← Джавами‘

Джавами‘ · id 7693

دروس للشيخ أبي إسحاق الحويني

أبو إسحق الحويني

Полный текст (1 719 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

انحراف الأبوين عقبة أمام التزام الأبناء إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره. ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمدٍ ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلاله، وكل ضلالةٍ في النار، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد، وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، في العالمين إنك حميدٌ مجيد. أيها الإخوة الكرام: الحديث عن الأسرة مؤلم ومحزن، لا يعرف ذلك إلا من دخل في مشاكل الناس، ربما ظن أحدكم أن التمكين قريب، لكن ليس الخبر كالمعاينة، أسرنا مهترئة، بسبب الفشل، والآن أجيب عن السؤال الذي ذكرته في مطلع الخطبة، لماذا نتزوج؟ نسبة لا تكاد في الأرقام الذين تزوجوا بقصد أن ينجبوا عباداً لله، بالنسبة للسواد الأعظم قليل جداً، أولياء الأمور هم الذين استرعاهم الله هذه الذرية، كثيرٌ منهم خانوا هذا العهد وضيعوا رعيتهم كل يوم تأتي المكالمات لمشاكل لا آخر لها، فهذه وأختها، لبسن النقاب منذُ أربعة أشهر، تقول إحداهن: لقد وصلت وتقول: ما أحسست أنني استحق الحياة إلا بعد أن غطيت وجهي، وهذا الشعور لا يشعر به فعلاً إلا من تعاطى هذا الفعل، والمرأة إذا ارتدت النقاب لا تستطيع أن تخلعه، فإذا نزعت نقابها فكأنك كشفت عورتها، هكذا شعور المرأة المنتقبة، لكن ما هي المشكلة؟ المشكلة أن أباها أمرها بخلع النقاب، ثم اتخذ خطوات عملية، أخذ النقاب ووضع عليه (كيروسين) ثم أحرقه، هذه الخطوة الأولى. الخطوة الثانية: الأم تذهب إلى بيت أبيها عقوبة لهذه البنت، وأبت أن ترجع هذه الأم إلا إذا خلعت النقاب. الخطوة الثالثة: ممنوع منعاً باتاً وضع أي شيء على الرأس، لا تضع حتى غطاء الرأس! يعني تخرج بشعرها. الخطوة الرابعة: أنه إذا جاءه ضيف ألزم بناته وأهله على أن يصففن شعورهن، ويدخلن على هذا الضيف سافرات. الخطوة الخامسة: أنه يأمرهن أن يجلسن بجوار الضيف وإذا امتنعن من ذلك فالسوط موجود!! الخطوة السادسة: الضرب المبرِّح أمام الضيف!! أسمعتم؟! أهؤلاء رجال؟! لو لم يكن هناك دين لكان هناك غيرة، فالكلاب تقتتل على الكلبة. وهذا كلب ومع ذلك فيه نوع من الغيرة، وهذا الرجل يفعل كل هذه الأفاعيل مع ابنته، وهاهي تسأل: ماذا أفعل؟ ويقف الإنسان في حيرة، قالت: بذلنا كل شيء، ستقول لي يا شيخ: اصبري تحملي، كل ما يخطر على بالك أنا فعلته، إنه يضربني بالسوط ضرباً مبرحاً أمام الضيف. هذا نموذج لكثير من الأسر، هؤلاء لا يستحقون الحياة، هؤلاء يهزمهم شر الخلق وأضعفهم -اليهود والنصارى- هؤلاء لا ينتصرون أبداً، إن بنياننا الأسري مختل. يا أولياء الأمور: إذا انتقبت البنت فاحمدوا الله على ذلك؛ فإن النقاب عفة ووقار وشرف. اسأل نفسك سؤالاً: أيهما أفضل عندك: أن تنتقب ابنتك أم أن يهرب بها أحدهم ويتزوجها؟ هذه بمقابل لبس النقاب، فالنقاب صيانة وعفاف وشرف، كيف تأخرت حتى الآن في تغطية وجه امرأتك وبنتك وأختك؟!

стр. 1192

إهمال التربية سبب تحطم الأسر هناك أسرة بكاملها تحطمت بسبب أن الولد ما تربى التربية الإسلامية الصحيحة، صاحب رفقاء السوء، وتعرف على واحد من أصحاب المخدرات فأعطاه منها، وقال له خذ وشُم: بعد ذلك صار مدمناً لها، فمباشرة من حين أخذ (الجرعة الأولى من المخدرات) بدأ يتغير، بدأ يسرق مال أبيه، ثم يسرق من بيوت الناس، قبضت الشرطة عليه، وسألوه ابن من أنت؟ قال: أنا ابن فلان الفلاني، يعني: من بيت كبير، وأبوه ذلك الرجل صاحب المنصب الكبير، فيذهبون به إلى قسم الشرطة -فضيحة- أما في البيت فهو كل يوم في ضرب وصراخ في ذلك البيت الذي لم يكن أحد يسمع لهذه الأسرة فيه صوتاً، أما الآن فكل يوم عراك وصياح، وهذا الولد لا يتقي الله، ولا يرقب في أهله إلاً ولا ذمة، فإنه يسبّهم بأقذع الألفاظ، يريد أن يشُم تلك المخدرات، فتحطم بنيان الأسرة وتصدع. ما سبب ذلك؟ السبب: إهمال التربية الصحيحة، هذا الولد لو كان رجلاً تقياً، لما وجد في أصدقائه ولا أقرانه من يقول له: شُم، والرسول ﷺ يقول: (لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي)، أنت إذا كنت رجلاً مصاحباً للمؤمنين، أرأيت مؤمناً يغشك ويدمرك ويعطيك ما حرم الله؟ لا. لا يمكن هذا، أي رجل ملتزم يعرف قيم دينه إذا ارتكب هو في نفسه معصية فإنه يحاول أن يتوارى عن الأنظار، فكيف يجهر بها أمامك؟! بل كيف يدعوك إليها؟ لا يجرؤ على ذلك.

стр. 1193

من شروط التمكين: الصدق مع الله إن الأمة الإسلامية اليوم تملك ثروة بشرية هائلة -ملايين- ولكن أين الرجال فيهم؟ إنهم قلة، مثلاً: أي رجل وقع في أزمة وخير ما بين دين الله وما بين الدنيا، فإنه يختار الدنيا مباشرة، يقول لك: أكل وأعيش وأولادي وتركتي. وإذا قيل لأحدهم: احلق لحيتك وإلا لن تأخذ الوظيفة، تراه يتساءل هل يحلق حتى يأخذ الوظيفة ثم يعفيها مرة أخرى، هذا إذا كان الرجل فيه تدين، وغالب الناس لا يقف عند هذه المسائل ولا يفكر على الإطلاق، بل يقوم فوراً ويحلق لحيته، ولسان حاله يقول: لماذا لا أختار الدنيا؟ اعلم يا أخي! أن الله لا يضيِّع من توجه إليه، وإنما يختبرك وينظر إلى صدق عزيمتك، كما قال ﵎: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:٢ - ٣]، فإذاً: لا بد من اختبار، إذا صدق الرجل مع الله ورسوله، وكان وقافاً عند حدود الله مكّن له في الأرض: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج:٤١]، فهذه شروط التمكين، هل نحن أمة تستحق التمكين، وثلث الأمة لا يصلي؟ ثلث الأمة لا يصلي وربما أكثر، هؤلاء لا يسجدون لله ، هل يمكّن لهؤلاء؟ لا يمكَّن لهم أبداً، إنما يمكَّن الله لعباده المؤمنين، الذين إن مكنّ لهم كانوا أوفياء لشرعه. إن الناظر إلى حال الأمة الإسلامية وحال أفرادها يرى كثيراً من الناس يتصرف تصرف أهل الجاهلية، إذا ركبوا سفينةً في البحر وأتاهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم قد أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين، فلما نجاهم إلى البر إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق: ﴿وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس:٢٢ - ٢٣]. إذا كنت في البحر وذهب منك الحول والقوة حينها تلجأ إلى الله، وبمجرد أن تمشي على رجليك، تتصور أنك ملكت أمرك حينها!! هذا يذكرني برجل ركب معي من القاهرة مرة، ويبدو أنه أول مرة يركب طائرة، والطائرة كانت تطير بسرعة كبيرة حوالي ألف كيلو في الساعة، نظرت للرجل ورأيت وجهه قد اصفر، أول ما بدأت الطائرة تطير وقال: انتيت، لا حول إلا بالله. يعني: لم يعد في أيدينا شيء، الطائرة صارت مرتفعة، فبعد أن استقر حاله وأحضروا له عصير الليمون، تعرفت عليه، وقلت له: سمعتك تقول كذا وكذا، لا حول ولا قوة إلا بالله، وهل وأنت تمشي على الأرض بقدميك لك حول بغير حول الله؟ إن كثيراً من العباد يحسب المسألة خطأ، عندما يمشي على الأرض ينسى قدرة الله. يعني: أنه بإمكانه فعل كل شيء، يستطيع أن يعود إلى بيته لوحده، ويستطيع أن يمشي، لكن وهو في الجو، فلا يستطيع أن يفعل شيئاً!! وكذلك لو كان في لجة البحر لا يستطيع أن يفعل شيئاً، في الجور والبحر يلجأ إلى الله. إن الله ليكره ذلك، والله لا تليق بعظمته هذه المعاملة، وهو الغفور الودود، وتأمل هذين الاسمين المتعاقبين: (الغفور الودود) يعني: يغفر الذنب ويتودد إليك. مثلاً -ولله المثل الأعلى- إذا أسأت إلى أبيك، أو إلى أخيك، أو إلى أمك، أو إلى أختك، أو إلى خالك، أو عمك، أو صديقك، كان عليك أن تصطلح معه، وتذهب لتقول له: هل تريد مني خدمة؟ أنا جئت اليوم أقدّرك وأعتذر عما بدر مني، حتى تزيل هذا الغبش الذي كان. إذاً: المسيء هو الذي يتودد، لكن لاحظ الشيء العجيب، الله هو الغفور، يغفر للمسيء، وهو الودود الذي يتودد إلى عبده المسيء، فسبحان من رب عظيم! فلماذا أشركت معه غيره؟ أشركت مالك أو أولادك أو امرأتك أو سلطانك أو أشركت معه غيره وهو يقول: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه) هذا من عزته ﵎، فالعزيز لا يقبل هذا. تركت وصالكم شرفاً وعزاً لخسة دائر الشركاء فيه إذا وقع الذباب على طعام رفعت يدي ونفسي تشتهيه ولا ترد الأسود حياض ماء إذا كان الكلاب يلغن فيه لا يمكن للأسد أن يشرب من حوض شرب منه كلب؛ ترفعاً وعزة. وها نحن في صفاتنا نأبى أن نشارك أصحاب الخسة فيما يطلبونه، فلله المثل الأعلى، فكيف بهذا الإنسان يشرك به ويتركه!!؟ لا، هو العزيز، ولذلك عندما تشرك معه غيره، يقول لك: اذهب إلى من أشركت؛ لأن حقيقة الشرك فيه دلالة على النقص. هل يوجد أحد في الدنيا يتمنى أن أحداً يشاركه في ماله أو في تجارته، عندما تذهب إلى أي شارع تجد شركة فلان الفلاني، فلان وأولاده، فلان وشركاه، هذه الشركات عُملت لماذا؟ أنا لو معي رأس مال أكنت أتمنى أن يشاركني أحد في الربح؟ الحال أن بعض الناس حين يشتركون مع بعض تجد كل شريك يطمع في شريكه. ويقول له: أنا أريد ربحاً أكثر منك، ويمكن أن يظلمه، فلو كان هذا الرجل معه مالاً ما أشرك معه أحداً. إذاً: الشركة دلالة على النقص، لماذا دخل في شراكة؟ لأن رأس ماله ضعيف، أو لأن خبرته قليلة، أو لأنه ضعيف يحتاج إلى ظهر يحميه، لذلك يُدخِل شخصاً ذا سلطان ليحميه، وهناك أناس لهم مناصب كبيرة أحيلوا إلى التقاعد، فتجد أصحاب الأموال يذهبون إليهم يدخلونهم في هذه الأموال ويشاركونهم، من أجل أن يخلصوهم من الجمارك؛ لأن هذا المتقاعد يعرف المسئول الفلاني والمسئول العلاني وما إلى ذلك، مع أن هذا المتقاعد تراه يجلس لا عمل له، يجلس على مكتب، ويوصِّلونه بسيارة، والسائق يذهب به ويعود، هذا كله لماذا؟ لأجل أنه يعرف المسئولين الكبار، فالرجل هذا يسهل لهم العقبات ويمرِّر لهم المخالفات. إذاً: الإشراك نقص فقل لي إذاً لماذا تشرك مع الله؟ هل الله فقير؟ لا. فرزق الله لا ينفد، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ [ص:٥٤]، ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [آل عمران:١٨٠]. إذاً: يجب أن نعلم أن الله أغنى الشركاء عن الشرك، وأنه الغني ونحن الفقرءا، نحن محتاجون إليه، وهو غني عنا، ومع ذلك تراه يغفر ذنوبنا ويتودد إلينا، فما علينا إلا أن نوحده وأن نعظمه حق التعظيم، وأن نقدره حق التقدير. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 1194

الغيرة للمحبوب إن للمحبة علامات وأمارات كثيرة، وإن من أوضحها وأشدها دلالة: الغيرة للمحبوب. وإذا تأملنا في واقع الأمة اليوم على اختلاف طوائفها ومذاهبها وما تدعيه وتتشدق به من حب النبي ﷺ وجدنا البون شاسعاً والفرق واضحاً جلياً بيننا وبين سلف الأمة من الصحابة والتابعين. فها هم اليهود اليوم يسبون نبينا ﵊ جهاراً، ويصورونه على صورة خنزير ولم يحرك أحد من المسلمين ساكناً، بينما كان سلف الأمة يبذلون المهج والأرواح في الذب عنه ﷺ والدفاع عن عرضه، وما ذاك إلا لأنهم صدقوا في حبهم، فأطاعوه وغاروا عليه، وقدموه على المال والنفس والأهل والولد، فأين نحن منهم؟ ما حقيقة محبتنا له ﷺ ؟

стр. 1195

الغيرة للمحبوب من علامات المحبة إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها الإخوة الكرام! إن وقود الانتماء هو الحب، وللمحبة علامات تقطع بها وجه كل دعي للمحبة وهو عار عنها، ونحن اليوم مع علامات للمحبة، وإنما آثرت ضرب المثل بأقوال المحبين في الدنيا لأقيم الحجة على الخلق بأمرٍ غير منكورٍ عندهم يسلمون به. إن المحب لا إرادة له مع حبيبه، ولو صارت له إرادة مع حبيبه فإن هذا قدحٌ في دعوى محبته، وكل الناس لا ينكرون هذا المعنى، فإذا عدّلناه إلى أجلّ محبوبٍ وهو الله رأيت دعوى عريضة، ورأيت الكاذبين يتلو بعضهم بعضاً في أمر لا ينكرونه بينهم. إن من علامات المحبة: الغيرة للمحبوب. وعليه فلا أتصور حباً بلا غيرة، فإذا رحلت الغيرة رحل الحب تبعاً لها، والغيرة هي أنفةٌ أن يشاركني في محبوبي أحد، وهي نارٌ وتوهج يخرج من القلب حال ذكر المحبوب، وهي أنانية التفرد بالمحبوب، هذا هو أصل الغيرة: أن تغار له وعليه. وكما ورد في الحديث الصحيح: أن هلال بن أمية الواقفي جاء إلى النبي ﷺ يوماً وقال: يا رسول الله! وجدتُ رجلاً مع امرأتي -ولم يكن نزل حد الملاعنة بين الرجل وامرأته، وكان الرجل إذا رمى امرأته أو غيرها بالزنا فرض عليه أن يأتي بأربعة شهداء وإلا جُلد- فجاء هلال بن أمية الواقفي، وقال: (يا رسول الله! وجدت رجلاً مع امرأتي فقال: يا هلال! أربعة شهداء أو حدٌ في ظهرك، فحينئذٍ انتفض سعد بن عبادة -سيد الخزرج- وقال: يا رسول الله! أدع لكعاً يتحسها وأبحث عن أربعة شهداء؟! والله ليس له إلا السيف غير مصفح! فقال النبي ﷺ للخزرج: انظروا ما يقول سيدكم -يستنكر عليه؛ لأنه يعارض آية في كتاب الله فقالوا: يا رسول الله! اعذره، فوالله ما تزوج امرأةً قط إلا بكراً، وما طلق امرأةً فجرأ أحدنا أن يتزوجها بعده، فقال النبي ﷺ : أتعجبون من غيرة سعد؟! والله إني لأغير من سعد، والله أغير مني؛ لذلك حرم الفواحش).

