Полный текст (1 719 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
تضييع الأمة لفريضة الجهاد
ونذكر هنا قصة يوشع بن نون المشهورة، وهذه القصة وإن كنا تكلمنا فيها وفي فوائدها ولكن أذكرها لأن هذا وقتها، وقت الجهاد والفداء، وليستشعر الذين كانوا يثبطون الدعاة ويكتبون ضدهم حينما كانوا يدعون إلى الجهاد، فقد ظهر شخص على أعلى مستوى دبلوماسي في مؤتمر صحفي يقول: كلام الجهاد والعنتريات هذا ولى وانقضى، الآن زمان السلام.
الكلام هذا كان بمدريد.
فالسياسة لا دين لها، والدعاة لم يغيروا كلامهم أبداً، فهم ينادون دائماً بضرورة تعبئة الأمة للجهاد في سبيل الله، وصارت كلمة الجهاد سبّة، وعوقب من ينسب إليها ولو زوراً! بعدما قتلت هذه الروح في الجماهير وهجم علينا أعداؤنا، من يدفع الضريبة ومن يدفع الثمن؟ بعدما قتلوا هذه الروح الفتية في نفوس الجماهير، من الذي سيدفع هذا الثمن، ويدفع ثمن هذا الجرم العظيم في حق الأمة؟ فالجهاد مصطلح إسلامي خالص لا يعرف في أي ملة، يعرف القتال الكفاح النضال أي شيء من هذا الكلام، لكن (الجهاد) كلمة إسلامية خالصة، لم تعرف إلا عن المسلمين.
أحد الملوك مرة قال: الجهاد! فاهتزت العروش، وأرسل الأمريكان والإنجليز ليسألوه: ماذا تقصد بهذه الكلمة؟ وضح مرادك! لماذا كلمة (الجهاد) مرعبة؟ لأنها أولاً: مصطلح إسلامي.
ثانياً: لا يعلم استخدام هذه الكلمة من قبل المسلمين إلا مع الكافرين، فعندما تقاتل أخاً لك مسلماً فليس اسمه جهاداً: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات:٩] فقال: اقتتلوا ولم يقل جاهدوا، وقوله: (إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه) لم يقل: إذا جاهد.
فلما نحيي كلمة الجهاد مرة ثانية، وندرس أبواب الجهاد وأحكام الجهاد، فأنت تجهز نفسك لمن؟ نحن نعرف أن الجهاد للكفرة فقط.
стр. 1087
عواقب ترك الجهاد
فنحن في زمان الجهاد، وقد أظلنا زمان الجهاد، والجهاد في سبيل الله متعة، والصحابة كانوا يتسابقون إليه، وما الفقر الذي نحن فيه إلا بسبب ترك الجهاد، ولو نغزو كل سنة مرة أو مرتين أو ثلاث، ألم يكن سيسلم أناس كثيرون في الأرض؟ والذين سيرفضون هذه الدعوة ويحولون بيننا وبين دعوة الناس ألن نقاتلهم، ونغزوا أولادهم وأموالهم ونساءهم، وكل هذه عبارة عن أموال، وكل مجاهد كان يرجع من الجهاد ومعه أموال كثيرة والسبي من النساء والأولاد، ولو ذهب ليعمل صفقة تجارية في بلاد الغرب ما حصَّل هذه الأموال أبداً، وإذا احتاج إلى المال يبيع من السبي، وليس هذا فقط، بل هؤلاء منهم من سيسلم، فيكون هو أدخل أناساً آخرين في دين الله وظهرت كلمة الله .
فكتاب أحكام الذمة لـ ابن القيم كتاب من أمتع الكتب في هذا الباب، وقد نشره رجل محقق واعترض على ابن القيم في أشياء كثيرة بسبب الذل المضروب على المسلمين.
مثلاً: ابن القيم يقول: إن النصارى واليهود لابد أن يعطوا الجزية وهم صاغرون فهذا شرط، يعني: لا يدفع الجزية إلا وهو ذليل منكس رأسه ويقول: خذ الجزية وهذا شرط مذكور في الآية.
فهذا يرد على ابن القيم ويقول: هذا الكلام هذا غير صحيح، ويكفي أن نأخذ الجزية، وما صاغرون هذه؟ وهذا الكلام غير صحيح وإنما هذا المحقق يتكلم من وضع الضعف والهوان الذي يراه ويعيش فيه! الرسول ﵊ قال: (لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالكلام).
وصح عن عبد الله بن عمر أنه سلم على رجل فعلم أنه يهودي فجرى وراءه، وقال له: رد علي سلامي -هكذا بمنتهى العزة- فقال له: رددت عليك سلامك؛ لأن عز الفرد من عز أمته ودولته، وذله من ذل أمته ودولته.
стр. 1088
وقفات مع قصة يوشع بن نون ومقارنتها بالواقع
فالرسول ﵊ لما ذكر قصة يوشع بن نون، قال: (غزا نبي من الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- فقال: لا يتبعني أحد ثلاثة نفر: لا يتبعني رجل بنى بامرأة ولما يدخل بها، ولا يتبعني رجل بنى بيوتاً ولم يرفع سقوفها، ولا يتبعني رجل له خلفات ينتظر نتاجها)، أي إنسان من هؤلاء أنا في غنى عنه: رجل تزوج ولم يبن -أي: لم يدخل بالمرأة- فهذا يجلس بجانبها لماذا؟ لأن الرجل يتمنى أن يتزوج، و (يعيش في ثبات ونبات ويخلف صبيان وبنات)، فهذا أول ما يرى بارقة السيف تلمع يفر كالجبان هذا لا ينفع.
(ورجل بنى بيوتاً ولم يرفع سقوفها)، رفع الجدران وما زال السقف والدور الثالث والرابع والخامس، هذا الرجل يتمنى أن يرجع ليتمم ما بنى، فهذا يقعد.
(ورجل له خلفات ينتظر نتاجها) له غنم، وهو ينتظر الغنم تلد، فبدل أن يكون لديه رأس غنم واحد يكون عنده رأسان وثلاثة وأربعة ويمني نفسه بالغنى.
وهذا يذكرني بالرجل الفقير الذي كان له (قلة) سمن، وهذا الفقير كان في كل سبت يذهب ليبيع قلة السمن هذه ويشتري بطتين، ثم يبيعها ويشتري وزتين، فيوم من الأيام رأى بطاً ووزاً، فقال: هذا البط سأبيعه وآتي بشياه، ثم أبيع الشياة وأتي بخرفان، ثم أبيع الخرفان وآتي ببقر وجواميس، وبذلك سأصير غنياً جداً، وأبني قصراً منيفاً، وأتزوج أجمل امرأة في البلد، وأخلف من هذه المرأة ولداً جميلاً أربيه وأؤدبه وهذا الرجل كان يمشي على عكاز، انظر إلى هذه الأحلام كلها! وهو يمشي على عكاز ويحمل القلة، وهو ذاهب إلى السوق ليبيعها ويرجع، وهو مستغرق في أحلامه: وهذا الولد لابد أن أحسن تربيته -وهو في ذلك الوقت كان قاعداً والعكاز بجانب السرير- وأنا لا أحب الحال المشين ولا الكلام الفارغ، لابد أن أجعله ولداً جيداً، فإذا قال لي: لا؛ سأضربه هكذا فضرب على القلة فكسرها وانتهت أحلامه! فهذا رجل له خلفات ينتظر نتاجها ويقول: إن شاء الله تلد وسوف نبني ونترك ونفعل فالقلب هو الذي يعطي قوة الجارحة، فإذا أدبر القلب سحب تأييده للجارحة، وإذا أقبل أعطاها القوة، فلما يكون الإنسان يتمنى أن يرجع فهل يريد أن يموت؟!! ولذلك أحسن هذا النبي الكريم ﷺ غاية الإحسان حينما استثنى هؤلاء، فخرج بالجيش وكان ذاهباً إلى حرب العماليق، وليس الجبناء هؤلاء.
بالمناسبة! الجيش الأمريكي جيش ضعيف، ولم ينتصر في معركة دخلها قط، واسألوا فيتنام، فالجيش الأمريكي ليس لديه أي انتصار مشرف يستطيع أن يقول: أنا انتصرت، وكما هو معلوم فإن اللص (الفتوة) إنما يرعب الآخرين بقوته وفتوته، والأمريكان يعيشون هكذا (فتوات) فقط.
وفي حرب الخليج لو أن العرب تنحوا عنها أكان بإمكان أمريكا أن تدخل وتنتصر؟ أبداً والله، ولذلك أدخلوا العرب في الحرب البرية، وهم شاركوا في الطيران فقط، ولكن الحرب البرية التي هي حرب المواجهة الحقيقية، فالذي يريد أن يقول: أنا غلبت، وأنا قوي، وأنا شجاع يدخل الحرب البرية، فالحرب البرية قدموا فيها العرب، حتى يكونوا -أي: العرب- هم الذين يطهرون الأرض أماهم في الألغام.
فيوشع بن نون ﵇ أخذ جنوده، وكان ذاهباً لمحاربة العماليق، ويذكرون في الإسرائيليات أن العماليق هؤلاء الواحد منهم كان طويلاً جداً، وكانت خلقتهم عظيمة.
يقولون: من ضمن الحكايات أن واحداً من جيش يوشع بن نون ذهب إلى بستان حتى يتجسس على العماليق ويأتي بأخبارهم، مع العلم أن هذا الجندي ربما كان طوله كطولي مرتين -فالخلق ما زال يتناقص إلى يوم القيامة- فجاء أحد العماليق ودخل البستان فوجده مختبئاً في جذع شجرة، فأخذه ووضعه في كمه -الرواية تقول هكذا- وذهب به للأمير وقال له: وجدت هذا.
فتخيل جماعة هذه صفتهم وذاهبون لمحاربة عماليق! أنا أقول هذا الكلام لتعرف أن الجبان لا ينتفع بالقنبلة في يده، الجبان يسلم لك مباشرة لو أنك أجرأ منه قلباً، فالرءوس الذرية التي يتحدثون عنها والتي يمكن لها أن تحرق الشرق الأوسط كله من أوله إلى آخره لا تهب قوتها ولا تخف منها؛ لأن الله ناصرك، ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ [المائدة:٥٢].
ومثلاً: دولة مبتدعة مثل إيران، والذي حصل في صحراء إيران أيام الرهائن الأمريكان معلوم عند الكثيرين، والرئيس الأمريكي غُلب بسبب هذه المسألة، فقام الأمريكان في صحرائهم فبنوا سفارة مثل سفارة أمريكا في إيران تماماً بنفس المداخل والمخارج، ووضعوا رهائن داخلها وأحضروا قوات (كوماندوز) ليخلصوا الرهائن ولعبوا هذه اللعبة! فهم مخترعو (السينما) في العالم، وتنظر فتجد عمارة مكونة من ستين دوراً وإذا بأحدهم يقفز منها كيف نزل سليماً؟ فهم أصحاب (هوليود).
فيقول لك: نحن لابد أن نبين قوة أمريكا فأعدوا هذه التمثيلية لمدة ثلاثة إلى أربعة شهور، يأتي الطيران فينزل جنود (الكوماندوز)، ولكنهم نسوا شيئاً مهماً، نسوا أن الرجل مهما كان يمثل لا يمكن أن يتقمص شخصية الخصم.
المهم تدربوا على هذه المسألة مرة ومرتين وأربع مرات وعشر مرات حتى تيقنوا مائة بالمائة أنهم سينتصرون؛ لأن (الرادارات) الموجودة في إيران كلها صنع أمريكي، وهم يعلمون كيف يشوشون على هذه (الرادارات)، ويعرفون أقصى مدى لها، وأنا قرأت في مذكرات بعض القادة العسكريين التي نشرت في السنوات الأخيرة أن أي دولة تصنع السلاح لا يمكن أن تعطي كل أسرار السلاح للدولة المستوردة، فتترك بعض أشياء معينة وكفاءات خاصة لا تستخدمها إلا الدولة المصنعة نفسها، فأنا لدي رادار مثلاً، وهذا الرادار أقول لهم: أقصى مدى له إذا الطائرة أتت على ارتفاع -مثلاً- سبعين متراً، وممكن (الرادار) هذا يكشف الطائرة وهي على بعد أكثر من ذلك، ولكن أنا معطل لهم هذه الخاصية، فلا يستطيعون أن يستخدموها.
فطارت الطائرات الأمريكية على ارتفاع منخفض جداً وأفلتت من رقابة (الرادارات)، وربضت في صحراء إيران، وإيران ليس عندها علم بأن هناك طائرات أجنبية على أرضها، واستعدوا للدخول إلى السفارة وتخليص الرهائن حتى يعرِّفوا العالم أن أمريكا لا تغلب، وبينما هم يطيرون اصطدموا ببعضهم، هذا لو أنه مازال يتعلم ما فعل الخطأ البسيط هذا، فاصطدموا مع بعضهم أحياناً وأنت تمشي على الطريق السريع ترى حوادث سيارات لا يعملها طفل صغير، والذي فعلها إنسان يسوق السيارة منذ سنين طويلة.
والحادثة أنت إذا وصفتها فستقول: طفل صغير لا يعملها، وتنكشف المسألة بحدوث حريق في الصحراء، ما هذا الحريق؟ قالوا: الطائرات اصطدمت ببعضها، والرجل ظهر واعترف.
لماذا هؤلاء لم يضعوا الله في حسبانهم؟ نسوا الله فنسيهم، وهؤلاء مبتدعة، فما بالك إذا كنا نحن على عبودية لله كاملة، ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد:٧].
فخرج يوشع بن نون ﵇ هو والجيش صباح يوم الجمعة -كما في مستدرك الحاكم- وظلوا يقاتلون العماليق قتالاً عنيفاً إلى أن غربت الشمس ولم يفتح لهم، حينئذ قال يوشع ﵇ للشمس: (إنك مأمورة وأنا مأمور اللهم ردها علينا) فرجعت الشمس كما كانت، فظل يقاتل حتى فتح له، وغلب وانتصر لماذا؟ لأن معه رجالاً، والأزمة الموجودة في أمتنا الآن: أزمة رجال، وليست أزمة موارد ولا أزمة سلاح ولا أزمة خطط، وإنما أزمة رجال فقط.
فلما جمعوا الغنائم كانت العادة أن النار تنزل من السماء فتحرق الغنائم، فهذا يدل على أن الله تقبل غزوهم، فلما نزلت النار لتأكل الغنائم لم تطعمها وارتفعت مرة ثانية، فمباشرة يوشع ﵇ قال: (فيكم غلول)، هناك لص في الجيش سرق شيئاً وغل مالاً، فمن يعترف؟ لم يعترف أحد إذاً: (فليبايعني من كل قبيلة رجل أو رجلان)، وكان من علامة (الغال) آنذاك أن تلتصق يده بيد النبي، فالتصقت يد رجل أو رجلين بيده فقال: فيكم الغلول؛ فأخرجوا من رحالهم مثل رأس البقرة من ذهب، فلما أرجعوه نزلت النار من السماء فأحرقت الغنائم.
стр. 1089
من ثمار الجهاد
هذه القصة عقب عليها الرسول ﵊ وقال: (فلما رأى الله عجزنا وضعفنا أباحها لنا) التي هي الغنائم (لما رأى عجزنا وضعفنا أباحها لنا) مع الحديث الآخر: (إن الغنائم لم تحل لسود الرءوس غيركم) إذاً نحن الأمة الوحيدة المتفردة بحل الغنائم، فنكون قد ضيعنا على أنفسنا خيراً كثيراً على المستوى الاقتصادي بضياع كل هذه الغنائم.
الغنائم أباحها الله لنا بعد قصة مطاردة أبي سفيان لما هرب بالعير، والرسول ﵊ أراد أن يأخذ عير قريش جزاءً وفاقاً، أيأخذون أموال الصحابة، ويحرمونهم من مالهم ونتركهم؟! لا، فعلى الأقل نأخذ هذه العير في مقابل ما أخذوه من مال.
فلما هرب بالمال عوضهم الله خيراً من هذه الصفقة برافد إلى يوم القيامة، والتي هي الغنائم، تطبيقاً لقول النبي ﷺ : (من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه)، فالشيء الذي نتركه لله محضاً وخالصاً يعوضنا الله خيراً منه فلا تظنن بربك ظن سوء فإن الله أولى بالجميل ونحن نقرأ في هذه الآية: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾ أننا نغلب وننتصر، ونظهر عليهم، ونستبيح بيضتهم، وفي ذلك شفاء لصدور المؤمنين.
стр. 1090
إن الله يعين عباده المجاهدين بما يسلطه على أعدائهم من العذاب
﴿أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ [المائدة:٥٢] وأنا ربما حدثتكم قبل ذلك عن الفيضان الذي ضرب ولاية فلوريدا الأمريكية، وكانت الخسائر المبدئية اثنين وأربعين مليار دولار، وبعد حوالي شهر ضرب أيضاً البحر -بإذن الله مدينة هاواي الأمريكية، وهي مركز من مراكز الدعارة العالمية، فكانت الخسائر المادية خمسة مليارات دولار، ففي ثلاثين يوماً كانت الخسائر سبعة وأربعين مليار دولار وأنت لا تدري ما الذي جرى، مع هذه المخالفات التي في ديار المسلمين، خسر الأمريكان سبعة وأربعين مليار دولار في شهر، ولو أنك تمتلك أقوى جيش في العالم ودخلت في حرب معهم فلا يمكن أن تخسرهم سبعة وأربعين مليار دولار في شهر واحد.
إذاً السلاح الماضي لنا هو العبودية ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الإسراء:٥].
بختنصر الذي ظهر على اليهود أول مرة، دخل مرة على البلد فوجد أن هناك دماً يفور على كومة من القمامة، فقال: ما هذا؟ قالوا له: وفق عقيدة ورثناها عن آبائنا فإن هذا الدم سيظل يفور حتى نرويه من دم أعدائنا، هل تعلم أنه لكي يطفئ هذا الدم -كما تقول الروايات- قتل سبعين ألف يهودي وصب دمهم على هذا الدم، قالوا: حتى إنه لم يبق أحد يقرأ التوراة، ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [الأعراف:١٦٧] فإذاً لا يعذبهم بعباده المؤمنين فقط، بل بكل الناس.
حتى هتلر النازي كان يشويهم في الأفران شيّاً، وقد ذكرت قبلاً أنهم طلبوا من الرئيس الأمريكي أن يعتذر عما فعل هتلر لماذا؟ لأنهم لم ينسوا ضحاياهم، وهم يتحركون بهذه العقيدة، فهل نحن نتحرك بهذه العقيدة، نحن نسينا أن اليهود أعداؤنا، ونسينا أن النصارى أعداؤنا، ونسينا أن المجوس أعداؤنا كل هذا لأن الجذوة التي تتقد منها عقيدة الولاء والبراء ذهبت، وهذه الجذوة هي الإيمان بالله ، ونحن على يقين أننا سننتصر؛ إذا فعلنا ما أمرنا به من تحقيق العبودية لله قال تعالى: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧] نسأل الله أن يردنا إلى دينه رداً جميلاً، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
стр. 1091
الولاء والبراء [٢]
إن عقيدة الولاء والبراء هي الركيزة الأساسية التي تقوم عليها علاقة المسلم مع غيره، فالمسلم يوالي المسلمين ويحبهم على غير أنساب تربطه بهم، ويعادي الكافرين وأتباعهم، ولو كانوا أقرب الأقربين.
ولقد أدرك أعداؤنا أهمية هذه العقيدة فحرصوا على تمييعها بشتى الوسائل، ودأبوا على استبدالها بمصطلحات دخيلة: كأخوة الوطن، والروابط الإنسانية وغيرها، وأعانهم على ذلك العلمانيون الذين هم من أبناء جلدتنا، ويتكلمون بلساننا.
стр. 1092
ترسيخ عقيدة الولاء والبراء
إن الحمد لله تعالى نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
قلنا فيما مضى: إن أول ما ينبغي أن ينشأ عليه الولد: هو صدق الانتماء إلى الله ورسوله، وذكرنا معنى الانتماء، وأن أساس الانتماء الحب، وكما يقول شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية ﵀: (كل حركة في الكون أساسها الحب والبغض).
كل حركة يتحركها الكائن أساسها الحب أو البغض، فأساس الموالاة: الحب، وأساس المعاداة: البغض.
فبعدما ذكرنا علامات الحب قلنا: أثر هذا الحب هو موالاة الله ورسوله والمؤمنين ومعاداة الكافرين، فالرجل صادق الانتماء لا ينتظر أمراً من أحد ليدعو إلى من يحب، إنه يدعو إلى من يحب طبعاً، فلا يقال له: ادع إلى من تحب، أو الهج بذكر من تحب، إنه لا يحتاج إلى ذلك.
أفلا أعطيك مثلاً ودليلاً؛ لعلك بعدما تستمعه تقول مثلما قال ابن آدم الآول: ﴿يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ﴾ [المائدة:٣١]؟ الهدهد أحد جنود سليمان ﵇، وهو عبد لله ، فلا يوجد الكفر إلا في الثقلين الإنس والجن فقط فانتبهوا! فهذا العبد الموحد -الهدهد- انطلق بغير أمر، وراعه ما رأى، ورجع ليحيط سليمان ﵇ بذلك التقرير الخطير! ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ * لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [النمل:٢٠ - ٢١]، رجع الهدهد ولكن ينطوي صدره على سر عظيم، لو اقترب من سليمان لعله قاتله قبل أن يبوح بالسر الذي بين يديه، لذلك ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [النمل:٢٢] ولم يترك مهلة لسليمان ليسأله أين كنت، حتى عاجله وبادره بهول ما رأى ﴿فَقَالَ﴾ [النمل:٢٢] جاءت الفاء تفيد التعقيب مباشرة، حتى لا يترك أي فرصة للسؤال ﴿فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل:٢٢]، ما أخبرني أحد، بل رأيت بعيني.
﴿إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾ وهذا عجب! المرأة مملوكة لا مالكة، ولذلك حرمت من القضاء، وحرمت من الولايات العظيمة، وجعل عليها القوامة؛ لأنها مملوكة، فالعجيب أن يملُك هذا المملوك! كأنه قال له: اعجب وتنكر أن امرأة تملكهم، ولم يقل: تحكمهم؛ لأن الملك يدخل فيه معنى الحكم، والملك أعظم، ولذلك العلماء لما تكلموا في قوله ﵎: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤]، أو ((مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ)) وكلاهما قراءتان متواترتان، وتكلم العلماء أيهما أبلغ، ((ملك يَوْمِ الدِّينِ)) أو ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، فقال جمهورهم: بل ((ملك يوم الدين)) أبلغ، لأن كل ملك مالك، وليس كل مالك ملك، فيقول: ﴿إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾ لم يقل: تحكمهم بل قال: (تَمْلِكُهُم) وهذا أشد لهوانهم.
