← Джавами‘

Джавами‘ · id 7693

دروس للشيخ أبي إسحاق الحويني

أبو إسحق الحويني

Полный текст (1 719 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

بدعة تسمية السيارات باسم الجالب لها ونحوه ونحن عندنا في مصر بدعة قبيحة، هذه البدعة: أن تسمى السيارة باسم الذي جلبها وركبها، فمثلاً: ماركة المرسيدس، يقولون: هذا راكب بودرة، والألمان الذين يصنعون السيارة لا يعرفون التمساح والخنزير والضفدع والتسميات التي عندنا، بل كل هذا عندنا فقط، ولا تجده حتى في الدول العربية، فيسمونها البودرة؛ لأنه ما كان يركبها إلا تجار الهيروين؛ لغلو ثمنها الفاحش، وكذلك أيضاً يسمون بعض السيارات: الشبح، تيمناً بالطائرة الشبح التي ظهرت في حرب الخليج، التي كان يقول عنها المحللون العسكريون الذين عقولهم منضبطة: إن الطيارة الشبح يمكن أن يرى الطيار منها ماركة الثياب التي تلبسها!! وغير مستبعد أن يقولوا: إنه يمكن أن يأخذها وهو مار ويقرأ الماركة ثم يرجعها ثانية!! ومن العجب أن تجد من يصدق هذا الكلام، ويقول: هذه الطائرة الشبح وأنت جالس تجدها عندك!! وممكن أن الطيار يضرب القذيفة وينزل يتغدى ثم يأتي صوتها وراءه!! فسموا السيارة الجديدة السريعة هذه بالشبح، وكذلك السيارة المسطحة المدرعة اسمها: الفاجرة؛ لأن التي أدخلتها راقصة. والسيارات التي بهذا الثمن الباهظ تصل قيمتها إلى مليون وسبعمائة ألف ولو صدمت في شجرة لانتهى المليون والسبعمائة ألف، فالذي يركب السيارة هذه وهو يكلمك ويشعر أنه يلبس المال عندما يتكلم معك. يقول لي صاحب هذه السيارة: لما كنت أنزل من السيارة لأحضر موزاً من الفاكهي، كنت أشعر أن صدري ينتفخ مني لوحده، وأقفل الباب بقرصنة، يقول: كنت أحس هكذا، وهذا الإحساس عندي شعرت به زماناً طويلاً، وهذا مثل ركوب الخيل تماماً. وهناك دراسة لعلماء الأغذية، يقولون: إن الإنسان تنتقل إليه صفات المركوب الذي يركبه، وفي هذا البحث يقول الدكتور الزراعي: إن هذا حتى في الأكل، فلو أن الإنسان أدمن أكل لحم معين، فإنه ينتقل إليه بعض صفات المأكول، فمثلاً: لو داوم شخص على أكل لحم الضأن، فيمكن أن ينطح بمقتضى هذه الدراسة!! فهي تقول: (ركب سرياً) والسري: هو الخيل النفيس، (وأخذ خطياً) أي: وضع الرمح، وإنما سمي الرمح خطاً لأن هناك بلداً في البحرين كان اسمها الخط، وكانت الرماح تأتي من الهند إلى هذه البلد في البحرين وتوزع على سائر بلاد العرب، فنسب الرمح إلى هذا البلد.

стр. 1297

وفاء أم زرع لأبي زرع تقول: (وأراح علي نعماً ثرياً)، أي: أعطاها مالاً وفيراً، (وأعطاني من كل رائحة زوجاً)، وفي رواية: (وأعطاني من كل ذابحة -أي: ما يصلح أن يذبح- زوجاً، وقال: كلي أم زرع وميري أهلك)، أي: وأعطي أهلك أيضاً، فهذا الرجل ليس فيه أي عيب، إلا أن المرأة تقول: (فلو أني جمعت كل شيء أعطانيه ما بلغ أصغر آنية أبي زرع). فانظر إلى هذا الوفاء! مع أن المرأة المطلقة لا تكاد تذكر لزوجها السابق حسنة، وهذا الرجل لم يقصر في حقها، بل قال لها: (كلي أم زرع وميري أهلك)، أنفقي على أهلك، لكنها تقول: (فلو أني جمعت كل شيء أعطانيه ما بلغ أصغر آنية أبي زرع). فما هو الفرق بين هذا الرجل وبين أبي زرع؟ الفرق: هو الحنان، والحب، هذا هو الفرق، فلم تشعر المرأة مع الرجل الثاني بهذا الحنان والحب الذي شعرت به لما كانت زوجة لـ أبي زرع. لذلك فأنت لا تستطيع أن تشتري قلب المرأة بالمال أبداً، حتى لو كان عندك من الإبرة إلى الصاروخ في البيت، وكل الناس تتطلع إليك، ولا ينقصك شيء، فإن المرأة ينقصها قلبك، وهي لا تريد شيئاً غير ذلك، بل الكلمة الطيبة هي التي يعتد بها عندها، فلو أتى الرجل لأهله بكل غال ونفيس، وبطعام جيد الكل يتمناه، ودخل وهو يتكلم بقسوة، وفتح الباب، وقال: كلوا وانفجروا عسى أن ينفع هذا فيكم! فصرف خمسمائة جنيه في اللحم والفاكهة وما إلى ذلك، ثم قال هذه الكلمات، فستذهب هذه الأموال سدى دون أن يكون لها قيمة من أجل هذه الكلمات. إنما لو دخلت بطعام متواضع، وقلت مثلاً: والله لو استطعت أن أحضر لبن العصفور لما تأخرت، وأنتم تستحقون أكثر من هذا، لكن هذا جهد المقل، والحمد لله، أنتم صابرون علي، وربنا يعوضنا الجنة إذا قلت هذا الكلام ودخلت خالي اليدين كان هذا كافياً؛ لأن المرأة تريد دفء الحنان والحب، وهذا هو الفرق بين الرجل الأول والرجل الثاني.

стр. 1298

فائدة نكاح الأبكار أضف إلى ذلك: أن الرجل الأول كان أول رجل في حياة المرأة، وهذا له تأثير وفرق كبير عند المرأة، فلو تزوجت رجلاً لأول مرة وأحبته، فإن حبه منقوش على الصخر، ولهذا فإن النبي ﷺ أوصانا بزواج الأبكار، فقال: (تزوجوا الأبكار فإنهن أعذب أفواهاً، وأنتق أرحاماً، وأرضى باليسير). وعندما رجع جابر بن عبد الله الأنصاري من غزوة مسرعاً، قال له الرسول ﷺ : (ما أعجلك يا جابر؟ قال: يا رسول الله! إني حديث عهد بعرس، قال بمن تزوجت؟ قال: قلت: بأيم كانت في المدينة -أي: امرأة مات زوجها- قال: فهلا بكراً تلاعبها وتلاعبك، وتضاحكها وتضاحكك)، وفي رواية للطبراني: (وتعضها وتعضك)، وهي رواية ضعيفة، وأقول: ضعيفة لأن لها مفاسد، فلا يعتد بها، والرواية الصحيحة: (فتلاعبها وتلاعبك، وتضاحكها وتضاحكك، فقال: يا رسول الله! إن عبد الله) يعني أباه، وعبد الله بن حرام ﵁ مات يوم أحد في أول من قتل، وفي ليلة أُحد عبد الله نادى ابنه جابراً وقال: (يا بني! إنني أرى أنني سأقتل في أول من يقتل من أصحاب النبي ﷺ ، فاستوص بأخواتك خيراً)، فقد كان هو الولد الوحيد، وعنده تسع بنات، وفعلاً أول ما دارت رحى الحرب كان أول من قتل هو عبد الله بن حرام ﵁، صدق الله فصدقه، فقال: يا رسول الله! (إن عبد الله ترك تسع نسوة خرق -يعني عقولهن صغيرة لأنهن بنات- فكرهت أن آتيهن بخرقاء مثلهن، فقلت: هذه أجمع لأمري وأرشد). فهذه امرأة زوجها مات، وصارت امرأة عاقلة، وتعودت على تربية الولد، ستكون بمثابة الأم لهؤلاء البنات. فالمهم الرسول ﵊ قال له: (أصبت ورشدت). أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

стр. 1299

أيها العاصي أقبل ! ليس من العيب أن يذنب العبد، ثم يعترف بذنبه ويتوب إلى الله؛ ولكن العيب أن يتمادى الإنسان في معصيته ويصر على مقارفتها، ثم بعد ذلك يسوف في التوبة والرجوع إلى الله ، ولعل الموت يباغته وهو على هذه الحال؛ فهذه دعوة لكل عاصٍ أن يقبل إلى ربه، ودعوة لكل مخطئ أن يقصد خالقه فهلم إلى رب يفرح بتوبتك هلم إلى رب وسعت رحمته كل شيء هلم إلى رب قبل توبة عبد قتل مائة نفس!! فلا إله إلا الله ما أرحمه بعباده!

стр. 1300

حديث الرجل الذي قتل تسعاً وتسعين نفساً وفوائده إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. درسنا هذا المساء هو حديث أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﵌ قال: (كان رجل فيمن كان قبلكم قتل تسعاً وتسعين نفساً، فقال: دلوني على أعلم أهل الأرض. فدلوه على راهب، فقال له: إني قتلت تسعة وتسعين نفساً ألي توبة؟ فقال له: لا، فقتله. ثم أذن الله ﵎ له بتوبة، فقال: دلوني على أعلم أهل الأرض، فدلوه على راهب عالم، فقال: إني قتلت مائة نفس ألي توبة؟ قال: نعم، ومن يحجب عنك باب التوبة، اخرج إلى أرض كذا وكذا فإن فيها قوماً صالحين يعبدون الله فاعبد الله معهم، فناء الرجل بصدره إلى الأرض التي أمر بها، فما إن خرج غير بعيد حتى قبض، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فأرسل الله ﵎ إليهم حكماً: أن قيسوا المسافة بين الأرضين، فإلى أيتها كان أقرب فهو من أهلها. ثم أمر الله ﵎ الأرض فأوحى لهذه: أن تقاربي، ولهذه: أن تباعدي، فقاسوا المسافة بين الأرضين، فوجدوه أقرب إلى أرض المغفرة بشبرٍ واحد؛ فغفر له فدخل الجنة).

стр. 1301

من الأمور المعينة على التوبة هجر أرض السوء وأهلها هذا الراهب العالم زاد هذا الرجل زيادة لابد منها حتى تتم توبته (قال: نعم) وبهذا تم الجواب، ثم قال له: (ومن يحجب عنك باب التوبة؟! اخرج إلى أرض كذا وكذا) إذاً لابد لهذا القاتل من الخروج من أرض السوء وإلا سيعود إلى الإجرام مرة أخرى؛ لأن الإيمان يزيد وينقص، وإذا علم أن رجلاً يقتل مائة نفس في أرض لا يوجد فيها من يأخذ على يديه ويقول له: اتق الله! دل على أنه لا خير في هذه الأرض أبداً، بل لما تجبر هذا الرجل قطعاً وجد جماعة ممن يخافون منه يزينون له معصية القتل، وربما أنه يخشى منهم، فلابد أن يسيغ لنفسه القتل حتى يأمن من شرهم، وربما إذا رجع وتاب عيروه بالجبن والخور والخوف، فيمكن أن يعود مع وجود هذه البطانة السيئة، فلابد أن يخرج من هذه الأرض، حتى وإن حن إليها، لاسيما الأرض التي شهدت ملاعب صباه وعاش فيها، فإنه يحن دائماً. ولذلك كان جواب العلماء عن دواء العشق -وهو الرجل الذي ابتلي بعشق المرأة- فقالوا: (أن يفارق الأرض التي بها المرأة) لماذا؟ لأنه كلما رأى شيئاً ذكره بها، وما أبيات مجنون ليلى عنا ببعيد الذي قال: أمر على الديار ديار ليلى أقبل ذا الجدار وذا الجدار وما حب الديار شغفن قلبي ولكن حب من سكن الديار وهو ماش كان يقبل جدران المدينة كلها لماذا؟ لأن ليلى كانت ساكنة في هذه القرية، فمثل هذا يجب أن يخرج. وأذكر قصة وقعت: أن رجلاً تزوج على امرأته امرأة أخرى وأدخلها بيتاً بجانب بيت المرأة الأولى، وكان لكل امرأة منهن جارية، فخرجت جارية المرأة الجديدة في الصباح فوجدت جارية المرأة الأولى جالسة على الباب فقالت لها: وما تستوي الرجلان رجل صحيحة ورجل رمى فيها الزمان فشلت فأجابتها جارية المرأة الأولى إجابة مفحمة جداً وممتازة، قالت لها: نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ما الحب إلا للحبيب الأول كم منزلٍ في الأرض يألفه الفتى وحنينه أبداً لأول منزل وهذا حق، الإنسان يذهب إلى جميع بلاد العالم ويعيش في كل بلد عشرين سنة أو عشر سنين أو خمس سنين، ولا يشعر بحنينٍ إلا إلى المكان الأول الذي شهد ملاعب صباه، وقضى فيه أفضل فترات عمره الأولى، فالإنسان كثير الحنين إلى الأماكن التي قضى فيها معظم عمره. فهذا الرجل إن ظل في هذه الأرض فقد يجره هؤلاء القوم إلى الإجرام مرة أخرى؛ فكان من الأفضل له أن يفارق هذه الأرض، ولذلك قال له ذلك الراهب العالم: (اخرج من أرضك أرض السوء)، إذ ليس فيها رجل يأخذ على يده؛ فهي أرض سوء حقاً (اخرج من أرضك فإنها أرض سوء واذهب إلى أرض كذا وكذا، فإن فيها قوماً صالحين فاعبد الله معهم) وهذه هي بركة معاشرة الصالحين ومخالطتهم أن الإنسان لا يستطيع أن يتظاهر بالمنكر بينهم أبداً حتى ولو كان سيئاً لماذا؟ لحرمة الدين وكثرة الصالحين، وفي بعض طرق الحديث: أن القرية التي كان فيها هذا الرجل القاتل اسمها: (كفرة)، والقرية التي أمره العالم أن يخرج إليها كان اسمها (نصرة)، والحقيقة أن العلاقة بين الاسم والمسمى علاقة قوية جداً، وما من رجل يراعي مثل هذه المسألة إلا ويجد تناسقاً عجيباً بين الاسم والمسمى، لذلك النبي ﵊ كان حريصاً أن يدل أمته على اختيار أفضل الأسماء؛ لوجود علاقة بين الاسم والمسمى، لذلك يقول: (لا تسمين غلامك رباحاً ولا نجاحاً ولا يساراً ولا فلاحاً - لماذا؟ - قال: حتى إذا قيل: أثمَّ هو؟ قالوا: لا) فيحصل نوع من النفرة في القلوب يأتي يسأل: يسار هنا؟ فيجيب: لا يوجد يسار، وكأنه نفى اليسار عن البيت، وكذلك الفلاح والنجاح، ويجري هذا المجرى تسمية (إسلام) فيقال: إسلام هنا؟ فيجيب لا يوجد إسلام، فهذه أيضاً تقرع القلب لذلك النبي ﵊ عندما هاجر وبينما هو يمشي مع أبي بكر الصديق ﵁ قابل بريدة بن الحصيب فقال له: (ما اسمك؟ قال: بريدة؟ فالتفت إلى أبي بكر وقال: برد أمرنا وصلح) فهناك تناسق بين الاسم والمسمى، فانظر هذه: (كفرة) فعلاً ظلمة كلها، رجل يقتل فيها مائة نفس ولا يجد من يأخذ على يديه، والثانية اسمها (نصرة) فالأرض قد توصف بأنها سيئة ثم توصف بأنها طيبة، كما حدث في مكة كانت دار كفر ثم آمن أهلها فصارت دار إسلام. ولذلك وصفها فقال: (أرض سوء) على اعتبار أنه لا يوجد فيها رجل واحد صالح، فهذه الأرض إن تبدلت وصار كل الذين فيها من أهل الصلاح إذاًَ الاسم يتبدل، الأرض لا تقدس نفسها إنما يقدس الأرض أهلها الصالحون.