стр. 1196

أين من يغار لرسول الله ﷺ الغيرة للمحبوب أن تنتهك حدوده، وأن يعتدى عليه هذه هي ثمار المحبة. لقد بكيت كمداً وحزناً هذا الأسبوع من هذا المنظر الذي رأيته، يصور اليهود الرسول ﷺ على صورة خنزير، ويكتبون عليه اسمه الصريح ويدوسون القرآن بأرجلهم!! وما ذاك إلا لأنهم يخاطبون أمةً ميتة، فهل لهذا الرسول في الدنيا العريضة مؤمنون به ومحبون له؟!! لقد بكيت كمداً، وإنما يبكي الحر من القهر قاتل الله السياسة التي لا تخضع للدين! بأي وجهٍ يجلس المفاوض مع اليهود؟! على ماذا يتفاوض؟! قطعة أرض، ما بقي بعد الذي حدث شيء يسب نبينا ﷺ ونسكت!!. إذاً: أين الحب الذي ندعيه؟! إن احتلال اليهود لأرضنا وأخذهم لها شبراً شبراً لأهون عند الله ورسوله وعباده المؤمنين من سب الله ورسوله، فعلى أي شيءٍ يتفاوضون؟! على أرض! ما قيمتها؟! ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج:٤١]، بغير هذه العلامات وبغير هذه الرتب لا يحل لنا أن نرث الأرض. ولو أن رجلاً عربياً جاهلياً لا يدين بدين -كافرٌ بالله العظيم- حدث له عشر هذا؛ لانتفض ولرده أنفة وحياءً وكبراً. إن للشاعر الجاهلي في حرب البسوس أبياتاً صارت في كل الأمصار، واختارها أبو تمام وأودعها في القطعة الثانية في ديوان الحماسة. يقول: صَفحْنا عَنْ بَنِي ذُهْلٍ وَقُلْنا الْقَوْمُ إخْوَانُ عَسَى الأَيَّامُ أنْ يَرْجعْنَ قَوْمًا كَالَّذِي كَانُوا فلَمَّا صَرَّحَ الشَّر فَأَمْسَى وَهْوَ عُرْيانُ وَلَمْ يبقَ سِوَى العُدْوَانِ دِنَّاهُمْ كْمْا دَانُوا مَشَيْنا مِشْيَةَ اللَّيْثِ غَدَا واللَّيْثُ غَضْبَانُ بِضَربٍ فِيه تَوْهِينٌ وتَخضِيعٌ وإقرَانُ وطَعنٍ كَفَم الزِّقِّ غدا وَالزِّقُّ ملآنُ وبعضُ الحلمِ عندَ الجَهلِ لِلذِّلَّةِ إذعَانُ وَفِي الشَّرِّ نَجَاةٌ حِينَ لاَ يُنْجِيكَ إِحْسَانُ وتأمل البيتين الأخيرين: وَبَعْضُ الْحِلْمِ عِنْدَ الْجَهْلِ لِلذِّلَّةِ إذْعَانُ إنسان يضرب ولا يرد، لماذا؟ لأنه حليم، ويضرب المرة الثانية ولا يرد؛ لأنه حليم، وكذلك في الثالثة والرابعة والعاشرة، لا يرد لأنه حليم!! فهذا ليس بحلم، وإنما استكانة وإذعان وضعف. وَبَعْضُ الْحِلْمِ عِنْدَ الْجَهْلِ لِلذِّلَّةِ إذْعَانُ فإذا صفحت مرة وثانية وثالثة ولم تجد مكاناً لهذا الإحسان فما بقي إلا الشر. وَفِي الشَّرِّ نَجَاةٌ حِينَ لاَ يُنْجِيكَ إِحْسَانُ وهاهم العرب ما زالوا مصرين على السلام مع اليهود مع ارتكابهم لهذا الجرم الشنيع! فيا ترى: أي سلام يتحدثون عنه؟! وقد حذر الدعاة وبحت أصواتهم وجفت حلوقهم أن اليهود لا عهد لهم، وهم في تحذيرهم يستقون كلامهم من كتاب الله ، ومع ذلك ترى محاولة استئناف المفاوضات لاستعادة الثقة! الثقة بمن؟ بالذي يصور النبي ﷺ على صورة خنزير، ويطأ القرآن بقدميه؟!! هذا الذي جرى لا يجبره إلا الدم، وليس له علاج إلا الدم. وما وصل اليهود إلى هذا إلا بعدما علموا يقيناً أن هذه الأمة ماتت، وأنه ليس هناك أحدٌ يتخذ لها قرارتها، فقادتها كذبة كلهم، فالذين يدعون أن قرارهم بأيديهم لا يستطيعون فعل شيء، وكلنا يعرف هذه الحقيقة. صورة خنزير ينتسب إليها ألف مليون رجل على عجرهم وبجرهم، لكن كلهم مجمع على تعظيمه ﷺ ، وعلى توقيره ولو بالدعوة الكاذبة!!! أين الموالد التي تقام كل عام في محبة النبي ﵊؟! أين الذين يتشدقون بمحبته في الموالد؟! وها نحن في شهر ربيع، وبعد عشرة أيام ستسمع الموالد والجحافل، وسترى الطرقات ممتلئة بهؤلاء الذين يدعون حبه ﷺ ، وكلٌ يدعي حب النبي ﷺ ، وقد أهين، وصور بأخس دابة على وجه الأرض، فما هي ردة فعلنا؟!

стр. 1197

صورة أخرى تطعن في نبينا ﷺ إن ساب النبي ﷺ حده القتل ولو تاب، ولو أظهر التوبة، رعايةً لجناب النبي ﷺ ، ولأننا لو تركنا الساب ليقول: تبت، ثم يرجع ويسب: تبت؛ لاستهانوا بجناب النبي ﵊. ولكنه يقتل. إن الكافر التافه الذي لا يتكلم أهون من السابّ؛ ولذلك فقد فرق الرسول ﵊ بين الكافر الذي لا يسب وبين الذي يسب، روى الإمام النسائي وأبو داود من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: (أمّن رسول الله ﷺ الناس جميعاً يوم فتح مكة غير أربعة رجال وامرأتين، قال: اقتلوهم ولو وجدتموهم معلقين بأستار الكعبة: مقيس بن صبابة، وعبد الله بن خطل، وعبد الله بن أبي سرح، وعكرمة بن أبي جهل. فأما مقيس فأدركوه وقتلوه، وأما عبد الله بن خطل فأدركوه معلقاً بأستار الكعبة فقتلوه، وأما عكرمة ففر وركب البحر، وأما ابن أبي سرح فاختبأ عند أخيه من الرضاعة عثمان بن عفان ﵁، فلما دعا رسول الله ﷺ إلى البيعة العامة، خرج عثمان بن عفان وخلفه ابن أبي سرح، ووقف بين يدي النبي ﷺ ، ثم قال: يا رسول الله! بايع عبد الله، فسكت، فقال: يا رسول الله! بايع عبد الله، فسكت، فقال: يا رسول الله! بايع عبد الله، فبايعه، ثم قال لأصحابه: أليس منكم رجلٌ رشيد إذ رآني كففت يدي عن بيعتي هذا أن يقوم إليه فيضرب عنقه؟ قالوا: يا رسول الله! هلا أومأت إلينا بعينيك؟ فقال: إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنةُ الأعين). والسؤال الذي يطرح نفسه: جاء عبد الله بن أبي سرح تائباً فكيف يقتله والإسلام يجب ما قبله، وقد أسلم رجالٌ في فتح مكة كانوا من أكفر الكافرين وقبل منهم؟ فلماذا لم يقبل من ابن أبي سرح؟ لأنه كان يفتري على النبي ﷺ ، وكان يكتب الوحي له، فكان يقول: كنت أملي محمداً ما أشاء!! فافترى عليه، وطعن في أمانته، وهذا من أعظم الكذب؛ لذلك استحق القتل، بخلاف الكافر الذي سبق منه إحسان. قال ﷺ كما في الصحيح وقد نظر إلى أسرى بدر فقال:: (لو كان مطعم بن عدي حياً ثم خالطني في هؤلاء النتنى لأطلقتهم له)، فوصفهم بأنهم نتنى، وأخبر أنه لو المطعم بن عدي حياً ولم يسلم وجاءني ليفتدي هؤلاء لأعطيتهم له، مع أنه كافر، فما هو وجه التفريق بينهما وهذا كافر وهذا كافر؟ أن الثاني عنده نخوة وشهامة. مثلاً: أبو طالب خفف الله عنه العذاب -مع أنه كافر مخلد في النار- بسبب نصرته للنبي ﷺ ، وقال تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١]؛ لأنه كان يسب النبي ﷺ ، ففرق بين كافر نصير، وبين كافر يسب ويؤذي، وهما بخلاف الكافر الكاذب، ولذلك فإن افترى على النبي ﷺ لا يموت أبداً بخير، فإن الله قال: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾ [الكوثر:٣]، والأبتر: الأقطع من الخير. وفي الصحيحين من حديث أنس ﵁: (أن رجلاً نصرانياً أسلم على عهد النبي ﷺ ، حتى قرأ البقرة وآل عمران وجد في نظر المسلمين، ثم إنه تنصر وكفر ولحق بالروم، وقال: أنا الذي كنت أملي على محمدٍ القرآن، فقصمه الله وقطع عنقه، فدفنوه؛ فأصبح الناس وقد لفظته الأرض، فقالوا: هذا فعل أصحاب محمد، نبشوا على صاحبنا وأخرجوه، فأعمقوا ودفنوه، فأصبحوا وقد لفظته الأرض، فأعمقوا ودفنوه، فأصبحوا وقد لفظته الأرض، فجلس منبوذاً هناك). ألم تضم الأرض بين جوانبها أكفر الكافرين؟ هل رأيتم الأرض لفظت كافراً؟ كم ضمت الأرض بين جوانبها من الكافرين وما لفظتهم ولفظت هذا؟ لأنه اعتدى على النبي ﷺ وسبه بداء الخيانة، وأنه كان يملي عليه القرآن. في الانتماء غيرة، ها هم اليهود خمسة عشر مليوناً، لو تطوعنا وبصقنا عليهم لأغرقناهم، ومما قتلني كمداً أن الأحاديث الصحفية ليل نهار بالذي يجري والذي لا يجري، ومع ذلك ما رأينا صوت دول دينها الرسمي الإسلام عقدت مؤتمراً صحفياً في الحال، وأنكرت هذا الفعل وتوعدت، وما ذاك إلا لأنهم كذبوا في دعوى محبتهم للنبي ﷺ ، ولأنه لا يعنيهم ذلك، ولا دولة حتى الآن تطوعت ورفعت رأسها وقالت: كيف يفعلون ذلك؟! أولا يستحق النبي ﷺ هذا؟! أولا يستحق أن يعقد له مؤتمر صحفي في الحال، ويندد ويطرد السفير ذراً للرماد في العيون؟! ولقد مررت برجل عامي صاحب مطعم جالس هو وامرأته يحدثوني عن هذا ولم أكن قد قرأت الجرائد ولا أعرف القضية، وكان الرجل يبكي وينهمر دمعه هو وامرأته يبكون وهم يتكلمون الرسول ﵊ هو رأسنا، ونحن جميعاً نواليه ونحبه، يظهرون المحبة له حتى ولو خالفوه، لكنهم يظهرون المحبة ولا أحد يخالفه، ولا أحد يتبرأ منه.

стр. 1198

دور الإعلام في التنقص من النبي ﵊ ثم وافق هذا الذي جرى والذي لا يمسحه ولا يجبره إلا الدم شيءٌ مقيت مثله تماماً لكنه حدث على أرضنا، ونشر هذا يوم أمس في جريدة الأهرام في الصفحة الثانية: امرأة رأت فلماً أجنبياً في نادي السينما يوم السبت الماضي، وفي نهاية الفلم اللقطة الآتية: بطل يأتي بعدما انتهى على بيت وقال: يا محمد! فظن المشاهد أنه يرى الرجل، فإذا بكلب أسود يخرج من البيت، فأخذه وانصرف!! هذه هي النهاية، وهذا حدث على أرضنا، وأنا ما رأيته وإنما نقلته عن جريدة الأهرام.

стр. 1199

صور من غيرة السلف الصالح لله ولرسوله إن الخطب فادح والأمر جلل، والذي وصلنا إليه ليس هناك شيءٌ بعده، أن يسب الله -وقد سبوه- وأن يسب النبي ﷺ -وقد سبوه وصوروه- فما هو رد فعلنا؟! إن امرأةً كشف اليهود عن سوأتها، وهي امرأةٌ نكرة، لا نعرف لها اسماً ولا رقماً ولا نسباً، ولكنها مسلمة، فنادت: وامعتصماه! فجرد المعتصم الجيش العرمرم ليرد عرض امرأةٍ مسلمة، وفتح عمورية، وأنشد أبو تمام قصيدته التي تناقلتها الكتب؛ لأجل امرأةٍ مسلمة.

стр. 1200

قتل كعب بن الأشرف إن المعاهد الذمي الذي له عهد وأمان ينتقض عهده وأمانه بالسب، والحربي ليس له أمان، فـ كعب بن الأشرف كان يؤذي رسول الله ﷺ بلسانه، ويهيج عليه القبائل، ويسبه، ويشبب بنساء المؤمنين، كما يفعل سلمان رشدي في هذه الأيام؛ فقد شبب بنساء النبي ﷺ ، واتهمهن بالدعارة، فلما وجد اليهود أنه لا أحد ينتصر لهذا الرسول ﷺ ، صوروه على صورة خنزير، وكتبوا اسمه صراحة!! وهذه خطوة طبيعية ومتوقعة؛ لأنهم لم يجدوا من يحرك ساكناً لذلك. ولو أن أحداً من الناس اتهمت امرأته بالدعارة لدخل في حرب مع القائل ولو كلفه ذلك حياته، ولن يلومه الناس ولن يتهمونه بالتهور، فمن قتل دون ماله وعرضه فهو شهيد، وهذا يدافع عن عرضه. وهاهي أمنا: عائشة، وحفصة، وأم سلمة، وجويرية، وخديجة رمين في أعراضهن، فأين نخوتنا وشهامتنا؟! لقد رأوا أمة ميتة لا تتحرك، ترمى في أغلى شيء لديها ولا تتحرك، فما المانع أن يصور اليهود النبي ﷺ بهذه الصورة ويلصقونها على أبواب المحلات العربية من أجل أن يصبح المسلمون فيجدون هذه الصورة على أبواب المحلات؟!! لا رد فعل على الإطلاق؛ وكأنما هذا الرسول ليس له أحد في الدنيا!!! وقد اتصل الرئيس الأمريكي بـ سلمان رشدي، وهو رجل لا قيمة له في دنيا الناس، فلماذا يتصل له الرئيس الأمريكي؟ لأنه سب النبي ﷺ . نكاية في المسلمين، وتشجيعاً لمن على شاكلته. وعجباً لمن يدعي الإسلام ثم يكون هذا حاله!! وما هو إلا خلف لسلفه السابق أمثال: عمرو بن أبي عزة لما وقع في الأسر يوم بدر، ودخل على النبي ﵊ وقال له: أطلق سراحي فعندي أولاد ونساء وسأحفظ لك الجميل، فأطلق سراحه ومنّ عليه، فذهب إليه كفار قريش وقالوا له: أعنا عليهم بشعرك، فقال: إني عاهدتهم وأنا رجلٌ فقير ولي عيال. فقالوا له: عيالك عيالنا! لئن مت نضمن عيالك إلى عيالنا، فهجا النبي ﷺ ، وذاك قبل وقعة أحد، فلما أمسكه النبي ﷺ فقال: اعف عني ولا أعود. فعفا عنه، فرجع فسبه وشبب بنساء المسلمين، فأمكنه الله منه، فقال له: اعف عني ولا أعود! قال: (لا والله لا أدعك تمشي في شوارع مكة تحك عارضيك وتقول: خدعت محمداً مرتين؛ لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين)، وأمر به فقتل. هكذا فلنكن! صَفحْنا عَنْ بَنِي ذُهْلٍ وَقُلْنا الْقَوْمُ إخْوَانُ عَسَى الأَيَّامُ أنْ يَرْجعْنَ قَوْمًا كَالَّذِي كَانُوا لكنهم قوم لا ينفع فيهم جميل ولا معروف فلَمَّا صَرَّحَ الشَّر فَأَمْسَى وَهْوَ عُرْيانُ وَلَمْ يَبَقَ سِوَى العُدْوَانِ دِنّاهُمْ كَمَا دَانُوا مَشَيْنا مِشْيَةَ اللَّيْثِ غَدَا واللَّيْثُ غَضْبَانُ وَطَعْنٍ كَفَمِ الزِّقِّ غَدا وَالزِّقُّ مَلآنُ إن زق الماء إذا كان ملآناً وطعن فإنه ينفجر بالماء، والمعنى: أننا أصبحنا ممتلئين وسننفجر، هذا هو معنى البيت: وَطَعْنٍ كَفَمِ الزِّقِّ غَدا وَالزِّقُّ مَلآنُ والنبي ﵊ لما رأى كعب بن الأشرف يطعن في عرضه ويشبب بنساء المؤمنين قال: (من لـ كعب بن الأشرف؛ فإنه آذى الله ورسوله؟)، والعلماء يقولون: إن التعقيب بالفاء يدل على أن علة القتل هي السب والأذى، فكان أول من قام هو محمد بن مسلمة وهو ابن أخيه، وقام الآخر وقال: وأنا، فكان أبو نائلة، أخوه من الرضاعة، فهم من أقربائه، وقال محمد بن مسلمة: (يا رسول الله! أتأذن أن نقول له شيئاً؟ أي: نخدعه نكذب عليه نجره قال: نعم. فذهب محمد بن مسلمة إلى كعب وقال له: جئتُ أقترض منك وسقاً أو وسقين من شعير، فإن هذا الرجل قد أعنتنا وأتعبنا، وكل يوم يطلب منا الصدقة، فقال: كعب: وأيضاً، والله لتملنه. فقال: قد مشينا معه ولا نريد أن نفارقه حتى نرى عاقبة أمره، فقال: ارهنوني نساءكم!! أي: في وسق شعير يريد أن يأخذ امرأة الرجل، والمسألة كلها خداع، فقال: (نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب؟!) تأتي المرأة فترى هذا الجمال ولاتنظر إليك بعد ذلك؟ فقال: ارهنوني أبناءكم! قال: هذا عارٌ علينا، أن يسب أحدهم يوماً فيقال: رُهن بوسق من شعير، ولكن نرهنك اللأمة، وهو درع الحرب، وكان هذا ذكاء من محمد بن مسلمة، حتى إذا جاء بأدوات الحرب لا يشعر أنهم يريدون قتله، فجاء هو وأبو نائلة وعباد بن بشر وجماعة، وخططوا خطة، وقال محمد بن مسلمة: أنا سأمسك رأسه فإذا تمكنت من رأسه دونكم فاقتلوه، فجاءوا بالليل ونادى أبو نائلة أخوه من الرضاعة، وقال: يا كعب! فسمعت امرأة كعب الصوت، فقالت: لـ كعب: إني أسمع صوتاً يقطر منه الدم، إلى أين أنت ذاهب في هذه الساعة؟ قال: هذا رضيعي أبو نائلة وابن أخي محمد بن مسلمة وإن الكريم إذا دعي إلى طعنة بليل أجاب! ونزل يفوح عطراً، فلما دنا من محمد بن مسلمة قال له: ما رأيت كاليوم عطراً، ما هذا العطر؟ فتبسم كعب وقال: عندي أعطر العرب، وأجمل العرب، وكان ما زال عروساً، فقال محمد بن مسلمة: أتأذن لي أن أشم رأسك؟ فأعطاه رأسه، فلما أمسك رأسه واستمكن قال: دونكم عدو الله، فقتلوه). وقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية إجماع أهل السيرة على أنه كان مستأمناً معاهداً، فلما سب لم يكن له عهد ولا أمان.