تصور لما تكون العصمة في يد امرأة، ماذا تفعل بالرجل؟! العصمة في يدها، لذلك نهيت المرأة عن تولي الولايات العامة والقضاء؛ لأنها مملوكة، ولا تكون مالكة، ﴿إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل:٢٣].
هذه توطئة: ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، فلماذا ذكر التوطئة هكذا؟ ﴿وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ إنما قدم بأنها تملك كل شيء حتى يظهر قبح الشرك، بعدما آتاها كل شيء، وملكها وأجلسها على عرش عظيم؛ تسجد لغير الله؟ وليظهر قبح ما ارتكبته المرأة وقومها، ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ * أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل:٢٤ - ٢٦].
فهذا جندي خرج بلا أمر، فلما رأى هذا الشرك لم يحتمل، وذهب ليضع هذا التقرير الخطير بين يدي سليمان ﵇، وكل محب منتمٍ يفعل ذلك، والذين يزعمون الالتزام كم من الفواحش، لا أقول: مررت عليها، بل هي في بيتك، وكم من المخالفات لا أقول: غيرك هو الذي يفعلها، بل أنت الذي تفعلها، وأولادك يفعلونها، وامرأتك تفعلها، وجيرانك، ومن معك في البيت، ومن معك في الشارع، ومن معك في البلد، ومع ذلك يقول أنا: لا شأن لي! هذا يصرف معنى الانتماء؛ لأن من يتحقق عنده الانتماء لا ينتظر الأمر في الدعوة إلى من يحب، ولا في اللهج باسم من يحب، إنما يجد نفسه منساقاً إلى ما يعتقد.
стр. 1093
حقيقة البراءة من الكافر
إن حربنا مع أعدائنا -الذين يجب علينا أن نبغضهم غاية البغض لأنهم كفروا بالله ليست اقتصادية ولا سياسية ولا اجتماعية، إنما هي حرب عقائد، كذا قال الله ، كل حرب مع عدو لنا القصد منها أن نكفر بالله، أن نرتد عن ديننا، كذا قال الله : ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة:١٠٩]، ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠]، ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة:٢١٧]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٠٠]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٩]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ [آل عمران:١١٨]، وقال تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء:٨٩]، وقال تعالى: ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ [الممتحنة:٢].
هذه الآيات ناطقة بأن رجاء كل الذين كفروا أن يرتد المسلمون على أدبارهم، إذاً: ليست حرباً سياسية ولا اقتصادية ولا اجتماعية، بل هي حرب عقيدة، ولذلك تجد أي مستعمر لأي بلد أول شيء يحرص عليه أن ينشر لغته؛ لأنه لا يتم نشر الاعتقاد ولا فهم المعتقدات إلا باللغة، وتجد هذا واضح الأثر حتى الآن، فاللغة الأولى في بلادنا ما هي؟ لا تقل لي اللغة العربية، فهذا حبر على ورق، مثلما يقال في الدستور: الدين الرسمي للدولة الإسلام هذا غلط، الدين الرسمي للدولة هو القانون، لا الإسلام، هذا هو الواقع، دعنا من الحبر المكتوب على الورق، فهذا كلام لا يساوي المداد الذي كتب به، الواقع أن اللغة الأولى في بلادنا هي اللغة الإنجليزية، وليست هي اللغة العربية، فاللغة العربية مظلومة، ومدرس اللغة الإنجليزية يحظى باحترام وتقدير لا يجده حتى مدرس اللغة العربية.
وحافظ إبراهيم له قصيدة رثائية رائعة، اللغة العربية ترثي نفسها، يقول فيها على لسان اللغة العربية المهضومة: وسعت كتاب الله لفظاً وآية وما ضقت عن آي به وعظات فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة وتنسيق أسماء لمخترعات أنا البحر في أحشائه الدر كامن فهل ساءلوا الغواص عن صدفاتي حتى الآن وما زالت مشكلة تعريب الطب مشكلة المشاكل، كيف تقاعسوا عنها حتى الآن، ولا نعلم أن هناك بلد تحترم هذا التعريب إلا سوريا ومن جرى مجراها من البلاد العربية، ولا زالت بعض المصطلحات الكافرة موجودة حتى الآن ينطقها المسلمون ويعجزون عن تغييرها، مثل أن يقال: عيب خلقي ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ [الملك:٣] فهل يقال عيب خلقي؟! إن رسول الله ﷺ رأى رجلاً في ظهره انحناء، فجعل الرجل يخفي هذا بثوبه، فلحظه النبي ﷺ فناداه، وقال له: (يا فلان! كل خلق الله حسن).
الأمم المنتصرة تفرض نفسها وتفرض مصطلحاتها على الأمم الضعيفة، فنتكلم بالكلام الكفري باسم المصطلحات العلمية، ونعجز عن تغييرها لماذا؟ لأنه ساد المصطلح، وصار معروفاً للأساتذة الكبار والتلاميذ الصغار، فلو قلت له: ماتقول في كذا -وسميته اسماً من عندك-؟ لا يعرف الطالب ماذا تريد، مع أن الدنيا كلها تشهد أننا اخترعنا الطب، وهم أخذوه منا، ونحن أولى به، وبضاعتنا يجب أن ترد إلينا، لكن هذا القهر اللغوي غلبنا في كل شيء.
المغرب العربي اللغة الرسمية فيه هي الفرنسية، وقد قابلت كثيراً منهم في الحج والعمرة ولا يتكلمون العربية إلا بصعوبة، بل أقول لكم شيئاً رأيته بنفسي، لما سافرت إلى أسبانيا وأنا طالب، وجعلت أبحث عن مسجد لأصلي فيه الجمعة، ظللت أسبوعين أبحث وأسأل كل من ألقى: أين المسجد الموجود في مدريد؟ وبعد بلاء وصعوبة قالوا: المسجد في الشارع الفلاني، فذهبت وأنا أظن أنه مسجد له مئذنة أو مسجد كبير على وجه الأرض، فقابلت رجلاً على قارعة الطريق فسألته: أين المسجد الذي هنا؟ فبصق في الأرض ومضى، فذهبت إلى عنوان وصف لي، فلما وصلت ذهبت إلى استعلامات العمارة وأنا خائف أن يبصق الرجل أيضاً، فسألته وأنا وجل: هل يوجد هنا مسجد؟ قال: انزل هذا البدروم، نزلت تقريباً ستة عشر درجة، فوجدت شقة مؤلفة من غرفتين وصالة ووجدت بها مجموعة مكونة من حوالي مائة رجل يصلون الجمعة، كلهم يتكلم بالعربية وينتمون إلى جاليات عربية، وأغلبهم من الشام.
فجعلت أتكلم بالعربية معهم، وأردت أن أتكلم مع ولد بجواري فرفض، وتكلم بالأسبانية، ففرحت وكدت أطير، حيث وجدت بغيتي أخيراً وجدت مسلماً أسبانياً في بلد ظل الإسلام فيه ثمانية قرون -ثمانمائة سنة- فلما تكلمت معه أُسقط في يدي إذ لم يكن أسبانياً، ولكنه شاب مغربي لا يعرف حرفاً من اللغة العربية! فاللغة الرسمية في بلاد المغرب العربي هي اللغة الفرنسية، وهكذا فإن الاستعمار أول ما يدخل يبدأ ينشر لغته؛ لأنه إنما ينشر اعتقاده باللغة، وكل الحروب الدائرة بيننا وبين الكفار حرب معتقدات، وليست حرب اقتصاد ولا سياسة ولا هيمنة أبداً، إنما هي حرب معتقدات كما قال الله : ((وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا)) [النساء:٨٩]، كل المسألة أنهم يريدوننا أن نكفر كما كفروا.
فهل نوالي مثل هؤلاء؟ هل نلقي إليهم بالمودة؟ إن الولاء والبراء هو الأثر الطبيعي لصدق الانتماء، وإن الكافر إذا ظهر لا يدعك أبداً، ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً﴾ [التوبة:٨]، ﴿لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً﴾ [التوبة:١٠]، وقال في الفتية الذين آمنوا وهربوا إلى الكهف: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ [الكهف:٢٠]، هذه طبيعة ظهور الكافر على المسلم.
стр. 1094
فقه البراءة من الكفار
الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ﴿يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب:٤]، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
روى الإمام النسائي في سننه أن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ لما جاء إلى النبي ﷺ قال له: (يا رسول الله! ابسط يدك فلأبايعك، واشترط علي فأنت أعلم -من العهود والمواثيق-.
قال: تبايعني على ألا تشرك بالله شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتناصح للمسلمين، وتفارق المشركين)، فتأمل هذا! مفارقة المشركين ضرورة، ومن غير المتصور على الإطلاق بأي مذهب على وجه الأرض أن توالي عدو حبيبك وتزعم أنك تحبه! أو تقول: أنا أكرهه، ثم تبسط يدك إليه بالود! فأنت عندما تحب الله ؛ تكره أعداءه بتلقائية، بدون مجهود، و (تفارق المشركين).
لقد كانت جناية الطابور الخامس على أمتنا جناية عظيمة الأثر، بالغة الخطر، لا زلنا نتجرع مرراتها حتى الآن.
والعجيب: أن كل خائن وصل إلى قمة الهرم كيف؟ لا أدري! وكأن من مسوغات ارتقاء الهرم أن تكون خائناً! وكلما بالغ المرء في الخيانة كلما واصل ارتقاءه.
وقد قرأت منذ أيام في مذكرات أحمد لطفي السيد، الذي لقبوه بأستاذ الجيل، ونزل هذا الكتاب بخمسة وعشرين قرشاً في وقت كان أسعار الورق فيه مرتفعة، وأسعار الكتب في الذروة، ولكن هذا الكتاب كان مدعوماً، وقد كتب عليه في أعلى الغلاف (المواجهة) ومن تحت (التنوير) وعلى غلاف الصفحة الأخيرة مذكور: لماذا تنشر هذه السلسلة بهذا الثمن الرخيص؟! قال لك: لأن الإرهاب سيحطم كل الإنجازات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وما إلى ذلك، فأحببنا أن نواجه الإرهاب بالتنوير.
في هذا الكتاب تحت عنوان (الجامعة الإسلامية) في أيام اللورد كرومر، وعندما كان الإنجليز يحتلون مصر، ظهرت فكرة إنشاء جامعة إسلامية في مواجهة الإنجليز لتحرير البلد، فلما نطق بهذه الفكرة بعض الصحفيين على صفحات الجرائد آنذاك؛ هاب الإنجليز والغرب ذلك، فبعثوا يسألون عن حقيقة هذه ما الجامعة الإسلامية، فانبرى أستاذ الجيل يفند وينفي بقوة قلب وجرأة جنان أن يكون هناك أي فكرة للجامعة الإسلامية، وقال: هذا تفكير ساذج لصحفي كاذب.
كل هذه آثار ينبغي أن يكون المسلم عالماً بفقه البراءة منها؛ لأن من أسباب عدم ظهور هذه الشعيرة العظيمة: الجهل، ووضع الضعيف في مكان القوي، والقوي في مكان الضعيف.
ونحن نعلم أن الخوارج لما وصفهم الرسول ﵊ -في صحيح البخاري- قال: (يدعون أهل الأوثان، ويقتلون أهل الإسلام) مثلاً: أنت مختلف مع واحد في مسألة، القنوت في الفجر -مثلاً- أبدعة هي أم لا؟ أو مسألة رفع اليدين في دعاء الجمعة بدعة أم لا؟ هذه المسائل الفرعية، مسألة أن الجماعة الفلانية مبتدعة أم لا، مسائل كهذه يهجره بسببها، ويصير جاره النصراني يقول له: صباح الخير، وصباح الفل، ويضحك في وجهه، وأول ما يرى أخاه يتجهم وهذا من أسلوب الخوارج، (يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان).
فتعاملك مع الناس يجب أن ينبني على أساس الدين، وبالتالي فإن هجرك لأصناف الناس يجب أن يكون وفق العقيدة التي يعتقدها كل صنف، فالمبتدع له نمط، والعاصي له نمط، والكافر له نمط، الرسول ﵊ قال -كما في صحيح مسلم-: (لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه) ضيق عليه، وهذا حديث في صحيح مسلم، أين ذهبت هذه الأحاديث؟!
стр. 1095
من صور البراءة من الكفار
وباختصار: عدتنا القادمة هو الإيمان بالله، والاستعلاء بهذا الدين، والولاء والبراء، وأول من ينبغي أن تتبرأ منه هو الكافر بالله .
مثل إبراهيم ﵇ ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف:٢٦ - ٢٨]، انظر الكلام! ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ عقب من؟ عقب إبراهيم ﵇.
إذاً: الولاء والبراء جزء من لا إله إلا الله،، ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾، فهذا معنى كلمة: (لا إله) أليس البراء رفض، والولاء انتماء؟ فعندما تقول: (لا إله) فهذا شطر البراء الموجود في الكلمة المباركة، و (إلا الله): هذا هو الانتماء، ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾: هذا هو معنى (لا إله) ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف:٢٧] (إلا الله) فجعل الله كلمة التوحيد باقية في عقب إبراهيم ﵇ يتناقلها أبناؤه وذريته إلى يوم القيامة، فكل الأنبياء من نسله، وإن تعجب فعجب أن يقول الذي نزل بالتوحيد: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم:٣٥]، يخشى -وهو الحنيف الذي أرسل بالتوحيد- أن يرتكس في عبادة الأصنام؛ فيستعيذ بالله من ذلك.
لأنها كلمة باقية في عقب هذا النبي الكريم شرفه الله بها، وشرف ذريته بها، فإعلانك البراءة من الكافرين لا يتم قول لا إله إلا الله واعتقادها إلا بذلك.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
стр. 1096
ضياع الانتماء والولاء والبراء في واقعنا المعاصر
نحن في زمان نمر بأحداث جسام، وأزمتنا أزمة رجال، نريد أن نستعلي بهذا الإيمان، فهو الذي يغلب، ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة:٥٥ - ٥٦].
هذا هو سلاحنا الوحيد، وعندما قال الدعاة إلى الله : إن السلام الذي عقد مع اليهود ليس سلاماً، بل هو استسلام؛ رموهم بالرجعية والتخلف، وهجم عليهم العلمانيون، الذين يريدون ربط الناس بالتراب وليس بالله ، حيث يقول قائلهم: وطني لو صوروه لي وثناً هممت ألثم ذلك الوثنا ويقول الآخر: سلام على كفر يوحد بيننا وأهلاً وسهلاً بعده بجهنم ويقول الآخر: ويا وطني لقيتك بعد يأس كأني قد لقيت بك الشبابا أدير إليك قبل البيت وجهي إذا فهت الشهادة والمتابا هكذا يريدون أن يربطوا الناس بالتراب، ومن رُبط بالتراب دِيس بالأقدام، وهذه هي طبيعة التراب، فهؤلاء ليس عندهم نخوة العربي الجاهلي، الذي رأى أن اعتداء المعتدي عليه عدة مرات إذعان وإهانة، ليس عندهم نخوة هذا العربي الذي قال -ونعم ما قال! -: صَفحْنا عَنْ بَنِي ذُهْلٍ وَقُلْنا الْقَوْمُ إخْوَانُ عَسَى الأَيَّامُ أنْ يَرْجعْنَ قَوْمًا كَالَّذِي كَانُوا فلَمَّا صَرَّحَ الشَّر فَأَمْسَى وَهْوَ عُرْيانُ َولَمْ يَبَقَ سِوَى العُدْوَانِ دِنَّاهُمْ كَمَا دَانُوا مَشَيْنا مِشْيَةَ اللَّيْثِ غَدَا واللَّيْثُ غَضْبَانُ بضَرْبٍ فيه تَفْجِيعٌ وتأْيِيمٌ وإرْنانُ وطَعْنٍ كفَمِ الزِّقِّ غَذَا والزِّقُّ ملآنُ ثم قال -ونعم ما قال! -: وبعضُ الحلمْ عِنْدَ الجهْلِ للذلّةِ إذْعانُ وفي الشَّرِّ نَجَاةٌ حِينَ لا يُنْجِيك إحسانُ بعض الحلم عند الجهل للذلة إذعان، يعتدي عليك فتسامحه، ثم يعتدي مرة ثانية وتسامحه، ثم ثالثة ورابعة وتسامحه لا، هذا ليس حلماً، هذا إذعان.
فبعض الحلم -إذا جهل الجاهلون عليك، ولم يراعوا معك اتفاقاً- إذعان، فإذا أحسنت إلى أحدهم مرة وثانية وثالثة ولم تجد لإحسانك موضعاً -إذ الذي أحسنت إليه لئيم- حينئذ لا يبقى إلا الأخيرة.
وفي الشَّرِّ نَجَاةٌ حِينَ لا يُنْجِيك إحسانُ ما بقي إلا هذا، فنحن مقدمون على مرحلة خطيرة، والعلمانيون فعلوا في هذه الأمة ما لم يفعله اليهود ولا النصارى، ولهم وسائل كثيرة متعددة.
فتسجيداً للانتماء وعملاً بعقيدة الولاء والبراء أول ما ينبغي أن نفعله، مقاطعة السلع اليهودية، وإن كنا نعرف أن اليهود يستطيعون كتابة (صنع في أي بلد)؛ مثل الأخطبوط، فيرسل لك البضاعة عبر أي دولة تريدها أنت.
حذيفة بن اليمان لما خرج مهاجراً إلى النبي ﷺ أمسكه المشركون وأباه قالوا: إلى أين؟ فأجابا: إلى المدينة.
فقالوا: تذهبون وتحاربوننا أبداً! أنتم أسرى عندنا.
فقال حذيفة: لكم علينا أن لا نحاربكم فتركوهما، فذهبا إلى النبي ﷺ وقصا عليه ما حدث، فماذا قال لهم النبي الكريم النبيل؟ قال: (وفوا لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم)، فلم يشهد حذيفة بن اليمان ولا والده غزوة بدر، ليس لأنه لم يكن حاضراً؛ بل لأن النبي ﷺ قال: (وفوا لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم).
وفي الصحيح أيضاً: (أن النبي ﷺ وجد في الحرب امرأة مقتولة، فغضب، وقال: من قتل هذه؟ قالوا: يا رسول الله! إنها خرجت معهم.
قال: سبحان الله ما كانت هذه تقاتل، ثم نهى عن قتل النساء والذرية).
في الحرب أعداؤك لا ينظرون بهذا المنظار، أعداؤك ليس هناك قانون يحكمهم، فالغاية عندهم تبرر الوسيلة، يريد أن يصل فليفعل ما شاء، وجاراهم المسلمون بالذات في باب الجاسوسية، فالجاسوس يزني، ويشرب الخمر، ويدفعون له المال، ويقولون له: ازن على حسابنا، واشرب خمر على حسابنا، واعمل كل الفجور على حسابنا، وهات عنهم المعلومات أهذا يرضي الله؟! جاريناهم، والغاية عندنا لا تبرر الوسيلة، فنحن قوم نبلاء، ونحن محكومون حتى مع أعدائنا فكل شيء حرمه الله لا يحل لنا حتى مع أعدائنا: (وفوا لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم)، إذاً هو عدتنا وهو ملجأنا وهو ناصرنا، ولذلك نقول دائماً: لا حول ولا قوة إلا بالله، ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [آل عمران:١٦٠] هذا هو القانون.
ولذلك لا نسير سيرتهم على الإطلاق، محرم علينا ذلك، فالنبي ينهى عن قتل النساء والذرية ويقول: (سبحان الله! ما كانت هذه تقاتل) إذاً خطاب النبي ﷺ يرشدنا إلى قتل النساء المجندات في الجيش؛ لأنه إنما ربط الإنكار لعلة أنها لا تقاتل، وإذا ثبت أن المرأة تقاتل جاز قتلها، مثلها مثل الرجل تماماً، (ما كانت هذه تقاتل) معنى ذلك أنها لو كانت تقاتل إذاً تستحق القتل، فكل امرأة ثبت أنها مجندة في جيش العدو تقتل مثل الرجل تماماً، بنص هذا الحديث.
стр. 1097
من مكائد الأعداء
ظهرت عندنا مصطلحات بديلة، وراجت على الجماهير المغفلة، وروجها العلمانيون، يقول لك: أخوك في الإنسانية، ما مصطلح (الإنسانية) هذا؟! ﴿هَاأَنْتُمْ أُوْلاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران:١١٩] ﴿هَاأَنْتُمْ أُوْلاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ﴾ ما تقول بعد هذا ﴿تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ هل تصح هذه المعاملة؟! نحن آمنا بموسى وآمنا بعيسى، وآمنا بالتوراة والإنجيل جملة؛ لأنها نزلت من عند الله وإن كنا نقطع أن الموجود منها محرف، فهم يكرهوننا ويعادوننا، ومخططاهم يكشونها علانية، بينما كانوا قديماً كانوا يخافون من التصريح بها، أما الآن فينشرون المخططات على الورق، فهل سمعت بالدولة البترولية الجديدة التي ينوي أعداؤنا إنشاءها على أرضنا!! فحرب الحدود أصبحت مشكلة بين السعودية واليمن، فأرسلت الوفود، وأقيمت مأدبة عشاء هنا ومأدبة غداء هناك، وعقدت الاجتماعات الثنائية.
وهم في النهاية يختلفون على أرض في مجملها صحراء لا تصلح لحياة الكائنات.
حرب حدود ما بين مصر وليبيا، وبين مصر والسودان، وحرب حدود ما بين قطر والسعودية، حرب حدود ما بين العراق والكويت، وحرب حدود ما بين إيران والإمارات من الذي فجر حروب الحدود هذه؟ فجرها المستعمر عندما خرج اصطنع حدوداً ثم قال لكل فريق: سأجعل لك خطاً على الأرض يحدد ملكك، وأنت ملكك إلى هنا.
فالمسألة ليس لها قيمة على الإطلاق، بل افتعلها القوم المسألة هذه، ليكدروا صفو العلاقات الموجودة ما بين الدول الإسلامية بمثل هذه المنغصات.