стр. 1302

وجوب التوبة الفورية وعدم التسويف قال: (فناء الرجل بصدره إلى الأرض التي أمُره أن يخرج إليها) فيه دلالة على أن الرجل بادر مباشرة إلى الخروج، وهذا يدل على وجوب التوبة الفورية، لا يحل لمسلم أن يسوف في التوبة، إن العبد يجب أن يتوب من الذنب على الفور لا على التراخي. ونحن نعلم أن من أخطر ما يصيب المسلم فيما يتعلق بهذا الباب تسويف التوبة يقول: سوف سوف لعله لا يدرك أمنيته، وذلك من أعظم الأبواب التي يدخل الشيطان إلى بني آدم منها -مسألة الأماني- كما قال إبليس عليه لعنة الله: ﴿وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ [النساء:١١٩] وذكر ابن الجوزي في كتاب: أخبار الحمقى والمغفلين، قال: هبت ريح عاصف على قوم؛ فجأروا إلى الله، فقال رجل: يا قوم! لا تعجلوا بالتوبة إنما هي زوبعة وتسكن فهذا رجل فعلاً يمنيهم كما وصفه ابن الجوزي. فيجب على الإنسان أن يتوب فوراً، ولا يطيل الأمل، وقد جاء في الحديث أن النبي ﷺ رسم على الأرض مربعاً، ثم رسم خطاً طويلاً وسط المربع حتى خرج منه ثم قال: (هذا أجل ابن آدم -الذي هو المربع- محيط به وأشار إلى الخط الطويل وقال: هذا أمله) أمله يتجاوز أجله كثيراً جداً، وهو الرجل الذي يقول لك: إن شاء الله بعد عشر سنين أحقق أرباح كذا وهو سيموت الليلة، فقضي أمره وهو مازال يخطط لأعوام طويلة، ولذلك يجب على الإنسان أن يبيت وهو تائب من المعاصي، ولا يجوز له أن يبيت وهو مسوف. فهذا الرجل كان من الأشياء الحسنة التي بادر إليها أنه ناء بصدره مجرد ما سمع الفتوى: (فناء بصدره إلى الأرض التي أمر بها). هذا الرجل ما فعل شيئاً من الصالحات بعد! نقول: (إن مجرد عقد القلب عمل) انعقد القلب على التوبة، ثم بادرت الجوارح بتنفيذ هذا العقد، فلذلك تاب الله ﵎ على هذا الرجل لانعقاد قلبه وفعل جوارحه. وليس من اللازم أنه يدرك ويفعل الصالحات، فقد ذكر أبو هريرة ﵁ قال: (إني لأعلم رجلاً دخل الجنة ولم يسجد لله سجدة)، وهذا الرجل تركوه كافراً في المدينة، ثم أدركته عناية الله ﵎ فأسلم، فمضى على أثر الجيش، فذهب فقاتل حتى قتل، فهذا الرجل ما تسنى له أن يرجع حتى يصلي أو يزكي أو يفعل شيئاً من الخيرات، قال: (إني لأعلم رجلاً دخل الجنة ولم يسجد لله سجدة)!!. فهذا الرجل بادر وناء بصدره إلى الأرض التي أمره العالم أن يخرج إليها.

стр. 1303

رحمة الله وسعت كل شيء (فما إن خرج غير بعيد حتى قبض، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، ملائكة الرحمة يقولون: خرج إلى ربه تائباً، وملائكة العذاب يقولون: قتل مائة نفس، فأرسل الله إليهم حكماً: أن قيسوا المسافة بين الأرضين، فإلى أيتها كان أقرب فهو من أهلها) ولما كان الرجل أقرب يقيناً إلى أرض العذاب: (أمر الله الأرض -أن تطوى من تحته- (فأوحى لهذه: أن تقاربي، ولهذه: أن تباعدي. فلما قاسوا المسافة بين الأرضين وجدوه أقرب إلى أرض المغفرة بشبر واحد، فغفر له فدخل الجنة). إذاً: أي إنسان عاص مهما بلغت ذنوبه، إذا علم أن رحمة الله ﵎ شملت مثل هذا العاصي فهو أقرب منه، لا تستعظم ذنبك أبداً، واعلم أن من صفات الله ﵎ (الغفور الودود) وتأمل في هذه الصفة (ودود) أي: كثير الود، مع أنه غني عن العبد؛ ولكنه يتودد إليه ويفرح بتوبته، كما قال ﷺ -والحديث في الصحيحين والسياق لمسلم-: (لله أفرح بتوبة عبده العاصي من أحدكم بأرض فلاة معه راحلته وعليها طعامه وشرابه) يضرب الرسول ﵊ المثل بفرحة الله ﵎ إذا تاب العبد ورجع إلى ربه كيف تكون فرحة الله بتوبة العبد، مع غنائه التام عن العبيد جميعاً فقال: مثل فرحة الله ﵎ بالعبد العاصي كمثل رجل معه راحلته، وعليها طعامه وشرابه (فوجد شجرة فاستظل بها فنام، فلما استيقظ لم يجد راحلته، ولم يجد طعامه وشرابه -ومعروف أن الإنسان إذا تاه في الصحراء مات إذا لم يكن عالماً بدروبها- بحث عن راحلته فلما يئس منها وعلم أنه هالك قال: أرجع إلى مكاني وأموت فيه، فلما رجع إلى مكانه إذا به يجد راحلته وعليها طعامه وشرابه، فقال اللهم أنت عبدي وأنا ربك! قال ﵊: أخطأ من شدة الفرح) فانظر هذا الرجل الذي أخطأ من شدة الفرح لما وجد راحلته -فلله المثل الأعلى- فالله ﵎ يفرح بعودة العاصي إليه كفرح هذا الرجل براحلته لما وجدها. فكيف وربك ﵎ يتودد إليك بمثل هذه النعم، وبمثل هذه الرحمة وهو غني! أفلا تبادر وأنت أحوج إليه؟! كما قال ﵎ في الحديث القدسي الجليل: (يا عبادي: لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئاً). فإذا كنا نعلم أن معصية العبد إنما تضره ولا تضر ربه ﵎، ومع ذلك فالله ﵎ يفتح له الباب بمثل هذا الفتح فكيف لا يسارع إلى ربه ﵎؟! فهذه فرصة يا إخواننا! أيها العاصي أقبل! مهما أسرفت فإن الله ﵎ قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] حتى الشرك يغفره ﵎ إذا رجع العبد إلى توحيد الله وتاب منه. إذاً: الوعيد لا يتحقق إلا بترك التوبة، كل وعيد في القرآن يسقط بالتوبة، كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره. نسأل الله ﵎ أن ينفعنا بما علمنا، وأن يعلمنا ما جهلنا، وأن يجعل ما قلناه وما سمعناه باباً إلى حسن المصير إليه، وعتاداً إلى يوم القدوم عليه، إنه بكل جميل كفيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 1304

جواز تكرار العامي السؤال على أكثر من عالم إذا حاك في صدره شيء (ثم أذن الله ﵎ لهذا الرجل العاصي بتوبة فقال: دلوني على أعلم أهل الأرض). وفي هذا دليل على استحباب أن يسأل العامي عالماً آخر إذا حاك في صدره شيء من فتوى الأول؛ لأن العلماء الذين صنفوا في أدب الفتوى والمفتي والمستفتي يقولون: (لا يجوز للعامي أن يعدد السؤال على أكثر من عالم) وهذا -في الحقيقة- آفة موجودة عند بعض الناس، كلما أتى إلى عالم يسأله سؤالاً معيناً، ثم يقارن بين أجوبة العلماء أو طلاب العلم أولاً: ما هو المقصود بالسؤال؟ أليس هو رفع الإشكال؟ إنما شرع السؤال لرفع الإشكال. فإذا كان هذا الإنسان من العوام لا يستطيع أن يرجح الحق بدليله، فسأل رجلاً سؤالاً فقال له: حرام، ثم سأل آخر نفس السؤال فقال له: حلال، فماذا يفعل وليس عنده الآلة التي يميز بها بين القولين؟ أيهما أحق أن يتبع المحرم أم المحلل؟ إما أنه سيسيء الظن بهؤلاء العلماء ويقول: لو كانوا علماء حقاً لاتفقت فتواهم، وإما أنه سيخرج من الأقوال كلها ويكون هو شيخ نفسه ويتبع هواه. إذاً: ليس هناك ثمرة على الإطلاق أن يعدد السؤال على أكثر من عالم، لاسيما إذا لم يكن له حاجة إلى مثل ذلك. إنما العلماء استحبوا للعامي أن يكرر السؤال على عالم آخر إذا حاك في صدره شيء من فتوى الأول، فهذا الرجل لما قال له: (ألي توبة؟ قال له: لا) لجأ إلى عالم آخر يسأله عن هذه المسألة، قال النبي ﵊: (فدل على راهب عالم). تجريد الأول من وصف العلم دلنا على أنه جاهل (راهب) أي: متعبد، ومن أعظم أبواب الخلل اختلاط الأزياء والسمت، دخول من لهم سمت العالم ووصف العلماء مصيبة عظيمة جداً؛ لأن كثيراً من الناس لا يميز بين العالم والمتشبه به، فإذا قيل: أين العالم الفلاني الذي في البلد؟ يشار إلى فلان، مع أنه ليس من أهل العلم، إنما تدين بزي أهل العلم فظنه الناس كذلك. أذكر قصة ذكرها أبو الفرج ابن الجوزي: أن رجلاً كان يتزيا بزي العلماء ركب سفينة مع أناس، فهبت عليهم ريح عاصف، فجاءوا إليه فقالوا له: ماذا نفعل؟ قال: كل إنسان ينذر نذراً إن نجاه الله ﵎ من هذا ليوفين بنذره، فكل شخص نذر إن نجاه الله -مع أن هذا النذر المشروط متكلم فيه- ليوفين بنذره، فلما أنجاهم الله ﵎ كل منهم وفى بنذره، فلما جاء الدور على هذا الذي استفتوه، قال: اللهم إنك تعلم أنه ليس عندي شيء أنذره، ولكن امرأتي طالق: من وجهك ثلاثاً!! هذا عجيب جداً! لذلك إذا كان هذا الرجل يرتدي جبة أو شيئاً من هذه الملابس وليس كهؤلاء -كما يقول الشوكاني - يعد في جملة المتعاقلين. أي: ليس بعاقل ولكنه متعاقل، فإذا قيل: عدوا لنا العقلاء دخل هذا معهم؛ لأن له سمت العقلاء فقط، ولكنه ليس كذلك.

