← Джавами‘

Джавами‘ · id 7693

دروس للشيخ أبي إسحاق الحويني

أبو إسحق الحويني

Полный текст (1 719 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

مصعب بن عمير ﵁ كان مصعب بن عمير ﵁، من أعطر شباب قريش، وكان يلبس الحرير، وكان ذا وجاهة بين أبويه وفي قومه، فلما أسلم ترك كل ذلك وفر إلى النبي ﷺ ، وكان من الرعيل الأول الذي دخل دار الأرقم، وهو أول سفير ومعلم وناشر للإسلام خارج حدود مكة، وكفاه شرفاً بذلك كفاك شرفاً أن تكون أول الداعين إلى خلة ماتت: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ [الحديد:١٠]، لا يستوي الذي أنفق في وقت عز فيه النصير، مع الذي نصر دين الله لما دخل الناس فيه أفواجاً، لا يستوون!! ولما رأى النبي ﷺ مصعب بن عمير -فيما ذكر- رث الثياب، بكى، وهو يذكر ماضيه، لكنه ترك ذلك محبة لله وطمعاً فيما عنده. روى البخاري عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ أنه قدم له طعام وكان صائماً، وذلك بعد أن استشهد مصعب ﵁ في غزوة أحد، فقال عبد الرحمن: (قتل مصعب بن عمير وهو خير مني، وكان عليه بردة إذا غطينا رأسه بدت رجلاه، وإذا غطينا رجله بدا رأسه، وقتل حمزة وهو خير مني فلا زال يذكر السالفين ويبكي حتى ترك الطعام) هذه هي الأسوة، والذي يتأسى هو عبد الرحمن بن عوف أحد السابقين الأولين من المهاجرين، لكنه يذكر إخوانه الذين سبقوه كم سقط على درب الإيمان من نبيل وكريم! ولا تجد على هذا الدرب إلا الرجال الأفذاذ، لا تجد منهم ضئيل القدر صغير الحجم أبداً، هذا الطريق لا تجد عليه إلا كل نبيل.

стр. 1227

ابن النابلسي وثباته على الدين أمام الخليفة العبيدي وهذا ابن النابلسي أحمد بن محمد بن سهل الرملي دعاه الخليفة العبيدي، وبنو عبيد كانوا قد غيروا الدين، وأزالوا الملة، وقتلوا الصالحين، فلما حضر ابن النابلسي الرملي قال له الخليفة: بلغني أنك تقول: إذا كان للرجل عشرة أسهم فيرمي فينا واحداً وفي الروم تسعة، فهل هذا الكلام صحيح؟ قال: لم أقل هكذا، بل قلت: يرمي فيكم تسعة ويرمي العاشر الروم، فإنكم غيرتم الملة، وقتلتم الصالحين. فأمر بيهودي فسلخه وهو حي -وهذه قصة صحيحة ومشهورة- فكان يذكر الله وهو يسلخ حتى وصل إلى رأسه، فقال ابن النابلسي: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ [الإسراء:٥٨]، وكان الدارقطني -إمام المسلمين في زمانه- إذا ذكر ابن النابلسي يبكي، كيف أنه جاد بنفسه! ومن أين له هذا الصبر؟! يسلخ حتى إذا وصل إلى رأسه قال: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ [الإسراء:٥٨]؟!! فما بدل ولا غير، والثابت من ثبته الله؛ ولذلك يشرع للمسلم أن يقول دائماً: لا حول ولا قوة إلا بالله. اخرج من حول نفسك وقل: رب! لا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا ما دونها، فإن الله يقول: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل:١٢٧]، أي: لا فضل لك إذا صبرت، إنما هو الله الذي صبّرك، والنبي ﷺ يقول: (إن الشهيد لا يشعر بوقع القتل إلا كما يشعر أحدكم بالقرصة)، أفيسلم الله أولياءه للناس؟! أفلا يري هؤلاء الأولياء كرامته وأنه لا يتخلى عنهم حتى يقوي قلوبهم على المضي في طريقه وسبيله! نسأل الله ﵎ أن يصبرنا على الاستمساك بدينه، اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين، اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا. رب آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا، وكل ذلك عندنا.

стр. 1228

مداخل الشيطان [١] إن أعظم ما يرجوه الشيطان من بني آدم هو وقوعهم في الشرك والكفر بشتى الطرق والوسائل. ولأهمية توحيد الألوهية الذي أشرك فيه كثير من الناس كان هو الفارق بين الجاهلية والإسلام، ومن أجله قام العداء، واشتعلت الحروب بين العرب والنبي ﷺ ، وكذلك الحرب القائمة اليوم بين اليهود والنصارى من جهة والمسلمين من جهة أخرى إنما هو حرب عقائد وأديان، بينما نجد من بني جلدتنا من يميع قضية الاهتمام بالتوحيد والدعوة إليه! ويدعو إلى حوار الحضارات، واقتراح الثقافات.

стр. 1229

التحذير من اتباع مذهب الشيطان إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدقَ الحديث كتابُ الله تعالى، وأحسنَ الهدي هديُ محمد ﵌، وشرَّ الأمور محدثاتُها، وكلَّ محدثة بدعةٌ، وكلَّ بدعة ضلالةٌ، وكلَّ ضلالة في النار. الجنس الأول من الشر الذي يطمح الشيطان إليه مع بني آدم: أن يوقعهم في الكفر. وللشيطان مذهب لم يغِب عن الأرض طرفة عين، قال الله : ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلَّاً كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ [يس:٦٠ - ٦٢] وهذا يدل على أن أكثر أهل الأرض يتبعون مذهب الشيطان (جِبِلَّاً كثيراً)، وهذا واضح أيضاً في قول الله : ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ﴾ [الحج:١٨] ومعروف عند العلماء: أن اسم الجنس إذا حُلِّي بالألف واللام فإنه يفيد العموم والاستغراق. (مَن) مِن صِيَغ العموم فقوله: ﴿مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [الحج:١٨] أي: عموم المخلوقات. ثم جاء بعد ذلك تفصيل لهذا العموم بعموم آخر للتأكيد، وهو قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ﴾ [الحج:١٨]، فكلمة: (دابة) اسم لجنس الدواب، فإذا دخلت الألف واللام على كلمة (دابة) أفادت كل دابة على وجه الأرض، وكذلك الأشياء الأخرى مثل النجوم والشجر فكلها تسجد لله. فلما جاء ذكر الناس قال تعالى: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ [الحج:١٨]. إذاً: ليسوا جميعاً موحدون، مع أن الكون كله ساجد موحِّد إلا الثقلين: الإنس، والجن: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلَّاً كَثِيراً﴾ [يس:٦٢]. وأي مذهب عموماً لا يكون إلا بأمر ونهي، فقد أنزل الله الكتاب، وأرسل الرسل؛ ليأمر الناس بشيء وينهاهم عن شيء. إذاً: الأمر والنهي أصل كل مذهب، ولذلك قال الشيطان: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ﴾ [النساء:١١٩].

стр. 1230

توحيد العبادة هو الفرقان بين الجاهلية والإسلام النبي ﵊ عندما جاء إلى العرب ودعاهم إلى الله لماذا قاتلوه؟ مع أنهم كانوا يوحدون الله بتوحيد الربوبية الخاص بالخلق، والإحياء، والإماتة، والإيجاد من عدم، ولم يدعِ أحد من العرب أن آلهةً أخرى اشتركت مع الله في خلق شيء، ولا في تدبير شيء، وقد أقام الله عليهم الحجة في كثير من آيات القرآن: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [العنكبوت:٦١]. ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت:٦٣]. ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [لقمان:٢٥]. ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر:٣٨]. ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف:٩]. ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [الزخرف:٨٧]. ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [يونس:٣١]. ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون:٨٤ - ٨٩]. هذا كله يقرونه لله . إذاً: لماذا قاتل العربُ النبيَّ ﵊ ولم يسلموا له بدعوته؟ إن التوحيد الذي أبى العرب أن يسلموا به هو توحيد العبادة؛ توحيد الألوهية، قال تعالى: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥]. هذا الذي أنكره العرب، وصبروا على حشد الغلاصم، وقطع الحلاقم، ونفذ الأراقم، ومتون الصوارم، وأبوا أن يقولوا هذه الكلمة. ما المشكلة؟ قل: (لا إله إلا الله). لماذا تقوم الحروب؟ لماذا تعرِّض نساءك لأن يكنَّ سبايا؟ لماذا تعرض نفسك للقتل؟ لماذا يُسْتَرَقُّ ولدُك؟ لماذا كل هذا؟ فأبَوا أن يسلموا بتوحيد العبادة، وتوحيدُ العبادة في مثل قوله ﵎: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ [الأنعام:٥٧] (يقُصُّ الحق) أي: يقضيه، وفي الرواية الأخرى المتواترة وهي قراءة حمزة، وأبي عمرو بن العلاء، والكسائي وخلف: (يَقُضِيْ الْحَقَّ). ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف:٤٠]. ﴿وَهُوَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص:٧٠]. ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ﴾ [القصص:٨٨]. ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد:٤١]. وقال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص:٦٨]. فهذا هو توحيد العبادة: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام:٥٧] وتوحيد الحاكمية من أخص خصائص توحيد الألوهية، لا يحل لأحد أن يأمر بمعروف؛ بواجبٍ أو مستحبٍِ أو ينهى إلا الله ومَن أرسله مِن رسول. وعندما درسوا الدين في المدارس افتتحوه بعبارة شهيرة ماكرة قالوا: (جاء رسول الله ﷺ إلى العرب وهم -وذكروا بعض مظاهر الجاهلية- يسجدون للأصنام، ويشربون الخمر، ويَئِدون البنات) وانتهى الأمر على هذا، وصارت عبارةً دارجةً شهيرةً في الكتب، هل هذه العبارة صحيحة؟ والقاعدةُ الإعلاميةُ اليهوديةُ الماكرةُ تقول: (ما تكرر تقرر) فمع تكرار العبارة يصير وقعُها في نفوس الجماهير مستقراً، حتى لو كانت خاطئة، فإذا استقرت هذه العبارة في نفوس الجماهير فنظروا الآن: هل هناك أحد يعبد الأصنام؟ الجواب لا. هل هناك من يشرب الخمر؟ سواد المسلمين لا يشربون الخمر ويعلمون أنه حرام حتى الذين يشربونه. هل هناك من يدفن البنات الآن؟ الجواب: لا. إذاً: الإسلام الذي قاتل لأجله النبي ﷺ موجود، هل هذه العبارة صحيحة بهذا الإطلاق؟ الجواب: لا. إن العرب قاتلوا حتى لا يكون الحكم لله، يريدون أن يحكموا ويشرعوا بأهوائهم، لا يحل الحكم في خردلة فما دونها إلا بحكم الله . إن العرب صبروا على القتال، وفقدوا الأنفس الغالية -فقدوا الرؤساء، وفقدوا السادة والصناديد الكبار- وسُبِيَت نساؤهم؛ وهذا عارٌ عند العرب أن تذهب امرأةُ أحدهم إلى رجل كان يستقلُّه قبل ذلك ويحتقره، ويُقْتَل الصغار، وأبَوا أن يوحدوا توحيد العبادة الذي هو التسليم لحكم الله ، فهذا هو التوحيد الذي قاتل النبي ﷺ العرب لأجله؛ توحيد العبادة (الأمر والنهي).