فكم تنفق من الأموال والجهود بعد شحن الصدور بالعداوات، وكل هذا قناع هم صانعوه، وبعدما انتهت حرب الخليج نُشرت مذكرات القادة العسكريين والساسة، واكتشفنا منها أنهم كانوا يخططون لحرب الخليج منذ عشرين سنة، وكتبوا الأوراق بسرعة وببساطة: إن حرب الخليج ليست صناعة اليوم.
ومن ضمن النشرات التي نشروها ووضعوها في وسط الكلام: الدولة البترولية الجديدة، التي يريد النظام العالمي الجديد أن يقيمها وتشمل المنطقة الشرقية في السعودية، والعراق والكويت والإمارات، يعني: دائرة البترول، فيرسمون دائرة ويقولون لنا: هذه الدولة البترولية الجديدة، ولأن البترول في أرضكم فستظلون تتحكمون فيه، وأنا الآن العام سام، وأنا النظام العالمي الجديد، وسأعطيكم منه على قدر احتياجكم، والباقي يعطى لمن ينتفع به.
وبهذا تصير أرضنا أرضاً جدباء، ليس عندنا صناعة بعد اتفاقية (الجات).
وأنت تعلم أنه حتى شهادة التصنيع العالمية (الإيزو) أو (البايزو) هذه الشهادة الخائبة، نتمنى أن الغرب يشهد لنا أننا محترمون ونسكت، فتقوم شهادة البايزو هذه -لا بأس، فهذا مصطلح خاص بي، ولا مشاحة في الاصطلاح، ولكل قوم أن يصطلحوا على ما شاءوا، فلنصطلح على هذا المصطلح- وأصحاب المصانع في بلداننا يتسابقون في تقديمها للجهات الأجنبية، حتى يعطوا هذه الشهادة، فهل عرفت هذه الجهة ماذا تصنع؟ ما جودة صناعتك؟ وكم طاقة مصانعك؟ وهل غطت الإنتاج المحلي أم لا؟ وبضاعتك تسعرها بكم؟ وأنت تخسر أم تكسب؟! ويظل يقول لك: أنت الأول، ولا أحد مثلك وكل ما يعمل اختراع يعطوه هذه الشهادة، فصاروا يخترقوننا في كل شيء، حتى في الصناعات! وعلى سبيل المثال: فإن الحريق الذي حصل في مصنع (البطاطس) في العاشر من رمضان، وكان ذلك المصنع قد توصل إلى تركيبة رائعة، وكان قد تقدم تقدماً هائلاً، فصارت منتجاته تنافس الصناعة الأجنبية، وكانت الأسعار لا بأس بها، فما الذي حصل؟ ألقيت التهمة على المظلوم البريء الماس الكهربائي، هذا الماس كيف نحاسبه؟ فحرقوا المصانع الجيدة، وأصبحنا نستخدم الصناعة الأجنبية، يقول لك: العالم كله أصبح الآن مثل القرية، فنحن اتفقنا على التبادل التجاري، فإما أن تدخل معنا أو تظل صناعاتك ولن نأخذ منك أي بضاعة، فنحن دُفعنا دفعاً إلى اتفاقيات (الجات) وما دخلناها بإرادتنا، فإما أن تشترك أو لن نأخذ منك بضاعة ولن نعطيك بضاعة، وتقبل رغماً عنك القرارات التي تضر باقتصادك.
والسوق العربية المشتركة التي هم الآن ينظمونها في منطقة الشرق الأوسط، ما المقصود بها؟ هيمنة إسرائيلية محضة، فليس لدينا أي شيء.
فهم بذلك يكشفون عن خططهم، ونحن نعلم أنهم سيضربون اقتصادنا، بينما نقف عاجزين عن الدفاع عن أنفسنا، فأي هوان وذل أشد من هذا؟!!
стр. 1098
البراءة من الكافرين
أيها المسلمون: نحن أزمتنا أزمة رجال الإسلام أعزنا، ولا توجد علاقات بيننا وبين النصارى، فلا يأتي إنسان يكفر بالله وأقول: هذا أخي في الإنسانية أخوك من أين؟ كيف يظهرون كل مرة يقولون: إخواننا الأقباط إخوان من؟ نحن لا نعرف هذه الأخوة على الإطلاق، وهذه ليست دعوة، هذه فتنة طائفية؛ لأن العزة للإسلام والمسلمين، لكن تلك شكاة ظاهر عنك تعارها.
(لا تبدءوا اليهود والنصارى بسلام) هذا حكم شرعي، فإذا كان لك جار نصراني، أو زميل نصراني في العمل، أو يهودي فلا تبدأه بسلام على الإطلاق، إنما ابدأه بأي صيغة، كأن تقول له: صباح الخير، صباح النور، أو أي كلمة أخرى.
ولا يجوز لك أن تسلم عليه بلغته، فإن من علامة الذوبان في عدوك أن تتكلم بالمصطلحات الخاصة به، والكلام الدارج الذي على لسان الناس، حتى عناوين المحلات: (شوبينج إخوان) ما هذه التركيبة؟! لماذا ركبتها هذه التركيبة؟ لماذا جعلت نصفها عربياً ونصفها إنجليزياً؟ لماذا الأسماء الأجنبية صارت واجهات المحلات، وصارت جميلة؟!! وحتى بعض أصحابنا قديماً في الدراسة -الثانوية- الذين دخلوا الطب وصاروا دكاترة، هناك بعضهم -أنا أعرفه- يتعمد أن يتكلم بالمصطلحات الإنجليزية، كما كان قديماً، وإذا أراد أن يتكلم كلمة بالعربية فإنه يجد صعوبة في ترجمتها من الإنجليزية إلى العربية، أما الإنجليزية فصارت دارجة على لسانه وكأنها لغته الأم! شيخ الإسلام ابن تيمية عقد في كتاب اقتضاء الصراط المستقيم باباً للكلام باللغة الأجنبية، وقال: إن هذا من علامات النفاق: أن الواحد يتكلم باللغة الأجنبية؛ لأن هذا فيه رفعة للغة عدوك، فتكلم بالعربية واعتز بعربيتك فهي لغة القرآن! فأنت قل له أي تحية، ولكن لا تبدأه بالسلام لماذا؟ لأن هذا من خصائص المسلمين، والنبي ﵊ في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه قال:: (لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولن تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أدلكم على شيء إن فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم).
والسلام تحية أهل الجنة، وهذا مصطلح خاص بالمسلمين، فلا تعطه لهؤلاء الكافرين على الإطلاق.
ضرب الجزية على هؤلاء علامة من علامات الكرامة والعزة التي أمرنا ربنا أمرنا بنص القرآن أن نفرضها على اليهود والنصارى، ولا تتخذ المشركين ولا الظالمين إخواناً لك ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ﴾ [هود:١١٣]، إذاً ﴿لا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ فمجرد الركون أنت ممنوع منه.
فمسألة الولاء والبراء غير منضبطة عندنا، الولاء والبراء من أساسه ومن أصوله ألا يغير في العلاقات الشخصية في محبة ولي الله، وإن كنت تبغضه في الدنيا، هو من أولياء الله أحبه؛ لما فيه من محبة الله ، ولا أكرهه لأجل مصلحتي، والله نحن نتمنى أن نتعلم هذا الخلق.
стр. 1099
موالاة المؤمنين
عائشة ﵂ لما أسيد بن حضير حصل منه الذي حصل في الإفك، والنبي ﵊ على المنبر بعدما أشاع عبد الله بن أبي ابن سلول أن عائشة ﵂ فجرت مع صفوان بن المعطل السلمي، والنبي ﷺ سأل علي بن أبي طالب وسأل أسامة بن زيد، وتأكد من براءة أهله وكان متأكداً، فعندما صعد النبي ﵊ على المنبر وجمع الناس، وقال (أيها الناس! من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي، فوالله ما أعلم عن أهلي إلا خيراً؟ فقام سعد بن معاذ -ذاك السيد الذي اهتز له عرش الرحمن يوم مات- قال: (يا رسول الله! إن كان من الأوس أمرتني فضربت عنقه)، لماذا؟ لأنه زعيم الأوس، فهو له كلمة عليهم، فقالها بلا تحفظ، (إن كان من الأوس أمرتني فضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج) لم يقل: ضربت عنقه أيضاً، لأن الأوس والخزرج كان بينهم مشاكل في الجاهلية وستدخل في الإسلام مرة ثانية.
فحتى لا تقع مشاكل تحفظ سعد ﵁ في الكلام عن الخزرج وقال: (وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك) -انظر: الجمال في التحفظ! كان يمكن وهو منفعل أن يقول له: إن كان من الخزرج أضعه تحت رجلاي مثلاً- ومع هذا التحفظ قام سعد بن معاذ، وهو زعيم الخزرج، وقال له: (والله لا تستطيع، ولا تقدر) أي: أنا الذي يقوم بذلك إن كان من الخزرج.
كل هذا والنبي ﷺ واقف على المنبر، وهم يتراشقون بسهام الملام، فقام أسيد بن حضير، فقال لـ سعد بن عبادة: والله إنك لمنافق تجادل عن المنافقين.
حتى ثار الحيان الأوس والخزرج، وهمَّا أن يقتتلا في المسجد، والنبي ﵊ يخفضهم بيديه -يعني: يشير إليهم بالسكوت- فلا زال يخفضهم حتى سكتوا.
عائشة ﵂ قالت: (فقام سعد بن عبادة -وكان قبل رجلاً صالحاً- فاحتملته الحمية)، لم يمنعها غضبها أن تشهد له بالصلاح؛ لأنه ولي لله ، وكان محبباً إلى النبي ﵊ ومن سادة الرجال، ومن سادة المسلمين.
إذاً الغضب الشخصي لا يزيل مناقب أخيك، تظل المنقبة موجودة فيه كما هي، هذه هي قاعدة الولاء: أن الحب في الله لا يزيد بالود ولا ينقص بالجفاء لماذا؟ لأن الذي واليته من أجله لا زال موجوداً.
وهذا كان خلق الصحابة الأوائل، فلم يكونوا يحبون الشخص لصورته، وإنما لما فيه من الإيمان بالله ، ويكرهونه لما فيه من البعد عن الله ﵎.
وهناك أشد من ذلك، وهو ما قالته زينب بنت جحش ﵂ عن عائشة عندما سئلت في حديث الإفك، رغم أنه من عادة الضرائر أن كل واحدة تذم الأخرى، إلا المؤمنة بالله ، بل حتى المؤمنة قد تضعف؛ لأن الإيمان يزيد وينقص، وقد جاءت امرأة إلى النبي ﷺ وقالت: (يا رسول الله! إني أريد أن أتشبع أمام ضرتي بما لم يعطني زوجي) يعني: مثلاً تتكلم تقول: بالأمس جلس يضحك معي، ويقول لي: أنا لا أستطيع أن أستغني عنك.
فهذه تقول للنبي ﷺ : أنا أريد أن أتشبع أمام ضرتي بما لم يعطني زوجي.
فقال لها: (المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور)، انظر إلى هذا الكلام الجميل! إنسان يلبس ثوبي زور، وأنت تعرف الثياب التي تباع في الأسواق الآن، والذين يلبسون ثياب الزور هذه لا يحصون عدداً، لا يحصيهم إلا الله ، (كلابس ثوبي زور) ونهاها، برغم أن إنساناً ربما يقول: ألا يدخل هذا في الكذب المباح؟ أليس النبي ﷺ أباح أن الإنسان يكذب لأجل المحبة القلبية، ولأجل أن يزيد الود ويتنامى؟! وهذه المرأة لما تقول هذا الكلام تريد أن يكون لها حظوة عند زوجها أقول لك: لا، بل الرسول ﷺ لما أباح للرجل أن يقول ذلك لامرأته خاصة أو المرأة للرجل، أراد تحقيق المصلحة، ولكن هذا فيه مفسدة، لأنها ستلفت نظر المرأة الأخرى، فعلاقة الضرائر تكون علاقة فيها شيء من التوتر، إلا إذا عصمهن الله بالإيمان.
فـ عائشة اتهمت في عرضها وسئلت زينب عنها: ما رأيك يا زينب في عائشة؟ هل علمت عليها شراً؟ قالت: يا رسول الله! أحمي سمعي وبصري، فوالله ما أعلم عنها إلا خيراً.
تقول عائشة ﵂: (فقالت حمنة -وحمنة أخت زينب، هي التي تكلمت في حادثة الإفك على عائشة - أما أختها زينب فعصمها الله بالورع).
ولما ماتت عائشة ﵂ وسمعت أم سلمة العويل قالت: ما هذا العويل؟ قالوا: ماتت عائشة فقالت: (رحمها الله، إن كانت لأحب أزواج النبي ﷺ إليه)، شهادتك أساسها ما بالرجل من إيمان، ولاؤك لما له من القرب من الله ، ينبغي أن يكون هكذا، كذلك الصحابة كلهم كانوا هكذا، فلما تقلص هذا الميزان، وأصبح الناس يحب بعضهم بعضاً للصور وليس لاعتبار الإيمان؛ فظهرت المشاحنات والمشاكسات والخصومات.
أنا أعرف خصومات كثيرة وقعت بين كثير من الإخوة، خصومات من أتفه ما يكون، والله لو عرضت على ميزان الإنصاف لاتهم المنصف صاحبها بالحمق والتجني، كلها خصومات فارغة، وإنما هي حظوظ النفس، وهذا هو خلق المشركين.
ربنا قال للنبي ﷺ : ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾ [الإسراء:٧٣]، وبعد ذلك ﴿وَإِذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ [الإسراء:٧٣]، أهل الدنيا هذا مذهبهم، تكذب على الله وتكذب على الرسول ﵊، وتغير شهادتك، وتشهد الزور، وتخدمه في مصالحه يتخذك خليلاً، وهذا مذهب أهل الكفر: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾ يعني: يكذب على الله ﴿وَإِذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ [الإسراء:٧٣] انتبه للمعلومة التي ستأتي! ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا * وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ [الإسراء:٧٣ - ٧٥] هل لاحظت الفرق بين قوله) ﴿وَإِذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ [الإسراء:٧٣]، وقوله: ﴿إِذًا لَأَذَقْنَاكَ﴾ [الإسراء:٧٥] هذا يدل على ماذا؟ واو الحال من طبيعتها تهيئة المقام وتهيئة الكلام، وإعطاء مساحة للمعنى، إذا شطب وغير واستفاد هذه الخلة الموجودة في الدنيا والمصالح إلخ؛ فالعقوبة تأتي مباشرة، ليس هناك تهيئة، ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ [الحجر:٧٤]، ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف:٥٥] مباشرة.
стр. 1100
ضياع مبدأ الموالاة في عصرنا الحاضر
فذهب أهل الدنيا إذا أعطيت أحدهم؛ فأنت حبيبه، ولذلك ربنا كشف هذه المسألة في القرآن، قال: ﴿الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧].
كنت أعرف رجالاً، وعلاقتي بهم كانت قديمة، ولا أعرف إن كانوا ماتوا أو لا زالوا على قيد الحياة، ناس من الذين وصلوا إلى قمة الهرم، ومنهم رجل وصل إلى وكيل أول وزارة من الوزارات، وقدر لي أنني كنت أخطب في المسجد الذي كان هو رئيس مجلس إدارة فيه في القاهرة، فبعض أصحاب الحي عملوا فيَّ وشاية، وعملوا بلاغاً لوزارة الأوقاف، فنحوني عن الإمامة، وأحضروا واحداً معه إعلام وسياسة واقتصاد، وأصعدوه على المنبر يخطب، وهذا الرجل كان لا يحسن أن يقرأ في كتاب الله ، وأنا أحسن حاجة كانت تعجبني فيه أنه كان يتحمس في الكلام، ولا أعرف لماذا يتحمس؟ يذكرني بقول القائل: ليس أضنى لفوائدي من عجوز تتصابى وذميم يتحالى وعليم يتغابى وجهول يملأ الأرض سؤالاً وجواباً هذه هي طبيعة علاقات الدنيا، لذلك ربنا قال: ﴿الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧]، وربنا قال (الأخلاء) ولم يقل الأصدقاء ولا الزملاء؛ لأن الخلة أعظم الحب، وما سمي الخليل خليلاً إلا بعد أن تخللت محبته قلب المحبوب.
ولذلك فإن الله قال: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء:١٢٥]، ولم يقل هذا في النبي ﵊، وهم يعلمون أن الخلة أعظم الحب، فقال (أتعجبون أن الله اتخذ إبراهيم خليلاً؟!) قال: (لو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن صاحبكم خليل الرحمن)، فأثبت الخلة لنفسه ﷺ ؛ لأن هذه أعلى مقامات الحب.
والله يقول: (يا من أحب الآخر حباً حتى تخلل حبه مسام قلبه؛ أنت عدو له إن لم يجمعك التقى معه).
إذاً: اعتبار الإيمان هو الاعتبار الوحيد بين المؤمنين الذي من أجله تحب وتكره، وبسبب إهمال هذا الاعتبار صار بعض المسلمين يعطون الود للكافرين ويحرمونه المؤمنين؛ لأجل أنهم مختلفون معهم في المصالح، ولذلك نحن نقسم العداوات مع أعداء الله وأعداء الرسل، نقسمها دركات على حسب القوة: كافر، ثم موالي للكافر -منافق- ثم مبتدع، ثم عاص، وكل واحد من هؤلاء له درجة في المعاداة، بحيث أننا لا نخلط بين هذه الدرجات، وحتى نستفيد من مسألة الولاء والبراء.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 1101
أين الخلل ؟!
إن الدعوة إلى الله وسام شرف يناله من اصطفاه الله من خيرة خلقه وأوليائه، والداعية أثناء سيره في حقل الدعوة إلى الله عليه أن يتسلح بالإخلاص والعلم والصبر والثقة بوعد الله ؛ حتى تكلل جهوده بالنجاح.
وطريقة التعامل مع المدعوين تتوقف على شخصية هذا المدعو، والبيئة التي خرّجته، فعلى الداعية أن يضع الحكمة في موضعها ويعامل المدعوين بأخلاق الداعية لا بأخلاقهم هم.
стр. 1102
أهمية العلم للداعية
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد، وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد.
أيها الإخوة الكرام: درسنا في هذا المساء بعنوان: أين الخلل؟! وأعرض فيه للجنس الثاني من الكلام على هذا الموضوع الخطير، وهو وإن كان الجزء الثاني؛ إلا أنه مستقل بذاته.
الناس في هذه الدنيا يتنافسون على الوظائف، ويُعرف شرف المرء وهمته بوظيفته، وأشرف الوظائف في الدنيا هي وظيفة الدعوة إلى الله ، إذ هي وظيفة الرسل، فهذه هي أشرف الوظائف على الإطلاق، فالدعوة إلى الله ﵎ لها ثلاثة أركان: الدعوة، والداعيةُ، والمدعو، ودرسنا هذا المساء يتعلق بالداعية وما ينبغي أن يتحلى به، فهو يبلغ رسالات الله .
جرت عادة الدول أنها إذا أرسلت سفيراً لها في الخارج فإنها لا ترسل رجلاً جلفاً غبياً غليظاً، إنما ترسل رجلاً ذا لسانٍ عذب ذكياً صاحب بديهة، إذا وقع في محنة فلا يورط نفسه ولا دولته، وتسمع كثيراً عن الإجابات الدبلوماسية.
معنى إجابة دبلوماسية يعني لا تحل ولا تربط، لا تستطيع أن تدين بها المتكلم؛ لأنه لما تكلم ترك لنفسه أكثر من مهرب، فإذا قلت له: أنت تقصد كذا؟ قال لك: لا.
أنا لم أصرح بذلك، وإذا قلت: تقصد كذا؟ يقول: لا.
أنا لم أجب بذلك، هذه هي الإجابات الدبلوماسية، أي أنك لا تستطيع أن تدين القائل، ولا تستطيع أن تقيم عليه حجة، بينما أي سفير غبي يورط دولته، ومعلومٌ أن الرئيس إذا أرسل رجلاً يتكلم باسمه حمل عهدته، وأنت إذا وكّلت رجلاً عنك بتوكيل رسمي صار توقيعه محلك، يبيع مالك، وأملاكك، ويشتري مكانك، بتوقيعه هو نيابةً عنك، ويمضي بيعه وشراءه، لماذا؟ لأن هذا التوكيل قائم مقام الشرع.
فالمتكلم عن الله ﵎ في الدنيا هم الرسل وأتباع الرسل، فالعلماء هم الذين يوقعون عن الله في الأرض، فيجيء المستفتي إلى العالم فيقول: إني عقدت صفقة كذا وكذا وفيها ربح وفير، أفأمضيها؟ فيقول له: لا.
فيتجنبها الرجل ويخسر بذلك الصفقة والمال والربح، بمجرد إمضائك وتوقيعك، يأتيك يقول لك: أنا طلقت امرأتي وقلت لها كذا وكذا مرتين أو ثلاثاً تقول له: هذه ليست امرأتك! فتفصلها عنه، ويشرد الأولاد بقولك، ولا يستطيع أن يخالفك؛ لأنك توقع عن الله في الأرض.
ومن أعظم الجرائم أن تزيف التوقيع في الدنيا، فلو اكتشف رئيسٌ أو مدير أن رجلاً زيّف توقيعه أدخله السجن مباشرة، وذلك لو اكتشفوه، فكيف لو جاء رجلٌ ليس بأهلاً لأن يوقع عن الله في الأرض ووقع؟! إذاً هذا توقيع مزيف! فإذا كان في الدنيا يتعرض للعقوبة فكيف لا يتعرض للعقوبة في الآخرة؟ بل سيتعرض لأشد العقوبات؛ لأن توقيعه توقيع مزيف.
لهذا كان لابد للداعية أن يتحلى بالعلم، قال الله : ﴿الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان:٥٩]، لا تسأل عن الرحمن جاهلاً، إنما إذا أردت أن تسأل عن الرحمن فاسأل خبيراً به ﵎، وبصفاته، وبما أنزله من العلم على رسله، فأول شيء ينبغي أن يتحلى به الداعية إلى الله هو العلم، ولا يحل له أن يفتي إلا عن علم، لذلك كانت حاجة طالب العلم للعالم فوق كل حاجة، وموت العالم من أعظم المصائب التي تصيب طالب العلم، وحاجة طالب العلم إلى الكتاب مثل حاجته إلى الطعام والشراب.