стр. 1305

جواب الحكيم وحاجة العالم إليه فلما لطف الله ﵎ بهذا الرجل، قال: (دلوني على أعلم أهل الأرض) فدل هذه المرة على راهب عالم، فقال له: (ألي توبة؟ قال له: نعم، ومن يحجب عنك باب التوبة؟! اخرج إلى أرض كذا وكذا). وهذه الإجابة يسميها العلماء بجواب الحكيم، جواب الحكيم: هو الزيادة في الجواب على سؤال السائل؛ لأن حاجة السائل لا تتم غالباً إلا بها. ولذلك يسمونه جواب الحكيم لماذا؟ لأن المفتي فقيه النفس، فلما سأله إنسان هذا السؤال راعى أنه قد يستشكل شيئاً ما، فزاده جواباً ليعالج هذا الاستشكال، لاحتمال أن يقابله بعد ذلك. ونبينا ﵌ سيد الحكماء ضرب المثل الأعظم في هذا الجانب، ومنه أخذوا هذا التعريف، ففي السنن بسند قوي عن أبي هريرة ﵁ قال: (جاء رجال من بني عبد الدار إلى النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله! إنا نركب البحر ويكون معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ قال: هو الطهور ماؤه، الحل ميتته) مع أنهم لم يسألوا عن ميتة البحر، وإنما سألوا عن طهورية ماء البحر، فقال ﵊: (هو الطهور ماؤه) وكان يكفي هذا القدر بالنسبة للجواب عن سؤالهم، لكن قال ﵊: (الحل ميتته) فلم أعطاهم هذه الزيادة؟ الذي يستشكل طهورية ماء البحر لأن يستشكل ميتته أولى، لاسيما إذا لم يكن عنده دليل بحل ميتة البحر، فهو حينئذٍ يأخذ بعموم الآية المحرمة للميتة في القرآن: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة:٣] (الميتة) أي: كل أنواع الميتة. وكيف لا يستشكل أمر الميتة على أمثال هؤلاء وقد استشكل على من هو أعظم منهم أحد العشرة المبشرين بالجنة، وهو: أبو عبيدة بن الجراح ﵁، كما رواه الشيخان من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄ في غزوة سيف البحر، فقد قال جابر بن عبد الله ﵄: (أرسلنا النبي ﷺ وأمر علينا أبا عبيدة في غزوة من الغزوات، وأعطانا جراب تمر، فكان يعطينا حفنة حفنة، ثم يعطينا تمرتين تمرتين، ثم يعطينا تمرة تمرة، فكنا نمصها ونشرب عليها الماء، فلما نفد التمر كنا نضرب ورق الشجر بقسينا فنأكله، حتى رفع لنا البحر بدابة عظيمة يقال لها: العنبر) حوت كبير جداً، يقول جابر بن عبد الله: (نزلنا ثلاثة عشر رجلاً في وقب عينه) وكانوا يأخذون الدهن بالقلال من عينه، قال: (وجاء أبو عبيدة فنصب عظماً من عظامه، فأتى بأعلى بعير وركبه أطول رجل فمر من تحته) يعني: دابة عظيمة جداً. حسناً: ما كان موقف أبي عبيدة وهو الأمير؟ أول ما رآه قال: ميتة لا تأكلوه. ليس عنده الحديث الذي يدل على حل ميتة البحر، وعنده النص القرآني فأعمله، وقد استدل العلماء بهذا فقالوا: إن الإنسان إذا وجد دليلاً عاماً لا يجوز له أن يتوقف في العمل به بحثاً عن الخاص) لا يقول: لعله مخصوص، أو يقول: لعله منسوخ، أو يقول: لعله مقيد؛ فيتوقف عن العمل به، بل يجب عليه أن يعمل بالعموم حتى يجد الخاص؛ ولا يتوقف عن العمل بالعموم بحثاً عن الخاص لأنه قد لا يوجد مخصص لمثل هذا العام. فـ أبو عبيدة بن الجراح ما توقف، وإنما عمل بالعام الذي عنده، وكما قال ابن عباس في صحيح مسلم: (أفلح من انتهى إلى ما سمعه). قال أبو عبيدة: (ميتة لا تأكلوه، ثم رجع إلى نفسه فقال: جيش رسول الله ﷺ ، وفي سبيل الله، ونحن مضطرون فكلوا) فخرج هذا التأويل على الآية أيضاً: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة:٣]. فإذا كان مثل أبي عبيدة بن الجراح يستشكل هذا فلأن يستشكله بعض الأعراب الذين لم يخالطوا النبي ﵊ من باب أولى، إنما كان الواحد منهم يأتي لماماً إلى مجلسه ﵊ يسأله ثم ينصرف. أضف إلى ذلك أنهم في قولهم: (إنا نركب البحر) فهذا يدل على ديمومة ركوب البحر بالنسبة لهم، فقد ينفد زادهم، فإما أن يأكلوا من ميتة البحر وإما أن يموتوا، فالنبي ﵊ راعى هذا بالنسبة لهم لما رأى استشكالهم للشيء اليسير علم أن استشكالهم للأعظم أولى فدلهم على ذلك. إذاً: تتمة الجواب والنصح لا تكون إلا بذكر مثل هذه الزيادة. وكذلك قوله ﵊ في الصحيحين لما جاءته المرأة بصبي صغير فقالت: (يا رسول الله! ألهذا حج؟ قال لها: نعم، ولك أجر) مع أنها ما سألت عن الأجر، وكان الجواب يتم (بنعم) إنما قال لها: (ولك أجر) تحفيزاً؛ لأن البشر دائماً لا يعملون إلا لهدف ومقصد، ولو أن محض العمل بدون أجر ما وجدت أحداً يتكلف، ولذلك جعل الله الجنة والنار جزاءً، وهذا مع أنه يدرك بشيء من التأمل في قوله ﵌: (إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها). الإنسان إذا غرس الفسيلة -وهي النخلة- إنما يغرسها لما يؤمل من أنه سيأكل من ثمرها أو أولاده أو أي إنسان آخر، فإذا علم أنه لن يأكل منها إنسان ضعفت همته وراح وازعه، فقال ﵊: (إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة -لا يقول: لمن أغرسها؟ ومن الذي سيأكل منها وقد قامت الساعة؟ لا- فليغرسها) يعني: خالف نظرتك: أنك لا تفعل الشيء إلا لهدف. فالنبي ﵊ لما قال: (ولك أجر) فهو يحفز أي شخص معه صبي أن يأخذه بغية الأجر. ومثل قوله ﵊ عندما قال: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر. فقال رجل: يا رسول الله! إن الرجل منا يحب أن يكون نعله حسناً وثوبه حسناً قال: إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس) فانظر زيادة الجواب عرفتنا بصفة من صفات الله ﵎، ثم عرفتنا بتعريف الكبر. فجواب الحكيم هو: أن يزيد المفتي السائل شيئاً في الجواب لا تتم حاجة السائل من الجواب غالباً إلا به، فعندما تقرأ في الكتب التي صنفت في الآداب -آداب الفتوى والمفتي والمستفتي- تراهم يقولون: (لا يجوز للمفتي أن يزيد عن حاجة السائل في الجواب)، فبعض الناس قد يستشكل مثل هذه القاعدة مع ما ذكرناه من الأحاديث. نقول: لا إشكال؛ لأنهم قالوا: (لا يزيد عن حاجة السائل في الجواب)؛ لأن الزيادة عن حاجة السائل قد تشوش عليه أصل الجواب، كأن يقول لك إنسان: ما حكم القراءة خلف الإمام؟ فتقوم تسرد له مذاهب العلماء وأدلتهم وتناقشها، فتشوش على الرجل من جهة الفتوى، ولا يعرف ما الذي يخرج به، هذا هو المنهي عنه. لذا قلنا قبل ذلك: إن مشروعية السؤال إنما هي لرفع الإشكال، وليس أن يدخل السائل في هذه الدوامات. إذاً كلام العلماء في منع الزيادة في الجواب أي عن حاجة السائل، أما إذا كانت حاجة السائل لا تتم إلا بالزيادة على الجواب فمن فقه النفس -أي: للمفتي- أن يزيده ذلك.

стр. 1306

العابد الجاهل ضحية لجهله (فدلوه على راهب، فقال: إني قتلت تسعاً وتسعين نفساً ألي توبة؟ قال له: لا؛ فقتله). هذا الراهب صار ضحية لسانه لجهله، فإنه أخطأ مرتين: الخطأ الأول: أنه أفتى فيما ليس من حقه أن يفتي، (ألي توبة؟ قال: لا)، وما يدريك؟ التوبة هذه ما لأحد أبداً حق في أن يقحم نفسه فيها ولا أن يقول: تيب على فلان أو لم يتب، هذا ليس من اختصاص أحد، والنبي ﵌ يقول -كما في حديث جندب بن عبد الله ﵁ في البخاري وغيره-: (قال رجل لأخيه: والله لا يغفر الله لك. فقال ﵎: من ذا الذي يتألى عليَّ، قد غفرت له وأحبطت عملك) وما أدراه أيغفر له أم لا؟ أتخذ عند الله عهداً؟ وفي رواية الطبراني لهذا الحديث قال الله ﵎ لذلك النبي: (مره فليستأنف العمل) كل عمله الماضي أحبط فليبدأ من جديد؛ بسبب كلمة قالها. وفي سنن أبي داود ومسند الإمام أحمد بسند صحيح عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﵌ قال: (كان رجلان متواخيان في بني إسرائيل أحدهما مجد والآخر مقصر، فلا يزال المجد يقرع المقصر ويقول: تب إلى الله فإنه لا يحل لك ذلك، فقابله يوماً فوعظه فأكثر عليه، فقال له المقصر: خلني وربي، أبعثك الله عليَّ رقيباً أم جعلك عليَّ حسيباً؟ فقال له: والله لا يغفر الله لك! فقبضهما الله ﵎ ثم قال للمجد: أكنت على ما في يدي قادراً أم كنت بي عالماً؟ خذوه إلى النار، ثم قال للمقصر: خذوه إلى الجنة برحمتي). هذا الباب لا يمكن أن يفتي فيه عالم، إنما الجاهل هو الذي يتجرأ، كيف لا والإنسان نفسه لا يدري أيقبل عمله أم لا؟! فإن كان عاجزاً عن معرفة مصيره فلأن يكون أعجز عن معرفة مصير غيره أولى، والنبي ﷺ قال لـ عائشة ﵂ لما تلت قوله ﵎: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون:٦٠] أي: يفعلون الفعل وهم خائفون مغبة الحساب أمام الله ﵎، قالت: (يا رسول الله! أهذا الذي يزني ويسرق؟ قال: لا يا ابنة الصديق هؤلاء أقوام جاءوا بصلاة وصدقة وصيام، ثم يخشون ألا يتقبل منهم) يخشى ألا يتقبل منه رغم أنه يقف بين يدي الله ﵎ يفعل الصالحات ولا يفعل المنكرات، ولكنه لا يدري أيقبل الله ﵎ منه عمله بفضله أم يرده عليه بعدله. فهذا الباب مغلق ولا يكون إلا لنبي الله ﵎ يطلعه على الغيب فيما يتعلق بفلان أو مصير فلان، أما بقية البشر فلا يجوز لأحد قط أن يلج هذا الباب؛ لذلك عرفنا أن الراهب هذا جاهل بسبب فتواه، فإن أهل الورع يستعظمون الإكثار من المباحات فكيف إذا جهر بالمحرمات؟! ولذلك الشيطان يسهل عليه أن يدخل على أهل الورع الذين ليس عندهم علم ويلبس عليهم بخلاف العلماء. أهل الورع هم الذين يكرهون الإكثار من المباحات فمثلاً: قرأت لبعضهم -وينسبونه لبعض الزهاد المتبوعين، ولا أدري بصحة ذلك-: أن رجلاً جاء إلى هذا العابد فقال: إن شاتي سرقت. فذهب هذا العابد إلى قصاص، وقال له: كم تعيش الشاة؟ قال مثلاً: خمس سنوات، فحرم على نفسه أكل لحوم الشياه لمدة خمس سنوات لماذا؟ خشية أن يأكل من الشاة المسروقة. فالإنسان إذا عمل بهذا في خاصة نفسه -لا بأس به، والورع هذا ليس له حد، تنقطع فيه أعناق الإبل كما يقال، ولكن لا يأتي الإنسان فيفرضه على أخيه، ولا يفتي به، فهناك فرق بين أن يتبنى الإنسان الشيء في نفسه وبين أن يفتي الناس به. فمن جهة الفتوى لا يحل لأحد أن يقول: لا تأكل، لكنه قد يعمل به في خاصة نفسه، فتصور رجلاً قد يصل به الورع إلى هذه الدرجة وجاءه رجل فقال: إني قتلت مائة نفس، فالحمد لله أن روحه لم تخرج من بشاعة الذنب! لذلك أول ما قال: قتلت مائة نفس ألي توبة؟ قال له: لا. بادر وأغلق باب التوبة في وجهه. الخطأ الثاني الذي أخطأ فيه هذا الراهب: أنه ما كان عنده فقه النفس الذي هو: مراعاة مقتضى حال المخاطب، أو حالة الفتوى على حال المستفتي، أو وضع الأمور في مواضعها هذا هو معنى فقه النفس، والعلماء يشترطون في المفتي أن يكون فقيه النفس. فهذا العابد لم يكن عنده من فقه النفس شيء، بدليل أنه لم يراع حال المستفتي، فهو أمام رجل قتل تسعاً وتسعين نفساً فما هو المانع أن يضيف على التسعة والتسعين واحداً آخر؟ إذا علم أنه إن أغلق في وجهه باب الأمل، فكان المفروض أن يداريه ولا يجيب، يقول: دعني أراجع اسأل فلاناً مر عليَّ بعد يوم أو بعد يومين إلخ، والمداراة هذه مسألة مطلوبة لاسيما إذا واجه الإنسان فتوى معينة ليس عنده عنها جواب أو هي مما عمت بها البلوى ولم يكن عنده فيها جواب حاسم، فله أن يخرج منها بطريقة ما. فهذا الرجل لم يكن عنده من فقه النفس شيء، فدلنا ذلك على أنه لم يكن عالماً حقاً، ولذلك راح ضحية جهله.