стр. 1201

أبناء الصحابة يتسابقون في قتل أبي جهل لأنه كان يسب رسول الله في الماضي عندما كان هناك انتماء وولاء خالص للإسلام كان هناك أطفال في سن الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة، أمثال معاذ بن عمرو بن الجموح ومعوذ بن عفراء، لهم موقف شبيه بهذا الموقف، فقد روى الشيخان في صحيحيهما من حديث عبد الرحمن بن عوف قال: (كنت أقف في الصف يوم بدر، فإذا بغلامين، جاءني أحدهما فقال: يا عم! أتعرف أبا جهل؟ قلت: وماذا تريد منه يا ابن أخي؟ قال: بلغني أنه يسب النبي ﷺ ، والله لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا، قال: ثم جاء صبيٌ مثله فغمزني وقال مثلها، فعجبت! فلما رأيت أبا جهل يجول في الناس قلت: هذا صاحبكما! فتوجها إليه فضرباه جميعاً، وكلٌ يقول: أنا الذي قتلته! فذهبا إلى النبي ﷺ وكلٌ يدعي أنه قتله، -شرف أن يقتل عدو الله ورسوله، هذا هو قصب السبق، وهذا هو الولاء والانتماء- فقال النبي ﷺ : هل مسحتما سيفيكما؟ قالا: لا. فلما نظر إلى السيفين قال: كلاكما قتله تطييباً لخاطرهما-). إن هذه محنة، ومن المحن تأتي المنح، وقد قرأت خبراً عجيباً: قصة شيخ الإسلام ابن تيمية وهو الصادق المخبر في كتاب: (الصارم المسلول على شاتم الرسول) يقول: حدثني كثيرٌ من الثقات والعلماء الغزاة الذين كانوا يحاصرون بني الأصفر (الروم) أنهم كانوا يحاصرون المدينة شهراً وشهرين وأكثر، وأهل المدينة يتحصنون بالحصون وعندهم الأكل والشرب، قال: كنا نحاصرهم شهراً وشهرين وأربعة حتى كدنا أن نيأس في غزوهم، وإذا هم قد سبوا الرسول ﷺ ، ففتحنا الحصن بعد يومين، فقال هؤلاء العلماء: كنا نتباشر بسب النبي ﷺ مع امتلاء قلوبنا غيظاً من ذلك، يتباشرون أي: يستبشرون، فإذا سمعوا أهل الحصن يسبونه عرفوا أن الفتح قادم: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة:٦١]، إن شانئه وسابه لا يموت بخير، وهو مهزوم، فكأنهم فعلوا ذلك بشارة، مثلما كانت بشرى لأسلافنا أنهم لم يستطيعوا فتح الحصن إلا بعد أن سبوه، فأسلمهم الله لهم وفتحوا الحصن بعد يومين. واتفق العلماء على أن ساب النبي ﷺ يقتل؛ مسلماً كان أو ذمياً؛ وذلك رعايةً لجناب النبي ﷺ .

стр. 1202

شعراء الصحابة يذبون عن عرض النبي عليه الصلاة السلام صرمة بن قيس شاعرٌ صحابي كان في الجاهلية على دين إبراهيم -أقول هذا لتعلموا الفرق- يذكر حال النبي ﷺ قبل وبعد الهجرة، فيقول: ثوى في قريش بضع عشرة حجة يذكّر لو يلقى حبيباً مواسيا ويعرض في أهل المواسم نفسه فلم ير من يؤوي ولم ير داعيا فلما أتانا واستقرت به النوى وأصبح مسروراً بطيبة راضيا بذلنا له الأموال من حل مالنا وأنفسنا عند الوغى والتآسيا نعادي الذي عادي من الناس كلهم بحقٍ ولو كان الحبيب المصافيا وفي الصحيح من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال لشعراء المسلمين: (اهجوا قريشاً، فوالذي نفسي بيده لهو أسرع فيهم من النبل)، فأرسل إلى عبد الله بن رواحة وقال: (اهجهم، فهجا فلم يرض، فأرسل إلى كعب بن مالك، فهجا فلم يرض، فأرسل إلى حسان بن ثابت، فجاء حسان فدخل فقال: قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضارب بذنبه فأخرج لسانه من بين شفتيه وجعل يحركه- لأن الأسد إذا غضب ضرب جنبيه بذنبه- ثم قال للنبي ﷺ : لأفرينهم فري الأديم) أي: لأمزقن أعراضهم كما يمزق الجلد، فقال النبي ﷺ : (لا تفعل حتى تأتي أبا بكر فإنه أعلم بنسب قريش)، فذهب إلى أبي بكر فلخص له نسب النبي ﷺ ، فأنشأ حسان يقول لـ أبي سفيان وأتباعه أيام كان كافراً: هجوت محمداً فأجبتُ عنه وعند الله في ذاك الجزاء هجوت محمداً براً تقياً رسول الله شيمته الوفاء أتهجوه ولست له بكفء فشركما لخيركما الفداء فإن أبي ووالده وعرضي لعرض محمد منكم وقاء ثكلت بنيتي إن لم تروها تثير النقع موعدها كداء يبارين الأعنة مصعدات على أكتافها الأسل الظماء فإن أعرضتمو عنا اعتمرنا وكان الفتح وانكشف الغطاء وإلا فاصبروا لضراب يوم يعز الله فيه من يشاء فقال النبي ﷺ لما سمع هذا الشعر (لقد شفى حسان واكتفى) أي: شفى صدور المؤمنين، واكتفى منهم بما فعلوه، هذا هو الأسد الضارب بذنبه.

стр. 1203

تربية الأبناء على الدين أول طريق للتمكين والآن نتكلم عن تربية الأولاد، ودورهم في النهوض بالأمة نتكلم في قول الله : ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ﴾ [القصص:٦]، ونتكلم عن جيل التمكين ومواصفات جيل التمكين. المستعجلون يستقبلون هذه الخطوات، لكن إهمال تربية الولد مشاكله مؤجلة، فهذا الجيل المهزوم إنما هو تربية آباء لا يعرفون شيئاً عن الإسلام، هذا الجيل المهزوم الذي يملأ الدنيا الآن ابن لأب جاهل لم يكن عنده انتماء ألبتة، لذلك ورث هذا الحطام الهشيم. والمسألة في تربية الأولاد مسألة وقت، تخيل أن هذا الجيل جيلنا وجيل أبنائنا بعد سبعين سنة مثلاً، أليس أولاد جيلنا هم الذين سيحكمون؟ وهم الذين يتخذون القرار؟ فالمسألة مسألة وقت، خمسون سنة في عمر الأمم لا تساوي طرفة عين.

стр. 1204

صور من حياة السلف في التضحية لهذا الدين صلاح الدين الأيوبي استرد بيت المقدس بعدما ظل تسعين سنة في أيدي الصليبيين، فلنأخذ مثلها ونرجع البيت المقدس، هذا هو الدواء الناجح والأمثل، فقد اتسع الخرق على الراقع، ونحن نربي أولادنا حتى لا نسقط من ميزان الحق، وحتى لا ينظر الله إلى الأرض فيمقتها كلها ويستبدل بهؤلاء الناس رجالاً آخرين.

стр. 1205

قتل أبي رافع يحكي لنا البراء بن عازب قصة تاجر الحجاز أبي رافع، وكان أبو رافع ممن يعين بماله على المسلمين وعلى النبي ﵊، وكان أشهر تاجر في مكة: ﴿فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٣٦]. فقام عبد الله بن عتيك، وانتدبه النبي ﷺ مع سرية وقال: اذهبوا إليه، فذهبوا حتى وصلوا إلى قصره المنيف، وهو تاجر كبير، وعنده ضيوف وسمار يسمرون معه إلى آخر الليل، فقال عبد الله لأصحابه: اجلسوا وأنا سأذهب وأتلطف في الدخول، وإذا أراد الله شيئاً هيأ أسبابه. وقد يكون هذا الرسم الذي رسموه، اليهود بداية حرب بيننا وبينهم أرادها الله، فتهيج الدنيا وتموج في بعضها وينصر الله من يشاء. فحتى يقتل هذا الكافر - أبو رافع - يخرج حمار من القصر، فيرسل الحرس ليبحثوا عن هذا الحمار، فعندما رأى عبد الله بن عتيك الحرس خارجين من القصر جلس وكأنه يتبول، وتقنع حتى لا يرى ولا يعرف. قال: فدخلت، ولم يفتشني أحد، فدخلت واختبأت، فبعدما دخلوا كلهم وأغلقوا القصر من الداخل، قال: وضع الحارس الأغاليق في ودٍ في كوة -والكوة: هي الطاقة التي في الجدار، والود: هو الوتد الذي في الطاقة، فعلق السلسلة التي فيها المفاتيح على الوتد الذي في الطاقة- فنظرت إلى المفاتيح وقلت: الحمد لله. فلما دخل الحارس لينام كمنت -لأن هناك ضيوفاً ولا يستطيع أن يدخل عليهم- حتى خرج السمار آخر الليل، فدخلتُ، فكلما دخلت أغلقت عليّ الباب من الداخل -ولم يفته أن يغلق الباب على الحارس- قال: فدخلت فرأيت القصر كله مظلم، فناديت عليه: يا أبا رافع! فقال: من؟ فاتجهت نحو الصوت، قال: فعاجلته بضربةٍ وأنا دهش -ودهش: يعني مذهول لم يصدق أنه دخل القصر ووجد أبا رافع - غير مصدق لنفسه، والمذهول إذا ضرب يضرب ويده ترتعش فلا يحسن الضرب. قال: فقال أبو رافع: من؟ فاتجه إليه وضربه ضربة وهو دهش، فلم تغن عنه شيئاً، قال: فصرخ، واستغاث، قال: فغيرت صوتي وجئت كأنني أغيثه، فقال له: أغثني! الويل لأمك! ضربني فلان، أو ضربني رجل، قال: فعاجلته بضربةٍ أخرى، فلم تغن عنه شيئاً، قال: فصرخ، فغيرت صوتي وجئته كأنني أغيثه، فقال: الويل لأمك! ضربني ضارب، قال: فأمسكت بذباب السيف فتحاملت به عليه، فسمعت صوت العظم. فأول ما سمع صوت قعقعة العظم علم أنه قتله، ولكنه لم يهرب، بل قال: لن أخرج من هنا حتى أعلم أنه هلك -أي: عندما يعلن الناعي من على السور ويقول: مات تاجر الحجاز-. انظر إلى الفداء!! يريد أن يطمئن أن المهمة قد تمت على أتم وجه، فإنه: قد يمكن أن تخفق العلمية ويصاب بغيبوبة في المخ فقط، وقد قرأت لبعض المتخصصين في طب الأطفال يقول: إن الولد لو حدث له موت مخي فإنه يسترد مخه بعد أربعة شهور، ويبقى مخه (مائة في المائة) وتقول المجامع العلمية الطبية: إن موت المخ لا يكون إلا بعد خمس سنين. أي: يستطيعون بعدها أن يقولوا: إن المخ مات فعلاً. فلما سمع عبد الله بن عتيك القعقة أراد أن يتأكد من مقتله، فما كان ليخرج حتى يعلم أنه قد مات، وبمنتهى الفدائية ظل في القصر حتى أذن الديك، فلما أذّن الديك قام الناعي فوقف على السور وقال: أنعي أبا رافع تاجر أهل الحجاز! قال: فلما سمعت ذلك جعلت أفتح الأبواب، فلما وصلت إحدى السلالم وكانت الليلة مقمرة ظننت أني وصلت إلى آخر درجة، فوقعت على الأرض فكسرت رجلي. فخلع عمامته ﵁ وتسور السور إلى أصحابه وقال: لقد قتل الله أبا رافع، الحقوا برسول الله ﷺ . فحملوه إلى الرسول ﵊، فأول ما وصل قال له ﷺ : (ابسط قدمك فبسطها فمد يده عليها فكانت أصح رجليه).

стр. 1206

خروج الصحابة في غزوة تبوك إن ربنا عاتب الصحابة، فقال: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ [التوبة:٤٠]، هذه الآيات في سورة التوبة نزلت في غزوة تبوك، وبين الهجرة وبين غزوة تبوك ثمان سنين، فقد: تأجل هذا العتاب ثمان سنوات: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠]. لأن غزوة تبوك كانت من أشق الغزوات على الصحابة، وقد سمي جيشها بجيش العسرة جاء في قلة مال، وفي حر شديد، وسفر بعيد طويل. فقلة المال لأن الثمار بقي لها شهر وتقطف وتباع في الأسواق، ويحصل رواج تجاري، فلم يكن يوجد سلعة ولا فاكهة تباع أو تشترى، الأموال مجمدة، فقام عثمان بن عفان ﵁، فقال: هذه ألف بعيرٍ بأحلاسها وأقتابها، ثم ندب النبي ﷺ إلى البذل والفداء والتضحية، فقام عثمان مرةً ثانية، فقال: هذه ألف بعيرٍ بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، فندب النبي ﷺ الناس، فقام عثمان مرةً ثالثة وقال: هذه ألف بعيرٍ بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، فنزل النبي ﷺ من على المنبر وهو يضرب فخذه بيده ويقول: (ما على عثمان ما فعل بعد اليوم)، لقد جهز جيش العسرة من ماله. فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء. فقطعوا رضوان الله عليهم في شدة الحر مسافة طويلة جداً في واحد وعشرين يوماً سيراً على الأقدام، وتركوا زروعهم ولم يبق على قطافها إلا شهر أو أقل، وكانوا ينتظرون الحصاد ليروج. فهذه الأشياء مجتمعة أظهرت المنافقين في المجتمع المدني، وجاءوا يقولون: ﴿لا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ [التوبة:٨١]، واغتر بعض المؤمنين الصادقين فتخلفوا بسبب هذه الظروف الشديدة. أمثال: كعب بن مالك، وهلال بن أمية الواقفي، ومرارة بن الربيع، وانكشف من المنافقين بضعة وثمانون منافقاً، وقالوا: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾ [الأحزاب:١٣]،: ﴿وَقَالُوا لا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ [التوبة:٨١]. وفي هذه الظروف عاتب ربنا الصحابة لماذا لم تخرجوا؟ إلا تنصروه الآن فهو مستغنٍ عنكم، ليس بحاجةٍ إليكم، فينصره الذي نصره لما كان ثاني اثنين إذ هما في الغار، بغير كسب أحد منكم، وبغير تأييد أحد منكم: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ [التوبة:٤٠]، وقال لهم يهددهم: ﴿إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾ [التوبة:٣٩]. انظر إلى هذا التهديد! إن لم تنفر يعذبك عذاباً أليماً، ويخسف بك، ويأتي بقومٍ يحبهم ويحبونه. إن الرجل في الصعيد إذا قتل له قتيل يلبس طرحة، ويقول بلسان حاله ومقاله: هو امرأة حتى يأخذ بالثأر! امرؤ القيس الشاعر الجاهلي المشهور، كانت حياته كلها خمر وعربدة، فأفاق يوماً من شرب الخمر وقد قتل أبوه، فقال: لا بد أن نطلب الملك، وخرج هو وصاحب اللهو إلى بلاد الروم فلما تجاوزا الحدود، بكى صاحبه لما نأت به دياره فقال: يصبره: بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه وأيقن أنا لاحقان بقيصرا فقلت له لا تبك عينك إنما نحاول ملكاً أو نموت فنعذرا إذا متنا في طلب الملك فسوف يعذرنا الناس، لكن هناك شخص تدنت همته فأخذ هذه الأبيات وعمل لها تشطيراً، على نفس البحر والقافية، ولكن للناس فيما يعشقون مذاهب، ذهب هو وصاحب له ليتغدون عند صاحب لهم، وكانوا يظنون أنهم سيأكلون لحماً، ففوجئوا، فأول ما رأوا المائدة المستديرة طاشت أحلامهم، ورأوا الخطب الفاجع. فأنشد يقول: أتانا غنيم بالفطير وأحضر وكنا حسبناه دجاجاً محمرا بكى صاحبي لما رأى اللفت دونه وأيقن أن الجوع كان مقدرا فقلت له لا تبكِ عينك إنما سنأكل لفتاً أو نموت فنحضرا فكل واحد له مذهب في الدنيا هذا رجل يسعى إلى ملك، وهذا رجل يسعى على ملء بطنه. لقد قال امرؤ القيس نحاول ملكاً أو نموت فنعذرا فالناس سيعذرونه إن مات وهو يطلب الملك. ولو نحن لو متنا وتركنا هؤلاء يعربدون ويسبون الرسول ﵊، ماذا سيقول الجيل الذي يأتي بعد ذلك؟ ويتهموننا بخيانة الأمانة، ولذلك هذه مسألة خطيرة. فلابد لكل مسلم أن يكون له انتماء، ومن حسنات هذه المصيبة الفادحة أنها ألهبت شعور العوام، كان هناك أناس غارقون في هم الدنيا؛ فصار الإسلام قضية بالنسبة لهم! ولم يكونوا ليتحركوا أبداً مهما قلنا لهم، ومهما فعلنا معهم. يا قوم لا تتكلموا إن الكلام محرم نوموا ولا تستيقظوا ما فاز إلا النوم فهذه القضية تلهب الشعور، فالإسلام يجب أن يكون قضية، ولا بد أن نتكلم عن الإسلام كل يوم في البيت، لابد أن يكون هناك جزء من الوقت بين الرجل وامرأته يتكلمون فيه عن الإسلام وقضاياه. فعندما تفكر في مستقبل الولد ماذا سيفعل الولد؛ فكر في حال الأمة إن أمتنا تعاني، تعاني بعد سبعين سنة من الإهمال، ولذلك نحن نقول: المسألة مسألة وقت. فسب النبي ﷺ ورسمه على هذه الصورة لا يمكن أن يمر هكذا دون أن نفعل شيئاً، ونحن نناشد القيادات السياسية ونقول: نحن متأكدون أننا لو دخلنا في حرب فسننتصر، إن الله معنا، مهما كان معهم من الرؤوس النووية، لكن ادخلوا الحرب بالانتماء إلى الإسلام تغلبوا وتنتصروا. لقد مُرغت أنوفنا في التراب رغماً عنا خمسة عشر مليوناً يفعلون بألف مليون منتسب إلى الإسلام على عجره وبجره كل هذه الأفاعيل! ألا نستلهم القوة والانتماء من تصرف الجيل الأول؟ وكيف أنهم عزوا وسادوا؛ بحبهم للنبي ﵊، وكانوا يفدونه بالآباء والأمهات.