стр. 1231

من الأدلة على عدم توحيد بعض المسلمين لله بتوحيد الحاكمية يزعجني أن كثيراً من الناس لا يلتزم أحكامَ الله، ولا يسأل عنها إلا إذا وقع في ورطة ولم يجد لها حلاً، أو أصابته مصيبة فجاء يسأل عن حكم الله، أيكون الجمادُ خيراً من الإنسان؟ إن الله قال للسماوات والأرض: ﴿اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت:١١]. لماذا لا يرجع الإنسان إلى الله إلا بعد أن يصيبه العذاب الأليم؟! رجل يسرق أموال الناس، ويختلس من الشركة، ويضع أمواله في البنوك، ومكث على هذه الحال ثماني عشرة سنة وهو يفعل ذلك، وفجأة سقط صريعاً، كشف عنه الأطباء فظَهَر أن عنده ذبحة، وعندما علم بذلك طفق يسأل وجاء يقول: ماذا أفعل في تركة ثماني عشرة سنة؟ البيت الذي بنيته من هذه الأموال كل مشروعاتي من هذه الأموال ربَّيت أولادي من هذه الأموال لا أمتلك شيئاً على الأرض إلا من هذه الأموال، وأنا لا أستطيع أن أخرج من بيتي ولا أخرج من تجارتي، فجدوا لي حلاً، ماذا أفعل؟ هكذا مدة ثماني عشرة سنة يفعل كل شيء، ثم إذا أصابته جائحة جاء يسأل عن حكم الله. كثيرٌ من التجار يعقدون الصفقات ولا يسألون عن حكم الله فيها، صحيحٌ أن الأصل في البيوع الحل، لكن نظراً لاختلاط المسلمين بالكافرين، وأن الكافرين يستحدثون من وجوه المبايعات ما يحفظ لهم أموالهم، ولا يلتزمون بحكم الله، والمسلمون يعاملونهم، وللكافرين اليدُ العليا في البضائع والصناعات، فيذهب المسلم فيعقد صفقة مع الكافر على مذهبه؛ لأنه هو السيد والمالك، فيشترط عليه شروطاً هي في ديننا محرمة، فحينئذٍ يجب عليه أن يسأل أهلَ العلم في كل مبايعة جديدة، وإن كان الأصل في المبايعات الحل؛ لكنه لا يعلم الشرع فلا بد أن يسأل أهل العلم. فكم يا ترى للتجار مستشارين من أهل العلم؟ التجار الكبار لهم مستشارون قانونيون ومحاسبون، ويعطونهم رواتب عالية وثابتة، ويعطونهم نسباً أيضاً، وأهلُ العلم استشارتهم مجانية بلا مال، فهل يا ترى لكل تاجر كبير مستشار من العلماء يقول له: هذا حلال وهذا حرام، ويصدر عن فتواه؟ هذا مِن أدل الأدلة على أننا لا نوحد الله توحيد الحاكمية الذي هو من أخص خصائص توحيد الألوهية.

стр. 1232

حرص النبي ﷺ على حماية جناب التوحيد هذا الجنس الخطير -الكفر- هو ما يطمح الشيطان إليه، وكان النبي ﷺ حريصاً على صيانة جناب التوحيد حتى ولو باللفظ، لا أقول بالفعل -حاشا لله- إنما باللفظ. ويدل على هذا ما رواه ابن ماجة وأحمد وغيرهما بسند قوي عن طفيل بن سخبرة وهو أخو عائشة ﵂ لأمها: (أنه رأى في المنام طائفة من الناس قال: من أنتم؟ قالوا: نحن اليهود، فقال لهم: نِعْم القوم أنتم لولا أنكم تقولون: عزير ابن الله، فقالوا له: ونِعْم القوم أنتم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله ومحمد، ثم قابَلَ -يعني في منامه- طائفة أخرى قال: من أنتم؟ قالوا: نحن النصارى، فقال لهم: نِعْم القوم أنتم لولا أنكم تقولون: المسيح ابن الله، فقالوا له: ونِعْم القوم أنتم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله ومحمد، فاستيقظ من منامه، فأخبر بعض أصحاب النبي ﷺ بالرؤيا، ثم ذهب إلى النبي ﷺ فأخبره بالرؤيا فقال له: هل أخبرتَ أحداً؟ قال: نعم، فصعد النبي ﷺ المنبر، ونادى: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن طفيلاً أخبرني أنه رأى في منامه كذا وكذا وأنتم كنتم تقولون كلمةً كان يمنعني الحياء منكم أن أقولها لكم، كنتم تقولون: ما شاء الله ومحمد، ألا قولوا: ما شاء الله ثم محمد). ولما سمع النبي ﷺ رجلاً يقول له: (ما شاء الله وشئتَ، قال: أجعلتَني لله نداً؟! قل: ما شاء الله ثم شئتَ) مع أنه لم يخطر ببال الرجل -فيما أحسب- أن يكون جَعَل محمداً ﷺ نداً لله، ما أظن أن هذا المعنى خطر على باله، ومع ذلك قال النبي ﷺ : (أجعلتني لله نداً؟!) جعله نداً لله بحرفٍ واحد، حرف الواو (ما شاء الله (و) شئتَ) حرف واحد! فما بالك بالذين يقولون جُمَلاً، ويكتبون كتباً في الشرك: يا بدوي أغثني! يا جيلاني أمدني! يا دسوقي ادفع عني! حرف واحد، لا أقول كلمةً ولا جملةً ولا كتاباً؟! كتاب: (دلائل الخيرات) منتشر عند العوام وهو يعج بالشرك، ولا يحل لأحد أن يقرأ منه حرفاً واحداً. إذاً: نخلص من هذا أن التوحيد الكبير الذي كان فرقاناً بين الجاهلية والإسلام هو توحيد العبادة، وكانت العرب تعرف بعضاً من أسماء الله، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف:٩]، وإنما أنكروا صفة الرحمن جحوداً واستكباراً منهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان:٦٠] نوع من الجحود. فهذا الجنس الخطير -الشرك- هو ما يسعى الشيطان إليه، وأوسعُ هذه الأبواب: تلقي الأوامر والنواهي من غير الله ، قال تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النحل:١١٦ - ١١٧]. وكان الإمام أحمد ﵀ إذا سُئِل عن مسألة في الحلال والحرام يقول: (يعجبني)، و (لا يعجبني)، (أحب ذلك)، و (أكره ذلك)، فلما قيل له: ألا تقول: حرام وحلال؟ فتلا قوله ﵎: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل:١١٦]. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم. الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناء الجميل. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أيها الإخوة الكرام: ظل النبي ﵌ ثلاثةَ عشر عاماً يدعو الناس إلى الله وإلى توحيده، وأهْدَرَ الأموالَ لعلةِ التوحيد بين الناس، فقال ﵌: (لا يرث المسلمُ الكافرَ)، وقال ﷺ : (لا يتوارث أهلُ مِلَّتَين). لو أن شخصاً كان ابن أغنى إنسان على وجه الأرض، وكان ولده الوحيد، فأسلم الابن ومات الأب كافراً، فلا يحل لهذا الولد أن يأخذ درهماً واحداً من تركة أبيه، وقد يكون من أفقر الناس، ومع ذلك لا يحل له أن يأخذ درهماً واحداً، الذي فرَّق بينهما التوحيد، حتى يكون الدينُ كلُّه لله، ومسألةُ عِلِّية المال تنتفي، وهذا يدلك على أن الفرقانَّ المعنيَّ به في القرآن هو التوحيد الذي فرَّق بين الوالد وولده، والولد ووالده.

стр. 1233

تهوين بعض الجماعات الإسلامية من شأن التوحيد فمِن عَجَبٍ أن تهوِّن بعضُ الجماعات الإسلامية الآن من شأن التوحيد، ويقولون: إن الكلام في التوحيد يفرق، ونحن نريد أن نجمع الكلمة، إذا اختلفنا في الله فعلى مَن نجتمع؟ كلمةُ التوحيد قبل توحيد الكلمة، ولا سبيل إلى توحيد الكلمة إلا بعد أن نتفق على كلمة التوحيد، واحتجَّ بعضُهم -غلطاً ووَهماً منه- بقصة هارون ﵇، وأنه ترك الناس أن يعبدوا العجل خشية أن يفرق بينهم: ﴿قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي * قَالَ يَبْنَؤُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه:٩٢ - ٩٤] قال: فترك هارون بني إسرائيل يعبدون العجل حتى لا يفرق بينهم، فهل هذا صحيح؟ الجواب هذا خطأ، وقولٌ ظاهرُ البطلان من آيات القرآن، لقد نهاهم هارون ﵇ وقال لهم: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾ [طه:٩٠] فبيَّن لهم أنه لا يحل لهم أن يعبدوا العجل، وفي سورة الأعراف بيَّن ﵇ أنهم كادوا يقتلونه لما نهاهم: ﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي﴾ [الأعراف:١٥٠] أيقتلونه لأنه ساكن ساكت، أم لأنه قاومهم ووقف في وجوههم؟! فكيف يُظَنُّ بنبي الله هارون أن يرى الناسَ يعبدون العجل من دون الله ، فيسكت خشية أن يفرق جمعهم؟ إنما أرسل الله موسى وهارون، وقَسَم الناس إلى قسمين: فراعنة، وإسرائيليين، جعلهم قسمين كبيرين، لماذا؟ أيتركون عبادة فرعون ويعبدون العجل؟! ما هو الفرق؟ فصاروا يهوِّنون مِن مثل هذا، ويقولون: الكلام في التوحيد يؤدي إلى الفرقة.

стр. 1234

خطر الحرب الثقافية على المسلمين قالوا: لو أن شخصاً يقول: إن الله لا يرى ولا يسمع، فليست هناك مشكلة. ويقولون: يا أخي! أهم شيء العدو الخارجي؛ إسرائيل الآن متغلغلة. ونسي أن المد الثقافي الذي هو أخطر من الغزو العسكري قائمٌ على قدم وساق، يا ليتهم يواجهوننا بالذخائر إذَنْ لَوَجدوا رجالاً؛ لكنهم قتلوا شباب الأمة بالثقافة والإعلام. أي رجل عنده جهاز التلفاز الملعون تجده في الساعات الأخيرة من الليل يرى المشاهد الجنسية الصارخة. وبعضُ الأبناء في المرحلة الثانوية والجامعية يأتي فيقول: إني مبتلىً بداءٍ عُضَال؛ إن شبكة الإنترنت تبث الأفلام الجنسية، فهو يسجل على الأشرطة كثيراً من هذه الأفلام، وصار مدمناً على مشاهدتها. وفي أمريكا يعرفون المسلمين الملتزمين الذين يظهر عليهم سَمْت الالتزام، ويرسلون إليهم مبشرات -راهبات- من أجمل النساء، فيستمتن في الدعوة إلى دينهن. ولقد حدثني أحد شباب السعودية قال: كنتُ أدرس في أمريكا، فطَرَق الباب شخص، فخرجتُ فوجدتُ امرأة في غاية الجمال، فقالت: لحظة أكلمك. قال: فأغلقتُ الباب في وجهها، فطَرَقَت مرة أخرى، فكلمتُها مِن خلف الباب. قالت: لحظة أكلمك، لا تغلق الباب في وجهي. ففتح الباب وقال: ماذا تريدين؟ قالت: إنني أدعوك إلى يسوع المسيح. فأغلق الباب مباشرة. فما كان من المرأة إلا أن قرأت المنشور بأعلى صوتها من خلف الباب. يقول تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء:٨٩]. وقال: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠]. فالمسألة إذاً مسألة عَقَدية. فهؤلاء اليهود يفعلون كل شيء لتدمير شباب هذه الأمة، والعجيب أن يكون هناك عملاء يُغَطُّون مثل هذه الأفاعيل، ويحسنون الظن بالعدو. (إستاكوزا) التي أنكرها بعضُهم أشهراً طويلة، حتى جاء التقرير الرسمي يؤيد ذلك، والتي تدمر الثروة السمكية في كل مياه المسلمين، وفي مصر لو أن رجلاً أخذ كيساً من هذه (الإستاكوزا) التي تأكل الأسماك، وأفرغه في مصب النيل، وانتشرت (الإستاكوزا) في مئات الألوف من االقنوات الصغيرة وأكلت الثروة السمكية كلها، فإن أكبر دولة لن تستطيع أن تفعل في ذلك شيئاً إلا أن تسمم الماء، وهذا جزء مما يفعلون. اللُّبان، والحلوى، و (الشيكولاتة)، مخلوطة بمادة قوية تثير الأعصاب والغرائز الجنسية، فأول ما يأكل أحد هذه الحلوى أو يمضغ هذا اللبان تثور شهوتُه ذكراً كان أو أنثى، ويقولون: لن نكتب عليها: صُنِع في إسرائيل؛ لكن سنكتب عليها: صُنِع في اليابان، وصُنِع في إندونيسيا، وصُنِع في مصر إن لَزِم الأمر. الحرب الثقافية التي هي على أشدها الآن لها عملاء. كتب أحدهم على صفحة كاملة: النبي ﵊ الذي لا يعلم الغيب غداً، لو كان موجوداً لعَدَّل آيات المواريث، فما بال الذي أنزل عليه القرآن، أفَمَا كان يعلم ما سيحدث في زماننا؟ ويُكتب هذا بالخط العريض على الصحيفة كلها، وهذا الرجل أستاذ في كلية الآداب، ولا يزال يدرس حتى الآن. وفي الأسبوع الماضي كتب أحد الصحفيين في جريدة الأهرام تحت عنوان: مجرد رأي، يقول: إن أستاذاً في الجامعة الأمريكية يدرس كتاباً من سنوات طويلة، وهذا الكتاب يسب النبي ﷺ سباً مقذعاً واضحاً، فيقول في هذا الكتاب: والطلبة مُجْبَرون على المذاكرة وعلى كتابة هذه الأفكار حتى لا يرسبوا في المادة، هذا الكتاب فيه: إن النبي ﵊ تزوج خديجة مع أنها أكبر منه؛ لأنه كان رجلاً فقيراً فلاذ بمال المرأة، وأنه هو الذي ألَّف القرآن، ومن جملة ما ألَّفه: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى﴾ [الضحى:٤] الآخرة هي: عائشة، والأولى هي: خديجة. الآخرة هي عائشة البكر، قالوا: لأنه كان يعاني من كبت جنسي فتزوج بنتاً صغيرة. هذا الكلام مكتوب ويدرَّس في دولة تزعم أن دينها الرسمي الإسلام من سنوات طويلة، هذه العبارات كانت كافية لأن يتنبه الساهي وليستيقظ الغافل لكن لا أحد يتابع؛ ويطْلُع جيل يدرُس مثلَ هذا ويدافع عنه. هذا هو المد الثقافي والغزو الفكري. فيقولون: إن هؤلاء اليهود يفعلون ويفعلون ويفعلون، فهل نتكلم في أن الله يرى أو لا يرى، يسمع أو لا يسمع؟! يا أخي! اتركوا هذه الصغائر وهذه الأشياء البسيطة، أمامنا العدو الكبير الذي هو أكبر من تعطيل صفات الله وهو إسرائيل! فهل يمكن أيها الإخوة الكرام أن نجتمع يوماً ما على شيء ما إذا لم نجتمع على توحيد الله؟ الذي يقول: إن الله لا يرى، ولا يسمع، ولا يبصر، يعبُد صنماً! والذي يقول: إن الله يرى كرؤيتي، له بصرٌ كبصري، له سمعٌ كسمعي، يعبُد جسماً، وأهل السنة والجماعة مذهبهم الوسط، فيقولون: نثبت لله ﵎ ما أثبته لنفسه من غير تعطيل ولا تكييف، ولا تجسيم ولا تمثيل. هذا ما يجب أن نعتقده في الله ﵎. نسأل الله أن يرد هذه الأمة إلى دينه رداً جميلاً، وأن يهديهم صراطه المستقيم. اللهم اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا، وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا، وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا، وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ. اللهم اجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر. اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا مَن لا يخافك ولا يرحمنا. رب آتِِ نفوسَنا تقواها، وزكِّها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا، وكلُّ ذلك عندنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 1235