стр. 1307

فاسألوا أهل الذكر فأذن الله ﵎ له بتوبة فقال: (دلوني على أعلم أهل الأرض). قالوا قديماً: حسن السؤال نصف العلم؛ لأن العلم عبارة عن سؤال وجواب، فإذا ما أحسن الإنسان السؤال خرج الجواب حسناً على مقتضى السؤال، لأن الجواب كالصدى بالنسبة للصوت. فهذا الرجل قال: (دلوني على أعلم أهل الأرض) الإنسان إذا مرض لا يرضى بممرض عام أو طبيب لا زال متعلماً، يقول: أنا أريد رئيس القسم، لماذا رئيس القسم؟ يقول: لأنه أصبح ضليعاً، ولديه خبرة، فسبحان الله! الإنسان يعامل دينه معاملة بدنه، فعندما يريد أن يستفتي في مسائل الدين لا يرضى بأي إنسان يقابله، حتى وإن تزيا بزي أهل العلم، إنما يسأل عن أعلم الناس، وهذا هو الواجب على العامي أن يسأل عن أعلم الناس، يقول: أريد أعلم الناس، حتى لو دلوه على رجل لم يكن كذلك فقد فعل ما أمر به، كما قال ﵎: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣] (أهل الذكر): هم العلماء الراسخون.

стр. 1308

الحديث من الإسرائيليات الصحيحة هذا الحديث من الإسرائيليات الصحيحة التي حفظت لنا بالسند الصحيح، ويظن بعض الناس إذا أطلقت كلمة (الإسرائيليات) فإنها ترادف المكذوبات، والحقيقة أن الإسرائيليات على ثلاثة أقسام كما هو عند أهل العلم: القسم الأول: ما صح عن النبي ﷺ ، فهذا يحتج به في ديننا. القسم الثاني: ما صح عن بني إسرائيل أنفسهم، وهذا القسم قال فيه النبي ﷺ : (إذا حدثكم بنوا إسرائيل فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم) فهذا القسم نستأنس به في توضيح بعض النصوص الشرعية عندنا، ولكن لا يحتج به، وإنما يتخذ كعاضد فقط. فمثلاً: القصة التي رواها أبو الشيخ في كتاب العظمة: أن داود ﵇ اصطفى رجلاً من أهل مملكته، فكان الناس يغبطونه على مكانته من داود ﵇، فلما مات داود ﵇ قال سليمان: من أصطفي؟ فقال: لا أجد مثل جليس أبي فقربه؛ فزادت غبطة الناس عليه، وكان ملك الموت ﵇ يجالس الناس عياناً، فدخل على سليمان ﵇ فلحظ الرجل - (لحظه) أي: نظر إليه بطرف عينه- فارتعد -أي: الجليس- فلما خرج ملك الموت قال الجليس لسليمان: من هذا الذي لحظني؟ قال: إنه ملك الموت. قال: وأنا أكون في بلدٍ فيها ملك الموت! قال: ماذا تريد؟ قال: مر الريح فلتقذف بي في أرض الهند. ثم جاء ملك الموت ﵇ فقال له سليمان: لماذا لحظت الرجل؟ قال: إن الله أمرني أن أقبض روحه في أرض الهند، فلما وجدته -أي: عندك- تعجبت! فلما ذهبت إليه في الموعد المعلوم وجدته هناك، فانتزعت روحه. فيمكن أن تذكر هذه القصة عند قوله ﵎: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء:٧٨]. القسم الثالث: ما لم يصح عن بني إسرائيل أنفسهم، فهذا القسم لا يحتج به. فحديثنا من القسم الأول -القسم الصحيح- وهو: ما حفظ لنا بالسند الصحيح عن النبي ﵌. الحديث يقول: (إن رجلاً ممن كان قبلنا) وهذه القصة حدثت بعد زمن عيسى ﵇؛ لأن الرهبنة ما ظهرت إلا في أتباعه، كما قال ﵎: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد:٢٧].

стр. 1309

هل لقاتل المؤمن توبة ؟ هذا الرجل قتل تسعاً وتسعين نفساً، ارتكب أعظم الجرائم بعد الشرك وهو: قتل النفس، ولعظم هذه الجريمة يكون (أول ما يقضي بين الناس يوم القيامة في الدماء) كما في حديث ابن مسعود في الصحيحين، ولعظم هذه الجريمة تنازع فيها الفقهاء: هل لقاتل المؤمن توبة أم لا؟ والقاعدة المعروفة تقول: (إن لحوق الوعيد مشروط بعدم التوبة) أي ذنب له توبة بدءاً من الشرك إلى أقل ذنب، ومع ثبوت هذا الأصل عند العلماء تنازعوا هل لقاتل المؤمن توبة أم لا؟ هذا يشعرك بعظم هذه الجريمة الكبيرة، فكان ابن عباس ﵄ وزيد بن ثابت وإحدى الروايات عن أبي هريرة يقولون: (ليس لقاتل المؤمن توبة) كما جاء في البخاري قال سعيد بن جبير: تنازع أهل الكوفة هل لقاتل المؤمن توبة أم لا؟ فرحلت إلى ابن عباس فقال لي: لا. ثم قال: إن آية النساء نزلت بعد آية الفرقان ولم ينسخها شيء. ولكن صح عن ابن عباس ﵄ أنه أفتى بأن قاتل المؤمن له توبة، كما في الأدب المفرد للإمام البخاري بسند صحيح عن عطاء بن يسار قال: (كنت عند ابن عباس فجاءه رجل فقال: إنني خطبت امرأة فأبت أن تنكحني، ثم خطبت غيري فغرت عليها فقتلتها، ألي توبة؟ قال له: أمك حية؟ قال: لا. قال: اذهب وتب إلى الله وتقرب إليه ما استطعت. قال: فلما مضى الرجل قلت لـ ابن عباس: لماذا سألته عن حياة أمه؟ قال: ما أعلم شيئاً يقرب إلى الله مثل بر الوالدة). فهذه الرواية صحيحة عن ابن عباس أنه يرى أن قاتل المؤمن له توبة، ويبدو لي أن ابن عباس ﵄ كانت فتواه تتغير على حسب الحالة، فقد صح بسند قوي أن رجلاً جاء إلى ابن عباس فقال له: (ألقاتل المؤمن توبة؟ قال له: لا. فلما مضى الرجل قال له أصحابه: أولم تفتنا أن قاتل المؤمن له توبة؟ قال: نعم، ولكني رأيت في عينيه الشر)، فهو يريد أن يعلم أن له توبة، فيقتل، ثم يتوب، فلاحظ ابن عباس هذا فيه، ولذلك كان من الأصول التي ذكرها أهل العلم في الكتب وصنفوها في أدب الفتوى والمفتي والمستفتي: (أنه يجوز للمفتي أن يفتي بالأشد إن كان له وجه في الدليل مراعاة لحال المستفتي): وليس هذا من التلاعب كما يظن بعض الناس، لأنه لابد أن يكون للفتوى وجه في الدليل. والمفتي العاقل هو الذي ينزل الفتوى على حال المستفتي، مثال هذا في العصر الحاضر: ما أفتى به فضيلة الشيخ محمد صالح العثيمين فيما يتعلق بالنقاب، فتوى الشيخ خرجت مجملة هكذا: (إن النقاب لا يجوز) النقاب: هو البرقع، وابن عثيمين يرى السدل من شعر الرأس إلى أخمص القدم، يقول: (وقد كان هذا البرقع موجوداً على عهد النبي ﷺ ، لكني اليوم لا أرى جوازه) فبعض الناس طار بها وقال: إن الشيخ يحرم النقاب. الحقيقة: أن الفتوى إنما تنزل على ما يفعله بعض النساء في المملكة، كانت تنزل من البرقع قليلاً وترفع الرأس قليلاً وإذا بنصف وجهها يظهر. فالمفتي إذا كانت الفتوى عنده مقيدة بشروط فعلم أنه إذا أطلق الجواز بالشروط أخذ الناس الفتوى بغير شروط جاز له أن يغلق الباب، وتكلم العلماء في أدب الفتوى والمفتي والمستفتي على هذا بكلام طويل جداً ونفيس، لعلنا نتعرض له بشيء يسير عند مناسبته في هذا الحديث إن شاء الله تعالى. فالحاصل: أن أهل العلم لما اختلفوا في مسألة توبة القاتل فهذا يدل على عظمها، كيف لا وقد قال الله ﵎: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٩٣] فجمع عليه خمس عقوبات. والصحيح عند أهل العلم أنه لا يوجد ناسخ ومنسوخ بين آية النساء وبين آية الفرقان: ﴿وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * الجواب =٦٠٠٢٩٢٤> إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [الفرقان:٦٨ - ٧٠] فقال العلماء: يحمل المطلق على المقيد هنا. إذاً الجمع بين الآيتين: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٩٣]، ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [الفرقان:٧٠] إذاً تفهم الآيتان بهذا، وهذا هو الذي اختاره جماعة من أهل العلم منهم القرطبي وغيره. فهذا الرجل الذي قتل تسعاً وتسعين نفساً أذن الله ﵎ له بتوبة، كيف لا وذنبك مهما عظم شيء ورحمة الله وسعت كل شيء؟! ولذلك لا ييئس من روح الله إلا القوم الكافرون حقاً، وجاء في الحديث الصحيح: (خلق الله الرحمة مائة جزء، فأنزل على الأرض جزءاً واحداً يتراحم منه الخلائق، حتى إن الدابة لترفع حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه) بجزء واحد من الرحمة، فإذا يئس العبد من مائة جزء من الرحمة لا يكون مؤمناً أبداً.

