهود أول مرة، دخل مرة على البلد فوجد أن هناك دماً يفور على كومة من القمامة، فقال: ما هذا؟ قالوا له: وفق عقيدة ورثناها عن آبائنا فإن هذا الدم سيظل يفور حتى نرويه من دم أعدائنا، هل تعلم أنه لكي يطفئ هذا الدم -كما تقول الروايات- قتل سبعين ألف يهودي وصب دمهم على هذا الدم، قالوا: حتى إنه لم يبق أحد يقرأ التوراة، ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [الأعراف:١٦٧] فإذاً لا يعذبهم بعباده المؤمنين فقط، بل بكل الناس. حتى هتلر النازي كان يشويهم في الأفران شيّاً، وقد ذكرت قبلاً أنهم طلبوا من الرئيس الأمريكي أن يعتذر عما فعل هتلر لماذا؟ لأنهم لم ينسوا ضحاياهم، وهم يتحركون بهذه العقيدة، فهل نحن نتحرك بهذه العقيدة، نحن نسينا أن اليهود أعداؤنا، ونسينا أن النصارى أعداؤنا، ونسينا أن المجوس أعداؤنا كل هذا لأن الجذوة التي تتقد منها عقيدة الولاء والبراء ذهبت، وهذه الجذوة هي الإيمان بالله ، ونحن على يقين أننا سننتصر؛ إذا فعلنا ما أمرنا به من تحقيق العبودية لله قال تعالى: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧] نسأل الله أن يردنا إلى دينه رداً جميلاً، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
следующие страницы →