مداخل الشيطان [٢] إن من مداخل الشيطان على بني آدم إيقاعهم في البدعة، ودفعهم إلى رد الحق بسبب تعصبهم لعادات الآباء وتقاليدهم؛ ولا مخرج ولا عاصم من هذه الفتن إلا بالعلم، والاهتمام بما أنزل الله على رسوله ﷺ والنظر في حياة الصحابة واهتمامهم بتلقي الوحي عن رسول الله، وعدم التقديم بين يدي الله ورسوله برأي ولا قول ولا فعل.

стр. 1236

تأثير الآباء في الأبناء عظيم الجذور إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدقَ الحديث كتابُ الله، وأحسنَ الهدي هديُ محمد ﵌، وشرَّ الأمور محدثاتُها، وكلَّ محدثة بدعةٌ، وكلَّ بدعة ضلالةٌ، وكلَّ ضلالة في النار. أيها الإخوة الكرام! فلا زلنا نميط اللثام عن كيد الشيطان لابن آدم، وقد قال الله ﵎: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ * قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾ [الأعراف:٢٧ - ٢٩]. في ترتيب هاتين الآيتين سرٌّ بديع، وقفتُ عليه بتوفيق ربي، ثم بطول التأمل في الآيتين، ولكن لا يظهر المعنى إلا بمقدمة، وهذه المقدمة قد تطول؛ لكنها ضرورية. قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ﴾ [الأعراف:٢٧]. ثم قال: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا﴾ [الأعراف:٢٨]. إن تأثير الآباء في الأبناء عظيم الجذور؛ ولذلك دَرَج أهل الجاهلية أن يحلفوا بآبائهم، ومِن المعلوم أن الحلف إنما هو لتعظيم المحلوف به، ففي الصحيحين من حديث عمر ﵁ قال: (سمعني رسول الله ﵌ وأنا أقول: وأبي! وأبي -أي يحلف بأبيه- فقال: يا عمر! إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت، قال عمر: فما حلفت به ذاكراً ولا آثراً) ذاكراً: لا أحلف، ولا آثراً: لا أقول: إنني في يوم من الأيام قلت: وأبي، فيحلف بأبيه على سبيل الحكاية، وليس على سبيل الحلف، فإعمالاً لهذا النهي من النبي ﵊ وتعظيماً لجنابه يقول: (ما حلفتُ به ذاكراً ولا آثراً) ولأن الوالد هو أغلى ما يمتلكه الولد في هذه الدنيا مع الأم، فإن الصحابة ﵃ كانوا إذا أرادوا أن يُفَدُّوا النبي ﷺ قالوا: بأبي أنت وأمي. أي: أفديك بأبي وأمي، ولو كان هناك أغلى منهما لفديتك به. وفي صحيح البخاري أن أبا بكر الصديق ﵁ كان يصلي صلاة العصر مع علي بن أبي طالب وجماعة من الصحابة ﵃، فلما خرج من المسجد أبصر أبو بكر الحسن بن علي، فجعل أبو بكر يعدو خلفه والحسن يهرب حتى أمسكه أبو بكر، فرفعه على عاتقه وهو يقول: (بأبي شَبِيْهٌ بالنبي ليس شَبِيْهاً بـ علي). والباء هنا ليست باء القسم، إنما هي باء التفدية؛ أي: أفديه بأبي ليس شبيهاً بـ علي، إنما يشبه النبي ﷺ كله. فكانت العرب قديماًَ يحلفون بالآباء لرسوخ هذه العلاقة بين الأبناء والآباء في نفوس الأبناء.

стр. 1237

الاعتراض على الأنبياء بسنة الآباء ذكر ربنا ﵎ أن الرسل أول ما عورضوا بسنة الآباء، وجعلها الناس عقَبَةً كأْداء في طريق الأنبياء: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٣]، ﴿مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ﴾ [الزخرف:٢٣] وهذا كله يفيد العموم، أي: ما جاء نبي قط أرسله الله إلى قرية ما إلا عارضوه بسنة الآباء فقالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٣]. ولو رجعتَ إلى القرآن الكريم تجد تفصيل هذا الكلام.

стр. 1238

نبينا ﵊ ومعارضة قومه دعوته بسنة الآباء ثم كان نبينا ﵊ أكثر الذين عورضوا من الأنبياء بسنة الآباء: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٧٠]. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ﴾ [المائدة:١٠٤]. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [لقمان:٢١] وفي الصحيحين من حديث المسيب بن حزن ﵁ قال: (لما حضرت أبا طالب الوفاة دخل النبي ﷺ عليه وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية، فقال النبي ﷺ : يا عم! قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله، فقال أبو جهل: أترغب عن ملة عبد المطلب -أترغب عن دين آبائك- فكان آخر شيء قاله: على ملة عبد المطلب). فسنة الآباء عَقَبَة كأداء. قال الله : ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾ [البقرة:٢٠٠] فلو كان هناك أحد غير الوالد يذكر عند الولد لذكره الله؛ لأنه ذكر الآية في معرض الحث على كثرة ذكر الله، ولا يُضْرَب المثل بالأدون، إنما يُضْرَب بالأعلى، فلو كان هناك أكثر من الآباء ذكراً عند الأبناء لذكره الله .

стр. 1239

فرعون ومعارضته لدعوة موسى بتقليد الآباء وكذلك عورض موسى ﵇ وأخوه هارون بسنة الآباء، لما جاء إلى فرعون وملئه: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس:٧٨].

стр. 1240

معارضة قوم هود وصالح وشعيب لأنبيائهم بسنة الآباء وكذلك لما جاء هود عارضوه بسنة الأنبياء أيضاً: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [الأعراف:٦٥] ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنتَظِرِينَ﴾ [الأعراف:٧٠ - ٧١]. وكذلك لما جاء صالح إلى ثمود ودعاهم إلى الله : ﴿قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوَّاً قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ [هود:٦٢]. ولما جاء شعيب إلى مدين عارضوه أيضاً بسنة الآباء: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٨٥]. فبماذا أجابوه؟ ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود:٨٧]. جُنِنْتَ؟! نتبعك ونعبد الله، ونتصرف في أموالنا على حسب رأيك؟! ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود:٨٧].

стр. 1241

نوح ﵇ ومعارضة قومه بسنة آبائهم نوح أول نبي أرسل -كما في الحديث الصحيح- وعورض بسنة الآباء: قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ * فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون:٢٣ - ٢٤]. فجعلوا جهل آبائهم قائماً مقامَ الحجة،: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٩١] نعم ما قَدَروه حق قدره، يخلق عباده، ويخلق لهم السماوات والأرض، ولا يرسل إليهم أنبياء يعرفونهم طريق سعادتهم؟! أهذا يليق بالرحمن الرحيم؟! يطعمهم، وينمي أبدانهم، ويملأ بطونهم، ولا يرسل إليهم رسولاً يعرِّفهم به؟ إن الذين زعموا ذلك: ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً﴾ [الأنعام:٩١] مَن الذي فعل ذلك؟! مَن الذي أنزل هذه الكتب؟! ﴿وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ﴾ [الأنعام:٩١] مَن الذي علَّمكم أنتم وآباءكم؟ ﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام:٩١]. فهؤلاء جعلوا جهل آبائهم قائماً مقام الحجة في معارضة الأنبياء.

стр. 1242

إبراهيم ﵇ أكثر من عورض بسنة الآباء إبراهيم ﵇ الحنيف، وهو من أكثر الذين عورضوا بسنة الآباء: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:٥٢ - ٥٣]. وقال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ * قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ * قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ * قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء:٦٩ - ٧٤]. وكان بينه وبين أبيه مجادلة عنيفة أدى فيها إبراهيم ﵇ حق البنوة وحق العبودية، أدى حق البنوة فدعا أباه بألطف عبارة إلى الله، وأدى حق ربه إذ تولى بِرُكْنه وترك الأصنام وعابديها: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيَّاً * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيَّاً * يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيَّاً * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيَّاً * قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيَّاً﴾ [مريم:٤١ - ٤٦]. قال النبي ﷺ كما في الصحيحين: (يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة فيقول إبراهيم: أَلَمْ أنهك -يعني أن تشرك بالله شيئاً- فعصيتني؟ فيقول أبوه: اليوم لا أعصيك، فيتوجه إبراهيم ﵇ فيقول: يا رب! وعدتني أن لا تخزني يوم يبعثون، وأي خزيٍ أعظم من أن يدخل الأبعدُ النار -الأبعد: أبوه- فقال الله : يا إبراهيم! إني حرمت الجنة على الكافرين، انظر تحت قدميك، فينظر فإذا هو بذيخ ملتطخ -صورة ضبع منتن الرائحة، يدور في رجيعه- فيؤخذ بقوائمه إلى النار). إن الله لا يجامل أحداً في التوحيد: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة:٧٢].