стр. 1310

الأسئلة

стр. 1311

حكم تحريك الإصبع في التشهد للصلاة السؤال هذا سائل يسأل عن تحريك الإصبع في التشهد، هل هو شاذ أو ليس بشاذ؟ لأن هناك كتاباً جديداً اسمه (البشارة بنفي التحريك وثبوت الإشارة) قال فيه: (إن الصواب أن المصلي إذا تشهد أنه يشير بإصبعه إلى القبلة ولا يحركها) ذكر أحاديث وآثاراً في ذلك. والشيخ الألباني ﵀ ذكر في كتابه (الصلاة) وفي غيره من الكتب -تمام المنة فيما أظن- أن تحريك الإصبع هو الراجح، فيقول: إن الذين صرحوا بالإشارة يقولون: إن التحريك شاذ، فهل دعوى الشذوذ صحيحة؟ الجواب اعتقاد الشيء فرع عن تصوره، نعرف أولاً الشاذ كقاعدة، ثم نفرع على هذه القاعدة. التعريف المختار للحديث الشاذ هو ما عرفه الإمام الشافعي ﵀ قال: (ليس الشاذ من الروايات أن يروي الراوي ما لم يروه غيره، بل الشاذ: أن يخالف الراوي غيره) إذاً لابد في الشذوذ من ثبوت المخالفة. أي أنواع المخالفة التي يعنيها الإمام الشافعي؟ هي المخالفة التي يتعذر معها الجمع، فإذا أمكن الجمع بين الأدلة زال الخلاف وقلنا: لا يكون ذلك من الشاذ. إذاً: لا يكفي الفصل في الحديث الشاذ الاقتصار على أصول الحديث فقط، بل لابد من دراسة مبحث التعارض والترجيح على الأقل في أصول الفقه، ولا يتم التوفيق بين الروايات إلا إذا أتقنا مبحث التعارض والترجيح. نأتي على تحريك الإصبع أهو شاذ أم لا؟ الإمام الشافعي قال: (ليس الشاذ من الروايات أن يروي الراوي ما لم يروه غيره) قد تروي شيئاً لا يرويه غيرك ولا يكون شاذاً، تكون تلك زيادة ثقة، زيادة حفظ منك، فنأتي لنرى هذه المسألة الحديث الذي ورد في هذه المسألة في السنن حديث وائل بن حجر يرويه زائدة بن قدامة، عن عاصم بن كليب، عن أبيه عن وائل بن حجر: فذكر صفة صلاة النبي ﵌، ثم قال: (وكان ينصب يده يحركها). قالوا: إن جمعاً من أصحاب عاصم بن كليب ذكروا هذا الحديث ولم يذكروا ما ذكره زائدة، وهم اثنا عشر راوياً -تقريباً- من الثقات اجتمعوا في الرواية عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حجر فقالوا: (يشير بإصبعه) وزائدة بن قدامة وحده قال: (يحرك) فقالوا: هذا شذوذ. نقول: لا، لابد من ثبوت المخالفة حتى نسمي الحديث شاذاً، فهل هناك مخالفة بين الحديثين أم لا؟ الجواب: لا مخالفة؛ لأن الإشارة تجامع التحريك غالباًَ، كأن يقال لك مثلاً: أين محمد؟ فتقول: هو ذاك، فأنت لم تحرك ولم تقل له: هو ذاك فقط، وإنما قلت: هو ذاك وأشرت، ولكن الإشارة تجامع التحريك غالباً، إذ لا تفهم الإشارة غالباً إلا بتحريك وإلا كانت الإشارة عارية، لا تستطيع أن تفهم ماذا يريد هذا الإنسان، فإذا كانت الإشارة تجامع التحريك غالباً فما هو المانع أن يحفظ زائدة بن قدامة صفة فهم حفظوا الإشارة وهو زاد التحريك. إذاً: زائدة بن قدامة -لاسيما وهو ثقة ثبت صاحب سنة، ليس عليه مظنة أبداً، قال ابن حبان: (كان من الثقات المتقنين، كان يعيد السماع ثلاث مرات) فإذا سمع حديثاً لا يسمعه مرة واحدة إنما يسمعه ثلاث مرات- إذا جاز أن تقول: هذه زيادة شاذة فأرني من الذي تقبل زيادته إن ردت زيادة زائدة؟!! ومثال هذا ما رواه الشيخان وغيرهما من حديث حماد بن زيد عن ثابت البناني عن أنس بن مالك ﵁ قال: (دعا النبي ﷺ بإناء رحراح -أرجو أن ينتبه الإخوة لكلمة (رحراح) - فوضع يده على فم الإناء، وقال: توضئوا باسم الله) إلى آخر الحديث المشهور. روى هذا الحديث جماعة من الثقات نحو ستة: عن حماد بن زيد، عن ثابت بن أسلم البناني، عن أنس بن مالك فقالوا: (بإناء رحراح)، وخالفهم أحمد بن عبدة الضبي في هذه الكلمة، فروى هذا الحديث عن حماد بن زيد، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك قال: (دعا النبي ﷺ بإناء زجاج) إذاً الجماعة قالوا: (بإناء رحراح) وأحمد بن عبدة قال: (بإناء زجاج). ذكر الحافظ ابن حجر ﵀ في الفتح قال: (حكم جماعة من الحذاق بأن أحمد بن عبدة صحفها) انقلب عليه: (رحراح) قلبها (زجاج). ابن خزيمة الذي روى رواية أحمد بن عبدة ما تبنى هذا، بل بنى فقه الباب على هذا الحرف، فقال ﵀: (باب إباحة الوضوء بآنية الزجاج، والرد على المتصوفة الذين يزعمون أن هذا إسراف، إذ الخزف أبقى وأصلب). أي: افرض أن هذا الإناء وقع منك وانكسر، ستشتري غيره، بينما لو كان حديداً سواء وقع أو لم يقع لا ينكسر، إنما هذا إسراف لأنه معرض للكسر، فالإمام ابن خزيمة رد عليهم بهذا الحرف، ثم روى الحديث ثم قال بعد ذكر الحديث: ورواه جماعة عن حماد بن زيد فقالوا: (رحراح) مكان (زجاج) ثم قال -وهذا هو الفقه، وابن خزيمة ﵀ كان من الأئمة القلائل الجامعين بين الفقه والحديث؛ ولذلك كانوا يسمونه بإمام الأئمة-: و (الرحراح) هو الواسع من آنية الزجاج لا العميق منه. فوفق بين الروايتين، فهو إناء رحراح من زجاج، فـ أحمد بن عبدة ذكر جنسه وهم ذكروا صفته، فأين التعارض بين الروايتين؟! ومعلوم من أصول العلماء: أن حمل قول العالم أو روايته على ما لا يخالف الدليل أولى من رده، فإذا كان الجمع لائقاً فهو الواجب، ولا يلجأ إلى الترجيح إلا إذا تعذر الجمع فيه. كذلك مسألة الإشارة والتحريك، هو ذكر صفة الإشارة وهي التحريك، وهذه زيادة منه فلابد أن تقبل. فالذين يقولون: إن رواية زائدة بن قدامة شاذة لم يصيبوا؛ لأنه لم تتحقق المخالفة، بل الجمع ممكن، والحقيقة هناك مدرسة موجودة تتبنى مثل هذا، وأحدثت شراً مستطيراً في الكتب، فلا يرون رجلاً خالف رجلين إلا حكموا على الرجل بالشذوذ مباشرةً! وهذا ليس من تصرف العلماء الجهابذة. ومبحث (الشاذ) من أدق المباحث في علم الحديث وأعرقها، لذلك قلما تعرض عالم بتصنيف للتفريق ما بين الشذوذ ومابين زيادة الثقة لماذا؟ لأنه ليس له قاعدة، إنما تعتمد على إتقان العالم للأصول، ثم كثرة ممارسته التي سماها علماء الحديث بالذوق. نسأل الله ﵎ أن يعلمنا وإياكم ما ينفعنا، ونسأل الله أن يتجاوز بها عنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 1312

السنة في رفع اليدين في الصلاة السؤال نجد من الإخوة في الصلاة من يرفع يديه في كل ركعة، ومنهم من يرفعها في التكبيرة الأولى والثالثة فقط، فأيهما أرجح؟ وهل من يفعل هذا وهذا يكون قد أخطأ؟ الجواب هذه من المسائل التي يسوغ فيها الخلاف، مثل رفع اليدين في تكبيرات الجنازة، وتكبيرات العيدين، كل هذا مما يسوغ الخلاف فيه، كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، لكن المسألة كشيء أرجح وأفضل أن يرفع في تكبيرة الإحرام، ثم يرفع إذا أراد أن يركع، ثم يرفع إذا قام من الركوع، ثم يرفع عند القيام من التشهد الأوسط.

стр. 1313

أفضل كتب الزهد السؤال ما هو أفضل كتاب في الزهد؟ الجواب كتب الزهد المسندة عموماً من أفضل الكتب، فكلام السلف كله بركة ونور، هناك كتاب الزهد لـ هناد، والزهد لـ وكيع، والزهد للإمام أحمد ﵀، والزهد لـ ابن المبارك، خذ هذه الكتب وتجاوز السند إن لم تكن لك همة في الأسانيد، واقرأ فستقف على أقوال هؤلاء العلماء في الزهد تنفعك إن شاء الله، ومن أفضل الكتب وأمتعها كتاب سير أعلام النبلاء للحافظ شمس الدين الذهبي ﵀، فهذا الكتاب من أنفس الكتب فقد جمع فيه سير العلماء، وفرق فيه يما هو موجود في كتب الزهد في تراجم العلماء كل بما يخصه.

стр. 1314

حكم التمذهب وطلب العلم على مذهب معين السؤال هل يجوز لطالب العلم المبتدئ أن يتمذهب بمذهب معين من المذاهب الأربعة حيث تعرض له كثير من مسائل الخلاف، ولا يدري ما هو القول الراجح؟ نرجو الإفادة. الجواب أما بالنسبة للتمذهب كوسيلة لتنظيم الدراسة فهذا جائز، وأنا سألت الشيخ الألباني ﵀؛ لأنهم نقلوا عنه أنه يهدم المذاهب الأربعة، والشيخ مظلوم وبريء من هذا القول، فسألته هذا السؤال بعينه: هل يجوز لطالب العلم أن يتمذهب من باب تنظيم الدراسة؟ لأنه لو درس الفقه على الراجح لن يصل إلى شيء، ويربى الطالب على صغار العلم وليس على كباره؛ لأنه إذا دخل في وسط العلماء الذين يرجحون ويرد بعضهم على بعض وليس عنده إدراك ولا تمييز فلن يحصل طائلاً من هذا الخلاف، لذلك هو يبدأ بالمتفق عليه، كأن يدرس -مثلاً- المتون من كتب أحد المذاهب كتنظيم للدراسة. وهناك شرط: ألا يجعل المذهب ديناً لا يتجاوزه، حتى وإن ظهر الدليل على خلاف المذهب؛ لأن أهل العلم جميعاً ينهون عن ذلك. فقلت للشيخ حفظه الله: بأي المذاهب تنصح؟ قال: بالمذهب الشافعي ثم المذهب الحنبلي. قال: هذان أفضل المذاهب الأربعة من حيث تفضيل إلى السنة، المذهب الشافعي لثرائه ولكثرة الكتب والعلماء، والمذهب الحنبلي لضبطه على الدليل. وبكل أسف هناك بعض المدارس الموجودة ترد المذاهب الأربعة جملة، وتحرم التقليد حتى على العامي الذي لا يدري شيئاً، وهذا غلوا جداً، ويقولون: لأن التقليد لا يجوز في دين الله. ولا يجوز للعالم أن يقلد. ولا يتصور أن عالماً يفتي في كل مسألة ببحث واستقراء واستفاضة فالأمر لا يتسع إلى مثل هذا، وقد وجدنا أكابر العلماء يذكرون فتاوى غيرهم، كالإمام مالك والإمام الشافعي والإمام أحمد وإسحاق والثوري والأوزاعي وهؤلاء كان أحدهم، يسأل عن فتوى فيقول: كان سعيد بن المسيب يقول كذا، وكان الزهري يقول كذا. فمسألة أنه لابد للإنسان أن يتحرى الحق، ويبحث المسألة، وينظر إلى أدلة المخالفين، ثم يمشي في مسألة التعارض والترجيح، وفي الآخر يرجح قولاً من الأقوال! ما أظن أن أحداً من العلماء يوجبه على كل إنسان، إنما كل إنسان بحسبه، وقد أسقط الله ﵎ الحرج عن هذه الأمة: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] فهل يتصور أن آتي على رجل فلاح وأقول له: تعال نناقش التعارض والترجيح بين الأدلة، فإذا تعارض دليلان نترك كذا وندع كذا إلخ! هذا نوع من التعجيز، فالذي يقول: إن التقليد لا يجوز حتى على مثل هذا الرجل غال جداً، والذي يقول: لا يجوز تجاوز المذهب حتى وإن ظهر الدليل أيضاً هذا غلو شديد، نسأل الله ﵎ أن يهدي الأمة إلى الصراط المستقيم.

стр. 1315

القيام من السجود على اليدين لا الركبتين السؤال القيام من السجود على اليدين أم على الركبتين؟ الجواب هذا مبني على المسألة السالفة، فإذا قلنا في النزول إنما يكون باليدين يكون آخر شيء يمس الأرض منك في حالة القيام اليدان، أي: النزول يكون باليدين والقيام يكون أيضاً على اليد.

стр. 1316

حكم وضع اليدين على الصدر بعد القيام من الركوع السؤال ما حكم وضع اليدين على الصدر بعد القيام من الركوع؟ الجواب لا نريد أن نخوض في هذه المسألة، ولكن كما قال الإمام أحمد ﵀: (إن شاء فعل وإن شاء ترك) وعلماؤنا في الحجاز -جزاهم الله خيراً- الذين يفتون في هذه المسألة قالوا: إنه لا يلزم التشديد فيها ولا ينبغي الإنكار فيها، وإن كان الأقوى من جهة الدليل عدم وضع اليدين على الصدر، ولكن إذا وضعهما إنسان فلا ينكر عليه هذا الإنكار الشديد، والله أعلم.

стр. 1317

حكم البيع بالتقسيط السؤال ما حكم بيع السلعة مؤجلاً بالتقسيط؟ الجواب الذي عليه أكثر أهل العلم: جواز البيع المقسط، وهناك خلاف بين العلماء المانعين من جهة التخصيص والذين يرونه رباً، وبين الذين يجيزونه، والخلاف بينهم في فهم معنى نهي النبي ﷺ عن بيعتين في بيعة. القسم الأول: الذي يرى أنه ربا، وكان منهم سماك بن حرب راوي الحديث، ومنهم الإمام النسائي صاحب السنن فقد بوب على نهي النبي ﷺ عن بيعتين في بيعة، قال: وهو أن يقول: أبيعك هذه نقداً بكذا ونسيئة بكذا. فقالوا: إنه مجرد عرض سعرين للسلعة الواحدة يعتبر بيعتان في بيعة، لكن نحن لو نظرنا إلى لفظ البيع وهل تم بيعه بمجرد عرض السعر أم لابد من قبول وإيجاب ولابد من الخيار والافتراق وهذه الأشياء المعروفة، ولأنه في النهاية لا تتم إلا بيعة واحدة: إما بالنقد وإما بالتقسيط. والعلماء حملوا النهي عن بيعتين في بيعة كأن يبيع البائع السلعة بعشرة جنيهات، ويتم البيع على أساس أنه يعطيه كل شهر مبلغاً من المال، فيأتي صاحب السلعة (البائع) فيقول للمشتري: تبيعني السلعة بثمانية جنيهات نقداً فيقول له: خذ. فباعها له مرة أخرى (بثمانية) لكن نقداً، فهذا يسمي بيعتان للسلعة الواحدة، وهذا هو الذي عليه أكثر العلماء، ولذلك يجيزون بيع التقسيط، والله أعلم.