стр. 1207

جزاء من يسب الله ورسوله هذا هو جزاء من يهجو رسول الله؛ لأن الله ناصر لرسوله ودينه، فلو سبوه فإن الله متم نوره، ولو مدحوه فإن الله متم نوره، لكن من ينكث فإنما ينكث على نفسه. إن هذا الرجل قد آذى الله ورسوله، فانتدب له رسول الله ﷺ ثلة من الأوفياء لله ورسوله. إن مسألة الانتماء مسألة مهمة جداً، ولتكن نقطة الانطلاق والبدء هذا الحادث الأليم المفزع الذي ملأنا بالغيظ، وإن من علامات الانتماء: الغيرة أن يغار له وعليه. كان الولد يقتل أباه، والوالد يقتل ولده، كل هذا لأنهم ما كانوا يعرفون غير الإسلام أباً لهم. في صحيح ابن حبان أن النبي ﷺ مر على أجمة فيها عبد الله بن أبي ابن سلول -والأجمة: المكان المرتفع من الأشجار- فـ ابن سلول أول ما رأى النبي ﷺ سبه وقال: لقد غبر علينا ابن أبي كبشة. يعني: الرسول ﵊، وأبو كبشة هو جد النبي ﷺ لأمه -كما يقول ابن حبان - والعرب كانوا إذا انتقصوا رجلاً نسبوه إلى جد غامضٍ؛ لأنهم كانوا يفتخرون بالأنساب والأحساب، فعندما ينسبونه إلى جدٍ لا يعرف فكأنهم قد مزقوه، ومعي: (غبر علنيا): ضيع علينا الدنيا وأخذ منا السلطان، فسمع هذه الكلمة ابنه عبد الله، فهو عبد الله بن عبد الله بن أبي ابن سلول، فذهب إلى النبي ﷺ فقال له: (والذي بعثك بالحق لئن شئت لآتينك بعنقه)، مع أنه أبوه! وانظر الآن إلى هذه النماذج: الأب يكفر ويسب دين الله ليل نهار، ويصد عن سبيل الله ، والولد يخدمه فيما يريد من المعاصي، فإذا قلت له: لماذا تعمل هكذا يا بني؟! قال لك: إن أبي عنده مرض السكر والضغط، ولو أني تركت البيت ومشيت فسوف يموت مباشرة فليمت يا أخي!! ليستريح منه العباد والبلاد، إن الرسول ﵊ يقول: (إن العبد الفاجر إذا مات استراح منه البلاد والعباد، والشجر والدواب)، وهو في الصحيح. فهو عبدٌ مكروه كل شيء يكرهه، حتى الدواب تكرهه، فهو غير جدير بالحياة؛ لأنه فهو يسب الله وهو يرتع في خيره، ويصرف العبادة إلى غيره، والسب هو أعظم الأذى على الإطلاق. إن الصحابة ما كان يخطر ببالهم عشر معشار ما يفعله الجيل الآن، ما كان الأب يتردد أبداً في قتل الولد إذا كان عدواً لله ورسوله، مثلما حدث بين أبي بكر وابنٍ له، فبعدما أسلم ابنه قال له: لقد رأيتك في موقعة كذا في غزاة كذا وكنت إذا رأيتك اجتنبتك خشية أن يسبق سيفي إليك فأقتلك، فقال: أبو بكر: والله لو رأيتك لقتلتك لماذا؟ لأن الولاء والانتماء الأول هو لله ورسوله، ويأتي بعد ذلك أي ولاء وانتماء، فنحن نحب المؤمن لحبه لله ، ولحبه للنبي ﵊، لا نحب المؤمن لأنه جلد وعظم ولحم؛ لأنه لا فرق بينه وبين الكافر من هذه الحيثية، لكن كلما كان محباً لله ولرسوله ﷺ فإننا نواليه بقدر ما فيه من حب، ونعاديه بقدر ما فيه من جفاء وضعف، وهكذا كان الصحابة الأوائل. إننا نهيج بهذه الحكايات والقصص نفوس المسلمين، الذين يعانون من هذه المحنة العظيمة والفاقرة الشديدة والداهية الدهياء، وهي أن يسب النبي ﷺ ونحن نروح ونغدو، ونأكل ونشرب، ونتمتع مع الأولاد والنساء وكأن الأمر لا يعنينا!! لو حصل عشر معشار هذا في زمان أي خليفة من الخلفاء، والله لما أرضاهم إلا أن يستلبوا بلاد عدوهم كلها، فسبّ النبي ﵊ هو أعظم حدث. إننا نعرف أنهم يسبون النبي ﵊، ويسخرون منه؛ لكن أن يصرحوا بهذا، ثم يقومون بكتابة اسمه بالخط الفارسي الفصيح، وهو يرسم قرآناً ويمسك بالقلم ويكتب، وتوضع على المحلات المسلمة كلها، فيصبحون ويجدونها معلقة على أبواب محلاتهم، وتصور وكالات الأنباء هذا الحادث وتنشره بكل جرأة ووقاحة!! وكما هو متوقع وفي نفس اليوم اعتذر الرئيس الإسرائيلي، ولم نر أحداً من قادة العرب شجب واستنكر. وقالوا: مثلما قالوا في ذلك الرجل الذي قتل مائة في الحرم الإبراهيمي أن عقله مختل! وماذا سنفعل؟ ولكن سنأخذه ونضعه في مستشفى الأمراض النفسية، وانتهت القضية، وذهبت دماء الناس في الحرم الإبراهيمي هدراً!! وكذلك هذه الرسوم: البنت صغيرة وتذهب ولا ردة فعل وانظر في المذكرات التي ينشرها القادة العسكريون، يقولون: بعد حرب (٧٣) كان من ملامح هذه الحرب دشن الطائرات، وكانوا يصبون قنابل، وأطنان الذخائر ولا تؤثر، فأين هذه الطائرات وأين تختبئ؟! فهم يريدون أن يعرفوا دشن هذه الطائرات وكيف بنيت، والكلام هذا منشور. فقالوا: إن هناك واحد من العملاء في أحد المطارات يستطيع أن يعرف هذه الدشنة وشكلها، فدخل ورأى الدشن؛ لأنه كان يعمل في ورشة طائرات، فأراد أن يعرف بكم طن أو بكم كيلو من الممكن أن تفجر هذه الدشنة، فأتى برقم معين لا يمكن لدشنة أن تصمد أمامه، ولتمام الدور أتوا برجل من بلده إلى هنا على أنه يعاني من اكتئاب من يوم أن ماتت أمه أو من يوم أن ماتت أخته وهو يكلم نفسه ويهذي، وكل هذا من أجل إذا عمل العملية يقولون لقد كان مكتئباً، ونحن لم نقصد، فأتى بقدر معين من الذخائر لا يمكن لدشنة أن تصمد أمامه، وفجرها، وكان تفجيراً رهيباً. فلو وضع مثلاً ثلاثمائة كيلو في هذه العملية ولم تفجرها سوف يضعون مثلاً ستمائة؛ لأنه سيرى الخسائر المبدئية في الدشنة، فلو رأينا أن ستمائة كيلو مثلاً دمرت تسعين بالمائة أو سبعين بالمائة من الدشنة، إذاً إذا أرادوا الضرب سيضعون ستمائة أو تسعمائة أو ألف. وفي الأخير يخرج الولد وهو مكتئب إلخ، ويأتي فريق طبي من أكبر الأطباء الذين لا يخطر على البال أن يكذبوا، فيخدمون مخابرات بلادهم ويقولون لك: إن الولد عقله مختل، والحمد لله أنه لم يحرق المطار كله. فهكذا تطلع البنت صغيرة، وامسحوها فيّ هذه المرة!! وكذلك الولد الذي قتل المائة في الحرم الإبراهيمي هو مجنون وامسحوها فينا هذه المرة!! وهكذا. لقد أسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي ولو ناراً نفخت بها أضاءت ولكن أنت تنفخ في رماد أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين.

стр. 1208

الهجرة الهجر العزلة الولاء والبراء أصل من أصول الإسلام، فلا يتم إيمان عبد حتى يوالي أولياء الله، ويتبرأ من أعداء الله، ومن كل ما يعبد من دون الله وحتى تتم البراءة التامة من أعداء الله تعالى فقد شرع الله تعالى الهجرة من أرض الكفر إلى أرض الإسلام، وشرع الهجر لأعداء الله تعالى من الكفار والمشركين وأهل البدع، وكذلك الهجر للمعاصي وأهلها، ولكل شيء يخالف دين الإسلام.

стр. 1209

البراءة من أعداء الله ومن كل ما يعبد من دون الله إن الحمد لله، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. يعتبر أبو الوفاء ابن عقيل هو أحد علماء الحنابلة، عاش معظم حياته في القرن الخامس الهجري، ومات في أوائل القرن السادس، وهو صاحب أطول كتاب أُلف، لا أقول: في الإسلام فقط، ولكن في الدنيا كلها، فقد ذكر ابن رجب ﵀ في ذيل طبقات الحنابلة أن له كتاباً يسمى كتاب (الفنون) يقع في ثمانمائة مجلد، وكان واعظاً ماهراً، وعالماً أصولياً بارعاً، له كلمة حكيمة يقول فيها: (إذا أردت أن تعلم محل الإسلام من أهل الزمان، فلا تنظر إلى تزاحمهم على أبواب الجوامع، ولا تنظر إلى صراخهم في الموقف بـ (لبيك اللهم لبيك)، ولكن انظر إلى مواطأتهم لأعداء الشريعة). إذا رأيتهم يواطئون أعداء الله ورسوله، ويلقون إليهم بالمودة؛ فلا تغتر بزحامهم على أبواب الجوامع إنه يأتي يصلي في الصف الأول ويرتشي ويأتي يصلي في المسجد ويزني ويشرب الخمر، فلا تنظر إلى هذا الزحام، ولكن انظر إلى مواطأتهم لأعداء الشريعة. نحن اليوم مع ثلاثة نماذج هي آثار للبراء: الهجرة، والهجر، والعزلة هذه كلها نواتج للبراءة من أعداء الله ورسوله، وإنما ركزت عليها؛ لأن الولاء لا يكون إلا بعد براءة صحيحة، ألم تسمع إلى قول الله : ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا﴾ [البقرة:٢٥٦]، فقدم الكفر بالطاغوت على الإيمان بالله؛ إذ لا يستقيم إيمان بالله إلا بعد كفر بالطاغوت رجل عنده بقايا من الكفر بالطاغوت لا يؤمن بالله حق إيمانه، فيبدأ بتطهير قلبه أولاً، كمثل الإناء، فإذا كان في قعر الإناء بقايا طين فصببت فيه الماء الزلال تعكر الماء كله، كذلك إذا كان في القلب بقايا من الإيمان بالطاغوت فصببت فيه الإيمان بالله؛ تعكر الإيمان كله، فلا يسلم لك إيمانك إلا إذا كان القلب نقياً من الكفر بالطاغوت. إن مواطأة أعداء الشريعة أعظم جريمة يرتكبها المسلم؛ لأنها باب من أبواب الكفر، والرسول ﵊ عندما بايع جرير بن عبد الله حين جاءه مسلماً قال: (أبايعك على أن لا تشرك بالله شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتفارق المشركين)؛ وذلك لما لمخالطة المشركين من الأذية على القلب.

стр. 1210

مشروعية الهجرة إلى الله تعالى بترك الأهل والأوطان حتى تتم لذلك لتتم البراءة شرعت الهجرة، وشرع الهجر، وشرعت العزلة فأما الهجرة فنوعان: هجرة، وهجر. هجرة بالبدن، وهي: مفارقة الأرض والخلان والأخدان والإخوان, وهذا أعظم ما يفعله العبد المتبرئ من أعداء الله ؛ لمشقته على النفس، وأول من هاجر هو إبراهيم ﵇ ﴿وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [العنكبوت:٢٦] ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات:٩٩]، فشرعت الهجرة بعده؛ إذ أن الله امتن عليه بأن الحنيفية السمحة كانت على يديه ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل:١٢٣]، فسنت الهجرة بالبدن ومفارقة الأرض لكل مؤمن يدين بدين الحنيفية بعد إبراهيم ﵇. وهاجر لوط أيضاً، وهاجر نبينا ﵊ وأصحابه بإذنه قبل ذلك. ومن الخسة بمكان أن يربط المرء عواطفه بتراب، أبى الله للمسلم إلا الرفعة، فلا يربط المسلم نفسه بالتراب، حتى ولو كان أشرف مكان على وجه الأرض وهي مكة إن مكة وهي بلد الله الحرام، وهي أحب بلاد الله إلى الله، كانت يوماً ما دار كفر، تركها النبي ﷺ وهاجر منها، فالمسلم لا يرتبط بأرض أبداً؛ ولذلك قال الله : ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل:٤١ - ٤٢]، (والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا) أي: أخرجوا قسراً من أرضهم وأموالهم ظلماً وعدواناً لماذا تخرجه؟ لماذا تستحل ماله؟ لماذا تشرده؟ هذا ظلم، لكنهم هاجروا في الله من بعد ما ظلموا، (لنبوئنهم في الدنيا حسنة) والحسنة: هي التمكين في الأرض، (ولأجر الآخرة أكبر) إذا وافى ربه ، فقد أخذ الله على نفسه أنه من خرج من أرضه أن ﵎ يعزه ويوطئ له الأرض، (لنبوئنهم) اللام والنون المشددة للتأكيد، ولأجر الآخرة أكبر. ولذلك كان من تمام هجرة المسلمين إلى المدينة: أن النبي ﷺ منع المهاجر أن يظل في مكة بعد النسك أكثر من ثلاثة أيام، فقال للصحابة: (لا يحل لرجل هاجر من مكة إلى المدينة أن يرجع فيستوطن مكة مرة أخرى)، له ثلاثة أيام بعد النسك فقط، وبعدها لا يحل له أن يبقى في مكة؛ حتى لا يرجع في ما وهبه وفعله لله ، فهذه هي هجرة الصحابة ﵃. ولذلك يقول سعد بن أبي وقاص ﵁ لما مرض في حجة الوداع: (مرضت مرضاً أشرفت فيه على الموت، فعادني رسول الله ﷺ ، فلما رأيته بكيت. قال: ما يبكيك؟ فقلت له: أخشى أن أموت بمكة)، أي: يموت في الأرض التي هاجر منها، يريد أن يكون عمله لله ؛ لأن أمامه نموذجاً محزناً وهو سعد بن خولة، فقد مات ﵁ بمكة، فحزن عليه رسول الله ﷺ ، فلما رأى سعد بن أبي وقاص أنه مرض مرضاً شديداً خاف أن يموت بمكة ما خاف على أمواله، ولا خاف على بنته الوحيدة آنذاك، إنما خشي أن يموت بالأرض التي هاجر منها، فقال ﵊: (لعل الله أن يحييك فينتفع بك قوم ويضر بك آخرون، لكن البائس سعد بن خولة)، يرثي له رسول الله ﷺ أن مات بمكة، ووصفه بالبائس لأنه مات بمكة. كل هذا حتى يبقى العمل لله ، فلا يلوث بالتراب؛ لأنه ليس من عقائدنا التمسك بالأرض، فهذه الأرض التي ولدت فيها إن عجزت أن تطيع الله فيها فيجب عليك الهجرة، لا تقل: بلدي التي ولدت فيها، فما هذا من قول المسلمين، والنبي ﷺ لما التفت إلى مكة وقال: (والله إنك لأحب أرض الله إلى الله، وأحب أرض الله إلي)؛ لم يكن يمجد الأرض كما يمجدونها الآن، وكما يستغلون هذا الحديث استغلالاً خطأً، فيزعمون أن النبي ﷺ كان يحب مكة ويحب الأرض لا والله، إنما قال: (إنك لأحب أرض الله إلى الله)، فلذلك هي أحب الأرض إلينا وإن لم نكن من أهلها؛ لأنها أحب الديار إلى الله، فكذلك هي أحب الديار إلينا. إنما حقر النبي ﷺ التمسك بالأرض ليخف وقع البلاء عليه، فإذا فارقت بلدك وفارقت ملاعب صباك، وفارقت أموالك التي أنفقت فيها شطر عمرك، فيقول لك: لا تحزن، ليخف البلاء عليك إذا فارقت وطنك. الهجرة بالبدن من أرض الكفر إلى أرض الإسلام واجبة، ومن الديار التي تقام فيها شعائر أهل البدع إلى الديار التي تقام فيها السنة واجبة، وكذلك تشرع الهجرة من البلد التي غلب على أهلها كسب الحرام. وكل هذا بحسب طاقة الإنسان، فإن كل واجب إنما يكون بحسب الطاقة.

стр. 1211

الهجر أحكامه وأنواعه إن عجزت أن تخرج من بلدك، وعجزت أن تفارق بالبدن، ولم تستطع أن تحقق الهجرة، فما بقي إلا الهجر. واعلم أن أصل الهجر بين المسلمين حرام، وقد صح عن عائشة ﵂ وأنس وابن عمر وأبي هريرة وابن مسعود وجماعة من الصحابة يزيد عددهم عن عشرة أن النبي ﷺ نهى المسلمين أن يتهاجرا فوق ثلاثة أيام، فقال: (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام)، وهذا الهجر محرم بإجماع العلماء. والهجر المحرم هو الهجر لأجل الدنيا، أن تهجر أخاك للدنيا المحضة، لا لسبب شرعي، فإن هذا لا يحل ولا يجوز. وقد تهاجر اثنان فكتب أحدهما إلى الآخر: يا سيدي عندك لي مظلمة فاستفت فيها ابن أبي خيثمه لحديث يرويه عن شيخه قال روى الضحاك عن عكرمه عن ابن عباس عن المصطفى نبينا المبعوث بالمرحمه إن صدود الإلف عن إلفه فوق ثلاث ربنا حرمه فعاده ووصل رحمه. وهكذا كان أهل العلم، ففي الدنيا لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث على الإطلاق. إن التباغض الحادث بين المؤمنين لا يقطع أخوة الإيمان قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:٩ - ١٠]، هكذا ذكرت الأخوة بعد البغضاء والشحناء، فكذلك أخوك المسلم ينبغي أن تواليه وإن كان بينك وبينه مظلمة، ولا يحل لك أن توالي الكافر وإن أحسن إليك، فإذا أساء إليك أخوك فينبغي أن تواليه؛ لأن أخوة الإيمان لا تنقطع بالمشاحنات، ولذلك مع هذا التهاجر والاقتتال وصفهم الله بالإيمان ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات:٩]، فكل إنسان نواليه على قدر ما فيه من المحبة لله ورسوله، ونعاديه على قدر ما فيه من الذنب والمعصية والبدع، وأصل الهجر بين المسلمين حرام. وينقطع الهجر بالسلام والكلام، قال النبي ﷺ في آخر الحديث: (يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام)، لكن إذا كان الهجر لسبب شرعي فهو جائز إلى آخر العمر، فيجوز لك أن تقطعه إلى آخر العمر، لكن هذا أيضاً له ضوابط.