стр. 1243

الاقتداء بآدم ﵇ في عدائه للشيطان قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا﴾ [الأعراف:٢٧]. الأبناء عندهم عصبية للآباء، كفروا بالله بسبب العصبية للآباء، ولو سُبَّ والدُ أحدِنا لاحمرَّ أنفُه، ولربما فدى سمعة أبيه بحياته، ولا يرى بأساً عليه من ذلك، إذْ كان يرد اعتبار أبيه. وهذا امرؤ القيس لما خرج هو وصاحبه ليسترد مُلْك أبيه -الملك الضائع- رأى أنه لو قُتِل ما كان ذلك يشينه بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه وأيقن أنَّا لاحقان بقيصرا فقلتُ له لا تبك عينك إنما نحاول ملكاً أو نموتَ فنُعْذَرا كان يبحث عن مُلْك أبيه، وكان أبوه ملكاً، فرأى أن يفدي استرداد الملك بحياته. إذاً: المقدمة الطويلة هذه نستفيد منها: شدة عصبية الأبناء للآباء. قال تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا﴾ [الأعراف:٢٨] حتى في الفواحش دفعتهم العصبية أن يفعلوا الفاحشة، ويجعلوا فعل آبائهم حجة، ثم يفترون على الله بعد ذلك فينسبونها إليه. طالما أن عندكم غَيرة ونخوة وعصبية، فقد أخرج الشيطان أبويكم من الجنة وكشف سوآتهما! فأين عصبيتكم لهما؟! لماذا صار أكثر الناس منقادين للشيطان الرجيم؟! لماذا تَبِع أكثرُ أهل الأرض الشياطينَ؟! أين عصبيتهم؟! لماذا لم يمقتوا الشياطين وقد أخرجوا أبويهم من الجنة، وكشفوا عن سوآتهما؟! لماذا تكيلون بمكيالين؟ لماذا توالون الشيطان وآدم أبوكم؟! ولذلك جاء لفظ الأب في الآية: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ﴾ [الأعراف:٢٧] استثارة للنخوة! استثارة للعصبية! بأن يعادي الشيطان الذي أخرج أباه، ولم يفعل هذا فقط، بل كشف عن سوأته. فكان ينبغي له إذا كان فعلاً يوالي هذا الوالد ويتعصب له ألاَّ يوالي عدوَّه الذي أخرجه من الجنة، وجعلنا سبايا له. لكننا سَبْيُ العدو فهل ترى نعود إلى أوطاننا ونُسَلِّمُ هل يا ترى نعود إلى وطننا الذي خرجنا منه يوماً ما؟! قال النبي ﵌ -في حديث أبي سعيد الخدري المتفق عليه- (يقول الله لآدم يوم القيامة: يا آدم! يقول: لبيك وسعديك والخير في يديك، يقول: يا آدم! أخرج بعث النار، يقول: يا رب! وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين -هؤلاء يدخلون النار، من كل ألف إنسان تسعمائة وتسعة وتسعين في النار وواحد في الجنة- فقال الصحابة: يا رسول الله! وأينا ذلك الواحد؟ قال: أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ قال: فكبرنا، قال: أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ قال: فكبرنا، قال: أترضون أن تكونوا شطر أهل الجنة؟ قال: فكبرنا، قال: والذي نفسي بيده لأنتم كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود أو كالشعرة السوداء في جلد الثور الأبيض، أبشروا فإن مِن يأجوج ومأجوج ألف -في النار- ومنكم واحد في الجنة). فهذه الأمة بالنسبة للأمم كألف بالنسبة لواحد. فهذه طريقة قرآنية لاستثارة عصبية الناس، لماذا صاروا منقادين للشيطان؟! لماذا صاروا دعاة له وقد أخرج أباهم؟ إن كان عندهم عصبية وإحساس، وعارضوا الأنبياء بسنة الآباء، فلم لا يعارضون الشيطان بسنة أبيهم أيضاً؟! وهذا يدلك على مبلغ الغبن الذي وقع فيه أكثر الناس.

стр. 1244

رحلة إبراهيم ﵇ في الكون الكفر هو الجنس الأول الذي يسعى الشيطان إليه، والعاصم منه أن تحب ربك وتواليه، وأن تجعل محور حياتك يدور عليه، فتحب الذي يحبه، وتكره الذي يكرهه، ولا تفعل الأمر إلا إذا أُمِرت، وإذا نهيت فلا تستر على الفعل، فهذا هو العاصم. واعتبر بقصة الخليل ﵇ الحنيف، قال الله : ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً﴾ [الأنعام:٧٤] الإله مشتق مِن وَلَهَ، والوَلَه: شدة التعلق، ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٧٤]. ثم بدأت رحلة إبراهيم الذي لم يعرف في الكون إلا الله، فجعل إبراهيم ﵇ يبحث عن مثال في الكون لإلهه الذي يعبده. وقد اتفق أهل الأرض جميعاً على نسبة الجمال إلى الله، فكلما رأوا شيئاً جميلاً عَلَت أصواتهم: الله! فصار ذكر الله عَلَماً على كل جميل بكل اللغات. فإبراهيم ﵇ الذي لا يعرف إلا الله يجده في ضميره وفي نفسه، فيريد أن يبحث له في الكون عن مثال. فمن عانى هذه القضية ظل مسهَّد الطرف لا ينام، في كل ليلة يرعى النجم، لا يكتحل طرفه بنوم. ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ [الأنعام:٧٦] جَنَّ: يعني: صار في كبد الليل وأشده ظلمة، في وقت تنام فيه العيون، وتهجع الأبدان، هو مسهد الطرف لا ينام، يبحث عن مثالٍ لإلهه الذي يحبه، ويجده في صدره وقلبه. ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ [الأنعام:٧٦] وهذا فيه إشعار كأنْ ليس في الكون غيره، هو الذي لفَّه الليل بظلامه وسدوله: ﴿رَأَى كَوْكَباً﴾ [الأنعام:٧٦] في هذا الظلام الدامس يرى شيئاً يلمع. إذاً: ما هو أجمل شيء في الكون في هذا الظلام؟ هذا النجم، إذاً: هو ربي؛ لأنه لا أجمل منه، ولا أفضل منه يصل إليه طرفي إلا هذا النجم المضيء الذي بيني وبينه ملايين الأميال. إذاً: هذا الجميل في الكون هو ربي: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنعام:٧٦]. لماذا؟ لأن إلهه الذي يحبه لم يغب عنه طرفة عين، فإذا غاب هذا عني، فأنا أكون في غربة عظيمة، الأنسُ بالله رأس مال الأولياء، ولذلك يطاردونهم ويعذبونهم ويشردونهم ولا يشعرون بوحشة قط. لماذا؟ لأن الله ما غاب عنهم قط، إنما الأنس يتم به. ذكر الذهبي ﵀ في سير أعلام النبلاء خبراً عظيماً -اقشعر له جلدي لما قرأته- لبعض العلماء أيام الإمام الدارقطني ﵀ كان يعادي أمراء الدولة، فقبضوا عليه وجاءوا به وقالوا: بلغنا أنك تقول عنا: لو كان عندي عشرة أسهم لرميتكم بسهم، وفي الروم بتسعة أسهم. أصحيح هذا الكلام؟ قال: بل قلت: لو كان معي عشرة أسهم لرميتكم بتسعة وجعلت في الروم واحداً، قال: فأخذوه، فسلخوه وهو حي، فلما وصلوا إلى وجهه قال: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً﴾ [الإسراء:٥٨] وكان الدارقطني ﵀ إذا ذكر هذا الرجل بكى. رجل يُسْلَخ وهو حي ما الذي صبَّره؟ الأنس بالله الذي يجده. مَن أنِسَ بالله لم يشعر بفَقْد المخلوقين؛ لكننا نحن نشعر بوحشة السجن والحبس؛ لأن الله ليس معنا، ولا نستشعره في ضمائرنا، لذلك يغيب عنا. وقد أبى إبراهيم ﵇ أن يتخذ إلهاً غائباً، لما أفل: ﴿قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنعام:٧٦] فأبى أن يكون إلهاً. ولذلك بهذه النقطة تستشعر لماذا يطول الليل على المرضى؟ مع أن الليل قد يكون قصيراً كلَيل الصيف مثلاً، واليوم طويل، والألم يسري في بدن الرجل نهاراً وليلاً؛ لكن يعظم وطء المرض عليه بالليل، لماذا؟ لأنه لا يجد أنيساً، وكان الذي يقصر عليه مدة الألم في النهار ويهوِّن عليه الألم هو دخول الناس وخروجهم، هذا يدخل فيسليه، وهذا يعزيه، وهذا يأمره بالصبر، وهذا يضحك معه، وهذا يمازحه، فيشعر أنه محل أفئدة الناس فيصبر، أما إذا انصرف الناس عنه ووجد نفسه وحيداً فهنا يشعر بالوحشة ويحس بوقع الألم. فكذلك الذي لا يكون الله معه دائماً هو في وحشة من جلده فضلاً عن أن يكون في وحشة من أبناء جنسه. ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام:٧٧] وابتهج؛ لأنه أوضح من النجم وأكبر وأشد لمعاناً ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام:٧٧]. إذاً: كلما وجد شيئاً أجمل قال: هذا ربي: ﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً﴾ [الأنعام:٧٧ - ٧٨] طوال الليل لم يكتحل بنوم؛ لأنه يبحث عن مثال لإلهه الذي يعبده. ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ﴾ [الأنعام:٧٨] هذا هو، هذا أكبر، ليس لأنه أشد لمعاناً وأعظم توهجاً، بل لأنه أكبر. ﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:٧٨ - ٧٩] فظهرت له العلامة، ليس هناك شيء في الكون يصلح أن يكون إلهاً يعبده. إذاً: وظف إبراهيم ﵇ كل حواسه للبحث عن إلهه الذي يعبده. إذاً: كلما ازددت تعلقاً بربك كلما فَرَق الشيطان منك ويئس من المحاولة: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص:٨٢ - ٨٣]. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

стр. 1245

محاولة إيقاع الشيطان لبني آدم في البدعة الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناء الجميل. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يَقُوْلُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِيْ السَّبِيْلَ، وأشهد أن محمدا ًعبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. الجنس الثاني الذي يسعى الشيطان إلى إيقاع العباد فيه بعدما نجو من الكفر: البدعة. أيها الإخوة الكرام! البدعة تغييرٌ لدين الله ، وطمسٌ لآثار الوحي.

стр. 1246

العلم بالله هو العاصم من البدعة ما هو العاصم من البدعة؟ العلم. فالصحابة رضوان الله عليهم لم تكن فيهم البدعة، لماذا؟ لشيء واحد، لو نحن حققناه الآن لضربنا البدعة بسهم قاتل، هذا الشيء هو: أن تعلم أنك عبد لله، والعبد له سيد، والسيد يأمر، فلا ترفع قدمك مِن على الأرض إلا إذا قيل لك: تقدم، ولا يتحرك لسانك بقولٍ إلا إذا قيل لك: قل، ﴿لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات:١] يعني: لا تقولوا حتى يأمركم، ولا تفعلوا حتى يأمركم، فالذي يفعل الفعل من تلقاء نفسه فقد قدم بين يدي الله ورسوله، ونصب نفسه مشرعاً. فالصحابة ما كانوا يفعلون شيئاً من ذلك. أحد الصحابة كان يمشي في جبل، فرأى غاراً في جبل فأعجبه، فقال في نفسه: لو تخليت عن الناس وتحنثت لربي فيه!. إذاً: قصده حسن أم لا؟ قصده حسن، يريد أن يريح الناس من شره، ويجتنب الناس ويعبد الله حتى يصفو له قلبه. لكنه قال: فوالله لا أفعل حتى أستأذن رسول الله ﷺ ، فجاء فقال: يا رسول الله! رأيت غاراً في جبل فأعجبني فقلت: لو اعتزلتُ الناس وتحنثت لربي فيه، فقال ﵊: (أما إني لم أبعث بالرهبانية، إنما بعثت بالحنيفية السمحة). وأخذ الرجل الجواب واستراح، فلم يفعل حتى يستأذن. كذلك كان تلقيهم لنصوص الوحي عالياً وفي غاية الروعة، جاء في مسند البزار: (كان أبو الدحداح يجلس مع النبي ﷺ إذ نزل قول الله : ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة:٢٤٥] فقال أبو الدحداح: يا رسول الله! الله يطلب منا القرض؟ قال: نعم. قال: ما لي عند ربي إن أقرضته حائطي هذا؟). تقول الرواية: (إن هذا الحائط كان فيه ستمائة نخلة)، قال ﷺ : (بيتٌ لا تمرَ فيه جياعٌ أهله) بعض الناس قد يستشكل عليه معنى الحديث فيقول: نحن لسنا أهل تمر، ومع ذلك نحس بالشبع، ليس هذا هو المقصود، وإنما المقصود أنه قد يدخل الرجل بيته وهو شديد الجوع، فيجد امرأته لا تزال تعد الطعام، ويتحاج بعض الوقت حتى يكون الطعام جاهزاً، فما الذي يقيم صلبه بسرعة ويجعله يشعر بالشبع؟ التمر أو أي مادة سكرية؛ ولكن التمر أفضلها، فقوله ﵊: (جياعٌ أهله) ليس المقصود به الجوع الدائم، ولكن الجوع المؤقت الذي يزول بالتمر، أي أن الرجل سيعاني من الجوع ولو للحظات إذا لم يكن في بيته تمر. يقول أبو الدحداح: (يا رسول الله! الله يطلب منا القرض؟ قال: نعم. قال: ما لي عند ربي إن أقرضته حائطي هذا؟ قال: لك الجنة. قال: فإني أشهدك أنني أقرضته حائطي هذا). وقام أبو الدحداح ﵁ من المجلس وذهب إلى الحائط الذي كان يمتلكه، فلم يدخل منه لأنه صار ملكاً لله، ولم يعد ملكاً له، فوقف على باب الحائط وقال: (يا أم الدحداح! اخرجي بأولادك، فإني أقرضت حائطي هذا ربي، فيأتي صوت المرأة المؤمنة ينبعث من داخل الحائط: ربح البيع يا أبا الدحداح)، ولم تقل له: ضيعت مستقبل الأولاد، كان عليك أن تترك لهم خمسمائة نخلة، أو حتى مائتين وخمسين نخلة، ليَكْبُر أولادُك أغنياء؛ ولكنها قالت له بلهجة المؤمن الصادق: (ربح البيع يا أبا الدحداح) أفَمِثل هذا في تلقيه يمكن أن يفتري على الله فيبتدعَ حُكْماً لم ينزله الله؟!