وأذكر واقعة ذكرها ابن خلكان في كتاب وفيات الأعيان في ترجمة الشريف المرتضى، قال: ذكر أبو زكريا الخطيب التبريزي ﵀، صاحب كتاب مشكاة المصابيح الأديب اللغوي: أن أبا الحسن علي بن أحمد بن علي الفالي كان له نسخة عزيزة نفيسه من كتاب جمهرة اللغة لـ ابن دريد، فاضطرته الحاجة إلى بيعها، فباعها بستين ديناراً، واشترى هذه النسخة الشريف المرتضى صاحب الترجمة التي ذكر فيها ابن خلكان هذه القصة، فلما تصفح الشريف الكتاب وجد هذه الأبيات التي كتبها أبو الحسن الفالي، ويقول فيها: أنست بها عشرين حولاً وبعتها لقد طال شوقي بعدها وحنيني وما كان ظني أنني سأبيعها ولو خلدتني في السجون ديوني ولكن لضعف وافتقارٍ وصبيةٍ صغارٍ عليهم تستهل شجوني فقلت ولم أملك سوابق عبرةٍ مقالة مكوي الفؤاد حزيني وقد تخرج الحاجات يا أم مالك كرائم من رب بهن ضنيني فلما قرأ الشريف هذه الأبيات أرجعها إلى أبي الحسن وترك له الدنانير، فانظر إلى حزنه على نسخته من كتاب الجمهرة، والبيت الأخير من هذه الأبيات: تضمين، والتضمين في الشعر معناه: أن يأتي الشاعر إلى بيتٍ لشاعرٍ آخر سبقه فينظم القصيدة على وزن البيت وقافيته، وقد ضمن أبو الحسن الفالي آخر بيت في قصيدته حيث قال: وقد تخرج الحاجات يا أم مالك كرائم من رب بهن ضنيني فهذا البيت قاله رجلٌ أعرابي فيما رواه الزبير بن بكار ﵀، قال: اشترى حمزة بن عبد الله بن الزبير بن العوام جملاً من رجلٍ أعرابي، وكان الأعرابي شديد الحفاوة بالجمل لكن اضطر إلى بيعه، فلما اشترى حمزة الجمل وأعطى الأعرابي خمسين ديناراً، واستاق حمزة الجمل نظر الأعرابي إلى الجمل وهو يبكي لفراقه، وقال: وقد تخرج الحاجات يا أم مالكٍ كرائم من رب بهن ضنيني أم مالك هي امرأة الأعرابي، يقول: يا أم مالك: إن الحاجة تضطر الإنسان أن يبيع شيئاً كريماً ضنيناً به، لا يستجيز لنفسه أن يبيعه لكن الحاجة اضطرته إلى بيعه رغم أنه عزيز عليه: وقد تخرج الحاجات يا أم مالك كرائم من رب بهن ضنيني فلما سمع حمزة بيت الأعرابي أعطاه الجمل وترك له الدنانير، وكان أبو الحسن الفالي ﵀ مشهوراً بتضمين الشعر، وهو صاحب الأبيات الرائقة المشهورة التي صارت على كل لسان، يقول فيها: تصدر للتدريس كل مهوس بليدٍ تسمى بالفقيه المدرس فحق لأهل العلم أن يتمثلوا ببيت قديمٍ شاع في كل مجلس لقد هزلت حتى بدا من هزالها فلاها وحتى سامها كل مفلس هذا البيت الأخير أيضاً ضمنه أبو الحسن الفالي هذه الأبيات.
المهم: أن الكتاب من أنفس ما يقتنيه طالب العلم، مثل السلاح بالنسبة للمقاتل، إذا فقد المقاتل سلاحه غلبه عدوه، وبذلك لا يتصور طالب علمٍ ينهض بغير مكتبة عامرة بالكتب، وبغير المراجع الأصلية، كان العز بن عبد السلام ﵀ يقول: ما استطبت الفتيا إلا بعد أن صار عندي نسخةٌ من كتاب المغني لـ ابن قدامة، والمحلى لـ ابن حزم، والعز بن عبد السلام من أذكياء العالم، ومع ذلك يقول: ما استطبت الفتيا إلا بعد أن حصّل هذين الكتابين.
فجلوس طالب العلم بين يدي شيخه والتعلم من هديه وسمته ولحظه قبل لفظه أمر في غاية الأهمية، وإذا لم يلحظ طالب العلم أدب شيخه لم ينتفع بمقاله، والسلف كانوا يتعلمون الأدب قبل العلم، فإذا أحرز الأدب نَبُلَ في العلم، وإذا لم يحرز الأدب لم يزده علمه إلا خسةً ونزولاً؛ فإذا جلس في مجلس ملأه، فإذاً اللحظ قبل اللفظ، وإذا عجز أن يكون مؤدباً فإنه لا ينبل بعلمه أبداً.
стр. 1103
الإخلاص هو أول عدة الداعية إلى الله
قبل طلب العلم هناك ركيزةٌ أساسية ينبغي أن يتحلى بها الداعية إلى الله ، وهذه الركيزةٌ البدهية هي الإخلاص لله ﵎: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البينة:٥]، فقدم الإخلاص قبل العمل، إذ إن العمل لا قيمة له بغير الإخلاص: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر:١٤]، وقال تعالى: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر:٣]، وكلمة خالص تعني: نقي لم يخالطه شيء.
فقول الله : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:٥]، حصر دينه كله في الإخلاص له، وتحقيق الإخلاص عزيز لكنه ممكن، فالإخلاص إما أن يكون ركناً أو شرطاً، أو واجباً، على ثلاثة أقوال للعلماء، واتفقوا جميعاً أن العمل بغير الإخلاص لا قيمة له، كما قال الله : ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣]، لخلوه من الإخلاص، فلابد من الإخلاص في العمل، وهو إذا كان ركناً أو شرطاً أو واجباً فلابد أن يكون يسيراً، إذ لو كان عسيراً لما فرضه الله ، قال الله ﵎: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]، وأعظم أمر في الدين هو الإخلاص، فإذا أوجبه الله على عباده ناسب للطفه وبره بعباده ألا يعكر عليهم طريق تحقيق أعظم شيء في الأعمال وهو الإخلاص.
أما المقالة التي قالها رويم بن أحمد، وذكر هذه المقالة الخطيب البغدادي في ترجمته من تاريخ بغداد: (من لحظ في إخلاصه الإخلاص فإن إخلاصه يحتاج إلى إخلاص).
فنحن لو سلكنا هذه المقالة وقبلناها على مضض فمعناها: من تفاخر على الناس بأنه مخلصٌ واستعلى عليهم بذلك فإن إخلاصه يذهب سدى لهذا العجب وهذا الكبر، لا يقال له: إخلاصك صدق فأعد الكرة مرةً أخرى بالإخلاص، هذا إذا سلكنا هذه المقالة، وإلا فالصوفية لها أقوالٌ تعجيزية في باب الإخلاص، كمثل قول رويم بن أحمد أيضاً: (الإخلاص ألا تنتظر على عملك عوضاً في الدارين ولا حظاً من الملكين) من الذي يستطيع هذا في الدنيا؟! من الذي يعمل العمل ولا ينتظر عليه عوضاً لا في الدنيا ولا في الآخرة؟! وسئل عن الإخلاص فقال: (أن يستوي عندك المدح والذم)، وهذا مستحيل! أن يشتمك الرجل وأن يمدحك سواء، إن رسول الله ﷺ كان يغضب إذا شُتِم أو ذُم، والله ﵎ يرضى إذا مُدِح ويغضب على العبد إذا انتقصه.
جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ وقال: (يا محمد! إن مدحي زين وذمي شينٌ -أي من مدحته فذلك المرفوع، ومن ذممته فذلك المخفوض- فقال له النبي ﷺ : ذاك الله ، لست أنت ولا غيرك، ذاك الله فمن مدحه الله رفع ومن ذمه أهين: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ [الحج:١٨].
قطرةٌ من فيض جودك تملأ الأرض ريا ونظرةٌ بعين رضاك تجعل الكافر وليا هذا هو الله ﵎، فلا يستوي عند رجلٍ المدح والذم، وإلا لماذا يغضب الناس من الذم، بل كان أولياء الله المتقون من الصحابة يزعجهم ويغضبهم الذم، وتتلون وجوههم، وها هو أجل وليٍ لله بعد رسول الله ﷺ وهو أبو بكر ﵁ وقع فيه رجل فغضب أبو بكر واحمر وجهه، فقال قائلٌ: يا خليفة رسول الله! ألا أقتله؟ فهدأ أبو بكر وقال له: أكنت فاعلاً؟ قال: نعم.
فقال أبو بكر ﵁: (ما كانت هذه لأحد بعد رسول الله ﷺ ، أي أن الذي يغضب النبي ﷺ ويذمه ويقع فيه حده القتل.
فإذا قال قائلٌ الإخلاص: أن يستوي عندك المدح والذم، فقد كلف الناس ما لا يطيقون، بل المدح يتهلل الناس له، والذم ينزعجون منه، وكذلك لما سُئل أحدهم -وكل هؤلاء من الصوفية - عن الصبر، قال: أن تستوي عندك النعمة والنقمة، سبحان الله! ومن الذي يطيق ذلك في العالمين؟! إن النبي ﷺ كان إذا سُر استنار وجهه كأنه قطعة قمر، ولما مات ولده حزن عليه ودمعت عينه، بل لما قتل عمه حمزة وجد عليه وجداً شديداً، وأقسم ليمثلن بالمشركين، ولم يكن هذا من عادته ولكن لشدة وجده على مقتل عمه، وهل يستوي عنده مقتل عمه ﷺ وانتصاره في يوم بدر -مثلاً- أو عند المؤمنين؟ ولذلك بسبب مثل هذا التعريف الخاطئ مات لبعض المتزهدة ولد فجعل يضحك، فقالوا له: أتضحك وقد مات ولدك؟ قال: إني أردت أن أظهر الرضا بقضاء الله ، فلما أراد أن يظهر الرضا لقضاء الله ضحك في موطن الفتنة والبلاء والحزن، فأجاب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وقد استشكل بعض القارئين هذه الحكاية، فقالوا: كيف يضحك هذا الرجل لما مات ولده بينما يبكي رسول الله ﷺ وهو أعظم الناس يقيناً؟! لو كان الضحك في المصيبة منقبة لفعلها النبي ﵊، فكيف يبكي النبي ﵊ والدموع علامة الجزع ويضحك هذا العابد والضحك علامة الرضا والانبساط؟ فلما حصل استشكال هذا المعنى، عُرضَ هذا على شيخ الإسلام ﵀، فقال: فعل نبينا ﷺ أكمل من فعل هذا العبد الزاهد؛ لأن لله في كل شيء عبودية، وعبودية الله على العباد في وقت المصيبة أن يظهروا الاستكانة والتضرع لقضائه، قال ﵎: ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾ [الأنعام:٤٣]، يعني: لما وقع البأس عليهم هلا تضرعوا وبكوا واستكانوا، هلا فعلوا ذلك لنرفع عنهم؟ فعبودية المحن الانكسار بين يدي الله، والمحنة من طبيعتها أنها تسخن النفس، فالسخونة تفرز الدمع مباشرةً، والنفس الباردة لا يمكن أن تبكي، ولذلك إذا تحسست الدموع وجدتها ساخنة؛ لا تجد دمعاً باردة.
فالرسول ﵊ أدى عبودية المحنة، وأدى عبودية الرضا بقضاء الله ، فقال: (إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن، ولا نقول ما يغضب الرب، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون)، فكانت عبودية النبي ﷺ أكمل من عبودية هذا العبد الذي عجز قلبه عن استيعاب عبودية المحنة وعبودية الرضا، فقدم عبودية الرضا -إظهار الرضا- على عبودية قبول البلاء والصبر عليه.
فالصوفية لها خرافات لم يأت بها الشرع، وهي تكليفٌ بما لا يطاق، ومعروف أن التكليف بما لا يطاق ليس من مذهب أهل السنة، بل من مذهب أهل البدع من المعتزلة وغيرهم فهم يجوزون على الله أن يظلم، ويقولون: فعال لما يريد، إذا ظلم جاز له ذلك!! كيف والله قال في الحديث القدسي: (إني حرمت الظلم على نفسي)؟ وقال : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء:٤٠]، ويجوزون التكليف بما لا يطاق، مثلاً: يقولون: يجوز أن يكلف الله العبد بحمل جبل أحد على كتفيه، هم يقولون: يجوز، وأهل السنة قالوا: مستحيل! إن الله لا يكلف ما لا يطاق، قال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، وقال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق:٧]، فأنت تعارض الأدلة القطعية.
وبعد ذلك كل الرخص نزلت في حالة إذا عجز العبد عن العزيمة أخذ بالرخصة: (صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب)، ما معنى هذا التنزل؟ لو جاز أن يكلفك بما لا تطيق لما رخص للعبد أن يتكلم بكلمة الكفر وقال له: لا تتكلم واصبر على أذى الظلمة، حتى لو ذبحوك اصبر ولا تتكلم بكلمة الكفر، لكن لماذا رخص له أن يتكلم بكلمة الكفر إذا كان قلبه مطمئاً بالإيمان؟ هذا كله ينافي القول بتكليف ما لا يطاق.
فعندهم بعض الإطلاقات والتسويات بين الأضداد، وهذا يخالف الحنيفية السمحة، ورويد بن أحمد هذا الصوفي المشهور الذي يقول: (الإخلاص ألا تنتظر على عملك عوضاً في الدارين ولا حظاً من الملكين) كان يدعو الله بأن يبتليه، وأنه سوف يصبر على البلاء، فابتلاه الله فحبس فيه البول، فكان يتقلب ويدعو الله أن يرفع عنه، وأنه لا يطيق، وأنه لا يتحمل، وظل يجأر إلى الله حتى عافاه الله ، فلما عافاه الله جعل رويد بن أحمد يطوف على صبيان الكتاتيب ويقول لهم: استغفروا الله لعمكم الكذاب! عمكم الكذاب الذي زعم أن الله إن ابتلاه فسوف يراه في مسلاخ رجل صابر.
الرسول ﵊ لما دخل على عمه العباس ﵁ وكان مريضاً سمع العباس يدعو ويقول: (اللهم إن كنت مؤاخذي بشيء في الآخرة فشدد علي في الدنيا)، فقال النبي ﷺ : (يا عباس! يا عم رسول الله سل الله العافية في الدنيا والآخرة)، لو شدد عليك في الدنيا لا تقدر على تحمل بلاء الدنيا، سل الله العفو في الدنيا والآخرة، فكان لابد أن تدعو وتسأل بدلاً من أن تقول: ابتلني في الدنيا أن تقول ارفع عني، فاسأل الله أن يعافيك.
تحقيق الإخلاص عزيز؛ فالشيطان يريد أن يعكر عليك هذا الركن؛ لأن بفساده فساد العمل كله، فبدل أن يأتي يعكر عليك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو صلاة، أو زكاة، أو صدقة، مفردات كثيرة يعكر عليك الإخلاص، وإذا عكر عليك الإخلاص فقد عكر عليك كل العمل، فبدلاً من أن يدخل عليك في كل عمل ويتعب نفسه يعكر عليك النية والقصد.
فلذلك الشيطان ينازع العبد في الإخلاص، فالعبد يقبل على العمل وهو مخلصٌ لله من كل قلبه، فيأتي الشيطان يقول له: أتظن بذلك أنك أخلصت؟ لا.
هذا ليس بإخلاص، فالعبد من خوفه على الإخلاص يظن
стр. 1104
الثقة في موعود الله يعين الداعية على أداء رسالته
المتحصن بالعلم ليس كالجاهل، فأول ما ينبغي أن يتحلى به الداعية: الإخلاص؛ ثم الثقة في وعد الله إذا جاءه من طريق قطعي لا يتطرق إلا ثبوته شك فلا يحل له أن يتوقف -مثل القرآن- بل عليه أن يثق أن الله ناصره مهما خذله الناس، ومهما كان وحيداً فريداً، فإذا قرأ في القرآن: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة:٢١]، فليعلم أنه غالب ما استقام على أمر الله ، فإذا قرأ قول الله : ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١]، فليعلم أنه متى استقام على أمره غلب ولو بعد حين، ولو كان وحيداً فريداً.
أحد مشايخ الصحوة سجن سنة (١٩٨١م) حين أصدر أنور السادات أمراً بالاعتقالات الجماعية، وهذا الداعية ناله الحظ الأوفر من شتائم رئيس الجمهورية آنذاك، ووصفه في الخطاب الرسمي بأنه كالكلب ملقى في الزنزانة، والذي دخل السجن يعرف أن رتبة مأمور السجن كله عقيد، لكن وزارة الداخلية آنذاك عينت على زنزانة هذا الداعية عميداً، وهذا كله من قبيل التشديد على هذا الداعية وإذلاله، يريدون أن يقطعوا عنه كل شيء، هذا العميد الذي عُين كان من المعجبين بهذا الداعية، فكان كل يوم وهو آتٍ لهذا الداعية يجلب معه دجاجة مشوية ويدخلها له ليأكلها، هل تتصور هذا الكلام، انتخبوه وهو رجل قاسٍ، لا يجامل، لا يداهن لكن الأمر كما قال الله : ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود:٥٦]، سخر الله ذلك العميد لهذا الداعية، وأوقفه في ذلك المكان.
فلما سئل الداعية عن أيام الحبس الانفرادي قال: كانت كنار إبراهيم: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩]، الرجل لم ينعم في حياته إلا في تلك الأيام، كان يأكل دجاجاً مشوياً كل يوم، ومن الذي يدخل له هذه الدجاجة المشوية؟ إنه الرجل الذي جلبوه ليؤدبه.
مثل موسى ﵇: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص:٨]، هم ما اتخذوه ليكون عدواً وحزنا إنما اتخذوه ليكون قرة عين، فكان لهم عدواً وحزناً، قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ [القصص:٩]، وهم لا يشعرون أنه لهم عدو وحزن كأن تقول: فلان تزوج في الدنيا ليشقى، وهل هناك أحد يتزوج ليشقى؟! نعم، قد يبتليه الله بامرأة ناشز فيشقى بها، إذاً: الكلام فيه محذوف، تزوج فلانٌ ينشد السعادة فشقي، وهذا مثل قول القائل: لدوا للموت وابنوا للخراب فكل امرأةٍ تلد إنما تلد للموت، وكل بانٍ يبني إنما يبني للخراب، إذاً: هل المرأة حملت وأرضعت وولدت ليموت أم ليعيش فمات؟ ليعيش فمات.
ولذلك تحزن المرأة جداً إذا حملت وتعبت وولدت الولد ميتاً، فيقال: حملت وولدت ليموت! فالرجل إذا تصدر الدعوة إلى الله وكان مستقيماً على أمر الله فليثق يقيناً بنصر الله ، ومن تمام ثقته بنصر الله : ألا يعتمد قلبه إلا على الله، وييئس من نصر الجماهير له، ولا يزعجه قلة الأتباع إذا كان ذا منهجٍ مستقيم، وأنا أركز دائماً على المنهج المستقيم؛ لأن الجماعة المبتدعة مثل جماعة الهجرة والتكفير حتى الآن وأتباعهم قلة، يقول لك: يا أخي! الرسل كان أتباعهم قلة، وأي شخص مبتدع حوله خمسة أو ستة يقول لك: الكثرة ليست مهمة، فالرسل كان أتباعهم قلة، وحديث النبي ﷺ المعروف في الصحيحين قال ﷺ : (يأتي النبي يوم القيامة ومعه الرهط -من الثلاثة إلى العشرة- ويأتي النبي ومعه الرجل، ويأتي النبي ومعه الرجلان، ويأتي النبي وليس معه أحد)، النبي الذي ليس معه أحد، ظل طيلة حياته يدعو وخرج من الدنيا صفر اليدين من الأتباع، ولكن لا يعني ذلك أنه كان مخطئاً في دعوته، فالجماعة المبتدعة يحتجون بهذا الحديث، يقولون: هؤلاء الأنبياء يأتون وليس معهم أحد فنحن هكذا، والنبي ﷺ لما دعا المسلمين في قريش ما كان حوله إلا ثلة (لا يزال الإسلام غريباً) (لا تزال طائفةٌ من أمتي) ويستدلون بهذه الأحاديث.
نقول له: لا.
الغربة غربتان، غربةٌ محمودةٌ وغربة مذمومة، أما الغربة المحمودة كأن يكون مستقيماً على أمر الله ولا يضره كثرة الأتباع من قلتهم، أما إذا كان منحرف المنهج وتخلى الناس عنه كأن يبقى معه واحد أو اثنان أو ثلاثة فهذه غربة مذمومة، فالفيصل ما بين صاحب الغربة المذمومة وصاحب الغربة المحمودة هو الاستقامة على المنهج الحق.
إذاً: متى استقام الداعية على أمره ﵎ نصره، ويجب عليه ألا يشك لحظة في هذه الثقة بالله ﵎.
إذا تسلح الداعية إلى الله بهذين السلاحين الماضيين وضم إليهما العلم فقد أحرز كل عدة.
إذاً: الإخلاص هو أول عدة الداعي إلى الله .
ثانياً: الثقة في وعد الله بالنصر.
ثالثاً: العلم.
стр. 1105
طريقة التعامل مع المدعوين تختلف من شخص لآخر
رابعاً: الصبر: إن الداعية سيقابل أخلاقاً شتى: يقابل المبتدع، والزنديق، والكافر، والموالي له، ويقابل الولي والعاصي، سيقابل كل هذه الأنماط، ولا يجوز له أن يسوي بينها جميعاً في المعاملة، فمعاملة العاصي بخلاف معاملة الطائع، ومعاملة الزنديق والحاسد تختلف، إذا كان الداعية ضيق العطن لا يستطيع أن يعامل الناس كلٌ بنمطه سيفشل في دعوته، فقد تجد أناساً يرمون عليك الكلام، وأنت تفهم أنه يعنيك، ويقصدك بالكلام، فإياك أن تظهر له أنك ذكيٌ فاهم، فإنك إذا بينت له أنك فهمت ضيعت على نفسك سلاحك، كما أن رأس مال التاجر المال، فرأس مال الداعية الناس.
يعني مثلاً: لو أن هناك تاجراً خدعه أناس وأعطوه نقوداً مزيفة، وكانت النقود كثيرة، مائة ألف أو مائتي ألف أو ثلاثمائة ألف ثم اكتشف أن هذا المال مزيف، ماذا يعمل؟ يقوم بتصريفها أيضاً على آخرين؛ لأنه سيقول لك: لا، أنا سأخسر رأس مالي -وهذا لا يعني أني أقره على فعله- إنما أخبرك بما يفعله الناس، فهو مثلما خدع فإنه يخدع غيره من الناس، ويجد لنفسه عذراً في ذلك.