стр. 1212

العلم من شروط الهجر الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أيها الإخوة الكرام! الهجر نوع من الجهاد، وهو فرع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد اشترط العلماء في الآمر والناهي أن يكون عالماً بالمسألة التي سينكرها أو سيأمر بالمعروف فيها، فمن التبس عليه ذلك توقف. لقد رمانا أناس كثيرون في أول الالتزام بالخروج عن الإسلام؛ لأننا دللناهم على السنة الغائبة، وكانوا يزعمون أننا جئنا بدين جديد، فهل هم محقون؟ هل جئنا نحن بدين جديد أم أنهم أنكروا علينا بالجهل القديم؟ لقد أنكروا علينا بالجهل القديم، فهناك بعض المسائل الدقاق التي تخفى على طالب العلم فضلاً عن العوام. إذاً: قبل أن ينكر -فضلاً عن أن يهجر- لابد أن يكون عالماً بما يأمر به أو ينهى عنه. وهذا الهجر لا يختص بهجر الأبدان فقط؛ بل إنه يشمل كل ما يضاد الله ورسوله ودينه؛ كهجر المجلات الخليعة، والصحف الوقحة التي تناوئ الإسلام، مثل صحيفة الدستور، والمجلات الفاجرة التي تنادي جهرةً بتنحية شريعة الله ، ويقولون: ما تأخرنا إلا بسبب تحكيم الشريعة والعجب أنهم يصرحون بذلك ويرجعون إلى بيوتهم آمنين مطمئنين! هذا هو العجب العجاب! إنني أقرأ كلام بعض هؤلاء فأحس بدبيب الأفاعي تحت السطور، وأرى حيات لجلدها حفيف ولأنيابها جرش من خلف السطور! إنما أرسلوا هذه الحيات والأفاعي من بنات أفكارهم ليغتالوا قلوبنا وأفكارنا، وليشككوا في انتمائنا للإسلام كمثل كشيش أفعى أجمعت لعضي فهي تحك بعضها ببعض هذا هو كلامهم، لاسيما أن أكثر الذين يتعاطون هذه الصحف والمجلات ليسوا من الدعاة حتى يقول: أنا أقرأ لكي أرد إنما هم من العوام، وقد يقال: لو أن داعية ترخص واشترى مجلة من هذه المجلات؛ ليعلم حقيقة الحرب الدائرة على الإسلام، ويبصر الجماهير بما يحاك لها في الظلام، قد يقال: إن هذا جائز؛ كما أنه أجيز لأهل الإسلام أن يقرءوا التوراة والإنجيل ليردوا على أهل الكتاب، وأبيح للعلماء أن يقرءوا كتب أهل البدع ليردوا عليهم من كتبهم، وقد نبغ عندنا علماء أجلاء كانوا أفقه لدين النصرانية من لمباشنودا، والذي يقرأ كتاب الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، لشيخ الإسلام ابن تيمية؛ يعرف قدر هذا الشيخ، وقدر فهمه للنصرانية. يقول ابن كثير ﵀ في أحداث سنة بضع وسبعمائة: إنه قابل أحد القساوسة، الذين هم البطاركة الكبار الذين يشار إليهم بالبنان، قال: فجادلته في دينه، فرأيته يفهم من دينه شيئاً سبحان الله! يفهم من دينه شيئاً! إذاً ابن كثير كان أعلم منه بالنصرانية، فقد كان هؤلاء العلماء وعلى رأسهم شيخ الإسلام ابن تيمية ينقلون من الإنجيل ويحاججون هؤلاء بإنجيلهم. فإذا جاز للمسلم أن يفعل ذلك لغرض المصلحة الراجحة، فلا يحل للعوام الذين لا ينتصبون للرد على هؤلاء أن يقرءوا مثل هذا، ولا يشتروا مثل هذه الصحف؛ لما يخشى عليهم من تزيين العبارات، والرسول ﵊ عندما رأى صحيفةً من التوراة في يد عمر قال: (ما هذا يا عمر؟ قال: صحيفة من التوراة كتبها لي رجل يهودي. فغضب رسول الله ﷺ ، وعلت وجهه حمرة، وكان إذا غضب كأنما فقئ في وجهه حب الرمان، وقال: أمتهوكون في يا ابن الخطاب؟! -أي: أمتحيرون؟ - والله لقد جئتكم بها بيضاء ناصعة، والذي نفسي بيده لو كان موسى حياً ما حل له إلا اتباعي)، لِمَ يخشى على مثل عمر أن تكون هناك عبارة منمقة مزينة تخترق قلبه. وكما قال سفيان الثوري: القلوب ضعيفة والشبهة خطافة. نسأل الله ﵎ أن يعصم قلوبنا من الشيطان وشبه أولياء الشيطان، اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين. اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا. رب آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا، إنك نعم المولى ونعم النصر.

стр. 1213

الزجر بالهجر تابع للمصلحة والمفسدة (الزجر بالهجر) قاعدة نص عليها العلماء، لكنها تدور مع المصلحة، والزجر: أن تزجر العاصي والمبتدع بهجره، هذا هو معنى قول العلماء: (الزجر بالهجر) مثلاً: رجل عاصٍ تؤدبه امرأة ناشز تؤدبها بالهجر مبتدع تؤدبه بالهجر، وكل هذا في إطار المصلحة الراجحة، فإن النبي ﷺ الذي قال: (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام) هجر ثلاثة من خيار المؤمنين خمسين ليلة، هجر كعب بن مالك، وهلال بن أمية الواقفي، ومرارة بن الربيع؛ لما تخلفوا عن غزوة تبوك، بل قال كعب: (وكنت آتيه في مجلسه فألقي ﵇، فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام أم لا؟) ونهى النبي ﷺ المسلمين أن يكلموا هؤلاء الثلاثة. وأيهما أولى بالهجر: كعب بن مالك أم عبد الله بن أبي ابن سلول؟ وهو رأس المنافقين، الذي تولى كبر حديث الإفك، ورمى السيدة العفيفة الطاهرة عائشة بالزنا، أيهما أولى أن يهجر، وأن يضيق عليه الخناق، وأن يؤدب؟ أليس هذا المنافق رأس المنافقين أولى بذلك؟! ومع ذلك قيل للنبي ﷺ : (يا رسول الله! أفلا نقتله؟ قال: معاذ الله أن يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه)، وعاش هذا الرجل، وقد صان دمه وعرضه وحياته بإظهار كلمة الإسلام، ومات فصلى عليه النبي ﷺ ودفنه؛ بل وكفنه ببردة له، وليس ذلك بنافعه عند الله، كونه يتدثر ببردة النبي ﵊؛ لأن صلة الرحم أقوى من البردة، ومع ذلك فإن أبا لهب لم ينفعه أنه كان عم النبي ﵊، قال النبي ﷺ : (يا صفية! عمة رسول الله! اعملي، فأني لا أملك لك من الله شيئاً، يا فاطمة! بنت محمد! اعملي، فأني لا أملك لك من الله شيئاً)، فإذا كانت صلة الأرحام لا تنفع؛ فالبردة لا تنفع من باب أولى، ومع ذلك صلى عليه، ودفنه، وسجاه ببردته وهذا يدلنا على أن مسألة الهجر خاضعة للمصلحة، فإن المسلم إذا هجرته إنما وكلته إلى دينه. يقول سعد بن أبي وقاص ﵁: (بينما أنا مع النبي ﷺ إذ جاء رجل، فأعطاه عطاء، فقال: يا رسول الله! أعطيت فلاناً كذا وكذا، وإنه لمؤمن. فقال له النبي ﷺ : أو مسلم، ثم قال ﵊: إني لأعطي الرجل العطاء، وأذر من هو أحب إلي منه، أدعهم لإيمانهم)، إذاً: أخوك المؤمن لو هجرته وغلظت عليه فإنك تعلم أنك ستعود إليه ويعصمه إيمانه من الفجور في الخصوم. وفي معجم الطبراني الكبير بسند قوي عن سالم بن عبد الله بن عمر قال: (عرست في زمان أبي -أي: تزوج- فآذن أبي الناس، ودعاهم إلى وليمة العرس، وستروا البيت ببجاد أخضر -أي: شبيه بالستائر- قال: فجاء أبو أيوب الأنصاري، فلما رأى البجاد وقف، وتغير لونه، والتفت إلى أبي، وقال: أهكذا تسترون الجدر ببجاد أخضر؟! قال سالم: فاستحيا أبي وخفض رأسه -وابن عمر أحد السادة الورعين- وقال: يا أبا أيوب! غلبنا النساء -ماذا نعمل؟ هذا عمل الحريم! - فقال أبو أيوب: لئن خفنا أن يغلب النساء أحداً فلا يغلبنك، والله لا أكلت لكم طعاماً أبداً، وخرج أبو أيوب ولم يحضر وليمة العرس). إنه يكل ذلك الهجر إلى عبد الله بن عمر وإلى إيمانه، فإن ابن عمر لا يفجر في الخصومة، بل سوف يذهب إليه ويترضاه لما بينهما من الإيمان والآصرة القوية، لكن إذا كان الرجل فاجراً، رقيق الدين، فإذا غلظت عليه فجر في الخصومة، وازداد بعداً من الالتزام، فليس هناك أي مصلحة في أن تفعل معه مثل ما فعل أبو أيوب مع ابن عمر، فالمسألة مرتبطة بالمصلحة والمفسدة، ولذلك تحتاج إلى فقيه، كثر التهاجر والصرم بيننا بسبب الجهل الواقع بين المسلمين، لا يتهاجر عالمان أبداً إلا على شيء ديني شرعي.

стр. 1214

الهجر لأجل التأديب الزجر بالهجر له درجات منها: التأديب، فإذا تجاوز ولدك حده، أو امرأتك، أو من لك عليه ولاية؛ جاز لك أن تهجره أكثر من ثلاثة أيام تأديباً، ولمعنى شرعي كما قلنا، كما روى البخاري في صحيحه من حديث عروة بن الزبير ﵁ قال: (باعت عائشة بيعاً أو قال: وهبت هبةً -وكانت عائشة كريمة، سخية اليد- فبلغ ذلك عبد الله بن الزبير وهو الأخ الأكبر لـ عروة بن الزبير، وهو ابن أسماء بنت أبي بكر أخت عائشة، فـ عائشة هي خالته، وقد كانت ﵂ سخية، وعبد الله بن الزبير كان فيه بخل، فلما علم أن عائشة ﵂ وهبت قطعة أرض كبيرة- فقال: لتنتهين عائشة أو لأحجرن عليها. فبلغ ذلك عائشة فقالت: أو قال ذلك؟ لله علي ألا أكلمه إلى أن أموت -نذرت: أي: نذراً واجب الوفاء-، فطال الهجر على عبد الله بن الزبير، واستشفع بطوب الأرض أن تكلمه عائشة، وكل ذلك وعائشة تأبى تمام الإباء -ولا يخفى ما لـ عائشة ﵂ من الفقه في دين الله ، فليست من النساء اللواتي يعتركن على الدنيا أو يهجرن للدنيا- فلما طال الهجر على عبد الله بن الزبير ذهب إلى المسور بن مخرمة، وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، وكلاهما من بني زهرة، فشكا إليهما، فقالا: نحتال لك حيلة، فجاءوا بعباءة واسعة، والمسور بن مخرمة واقف هنا، وعبد الرحمن هنا، وقالا له: ادخل في وسطنا، وتدثروا ثلاثتهم بالعباءة، ووقفوا على الباب عند عائشة واستأذنوا، قالت: من؟ قال: المسور وعبد الرحمن. فقالت: ادخلا، قالا: ندخل كلنا؟ قالت: ادخلوا كلكم، فدخلوا جميعاً، فدخل عبد الله بن الزبير ورفع الستر، ورمى نفسه على عائشة يقبلها وهو يعتذر، وهي تشيح عنه، يكلمها فلا تكلمه، ويتوسل إليها فلا تقبل توسله، والمسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن الأسود يناشدانها الله أن تكلمه، فما زالا بها حتى كلمته وسط دموعها الغزيرة، وهي تقول: إني نذرت والنذر شديد، ثم أعتقت عائشة ﵂ في ذلك أربعين رقبة حتى تتحلل من نذرها). يقول العلماء: هذا المثال يدل على جواز أن يهجر المرء تأديباً، لا سيما إذا كان لمعنى شرعي؛ لأنه لا يجوز لـ ابن الزبير أن يتدخل في هبة عائشة لغيرها، فإنه إذا ملك الإنسان ملكاً فهو حر في هبته أو بيعه، ولا يحل لأحد أن يفتات عليه، فهذه مرتبة من مراتب الهجر لمعنى شرعي. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

стр. 1215

الزجر بالهجر الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على رسوله الأمين، محمد وعلى آله وصحبه أجمعين إن الزجر بالهجر قاعدة من قواعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولو أن المسلمين امتثلوا هذه القاعدة لخف وقع المعصية في ديارهم، ولقل أهل البدع، لا سيما إذا كان للزاجر سلطان. أصحاب المحلات الذين يظنون أن العمال الذين يعملون عندهم ليسوا تحت مسئوليتهم نقول لهم: إن العامل إذا ترك الصلاة فهي في عنق صاحب المحل، لماذا يذهب أصحاب المحلات ويتركون محلاتهم وفيها العمال يعملون؟ لو أن هذا العامل أساء في العمل، أو أتلف بضائع المحل لأزاحه عن العمل، وليس بعيداً أن يقدمه للنيابة ويرفع ضده قضية إذا تبين له أنه سرق شيئاً من البضائع، أو إذا تأخر عن موعد فتح المحل مرة أو مرتين بما وقع في نفس صاحب المحل أن هذا الرجل مهمل، فإنه يستغني عن عمله؛ لأنه عق صاحب العمل، فإذا عق ربك ﵎ كيف ساغ وهان عليك أن يبقى معك مع هذا العقوق؟ لو أن كل صاحب محل اشترط على العامل أن يصلي الصلوات الخمس في جماعة لقضينا على هذا التهاون الذي نراه في ديار المسلمين. إن البيع وقت النداء يوم الجمعة محرم، قال العلماء: فكذلك البيع وقت النداء للصلوات الخمس؛ لجامع العلة المشتركة بين الحكمين. إذاً: لا يجوز أن تعقد صفقة بيع والمؤذن يؤذن، بل توقف عن كل شيء، كما توقف البيع إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة، قال الله : ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩] أي: اتركوه، وإذا أمر الله بترك شيء فإنه يكون حراماً، فكل أصحاب المحلات سيسألون عن هؤلاء العمال، فينبغي أن يُهجر، فإن العامل إذا علم أن عيشه سيقطع، وهو محتاج للوظيفة، فهو على استعداد أن يمسك ذيل بغلة السلطان في سبيل لقمة العيش، فإن البعض قد يرتشي ويعمل المحرمات، ويعتذر بأنه يريد أن يأكل لقمة العيش. فإذا كان في سبيل طلب لقمة العيش سوف يرتكب المحرمات، فحينما تأمره بتقوى الله والصلوات الخمس سوف يلقى هذا الأمر عنده -لو عنده مسحة إيمان وإسلام- قبولاً وراحة، فإنه سيريح نفسه من الشغل، ويغسل وجهه من العرق الذي عليه، فهي ساعة راحة بعد العمل المضني. فلو أن أصحاب المحلات فعلوا ذلك لفعلوا خيراً كبيراً، فكم تكلم الدعاة في هذا الأمر، وناشدوا أصحاب المحلات أن يتقوا الله في هذا الأمر، إننا نريد أن نرى المحلات مغلقة في وقت الصلاة، مكتوباً عليها عبارة (مغلق للصلاة)، نريد أن نرى هذه العبارة مرة أخرى، نريد أن نرى الناس كلهم يتوجهون إلى الصلاة، فلا بيع ولا شراء. وأنت على ما عودت الزبون، ولي تجربة في هذا الأمر، ففي مطلع الثمانينيات عندما كنت أشتغل في بقالة في مدينة نصر وفي المنطقة الأولى -في منطقة راقية- وكان هذا المحل له رواج؛ لأمانة صاحبه، ولأنه كان يأتي بأحسن البضاعة، فكنا نبيع بنحو ثلاثة آلاف جنيه في اليوم الواحد. المهم أن المنطقة الأولى هناك في مدينة نصر معروف أنها منطقة راقية، وفيها مسجد رابعة العدوية، الذي صار في مكان مسجد عمر مكرم، ومسجد عمر مكرم كان الناس إذا أرادوا أن يدخلوا أحداً الجنة -بزعمهم- يمرون بجنازته من عند مسجد عمر مكرم، وبعد أن ازدحم مكان هذا المسجد وتلوث بدخان السيارات وغيرها؛ استبدلوا مسجد رابعة العدوية بمسجد عمر مكرم. وهنا فائدة نحوية: وهي أن الباء في الاستبدال تلحق بالمتروك، فيقال: استبدلوا مسجد رابعة بمسجد عمر مكرم، ولذلك يقول العلماء: باء الاستبدال إنما تلتحق بالشيء المتروك، فلو كان عندك ثياب أسمال بالية، وأتيت بقميص جديد، وأردت أن تعبر أنك استبدلت هذا القميص بهذا القميص، فتقول: استبدلت الثوب الجديد بثوب قديم. فالباء هذه تلصق بالشيء الذي تركته، قال الله ﵎: ﴿وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ [النساء:٢]، فهم تركوا الشيء الطيب، وقال تعالى: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ [البقرة:٦١] وهم هنا تركوا الخير، الذي هو المن والسلوى، ولذلك جاءت الباء في ((الذي هو خير)) واسمها (باء الاستبدال). فالمهم: أن هذا المسجد صار المسجد الرسمي الذي تأتي منه الجنائز العسكرية وهذا كله لأن الحي راقٍ، فأول ما بدأت العمل كان المحل يزدحم في أوقات الصلوات، والشيطان يزيد العمل والرزق يكثر، وكيف تترك الزبائن؟ وسوف تصلي بعد قليل وهكذا. فقلت لصاحب المحل -وهو رجل أحسبه من المؤمنين المخلصين، ولا أزكيه على الله قلت له: إنه لا يجوز البيع وقت النداء، فقال: الزبائن كثير، وكلهم أناس أكابر، ومستواهم عالٍ، وسوف يغضبون علينا، وأنا من سنة سبعة وستين وأنا على هذا الحال فقلت له: نبدأ ونجرب، فأول ما يؤذن نوقف البيع، وبدأنا في هذا الأمر، فأتى إلينا رجل في وقت الأذان، فقلت له: لا بيع ولا شراء، أنت الآن تسمع الأذان، (الله أكبر) يعني: الله أكبر من البيع والشراء والفلوس ومن كل شيء، فقال: ولماذا؟ أين صاحب المحل؟ قلت له: صاحب المحل سبقني، ذهب يتوضأ، وأنا لن أبيع، وكان هناك ثلاثة أو أربعة أو خمسة فخرجوا من المحل. الشيء العصيب هو أننا رجعنا من المسجد ووجدناهم واقفين في باب المحل! لم يذهبوا ليصلوا معنا، فهذه آية من الله أن رزقك منتظر لك، مع أن هناك عدة محلات، من الممكن أن يأخذهم الغيظ فيشترون من أي محل آخر، ولا يرجعون إلى هذا المحل على الإطلاق، لكن الأمر كما قال الله : ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود:٥٦]، فإذا قدر الله عليه أن يقف هنا فسوف يقف؛ لأن الله أخذ بناصيته، والمال الذي معه قد كتب لي ثم استمرت هذه المسألة ولم نجد كبير عناء، إلا شيئاً يسيراً في البداية، وبعد نحو شهر أو شهرين كان إذا أذن المؤذن لم نجد أحداً لماذا؟ لأنه كان إذا أراد أحد أن يشتري شيئاً ينظر إلى الساعة أولاً، يقول لي أحدهم: كنت إذا أردت أن أرسل البنت أنظر إلى الساعة، فإذا وجدت أن الظهر قد اقترب فلا أدعها تذهب. فنحن نناشد أصحاب المحلات نناشدهم الله الذي هو أقوى من سلطة القانون، عندما يسمعون الأذان أن يغلقوا المحلات، ويصطحبوا العمال للصلاة، وإذا ثبت أن العامل تهرب، وجلس يدخن في دورة المياه وقت الصلاة، فعليه أن يفصله من العمل، فإن الذي يخون الله لن يكون أميناً في عمله على الإطلاق يخون الملك العلام، القوي، القادر عليه، وبكل جرأه وبجاحة، ولا يؤثر فيه إطلاقاً أي تأثير، فهل تتصور أنه سيعمل لك حساباً؟ لا والله، هذا خائن ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال:٢٧]. فالزجر بالهجر عن طريق المشاحاة، وعن طريق قطع الحوافز، بل عن طريق الفصل الجذري، هذا يعيد لنا بهاء المجتمع الإسلامي، فينبغي لنا استخدام قاعدة الزجر بالهجر حتى تقل المعاصي واللامبالاة الموجودة في المجتمع. والداعية إلى الله لابد أن يكون لطيفاً وظريفاً وخفيفاً، ودائماً يقول كلاماً حسناً، لكنه أحياناً يحتاج إلى أن يستخدم المشرط مع بعض الناس. اتصل بي أحدهم فقال: أنا أريد فلاناً. قلت: أنا فلان. قال: صلِّ على النبي. ﵊، طيب زيد النبي صلاة. ﵊، وحد الله قلت: لا إله إلا الله. قال: انظر أنا طلقت طلقات ليس لها عدد، وأريد أن أعرف هل أنا أعيش الآن في حلال أم في حرام؟ قلت له: أنت تعيش في حرام، وهذه لا تحتاج إلى مفتي. فقال: وهل أنا تكلمت؟ قلت له: نعم، تقول لي: إنك طلقت طلقات ليس لها عدد، والطلقات إنما هي ثلاث فقط، فلو أنك طلقت ثلاث مرات لحرمت عليك امرأتك، وأنت الآن تقول: إنها طلقات ليس لها عدد، ثم تأتي وتسألني: أأنا في حلال أم حرام! فقال: احلم علي واسمع مني هذا الكلام قلت لها في المرة الأولى: هات كوب الشاي، فلم تأت به، فقلت لها: أنت طالق. قلت: وقعت ثم قال: وقلت لها: اعملي كذا وإلا فأنت طالق، وغير ذلك من الأمور التافهة التي لا يمكن أن يعملها رجل عاقل إلخ ما دار بيني وبينه من كلام. فهل هناك أحد يستفتي في هذه المسألة ويسأل هل هو في حلال أم في حرام؟! وهذا السائل هل ينفع أن يكون أباً؟ أو يصلح أن يكون جديراً بلقب الأبوة؟! وهل يتصور أن ينجب هذا الرجل أبناءً حتى ينفعوه هو على الأقل؟ بل هل من الممكن أن ينفعوا أنفسهم؟! فهذا النمط من الناس إذا استفتاك أحدهم بهذه الصورة فإنه سيضيع وقتك، فلا بأس أن تغلق السماعة ولا تكلمه؛ لأنك مضطر أحياناً لاستخدام مثل هذا: الزجر بالهجر.