стр. 1318

المحدثون هم الفقهاء لا العكس السؤال كثيراً ما يقول الإخوة أن الشيخ الألباني ﵀ محدث وليس بفقيه؟ الجواب الذي قال هذه الكلمة إذا كان بمستوى الشيخ يستطيع أن يحكم عليه فله ذلك، ولكن لا أظن أن يكون قائل هذه الكلمة عادة في مستوى الشيخ، بل لا أبالغ إذا قلت: إنه لا يساوي قلامة ظفر الشيخ. هذه دعوة قديمة التصقت بأهل الحديث من قوم يبغضونهم، فكيف يتصور في الذي يحمل الأدلة أنه لا يفقهها؟ أيفقهها الذي ليس عنده من الدليل شيء؟ ولذلك كانوا يشنعون على أهل الحديث، يقول بعض العلماء: دخلت الكوفة فإذا قاض لهم -أي: لأهل الرأي- يقول في حلقة: مساكين أهل الحديث لا يدرون الفقه. قال: وكانت بي علة فحبوت إليه، وقلت له: اختلف أصحاب النبي ﷺ في الجراحات: فأي شيء قال علي؟ وأي شيء قال ابن مسعود؟ وأي شيء قال زيد بن ثابت؟ فسكت، فقلت: اختلف أصحاب النبي ﷺ في كذا وكذا فأي شيء قال أبو بكر؟ وأي شيء قال عمر؟ وأي شيء قال أبو عبيدة؟ فسكت، فقلت له: أنا أخف أصحاب الحديث، سألتك عن مسألة لم تحسنها، فكيف ترميني بما لا تحسنه؟ وكانوا دائماً يصفون أهل الحديث بذلك، ولذلك لما جاء الإمام الشافعي ﵀ وقد جمع بين الفقه والحديث ناظر أهل العراق وأوقفهم، حتى سماه أهل مكة: ناصر الحديث، وهو شامة في جبين المحدثين، ولذلك إذا عد فقهاء المحدثين يذكر الشافعي ﵀ في مقدمتهم لماذا؟ لأنه أوقف دعوى أهل الرأي أن أصحاب الحديث لا يفقهون، حتى إن الشافعي كان لا يعجبه كثير مما يقول أهل العراق، لكن أدبه حمله على ألا يناظر شيخه محمد بن حسن الشيباني، مع جزم العلماء بأن الشافعي أعلم من محمد بن حسن الشيباني، كيف لا وهو معدود من المجتهدين على الإطلاق، ومحمد بن حسن الشيباني معلوم أنه من شيوخ الناس ومن مجتهدي المذهب فكان مع رسوخه في العلم وتواضعه يترك هؤلاء حتى يقوم الشيخ ويبتدئ يناظر كل أهل المجلس، فلا يستطيعون معه جواباً لماذا؟ لأن عنده أحاديث، وعنده: قال حدثنا أخبرنا. فلما ضجوا منه ولا يجدون له جواباً، وكان حظهم من علم الحديث قليلاً شكوا ذلك إلى محمد بن الحسن وقالوا: إنك إذا قمت من المجلس ناظرنا الشافعي فما نستطيع معه جواباً، فقال له محمد بن الحسن: (إنه بلغني أنك تناظر أصحابي تناظرني؟ فقال له: إني أجلك عن المناظرة. قال: لابد. فتناظر معه في مسألة المياه، فلما تناظر معه طويلاً في مسألة المياه -وهذه المناظرة ملحقة بكتاب الأم- قال: إنكم لتقولون في الماء قولاً لعله لو قيل لعاقل: (تخاطأ) فقال بقولكم في الماء لكان قد أحسن التخاطؤ. ولما جاء إسحاق بن راهويه ﵀ فكأنه استقل الشافعي، فرسم لمحدثه بالفارسية أن هذا الشافعي ليس بقوي، وكان الشافعي يعرف الفارسية، فعلم أنه يحط عليه، فكان الشافعي متكئاً فجلس وقال له: تناظر؟ فقال له إسحاق: ما جئت إلا لذلك، فتناظروا في المسألة المعروفة في (بيع وشراء بيوت مكة) فظهر عليه الشافعي ظهوراً بليغاً. فمسألة رمي المحدثين بقلة الفقه هذه مسألة قديمة، ما من سوء أن يكون هناك من المحدثين من لم يهتم إلا بفقه الرواية، وهذا كثير، فمن الناس من ينتسبون إلى أهل الطرائق وليسوا منهم، يعني: كثير من الناس يقول: أنا محدث. وتجده لا يعرف شيئاً عن علم الحديث، فهل يجرح أهل الحديث به؟ لا، الشيخ ناصر الدين ﵀ رجل أحيا الله ﵎ به السنة، وأحيا به فقه الحديث، وهو يخالف في مسائل كما يُخالف العلماء، له مسائل تفرد بها كما تفرد غيره، فلا يعني ذلك أنهم يطعنون عليه في هذه المسائل التي خالف فيها أنه ليس بفقيه، فما من إنسان إلا وقد خولف. الشيخ حفظه الله لا يعرف قدره إلا من جالسه ورآه، هذا الرجل لو رأيته لقلت: سقط من القرون الثلاثة الأولى، على محياه نضرة السنة، كما قال ﵊: (نضر الله امرءاً سمع مقالتي فأداها كما سمعها) وأشهد والله العظيم كأن نضرة الحديث على وجهه، رجل إذا اعتقد شيئاً لا يحابي فيه، حتى وإن أدى ذلك إلى ضرره، فحسبه أنه رجل طريد ليست هناك دولة في الدنيا تتبناه، مع الفضل الذي أجراه الله ﵎ على يديه، وما من رجل ينسب إلى الحديث والسنة في هذا العصر -لا أقول: هذا مبالغة في مدح الشيخ حفظه الله تعالى، وإلا فهو مستغن عن مدح أمثالي- إلا وللشيخ عليه منة وفضل، وكتبه يشهد بها القاصي والداني. وقد سئل سماحة الشيخ العلامة شيخنا عبد العزيز بن باز ﵀ ﵎، قيل له: (أقلت ما تحت أديم السماء أعلم بالحديث من الشيخ الألباني؟ قال: ما قلت ذلك، لكني أوافق عليه) وكان الشيخ ﵀ في مجلس عند رجل ممن يعادون الشيخ الألباني، فسأل هذا الرجل الشيخ ابن باز ﵀، قال له: ما تقول في حديث كذا وكذا أصحيح؟ قال: عندك كتاب إرواء الغليل؟ الشيخ كان يعلم أن هذا الرجل ممن يعاند الألباني، قال له: عندك إرواء الغليل؟ فقال له: نعم. قال: هات الجزء الفلاني، فصعد الرجل إلى مكتبته وأتى بالجزء وفتحه وقال: اقرأ علينا ما كتب الشيخ. المهم قرأ الرجل وفي الأخير قال: يا شيخ! ما تفعل بهذا الألباني؟ فقال: إن مصنفات الألباني لا يستغني عنها عالم ولا طالب علم. وهذه حقيقة، قد رأينا الذين يكرهونه عيالاً عليه، ويسرقون عمله؛ ولكنهم كاللص الماكر. نسأل الله ﵎ أن يرحمه رحمة الأبرار، وأن يهدي هؤلاء إلى معرفة قدر العلماء.

стр. 1319

النزول إلى السجود في الصلاة يكون باليدين السؤال أشكلت علينا أمور في الصلاة فأجبنا يرحمكم الله. الأمر الأول: ما هيئة النزول إلى الأرض للسجود؟ الجواب بالنسبة لمسألة النزول إلى الأرض أهي باليدين أم على الركبتين؟ الصحيح في هذا الباب بما لا يدع مجالاً للشك: أن النزول إنما يكون على اليد وليس على الركبة؛ يدل على ذلك الأثر والعقل: أما بالنسبة للأثر: فحديث أبي هريرة ﵁ -وهو صحيح لا علة فيه- أن النبي ﷺ قال: (إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه) هذا لفظ قاطع في المسألة وفي غاية الوضوح، وأعظم ما أعل به هذا الحديث بقول الإمام البخاري ﵀ في محمد بن عبد الله بن الحسن - أحد رواة الحديث؛ لأن هذا الحديث رواه الترمذي وغيره من طريق محمد بن عبد الله بن الحسن عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ فقال الإمام البخاري: (ومحمد بن عبد الله بن الحسن ما أدري أسمع من أبي الزناد أم لا) هذا ما أعل به. فالإمام البخاري ﵀ نفى معرفته ولم ينف معرفة غيره، وهناك فرق بين أن يقول: لم يسمع، وبين أن يقول: لا أدري أسمع أم لا. ولو جئنا فنظرنا في ترجمة محمد بن عبد الله بن الحسن الملقب بـ النفس الزكية، لوجدنا أنه مدني كان يعيش في المدينة، وأبو الزناد عبد الله بن ذكوان عالم المدينة الأشهر في زمانه، وكان له حلقة مشهورة جداً في المسجد النبوي، فعاصر محمد بن عبد الله بن الحسن أبا الزناد خمسة وأربعين سنة في المدينة أفما التقيا ولو مرة، وهذا مدني وهذا مدني؟! محمد بن عبد الله بن الحسن يعاصره خمسة وأربعين سنة ولا يحضر مجالس أبي الزناد! فالمعاصرة محققة يقيناً. ثم إنه لم يتهمه أحد قط بالتدليس، فإذا أمنا من تدليسه فعنعنته محمولة على الاتصال، ثم المعاصرة يقيناً موجودة -كما قلت- فيقيناً لا هناك سبيل إلى القول: لا أدري أسمع أم لا. وهو على شرط مسلم صحيح، وفهذا غاية ما علل به. أما حديث شريك بن عبد الله النخعي فقد جاء -وهو من حديث وائل بن حجر وأبي هريرة وغيرهم- من طريق يزيد بن هارون عن شريك بن عبد الله النخعي، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر قال: (رأيت النبي ﷺ إذا هوى إلى السجود انحط، فكان أول ما وصل إلى الأرض منه ركبتاه) قال الدارقطني ﵀ بعد ما روى هذا الحديث: (تفرد به شريك، وليس بالقوي فيما يتفرد به) وهذا كلام من الدارقطني له وزنه: أنه لم يتابع أحد شريك بن عبد الله النخعي وهو سيء الحفظ، فمعلوم أن سيء الحفظ إذا تفرد لا يقبل منه فكيف إذا خالف؟ فهو أولى وأحرى أن يرد إليه. وقال بعض الناس: إن رواية شريك بن عبد الله النخعي نعم ترد، لكن إذا روى عنه يزيد بن هارون فروايته صحيحة؛ لأن شريكاً ما ساء حفظه إلا بعد ما ولي القضاء في الكوفة، ويزيد بن هارون سمع منه قبل ذلك، وقد نص أهل العلم كـ ابن حبان وغيره أن رواية يزيد بن هارون عن شريك النخعي سالمة من الخلل. ولكن يجاب عن هذا بما رواه الخطيب البغدادي عن يزيد بن هارون في الكفاية قال: (دخلت الكوفة فما رأيت بها أحداً إلا يدلس غير شريك وهشيم بن بشير) فدل على أن يزيد بن هارون دخل الكوفة وأخذ عن شريك بن عبد الله في الكوفة أيضاً. إذاً: فله روايتان: رواية قبل الاختلاط ورواية بعده، فمذهب أهل العلم فيمن حاله هكذا أن يتوقف عن قبول خبره جملة حتى يميز أكانت روايته عنه قبل الاختلاط أم بعده. أضف إلى ذلك أنه صح عن ابن عمر -وقد علقه البخاري بصيغة الجزم في صحيحه-: (أنه كان يضع يديه قبل ركبتيه). وقد روى الحاكم في مستدركه هذا عن ابن عمر ونسبه إلى النبي ﵌، وقال الحاكم: (وقد قال به جماعة من الصحابة والتابعين، والقلب إليه أميل). فهذه هي الآثار، وكل حديث فيه الابتداء بالركبتين فهو إما منكر وإما ضعيف جداً، وأحسنها حديث شريك، وقد قلنا: إنه ضعيف ومعارض لحديث أبي هريرة ﵁. وأما من جهة العقل: فالبعير أول شيء يصل إلى الأرض منه ركبتاه؛ إذ أن يداه موضوعتان يمشي عليهما، وذكر أهل المعاجم -معاجم اللغة- أن المقدمان من ذوات الأربع يدان، والمؤخران الرجلان. فلما علم بعض الذين يتولون القول بتقديم الركبة ذلك قالوا: إن ركبة البعير ليست في يده! وهذا كلام لا يعرفه أهل اللغة، وقد ذكر أهل المعاجم جميعاً في مادة (ركب) قالوا: (وركبة كل ذي أربعٍ في يديه، وعرقوباه في رجليه)، واستدلوا على ذلك بثلاثة أحاديث: الحديث الأول: وهو صريح جداً في الدلالة على المطلوب -وهو في البخاري وأحمد- عندما طارد سراقة بن مالك النبي ﵊، قال سراقة بن مالك: (فدعا عليَّ النبي ﷺ فساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين) فدل على أن الركبة في اليد. الحديث الثاني: حديث أنس في الصحيحين عندما صلى النبي ﵊ الظهر ثم قال: (سلوني سلوني! حتى قال عبد الله بن حذافة: من أبي؟ قال: أبوك حذافة. ورجل قال: أين أبي؟ قال: أبي وأبوك في النار، فضج الناس حتى أكثروا، قال: فجثا عمر على ركبتيه) وفي الرواية الأخرى: (فبرك عمر على ركبتيه) وبوب عليه الإمام البخاري بقوله: (باب البروك على الركب)، فدل هذا على أن البروك لا يكون إلا على الركبة. الحديث الثالث: رواه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أنه قال: لما نزلت خواتيم البقرة: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٤] قال: (جاء أصحاب النبي ﷺ فبركوا على الركب، وقالوا: يا رسول الله! جاءت التي لا نستطيع) إلى آخر الحديث، فدل على أن البروك إنما يكون على الركبة، والركبة في كلام أهل اللغة لذوات الآربع إنما هي في اليد. إذاً: ما هو أول شيء يصل من البعير إلى الأرض؟ أول شيء ركبتاه وهما في يديه، فإذا كان أول شيء يصل إلى الأرض من البعير ركبتاه فلا يكون أول شيء يصل من المصلي إلى الأرض ركبتاه، وهذا بدهي جداً، والمسألة طويلة، وأرجو أن يكون النزاع قد فصل.