стр. 1247

الجهل من أعظم أسباب الوقوع في البدع إن الجهل هو سبب كل المصائب الموجودة في الدنيا: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ [الرعد:٥] شخصٌ خرج علينا الأسبوع الماضي بفتوى من أعجب ما يكون! يقول: إن التنمُّص جائز للرجال حرام على النساء، تصوَّر! يجوز للرجل أن يرقق حاجبه حتى يكون كالهلال، ما هي الحجة؟ هي كحجة إبليس حين قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف:١٢]. لماذا؟ قال: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢] يا غبي! الطين خيرٌ من النار، فالنار تحرق، والطين فيه رخاوة وبرودة، يقيس الشيء على الضد، وهذا هو سبب الغباوة! ما هي حجتك أن يتنمَّص الرجال دون النساء؟ قال: إن النبي ﷺ قال: (لعن الله النامصات والمتنمصات) ولم يقل: النامصين. إننا نجأر إلى الله من أمثال هؤلاء مجددينات النامصات! سئل أحد الأذكياء وهو الأديب كامل كيلاني ﵀ وقال يوماً ما: إننا نعوذ بالله ونجأر إليه من المجددينات. فقالوا له: وما المجددينات؟ لم يكن جمعاً مذكراً سالماً، ولا جمعاً مؤنثاً سالماً؟ قال: هذا جمع مخنث سالم، أي: سالم من الرجولة ومن العلم. الإجابة عن هذه الفتوى ولا أقول: شبهة، فهي أدنى من أن تسمى شبهة، هذا جهل فاضح، لا يرتقي إلى العلم بسبب ولا إلى الشبهة بسبب. أيها الكرام! قال النبي ﷺ : (تنكح المرأة لأربع: لجمالها). إذاً: مَن الذي يبحث عن الجمال؟ إنما هم الرجال. من الذي يحرص أن يظهر في أبهى حلة وأجمل منظر؟ إنها المرأة، فهذا رأس مالها أن تكون جميلة، فإن شطراً من العباد ينكحون النساء للجمال، وفي سنن النسائي قالت امرأة للنبي ﷺ : (يا رسول الله! إن المرأة إذا لم تتزين لزوجها طلقت عنده) أي: ثقلت وكره النظر إليها، إذاً: لا بد أن تتزين، وقال تعالى: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف:١٨] فالحلية إنما تكون للبنات، وإنما قيل: حلية؛ لأنه يُتَحَلَّى بها. فالخطاب في هذا خرج مخرج الغالب؛ لأن الذي يتزين ويتحسن هي المرأة وليس الرجل، والرجل يبحث عن الجمال في المرأة، والمرأة تبحث عن الرجولة في الرجل، قَلَّ مِن النساء مَن تبحث عن شكل الرجل: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص:٢٦] هذه هي صفة الرجل التي تبحث المرأة عنها. فالنبي ﵊ لا يُعْقَل -وهذا الأمر لا يكون إلا في النساء- أن يقول: لعن الله المتنمصين، هذا خطاب ليس له واقع؛ لأنه لا يتنمص الرجال، وهذا معنى قول العلماء: الخطاب خرج مخرج الغالب، قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران:١٣٠] كانت العرب تضاعف الربا، يأخذونه أضعافاً مضاعفة، فهل لو أكل الرجل الربا ضعفاً بسيطاً جاز له ذلك؛ لأن ربنا يقول: ﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران:١٣٠] فهل يجوز للواحد أن يقول: سآكله ضعفاً واحداً؟! وقال النبي ﵌: (أيما امرأة باتت - يعني: في الليل- هاجرةً فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح) فإذا أراد الرجل امرأته نهاراً فهجرت فراشه نهاراً، أتلعنها الملائكة أم لا؟ تلعنها الملائكة حتى تمسي، وإنما نص على الليل؛ لأنه في الليل يكون الفعل عادة، ولا يكون نهاراً، فنص على ما خرج الغالب عليه. فعندما يرى النبي ﵊ أن النساء هن اللاتي يطلبن الحسن، وهن اللاتي يتفلجن قال: (لعن الله النامصات) لأنهن يفعلن ذلك، ولا يليق أبداً أن يقال: ولعن النامصين؛ لأنه ليس هناك رجل واحد يتنمص. هذه هي المسألة ببساطة شديدة لا تحتاج إلى كبير علم، ومع ذلك فهذه فتوى من آلاف الفتاوى. العلم هو العاصم من مثل هذا وغيره.

стр. 1248

اهتمام الصحابة بما أنزل الله على رسوله الصحابة كان عندهم تلقٍّ عظيم واهتمام بما أنزل الله على رسوله، وهناك مثالان: المثال الأول: ما رواه الشيخان في صحيحيهما من حديث ابن عباس ﵄ قال: ظللتُ سنةً أريد أن أسأل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ عن المرأتين اللتين قال الله فيهما: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم:٤] حتى حجَّ وحججتُ، وعدلَ وعدلتُ، فقضى حاجتَه فجاء، فصببت عليه وضوءه فقلت: يا أمير المؤمنين! إنني منذ سنة أريد أن أسألك عن مسألة فتمنعني هيبتُك، فقال: يا ابن أخي! إذا علمتَ أن عندي علماً فسلني، فقلت: مَن المرأتان اللتان قال الله فيهما: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم:٤] قال: واعجباً لك يا ابن عباس! إنهما عائشة وحفصة. ثم ذكر عمر الحديث فقال: (كنت أتناوب النزول إلى النبي ﷺ أنا وجار لي من الأنصار وهم من عوالي المدينة، ينزل عند النبي ﷺ يوماً وأنزل يوماً، فإذا نزل جاءني في العشية بخبر ذلك اليوم من وحي أو حديث أو أقضية، ونحو ذلك، فإذا كان يومي نزلتُ ففعلتُ مثل ذلك). فـ عمر ﵁ لا يريد أن يفوته شيء من العلم، فعَمِلَ مناوبةًَ بينه وبين جار له، ينزل إلى زراعته في يوم وصاحبه عند النبي ﵊ يتلقى العلم، فإذا نزلت آية حَفِظَها، وإذا قُضِي في قضية حَفِظَها، وإذا قيل حديثٌ حَفِظَه، وفي الليل يذهب إلى عمر فيقول له: نزلت آية كذا، وذُكِر حديث كذا، وقُضِي بقضية كذا، فإذا كان في اليوم التالي فعل عمر نفس الفعل. والمثال الثاني: في الصحيح أيضاً قالت عائشة: (رحم الله نساء الأنصار؛ لما نزل قول الله : ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٩] شققن مُرُوطَهن فاختمرن بها، وكن كالغربان)، ولم تقل المرأة منهن: حتى أصل إلى البيت، وأذهب لأشتري قماشاً وأفصله وألبسه، لا. بل نزل حكم الله في المجلس، فشقت المرأة منهن مرطها ونفذت الأمر فوراً. وكان الصحابة كذلك إذا سمعوا شيئاً من الوحي انقلبوا إلى بيوتهم يتلون آيات الله، فكانوا يترجمون هذا القرآن واقعاً حياً لا يتلكئون. فهؤلاء الصحابة كانوا يتلقون العلم بهذه الطريقة؛ لذلك ما ظهرت فيهم بدعة، إنما أول بدعة ظهرت في الإسلام هي بدعة القدرية، وظهرت في آخر حياة الصحابة، ظهرت في حياة ابن عمر وأبي سعيد الخدري. نسأل الله ﵎ أن ينفعنا بما علَّمنا، وأن يعلَِّمنا ما جهلنا. اللهم اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا، وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا، وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا، وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ. اللهم اجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر. اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا. رب آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 1249

أي الغاديين أنت ؟! إن حسن الخلق جماع كل خير، فهو من خصال الخير التي ينتفع بها المرء في الدنيا والآخرة كما ورد في الكتاب والسنة، فحسن الخلق أن تحسن إلى الناس في جميع تصرفاتك ومعاملاتك متأسياً بنبيك محمد ﷺ ، فالإحسان يؤثر في أحقر الحيوانات وأدناها همة وهو الكلب فما بالك بالإنسان الذي كرمه الله؟ وليس هناك أثقل من البر -حسن الخلق- فمن برك فقد أوثقك، ومن جفاك فقد أطلقك.

стр. 1250

الناس غاديان: بائع نفسه فموبقها أو معتقها إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وآله وصحبه أجمعين: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون: الناس غاديان فبائع نفسه فموبقها أو معتقها، كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها، أي: أن الغادي الأول يبيع نفسه، والثاني أيضاً يبيع نفسه، فأحدهما يعتق نفسه، والآخر يوبقها، أي: يدخلها في الرق، وهذا حديث يشير إلى نهاية كل حي، وأن الناس قسمان لا ثالث لهما كما قال ﵎: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ * فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ * وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود:١٠٥ - ١٠٨].

стр. 1251

الصنف الأول: بائع نفسه فموبقها في آخر سورة الفرقان ذكر ربنا ﵎ هذين الصنفين، لكنه قبل أن يذكرهما ذكر نعمه على عباده، وبعد ذكر النعم ذكر أحد الصنفين، وهو الصنف الذي أوبق نفسه وأدخلها النار، ثم أخر ذكر الصنف الصالح، وفي تقديمه للصنف الذي دخل النار عبرة وفائدة، تعلمها بعد سرد الآيات. لقد امتن الله على عباده بنعم عظيمة وكثيرة، فقال ﵎: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا * وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا * لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا * وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا * وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا * فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا * وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا * وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ [الفرقان:٤٧ - ٥٤]. فتأمل هذه الآيات: (وهو الذي جعل لكم الليل لباساً) إلى آخر الآية، (وهو الذي أرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته)، (وهو الذي مرج البحرين)، (وهو الذي خلق من الماء بشراً) ولكن ما هي النتيجة؟ ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ [الفرقان:٥٥] إنما ابتدأ ربنا بذكر الكفر بعد تعداد النعم ليظهر لك العقوق، ليظهر لك عقوق الكافر بعد هذه النعم التي امتن الله عليه بها بأن عبد غيره ، وكان ينبغي أن يشكر ولا يكفر. ولكن ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ﴾ [الفرقان:٥٥]. من الذي يعبد من يضره؟ من الذي يحب من يضره؟ إن الناس تحب الذي ينفع ويظهر النفع، وتكره الذي يضر. من خصائص الإله أنه يضر، وهذا الضرر إما أن يكون بعدوك -أن يضر عدوك- أو يضرك أنت، فتعرف الألم الذي يصيبك ولا تستطيع أن تتحمله -فالمرض مثلاً- قد يكون ألمه في غاية الشدة، وهذه نعمة؛ لأن أعظم الأمراض الفتاكة يأكل الجسم بلا ألم، فأول ما يتألم المرء يكون الأمر قد انتهى ولم يعد ثمة فائدة لأنه إشعار لك بأن هذا الموضع من الجسد يحتاج إلى علاج ونظر طبيب، فالألم نعمة؛ لأنه ينبه إلى موضع المرض، وإلا فالأمراض مثل السرطان -عافانا الله وإياكم وأجارنا من الأمراض وسوء المنقلب- إنما يأكل بدن المرء فلا ينتبه إلا وقد انتهى الأمر. إذاً: هذا الضرر نعمة. كل إنسان في نفسه داعية الألوهية فلو ترك وما يريد لقال: أنا ربكم الأعلى، واعتبر بفرعون. وإن فرعون قدر فأظهر وعجز غيره فأضمر. وكل إنسان إذا استولى عليه الغرور لديه استعداد أن يقول: أنا ربكم الأعلى، فإنه إذا اغتنى وارتفع وتكبر يكاد أن يقول: أنا ربكم الأعلى، كما حصل في سنة إحدى وثمانين عندما خطب رئيس الجمهورية آنذاك خطابه وضرب على المنضدة ضربة وقال: (أنا الحاكم، ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد) هكذا قالها في خطابه، وتكلم عن العلماء بكلام ممقوت بغيض، ووصفهم بمجانين السويد وغير ذلك. فدل الواقع الذي يصير إليه الناس أن كل إنسان إذا استولى الشر على قلبه فإنه على استعداد أن يقول: أنا ربكم الأعلى. فإذا ابتلاه الله بقاصمة له: مرض، فقر، ظلم؛ فإذا به يرتدع ويتوب، وهذه كلها قدر وضرر لكنها في تمام النفع لهذا العبد، فلو أنه تُرك وما يريد لدخل النار، فكان -إذاً- لابد أن يضره -رحمة به- ليوقفه عن اقتحام النار. إذاً: من خصائص الله أنه ينفع ويضر: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ [الفرقان:٥٥] الكافر كلما وجد مناوئاً لله وضع يده في يده، فبدأ ربنا بذكر هذه الصنف بعد تعداد النعم؛ ليظهر لك قبح الكفر وأهله.