التغافل في بعض الظروف والأوقات يعتبر أحد الأسلحة الناجحة، فإياك أن تسوي بين الناس جميعاً في المعاملة، فإن رسول الله ﷺ لم يفعل ذلك، كان أنس بن مالك ﵁ يقول: (كنا نهينا أن نسأل رسول الله ﷺ في القرآن، فكان يعجبنا أن يأتي الرجل العاقل من البادية يسأله ونحن نستمع).
إذاً: لو سأل أنس ﵁ النبي ﵊ فإنه يغضب؛ لأنه نهاه؛ لكن إذا جاءه رجلٌ من البادية لم يسمع النهي فسأله فلم يكن النبي ﷺ يعامل صاحب البادية معاملة المقيم في الحضر، ومن الظلم أن يسوى بينهم، كان يتجاوز لأهل البادية إذا خالفوا، ولا يتجاوز لأهل الحضر.
رجلٌ أعرابي كان مع النبي ﷺ في السفر، فرأى النبي ﵊ معه قعوداً -والقعود هو الجمل الصغير- فاستملحه النبي ﷺ وقال للأعرابي: تبيعني هذا الجمل؟ قال: بكم تشتريه؟ قال بكذا، قال: اشتريته منك وسأنقدك ثمنه إذا رجعنا إلى المدينة، فجاء رجلٌ آخر من المسلمين لا يعلم أن النبي ﷺ اشترى الجمل، فقال للأعرابي تبيعني الجمل؟ قال: بكم تشتريه؟ قال بكذا.
وزاد الأعرابي في ثمن الجمل على الثمن الذي اشتراه به النبي ﵊، فقال الأعرابي صاحب الجمل: بعتك! ثم ذهب إلى النبي ﷺ فقال: إما إن تعطيني ثمن الجمل الآن وإما سأبيعه، قال: أولم تبعني الجمل يا أعرابي؟ قال: ما بعتك شيئاً! قال: بلى بعتني! قال: ما بعتك شيئاً، هلم شهيداً يشهد أنني بعتك، يبيع للنبي الجمل ثم يقول له: ما بعتك وأت بشاهد، هذا كُفر، لأنه تكذيب للنبي ﵊، والمسلمون يلوذون بالنبي ﵊ ويقولون للأعرابي: ويحك! إنما يقول رسول الله صلى الله عليه حقاً، وهو لا يزال يقول: هلم شهيداً! حتى جاء خزيمة من مكان بعيد، فوجد اجتماع الناس وضوضاء، فسأل عن الأمر فأُخبر بالقصة، فدخل مباشرة على الأعرابي وقال: أنا أشهد أنك بعته الجمل! فقال النبي ﷺ : بم تشهد يا خزيمة؟ قال: أشهد بتصديقك، نحن نصدقك في خبر السماء أفلا نصدقك على بعير.
فجعل النبي ﷺ شهادة خزيمة بشهادة رجلين، في حين أن النبي ﵊ لم يكن يقبل من الصحابة القريبين منه أدنى من ذلك يرى مثلاً عبد الله بن عمرو بن العاص يلبس ثياباً حمراء وكان النبي ﷺ قد نهى عن لبس الثوب الأحمر القاني -أي: الحمراء، الأحمر البحت الذي لم يخالطه لون آخر- هذا ممنوع أن يلبسه الرجال، ويدخل في أزياء النساء، فلما جاء عبد الله بن عمرو بن العاص وهو يلبس ثياباً حمراء سلَّم على النبي ﵊ فأعرض عنه ولم يرد عليه، فـ عبد الله بن عمرو فطن إلى هذا، فذهب إلى داره فوجد أهله وقد سجروا التنور؛ فخلع القميص ورمى به داخل التنور؛ لأن رسول الله ﷺ كرهه، وبدَّل ثيابه ورجع، فسلم فرد عليه وقال له: ما فعلت بثيابك؟ قال: سجرت بها التنور! قال: فهلا أعطيتها بعض أهلك، إنه لا بأس بها للنساء.
طبعاً هذا الحديث لا يعارض الحديث الصحيح الآخر أظنه حديث البراء أو حديث سمرة بن جندب أو جابر بن سمرة: أنه رأى النبي ﷺ أجمل الناس وعليه حلةٌ حمراء؛ فيحمل هذا الحديث على أن الأحمر لم يكن بحتاً إنما خالطه لونٌ آخر لكن اللون الأحمر كان هو الغالب، وإذا كان لون لباس هو الغالب نسب اللون إليه، فمثلاً: إذا كان هذا ثوباً أبيض وفيه بعض ألوان أخرى مثل الأخضر أو الأزرق أو الأصفر أو نحو ذلك لكن الغالب عليه البياض، فأنت تقول: ثوبٌ أبيض، لماذا؟ لأن هذا هو الغالب عليه، أو يحمل أن هذا كان قبل نهي النبي ﵊ عن لبس الأحمر.
المقصود أن النبي ﵊ لم يكن يسوي بين الناس في المعاملة، فالداعية ينبغي أن يكون عنده بدائل، فيكون عنده للعاصي طريقة، وللمبتدع طريقة، وللذي يرميه ويؤذيه بالكلام ويستهزئ به طريقة أيضاً؛ وهو أن يستخدم معه لغة التغافل، وألا يظهر له أنه فهم؛ لأنك لو أظهرت له أنك فهمته فقد ضيعت على نفسك الطريق الذي ستسلكه إلى قلب هذا الرجل.
الرسول ﵊ قال كما في الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁: (وكانت قريش تسب النبي ﵊، لكن قبل أن تسبه كانت تقلب اسمه، فهو محمد فيقولون له: يا مذمم!) مثل شخص اسمه منصور فيقول له شخص: يا منخور، فيقلب اسمه، فالرسول ﵊ اسمه محمد وهم يريدون شتمه، فلكي يغيظوه أكثر بدلاً من أن يقولوا: لعن الله محمداً قالوا: نخلف اسمه ونشتمه، وهكذا نكون قد ذممناه مرتين: مرة بقلب اسمه إلى الضد، ومرة بشتمه، فهو محمد وهم يقولون له: يا مذمم! ثم يشتمون مذمماً: لعن الله مذمماً! قتل الله مذمماً! قبح الله مذمماً! فيقول النبي ﷺ لـ أبي هريرة: (انظر كيف يصرف الله عني شتم قريش، إنهم يشتمون مذمماً ويلعنون مذمماً وأنا محمد)، مع أنه ﷺ يعلم يقيناً أنهم يقصدونه بالشتم، وأنهم يوجهون الشتم إليه، لكن طالما شتموا اسم رجل آخر إذاً فلا يلحقه الشتم: (انظر كيف يصرف الله عني شتم قريش، إنهم يشتمون مذمماً ويلعنون مذمماً وأنا محمد).
فطرق التعامل مع المدعوين لابد أن تختلف: العاصي لا تعامله معاملة المبتدع؛ لأن المبتدع شرٌ من العاصي، المبتدع يتقرب ببدعته إلى الله يظنها ديناً، لكن العاصي يعلم أنه عاصٍ لله لكن غلبه هواه، وأنت عملك عمل طبيب رفيق، رجلٌ غلبه هواه ماذا تعمل معه، تقتله أم تعينه على أن يتخلص من هواه؟ تعينه على أن يتخلص من هواه.
يعني رجل يقرأ في كتب أهل البدع ورجل يقرأ في كتب الجنس والغرام، أيهما أشر؟ الأشر هو الذي يقرأ في كتب أهل البدع، لماذا؟ لأن هذا الرجل الذي يقرأ في كتب الجنس والغرام، والذي يقتني المجلات الجنسية الفاضحة ليتفرج عليها، إنما يتفرج عليها بعدما يقفل الباب، وبعدما يكمل يخفيها عن الأنظار، لماذا؟ لأنه يعلم يقيناً أن هذا منكر، ولا يستطيع أبداً بأي حالٍ من الأحوال أن يقول أو يقنع أحداً أن هذا من المعروف، والرسول ﵊ عرف الإثم تعريفاً جامعاً، لا تشذ عنه حالةٌ واحدة، قال: (الإثم ما حاك في صدرك وخشيت أن يطلع عليه الناس)، هل يمكن لأحد أن يعرف الإثم بهذا التعريف الجامع المانع إذاً الإثم هو ما فعلته وأنت مستتر مختفٍ من أعين الناس، كل شيء يدخل تحت هذا التعريف فهو داخل في كلمة الإثم دق أو جلَّ.
لكن المبتدع، يقرأ في كتب البدع ويظن البدعة ديناً يتقرب بها إلى الله، فمهما قلت له: هذه بدعة، يقول لك: هذا دينٌ! يتقرب إلى الله بذلك، إذاً كيف تصده وتردعه، وتثنيه عن بدعته؟ ولذلك العاصي أخف من المبتدع، قال سفيان الثوري ﵀: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية؛ لأن المعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب منها، واعتبروا بقصة الجعد بن درهم المذكورة في كتب التاريخ، وهو رجلٌ عارض الله فقال: إن الله لم يكلم موسى تكليماً، ولم يتخذ إبراهيم خليلاً، فلما جيء به ليقتل لم يتبرأ من مقالته وصبر على القتل، مع أنه كان من الممكن أن يقول: أنا تبت وينجي نفسه من القتل؛ لكنه كان يعتقد أن البدعة التي هو عليها دينٌ يدين الله به، كما لو جئنا لرجلٍ من أهل السنة والجماعة -مثلاً- وقلنا له: اكفر بالله! فيقول لك: لا، أقتل ولا أكفر بالله، ويرضى أن يقتل ولا يكفر بالله، لماذا؟ لأنه يتخذ القرآن والسنة ديناً، كذلك المبتدع.
فعندما تعامل العاصي فتعلمه أولاً، وتتلطف به، وتعينه على الخروج من هواه، لا تعطه أمراً وأنت تضع رِجْلاً على الأخرى وتهدده: تاب أو لم يتب فليذهب (في ستين داهية) وأنه لن يقبل منه عمل، وأنت حرٌ، هذا ليس من شأن الداعية، الداعية صبور حليم، إذا شتم لا يرد، كانت العرب تقول: لا تجار السفه بسفهٍ مثله فإنك إن جاريته بسفهٍ مثله فهذا يعني أنك رضيت فعله فحذوت حذوه! أنت غضبت لأنه سفيه، إذاً فلا ينبغي أن تكون سفيهاً عليه، ما كان ينبغي لك أن تفعل فعلاً أنكرته عليه.
النبي ﵊ يأتيه سائل من الأعراب يطلب مالاً، يعني لو أتاك سائل يقول: أعطني فتعطيه ربع جنيه، فيقول لك: هذا لا يغطي حتى ضريبة المبيعات!! وأين غلاء المعيشة؟! أو تعطيه ربع جنيه فيقول: أريد ربع جنيه فضة!! فكون هذا الشخص متسولاً فعليه أن يرضى بالقليل دون أن يتكبر أو يسخر.
فهذا أعرابي جاء إلى النبي ﵊ يريد مالاً فجذبه من حاشية الثوب حتى أثر في رقبته وهزه هزاً عنيفاً، وقال له: أعطني من مال الله فليس مالك ولا مال أبيك ولا مال أمك! -إذا
стр. 1106
أيها الداعية لا تنزل إلى مستوى من هو دونك
لو تسافه عليك رجل فاصبر، وإياك أن تنتصر لنفسك فتذم، حتى ولو كان الحق لك، مثلاً: لو كنت ماشياً في الشارع فلقيت طفلاً صغيراً فقال لك: يا سني! وقذفك بحجر، فجريت وراءه -الولد هو المخطئ، وأنت جريت وراءه لتأدبه- من سيخطئ الناس؟ سيخطئونك أنت على الرغم من أنك مظلوم والحق معك، لماذا؟ لأنهم لم ينزلوا عقله على عقلك، إنما عاملوك بقدرك وعاملوا الولد بقدره، يقولون لك: هذا طفل لا يؤاخذ على كلامه، يعني أنزلوك على عقلك، ولو ساووا عقلك على عقل الصبي لكان هذا ذماً في حقك.
إذاً: أنت رجل عالم، وهذا رجل سفيه وجاهل وتحامق عليك وتسافه أتعامله بعقله؟ لا.
لأن الناس وزنوك بعقلك وعلمك ووزنوه بجهله وسفاهته، إذاً: عليك تقدير نفسك وعلمك وعقلك، ولا تنزل إلى مستوى من هو دونك، ذكر الذهبي في كتاب سير أعلام النبلاء في ترجمة وكيع بن الجراح ﵀ قال: سب رجلٌ وكيعاً فدخل وكيع داره وعفر وجهه بالتراب، وخرج على سابه فقال له: زد وكيعاً بذنبه فلولاه ما سلطت علي، ولو أني أطعت ربي لعصمني منك، أراد أن يقول له هذا المعنى، فكأنه يقول: أنا المخطئ، ولذلك عفر وجهه بالتراب وخرج ليقول: سبني مرةً فلولا هذا الذنب الذي صرت أسيراً له لما تعرضت إلى هذا السب.
رأيت الذنوب تميت القلوب وقد يورث الذل إدمانها فترك الذنوب حياة القلوب وخير لنفسك عصيانها إذاً: أخطر شيء يهدد الإنسان هو الذنب، ووكيع تصرف بعلمه، ورجع إلى نفسه فذمها.
وأيضاً: ذكر الذهبي ﵀ في ترجمة وكيع -ووكيع هو الإمام الضخم العلم الجبل، شيخ الإمام أحمد ﵀ قال: سب رجلٌ وكيعاً فقيل له: ألا ترد عليه؟ فقال وكيع: ولماذا تعلمنا العلم إذاً؟! يعني: هذا رجل جاهل أنا متفضلٌ لتعليمه، ولذلك لا يصح أن يعاقر الطبيب الداء الذي يداوي منه.
فقبيح مِن مَن تفضل بالوعظ أن يجعل الدين غرضاً لنيل مآربه، وقبيح من مَن يتظاهر بالعفة أن يذل نفسه على أبواب السلاطين والأغنياء، فيجعل الدين مطية للحصول على الدنيا، قال بعض السلف: مثل الذي يحصل الدنيا بدينه كمثل رجلٍ رأى وسخاً في أسفل نعله فمسحه بخده، وكان يجدر به أن يشرف هذا الخد ولا يهينه.
فالعلماء كانوا أعزة، فهذا عفان بن مسلم شيخ الإمام أحمد رحمة الله عليهم جميعاً استدعاه الخليفة ليسأله عن مسألة خلق القرآن -التي تعرفونها- هل هو مخلوق أم لا؟ قال له: ولماذا تسألني؟ قال: إن أمير المؤمنين أمرني أن أسألك وحدك! لماذا؟ لأن عفان بن مسلم شامة العلماء في بلده فقال: نسأل هذا العالم الكبير، وقال: إنك إذا أجبت وقلت: إنه غير مخلوق سنقطع راتبك من بيت المال، فقال: وكيف يجوز لي أن أجيب بغير ما أعتقد؟! قال: إن أجبت بما تعتقد قطعنا عنك راتبك، فهل القرآن مخلوق أم لا؟ قال: القرآن كلام الله غير مخلوق، قال: إذاً سنقطع عنك راتبك! فقام عفان من بين يديه وهو يقول: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات:٢٢]، وكان عفان بن مسلم يعول أربعين إنساناً في داره، من سينفق عليهم؟ كان متزوجاً بأربع، ولديه ستة وثلاثون ولداً، فكان الصف الأول في المسجد لأولاده، هذا هو العلم! فلما دخل الدار قالوا له: ماذا عملت؟ فقال لهم: أمروني أن أقول بخلق القرآن وإلا فسيقطعون عني الألف درهم التي كانوا يعطونني إياها من بيت المال، فجعلوا يلومونه ويقولون: من أين سنأكل، من أين سنشرب؟ ومن هذا الكلام الذي يقال في هذه المناسبات، في الليل أو في العصر جاء الإمامان الكبيران -ومن يقرأ هذه الحكايات يحس بالغربة- أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وكانا من تلاميذ عفان بن مسلم، وجاءا من أجل أن يطمئنا ما الذي قاله عفان، فلما دخلا سألاه عما قال: فقال: قلت لهم: القرآن كلام الله غير مخلوق فمنعوا عني راتبي: فقلت: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات:٢٢]، قال: فرأيت وجه أحمد يتهلل فرحاً؛ لأنه ضحى بالمال من أجل دينه ومبدئه، نعم يضحون بالمال ولا يكفرون بالله.
قال: وفي عشية هذا اليوم جاء رجل إلى باب دار عفان بن مسلم، وقال: هذه دار عفان؟ قال عفان: نعم فقال: أين عفان؟ قال: أنا عفان، قال: هذه صرةٌ بألف درهم ولك في كل شهرٍ مثلها! -وهذه صحيحة- وهو لا يعرف الرجل ولا يعرف من الذي أرسل الرجل، ومن الذي أعطاه الألف درهم: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود:٥٦].
فالقصد أن الداعية إلى الله ينبغي أن يضع الحكمة في موضعها، وألا ينزل في تعامله مع الناس إلى مستواهم، لو عامل الناس بمستواهم لتلون في اليوم ستين لوناً، مرة يصير لئيماً ومرة سافلاً، ومرة قبيحاً، ومرة طفيلياً فهذا لا يليق بالداعية أبداً، كيف سيعلم؟! فعامل الناس بمستواك وبما يليق بك ولا تنزل إلى مستواهم؛ فإن الله جمع لك السلطان عليهم بأن جعل الدواء في يديك.
قيل لأهل البصرة: بم فاز فيكم الحسن البصري؟ ولماذا أصبح ذكره على كل لسان؟ فقالوا: استغنى عن دنيانا واحتجنا لعلمه.
إذاً: عليك أن تبعد عن الملوك والرؤساء وأصحاب الأموال وكل هؤلاء، وتعامل الآخرين بما يليق بمكانتك.
إن الملوك بلاءٌ حيثما حلوا فلا يكن لك في أكنافهم ظل ماذا تأمل من قوم إذا غضبوا جاروا عليك وإن أرضيتهم ملوا فاستغن بالله عن دنياهم أبداً إن الوقوف على أبوابهم ذل اعرف مكانة العلم الذي بين جنبيك يرفعك الله ﵎، وخلاصة الأمر: عامل الناس بقدر ما عندك من العلم، ولا تتحامق، ولا تجهل عليهم، فليكن عندك الصبر والذكاء والتغافل، وإنزال كلّ رجلٍ منزلته، لا توقر أهل الفسق ولكن أرشدهم، ووقر أهل الكرم ولا تزاحمهم، ولا تجادلهم فيمقتوك، كثرة المراء تورث الحقد والغل والبغضاء في الصدور، وعدم قبول الحق، فالرسول ﵊ قال: (من ترك المراء وإن كان محقاً بني له بيتٌ في ربض الجنة)، ولو كان محقاً في المراء فعليه أن يتجنبه حتى لا يطول الكلام، وحتى لا يجر المراء إلى خلاف أو إلى شتم أو إلى تغير القلوب؛ لأن المراء لا يكون من ورائه خير أبداً ولو كان بدايته حقاً، فإن عاقبته لا تئول إلى الحق أبداً، ولذلك قال النبي ﷺ : (من ترك المراء ولو كان محقاً)، فكيف بمن يماري وهو مبطل؟ ولذلك الداعية إلى الله يحمل على كاهله عبء الأمة كلها، وينبغي أن يكون شفوقاً، وصاحب نظرة واسعة لوضع المسلمين، ما يراه من هموم الدعوة خارج أقطار بلده ينبغي أن يؤرقه، وينبغي أن ينظر إلى الحل، ويراسل إخوانه من الدعاة، ويمد الجسور بينه وبين إخوانه من الدعاة إلى الله ، وليكن استماعه إليهم أكثر من كلامه معهم.
стр. 1107
انتفاع الداعية بما عند غيره من علم لا يعد انتقاصاً له
جرب أن تعطي أذنك وقلبك لمحدثك تجد أنك لن تعدم فائدةً تخرج بها، وكنت قضيت فترةً في صدر شبابي وقبل أن أطعن في الكهولة لا أكاد أسمع من غيري، والسبب لأنني تعودت أن أكون متكلماً، من تعود أن يكون متكلماً يشق عليه كثيراً أن يسمع، فلو نظرت مثلاً إلى ضابط جيش أحيل للتقاعد وعمل شركة تجارية مع شخص آخر فسترى أن ضابط الجيش يريد أن ينفذ كل شيء بالأمر، فلو قال له: نأتي بكذا، يقول: لا، هكذا أفضل، تعود أن يقول افعل فيقال له: تمام يا فندم! من يوم أن كان ملازماً وحتى أصبح ضابطاً كبيراً وهو يأمر فيطاع، كل شيء (تمام يا فندم)! فلو أتى شخص يأمره تصبح ثقيلة جداً عليه.
فالذي يتعود طوال عمره أن يتكلم قد يشق عليه أن يكون في محل المستمع، مثلاً شخص لم يخطب الجمعة في حياته وكان ملتحياً، فدخل مسجداً -وكان الخطيب فيه غائباً- وصعد المنبر وخطب، فقالوا له: لماذا تخطب؟ فقال: كوني أسمع نفسي أحسن من آخر يعكر عليَّ، وفي نهاية الأمر أنا الذي أتكلم، وهل هناك أحد ينزعج من نفسه، أو يقبح كلامه حتى ولو كان في غاية القبح؟ فهذه فلسفة شخص لا متكلم ولا شيء، فما بالك لو كان المتكلم متعوداً أن يرتقي أعواد المنابر؟! فيكون قد تعود أنه يتكلم والناس يسمعون.
فمن داوم على قراءة سير العلماء -وهذا هو في الحقيقة الباب العظيم لتهذيب النفس- يحتقر نفسه، والله يا إخواننا كثيراً ما فكرت أن أعتزل الدعوة العلنية وأعتزل الفتوى، فكلما قرأت تراجم العلماء أصاب بهم وغم، فأتصل بمن أثق برأيهم من إخواني وأعرض عليهم محنتي وأقول: أنا لست بأهل، وكم مرة أعظم بلائي لأجل أن يقول لي أحد الذين أثق برأيهم: يجوز لك أن تعتذر، فما كنت أرى منهم ذلك أبداً، وكانوا يقولون: أنت آثم لو فعلت! فأرجع بخفي حنين وأنا حزين.