стр. 1320

جيل الصحابة [١] إن جيل الصحابة الكرام هو الجيل الذي اختاره الله واصطفاه لصحبة نبيه ﷺ ونشر الدين والدعوة. وقد تميز هذا الجيل الفريد بأنه تربى على يد النبي ﷺ ، فأحسن تربيته، وظهرت آثار تلك التربية واضحة جلية في مواقفهم وجميع شئون حياتهم، ومن تدبر حياتهم، وتأمل في حالهم علم أنهم خير أمة أخرجت للناس، وخير جيل أبصرته البشرية، بهم نفاخر أهل الأرض -بل وأهل السماء- وعلى منهاجهم نسير وبخطاهم نقتدي، ومن يتبع غير سبيلهم فقد ضل ضلالاً مبيناً، ومن انتقصهم فقد خلع ربقة الإسلام من عنقة، وحارب الله ورسوله والمؤمنين.

стр. 1321

مواقف من حياة الصحابة رضوان الله عليهم إن الحمد لله تعالى نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. قال الله : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠]. قال جماعة من أهل العلم -من المحققين منهم-: إن هذه الآية خاصة بأصحاب النبي ﷺ لا تتعداهم إلى غيرهم. وقال آخرون: بل تتعدى إلى غيرهم إذا كانوا على نهج الصحابة. وعلى أي حال، فإن الآية نزلت فيهم، فهم المقصودون أولاً بها: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]. وأنت إذا تدبرت حياة الصحابة ومواقفهم، وهجرتهم، وتركهم الأموال والضياع والأولاد والبيوت لله ، علمت أنهم كذلك، فليس هناك جيل على الإطلاق يساويهم، لا رجالهم ولا نساءهم. وهذه مواقف من مواقفهم حتى تعلم أن هذا الجيل ينبغي أن لا يمس بسوء وفينا عين تطرف، فليس لنا جيل مشرق في حياتنا نفاخر الدنيا به إلا هذا الجيل.

стр. 1322

قتل كعب بن الأشرف محمد بن مسلمة وأبو نائلة فـ أبو نائلة أخو كعب بن الأشرف من الرضاعة، ومحمد بن مسلمة ابن أخت كعب، فلما كثر إيذاء كعب للنبي ﵊، قال: (من لـ كعب بن الأشرف؛ فإنه أذى الله ورسوله؟)، فقام محمد بن مسلمة قال: أنا له. وقال أبو نائلة: وأنا كذلك. قال محمد بن مسلمة: (يا رسول الله! أتأذن أن نقول له شيئاً -نكذب عليه، نغرر به- قال: نعم) فجاء محمد بن مسلمة إلى كعب وقال: إن هذا الرجل -يقصد رسول الله ﷺ قد عنانا -كل يوم يطلب صدقة، ونحن تعبنا من هذا الموضوع- وجئنا نستسلفك صاعاً أو صاعين من شعير. فقال كعب: -والله لتملنه أي: هذه البداية فقط، لكن أيضاً ستملونه- قال محمد بن مسلمة: إنا لا نريد أن نخالفه حتى نرى إلى أي شيء ينتهي أمره، لكن جئت أستسلفك وسقاً أو وسقين. فقال كعب: ارهنوني نساءكم. فقال محمد بن مسلمة: أنعطيك نساءنا وأنت أجمل العرب؟! إذاً: يفتنَّ بك، فقال: ارهنوني أبناءكم. قال: هذا عار علينا، يسب أحدهم يوماً فيقال: رهن بوسق من شعير أو وسقين، ولكن نعطيك اللأمة. اللأمة: هي الدرع والسيف، وهذه كانت مبادرة ذكية من محمد بن مسلمة؛ لأنه لو جاء بالسيف لخاف كعب ولظن أن في الأمر شيئاً، فتواعدوا إلى اليوم الثاني، وكان كعب قد تزوج حديثاً من امرأة من العرب، يقال أنها أعطر العرب، أحسن امرأة تصنع العطر، وفي اليوم الموعود جاء محمد بن مسلمة وأبو نائلة في منتصف الليل، فناداه أبو نائلة: يا كعب! قال: من؟ قال: أبو نائلة انزل -هناك موعد-. فقالت امرأة كعب: إني أسمع صوتاً يقطر منه الدم -امرأة ذكية، صوت أبي نائلة وهو ينادي كأنه يقطر دماً، كيف تنزل في هذه الساعة؟ - فقال لها: إن الكريم إذا دعي إلى طعنة بليل أجاب، لو أن إنساناً يستغيث في الشارع أنجده، فكيف وهذا رضيعي أبو نائلة؟! وكانوا قد جهزوا الخطة أن محمد بن مسلمة يمسك رأسه والبقية يضربون بالسيوف، فنزل كعب ينفح منه ريح الطيب؟! فقال محمد بن مسلمة: ما رأيت كاليوم عطراً! فقال كعب متبجحاً: كيف لا وعندي أعطر العرب. فقال محمد بن مسلمة: أتأذن لي أن أشم رأسك؟ قال: نعم. فأعطاه رأسه فشمه وتركه، ولم يهجم من البداية. لكي يعطيه الأمان، وكل واحد من الموجودين جعل يشم رأسه ويتركه أيضاً، فقال محمد بن مسلمة: أتأذن لي أن أشم رأسك مرة أخرى؛ فحينئذ أمسك محمد برأسه ثم قال: دونكم عدو الله فاضربوه، فضربوه فقتلوه، ومحمد بن مسلمة هو ابن أخته وأبو نائلة أخوه من الرضاعة، لكن إذا كان الأمر يقتضي ذلك والآمر بذلك النبي ﵊ فلا يتخلفون. فالصحابة رضوان الله عليهم استطاعوا في عشر سنوات أن يكونوا دولة، والعرب جنس لا يصلح إلا بدين، كانوا قبل الإسلام أمة على هامش الدنيا، لا قيمة لها على الإطلاق، لم يكن لها دين، وإنما كانت الأرض آنذاك لفارس والروم، وكان العرب بدواً رحلاً، رعاة شاء، فجاء الإسلام فرفعهم إلى منزلة سامية، قادة أمم. واليوم العرب أمة لا قيمة لها تعيش على ضفاف نهر الحياة، لأنها تخلت عن دينها، فلو رجع المسلمون اليوم إلى دينهم؛ لغزوا فارس والروم، وأخذوا أمريكا، وسيطروا على الفرس، لكنهم تركوا دينهم وحكموا القوانين الوضعية التي صنعها الغرب وأصبح الرجل لا يمشي في بلد من بلاد المسلمين بأمان الإسلام كما يمشي بأمان القانون، فالإسلام في المساجد فقط، تدخل المسجد الكتاب يحكمك، تخرج من المسجد القانون يحكمك وليس الإسلام، وشريعة الله لا تحكم. فهم الآن مثل أجدادهم الأوائل لا يتمسكون بدين؛ فلا قيمة لهم، لكن الصحابة تمسكوا بالدين، ففي عشر سنوات صارت لهم دولة! أخبروني عن أي جيل من بني آدم ﵇ إلى الآن استطاع أن يكون له دولة في عشر سنوات، وهي المدة من بعد هجرة النبي ﷺ من مكة إلى المدينة إلى وفاته، لماذا؟ لأنه كان عندهم مثل هذا الصنف النفيس من الصحابة الكرام. وقد سئل علي بن أبي طالب ﵁ حين قامت الفتن في عصره، فقال له قائل: لم ثارت الفتن في عصرك ولم تثر في عصر عمر؟! قال: لأن عمر كان والياً على مثلي، وأنا وال على مثلك! اختلفت نوعية الرجال، وأزمتنا في الحقيقة أزمة رجال، لذلك نذكر الجماهير بحياة الصحابة، فهم الأسوة العملية، والذين يطعنون الآن في الصحابة قد طعنوا في الإسلام كله، ولله در الإمام النسائي ﵀ لما جاءه رجل فقال: إن رجلاً يتكلم في معاوية بن أبي سفيان، فقال الإمام النسائي رحمه: إنما الإسلام دار والصحابة الباب، فمن نقر على الباب إنما أراد الدخول، ومن أراد الصحابة إنما أراد الإسلام. ولما قيل لـ أبي زرعة الرازي ﵀: إنهم يتكلمون في الصحابة. قال: (يريدون أن يطعنوا في شهودنا، وهم أولى بالطعن، وهم زنادقة). يريدون أن يطعنوا في الصحابة وهم الذين نقلوا إلينا الدين، إذا سلمنا بالمقدمة سلمنا بالنتيجة، الصحابي نقل دين الله، فإذا قلت: هذا الصحابي ليس بعدل، قلت: الذي نقله كذب، فالذين يتكلمون على الصحابة يريدون الطعن في الدين؛ لأجل هذا كان ينبغي علينا أن ننظر في حياة الصحابة، فليس لهم نظير في الابتلاء والحب والقول، كما سأعرض عليكم نماذج من ذلك إن شاء الله. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