стр. 1252

الصنف الثاني: بائع نفسه فمعتقها ثم ذكر ﵎ الصنف النفيس، الذين هم أولى الناس بهذه الحياة، فبدأها بذكر خصلة جامعة، وهي التي لا يكاد المرء ينتفع بخصلة من خصال الخير إلا بها، فقال : ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان:٦٣] (وعباد الرحمن) ولم يقل: وعباد الله؛ لأن صفة الرحمة مدعاة لحسن الخلق، (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً) يمشي بوقار وسكينة، لا يصعر خده للناس، ولا يمشي في الأرض مرحاً، (وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً) أي: قولاً سلاماً، وهذه الخصلة هي جماع كل خير، وكل الخصال بعد ذلك تنبني عليها؛ ولذلك بدأ الله بها، وهي جماع حسن الخلق. قال النبي ﷺ : (إن العبد ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم) لماذا؟ لأن في الآخرة تنصب الموازين، والنبي ﷺ سأل أصحابه يوماً؛ فقال: (أتدرون من المفلس؟ قالوا: يا رسول الله! المفلس فينا من لا دينار له ولا درهم. قال: لا المفلس من أتى يوم القيامة بصلاة وزكاة وصدقة -وذكر بعض أصناف الخير- كأمثال الجبال يأتي وقد شتم هذا، وضرب هذا، وسفك دم هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإذا فنيت أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه، فطرح في النار). إذاً: هذا رجل معه صيام وقيام، وصدقة وحج، وزكاة فدخل النار؛ لكثرة خصومه وظلمه لهم، فإن استطعت أن ترحل إلى الله ولا خصم لك فافعل، فربنا ﵎ قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء:٤٠]، وقال : ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء:٤٧]. فالرجل إن كان حسن الخلق فإنه يلقى الله بلا خصوم، وهذا هو سر إدراكه لدرجة الصائم القائم: أنه يلقى الله بلا خصوم، حسناته موقوفة عليه.

стр. 1253

أهمية حسن الخلق وفضله ومن حسن الخلق: الإحسان إلى الناس، فالإحسان يدق العنق، بل يؤثر في أحقر الحيوانات وهو الكلب مع ذلك إذا ألقيت له قطعة خبز أو لحم هز ذيله، -اعترافاً بالجميل- وأثر فيه إحسانك إليه. ومن طريف ما يذكر في ذلك أن حاتماً الطائي رأى ابنه يضرب كلبة له، فقال: يا بني! لا تضربها، فإن لها علي جميلاً ومعروفاً. فإنها تدل الضيفان عليَّ. أي: إن الضيف يسمع نباح الكلب ويرى النار، وكانت النار والكلب وسيلتان في الجاهلية لإرشاد الضال، ولذلك كانوا يتخذون الكلاب، فالغريب السائر يتبع صوت الكلب؛ لأن الكلب لا يكون إلا في مجتمع أهلي، ولا يعيش إلا في سكن وبين ناس. وقصص وفاء الكلاب معروفة، والإحسان يدق العنق، حتى إن تأثيره يتعدى إلى أرذل الحيوانات. وقد صدق الحكيم الترمذي -وهو غير الترمذي صاحب السنن- إذ يقول: (ليس هناك حمل أثقل من البّر، من بّرك فقد أوثقك، ومن جفاك فقد أطلقك). أي: إذا أردت أن تدخل رجلاً سجنك -وأن تكون أشرف سجان- أحسن إليه، فإذا أحسنت إليه فلا يستطيع أن يوصل السيئة إليك؛ لسابق إحسانك إليه، ولكن إذا جفوته وشتمته فقد أطلقت لسانه في عرضك، يتكلم فيك بحرية؛ وهذا مصداق قول الحكيم الترمذي: (ليس هناك حمل أثقل من البر، من برك فقد أوثقك، ومن جفاك فقد أطلقك).

стр. 1254

صور من حسن الخلق في حياة النبي ﷺ وصحابته الكرام وفي صحيح البخاري ومسلم من حديث المسور بن مخرمة ﵁ في حديث صلح الحديبية، لما صدت قريش رسول الله ﷺ ومن معه عن البيت، وبدأت المفاوضات بين قريش وبين النبي ﵊، فجاء بديل بن الورقاء يتفاوض مع النبي ﵊، فقال له ﵊: (إننا ما جئنا للقتال، إنما جئنا لنعتمر، فخلوا بيننا وبين البيت، وإلا فوالله! لأجاهدنهم عليه حتى تنفرد سالفتي) فذهب بديل بن الورقاء إلى قريش وأخبرهم. فجاء عروة بن مسعود الثقفي وقال لقريش: ألستم مني بمنزلة الوالد، وأنا منكم بمنزلة الولد؟ قالوا: بلى. فقال لهم: دعوني آتيه، وقد عرض عليكم أمر رشد، فجاء عروة بن مسعود الثقفي -وكان إذ ذاك مشركاً، ولكنه أسلم بعد ذلك- فلما جاء قال: يا محمد! إنها واحدة من اثنتين: إما أن تغلب وتظفر على قومك، فهل رأيت أحداً اجتاح قومه قبلك؟ وإن تكن الأخرى -فوالله- ما أرى حولك إلا أوباشاً -وفي الرواية الأخرى: أوشاباً- خليقاً أن يفروا ويدعوك -يعني: لا جلد لهم على قتال، وقد رأى الصحابة رضوان الله عليهم، وقد عظهم الفقر بنابه، وظهرت عليهم الرثاثة، وقد ارتدوا القديم المرقع من الثياب، وظهر الفقر. فيقول: إن قامت حرب إياك أن تظن أن هؤلاء ينصرونك، إنهم مجموعة من الأوباش، من الغجر- فلما سمع أبو بكر ﵁ هذا الكلام وهذا الشتم للصحابة، قال: أنحن نفر وندعه؟ امصص بظر اللات، وهذا سب مقذع لآلهتهم؛ فانزعج عروة وغضب، وقال للنبي ﷺ : من هذا المتكلم؟ فقال: هذا ابن أبي قحافة أبو بكر فقال عروة بن مسعود: والله! لولا أن لك عليَّ يداً لأجبتك -أي: لولا أن لك علي جميلاً سابقاً أديته إلي لرددت عليك عيبك في آلهتنا-. فانظر كيف صده الإحسان عن الرد، وكيف صان لسانه عن الرد لسابق جميل أبي بكر، وهذه هي عاقبة الإحسان، وهذا هو شاهدنا من القصة. فربنا ﵎ بدأ بهذه الخصلة الجامعة ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان:٦٣]، وقال: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ﴾ [الفرقان:٧٢] أي: أعرضوا عنه، والرسول ﵊ استعان بهذه الخصلة العظيمة على نشر دعوته، فكان ﷺ يسمع السب بأذنه وكأنه لم يسمع، بل إذا جاء رجل أراد أن ينتقم له أمره بالعفو، وأمره بالصفح كما رواه ابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁: (أن النبي ﷺ خرج من أكمة -مكان فيه أشجار كثيرة- فلما رآه عبد الله بن أبي ابن سلول -رأس المنافقين- قال: لقد غير علينا ابن أبي كبشة -وهو يسب النبي ﵊، يقول يعني: كنا سادة في أقوامنا، وبلال الحبشي لم يكن له ذكر ولا قيمة، وجاء فوضعه بجانبي، وأوقفه في الصف بجانبي، فأهدر سيادة السيد، ورفع منزلة العبيد، لقد قلب الموازين - فسمعه النبي ﷺ ، وكان يمشي معه عبد الله بن عبد الله بن أبي ابن سلول -ابن رأس المنافقين، وكان صحابياً صالحاً، وسمع كلمة أبيه- فقال للنبي ﷺ : يا رسول الله: والذي بعثك بالحق! والذي أكرمك! لئن أمرتني لآتينك برأسه. قال له: لا. ولكن بر أباك وأحسن صحبته) وهكذا فليكن الخلق. والانتقام عادةً يكون انتقاماً شخصياً، فنزه نفسك عن الانتقام لنفسك، فإن عائشة ﵂ قالت: (ما ضرب رسول الله ﷺ أحداً بيده قط، إلا أن تنتهك حرمات الله) وعائشة ﵂ هي المرأة الوحيدة التي ضربها النبي ﷺ ، وذلك أنها تخطت هذا الحد. تقول عائشة ﵂: (لما كان رسول الله ﷺ في ليلتي التي هي لي جاء ففتح الباب رويداً رويداً -بهدوء- وخلع نعله ومشى رويداً رويداً؛ حتى لا يحدث النعل صوتاً، ووضع جنبه رويداً رويداً على الفراش، فما هو إلا أن وضع جنبه على الفراش حتى قام رويداً رويداً، وأخذ نعله رويداً رويداً، ومشى رويداً رويداً، وفتح الباب رويداً رويداً، وانطلق. قالت: فقمت وراءه وتقنعت إزاري -ظلت تمشي خلفه- حتى وجدته عند البقيع، فرفع يده ثلاث مرات يرفعها ويخفضها، قالت: ثم انحرف -أي: راجعاً- فانحرفت، فأسرع فأسرعت، فهرول فهرولت، فأحضر -أحضر أي: مشى بتمهل- فأحضرت، دخلت الغرفة، ودخلت تحت اللحاف -لكن أنفاسها لا زالت متلاحقة، وهذا ليس حال امرأة نائمة- فدخل النبي ﷺ فوجد اللحاف يرتفع وينخفض مع أنفاسها، فقال: مالك يا عائشة! حشية رابية؟ -تشتكين من شيء في صدرك، لقد تركها مستريحة، وجاء وهي تنهج- رآها ارتبكت. فقالت له: لا شيء. فقال: أخبريني أو ليخبرني اللطيف الخبير. فقالت: يا رسول الله! مهما يكتم الناس يعلمه الله، وقصت عليه الخبر، وهي كانت مراقبة للموقف كله، والنبي ﷺ يظنها نائمة، وهذا من رفقه وحسن خلقه أنه لا لم يزعجها عند دخوله، وكان إذا دخل فوجد في البيت إنساناً مستقيظاً يسلم سلاماً لا يوقظ النائم ويسمع اليقظان، وهذا من حسن خلقه ﷺ ؛ فظنت عائشة ﵂ أنه ذاهب لبعض نسائه، ولذلك خرجت وراءه، وهذا حيف وجور، لا يليق أن يظن برسول الله ﷺ ، وهذا تعد- فقصت عليه الخبر، فقال لها: أنت السواد الذي كان أمامي؟ -الزي المستحب للنساء هو الأسود، فهي لبست هذا السواد وخرجت- قالت عائشة: فلهزني -أي: ضربني بمجامع يده- في صدري لهزة أوجعتني، وقال: أظننت أن يحيف عليك الله ورسوله بأن تكون النوبة لك وأذهب لغيرك-؟ إن جبريل أتاني، وما كان ليدخل عليك وقد وضعت ثيابك، فناداني فأخفا منك -أي: ناداني بصوت لم تسمعيه، حتى لا تسمعي فتستيقظي- فأجبته فأخفيته منك، وكرهت أن أوقظك فتستوحدي -فهي حديثة السن، وحدها بالليل، وتخاف، فحمد الله أنها نائمة- قال: وكرهت أن أوقظك فتستوحدي، فقال: إن ربك يأمرك أن تأتي أهل بقيع فتستغفر لهم -فأدارت عائشة دفة الحوار بذكاء- وقالت: يا رسول الله! ماذا أقول إذا دخلت عليهم؟ -غيرت السيرة- فعلمها دعاء زيارة القبور). وفي صحيح مسلم عن عائشة ﵂ قالت: (كان النبي ﷺ بجانبي فتحسسته فلم أجده، فظننت أنه ذهب لبعض نسائه فقمت، فوقعت يدي على قدميه منصوبتان وهو ساجد، يقول: أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، أعوذ بك منك ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. فقلت: بأبي أنت وأمي -يا رسول الله- إنك لفي شأن وأنا في شأن آخر) هو ساجد يثني على ربه ﵎، وهي تظن أنه ذهب لبعض نسائه، فحياته ﷺ كلها تجسيد لحسن الخلق، فقد وصف من أعدائه بالأمين، ولم يكذبه أحد قط وهو معتقد أنه كاذب ﷺ . وهذا هو جماع الخير فكل خصلة من خصال الخير يمكن أن تقبل منك بحسن الخلق، وكل خصلة من خصال الخير قد ترد عليك بسوء الخلق، فحسن الخلق يحفظ كل خير، بينما لا يبقى مع سوء الخلق حسن، والنبي ﷺ كان يسمع سبه بأذنه، وكان يتجاهل ويتغاضى، وكانت قريش لما اغتاضت من النبي ﵊ تقلب اسمه وتسبه، فيقولون: مذمم -محمد من الحمد، ومذمم من الذم- فيقولون: قاتل الله مذمماً، قبح الله مذمماً، لعن الله مذمماً، فيبتسم النبي ﷺ ويقول لـ أبي هريرة: (انظر كيف يصرف الله عني شأن قريش، إنهم يشتمون مذمماً، ويلعنون مذمماً، وأنا محمد!) مع أنه ﷺ يعلم يقيناً أنه المشتوم والمقصود، ولكنه يتغاضى ويتغافل، وهذا من حسن خلقه صلوات ربي وسلامه عليه. فلا يكون لك مع الناس خصومات إلا من كان عدواً لله ورسوله، فهذا ينبغي أن تغاضبه، وأن تعلن الخصومة له إذا قدرت على ذلك. فكن ذا خلق حسن متأسياً برسولك محمد ﷺ -بحسن خلقه- في جميع أوقاته ومعاملته حتى مع أهل بيته، فقد كان النبي ﷺ في بيته أفضل زوج، وكن نساؤه أسعد نساء على وجه الأرض، وإنما كان ذلك لحسن الخلق، فليتعلم الأزواج الذين حولوا بيوتهم إلى ثكنات عسكرية، وضرب ومشاكل على الدوام من خلق النبي ﷺ في تعامله مع زوجاته وأهل بيته. فهو ﷺ ما أسر قلوب زوجاته إلا بحسن الخلق. وعلى سبيل المثال أقول لك: هل تستطيع أن تذهب بعد صلاة الجمعة اليوم إلى بيتك إن كان عندك مثلاً صالة واسعة، وتجري أنت وامرأتك وتتسابقون؟ أظن أنك تنكر ذلك وتقول: كيف يكون هذا؟ أنا رجل والرجل له هيبة وهي امرأة- فأقول لك: إن أشرف من وطأ على الأرض بقدميه فعلها، كما رواه أحمد في مسنده عن عائشة ﵂ قالت: (كنا في غداةً مع النبي ﷺ فقال للصحابة: تقدموا فتقدموا، فقال لـ عائشة: تعالي أسابقك. قالت: فسابقته فسبقته، فتركني -أي: تركها فترة- حتى إذا حملت اللحم -بدنت- ونسيت أمر المسابقة، وكنا في غداة؛ فقال لهم: تقدموا، فتقدموا، فقال: تعالي أسابقك. فسابقته فسبقني، فجعل يضحك ويقول: هذه بتلك) سبقتيني المرة السابقة وأنا سبقت هذه المرة من يفعل هذا مع امرأته؟! وهذا من حسن خلقه ولطفه ﷺ . وفي الصحيح أيضاً عن عائشة ﵂ قالت: (ما رأيت صانعة طعام أجود من صفية) ولهذا القول قصة، وذلك أن الرسول الله ﷺ دعا أضيافاً من الصحابة عند السيدة عائشة ﵂ فبع