стр. 1216

هجر المبتدع والعاصي لو أن رجلاً مبتدعاً ينشر بدعة في حيك، فلا تسلم عليه، وإذا كنت تعلم أن إلقاء السلام عليه لا يصده عن بدعته فسلم عليه، وتودد إليه، وأعطه بعض الهدايا، وزره في بيته، وأخبره أن هذا لا يحل، ولا يجوز، وابذل معه كل ما في وسعك، فإذا لم ينفع معه كل ما سبق فلم يبق لك إلا أن تهجره ولا تسلم عليه. فإذا قيل: إن هذا مسلم، أقول: أنا أعرف أنه مسلم، لكن الرسول ﵊ لما هجر كعب بن مالك كان كعب يلقي ﵇، يقول كعب: (فكنت أقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام أم لا؟) والرسول ﵊ لما أمر المسلمين ألا يكلموا هؤلاء الثلاثة، يقول كعب: (فلما شق علي هجر المسلمين ذهبت إلى حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي، وأحب الناس إلي، فتسورت الحائط، فوجدت أبا قتادة في بستانه، فألقيت ﵇، فوالله ما رد علي السلام، وأبو قتادة من خيار المسلمين، وكعب من خيار المسلمين، فهذا مسلم مع مسلم، فلا يقال إذاً: إن المسلم لا يجوز هجره أو عدم السلام عليه للمصلحة، لا، يقول كعب: (فألقيت ﵇، فوالله ما رد علي السلام. فقلت: يا أبا قتادة! نشدتك الله ألا تعلم أني أحب الله ورسوله؟ فقال: الله أعلم. ففاضت عيناي). فمسألة ترك السلام على المسلم مسألة مشروعة، طالما أن فيه المعنى الذي من أجله هجرته. إذاً: الزجر بالهجر يرفع البدعة من بيننا. ولو علم العصاة أنه لا محل لهم ولا عيش في ديار المسلمين؛ لاستخفوا بعصيانهم وراء الجدر، مثلاً: شارع نبوي المهندس هنا شارع قذر، موبوء، كل البذاءات والفواحش موجودة هناك رجال ونساء مختلطون، وأصوات الموسيقى في السيارات تصم الآذان، وأنا أتكلم عن الشارع وليس عن سكان الشارع، فإنه شارع قذر، وكل شارع يمارس فيه العصيان بغير نكير فأهله من تعساء الحظ، لأنهم متاخمون للمعاصي، وإني كلما مررت في هذا الشارع أستعيذ بالله ، حتى أصبحت لا أكاد أمر فيه من هول ما أرى بالنسبة لبلد كبلدنا. لا يوجد أحد يقول لي: يا أخي! نحن رضي الله عنا، هذا شارع الهرم والإسكندرية والمصيف والبلازا والكلام هذا؟ لا، نحن نقيس الشوارع بنظيرها عندنا، وفي الآخر محافظتنا تعتبر من الأرياف، ويعتبر إلى حد ما فيها الاستتار والحشمة أفضل من المدن الكبرى مثل القاهرة والإسكندرية والمنصورة وهذه البلاد، وهذا من رحمة الله أننا بادون في الأعراب، لا عندنا حضارة ولا مصايف ولا آثار ولا متاحف لكي نبتلى بالعراة الذين يلبسون الميني جب إلى فوق الركب ويأتون يفترجون، لكن هذا الشارع إذا قيس بنظائره من الشوارع الأخرى كان هذا في غاية القبح. فنحن نقول للآباء الذين عندهم سيارات: اتقوا الله ، ولا تعصوا الله بالنعمة، تعطي ابنك السيارة ويظل يلعب بها، وهو يشرب السيجارة، ويسمع الديسكو بأعلى صوت يصم الآذان هل هذا هو شكر النعمة؟ أعطاك الله رجلاً تمشي عليها، ثم أعطاك سيارةً تركبها وحرم غيرك من رجله ومن السيارة فأين شكر النعم؟! ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧]. إذاً: هجر أهل المعاصي يقلل من وجود المعصية، وكذلك هجر التعامل معهم أيضاً. فإذا كان هناك رجل غير ملتزم، ويتظاهر بالفسوق والعصيان، وعنده بقالة، أو محل ملابس، فلا تشتري منه، بل اذهب واشتر من عند الملتزم، فإن الملتزم إذا فتح الله عليه سيكفل أسراً جائعة، وسيخرج الزكاة من ماله، فكم من تجار خير فتحوا بيوتاً للفقراء والمساكين، جزاهم الله خيراً، وأسأل الله أن ينمي لهم أموالهم، وأن يبارك لهم فيها، فإذا قصدنا أحد هؤلاء التجار لكي يكسي عرياناً، أو يطعم جائعاً، أو يكفل أسرة فقيرة، فلن يتأخر أبداً. وعندما تذهب وتشتري من عند رجل ملتزم بضاعة أغلى مما هي عند الرجل الفاسق وتحتسبها لله ، يبارك لك فيها. كذلك إذا احتسبت القيمة الزائدة عند هذا الرجل؛ لأنه يزكي ويطعم الفقراء والمساكين، فقد تكون شريكاً له إذا ربح، فإن يد الله سحاء، ينفق بالليل والنهار، لا يغيضها شيء، كما قال النبي ﵊. كذلك من باب أولى اعتزال الصحف والمجلات الخليعة والمنحرفة، وليس هذا الأمر مقتصراً على الذين يهاجمون الإسلام بل هناك نمط من المفتين يخافون من أهل الفسق، فبدلاً من أن يفتوا بشرع الله تعالى فيوصفون بالإرهاب والتطرف والتشدد، يفتون الناس بغير شرع الله؛ بل يحللون الحرام ويحرمون الحلال والعياذ بالله! سئل بعضهم في مجلة الشباب -كما حدثني من أثق بنقلهم- عن التدخين: أحرام هو أم حلال؟ فقال: إذا كان الموظف مرتبه مائة جنيه فهو حرام عليه، لكن إذا كان دخله كبيراً فلا بأس بالتدخين!! أهذه فتوى؟ وعلى ضوئها نستطيع أن نقول: إذا كان الموظف مرتبه مائة جنية فلا يشرب الخمر، وإذا كان مرتبه أكثر فلا بأس أن يشرب الخمر!! فما هو أصل القياس الصحيح الذي يجعلنا نلحق هذا الدخان بالخمر، ولو من وجه أو وجهين؟! ولماذا لا يريد أن يقول: إن التدخين حرام؟ لو أن الأطباء اجتمعوا، وجميع منسوبي وزارة الصحة، وأخرجوا لنا تقريراً بأن التدخين مضر؛ فسوف نحرمه، ومع هذا فإن كل المجامع الطبية العالمية بما فيها المجامع المصرية في بلادنا، ووزارة الصحة، تقاريرها الرسمية وغير الرسمية تقول: إن التدخين مضر جداً بالصحة، وهذا الكلام يكتب على علب السجائر بأمر من القانون، وإلا فإن أصحاب المصانع لا يريدون كتابة هذه العبارة، لكنهم مجبورون من قبل القانون. إذاً: مذهب الدولة الرسمي في السجائر أنها ضارة جداً بالصحة، والمفتي الذي أفتى بهذه الفتوى له فتوى بتحريم الدخان، وهي موجودة عندي، لكنه يفتي كل سنة بفتوى ثم يتراجع عنها، كما أفتى في رمضان أن نصوم مع السعودية، ثم أفتى بأن لكل بلد مطلعه، وإلى الآن لم يبتوا فيها، مع أن المسألة عند أي رجل عنده قدر من أصول الشريعة، لا يتردد على الإطلاق في الأخذ باتحاد المقال، رعاية لمصالح المسلمين. فأنت عندما تشتري هذه الصحف وفيها مثل هذا الكلام، وتقرأ فيها مثل هذه الفتاوى التي لا يحكمها خطام ولا زمام، ولا ترجع إلى أصل صحيح، فمن حيث أردت الخير لدغك ثعبان، فلابد أن تصون نفسك ومالك، فبدلاً من أن تشتري هذه الصحف بأربعين قرشاً، تصدق بها على مسكين خير لك. والله الذي لا إله غيره لقد اتصلت بي في الأسبوع الماضي أسرة تبكي لأنها لا تجد شيئاًَ، ويبيتون على الطوى، ولا يوجد في البيت كسرة خبز، وليس عندهم رجل يعولهم، كلهم نساء، فعندما قلنا لبعض الناس: اذهبوا إلى البيت الفلاني واعملوا كذا قال: إن المرأة قبلت قدمه، وظل النساء يبكين طوال الفترة وهو يعطيهن ما يسد رمقهن ويشبع جوعتهن، وقد كانوا أصحاب عز، ولكن أباهم مات، والعم أكل الميراث في قصة معروفة، وبقيت المرأة وبناتها يبيتون على الطوى لا يجدون رغيف خبز يأكلونه. إذاً: الأربعون قرشاً سوف تشتري بها ثمانية أرغفة، وسوف تطعم بها أربعة أو خمسة جائعين، وتكون قد ادخرتها لنفسك، فأنفق من مالك فإن أولادك لن ينفعوك إذا لم يكونوا ملتزمين بأمر الله تعالى، إنهم سيختصمون في الميراث وأنت ما زلت جثة ساخنة، وبعد أن تدفن سيرجعون ويقتتلون على الميراث ولن يترحموا عليك. لقد حضرت مرة مشاجرة بين أصحاب ميراث، مع أن أباهم لم يكن له إلا أربعون يوماً منذ أن مات، وإذا بالولد يصيح ويغضب، ويريد الدنيا، ويريد أن يتزوج قبل تقسيم الميراث، ويريد كذلك سيارة أسوة بإخوته، ويقول: إن أباه ظالم، إنه كان يعطي لفلان وفلاناً وتركني، ولم أكن أعرف أنه سيموت، وإلا فإنه كان سيعطيني وأخته تقول له: يا أخي! هذا أبوك لم يمر عليه إلا أيام، فقال: الله يرحمه، لا تجعليني أغلط عليه!! فهل يستحق هذا الولد شربة ماء؟! هل يستحق أن تترك له جنيهاً واحداً؟! لقد حرم الأب نفسه من الطيبات والمأكولات والمشروبات، بل حتى من الصدقة؛ كي يورث لابنه شيئاً، وإذا به بعد موت أبيه يفعل هكذا!! فينبغي أن تكثر من صدقة السر؛ فإن هذا هو الحساب الجاري الذي ستتركه لنفسك، وعندما تموت سوف تلقى ما أنفقت أمامك، وأنت وحدك الذي ستنتفع به، وبهذا تكون قد تركت لأولادك شيئاً ونفعت نفسك أيضاً. إذاً: الزجر بالهجر ضرورة شرعية، نحن في أمس الحاجة إليها في هذا العصر، فابنك الذي لا يصلي لا تجلس معه، ولا يأكل معك على مائدة واحدة، ولا تسوي بينه وبين الذي يصلي في الهبة، فالولد الذي يصلي أعطه وأكرمه، والذي لا يصلي لا تعطه؛ لأن عطاءك إنما هو بالموالاة لله ، فمن كان ولياً لله واليناه، ومن كان عدواً لله عاديناه. وكما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: الولاء والبراء إنما هو على قدر الخير والشر في الإنسان، يوالى بقدر ما فيه من الخير، ويعادى ويهجر على قدر ما فيه من الشر. وإذا عرف ابنك أنك ستطرده، وأنك لن تسامحه على الإطلاق في مسألة ترك الصلاة، فهل سيتمادى؟ لا. إذاً: الزجر بالهجر قاعدة من قواعد الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر ينبغي أن نحييها في مجتمعاتنا. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين.

стр. 1217

الانتكاس الانتكاس مرض خطير، وله أسباب كثيرة، منها: ضغط المجتمع الفاسد، والكبر والغطرسة وعدم الخضوع لأوامر الإسلام، والذنوب والمعاصي كإطلاق النظر فيما حرم الله تعالى. وإن الثبات على دين الله تعالى هو علاج هذا المرض الخطير، ومما يعين على الثبات: الالتزام بالدين بعقيدة صادقة، والنظر في سير السلف الصالح رحمهم الله تعالى.

стр. 1218

خطورة الانتكاس عن دين الله تعالى إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها الإخوة الكرام: إنما يعرف قدر خطر العلة بشدة فتكها وكثرة ضحاياها المبتلين بها، فالطاعون -مثلاً- وهو (الكوليرا) من أخطر الأمراض وإن لم تكن أخطرها إطلاقاً؛ لكثرة ضحاياها، وإن الذين يموتون بها ألوف من البشر، وإنما قام العلاج أصلاً على دفع العلة لاستبقاء الإنسان، فإذا مات هذا الإنسان لم يعد للعلاج موضع ولا للنظر فيه محل. وإن من أخطر الأمراض على الإطلاق لشدة فتكها وكثرة ضحاياها: مرض الانتكاس بشعبتيه: الشعبة الأولى: الردة عن الدين كليةً، والشعبة الأخرى: ضعف الالتزام والتقهقر في التمسك بتعاليم الدين. والارتداد هو أعظم الانتكاس، والنكس: أن ينقلب الشيء على رأسه، وتخيل رجلاً وضع رأسه مكان قدمه، فهو يمشي على رأسه، فأنى يفلح مثل هذا الإنسان وهو منكوس مقلوب، فلم يعد لعقله موضع يسترشد به!! إن الارتداد عن دين الله ﵎ أعظم الانتكاسات جميعاً، وضعف التمسك بتعاليم الدين هو المرض الفاشي في عموم المسلمين.