عندما أقرأ تراجم العلماء، وأقرأ في صبرهم، وأقرأ في جدهم وعبادتهم، وأقرأ في سعة علمهم فأنظر إلى حالنا الذي يعيش المرأ فيه مع ضحالة العلم وقلة التحصيل وقلة الصبر مع ضيق العطن فأقول: أنا غير أهل أبداً!! فقراءتك في كتب العلماء وسيرهم يهذب من طبعك، فكان مما تعلمته من تراجم العلماء: أن أجرب أن كون مستمعاً، فكنت مثلاً أدخل أصلي الجمعة في أي مسجد، صحيح الخطيب لم يك شيئاً، لكن أعطيه أذني وقلبي، وأصوب النظر إليه، ففي الجمعة الماضية مثلاً وأنا مسافر عرجنا على مسجد في الطريق لكي نصلي، والخطيب لم يكن شيئاً، يعني خطبة ولدت ميتة، أتعرف ماذا استفدت منه في هذه الخطبة؟ شكل الرجل؛ لأنه رجل كبير في السن وكان يتكلم بانفعال، وله لحية بيضاء، وكان يلبس عمامة لطيفة، فكل الذي استفدته من الخطبة شكل الرجل وسمته والحرارة التي يتكلم بها، وخرجت وأنا أرى أني استفدت، لن تعدم فائدة تخرج بها إذا أعطيت أذنك وقلبك لغيرك من أهل الخير.
إذا جئت تحاضر في مسجد مثل هذا وتأتي لتحضر درساً لواحد من إخوانك الدعاة فتجد الناس فوق بعضهم والشوارع ممتلئة فتجد في نفسك غيظاً، وتقول في نفسك: إن هذا الرجل مشهور وأحسن مني ويحضر له أناس أكثر مني، ثم تسمع كلام المادحين: جزاه الله خيراً ولا فض الله فاه، وأكثر الله من أمثاله وغير ذلك من المديح، فتقول: لدي تنبيه خفيف لطيف، لا يعكر طبعاً على ما قال، في الواقع يغالط في المكان الفلاني والمكان العلاني وهذا غفر الله له، يعني هذا لا يضر إن شاء الله وغير ذلك من الكلام، ويقعد يتكلم في أخيه بدعوى الورع وغير ذلك.
لا.
إياك أن تحسد أخاك، ربما كان النفع بك أعظم من النفع به، وانظر إلى الدعاة الوعاظ الذين كان يصلي وراءهم أربعون وخمسون وستون ألفاً، هل لهم تلاميذ ورثوا هذا المنهج؟ لا، لكن تجد العالم الذي يعلم عشرين شخصاً سيخرج من ورائه خمسة عشر عالماً على الأقل.
إذاً: صار النفع بهذا العالم مع العشرين أكبر من الرجل الذي كان يحاضر في أربعين أو خمسين ألفاً: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤].
стр. 1108
تعدد الزوجات والحرب الإعلامية [١]
تعد مسألة تعدد الزوجات من المسائل التي أكثر أعداء الدين من الخوض فيها زعماً منهم أن في التعدد انتهاكاً لحقوق المرأة وهدراً لكرامتها، وهم خلال ذلك يستشهدون ببعض ما جاء في كتاب الله وسنة نبيه لدعم ما يذهبون إليه، فيحملون هذه الأدلة على غير محملها، ويفسرونها تفسيرات شاذة، حرصاً منهم على دفن كل فضيلة ونشر كل رذيلة في المجتمع المسلم.
стр. 1109
عظم ذنب من تنقص أحداً من الأنبياء
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمدٍ ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار.
لقد اشتهر عند العلماء والعامة قولٌ وهو: (إن لحوم العلماء مسمومة) ومعنى هذا أنه إذا حَرُم على الإنسان أن يغتاب أخاه المسلم، أو يأكل لحمه، فلا شك أن حرمة العالم أجل من حرمة المسلم مطلقاً؛ لأنه جمع الإسلام والعلم، فهو يزيد على الرجل العامي بدرجة العلم، ولأن منصب العلماء بين الناس هو كمنصب الرسول؛ لأن النبي ﵌ قال: (إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، ولكن ورثوا العلم)، والعلماء هم ورثة الأنبياء، وهم الذين يبلغون رسالات الله، فيجب أن تصان أعراضهم؛ لأن النيل من عرض العالم قد يضر بدعوته، لذلك كان لحمه مسموماً، وقلّما تجد رجلاً طعن فيه أو نال منه إلا هتكه الله .
فإذا كان لحم العالم مسموماً فلا شك أن لحم النبي أشد سماً، وأنه لا يجوز لأحدٍ قط أن يسب نبياً أو يغمزه تحت أي دعوى.
وعلماؤنا صنفوا بعض التصانيف في مثل هذا الباب، وأقدم من علمته صنف في هذا الباب أبو الحسن الحموي، صنف كتاباً أسماه (تنزيه الأنبياء عما نسبه إليهم حثالة الأغبياء)، وللسيوطي أيضاً رسالة (تنزيه الأنبياء عن تسفيه الأغبياء)، جاء فيها: أنه لا يجوز أن تصف نبياً بما يكون في العرف غير كريم، وإن كان كذلك.
فمثلاً: لو افترضنا أن رعي الغنم في بلدنا هذه مهنة حقيرة، فلا يجوز أن تقول: الرسول ﵊ كان راعي غنم، نعم هو كان راعي غنم، لكن عندما ذكرت رعيه للغنم في هذه المنطقة كان ذلك وضعاً من شأنه ﷺ ، وإذا كانت مهنة النجارة محتقرة في مكانٍ ما، فلا يجوز لك في معرض الدفاع عن نفسك أن تقول: زكريا ﵇ كان نجاراً؛ لأن الكلام سياقٌ وسباقٌ ولحاق، فلا تأت بجملة وحدها، فتجزئها وتترك أولها وآخرها.
نعم زكريا ﵇ كان نجاراً كما في الحديث، لكنك إنما ذكرتها في معرض الدفاع عن نفسك وعن هذه المهنة، والعلماء إنما قالوا ذلك صيانةً لجناب النبوة؛ لأنهم هم المبلغون عن الله ﵎.
стр. 1110
التعريض بيعقوب ﵇ بغرض الطعن في مشروعية تعدد الزوجات
حين يأتي الرجل يريد أن يدافع عن فكرة معينة، فلا يجوز له أن يدافع عنها بلمز أحد من الأنبياء، وحين يأتي رجل يكتب: أن تعدد الزوجات من أكبر المضار، ويستدل على ذلك بقصة يعقوب ﵇! نقول له: ما علاقة يعقوب ﵇ بالموضوع؟ فيتعلل بأنه كان متزوجاً من امرأتين، ثم حصل حقد بينهما، وانعكس هذا الحقد على الأبناء، فقام إخوة يوسف بإلقائه في الجب؛ لأن الإخوة من الأب يكرهون بعضهم بعضاً، كما أن الأب معرض لعدم تمكنه من أن يعدل، فإذا كان هذا حدث لنبي فما بالك بغيره؟ إن مثل هذا الكلام في وجود سلطان شرعي لابد وأن يحد قائله حد المفتري، لأنه كاذب؛ وهل الإخوة الأشقاء لا يقتل بعضهم بعضاً؟ فالعلة موجودة في الإخوة الأشقاء.
وهل يعقوب ﵇ فضل يوسف على سائر أخوته تفضيلاً سائغاً أم تفضيلاً متكلفاً فيه، يطعن عليه به؟ إن الوالد يكون له وجهة نظر في بذل العطاء والحنان لولدٍ دون آخر، ولا يكون ذلك تفرقةً منه، ولا يعرف هذا إلا من رزق الولد.
فحنان الوالد حنان فطري خلقه الله فيه، وهو سبب لوجود ابنه في هذه الدنيا، وقد ترتب على هذا الفرق بين الولد والوالد في هذه المسألة أحكام شرعية، فالنبي ﷺ قال: (لا يقاد للولد من والده) بمعنى: لو أن والداً قتل ابنه لا يقتل الوالد به، لكن لو أن الولد قتل الوالد يقتل ما هو الفرق؟ الفرق: أن الوالد لا يمكن أن يقتل ابنه إلا إذا زال عقله؛ لأن حنانه جبلي فطري مخلوق فيه، أما الولد فمسألة أن يقتل أباه مسألة سهلة، أو أن يعق أباه، أو أن يرى أباه يبكي قائلاً: يا بني! أطعني في هذا المعروف.
بينما الولد شارد؛ لأن حبه تصنع وتكلف.
стр. 1111
بعض المقتضيات الفطرية لدى الآباء للتمييز بين الأبناء في المعاملة والعطاء
أسوق مثالاً لأبين أن التفضيل بين الأولاد لا يكون ظلماً أحياناً.
سئلت أم: من هو أعز ولدك؟ قالت: الصغير حتى يكبر، والمريض حتى يبرأ، والمسافر حتى يعود.
فالمقتضى لتمييز بعض الأبناء موجود في هذه الأحوال، وهو: البعد، والصغر، والمرض، فلو مرض ولدك الصغير فإن قلبك يتفطر عليه، لكن لو مرض ولدك الكبير، تقول له: تحمل، أنت رجل؛ لأن الولد الصغير لا يدرك معنى الألم فلا يمكنه الإفصاح عما يعتريه، ولا يعرف معنى الصبر، لكن إذا كبر الولد، فقل له: تحمل، (أشد الناس بلاءً الأنبياء) فهو يفهم الكلام فيتأسى، بخلاف الصغير، ولذلك تجد حنانك وحزنك على الصغير أعظم من حزنك على الكبير.
فيوسف ﵇ كان صغيراً إذ ذاك، وإخوته قالوا: (ونحن عصبة).
أي: كبار وكثر.
وبعض الناس يقول: إن إخوة يوسف ﵇ كانوا أنبياء والصواب أنهم غير أنبياء؛ لأن الأنبياء باتفاق أهل السنة -بل باتفاق علماء الإسلام جميعاً، بل باتفاق المبتدعة منهم- لا يرتكبون الكبائر لا قبل النبوة ولا بعد النبوة أبداً؛ لأنه إذا ارتكب نبيٌ جريمةً نكراء قبل النبوة يعير بها، فصيانةً لجناب النبوة لا يحفظ عليه كبيرة أبداً قبل النبوة فضلاً عن بعد النبوة، وهم أيضاً منزهون عن الصغائر على القول الراجح.
وإخوة يوسف فعلوا فعلين كلاهما كبير، لما قالوا: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ [يوسف:٩]، ولما قالوا: ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [يوسف:٨] فهم أتوا بأمرين: عقوق، وهمٌّ بالقتل؛ فألقوه في الجب بقصد أن يموت، فكأنهم قتلوه، فإن الرجل لو ذهب لآخر وضربه ضربةً لأجل أن يموت فخر صريعاً فمضى الرجل، ثم أفاق المضروب بعد قليل؛ فإن الضارب يعامل معاملة القاتل في الآخرة؛ لأنه لما ضرب أراد أن يقتل، والنية في هذه المسائل معتبرة.
هل يعقوب ﵇ لما تزوج بامرأتين لم يكن يعدل بين أولاده حتى كان هو السبب في قول الإخوة: اقتلوا يوسف؟ أنا لا أريد أن أفيض كثيراً في محاسن تعدد الزوجات؛ لأنه من محاسن الشرع، دعك من أهواء الناس، وهذا الكلام قد لا يرضي عامة النساء، لكن ما جاء الدين لإرضاء أهواء الناس، إنما نزل الدين مهيمناً على الكل، أليس الدين قيداً؟ ألسنا أسراء في يد الشريعة؟ بلى.
إن النبي ﷺ قال: (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر)، فالمؤمن مسجون بالتكاليف الشرعية: افعل، لا تفعل، ليس هناك حلالٌ مطلق في الدنيا، كل ما يخطر ببالك أن تفعله لا تستطيع أن تفعله؛ لأنك في الدنيا كالمسجون تماماً، وقد قال النبي ﷺ لما أول رؤيا بعض الصحابة -أظنه عمر بن الخطاب ﵁ أو غيره- لما رأى نفسه مقيداً في المنام بقيد، فأولَ القيد بأنه الدين، يعني: دينه متين، الدين قيد، لا تستطيع أن تفعل كل الذي تريد دون ضابط، لأن ديننا جاء ليهيمن على الخلق لا ليتنزل على هوى كل إنسان.
стр. 1112
حصر حق الزوج في التعدد بوجود ضرورة أو عيب في الزوجة
نحن في مسألة إنكار تعدد الزوجات صرنا كالنصارى بكل أسف، حتى إنك قد تجد رجلاً ينسب إلى الالتزام في هذا الباب -أيضاً- كالعوام، فحين يتزوج زوج ابنته بأخرى يأتيه قائلاً: لماذا تتزوج على ابنتي؟ هل ابنتي فيها عيب؟ هل ابنتي مقصرة في شيء؟ فنقول: هل الزواج الثاني لابد أن يكون عن تقصير من الأولى؟! أو بسبب علة فيها؟! من الذي قال ذلك؟ والله ﵎ يقول: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ [النساء:٣] والكلام السابق رد لهذا، إذا لم يرد ذكر للعلة فلو قال الرجل: أريد الزواج بالثانية بلا علة، فالزواج بها يشرح صدري، ويقربني من ربي، ويمكنني من أن أتمتع بالمتعة الحلال، وهذا هو مقتضى اللفظ: (انكحوا ما طاب لكم) ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء:٣].
لكن حين يأتي هؤلاء وينزعون الكلمة من السياق، ويقدمون للناس أحكاماً مبتورة: أن الزواج الثاني لا يكون إلا لعلة، ولابد من استشارة الزوجة الأولى في الزواج؛ لأن الرسول ﵊ فعل ذلك!! وأنا لا أدري أهذا كذبٌ على الله أم جهلٌ، وكلاهما مر، هل النبي ﷺ لما أبى أن ينكح علي بن أبي طالب على ابنته إلا أن يطلقها كان من هذا الباب؟ لا.
إن استدلالهم بهذا الحديث يذكرني بمن يقول: إن مكر النساء وكيدهن أعظم من كيد الشيطان، فتقول له: كيف يكون ذلك ولا يوجد أعدى من الشيطان الرجيم؟ يقول لك: يا أخي! هذا في القرآن، قال الله : ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف:٢٨]، وقال بالنسبة للشيطان: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء:٧٦]، فبين أن كيدهن عظيم، وأن كيد الشيطان كان ضعيفاً، واضح جداً من القرآن.
وليس الأمر كما يزعم؛ لأنه إنما استل هذه الجملة من السياق، واستلال الجملة من السياق بغير نظرٍ إلى السباق واللحاق جريمةٌ في حق المعنى، ففي قوله تعالى: ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف:٢٨] نقول: نعم، إذا قورن كيدهن بكيد الرجال؛ لأن الناس ما هم إلا رجلٌ وامرأة، فإذا قورن كيد الرجال بكيد النساء كان كيدهن عظيماً فعلاً، لكن كيد الشيطان لماذا كان ضعيفاً؟ عندما تقرأ السياق يتضح المقام، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء:٧٦] (ضعيفاً)؛ لأنه مقابل بكيد الله، فصار ضعيفاً لذلك ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء:٧٦]، وهو معهم وناصرهم، ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة:٢٥٧]، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ﴾ [النساء:٧٦]، أي: يا أيها الذين آمنوا -الذين مولاهم الله- قاتلوا أولياء الشيطان؛ لأن الله مع الذين آمنوا، والشيطان مع الذين كفروا، فصار هناك مقابلة ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء:٧٦]؛ لأنه مقابل بكيد الله ، فما معنى أن نأخذ شطر آية مع شطر آية أخرى ونضربهما ببعض؟!
стр. 1113
نقض الاستدلالات على منع تعدد الزوجات
стр. 1114
الاستدلال بقوله تعالى: (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم) على منع التعدد
تأتي الجريمة الثانية في حق المعنى بنزع السياق، يقول لك: إن الله ﵎ قال: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء:١٢٩] يا أخي! خذ الكلام بكامله في السياق واقرأ قوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا * وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء:١٢٨ - ١٢٩].
فلو نظرت إلى السياق للفت نظرك في الآية الأولى: (وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا)، وللفت نظرك في الآية الثانية (وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا) ذكر الإحسان في الآية الأولى والإصلاح في الآية الثانية، وذكر التقوى معهما.
وأي بيت فيه من المشاكل ما لا يستطيع الرجل، ولا تستطيع المرأة الجهر بها، فقد تكون المشاكل متعلقة بأمور تخص المأكل والمشرب أو غير ذلك من الأمور التي يمكن مناقشتها والإفصاح عنها، ولكن في بعض الأحيان يكون الموضوع أعمق من ذلك، لكنه محرج، لا يستطيع الرجل ولا المرأة الإفصاح عنه، والله ﵎ ذكر في هذه الآية: (وَإِنِ امْرَأَةٌ)؛ لأن بعض النساء يقلن: إن الله جعل للرجل سيطرة على المرأة، فإذا نشزت جاز له أن يهجر ويضرب، لكن افترض أن الرجل نشز، فماذا تصنع المرأة؟ نزلت هذه الآية لبيان ذلك، فقال تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ [النساء:١٢٨] الجملة هذه فيها (لا) النافية، وفيها نكرة وهو قوله تعالى: (صلحاً)، والنكرة: هي الاسم المعرى من الألف واللام، وحين تدخل الألف واللام على الاسم يصير معرفة، فكلمة (الصلح) معرفة، وبحذف الألف واللام تصير نكرة.
وقال العلماء: النكرة في سياق النفي تقتضي العموم، يعني: (لا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا) أي صلحٍ كان، هذا معنى الآية، المهم أن هذا الصلح يرضي الطرفين، وتمضي الحياة.
فإذا أراد رجل أن يطلق، فإن الله ﵎ وجهه إلى أن يصطلح مع زوجته على أي شيء، لو أنها تركت بعض ما لها من الحقوق لا ضير أن يمسكها.
وإذا عزم رجل على تطليق زوجته، فقالت له: لا تطلقني وأمسكني، ولا تقسم لي.
أي: لا تبت معي، وهي بذلك تتنازل عن حقها في الفراش، فهل يجوز؟ نعم يجوز، طالما أنها هي التي أسقطت حقها، والمرء حر في إسقاط حقه، إنما لا يجوز للرجل أن لا يوصل حقها إليها، يعني: رجل يمسك بامرأةٍ ولا يعفها في الفراش هذا لا يجوز، وهو آثم بذلك ومرتكب لذنب عظيم، لكن إذا قالت المرأة نفسها: أنا لا أريد ذلك، وأسقطه عنك؛ جاز لهما الاصطلاح على ذلك.
وبرهان ذلك من السنة: أن سودة بنت زمعة ﵂ -زوج النبي ﷺ لما كبرت وخافت أن يطلقها النبي ﷺ ، وأرادت أن تحتفظ بشرف التسمي بأم المؤمنين؛ تنازلت عن ليلتها لـ عائشة ﵂، فصار لـ عائشة ليلتان ولسائر أزواج النبي ﷺ ليلة واحدة، فهي التي تنازلت عن حقها في هذه الحالة.
ولأن الطلاق بيد من أخذ بالساق -وهو الرجل- ولأن المرأة قد تكون ظروفها صعبة جداً، إذا طلقت تضيع، فلا جناح عليهما أن يصلح بينهما صلحاً، لكن هذا فيه غبن للمرأة، فالله قال: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء:١٢٨] على أي وضع، أفضل من أن تشرد المرأة، لو أن المرأة ظلت مع الرجل، وقد فقدت بعض حقوقها أفضل لها من أن تطلق بالكلية، ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء:١٢٨]، كل واحد شحيح بالاعتراف بالخطأ لا يريد أن يقول: أنا مخطئ جاءوا ليتصالحوا وكل واحد مصر أنه هو المحق، ويشح بالاعتراف بالخطأ، فربنا قال: ﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا﴾ [النساء:١٢٨]، فجعل ضم المرأة إلى الرجل مرةً أخرى من الإحسان، وليس من الإحسان أن تظلمها فاتق الله.
إذا أحسنت لا ترد عليها بالسيئة؛ لأن هذا ضد الإحسان، قال الله ﵎: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:٦٠] أي: لا ينبغي أن يكون جزاء الإحسان إلا من جنسه، ثم قال ﵎: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء:١٢٩]، هنا جاء المعنى، فالآية الأولى بينت حال رجل بينه وبين امرأته خلاف، ويريد أن يطلقها، فيقال له: أمسكها ولو على مضض، من قبيل الإحسان.
أما لو كان الرجل متزوجاً بامرأةٍ أخرى، وصار قلبه بالنسبة للمرأة التي حدث بينه وبينها نشوز ليس على ما يرام، فإذا تحول قلب الرجل عن المرأة لا يعطيها حقها في الفراش، هذا معنى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا﴾ [النساء:١٢٩] أي: بالمحبة القلبية والفراش؛ لأن هذا فرع على عمل القلب، أليس القلب مَلِك البدن؟ فالإنسان إذا كره بقلبه لا يمكن للجوارح أن تأتي بخلاف ما في القلب، ولذلك إذا تفتت عزم القلب ضاع عمل الجوارح، فأحياناً يأتي خبر للإنسان وهو متماسك فينزل عليه كالصاعقة، فعندما يسمعه يسقط على الأرض صريعاً ما الذي جرى؟ فهذا القلب لما انفت عزمه خانته قدماه؛ لأن قوة العضو إنما هي من قوة القلب والجنان، لذلك ترى الرجل إذا انفت عزم قلبه لا يستطيع أن يستخدم جارحته أبداً.
ذارت مرة قال أحدهم لي: إنه شعر بتعب، فذهب يكشف عند الطبيب، فقال له: عندك مرض القلب، فلما سمع ذلك -وكان قد صعد السلم على قدميه- نزل مستنداً على غيره، وقال: سأكشف عند أخصائي، وعندما كشف عليه قال له: أنت عند من كشفت؟ قال له: عند الطبيب فلان.
قال له: إن قلبك أقوى من قلب الذي كشف عليك، فخرج الرجل من عند الأخصائي على قدميه ما الذي جرى له؟ رجله هي رجله، ما الذي جرى له؟ لما انفت عزم القلب ذهبت قوة الجارحة.
فالرجل إذا كان يكره المرأة فمن الطبيعي أن لا يميل إليها، ولا يستطيع أن يأتيها في الفراش، قال ربنا : ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا﴾ [النساء:١٢٩]، إذاً: عدم الاستطاعة جاءت بعد مشكلة ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا﴾ [النساء:١٢٨].