стр. 1255

قيام الليل والتضرع إلى الله راحة وطمأنينة الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال ﵎: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان:٦٤] فانظر إلى هذا العجب (يبيتون سجداً وقياماً) ولفظة (بات) إذا جاءت مطلقة فهذا يعني: النوم والراحة، أي: الاستغراق في النوم والغياب عن الوعي، قال ﷺ في الحديث المتفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁: (إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمس يده في وضوئه، فإنه لا يدري أين باتت يده) والحديث هذا مختص بالماء الموضوع في الأواني. فإذا استيقظت من النوم فلا تضع يدك في الماء. ولكن خذ في إناء صغير، واغسل يدك ثلاث مرات بالكامل، ثم ضع يدك في الماء قال ﷺ : (فإنك لا تدري أين باتت يدك) والعلماء قالوا: لاحتمال أن تمر اليد على موضع النجاسة فتحمل النجاسة وأنت لا تدري. إذاً: قد تمر اليد على محل النجاسة وأنت لا تدري، لأنك: نائم، غائب عن الوعي، ولذلك جاءت لفظة (باتت) مطلقة، بخلاف ما إذا كانت مقيدة، فإنها قد تأتي مقيدة وتدل على أنك سهران لم تنم، كأن تقول مثلاً: بات فلان لا يكتحل بنوم فهذا يدل على أنه سهران، ولكنها هنا مطلقة فتعني: النوم الاستغراقي. (والذين يبيتون) جاءت مطلقة. أي: أنه نائم، فكيف يستقيم ذلك مع قوله (سجداً وقياماً) وهذا يدل على السهر؟ نقول: اعلم -يا عبد الله- أن راحة المؤمن ليست في النوم بل راحة المؤمن أن يصف قدميه بين يدي من يحب، فكأنما قال: هو في حال قيامه وسجوده مستريح كالذي ينام تماماً، وراحته في الركوع والسجود، ولذلك اللفظ (يبيتون) يعني: مستريحون، لا ضجر عندهم من الصلاة بالليل، وهو يعلم أن الله يضحك له، قال النبي ﷺ : (إن الله ليضحك) وضحك ربنا على حقيقته، يضحك؛ لكن كما يليق بجلاله، لا تقل لي: يضحك كضحك عباده بقههقة، وله لسان وشفتان ونحو ذلك، لا، الله (ليس كمثله شيء)، لكنه يضحك على الحقيقة وليس مجازاً: كناية عن الرضا، والسرور، والقبول لا. يضحك ربنا على الحقيقة، لكن لو سألتني كيف يضحك؟ أقول لك: لا أدري، فالكيف محجوب عنا، لكننا نثبت لله ما أثبته رسوله ﷺ له، إنما الرضا والقبول يكون له أثر صفة. يقول النبي ﷺ : (إن الله ليضحك إلى عبد كان في رفقة يمشون بالليل، وكان النوم أحب شيء إليهم، فعرجوا -ضربوا الخيام، والنوم أحب شيء إلى هؤلاء الرفقة، من شدة الإعياء والتعب، إلا أن هذا العبد لم يستطع أن ينام فقام فتوضأ فصلى لربه ركعتين) قبل أن ينام صلى لمحبوبه، والله هو الذي ينزع التعب عنه، والله عز جل يبارك له في نومه، ويذهب عنه التعب، ولذلك كان قتادة يقول: (اللهم اكفنا من النوم باليسير). لكن انفعنا بهذا النوم. فهذا الرجل قبل أن ينام قدم هواه لمحبوبه على هواه لنفسه، فقام يتملق ربه بركعتين، ولا ينتفع بنزول الله إلى السماء الدنيا كل ليلة إلا الركع السجود في صلاة الليل، في جوف الليل الآخر، قال النبي ﷺ : (إن ربنا يمهل حتى الثلث الأخير من الليل، فينزل فينادي عباده: هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له، هل من سائل فأعطيه) فلا يدعو إلا المستيقظ آنذاك، والنائم لا تسمع نومه، إلا شخيره وهذا لا ينتفع بنزول الله إلى السماء الدنيا، بخلاف هؤلاء الذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً. إذاً: السجود والقيام ليس مشقة، بل هو راحة وطمأنينة. نسأل الله ﵎ أن يردنا إلى ديننا رداً جميلاً. اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين. اللهم اجعل الحياة لنا زيادة في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر. اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا. ربنا آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا، وكل ذلك عندنا.

стр. 1256

ليلة في بيت النبي ﷺ حديث أم زرع حديث عظيم، فيه فوائد جمة ونكت لطيفة، وقد صنف في شرحه بعض العلماء تصانيف خاصة، فقد ذكرت فيه صفات بعض الأزواج، فمنها الصفات الحميدة التي ينبغي التحلي بها، ومنها الصفات الذميمة التي ينبغي اجتنابها وعدم الاتصاف بها، والحديث فيه إرشاد إلى كيفية تعامل الأزواج مع زوجاتهم في بيوتهم، وفيه بيان لما كان عليه النبي ﷺ من خلق كريم ومعاملة حسنة.

стр. 1257

شرح حديث أم زرع وذكر بعض فوائده إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد؛ كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد. وبارك على محمد وعلى آل محمد؛ كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد. فدرسنا هذا المساء بعنوان: (ليلة في بيت النبي ﵌ وسنستعرض هذه الليلة الحديث الشهير المعروف بـ (حديث أم زرع)، ونحن في أمس الحاجة إلى مثل هذه الدروس لإعادة الدفء الذي حل محله البرود في البيوت، وصارت الشركة بين الرجل والمرأة قائمة على أنها هي أخف الضررين، فكثير من البيوت تقوم بسبب الأولاد، مع أن الرجل يتمنى لو أنه فارق المرأة والمرأة تتمنى لو أنها فارقت الرجل، وكلاهما يعيش مبغضاً للآخر، لكنه يصبر بسبب الأولاد، ولو لم يكن بينهما أولاد لتفرقوا كل في ناحية. هذا الدرس وأشباهه يبين لنا أن هذا الدفء الذي تعاني كثير من بيوت المسلمين فقده، سببه أنهم لا يترسمون خطا النبي ﷺ في معاملة النساء، وكذلك النساء لا يترسمن خطا أزواج النبي ﵊ في ضرب المثل في الوفاء، وفي معرفة لماذا خلقت هذه المرأة، ومعرفة حدود طاعة الرجل. إن النبي ﷺ ضرب لنا أكثر من موقف؛ بل حياته الكريمة كلها مليئة بهذا النموذج العطوف، فقد كان يعامل النساء معاملة في غاية الرفق وفي غاية الرفعة، وقد أوصانا ﵊ بالنساء فقال: (رفقاً بالقوارير)، وحديثنا ليس عن الحد الأدنى أو ارتكاب أخف الضررين في العلاقة الزوجية إنما نحن نرتقي إلى ما هو فوق هذا، ونضرب المثل بالإحسان، وكما سيظهر من خلال فوائد هذا الحديث أن النبي ﵊ كان أفضل زوج على وجه الأرض. روى الإمام البخاري في صحيحه في كتاب النكاح، (باب السمر مع الأهل)، ورواه الإمام مسلم في كتاب الفضائل من صحيحه، وكذلك رواه الإمام النسائي في كتاب عشرة النساء، ورواه كثيرون، وسوف الزيادات التي وردت في روايات من لم أذكرهم في أثناء الكلام. قالت عائشة ﵂ وهي تقص على النبي ﵊ حكاية: (جلست إحدى عشرة امرأة فتعاهدن وتعاقدن ألا يكتمن من أخبار أزواجهن شيئاً، قالت الأولى: زوجي لحم جمل غث، على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى، ولا سمين فينتقى. وقالت الثانية: زوجي لا أبث خبره، إني أخاف ألا أذره، إن أذكره أذكر عجره وبجره. وقالت الثالثة: زوجي العشنق، إن أنطق أطلق، وإن أسكت أعلق. وقالت الرابعة: زوجي كليل تهامة، لا حر ولا قر، ولا مخافة ولا سآمة. وقالت الخامسة: زوجي إذا دخل فَهِد، وإن خرج أسد، ولا يسأل عما عهد. وقالت السادسة: زوجي إذا أكل لف، وإذا شرب اشتف، وإذا اضطجع التف، ولا يولج الكف ليعلم البث. وقالت السابعة: زوجي عيايا أو غيايا، طباقا، كل داء له داء، شجك أو فلك أو جمع كلاً لك. وقالت الثامنة: زوجي المس مس أرنب، والريح ريح زرنب. وقالت التاسعة: زوجي رفيع العماد، طويل النجاد، عظيم الرماد، قريب البيت من الناد. وقالت العاشرة: زوجي مالك، وما مالك! مالك خير من ذلك، له إبل كثيرات المبارك قليلات المسارح، إذا سمعن صوت المزهر أيقن أنهن هوالك. وقالت الحادية عشرة: زوجي أبو زرع فما أبو زرع! أناس من حلي أذني، وملأ من شحم عضدي، وبجحني فبجحت إلي نفسي، وجدني في أهل غنيمة بشق فجعلني في أهل صهيل وأطيط ودائس ومنق، فعنده أقول فلا أقبح، وأرقد فأتصبح، وأشرب فأتقمح. أم أبي زرع! فما أم أبي زرع عكومها رداح، وبيتها فساح. ابن أبي زرع فما ابن أبي زرع! مضجعه كمسل شطبة، ويشبعه ذراع الجفرة. بنت أبي زرع فما بنت أبي زرع! طوع أبيها، وطوع أمها، وملء كسائها، وغيظ جارتها. جارية أبي زرع فما جارية أبي زرع! لا تبث حديثنا تبثيثاً، ولا تنقث ميرتنا تنقيثاً، ولا تملأ بيتنا تعشيشاً. قالت: فخرج أبو زرع والأوطاب تمخض، فلقي امرأة معها ولدان لها كالفهدين، يلعبان من تحت خصرها برمانتين، فطلقني ونكحها، فنكحت بعده رجلاً ثرياً، ركب سرياً، وأخذ خطياً، وأراح علي نعماً ثرياً، وأعطاني من كل رائحة زوجاً، وقال: كلي أم زرع وميري أهلك، قالت: فلو أني جمعت كل شيء أعطانيه ما بلغ أصغر آنية أبي زرع. فقال النبي ﷺ لـ عائشة ﵂: كنت لك كـ أبي زرع لـ أم زرع). وفي رواية النسائي قال لها: (ولكني لا أطلقك)، هذه الزيادة وردت عند الإمام النسائي. هذا حديث ألفاظه قوية جزلة، وقد كانت عائشة ﵂ من أفصح الناس، ولها خطبة في الدفاع عن أبيها أبي بكر الصديق في غاية الروعة، شرحها أبو بكر ابن الأنباري في جزء مفرد، فـ عائشة ﵂ تحكي هذه الحكاية الطويلة والرسول ﵊ الموصول بالله ، والذي يحمل أعباء الدين كله، جالس يسمع ويعطي أذنه لها، ثم يعقب على هذا الحديث بأن يختار أفضل رجل ضرب به المثل في هذا الحديث، فيقول لها: (كنت لك كـ أبي زرع لـ أم زرع). وهذا المجلس الذي حكته عائشة مجلس نميمة، وهذا هو الغالب على مجالس النساء.