стр. 1219

ثبات الصحابة على دين الله تعالى إن الثبات على الأمر هو رأس العلاج كله إن الصحابة الأوائل كانوا مستمسكين بهذا الدين، ويرون أن دينهم أولى بالحفاظ من دمائهم ولحومهم. وقد أخذوا هذا التمسك وعدم التفريط من النبي ﷺ ، فقد جاء في حديث الحديبية -وهو حديث عظيم اشتمل على حكم باهرة ويحتاج أن يذكر به المسلمون دائماً- لما أراد النبي ﷺ أن يعتمر هو وأصحابه وصدتهم قريش عن البيت، وحصلت المفاوضات، جاء بديل بن ورقاء مندوباً عن قريش يفاوض النبي ﷺ ، فقال له ﵊ كلاماً فصلاً واضحاً، قال: (إنا لم نجئ لقتال)، وكان النبي ﷺ سيد الأوفياء، لا يغدر ولا يعرف الغدر أبداً، قال: (ما جئنا لقتال، إنما جئنا آمّين البيت، وإن قريشاً قد أنهكتهم الحرب وأضرت بهم، فإن شاءوا ماددتهم مدة)، وإنما قال هذا وهو واثق من أصحابه، إن قريشاً برغم كثرة عددها وعدتها وأموالها قد أنهكتهم الحرب، والذي أنهكهم هم هؤلاء الذين قال فيهم عروة بن مسعود: ما أرى حولك إلا أوباشاً خليقاً أن يفروا ويدعوك، لقد كانوا قلة، فقراء، جوعى ومع ذلك أدبوا قريشاً، ونحن على استعداد أن ندخل مع قريش في جولات وجولات إذا صدونا عن البيت. (إن قريشاً قد أنهكتهم الحرب وأضرت بهم، فإن شاءوا ماددتهم مدة، وإلا فقد جموا -أي: تعبوا- وليس لهم بنا طاقة، فإن أظهر -أي: يظهر أمري- فإن شاءوا دخلوا مع الناس، وإلا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على هذا الأمر حتى تنفرج سالفتي)، والسالفة: صفحة العنق، أي: سأقاتلهم حتى لو بقيت وحدي ولا أدع هذا الأمر. هذا هو الثبات الذي ورثه أصحابه منه، ففي نفس الحديث لما جاء سهيل بن عمرو وأراد أن يكتب مع النبي ﷺ صيغة الكتاب، كان من جملة ما كتب: وإذا جاءك رجل منا وإن كان على دينك رددته إلينا، وإن جاءنا رجل منكم ترك دينه لا نرده إليك، فصاح الصحابة وقالوا: سبحان الله! كيف يأتينا مسلم فنرده؟! فلم يكد يكتب هذا الشرط حتى جاء أبو جندل، وهو ابن سهيل بن عمرو الذي يكتب الكتاب مع النبي ﵊، وكان قد أسلم، فعذبه أبوه عذاباً شديداً في الله، ولم يترك دينه، ولم ينكث على عقبيه، ولم يتخلَّ عن دينه، فقيده بالحديد ورماه في سجن، فاستطاع أبو جندل أن يفك بعض قيوده، ولكنه لم يستطع أن يفك الحديد كله، وجاء من أسفل مكة إلى الحديبية -وهي مسافة بعيدة- يجر أغلاله وقيوده، حتى جاء فألقى نفسه بين أيدي المسلمين، وكان قد عُذب في الله عذباً شديداً، فعندما رأى سهيل بن عمرو ابنه أبا جندل قال: يا محمد! هذا أول ما أقاضيك به، أي: نحن لازلنا نتكلم: إذا جاءك رجل منا وكان على دينك ترده إلينا، فقال ﵊: (إنا لم نفض الكتاب بعد -أي: ما كتبناه- قال: لا. قال: فأجده لي -أي: اتركه لي نستثنيه من الكتاب- قال: لا أفعل، إذاً: لا نكتب كتاباً، فأمره النبي ﷺ أن يرجع). فحينئذٍ صاح المسلمون وقالوا: سبحان الله! يأتينا مسلماً ونرده إلى الكافرين! وانبرى عمر وقال: (يا رسول الله! ألسنا على الحق؟ قال: بلى. قال: أليس عدونا على الباطل؟ قال: بلى. قال: فلم نعطي الدنية في ديننا؟ فقال: أنا رسول الله، ولست أعصيه، وهو ناصري)، ولم يقتنع عمر بهذا، فحار، وهذا موقف يدع الحليم حيران. وفي الصحيح أيضاً من حديث سهل بن سعد أنه قال للناس يوم صفين في قتال علي بن أبي طالب: (أيها الناس! اتهموا رأيكم، فلقد رأيتني يوم أبي جندل ولو استطعت أن أرد كلام النبي ﷺ لفعلت)؛ لأنه قال له: ارجع. ضع نفسك مكان الصحابة: رجل جاء من أسفل مكة يجر قيوده مسلماً، وقد عذب العذاب الأليم في الله فلم يترك، بل دفعه قلبه وهمته العالية أن يتخلص من بعض أغلاله ويمشي هذه المسافة الطويلة يجرها، إن الإسلام تغلغل حتى مس شغاف قلبه؛ فرأى أن هذا الدين لا يباع، وأنها ساعة بعدها يحط المسلم رحله في الجنة وينسى بؤسه قط، قال ﷺ : (يؤتى بأبأس أهل الأرض فيغمس في الجنة غمسة واحدة، ثم يقال له: هل رأيت بؤساً قط؟ فيقول: لا وعزتك ما رأيت بؤساً قط). لو كنت مكان هؤلاء الصحابة ولم يعصمك الله بالإيمان، لرغبت أن ترد كلام النبي صلى الله عليه، فقد راجع عمر النبي ﵊ وكان الجواب واضحاً: (أنا رسول الله، ولست أعصيه، وهو ناصري)، فذهب عمر إلى أبي بكر وقال: (يا أبا بكر! ألسنا على الحق؟ قال: بلى، قال: أليس عدونا على الباطل؟ قال: بلى. قال: فلم نعطي الدنية في ديننا؟ فقال له: هو رسول الله، وليس يعصيه، وهو ناصره فالزم غرزه)، أي: لا تبرح كلامه قيد أنملة، وأُمر أبو جندل بأن يرجع. ثم فر رجل آخر يقال له أبو بصير، ولحق بالنبي ﷺ ، فأرسلت قريش رجلين وراءه، فلما وصل أبو بصير -وكان قد عذب أيضاً- إلى النبي ﵊، فإذا بالرجلين على إثره، فقالوا: يا محمد! العهد الذي بيننا، يريدون أن يرجع معهم، فقال: كيف ترجعوني؟ فقال له النبي ﷺ : (ارجع)، فرجع أبو بصير، حتى إذا كانوا بذي الحليفة جلسوا يأكلون التمر وأبو بصير معهم، وكان مع أحدهما سيف، فجعل يتحدث عن سيفه، وأن هذا السيف جديد، وأنه قتل به كثير من الناس، وأخرج السيف من غمده يلمع مصقولاً، فقال له أبو بصير: ما أجود سيفك! هذا سيف جيد فعلاً، أرينيه! فأمكنه الرجل منه، فضرب عنقه، وفر الآخر راجعاً إلى المدينة، فلما رآه النبي ﷺ قال: (ويل أمه مسعر حرب لو كان معه رجال)، فقال أبو بصير: (يا رسول الله! قد وفى الله ذمتك، قلت لي: أرجع فرجعت، ولكن خلصني الله منهم)، فأمره النبي ﷺ أن يرجع، فلحق أبو بصير بسيف البحر. أي: ذهب إلى شاطئ البحر هو وأبو جندل، وكان كل رجل من المسلمين يسلم من قريش يلحق بهم؛ حتى أصبحوا عصابة على شاطئ البحر، فلا يسمعون بعير لقريش إلا هاجموهم وقتلوهم وأخذوا العير. فأرسلت قريش إلى النبي ﷺ تناشده الله والرحم أنه إذا خرج رجل مسلم من قريش فلا يرده؛ حتى يجنبوا قريشاً هذه الهلكة، وأنزل الله ﵎: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح:٢٤]. إننا نحتاج إلى هذه الدروس كي نثبت على دين الله .

стр. 1220

أسباب الانتكاس

стр. 1221

من أسباب الانتكاس: النظر المحرم إنك لا تدري بأي شيء تنتكس، فقد تنتكس بنظرة، كما حدث لـ برطيطة، وقصته عبرة لكل من أراد أن يعتبر، فقد هلك وكفر بالله العظيم بسبب نظرة واحدة فقط. ذكر أهل التفسير: أن إبليس جمع المردة -وهم أعتى الشياطين وأقواهم إغواءً لبني آدم- فقال: لقد تعبت من برطيطة، فمنذ أربعين سنة وأنا أحاول أن أضله فلا أستطيع، فمن يكفيني أمر هذا؟! فانبرى له مارد يقال له: الأبيض، وكان صاحب الأنبياء، أي: الذي يتبع الأنبياء، فقال: أنا أكفيك، فقال له: انطلق، فانطلق هذا الأبيض ولبس لباس الرهبان وذهب إلى صومعة برطيطة، وكان برطيطة يدخل في الصلاة فما يخرج منها إلا بعد عشرة أيام يصلي باستمرار، وكان يصوم في هذه العشرة الأيام، فعندما ذهب هذا المارد الأبيض نادى برطيطة فلم يلتفت إليه، فكبر وأخذ يصلي، وبعد عشرة أيام عندما خرج برطيطة من الصلاة نظر من الصومعة فإذا رجل له سمت حسن، ولحية جميلة، وعيونه مسبلة، وهو واقف لا يتحرك، فأعجبه سمته، فنادى عليه: من أنت؟ قال: أنا رجل أريد أن أتبعك فأقتبس من علمك، فقال: إني عنك في شغل، ودخل الصومعة وجلس عشرة أيام جديدة، وبعد العشرة الأيام نظر من الصومعة وإذا بالرجل واقف يصلي، فقال له: ماذا تريد؟ قال: أريد أن أتبعك فأقتبس من علمك، فكان برطيطة قد رآه عشرين يوماً يصلي، وهكذا ثم قال له: اصعد، فصعد، فدخلا في سباق العبادة فكان برطيطة يخرج من الصلاة كل عشرة أيام، أما ذلك المارد فقد نوى ألا يخرج من الصلاة أربعين يوماً، فكان برطيطة يصلي عشرة أيام ويسلّم، فيجد هذا ما زال واقفاً لا يتحرك، فيدخل في الصلاة مرة أخرى وهكذا، فاحتقر برطيطة نفسه أمام هذا الرجل وأمام عبادته، فقال له: أنت إذاً الأستاذ، فقال: لا. أنت الأستاذ، وأنا جئت كي أتعلم منك، قال: لا. بل أنت أجد وأشد وأعبد إلى آخره. فقال له المارد: أنا الآن مضطر لأنصرف عنك؛ لأن لي صاحباً آخر مثلك، فسأذهب لكي أعتكف معه عدة أيام، ولكن سأعلمك اسم الله الأعظم الذي إذا دعوت به أُجبت، فقال: لا تعلمني، فأنا في شغل، ولا أريد أن يأتي الناس إليَّ، قال: لابد أن أعلمك، وفعلاً علمه اسماً معيناً، وقال له: هذا اسم الله الأعظم! ثم بدأ الأبيض يصرع الناس، فيذهب إلى رجل فيصرعه فيصبح مريضاً، فيبحث أهله عن طبيب، فيأتي هذا المارد ويلبس لباس الأطباء ويذهب ويقول: أنا طبيب! ثم ينظر إلى المريض، فيقول: هذا مرض خطير ليس له علاج إلا عند شخص يدعى برطيطة، والشيطان يتلبس به ولا يتركه حتى يذهب المريض إلى برطيطة، فأول ما يقول كلمة السر يخرج الشيطان ويتركه مباشرة، ويرجع سليماً. ثم بدأ الأبيض يصرع الناس واحداً بعد الآخر، ويرشد كل واحد ليذهب إلى برطيطة، فعرف الناس كلهم برطيطة، وانشغل عن العبادة بالمال. فذهب هذا الأبيض إلى بنت ملك من الملوك وصرعها، وعمل نفسه طبيباً وذهب إليهم، وقال لهم: المرض صعب جداً، وهو مرض عضال، ولا يصلح له إلا برطيطة، فذهبوا إلى برطيطة، فقال: أنا لا أعالج النساء، وكان المارد قد أخبرهم بأنه سيرفض، قال: ولكن قولوا له: أقل الأحوال أن يضعها في هذا الغار بجانبك وتعهدها، وفعلاً وضعوها بجانبه في الغار، وتلبس بها الشيطان فسقط عنها ثوبها، فنظر إليها برطيطة فإذا هي من أجمل النساء، فوقع حبها في قلبه، ثم وقع عليها فحملت إلخ القصة. إذاً: لقد أهلكته نظرة واحدة لماذا؟! لأن الإنسان لا يدري متى ينفتح على الذنوب والمعاصي، فالقلب كالصندوق، وهو مِلْك الرب، فمن الممكن أن ينفتح على هذه الصورة ويغلق فتكون الفتنة، والعياذ بالله. سبحان الله! رجل يضع جهاز التلفاز يبث ليل نهار في بيته صور النساء الكاسيات العاريات المائلات المميلات، وينظر الساعات الطويلة إلى هذا التلفاز، ويمشي في غاية الأمان، فمن الذي أعطاه كل هذا الأمان؟! كيف يمشي هكذا وهو آمن على قلبه؟! هل هو ملك أم نبي مرسل؟! فهذا يوسف ﵇ قال: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف:٣٣]. يأتي أحدهم ويشتكي قسوة قلبه وجهاز التلفاز عنده في البيت ليل نهار، هذا داء، والدواء أن تحطمه وتخرجه من البيت، ولا تمكن نظرك ولا نظر أولادك من أن يقع عليه يا إخواننا! إن العلاج يحتاج إلى حزم، ولا تنظر ولا تسمع إلى لوم الناس؛ فإنهم لن ينفعوك أمام الله . لما مات الملك حسين في الأيام الماضية، وهو الذي بقي أطول مدة في الحكم، فقد حكم ستاً وأربعين سنة، فقلت في نفسي: هل ستقوم هذه السنين أمام أول ليلة في قبره؟ ست وأربعون سنة وهو ملك، لو وضعت في كفة فهل ستقوم بمبيت أول ليلة في قبره؟! إن الناس لن ينفعوك فانظر إلى الذي ينفعك، استعن بالله ولا تعجز، ولا يكونن أحدكم إمعة. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

стр. 1222

من أسباب الانتكاس: الكبر والغطرسة هناك رجل اسمه جبلة بن الأيهم، وكان آخر ملوك غسان من النصارى، وكان في الشام، جاء مسلماً في زمان عمر على قول؛ لأنه مختلف في إسلامه، فـ ابن عساكر وسعيد بن عبد العزيز وغيرهما يقولان: لم يسلم قط، وآخرون قالوا: بل أسلم! فبينما كان جبلة يمشي إذ وطئ ثوبه رجل من بني فزارة، فاستدار جبلة ولكمه لكمة هشمت أنفه، فما كان من الرجل إلا أن بادله اللكمة بلكمة، فجاءوا إلى عمر بن الخطاب يحتكمون وهما روايتان: الرواية الأولى: أن جبلة وطئ ثياب رجل من بني فزارة، فاستدار هذا الرجل الفزاري ولكمه لكمة في وجهه، فجاء جبلة بهذا الرجل إلى عمر بن الخطاب وقال له: لقد ضربني هذا، فقال له عمر: (الطمه بدلها، فقال: بل يقتل. قال: لا. قال: أو تقطع يده. قال: لا. فقال: بئس هذا الدين)، إنه يريد أن يجعل الدين تابعاً لهواه، والله ﵎ يقول: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام:٥٧]، ولأجل هذه الآية دارت رحا الحرب بين العرب وبين المسلمين: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام:٥٧] فما جاء الدين خاضعاً لهوى أحد، إنما جاء الدين ليَحكم لا ليُحكم، فالذين يلتزمون بهذا الدين ويريدون أن يفصلوه عن حاجاتهم وأهوائهم ومزاجهم لم يسلموا بعد، فلن يسلم الرجل حتى يستسلم، فهذا ضُرب وقد كان ملكاً عندما كان نصرانياً، وعقوبة من يضرب الملك معروفة، فهو يعترض ويقول: لم لا يقتل لأجل هذه الضربة أو تقطع يده؟! أقل القليل أن تقطع يده التي لطمني بها، فلما قال له عمر: لا، قال: بئس هذا الدين، وتنصّر. والرواية الثانية: أن جبلة وهو يطوف بالبيت داس على ثيابه رجل، فاستدار جبلة ولكمه، فذهب الرجل المظلوم الملكوم إلى عمر وقال: أقدني منه! فقال عمر: الطمه بدلها، فقال جبلة: أنا أضرب! قال عمر: نعم، تضرب. قال: أوجهي كوجه هذا المازني؟! أي: هل وجوهنا سواء؟! فأنا ضربته وهو ليس له قيمة، أما أنا فقد كنت ملكاً، فخدي ليس كخده حتى تستوي الضربتان، فقال له عمر: دع عنك هذا، إن الإسلام سوى بينك وبينه، ولا فضل لك عليه ولا له عليك إلا بالتقوى، فقال: ما كنت لأفعل هذا أبداً، قال: إن لم تفعل أخذت أنا منك، فلما رأى أن الأمر جدّ وأنه لا هزل فيه، قال: دعني أفكر، فلما كان في نصف الليل هرب والتحق بالروم وارتد. إذاً: على أي أساس أسلم جبلة إن كان أسلم؟! لقد دخل في الإسلام وهو يلبس ثوب الملوكية وثوب الكبر، وكان لابد عليه أن يطرح هذا الثوب، فإن هذا دين لا نظير له قط، دين سوى بين الناس جميعاً، قال النبي ﷺ : (المسلمون تتكافأ دماؤهم)، لا فضل لأمير على مأمور، الدماء كلها عند الله واحدة، فلو أن الأمير قتل كنَّاساً في الشارع فإنه يقتل به، فعلى أي أساس أسلم هذا الرجل؟! لقد أسلم على هوى وطمع، وأنه ملك ويريد أن يكون ملكاً، كمثل بعض الناس أصحاب الوجاهات حينما يلتزم بالدين يريد أن يكون وجيهاً أيضاً بين الملتزمين. مثلاً: بعض الفنانين والفنانات والمغنيين والمغنيات التائبين وأنا لا أقلل من توبتهم أو من رجوعهم، لكن هذا مرض فتاك وداء عضال ينبغي أن نظهره ولا نجامل في إخفائه، قبل توبتهم تعودوا على الشهرة، فإذا دخل أحدهم في مكان تعود على الحفاوة وأن كل الناس يقومون له ويحترمونه ويجلونه، ثم منَّ الله عليه بترك هذا المستنقع ونظف نفسه، وبدأ يدخل في دائرة الملتزمين، فيريد أن يكون مشهوراً أيضاً في دائرة الملتزمين، ويريد أن يقوم له الناس ويحترموه، ويضعوه في مكانه أيضاً. وهذا من عوامل الانتكاس، فإنه لم يتحقق بحقيقة الإيمان، والمفروض لأجل واقعه الأليم المرير الفائت أن يظل منكس الرأس طيلة عمره؛ ندماً على ذنبه الذي اقترفه، لاسيما أنه ذنب عظيم نسأل الله العافية، فكم من ممثلة تابت وقد كانت أيام التمثيل تمثل أفلام الجنس والدعارة والعشق على أقذر مستوى، ثم تابت، فما هو الحل وهي عارية في كل البيوت، فكل الناس عندهم الفيديو ويتفرجون على الأفلام؟! أرأيت إلى هذا الذنب ما أبشعه!! ربما لو زنى الرجل أو المرأة في حجرة مغلقة ثم تاب لكان أيسر؛ إنما التبعة إذا كان في بلد لا تقيم الحدود أو يستغفر ويفعل من البر ما يستطيع لعل الله أن يسقط الذنب عنه، وإذا كان في بلد تقيم الحدود وعرض نفسه للحد فقد طهر نفسه، لكن امرأة عارية في كل بيت فإن ذنبها عظيم، فكان من المفروض بمقتضى هذا الذنب أن تظل مطأطأة الرأس طيلة عمرها أو طيلة عمره، فكيف يريد أن يكون مشهوراً في الوسط الجديد الملتزم؟!! هذه آثام ينبغي للمرء أن يتخلص منها.

стр. 1223

من أسباب الانتكاس: الخضوع لضغط المجتمع الفاسد إن من أسباب الانتكاس: الخضوع لضغط المجتمع الفاسد، وإن الذي لا يحقق هذا الدين يضعف أمام الضغط المتواصل للمجتمع الفاسد، سواء كان الضغط من قبل الحكومات أو من قبل الأسر، والصحابة ﵃ في مسألة الإيمان والاعتقاد لم يكونوا يقيمون لأهليهم وزناً. فهذا سعد بن أبي وقاص ﵁، وكان من أبر الناس بأمه، بل كان يضرب به المثل في البر بأمه، فلما أسلم قالت له أمه: ما هذا الدين الذي أنت عليه؟! لا آكل ولا أشرب حتى ترجع عن دينك فأموت فتعير بي، فيقال: يا قاتل أمك! وفعلاً امتنعت من الأكل يومين أو ثلاثة، حتى كانوا إذا أرادوا أن يطعموها فغروا فمها بالعصا حتى تأكل، فقال لها سعد كلاماً واضحاً، معناه: (يا أماه! والله لو كان لكِ مائة نفس فخرجت نفساً نفساً ما تركت ديني، كلي أو دعي)، فلما لم تجد مناصاً أكلت. وكثير من الأهل يقاومون أولادهم مقاومة شديدة إذا أعفى الولد لحيته يحلف على أمه بالطلاق أو يطرده من البيت، وأنا أقول لك: اخرج من البيت، فهذه هجرة واجبة لا تنقطع إلى يوم القيامة، قال الله ﵎: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت:٥٦]، قال ابن جرير الطبري: ومعنى الآية: يا عبادي الذين آمنوا اعبدوني ولا تتركوا عبادتي، واخرجوا عمن منعكم مني، وقال: ويدل عليه قوله: ((فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ)) [العنكبوت:٥٦] أمر بتحقيق العبادة. إن خروجك من البيت هجرة لا تفرط فيها، وإن الأرض إذا ضاق منها موضع ففي الآخر متسع، ولا عذر له: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:٩٧]. أميطوا بني أمي صدور مطيكم فإني إلى قوم سواكم لأميل فقد حمت الحاجات والليل مقمر وشدت لطيات مطايا وأرحل وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى وفيها لمن خاف القلى متحول فالأرض واسعة، والمهم هو تحقيق عبودية الله ، ولا تنكث على عقبيك ولا تفرط، وافعل كما فعل الصحابة الأوائل فقد كانوا ثابتين على الحق المبين.