إذاً: عدم الاستطاعة المقصود بها هنا العجز القلبي، وشيء طبيعي جداً أن الإنسان لا يسأل عن هذا العجز القلبي؛ لأن قلبه ليس بيده، إنما القلب بيد الرحمن، كما قال ﵊: (قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف شاء)، وهذا من أعظم العبر، وهو دليلٌ على استيلاء النقص على جملة البشر: وهو أن قلبك ليس بيدك، رغم أنه هو ملك بدنك.
لذلك كان الرسول ﷺ يدعو ويقول: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك)، لو كان قلبك بيدك ما كفرت طرفة عين، ولا كرهت إنساناً، ولا غُلبت على كرهه، لكن ليس بيدك، ولذلك كان النبي ﷺ إذا أراد أن يقسم يقول: (لا، ومقلب القلوب!) إشارةً إلى أن تقليب القلوب آية من آيات الله .
إذاً: الآية جاءت في معرض سياق طويل، فنزع الآية من هذا السياق جريمة في حق المعنى، وتضليل لعباد الله ﵎.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 1115
الاستدلال بمنع النبي لعلي بن أبي طالب من الزواج بابنة أبي جهل على منع التعدد
قال النبي ﵊: (إن بني هشام بن المغيرة استأذنوني أن ينكحوا ابنتهم علياً، فلا آذن لهم، ثم لا آذن لهم، ثم لا آذن لهم، إلا أن يطلق علي ابنتي) فهم يستشهدون بهذا الحديث فيقولون: هذا كلام واضح جداً، إذا كنت تريد أن تتزوج فالزوجة الأولى مخيرة بين أن تطلب الطلاق أو تبقى، وهذا يدل على أنه لابد أن توقع على الموافقة، فهم بهذا الدليل جعلوا القوامة بيدها، انظر الكلام! يعني هي التي تقول للرجل: تزوج أو لا تتزوج، وإلا طلقتك، فالمسألة ستكون بهذه الصورة.
لكن لا بد من النظر في كل ألفاظ الحديث! الشعر الماجن عمل نفس الموضوع، قال: ما قال ربك ويلٌ للأولى سكروا وإنما قال ويلٌ للمصلينا أي: ليس هناك ويلٌ للسكارى، إنما هناك ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون:٤] دون أن يتم قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون:٥]؟! انظر إلى الجريمة التي ارتكبها، أخذ آية قرآنية صحيحة، لكن لا يتم معناها إلا بإتمام بقية السياق قال (﴿لا آذن لهم، ثم لا آذن لهم، ثم لا آذن لهم، إلا أن يطلق علي ابنتي، والله لا تجتمع بنت عدو الله وبنت رسول الله تحت سقفٍ واحد) هذه العلة الأولى.
بنت أبي جهل لا يتصور أحد أن علي بن أبي طالب كان سينكح ابنة أبي جهل وهي كافرة لا، لأن الله ﵎ قال: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة:١٠] لا يمكن للمسلم أن يتزوج بكافرة، بينما يمكنه أن يتزوج كتابية مشركة، لكن الكافرة المحضة الأصلية لا يجوز الزواج بها.
فطبعاً أبو جهل كافر أصلي، وابنته تبعاً لذلك كافرة أصلية حتى تسلم، إذاً لا يجوز الإمساك بها، لكن بداهةً هي أسلمت.
فما المانع إذاً؟ قال ﵊: (لا تجتمع بنت عدو الله، وبنت رسول الله تحت سقفٍ واحد، إني أخشى أن يفتنوا ابنتي) فانظر إلى العلة، هي مسلمة، لكن خالها كافر، وعمها كافر، وعمتها كافرة، فعندما يأتي هؤلاء الكفرة إلى هذا البيت يخشى على ابنته ريحانته سيدة نساء أهل الجنة، بل سيدة نساء العالمين إلا ما كان من مريم ﵍، يخشى على سيدة نساء العالمين (إني أخشى أن يفتنوا ابنتي)، وحتى لا يظن رجلٌ أن الرسول ﵊ يحرم على علي بن أبي طالب مطلقاً الزواج الثاني، قال ﵊ في نفس الحديث: (أما إني لا أحرم ما أحل الله، ولكن لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله تحت سقفٍ واحد)، فانظر إلى قوله ﵊: (أما إني لا أحرم ما أحل الله) أي: من التعدد، فكيف لم يفصل الذين وضعوا هذا القانون المشئوم الأبتر إلى قول النبي ﵊.
فهذا القول من أهواء الناس، والله ﵎ اللطيف الخبير، الذي هو أعلم بالناس منهم بأنفسهم، والذي شرع ذلك لهم، إنما هو لصالحهم، فنسبة النساء أكثر من نسبة الرجال؛ لأن الرجال معرضون للقتل في الحروب والعصابات والأوبئة، فيترتب عليه أن يكون عدد النساء أكثر من عدد الرجال.
أيتها المرأة التي تسمع كلامي! أيتها المرأة التي مات زوجها عنها وهي شابة، أو طلقها زوجها وهي شابة! ألا تتمنى هذه المرأة أن تكون في كنف رجل.
فالمرأة وقت وجود زوجها، تأبى عليه أشد الإباء أن يتزوج عليها وتهدده.
فهذه المرأة إذا مات الزوج وهي لا تزال بعد شابة، فهل يُقضى عليها بالإعدام، وتقضي حياتها كلها بلا زوج! ونقول للذين يدافعون عن حقوق المرأة -زعموا- ويقاومون الزواج الثاني! هذه المرأة لما مات عنها زوجها هل صارت وحشاً؟ أو صارت رجلاً؟ أو انتفى عنها وصف الأنثى، أو ما زالت امرأة؟ أليست هذه امرأة لها حقوق؟ فأين ذهب حقها؟ فالمرأة بعد وضعها الجديد ولو مضى على زواجها يوم واحد لا يعود بيت أبيها لها بيتاً، ولا تشعر فيه بالأنس والاستقرار؛ لأنها لا تعامل معاملة البنت البكر، حتى في بيت أبيها، فتنظر هي إلى حالها، من الممكن أن تكون هي المرأة القادمة التي يموت زوجها، أو يطلقها زوجها وهي شابة.
إذاً: هي لابد أن تحب لأختها من الخير ما تحب لنفسها، لاسيما إذا كان الرجل عادلاً مستطيعاً.
стр. 1116
الحكمة من تعدد الزوجات
الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن، والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
الحالة التي وصلنا إليها في هذا الباب هي أننا صرنا كالنصارى في هذا الباب؛ والسبب طويل، وجذوره ترجع إلى الوراء، إن الذين امتلكوا دفة الإعلام والثقافة عندنا لا يمتون إلى الإسلام بصلة، ولاؤهم ليس لدينهم، القصص المسرحيات المسلسلات الجرائد المجلات كل ذلك يصب في هذا المستنقع.
فإذا جاءهم من يقول: إن للرجل أن يتزوج على زوجته، قالوا: لماذا؟ هل بالمرأة عاهة؟ المرأة ليس لها كرامة؟ ليس لها حرية؟ لا، الكلام هذا كان في العصور الوسطى، في العصر الحجري، لكننا الآن أخذنا حريتنا.
هذا اتهام للنبي ﵊ أنه عيش النساء في العصر الحجري والعصور الوسطى؛ لأن المرأة الآن لم تعد كما كانت على عهد النبي ﵊، وصاروا يأتون بالشبهات التي يلبسون بها على الناس.
نحن قلنا: إن القلب ليس ملكك، يجبر الإنسان على عشق امرأة أو على حب شيءٍ ما وهلاكه فيه، تقول له: يا أخي! انس يقول لك: لا أستطيع، وهل قلبي بيدي؟ فهو لا يستطيع، ويكاد يتلف.
وفعلاً بدأ هذا الرجل يضمر، ووجهه ينحل، وأحست زوجته أن الرجل يموت، فذهبت إلى تلك المرأة وقالت لها: اعملي معروف، تزوجيه، أنا لا أريد أن أفقده، لو -صار معي نصف يوم أو يوماً من كل يومين أفضل من أن يموت، تزوجيه.
هي بالتالي ركبت دماغها، وقالت: أبداً، لا يمكن، فأرسلت رسالة للرجل صاحب البريد، تقول له: إنها تقرأ لك، أرجوك تحننها، وقل لها: تتزوج زوجي، أنا أريد ذلك.
فيقول لها: لا يا سيدتي، لن أقول لها ذلك.
أنا أفهم أنك تقول: لا أقول لها ذلك؛ لأن البيت سيتدمر وسيضيع، لكن المرأة نفسها هي التي تقول لك: اعمل معروفاً، كلمها.
فيقول لها: لا يا سيدتي، لن أقول.
انظر العداء السافر إلى أي درجة وصل! أنا أفهم أنه لا يريد أن يهدم البيت الأول، حسناً، كلام معقول مثلاً، ولو بادي الرأي، لكن المرأة نفسها هي التي تقول: مرها، وانصحها أن تتزوجه.
فيقول لها: لا يا سيدتي.
إن النساء المطلقات واللاتي مات عنهن أزواجهن كثرة كاثرة، والمتأمل في أحوالهن يبكي بالدمع السخين عليهن، وعلى ظروفهن وأحوالهن، ألسن نساء لهن ما للنساء؟ فأيهما أصلح: أن تقع المرأة في الحرام، أو يعفها رجل؟ (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، الرجل القادر المستطيع الديِّن الخيِّر زواجه خير، فيه تكثير لنسل المسلمين، وفيه أنه ضم امرأةً لا راعي لها.
فأعداء الدين عندما يتكلمون في هذه القضية لا يتكلمون بعدل ولا بإنصاف ولا بعلم، بل غمزوا نبياً من الأنبياء بسبب ذلك.
إن هؤلاء لا يتورعون في سبيل الوصول إلى ما يريد أسيادهم عن أن يغمزوا حتى الأنبياء، فانظروا يرحمكم الله إلى هذه المسألة، ولا زلت أقول: ما جاء الدين ليرضي أهواء الناس، إنما جاء الدين لمصلحة البشر، فقد يرتكب الإنسان عملاً ضد مصلحته وهو لا يدري، ولذلك العبد الذي يسلم لربه ﵎ -لدينه وشرعه- من أسعد الخلق.
стр. 1117
التزام الأحكام الشرعية لا يأتي إلا بالخير
إن الله وجهك إذا أشكل عليك أمر أن تقول: ربِّ لا تكلني إلى نفسي طرفة عين؛ لأن الله إذا وكل العبد إلى نفسه طرفة عينٍ أهلكه.
ودعاء الاستخارة عندما تتأمل ألفاظه تدرك هذا الأمر، فقد قال ﵊: (إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تعلم ولا أعلم، وتقدر ولا أقدر، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر -وتسمي حاجتك-) تريد أن تتزوج، أو تنقل مسكنك، أو تغير الوظيفة، أو تبدأ مشروعاً، أنت لا تدري أهو خيرٌ لك أم لا؛ تدعو هذا الدعاء بعد صلاة ركعتين من غير الفريضة.
(اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر -وتسمي حاجتك- خير لي في ديني ودنياي، أو قال: عاجل أمري وآجله، فاقدره لي، ويسره لي.
وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ودنياي، أو قال: عاجل أمري وآجله، فاصرفني عنه، واصرفه عني، واقدر لي الخير حيث كان، ثم أرضني به).
انظر إلى الكلام! لأنه قد يقدر لك الخير وأنت لا ترضى به فترفضه؛ فتحرم ذلك الخير.
فعليك عندما تدعو الله ﵎ أن لا تدعوه بالذي تريد؛ لأن ذلك الأمر قد يكون وبالاً عليك وأنت لا تدري، فلا تقل: يا رب! أريد أن أتزوج فلانة.
لكن قل: يا رب! إن كانت فلانة خيراً لي في ديني ودنياي فزوجنيها، ولا تقل: أريد الوظيفة الفلانية، أو المسكن الفلاني، لكن قل: إن كان ذلك الأمر خيراً؛ فإن ذلك من أدب الدعاء، وما ألطف دعاء أيوب ﵇، قال الله : ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ [الأنبياء:٨٣] لم يقل: فاشفني، وإنما قال: ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٣] إن كنت ترى الرحمة في استمرار بلائي فزده، وإن كنت ترى الرحمة أن ترفعه عني فأنت أرحم الراحمين، فانظر كيف لم يطلب العافية لنفسه، لم يقل: مسني الضر فاشفني؛ لأنه لا يدري، أيهما أصلح له: المرض أو الصحة، والعبد المريض لا يدري بعد أن يصح أيكون مجرماً في الأرض أم لا؟ ربما مرض حتى يعجزه الله عن معصية لو كان صحيحاً لأتاها؛ فرحمه الله بأن ابتلاه، والله أرأف بالناس من الأم بولدها، فانظر إلى أدب الدعاء، قال: ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٣].
فلذلك إذا كانت هناك امرأة يريد زوجها أن يتزوج عليها، فلا تتحانق، ولا تلج باب السفه، ولكن تلجأ إلى عتبة ربها ﵎، وتمرغ وجهها بين يدي عبوديته وتدعو وتقول: إذا كان هذا الزواج الثاني يزيد في طاعتي، ويقربني من ربي، ويعف هذه الأخت؛ فاقدره له ويسره له، وإن كان هذا الزواج يضيع إيماني، ويقلبني رأساً على عقب، ويعكر حياتي؛ فاصرفه عني، واصرفني عنه، واقدر الخير حيث كان.
هذا هو دأب الصالحات المؤمنات، وليس أول ما تعلم أن زوجها سيتزوج عليها ترفع راية العصيان، هي لا تدري هل الزواج الثاني خيرٌ لها أم لا، ليس كل أمر يُرى شراً يكون في الأصل شراً، بل قد يكون خيراً، والله ﵎ أدب الصحابة في حديث الإفك، فقال: ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النور:١١]، وقال تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢١٦]، فسلم للذي يعلم وادعه متضرع القلب، وصف قدميك بين يديه ﵎، واضرع إليه ضراعة الذليل أن يقدر لك الخير.
هذا هو سلوك النساء الصالحات المؤمنات، ولا شك أن جميع النساء عندهن غيرة، لكن الغيرة لها حدود، والغيرة إذا طغت على حدود الله لا تكون محمودة، فالسيدة عائشة ﵂ كانت تغار، وكانت تقول: (ما غرت على امرأة قط غيرتي على خديجة لكثرة ما كان النبي ﷺ يذكرها) فغيرة النساء موجودة، والرجل الصالح العادل هو الذي يقتل هذه الغيرة بعدله وإقباله على نسائه، لكن لا يجوز لها أن تتخطى الحدود الشرعية؛ فتظلم بهذه الغيرة.
فنسأل الله ﵎ أن يرد المسلمين إلى دينهم رداً جميلاً.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.
اللهم اجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر.
اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن.
اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا.
رب آت نفوسنا تقواها، وزكاها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.
اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا، وكل ذلك عندنا.
стр. 1118
تعدد الزوجات والحرب الإعلامية [٢]
تعد وسائل الإعلام في العصر الحديث من أهم وسائل التأثير وأخطرها على عقل الإنسان ودينه، وقد أدرك أعداء الله أثر الإعلام في توجيه ثقافات المجتمعات، فاستغلوا ذلك في نشر الرذيلة ومحاربة الفضيلة، ومن ثم إبعاد المجتمع عن الدين الذي يمثل الحصن الحصين لحمايته.
ومما يركز عليه هذا الإعلام في الآونة الأخيرة مسألة تعدد الزوجات لما لإثارة هذه القضية من قبول لدى طائفة من الناس وبخاصة النساء، وهم خلال ذلك لا ينشدون منح المرأة حقاً ضائعاً، وإنما يريدون من وراء ذلك سد الأبواب الشرعية التي تمنع من انتشار الرذيلة، والاستعاضة عنها بوسائل أخرى مثل اتخاذ الخليلات واعتبارها في النهاية بديلاً للزواج الشرعي.
стр. 1119
اتهام دعاة حقوق المرأة ليعقوب ﵇ بعدم العدل بين أبنائه
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمدٍ ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار.
اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميدٌ مجيد، وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميدٌ مجيد.
في قصة يوسف ﵇ عبر كثيرة جداً، لكن من العبر التي نقف عليها، وهي متعلقة بالكلام الذي قلناه آنفاً عمن أورد قصة يوسف مع إخوته في معرض التمثيل على أضرار تعدد الزوجات، فقال: إن يعقوب ﵇ فرق ما بين الأولاد، وهو يريد أن يقول: فإذا كان هذا حال الأنبياء فكيف بحال العوام؟ هو يريد أن يقول هذا.
فغمز ذلك النبي الكريم بالظلم، فهل في قصة يوسف من أولها إلى آخرها أية إشارةٍ من رب الأرباب إلى ظلم يعقوب ﵇ لولده؟ وهذا الرجل من أين أخذ هذا الكلام؟ أخذه مما جاء على لسان إخوة يوسف: ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [يوسف:٨] فهم الخصم في هذه القضية، فهل الخصم تؤخذ منه الدعوى؟! فإذا جاء رجل مدعٍ، يقول عن آخر: هو ظالم، أقول له: ما هو الدليل؟ فيقول لي: لأنه ظالم، فهذا رجل مدع ولم يقدم دليلاً إلا الدعوى، والدعاوى إنما يستدل لها لا بها، وملخص دعواهم؟ ﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [يوسف:٨] هذه هي الدعوى: أنه يحبهما أكثر مما يحبنا.
فأنا آتي على هذا وأقول له: ما هو الدليل على أنه ظلمك؟ لا أقبل منه أن يقول: إنه ظالم لي لا، بل يقول: لا يعطيني كذا، ويعطيني كذا، وحرمني لي من كذا وكذا أما أن يستدل بنفس الدعوى على الدعوى! فهذا لا يقبل منه، فهم قالوا هذه الدعوى، فهل هم محقون فيها؛ حتى أسلم لهم، وألمز هذا النبي الكريم؟ ومما يدل أيضاً على أنهم من العوام أنهم يزنون الأمور بالكيلو، مثل العوام تماماً، فيقولون: بما أننا نحن عصبة؛ إذاً: نحن أولى بالحنان والحب من الاثنين، وهكذا مقياس العوام، إذا قمت في الناس تذكر وتنذر بآيات الوحي، وبكلام النبي ﵊، يأتي من يقول لك: هل أنت على هدى وكل هؤلاء على ضلال؟! يزنونها بالكيلو أيضاً، مع أن الحق لا يخضع لمثل هذه القسمة، بل الأنبياء جاءوا في وسط المخالفين، وكل المخالفين سفهوهم واحتقروهم، وأخرجوهم وهموا بقتلهم، بل وقتلوا بعضهم، كيحيى ﵇ لما قتلوه وأهدوا رأسه لامرأة بغي.
فهؤلاء هذا ميزانهم، والمسائل عندهم لا تخضع لمقياس الحق، إنما تخضع للكثرة، والعجيب في المسألة: أن هذه الكثرة يمكن أن تنقلب على ضلال في رأيهم لو كانت ضد أهوائهم، وهذا هو العجيب في الموضوع! ولو عاملتهم بنفس مقاييسهم وقلت لأحدهم: أنت تزن بالكيلو وأنا سأزن لك بالكيلو، لو جاء واحد فقط من المفتين -والجماعة الذين معه لا يؤبه لهم- فقال: إن الفوائد الربوية حلال، ووضع الفلوس في البنوك حلال، وخالفه البقية ولجنة الفتوى، وكل المجامع العلمية في البلاد الإسلامية، قالوا: لا، هذا ربا صريح.
يقول لك: لكن أنا مع المفتي فلان! فنقول له: لماذا لا تزنها بالكيلو على مذهبك؟ فالمفروض أن كل هؤلاء يكونون على حق، وأنه يكون على ضلال إذاً: لماذا قلبنا المسألة هنا؟ لأنه صار فيها هوى، ولذلك ليس للعوام مذهب إلا الهوى.
فإخوة يوسف عندما جاءوا قسموا هذه القسمة، واتهموا أباهم بالضلال، لم يتفطنوا لمقياس الأب في الحنان.
نعم بالنسبة للعدل المادي يجب عليه أن يعدل، وكذلك ينبغي عليه أن يعدل حتى في القبلات، لكن قد يقوم مقتضى يمنع دون ذلك، ولا يكون من الظلم، ولد عاق يشتم أباه ويضربه، شيء طبيعي أن الوالد ينفر منه ويكرهه ويدعو عليه، فهل تريد أن تسوي بين هذا العاق، وبين الذي جعل خده مداساً لوالده؟ لا، لا يستويان مثلاً أبداً.
فعندما يوصل الحنان والعطف لهذا ويمنعه عن ذاك؛ فإنما فعله لقيام مقتضى، لكن إذا لم يكن هناك مقتضى فالأصل العدل بين الأولاد في كل شيء.
(جاء بشير -والد النعمان بن بشير ﵄ إلى النبي ﷺ ، وأراد أن يخص النعمان بشيءٍ دون إخوته، فقالت امرأته: لا والله؛ حتى تشهد رسول الله ﷺ على ذلك، فذهب بشير بابنه إلى النبي ﵊، وقال: يا رسول الله! إني أريد أن أنحل ابني هذا نُحلاً -أي: أعطيه عطاءً- قال: أكل ولدك أعطيت -أي: مثل النعمان -؟ قال له: لا.
قال: أشهد على هذا غيري، فإني لا أشهد على جور، اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم، ثم قال له: أتحب أن يكونوا لك في البر سواء؟ قال: نعم.
قال: فاعدل بينهم) لأنه حين يرى الأخ أخاه الآخر هو المحبوب، وهو الذي يأخذ كل شيء، فمن الطبيعي أن يحقد على أخيه وأبيه، ولا يوصل البر لأبيه، فلذلك نبهه النبي ﵊ تنبيهاً لطيفاً بما جبل عليه، فأقامه كالدليل على ما يريد، قال: (أتحب أن يكونوا لك في البر سواء؟ قال: نعم.
قال: فاعدل بينهم) لماذا؟ لأنه ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:٦٠]، تعطي عدل تأخذ بر، لكن تعطي ظلم وجور وتنتظر البر؟ لا.