стр. 1258

خبر المرأة الأولى بدأت القصة بامرأة أردت زوجها صريعاً بالضربة القاضية في الجولة الأولى، تقول: (زوجي لحم جمل غث)، الغث: هو الرديء، تشبهه بأنه لحم جمل رديء، ومعلوم أن أغلب الناس ليس لهم شغف بلحوم الجمال، وهذا اللحم مع أنه لحم غير مرغوب فيه، فهو غث أيضاً، أي: لو كان لحماً جملياً نظيفاً، أو كان لحم قعود صغير لقبلناه على مضض، لكنه جمع ما بين أنه لحم جمل وبين أنه غث ورديء أصلاً. تقول: (زوجي لحم جمل غث، على رأس جبل وعر)، قليل من لحم جمل على قمة عالية، ومن الذي سيصعد ويجهد نفسه ويتسلق الجبل لأجل قليل من لحم غث؟ فهي تقول: (على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى ولا سمين فينتقى)، أي: ليس جبلاً سهل المرتقى، فيمكن الصعود عليه لنأكل اللحم الذي عليه، وليت الجبل إذ هو وعر أن يكون هذا اللحم لحم ضأن مثلاً أو نحوه. وهي تريد بهذا أن تقول: إن الرجل جمع ما بين سوء الخلق وسوء المعشر، فأخلاقه سيئة جداً لدرجة أنك إذا أردت أن ترضيه كأنك تتسلق جبلاً. وهناك بعض الناس هكذا، إذا أردت أن ترضيه تبذل جهداً عظيماً حتى يرض عنك، فأخلاقه وعرة كوعورة الجبل، فهي تصف زوجها بهذا.

стр. 1259

خبر المرأة الثانية وقالت المرأة الثانية: (زوجي لا أبث خبره، إني أخاف ألا أذره، إن أذكره أذكر عجره وبجره). تقول: أنا لن أتكلم، ولا أبث خبره، ومع ذلك فقد تكلمت! وفي الرواية الأخرى: (زوجي لا أثير خبره، إني أخاف ألا أذره)، يقول العلماء: إن (لا) هنا زائدة، والمعنى: إني أخاف أن أذره، أي أخاف أن يطلقني لو أفشيت خبره، وإذا تكلمت سأذكر عجره وبجره. وأصل العجر هو: انتفاخ العروق في الرقبة، والبجر: انتفاخ السرة، فكأنها قالت: له عيوب ظاهرة وباطنة، فكنت عن العيوب الظاهرة بالعجر، الذي هو انتفاخ العروق، وهذا فيه تشويه لجمال الرقبة، فكأنها تصف هذا الرجل أن عيوبه الظاهرة ظاهرة وجلية ومعروفة غير مستترة، وله عيوب خفية لا تعرفها إلا المرأة، وكنت عنها بالبجر، الذي هو انتفاخ السرة. ومنه قول علي ﵁ في يوم الجمل: (إلى الله أشكو عجري وبجري)، وهذه المرأة أيضاً تذم زوجها.

стр. 1260

قلة الوفاء في النساء وعدد النساء اللواتي ذممن أزواجهن أكثر من عدد النساء اللواتي مدحن أزواجهن، وهذا مصداق لقول النبي ﵊ لما أتى النساء في يوم عيد، ووعظهن: (يا معشر النساء! تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار، فقامت امرأة من سطة النساء فقالت: لم يا رسول الله؟ قال: لأنكن تكثرن اللعن، وتكفرن فقلن: نكفر بالله؟ قال: لا. تكفرن العشير -أي: الزوج- لو أحسن الرجل إليكن الدهر ثم رأيتن منه يوماً سوءاً لقلتن: ما رأينا منك خيراً قط). فهذا خلق النساء، ولذلك فإن الوفاء في النساء قليل، والرجل إذا رزقه الله بزوجة وفية صالحة فإن هذا فعلاً هو متاع الدنيا؛ لأن الوفاء في النساء قليل، وحديث النبي ﵊ خرج مخرج العموم، وإن كان خطابه موجهاً لنساء الصحابة.

стр. 1261

خبر المرأة الثالثة ثم قالت المرأة الثالثة: (زوجي العشنق)، العشنق: هو الطويل المغفل الذي بلا منفعة، والعلماء يقولون: إن العشنق رأسه صغير وقامته طويلة، وفيه تباعد ما بين الدماغ والقلب، فيمكن أن تنقطع الصلة بينهما فيبقى عنده عقل بلا قلب، أو قلب بلا عقل، تقول: (زوجي العشنق، إن أنطق أطلق، وإن أسكت أعلق)، فلا حيلة لها معه، وفي الرواية الأخرى: (وأنا معه على حد السنان المذلق)، أي: تعيش معه على شفا جرف هار، فلا اطمئنان على الإطلاق في حياتها مع هذا الرجل، فهذا الرجل بلغ من سوء خلقه أنه لا يتيح لها الفرصة لا لتتكلم، ولا لتسكت، فعلى كلا الحالين إذا سكتت أو تكلمت فإنه سيطلقها، لكن هي تحبه، أو أنها تريد أن تعيش معه ليطعمها، فهي تسكت على سوء خلقه، ولو سكتت فإنه يعلقها فلا هي متزوجة ولا هي مطلقة.

стр. 1262

حاجة المرأة للرجل ولسائل أن يسأل فيقول: إذاً ما هي الميزة في المعيشة مع هذا الرجل؟ والجواب أن نقول: إن المرأة تحسب ألف حساب لطلاقها، فلو عاشت للأكل والشرب فقط لكان هذا عندها ميزة، فالمرأة تصبر على هذه الحياة المرة لأجل أن تعيش في كنف الرجل. وقد وجدت كثيراً من المشاكل من هذا القبيل، فقد كان أن بعض النساء يرسلن رقعاً مكتوبة، ويتكلمن مشافهة عن الكرب الذي تعيش فيه في بيت أبيها، وتريد أن تتزوج بأي إنسان؛ لأنه إذا كان هناك كرب على أي محور، فكرب تأكل وتشرب معه أفضل من الكرب مع الضيق، فهي مسألة موازنة، فالمرأة لم تطلب الطلاق من زوجها بالرغم من هذا الرفض لشأن هذا الرجل؛ بسبب أنها تحتاج إليه، والله قد فطر المرأة على الاستئناس بالرجل، ويقولون في المثل: ظل رجل ولا ظل حائط. وفي خبر هذه المرأة وصلنا إلى الحد الأدنى، وليس هناك أدنى من ذلك، فهذه المرأة تقول: إن زوجها طويل وليس فيه منفعة، ومع هذا الطول المفرط فهو سيء الخلق، لا تستطيع أن تشتكي منه، وإذا سكتت فإن النتيجة أنه يعلقها فيدعها لا هي متزوجة ولا هي مطلقة.

стр. 1263

خبر المرأة الرابعة أما المرأة الرابعة فقد وصفت زوجها وصفاً جميلاً، وهي أول امرأة تصف زوجها بخير، تقول: (زوجي كليل تهامة)، ومعروف أن ليل تهامة من أفضل الأجواء (زوجي كليل تهامة، لا حر ولا قر ولا مخافة ولا سآمة)، أي: لطيف المعشر، وحسن العشرة، (لا حر): أخلاقه ليست شديدة، (ولا قُر): أي: ليس بارداً، (ولا مخافة ولا سآمة)، فالمرأة تأخذ راحتها في الحوار، فتتكلم معه ولا تسكت.

стр. 1264

الرفق بالنساء وأردأ الرجال هو الرجل الذي لا تشعر المرأة بالأنس معه، وقد كان الرسول ﵊ يجلس لأزواجه ويستمع شكايتهن، ويحل المواقف العصيبة جداً بكل راحة واطمئنان، ولو تعلمنا من النبي ﵊ صفة الزوج الصالح لانتهت مشاكل البيوت. ففي الصحيحين عن عائشة قالت: (ما رأيت صانعة طعام أجود من صفية، ففي يوم من الأيام أرسلت صفية ﵂ إناء فيه طعام إلى بيت عائشة، وكان رسول الله ﷺ عندها ومعه ضيوف، فأخذت عائشة الإناء وكسرته، فتبسم النبي ﷺ وقال لأصحابة: غارت أمكم، ثم أخذ إناءها وأرسله إلى صفية، وقال: طعام بطعام وإناء بإناء)، فانتهت المشكلة، وحُلت بابتسام، وهكذا إذا عز أخوك فهُن، فإذا كانت المرأة متعصبة ومتصلبة فهُن، ولا يأخذ الرجل العناد والأنفة ويبادر بالطلاق، فيصرح به في وقت، ويكني في وقت آخر، كما لو كان الطلاق سيسحب منه، فيريد أن يستخدمه قبل أن يسحب منه.

стр. 1265

المرأة أسيرة عند زوجها لابد أن يعلم الزوج أن المرأة أسيرة عنده، وهذا الوصف وصفها به النبي ﵊ عندما أوصى بالنساء في آخر ما تكلم به ﵊ قبل أن يموت، فقد قال: (استوصوا بالنساء خيراً فإنهن عوان عندكم)، عوان: يعني أسيرات، فحتى لو أن المرأة فرت منك فإنها لا تستطيع أن تتزوج غيرك إلا إذا أعطيتها الإفراج، وإلا فستظل في سجنك مدة طويلة، وبعض المذاهب كالأحناف يقولون: تظل في سجنك مدى الحياة، والمالكية يقولون: القاضي يطلق إذا ثبت الضرر، لكن على أي حال هي في السجن، فعندما تكون المرأة مسجونة وأنت السجان، فلابد أن تقدر هذه العلاقة، وأن المرأة في النهاية لا تستطيع أن ترغم أنفك على شيء، فكن معها حليماً، وحاول أن تحل أصعب المواقف بالابتسامة وبالكلمة الطيبة.
следующие страницы →