стр. 1224

أنموذج للمنتكسين الذين خالفوا تقاليد مجتمعهم لقد رأينا الذين دعوا إلى تحرير المرأة، أمثال هدى شعراوي، ودرية شفيق، وأمينة سعيد، وكل هؤلاء خالفوا المجتمع، وكان المجتمع يومئذٍ عليهم، ليس لأن المجتمع كان ملتزماً، ولكن لمخالفة العادات والتقاليد، فـ هدى شعراوي لما ذهبت إلى باريس وانحلت من العادات والتقاليد التي كان المجتمع متحلياً بها، وكان من ضمن تلك العادات آنذاك النقاب، وهو البرقع الذي تستر به المرأة وجهها، ولا زالت هذه العادات موجودة في بعض البلاد العربية، أن المرأة لا يراها أحد من أهل بلدها، فإذا ذهبت إلى لندن أو واشنطن أو باريس خلعت نقابها؛ لأنه عيب أن تُرى المرأة متنقبة في غير بلدها، لاسيما إذا كانت امرأة أمير، فلا تُرى أبداً في بلدها ولكن تتعرى في الخارج، فالمسألة مسألة عادات وليست مسألة التزام. فهذه المرأة عندما ذهبت إلى باريس وأثناء عودتها ذهب أبوها -وكان من الأثرياء- ومجموعة من الأثرياء ليستقبلوها وهي راجعة في السفينة، فإذا بالمرأة تنزل من السفينة سافرة الوجه، مكشوفة الشعر لقد ذهبت متنقبة ورجعت سافرة، فعندما رآها أبوها غضب ولم يتحمل هذا الموقف وانصرف وتركها، وكان المجتمع كله ضد هؤلاء، حتى إن واحدة ممن سميتهن أدلت بحديث وهي مفتخرة، أنها أول بنت لبست (شورتاً) في الجامعة! قالت: فاجتمع كل من في الجامعة ينظرون إليَّ، فقد كانت مسألة غريبة وعجيبة!! ورغم ذلك صبرن هؤلاء النساء على هذا بدعوى تحرير المرأة، وتحقيق مكاسب، وهي في الشرع آثام وليست مكاسب: (من سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة)، هذه آثام مركبة على صاحبها، جنى سيئة لم يعملها بيديه، فصبرن هؤلاء النسوة، وكن طلائع هذا السفور المزري الموجود في بلاد المسلمين، أفلا يكون في مقابل هؤلاء نساء صالحات يدعون النساء إلى الرجوع إلى البيت مرة أخرى، ويفدين هذا المبدأ بأنفسهن، ويكن طلائع هذا الفتح، لاسيما والشرع وكلام الله ورسوله يعطيهن من القوة ما لا يمكن أن تحرزه امرأة من هؤلاء اللواتي دعون إلى التبرج؟! ثم البائعون أصاحب المحلات، ألا يكون منهم من يكتب في وقت الصلوات (مغلق للصلاة) ويغلق الباب، ويأمر الذين يعملون معه أن يذهبوا إلى المسجد؛ لعله يفتتح هذه السنة على كل المحلات التي حوله! من الذي يفتتح مثل هذا ويجعله حسبة لله ، ويعلم أن الرزق لن يفوته على الإطلاق، وأن ما قدره الله كائن له لا محالة؟! من الذي يفتتح مثل هذا الباب ويفعله، ويكون على ثقة أن الله لن يضيعه، وأن رزقه لن ينقص ريالاً واحداً؟! إن الثبات على المبدأ لا يكون إلا بعد أن تعتقد هذا الدين، فإن كثيراً من الناس قد يلتزم؛ لأنه يحب الداعية الفلاني، فهو التزم لأجله، فإذا عامله -مثلاً- هذا الداعية بقسوة أو غلظة، فإن كان ملتحياً حلق لحيته، وإن كان يقيم الصلاة في المسجد ترك الصلاة فيه هذا انتكاس؛ لأنه ليس له مبدأ، فلم يثبت أبداًَ. إن بعض الناس لا يلتزم بهذا الدين إلا إذا أعطي شيئاً من متاع الدنيا، فإن أعطي شيئاً رضي والتزم بهذا الدين، وإن لم يعط ما يريد انتكس مرة أخرى: ﴿فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ [التوبة:٥٨]. وفي أمثال هؤلاء يقول النبي ﷺ في الحديث الذي رواه البخاري وابن ماجة وغيرهما من حديث أبي هريرة: (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، إن أُعطي رضي، وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش)، انظر إلى هذا الحديث العظيم الذي يصف شريحة من الناس لا يرجعون إلى الالتزام إلا بالمال. وهناك سهم في الزكاة هو سهم المؤلفة قلوبهم، فالرجل قد يأتي ليسلم لأجل المال، ولا مانع أن يعطى أمثال هؤلاء من أموال الزكاة، ولكن لابد أن يُتعاهدوا بالأمر والنهي، وهذا السهم لا زال قائماً، ولابد أن يمتحن ما بين الفينة والأخرى كي يُعلم التزامه. قال ﷺ : (تعس عبد الدينار)، ولم يقل: مالك الدينار، ولا مالك الدرهم، ولا مالك الخميصة، إنما قال: عبد، إشارة إلى هوانه، وأنه لا قيمة له، وأنه صار مملوكاً، وإذا كان عبد الدينار فلا بد أن يكون هناك مالك لهذا العبد، فمن الذي ملكه إذاً؟! إن الدرهم هو الذي ملكه، والخميصة هي التي ملكته، إذاً: صار الشيء مالكاً وصار هذا المالك عبداً: (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس وانتكس)، أي: نكص على عقبيه ورجع، (وإذا شيك فلا انتقش)، وهذا دعاء عليه، أي: إذا دخلت في قدمه شوكة فيا رب لا تخرجها، فلا انتقش ولا أخذ الشوكة أحد بالمنقاش، فهذا نمط من الناس إنما يرجع إلى الالتزام بالمال. وهناك نمط آخر يرجع إلى الالتزام بالمصيبة، فإذا أصيب رجع، ولكن سرعان ما ينتكس أمثال هؤلاء. إذاً: حسن التصور وأن تعرف أين موضع قدميك يعينك على الثبات، وضغط المجتمع المخالف من أقوى أسباب الوهن، وينتكس به كثير من الذين لم يتحققوا بواقع هذا الدين، أما الذين آمنوا به فإن هذا لا يزيدهم إلا ثباتاً، كما في حديث ابن عباس الذي رواه البخاري في صحيحه لما سأل هرقل أبا سفيان عن الذين دخلوا في الإسلام أول ما ظهر، فقال: (هل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد إذ دخل فيه؟ قال له: لا. فعلق هرقل قائلاً: كذلك الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب). فإذا دخل الإيمان وتخلل القلب فإنه يصير ملازماً له، لا يتركه، كذلك الذي يدخل في هذا الإسلام ولا يتركه سخطة لدينه، سواء ضرب، أو أخذ ماله، أو جلد، أو عذب كل هذا لا يكون حاملاً له على أن يترك دينه.

стр. 1225

نماذج للثابتين على دين الله تعالى الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. إن الخروج من ضغط المجتمع الفاسد، أو من ضغط الأسرة الفاسدة أو الجاهلة، لا يكون إلا بالنظر في أدلة الكتاب والسنة، وفي سير الأئمة الماضين.

стр. 1226

مصعب بن عمير ﵁ كان مصعب بن عمير ﵁، من أعطر شباب قريش، وكان يلبس الحرير، وكان ذا وجاهة بين أبويه وفي قومه، فلما أسلم ترك كل ذلك وفر إلى النبي ﷺ ، وكان من الرعيل الأول الذي دخل دار الأرقم، وهو أول سفير ومعلم وناشر للإسلام خارج حدود مكة، وكفاه شرفاً بذلك كفاك شرفاً أن تكون أول الداعين إلى خلة ماتت: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ [الحديد:١٠]، لا يستوي الذي أنفق في وقت عز فيه النصير، مع الذي نصر دين الله لما دخل الناس فيه أفواجاً، لا يستوون!! ولما رأى النبي ﷺ مصعب بن عمير -فيما ذكر- رث الثياب، بكى، وهو يذكر ماضيه، لكنه ترك ذلك محبة لله وطمعاً فيما عنده. روى البخاري عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ أنه قدم له طعام وكان صائماً، وذلك بعد أن استشهد مصعب ﵁ في غزوة أحد، فقال عبد الرحمن: (قتل مصعب بن عمير وهو خير مني، وكان عليه بردة إذا غطينا رأسه بدت رجلاه، وإذا غطينا رجله بدا رأسه، وقتل حمزة وهو خير مني فلا زال يذكر السالفين ويبكي حتى ترك الطعام) هذه هي الأسوة، والذي يتأسى هو عبد الرحمن بن عوف أحد السابقين الأولين من المهاجرين، لكنه يذكر إخوانه الذين سبقوه كم سقط على درب الإيمان من نبيل وكريم! ولا تجد على هذا الدرب إلا الرجال الأفذاذ، لا تجد منهم ضئيل القدر صغير الحجم أبداً، هذا الطريق لا تجد عليه إلا كل نبيل.

стр. 1227

ابن النابلسي وثباته على الدين أمام الخليفة العبيدي وهذا ابن النابلسي أحمد بن محمد بن سهل الرملي دعاه الخليفة العبيدي، وبنو عبيد كانوا قد غيروا الدين، وأزالوا الملة، وقتلوا الصالحين، فلما حضر ابن النابلسي الرملي قال له الخليفة: بلغني أنك تقول: إذا كان للرجل عشرة أسهم فيرمي فينا واحداً وفي الروم تسعة، فهل هذا الكلام صحيح؟ قال: لم أقل هكذا، بل قلت: يرمي فيكم تسعة ويرمي العاشر الروم، فإنكم غيرتم الملة، وقتلتم الصالحين. فأمر بيهودي فسلخه وهو حي -وهذه قصة صحيحة ومشهورة- فكان يذكر الله وهو يسلخ حتى وصل إلى رأسه، فقال ابن النابلسي: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ [الإسراء:٥٨]، وكان الدارقطني -إمام المسلمين في زمانه- إذا ذكر ابن النابلسي يبكي، كيف أنه جاد بنفسه! ومن أين له هذا الصبر؟! يسلخ حتى إذا وصل إلى رأسه قال: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ [الإسراء:٥٨]؟!! فما بدل ولا غير، والثابت من ثبته الله؛ ولذلك يشرع للمسلم أن يقول دائماً: لا حول ولا قوة إلا بالله. اخرج من حول نفسك وقل: رب! لا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا ما دونها، فإن الله يقول: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل:١٢٧]، أي: لا فضل لك إذا صبرت، إنما هو الله الذي صبّرك، والنبي ﷺ يقول: (إن الشهيد لا يشعر بوقع القتل إلا كما يشعر أحدكم بالقرصة)، أفيسلم الله أولياءه للناس؟! أفلا يري هؤلاء الأولياء كرامته وأنه لا يتخلى عنهم حتى يقوي قلوبهم على المضي في طريقه وسبيله! نسأل الله ﵎ أن يصبرنا على الاستمساك بدينه، اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين، اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا. رب آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا، وكل ذلك عندنا.

стр. 1228

مداخل الشيطان [١] إن أعظم ما يرجوه الشيطان من بني آدم هو وقوعهم في الشرك والكفر بشتى الطرق والوسائل. ولأهمية توحيد الألوهية الذي أشرك فيه كثير من الناس كان هو الفارق بين الجاهلية والإسلام، ومن أجله قام العداء، واشتعلت الحروب بين العرب والنبي ﷺ ، وكذلك الحرب القائمة اليوم بين اليهود والنصارى من جهة والمسلمين من جهة أخرى إنما هو حرب عقائد وأديان، بينما نجد من بني جلدتنا من يميع قضية الاهتمام بالتوحيد والدعوة إليه! ويدعو إلى حوار الحضارات، واقتراح الثقافات.

стр. 1229

التحذير من اتباع مذهب الشيطان إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدقَ الحديث كتابُ الله تعالى، وأحسنَ الهدي هديُ محمد ﵌، وشرَّ الأمور محدثاتُها، وكلَّ محدثة بدعةٌ، وكلَّ بدعة ضلالةٌ، وكلَّ ضلالة في النار. الجنس الأول من الشر الذي يطمح الشيطان إليه مع بني آدم: أن يوقعهم في الكفر. وللشيطان مذهب لم يغِب عن الأرض طرفة عين، قال الله : ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلَّاً كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ [يس:٦٠ - ٦٢] وهذا يدل على أن أكثر أهل الأرض يتبعون مذهب الشيطان (جِبِلَّاً كثيراً)، وهذا واضح أيضاً في قول الله : ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ﴾ [الحج:١٨] ومعروف عند العلماء: أن اسم الجنس إذا حُلِّي بالألف واللام فإنه يفيد العموم والاستغراق. (مَن) مِن صِيَغ العموم فقوله: ﴿مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [الحج:١٨] أي: عموم المخلوقات. ثم جاء بعد ذلك تفصيل لهذا العموم بعموم آخر للتأكيد، وهو قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ﴾ [الحج:١٨]، فكلمة: (دابة) اسم لجنس الدواب، فإذا دخلت الألف واللام على كلمة (دابة) أفادت كل دابة على وجه الأرض، وكذلك الأشياء الأخرى مثل النجوم والشجر فكلها تسجد لله. فلما جاء ذكر الناس قال تعالى: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ [الحج:١٨]. إذاً: ليسوا جميعاً موحدون، مع أن الكون كله ساجد موحِّد إلا الثقلين: الإنس، والجن: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلَّاً كَثِيراً﴾ [يس:٦٢]. وأي مذهب عموماً لا يكون إلا بأمر ونهي، فقد أنزل الله الكتاب، وأرسل الرسل؛ ليأمر الناس بشيء وينهاهم عن شيء. إذاً: الأمر والنهي أصل كل مذهب، ولذلك قال الشيطان: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ﴾ [النساء:١١٩].

стр. 1230

توحيد العبادة هو الفرقان بين الجاهلية والإسلام النبي ﵊ عندما جاء إلى العرب ودعاهم إلى الله لماذا قاتلوه؟ مع أنهم كانوا يوحدون الله بتوحيد الربوبية الخاص بالخلق، والإحياء، والإماتة، والإيجاد من عدم، ولم يدعِ أحد من العرب أن آلهةً أخرى اشتركت مع الله في خلق شيء، ولا في تدبير شيء، وقد أقام الله عليهم الحجة في كثير من آيات القرآن: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [العنكبوت:٦١]. ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت:٦٣]. ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [لقمان:٢٥]. ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر:٣٨]. ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف:٩]. ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [الزخرف:٨٧]. ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [يونس:٣١]. ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون:٨٤ - ٨٩]. هذا كله يقرونه لله . إذاً: لماذا قاتل العربُ النبيَّ ﵊ ولم يسلموا له بدعوته؟ إن التوحيد الذي أبى العرب أن يسلموا به هو توحيد العبادة؛ توحيد الألوهية، قال تعالى: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥]. هذا الذي أنكره العرب، وصبروا على حشد الغلاصم، وقطع الحلاقم، ونفذ الأراقم، ومتون الصوارم، وأبوا أن يقولوا هذه الكلمة. ما المشكلة؟ قل: (لا إله إلا الله). لماذا تقوم الحروب؟ لماذا تعرِّض نساءك لأن يكنَّ سبايا؟ لماذا تعرض نفسك للقتل؟ لماذا يُسْتَرَقُّ ولدُك؟ لماذا كل هذا؟ فأبَوا أن يسلموا بتوحيد العبادة، وتوحيدُ العبادة في مثل قوله ﵎: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ [الأنعام:٥٧] (يقُصُّ الحق) أي: يقضيه، وفي الرواية الأخرى المتواترة وهي قراءة حمزة، وأبي عمرو بن العلاء، والكسائي وخلف: (يَقُضِيْ الْحَقَّ). ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف:٤٠]. ﴿وَهُوَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص:٧٠]. ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ﴾ [القصص:٨٨]. ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد:٤١]. وقال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص:٦٨]. فهذا هو توحيد العبادة: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام:٥٧] وتوحيد الحاكمية من أخص خصائص توحيد الألوهية، لا يحل لأحد أن يأمر بمعروف؛ بواجبٍ أو مستحبٍِ أو ينهى إلا الله ومَن أرسله مِن رسول. وعندما درسوا الدين في المدارس افتتحوه بعبارة شهيرة ماكرة قالوا: (جاء رسول الله ﷺ إلى العرب وهم -وذكروا بعض مظاهر الجاهلية- يسجدون للأصنام، ويشربون الخمر، ويَئِدون البنات) وانتهى الأمر على هذا، وصارت عبارةً دارجةً شهيرةً في الكتب، هل هذه العبارة صحيحة؟ والقاعدةُ الإعلاميةُ اليهوديةُ الماكرةُ تقول: (ما تكرر تقرر) فمع تكرار العبارة يصير وقعُها في نفوس الجماهير مستقراً، حتى لو كانت خاطئة، فإذا استقرت هذه العبارة في نفوس الجماهير فنظروا الآن: هل هناك أحد يعبد الأصنام؟ الجواب لا. هل هناك من يشرب الخمر؟ سواد المسلمين لا يشربون الخمر ويعلمون أنه حرام حتى الذين يشربونه. هل هناك من يدفن البنات الآن؟ الجواب: لا. إذاً: الإسلام الذي قاتل لأجله النبي ﷺ موجود، هل هذه العبارة صحيحة بهذا الإطلاق؟ الجواب: لا. إن العرب قاتلوا حتى لا يكون الحكم لله، يريدون أن يحكموا ويشرعوا بأهوائهم، لا يحل الحكم في خردلة فما دونها إلا بحكم الله . إن العرب صبروا على القتال، وفقدوا الأنفس الغالية -فقدوا الرؤساء، وفقدوا السادة والصناديد الكبار- وسُبِيَت نساؤهم؛ وهذا عارٌ عند العرب أن تذهب امرأةُ أحدهم إلى رجل كان يستقلُّه قبل ذلك ويحتقره، ويُقْتَل الصغار، وأبَوا أن يوحدوا توحيد العبادة الذي هو التسليم لحكم الله ، فهذا هو التوحيد الذي قاتل النبي ﷺ العرب لأجله؛ توحيد العبادة (الأمر والنهي).
следующие страницы →