стр. 1120
ترويج دعاة حقوق المرأة لاعتبار زواج المتعة بديلاً شرعياً لتعدد الزوجات
إن دعاة حقوق المرأة الذين يطالبون بمنع التعدد هم أنفسهم الذين يباركون اتخاذ الخليلات والعشيقات، أي: يمنعون الرجل من التعدد في الحلال ويبيحون المرأة له في الحرام، وقد ذكر أن أحد الدعاة إلى مثل ذلك -وقد أهلكه الله في ليلةٍ مباركة- كان يرد على علماء الأزهر في زواج المتعة، ويقول: أليس الأزهر سنة كذا وستين قال: إن الشيعة مذهب إسلامي معتبر؟ فالشيعة يقولون بزواج المتعة، لماذا لا تبيحون زواج المتعة للشباب الضائع الذي لا يعرف كيف يتزوج؟ وصفة زواج المتعة: أن يتزوج الرجل لوقتٍ معلوم، وبمهرٍ معلوم، كأن المرأة تستأجر، كما روى الصحابي الجليل ابن سبرة الذي هو راوي حديث تحريم نكاح المتعة إلى يوم القيامة، قال: إن الرسول ﵊ قال لنا: (استمتعوا بهذه النساء فأحلت المتعة للصحابة ثلاثة أيام ثم حرمت إلى أبد الآبد).
يقول: (خرجت أنا وصاحبٌ لي، وكل رجل عليه شملة -أي: عباءة- فذهبوا إلى امرأة يعرضون أنفسهم عليها -أي: تقضي معنا شهرين وتأخذ هذه العباءة- قال: فاستملحت صاحبي -كانت عباءته جديدة، أو كان به مميزات أخرى؛ فاختارته- وما هي إلا ثلاثة أيام إلا ونادى منادي رسول الله ﷺ بتحريمها).
زواج المتعة فيه إهانة للنساء، كأنهن مستأجرات؛ فلذلك حرمت.
فهو يقول: طالما أن الشيعة مذهب معتبر، والآن الشباب غير قادرين على دفع المهر، لا عشرة آلاف، ولا حتى خمسة آلاف، فالذي معه مائة جنية لماذا لا يتزوج شهراً؟ ويظل يتكلم، ويصف العلماء المعارضين لهذه المسألة بأنهم حمير، وهذا كان ينشر في صحيفة الأحرار منذ ثلاث سنين، بدعوى حرية الرأي.
فنقول: نحن نقترح اقتراحاً أحسن من هذا إلا أنه حلال: الآن الشباب يفتتنون من العهر والعري الموجود في الشارع، فهلا قلت: أيتها النساء! ادخلن مساكنكن، وتسترن، وهلا قلت لأولياء الأمور: خففوا على الشباب: (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه).
لا هو يعتبر تحجب المرأة نوعاً من التخلف، ولا يجوز أن تفرط المرأة في مكاسبها، وهذا يعتبر مكسباً عظيماً أخذته المرأة.
هل تعلمون سبب تسمية ميدان التحرير بهذا الاسم؟ كان اسمه ميدان الإسماعيلية قبل هذا، وسمي ميدان التحرير لأن صفية زغلول لما خرجت مع من خرج للتظاهر ضد الإنجيلز، فراحوا عند معسكرات الإنجليز يحتجون ويهتفون ضد الإنجليز: يسقط الإنجليز، يسقط الإنجليز وإذا بها ومن معها من النسوة يخلعن الحجاب ويشعلن فيه النار.
فما هي المناسبة والرابط في الموضوع بين الأمرين؟ حتى أن التمثيلية ليست محبوكة، يعني: كون المرأة تخلع الحجاب نكاية بالإنجليز! فهل الإنجليز هم الذين فرضوا الحجاب أصلاً؟ وسمي ذلك الميدان بميدان التحرير من أجل تحرير المرأة من دين الله ، ومن أوامر الله ﵎.
وبدأت المرأة تسير نحو الهاوية شيئاً فشيئاً، وكل هذا بدعوى تحرير المرأة والحفاظ على مكاسبها.
عندما تقول للمرأة: تحجبي.
فالله ﵎ أمر النساء بالحجاب، وأمرهن بالقرار في البيت، فلا تخرج المرأة من البيت إلا لضرورة أو لحاجةٍ ملحة، أما أن تخرج المرأة فيفتتن بها الشباب حتى يقعوا في الزنا، وبعد ذلك تقول: نبيح زواج المتعة! ظلمات بعضها فوق بعض، عصوا الله في أول الأمر، ويريدونا أن نعصي الله أيضاً بجبر هذا العصيان الأول كيف يكون ذلك؟!!
стр. 1121
الوسائل المعاصرة لأعداء الإسلام في غزو البلاد الإسلامية
نحن أمام مخطط رهيب وتغريب خطير، وهذا هو الذي يمشي فيه أعداؤنا من اليهود الآن، فالحزب الحاكم في إسرائيل الآن خطته غير خطة إسحاق شامير؛ لأن إسحاق شامير كان يذهب إلى استعمال القوة، فيبني المستوطنات على أراضي الفلسطينيين لكن إسحاق رابين كان مذهبه يعتمد على أسلوب المراوغة لنيل أكبر قدر من المكاسب.
ولذلك هم الآن يسعون بقضهم وقضيضهم لإقامة السوق الشرأوسطية -الشرق أوسطية-؛ لأنهم حين يغرقون الدول العربية ببضاعتهم هذه سيضيعون اقتصادنا نحن.
قرأت بحثاً لرجل ناصح، وهو أستاذ خبير في الزراعة، قال: إن نسبة الفشل الكلوي ارتفعت بسبب البذور التي تأتينا من إسرائيل عن طريق النمسا وسويسرا فهم يحقنون البذور بأشياء تضر التربة وتضر الآدميين، ولكن القاتل لا يعرف.
وقرأت خبراً مفاده أن رئيس الوزراء الإسرائيلي لما علم أن امرأة يهودية قتلت في الضفة الغربية أصدر بياناً قال فيه: نحن نعترض، ولابد أن نثأر.
أما نحن فشعب البوسنة والهرسك يكاد يفنى، وكل الذي في جعبتنا الشجب والاستنكار.
علينا أن نأخذ العبرة من حرب رمضان، حين تجمع العرب لأول مرة ومنعوا البترول عن أوروبا مات الناس في النمسا وفي البلاد الباردة من البرد، ورأينا صورهم وهم يركبون الجحوش -جمع جحش- ويركبون الدراجات الهوائية لماذا؟ لا يوجد بترول، ولم يكن يأخذ البنزين إلا السادة الكبار.
أسباب الحياة في أيدينا لكننا حمقى! فنحن نستطيع أن نحول الحضارة الغربية إلى صفيح لو منعنا عنهم البترول، ولذلك النظام العالمي الجديد ركز على منابع النفط، ومما لا يخفى أن حرب الخليج أعدّ لها منذ نحو خمس عشرة سنة؛ وعندهم نفس طويل جداً في إعداد مثل هذه المخططات.
فأسلوب الغزو بأن يدخل على المسلمين ويحتل الأرض بالطائرات هذا كان فيما مضى، أما الآن فالمستعمر يمكث في بيته، ويضع رجلاً على رجل، ويمارس لعبة تحريك العرائس، فيحرك أعوانه كالدمى بالخيط، فهم هنا يعملون ما يريده منهم، وهو هناك يضع رجلاً على رجل!
стр. 1122
دور بعض من ينسب إلى الإسلام في الترويج لزيف الحضارة الغربية
كان أحد الأدباء -وقد أفضى إلى ما قدم- تربطه صداقة وطيدة بأديب آخر يكتب في عمود اسمه (مواقف في الأهرام) فكتب عن صاحبه في أحد أعمدته قائلاً: أنا رأيته في المنام في جهنم، وقال: أنت ستلحقني إن شاء الله.
ولم يستح هذا الرجل أن يكتب هذا الكلام في عمود (مواقف)! وبعد ذلك أقر وقال: فعلاً؛ لأن الأدباء لصوص وظل يشتم قليلاً.
وهذا الرجل ليس موفقاً ولا حكيماً، فعندما ذهب فرنسا سنه (١٩٧٩م)، يعني الرجل كما يقال: (ما بقي في الكرم إلا الحطب) قيل له: ما الذي أعجبك في فرنسا؟ قال: أعجبني الزواج الجماعي، والزواج الجماعي يقصد به أنهم يتبادلون الزوجات فيما بينهم.
هذا هو الذي أعجبه في فرنسا؟! فنحن لا ينقل إلينا من تلك الحضارة إلا مثل هذا، فمثلاً لو أن عندنا طائرات، وحصلنا على معونة من الغرب في مجال الطيران، فإنهم يشترطون علينا مثلاً شراء قطع غيار بمبلغ عشرة مليون دولار، وهذه القطع تكون متعلقة بهيكل الطائرة الخارجي أو ما شابه ذلك، فلو قلنا: أعطونا قطع غيار خاصة بالمحرك يقول لك: المعذرة، يوجد لدينا عجز، خذ أبواباً وشبابيك، فتمتلئ المخازن عندنا بالأبواب والشبابيك لكنه لا يعطيك أسباب الحياة؛ لأنه عدوك، فكيف نسينا أنه عدونا؟ لأن عقيدة الولاء والبراء ليس لها أثر في حياتنا.
стр. 1123
دور الإعلام في بعض الدول الإسلامية في نشر الرذيلة بين المسلمين
أصبحت الحرب الآن فكرية إعلامية رهيبة، سئل مسئول إعلامي عن المسلسلات الفاضحة التي تدعو إلى المجون صراحة.
فرد المسئول قائلاً: التلفاز هذا أليس له مفتاح؟ فليغلقله يا أخي! فنقول له: وأنت ما عملك؟ فلماذا لا تدعني أقتل خلق الله، وأسرق البنوك، وأعمل كل شيء وأنا حر في ذلك، فلماذا تقتلني وتضعني في السجن وتشنقني؟! يقول لك: أصلاً أنت متعدٍ على القانون، وهذا ليس في مصلحة الناس.
وهل من مصلحة الناس نشر الفجور فيهم؟ وأنت رجل وضعت أميناً عليهم ومسئولاً أمام الله ﵎، فكيف تسرب الفساد، ثم تأتي وتقول: للتلفاز مفتاح، والذي يريد أن يقفله يقفله وأنت تعلم أن الناس لا يلتزمون أهذا منطق؟! وهلاّ اعتمدت هذا المنطق في بقية المسائل، دعني أفعل ما أريد، فلماذا تحاسبني على أي خطأ آخر؟ لكن هذا مخطط رهيب لتغريب هذه الأمة، فكتب الدين والمناهج الدراسية، رفعت منها الآيات التي تسب اليهود وتلعنهم، كأنها ليست قرآناً.
جاءتني نشرة من شخص أرسلها إلي في خطبة من الخطب، وكنت أظنها سؤالاً، فإذا بها منشور من وزارة الأوقاف لفلان من مديرية الأوقاف لهذا البلد، وتطلب من هذا الرجل ألا يتكلم عن عمر بن الخطاب، وفيها ختم المدير وإمضائه، وبعث لي الورقة أقرأها، فضربت كفاً بكف عمر بن الخطاب! نعم؛ لأن عمر بن الخطاب ذكره يؤلم أناساً، فالكلام عن عمر بن الخطاب يعد مشكلة، لأنه كلام عن العدل والإيثار وهذه الأشياء مشكلة! وفي كل يوم تدفع إلينا أرحام المطابع بسموم كثيرة جداً، ولا يُمكن للدعاة إلى الله ﵎ أن يصلوا إلى هذه الجماهير التي وصل إليها المفسدون فعلى الأقل لو جعلت وسائل الإعلام منبراً للجميع، وكل واحد يعرض فيها بضاعته، على سبيل العدل، فلو جاء شخص يدعو لزواج المتعة، فدعني أرد عليه، وهذا شيخ الأزهر نفسه تألم حين أرسل رداً إلى الصحف ولم يتم نشره، وهو أكبر شخصية إسلامية في البلد، فكيف يمكن أن يتم البنيان؟ فهل يبلغ البنيان يوماً تمامه إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم وأورد هنا حادثة حصلت عندنا حين عرضت وزارة الإعلام مسرحية ماجنة، قاموا فيها بالإتيان بمجسم يمثل الكعبة، وأتوا ببئر بترول تحت الكعبة، وجاءوا براقصة عارية ترقص فوق الكعبة! وهذه عرضت، وفي النهاية المخرج قال: أنا مسلم، موحد الله، حتى إني ألبس خاتم فضة.
فكأننا إذا لبسنا خواتم من فضة! يعني أننا وصلنا إلى قمة الالتزام!! فهل يفعل هذا في صورة الكعبة، التي هي البيت العتيق الذي تحن إليه أفئدة المسلمين من جميع العالم! أنت عندما تذهب إلى البيت العتيق وتدخل وتراه يقف شعرك، وجلدك يقشعر من عظمة البيت! وأنت ترى الناس وهم يطوفون حوله.
الشيء المعظم عندنا يصل به الامتهان أن يصور، ويؤتى براقصة لترقص فوق البيت؛ بدعوى أن الجماعة الذين عندهم البترول هم الراقصون وهم إلخ، ولا يستخدمون المال فيما يريد الله، فيأتي هذا المخرج لبيان هذا الواقع فيعرض البيت للمهانة! إن هذه رموز دينية، فلو جاء رجل ورسم صورة الكعبة، ووضعها على الأرض، وقال للناس: دوسوا.
فهذا يعزر؛ لأن هذه ليست مجرد صورة، بل هو رمز ديني.
لما سقطت الخلافة الإسلامية في تركيا، وفرضوا القبعة على الشعب التركي بدل العمامة -والقبعة شعار غربي- قام علماء الدين جميعاً يقاومون القبعة، فقبض على جماعة منهم، وجيء بواحد من العلماء -طبعاً حكموا عليه بالإعدام- فقال له القاضي وهو يحاكمه: ما أتفهكم يا علماء الدين! أقمتم الدنيا ولم تقعدوها لقبعة، وهي قماش، وتقولون: البسوا العمامة.
وهي قماش، فما الفرق بين القماشين؟! قال له: أيها القاضي! إنك تقضي وخلفك علم تركيا، فهل تستطيع أن تبدله بعلم أمريكا، وهذا قماش وهذا قماش؟! فألقمه حجراً وأسكته.
لأن هذا يمثل عنواناً، فكما أنك لا تستطيع أن ترفع علم بلد غير بلدك فوق رأسك وأنت تتكلم؛ لأن هذا يعتبر عندكم من الخيانة العظمى والعلم عبارة عن قماش، ثم هم يطالبونا بتحية العلم أيضاً لماذا؟ أليس العلم قماشاً؟ قال لك: لا، الذي لا يؤدي تحية هذا العلم نفصله لأن هذا رمز البلد، وشعارها، وعنوانها.
فنحن نخاطبهم بنفس الطريقة ونستخدم نفس الأصل، فنقول: هذا أيضاً عنوان، فالكعبة عنوان، فليس من الضروري أن يصعد فوق الكعبة المشرفة نفسها ويعمل هذه العملية ومع ذلك لم يحاكم المخرج بل أخذ الجوائز عن هذا العمل.
ولو كان سهماً واحداً لاتقيته ولكنه سهمٌ وثانٍ وثالث وإذا تتابعت السهام، وتكسرت النصال في الجسد؛ لا يستطيع المقاومة، فلا تأخذوا دينكم لا من صحف ولا مجلات، وأخرجوا التلفاز من البيوت، فهو والله دمار، وهو من أخطر ما يكون! وأنا على استعداد لأن آتي لكم بتقرير شركة إنترناشونال -شركة يابانية منتجة لجهاز للتلفاز- وهذا نشر في مجلة البيان التي تصدر في لندن، يقول العالم الذي كتب هذا التقرير: إن الأشعة التي يرسلها التلفاز تجعل العقل نصف نائم، بحيث أنه يتلقى كل الذي يقذف إليه بلا أي مقاومة، فهذه الأشعة من خصائصها أنها تؤثر على العقل، وتجعله نصف نائم، ويقول: إن علماء الأشعة لم يستطيعوا الحد من خطورة الأشعة تحت الحمراء -التي في التلفاز الملون- وهي تصيب المدمن الذي يشاهد كثيراً بالسرطان.
وقد قرأت هذا التقرير مرة على المنبر، وقد صار لنا ثلاث سنوات نردد هذا الكلام وكأننا نحرث في الماء، ونقول: أخرجوا التلفاز، فهو حرام، ونأتي بالأدلة الشرعية على أن وجود التلفاز في البيوت حرام، ومع ذلك يرفض كلام العالم ويقال: هذا ليس خبيراً.
طيب: فالآن أتينا لكم برأي الخبراء.
وبالفعل هناك أناس رفعوا جهاز التلفاز لما لوحت بهذا التقرير على المنبر، فقفز إلى ذهني قوله ﵎: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر:٤٥]، فحين نسمع كلام (الخواجة) نسلم له لأن (الخواجة) يفهم، والخواجة دقيق في أحكامه ودراساته، لكن كلام الشيخ لا.
لماذا؟!! بل العالم هو أنصح الناس للناس، لاسيما إذا كان من بني جلدتك إذا كان مسلماً مثلك، هو يأخذ بيدك إلى الله ﵎.
المشكلة حتى في عرضهم للمادة الإعلامية، عرض خبيث جداً.
طيب! مدرسة المشاغبين، عندما نشروها، ألم يزدد الشغب في المدارس؟ فما الذي استفدناه؟ يقول لك: لكي نبين أن الحق ينتصر في النهاية؟ ليتها ما زنت ولا تصدقت، كانت امرأة دائماً تزني لماذا يا امرأة؟ قالت: أريد أن أبني مسجداً هذا لا يصلح.
إنهم في وسائل الإعلام يعرضون الشر بالتفصيل الممل، يعني مثلاً: إذا عرض الشر في ثلاثين حلقة، بأن يعرض الممثل مبيناً كيف يضرب، وكيف يكسر القفل، وكيف يسرق، وكيف يعمل، وبعد ذلك لم يستطع أن يكسر القفل، فقام وقعد يخترع مفتاحاً ووسيلة لكسر القفل، ويستغرق خمس أو ست حلقات في هذا العمل، وأخيراً يفتحه، ثم إذا به عندما قبضت عليه الشرطة وأدخل السجن، يقول: يا ليتني ما أقدمت على هذا العمل، وينتهي المسلسل على هذا.
فهلا جُعلت أيضاً ثلاثون حلقة تصوره وهو يتجرع المر؛ لكي يحصل نوع من التصور، فاعتقاد الشيء فرعٌ عن تصوره، فحين تريد أن تنفر إنساناً من شيء تأتي له بتفاصيل هذا الشيء.
فأنت مثلاً حين تصور حاله بعد دخول السجن وقد تشرد عياله، وهو لا يستطيع النوم، ويظل يتقلب على فراشه يجافيه النوم، ويظهر عليه الندم على ما اقترفت يداه، فعند ذلك يحصل تصور لدى المشاهد.
لكن أتيت له بتصور مفصل للجريمة، ولما جاء الإصلاح قمت واختزلته في مشهد وأنهيت المسلسل، فهذا هو الذي يحصل، فهل هذا عرض يرجى به نصيحة؟ وأنا دائماً أقول: لابد من اقتران التربية بالتعليم، لأي مصلحة أعمل لافتة طويلة عريضة، أظهر فيها صورة علج على حصان، وبيده علبة سجائر (مالبورو) وأكتب بخط يرى بالميكروسكوب: التدخين مضر جداً بالصحة، هلا كتبت ذلك على رأس هذا العلج، لكي أراه أنا أيضاً.
ولماذا هذه القسمة الضيزى، فأنت تعلم أن هذه العبارة الصغيرة هي في صالح الناس، فلماذا تكتبه بهذا الحجم الذي لا يرى؟!! وهذا يذكرني بقصة رجل وجد عنزاً، فذهب إلى الشيخ وقال: يا شيخ! أنا وجدت عنزاً.
قال له: لابد أن تعرفها سنة.
قال: وكيف أعرفها؟ قال: تطوف في الشوارع وتقول: من الذي ضاعت عليه عنزاً؛ فكان يمشي في الشارع ويقول: من الذي ضاعت عليه عنز بصوت خفيف جداً -أي: أنه يرفع صوته بالكلام ثم يخفضه إذا جاء عند ذكر العنز- فماذا استفاد الناس من صراخ هذا الذي ينادي؟ لم يستفيدوا شيئاً.
فكذلك عندما يأتي من يقول: التدخين مضر جداً بالصحة، لا تدخن، فهل هذا مؤتمن عليَّ؟ والأساتذة في كلية الطب والمجامع العلمية الطبية تعقد المؤتمرات في كل مكان، وتعرض في شتى وسائل الإعلام خطورة هذا التدخين.
إذاً: أنا مثلما أقاوم المخدرات، والهيروين، أقاوم التدخين وما الفرق؟ بعدما ثبت طبياً عند الكفرة -ودعك منا؛ حتى لا نكون متطرفين- أن هذا مضر جداً بالصحة.
وإذا كان الناس لا يعرفون مصلحتهم فلماذا لا أضرب على أيديهم؟ وإلا فلم أتأمر عليهم؟ فيحق لي أن أضرب على يد المخطئ كي لا يضر نفسه؛ لأنني أدرى بمصلحته.
فنحن أمام مخطط رهيب، يجب التفطن له، ويجب الركون إلى علماء الدين الأعلام، لا تأخذوا دينكم من الصحف والمجلات، ولا ممن لا تثقون بدينه، الذين يتقلبون كل يوم كالحرباء، إنما خذوا دينكم من أهل العلم، وهم كثر والحمد لله، فإن الله لم يخل العصر من قائم له بالحجة.
نسأل الله ﵎ أن ينفعنا وإياكم بما علمنا، وأن يعلمنا ما جهلنا، وأن يجعل ما سمعناه وما قلناه زاداً إلى حسن المصير إليه، وعتاداً إلى يوم القدوم عليه، إنه بكل جميل كفيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 1124
قل إن كنتم تحبون الله
للمحبة علامات كثيرة تدل على صدق المحب؛ منها: تفريغ القلب للمحبوب، فلا يشرك أحداً في حبه، وإنما يفرغ قلبه لمحبوبه الذي أحبه، كما أنه لا يصرف تفكره إلا في هذا الحبيب، ومنها أيضاً: البذل للمحبوب وطاعته والانصياع لأمره، فالإنسان إذا أحب فإنه يبذل كل ما يستطيع من أجل أن يرضي من أحبه فإن لم تتوفر هذه الصفات كان ذلك الحب ادعاء لا يقوم على دليل.
стр. 1125
علامات المحبة
إن الحمد لله تعالى نحمده، ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
следующие страницы →