стр. 1323

حديث سلمة بن الأكوع موقف آخر لصحابي لا تعرفه الجماهير، لكنه بطل مغوار وفارس شجاع، روى الإمام مسلم في صحيحه خبره العجيب، وهو سلمة بن الأكوع، وسلمة كان رجلاً شجاعاً، وعداءً سريعاً لا يلحق. يقول إياس بن سلمة: حدثني أبي قال: (خرجنا مع النبي ﷺ في الحديبية ونحن أربع عشرة مائة -ألف وأربعمائة- وعليها خمسون شاة لا ترويها. قال: فقعد النبي ﷺ على جبا الركية -على شاطئ البئر- فإما دعا وإما بصق، فجاشت فسقينا واستقينا. قال: ثم إن رسول الله ﷺ دعانا للبيعة في أصل الشجرة. قال: فبايعته أول الناس، ثم بايع وبايع، حتى إذا كان في وسط من الناس قال: بايع يا سلمة؟ قلت: قد بايعتك يا رسول الله في أول الناس. قال: وأيضاً، قال: ورآني عزلاً -أي ليس معه سلاح- فأعطاني رسول الله ﷺ حجفة أو درقة، ثم بايع. حتى إذا كان في آخر الناس قال: ألا تبايعني يا سلمة؟ قال: قلت: يا رسول الله! قد بايعتك في أول الناس وفي أوسط الناس! قال: وأيضاً، قال: فبايعته الثالثة. ثم قال لي: يا سلمة! أين حجفتك أو درقتك التي أعطيتك؟ قال: قلت: يا رسول الله! لقيني عمي عامر عزلاً فأعطيته إياها. قال: فضحك رسول الله ﷺ وقال: (إنك كما قال الأول: اللهم أبغني حبيباً هو أحب إلي من نفسي)، ثم إن المشركين راسلونا الصلح حتى مشى بعضنا في بعض، وكنت تبيعاً لـ طلحة بن عبيد الله أسقي فرسه وأحثه، وآكل من طعامه، وتركت أهلي ومالي مهاجراً إلى الله ورسوله، قال: فلما اصطلحنا نحن وأهل مكة، واختلط بعضنا ببعض، أتيت شجرة، فكسحت شوكها، فاضطجعت في أصلها. قال: فأتاني أربعة من المشركين من أهل مكة، فجعلوا يقعون في رسول الله ﷺ ، فأبغضتهم، فتحولت إلى شجرة أخرى، وعلقوا سلاحهم على الشجرة، قال: فبينما هم كذلك، إذ نادى منادٍ من أسفل الوادي: يا للمهاجرين! قتل ابن زنيم. قال: فاخترطت سيفي -أخرجته من جرابه- ثم شددت على أولئك الأربعة وهم رقود، فأخذت سيوفهم فجعلتها ضغثاً في يدي. قال: ثم قلت: والذي أكرم وجه محمد لا يرفع أحدكم رأسه إلا ضربت الذي فيه عيناه. قال: ثم جئت بهم أسوقهم إلى رسول الله ﷺ . قال وجاء عمي عامر برجل من العبلات يقال له مكرز يقوده إلى رسول الله ﷺ على فرس مجفف في سبعين من المشركين، فنظر رسول الله ﷺ فقال: (دعوهم يكن لهم بدء الفجور وثناه)، فعفا عنهم رسول الله ﷺ ، وأنزل الله في ذلك: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح:٢٤] قال: ثم خرجنا راجعين إلى المدينة، فنزلنا منزلاً بيننا وبين بني لحيان -وهم المشركون- فاستغفر رسول الله ﷺ لمن رقى هذا الجبل الليلة قال سلمة: فرقيت تلك الليلة مرتين أو ثلاثاً، ثم قدمنا المدينة، فبعث رسول الله ﷺ بظهره مع رباح غلام رسول الله ﷺ وأنا معه -الظهر: الإبل والبغال والحمير- وخرجت معه بفرس طلحة، فلما أصبحنا إذ عبد الرحمن الفزاري قد أغار على ظهر رسول الله ﷺ ، فاستاقه أجمع وقتل راعيه. قال: وقلت: يا رباح: خذ هذا الفرس، فأبلغه طلحة بن عبيد الله، وأخبر رسول الله ﷺ أن المشركين قد أغاروا على سرحه، قال: ثم قمت على أكمة، فاستقبلت المدينة، فناديت ثلاثاً: يا صباحاه! ثم خرجت في آثار القوم أرميهم بالنبل وأرتجز أقول: أنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع - الرضع هم اللئام، يقال: لئيم راضع: لأن اللئيم إذا أراد أن يشرب من لبن الشاة يرضع ويمص لبنها من ثدي الشاة حتى لا يسمع الناس أنه يشرب ويشاركونه في اللبن، فيقال: لئيم راضع، فاليوم يوم الرضع أي: هذا هو يوم اللئام- قال: فألحق رجلاً منهم، فأصك سهماً في رحله حتى خلص نصل السهم إلى كتفه، قال: قلت: خذها: أنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع قال: فوالله ما زلت أرميهم وأعقر بهم، فإذا رجع فرس أتيت شجرة فجلست في أصلها ثم رميته فعقرت به، حتى إذا تضايق الجبل -دخلوا في تضايقه- علوت الجبل فجعلت أرديهم بالحجارة. قال: فما زلت كذلك أتبعهم حتى ما خلق الله من بعير من ظهر رسول الله ﷺ إلا خلفته وراء ظهري، وخلوا بيني وبينه، ثم تبعتهم حتى ألقوا أكثر من ثلاثين بردة وثلاثين رمحاً يستخفون -يستخف نفسه لكي يفر، فأي شيء يسبب ثقل الحركة والمشي يتركونه- قال: ولا يطرحون شيئاً إلا جعلت عليه آراماً من الحجارة يعرفها رسول الله ﷺ وأصحابه، حتى إذا أتوا متضايقاً من ثنية، فإذا هم قد أتاهم فلان بن بدر الفزاري فجلسوا يتضحون (أي: يتغدون) وجلست على رأس قرن. قال الفزاري: ما هذا الذي أرى؟ قالوا: لقينا من هذا البرح والله ما فارقنا منذ غلس، يرمينا حتى انتزع كل شيء في أيدينا. قال: فليقم إليه نفر منكم، فصعد إلي أربعة منهم. فلما أمكنوني من الكلام قلت: ألا تعرفوني؟ قالوا: لا. قلت: أنا سلمة بن الأكوع والذي كرم وجه محمد لا أطلب رجلاً منكم إلا أدركته، ولا يطلبني رجل منكم فيدركني. قال أحدهم: أنا أظن -يعني: لا يستطيعون ذلك- فرجعوا، فما برحت مكاني حتى رأيت غبار فوارس رسول الله ﷺ يتخللون الشجر. فإذا أولهم الأخرم الأسدي على أثره أبو قتادة، وعلى أثره المقداد بن الأسود الكندي. قال: فأخذت بعنان الأخرم. قال: فولوا مدبرين. وقلت: يا أخرم احذرهم لا يقتطعوك حتى يلحق رسول الله ﷺ وأصحابه. قال: يا سلمة! إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر وتعلم أن الجنة حق والنار حق، فلا تحل بيني وبين الشهادة. قال: فخليته فالتقى هو وعبد الرحمن الفزاري. قال: فعقر بـ عبد الرحمن فرسه، وطعنه عبد الرحمن فقتله، وتحول على فرسه، ولحق به أبو قتادة فارس رسول الله ﷺ -بـ عبد الرحمن - فطعنه فقتله، فوالذي كرم وجه محمد ﷺ اتبعتهم أعدو على رجلي، حتى ما أرى ورائي من أصحاب محمد ﷺ ولا غبارهم شيئاً -كان عداءً سريعاً جداً- حتى يعدلوا قبل غروب الشمس إلى شعب فيه ماء يقال له: ذو قرد ليشربوا منه وهم عطاش، قال: فنظروا إلي أعدو وراءهم، فحليتهم عنه (أي: أجليتهم عنه) فما ذاقوا منه قطرة. قال: فيخرجون فيشتدون في ثنية. قال: فأعدو فألحق رجلاً منهم، فأصكه بسهم في نغص كتفه. قال: قلت: خذها وأنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع قال: يا ثكلة أمه! أكوع بكرة؟! قال: قلت: نعم يا عدو نفسه أكوعك بكرة قال: وإذا بلال قد ذبح ناقة من الإبل الذي استنقذت من القوم، وإذا هو يشوي لرسول الله ﷺ من كبدها وسنامها. قال: قلت: رسول الله! خلني أنتخب مائة رجل، فنتبع القوم -نفسه طويل- فلا يبقى منهم مخبر إلا قتلته، قال: فضحك النبي ﷺ وقال: أو كنت تفعل ذلك يا سلمة؟ قال: نعم والذي كرمك. قال: فرأيت رسول الله ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه في ضوء النهار، فقال ﵊: إنهم الآن ليقرون في أرض غطفان إلى آخر الحديث. قال سلمة: فوالله ما لبثنا إلا ثلاث ليالٍ حتى خرجنا إلى خيبر مع رسول الله ﷺ قال: فجعل عمي عامر يرتجز: تالله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا ونحن عن فضلك ما استغنينا فثبت الأقدام إن لاقينا وأنزلن سكينة علينا فقال ﵊: من هذا المرتجز؟ قال: أنا عامر قال: يرحمك ربك أو قال: يغفر لك ربك، وكان رسول الله ﷺ إذا استغفر لرجل يخصه بذلك استشهد، فقال عمر بن الخطاب لما سمع ذلك: يا رسول الله: ألا متعتنا بـ عامر؟ علم أنه سيموت، لما استغفر له علموا أنه سيقتل في المعركة. فلما وصلوا إلى خيبر خرج مرحب -وكان ملكهم- يقول مرتجزاً: قد علمت خيبر أني مرحب شاكي السلاح بطل مجرب إذا الحروب أقبلت تلهب فخرج عامر بن الأكوع وقال: قد علمت خيبر أني عامر شاكي السلاح بطل مغامر قال: فاختلفا ضربتين فوقع سيف مرحب في ترس عامر وذهب عامر يسفل له فرجع سيفه على نفسه فقطع أكحله فمات. فقال جماعة من أصحاب النبي ﷺ : بطل عمل عامر! قتل نفسه! قال سلمة: فجئت رسول الله ﷺ أبكي، فقال: ما يبكيك يا سلمة؟ قلت: يا رسول الله! قال جماعة من أصحابك: بطل عمل عامر. قال: كذب من قال ذلك، بل له أجره مرتين. قال: ثم أرسلني إلى علي بن أبي طالب وهو أرمد فقال: لأعطين الراية غداً رجلاً يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله. قال: فأتيت علياً فجئت به أقوده وهو أرمد حتى أتيت به رسول الله فبصق النبي ﷺ على عينيه فبرأ وأعطاه الراية، وخرج مرحب وقال: قد علمت خيبر أني مرحب شاكي السلاح بطل مجرب إذا الحروب أقبلت تلهب فقال علي بن أبي طالب: أنا الذي سمتني أمي حيدرة كليث غابات كريه المنظرة أوفيهم بالصاع كيل السندرة ثم تبارزوا فقتله علي ب

стр. 1324

قصة سعد بن أبي وقاص مع أمه سعد بن أبي وقاص ﵁ -وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة- قالت له أمه: إنك تقول: إن دينك جاء بمكارم الأخلاق وصلة الأرحام -وكان سعد من أبر الناس بأمه- فوالله ما أطعم طعاماً ولا أشرب شراباً حتى تكفر بدينك، فإذا مِتُّ عُيِّرت بي؛ فيقال: يا قاتل أمه! وكانوا إذا أرادوا أن يطعموها فتحوا فمها بالعصا، لأنها تأبى أن تأكل وتشرب، حتى يعير سعد بها طيلة العمر، وكما قلت لكم كان من أبر الناس، فقال لها: يا أم! كلي أو دعي، فوالله لو كان لك مائة نفس، فخرجت نفساً نفساً ما كفرت بديني؛ فأنزل الله قوله: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا﴾ [العنكبوت:٨]. فطاعة الوالدين لها حدود، إلا طاعة الله ورسوله، فطاعتهما مطلقة، وكل إنسان في الدنيا طاعته مقيدة بقيدين: القيد الأول: الاستطاعة. والقيد الثاني: المعروف، فإذا أُمرت بما لا تستطيع سقط الأمر وسقط وجوبه، وإذا كان مستطاعاً، لكنه حرام، سقط وجوبه، لكن طاعة الله ورسوله مطلقة لا حد لها. مثلاً: أمر النبي ﷺ بإعفاء اللحية، فجاء الوالد، فقال: احلق لحيتك، فحينئذ تعارض أمران، تعارض أمر النبي ﷺ مع أمر الوالد، لماذا يثور الوالد على أمر النبي ﵊؟! حينئذ يأتي إنسان ليستفتي، فنفتيه بالفتوى الآتية، الأب هذا يقول له: إذا لم تحلق فاخرج من البيت، فنقول له: أطع ربك وأطع أباك، لا تحلق لحيتك واخرج من البيت، لا تجلس في البيت على رغم والدك، لأنك خروجك من البيت مستطاع ويطاق، فلا تخالف أمره إذ أمرك بالخروج. إذاً: أطع أمر والدك واخرج من البيت، وأطع أمر رسول الله ﷺ ولا تحلق! لكن كثيراً من الناس يجور على حق النبي ﷺ ، وهذا لا يجوز، بعض الذين يدركهم الخور والضعف يعصون النبي ﷺ ويطيعون آباءهم، وهذا ليس له نظير عند الصحابة، فالصحابة ما كانوا يفعلون ذلك ولا قليلاً من ذلك، وهذا سعد بن أبي وقاص يضرب لنا المثل ويضرب لنا الأسوة، يقول لأمه التي هو أبر الناس بها: (والله لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفساً نفساً ما كفرت بديني) هناك حدود فاصلة لا يتعداها الإنسان على الإطلاق.

стр. 1325

من مواقف الصحابة في الزهد والصبر على المشاق الحمد لله رب العالمين له الحمد الحسن والثناء الجميل، وأشهد أنه لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ﴿يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب:٤]، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 1326

حديث جابر بن عبد الله في سرية سيف البحر كان ﷺ يرسل الجيش وأحياناً يأكلون ورق الشجر، ولم يتضجر واحد منهم، أو يقل: كيف نأكل ورق الشجر؟! فمثلاً: يروي جابر بن عبد الله -كما في الصحيحين- فيقول: (أرسلنا رسول الله ﷺ في غزوة وأمر علينا أبا عبيدة بن الجراح وأعطاه جراباً من تمر، فكان أبو عبيدة يعطيهم تمرتين تمرتين، وبعد ذلك يعطيهم تمرة تمرة، -أي: لما بدأ التمر ينفد أصبح يعطيهم تمرة تمرة- قال جابر: فكنا نمصها ونشرب عليها الماء حتى نفد التمر، فكنا نأكل ورق الشجر، قال: فرمى لنا البحر بدابة عظيمة يقال لها: العنبر -وهو حوت عظيم ألقاه البحر على الشاطئ- فلما رآه أبو عبيدة قال: ميتة لا تأكلوه -لم يكن يعلم حل ميتة البحر- ثم قال: جيش رسول الله ﷺ ، ونحن في سبيل الله، ونحن مضطرون، كلوا، قال جابر: فكنا نأخذ الدهن من عينه بالقلال، قال: وجلس ثلاثة عشر رجلاً منا في عينه، قال: وجاء أبو عبيدة بضلع من أضلاع العنبر فنصبه، وجاء بأعلى جمل وركبه أطول رجل فمر من تحته، ثم رجعوا إلى النبي ﷺ فأخبروه، فقال: هل معكم منه شيء؟.

стр. 1327

أبو هريرة وصبره على الجوع في صحيح البخاري قال أبو هريرة ﵁: (والله الذي لا إله غيره لقد كنت أصرع بجانب المنبر، فيجيء الجائي، فيظن أن بي جنوناً، فيضع قدمه على عنقي يظن أن بي جنوناً، وما بي إلا الجوع)، جائع وكان ﵁ إنساناً عفيفاً قال ﵁: فصليت الفرض ثم خرجت وجلست على الطريق، فمر بي أبو بكر ﵁ فسألته عن آية في كتاب الله وإنها لمعي -أنا أعرفها، لكنه يسأله حتى يقول له: تعال نتغدى وأكلمك، فيكون قد حصل على مراده- قال: فسألته عن آية في كتاب الله وإنها لمعي، وما سألته إلا رجاء أن يستتبعني -يقول لي: اتبعني. تعال معي، وإنما أغراه بذلك أن جعفر بن أبي طالب كان من أكرم الناس، وكان أبو هريرة دائماً حين يسأله سؤالاً يقول له: تعال نتغد أولاً ثم نتكلم على الغداء، فظن أن كل الناس مثل جعفر، وأنه حين يسأله سؤالاً سيقول له: تعال نتغد وسوف أجيبك- قال: ما سألته إلا رجاء أن يستتبعني. قال: فأجابني ومضى، قال: فجاء عمر فسألته عن آية في كتاب الله وإنها لمعي، ما سألته إلا رجاء أن يستتبعني، قال: فأجابني ومضى، قال: ثم جاء أبو القاسم ﷺ ، فنظر إلى وجهي، فعرف ما بي، فتبسم، فقال: أبا هر! الحق بنا، قال: فانطلقت خلفه، فدخلنا البيت، فإذا إناء من لبن، قال: من أين هذا؟ قالوا: أهداه لك فلان -بدأ أبو هريرة يتبسم، سيشرب لبناً- قال: ولكن رسول الله ﷺ قال: أبا هر! الحق بأهل الصفة فادعهم يشركوننا في هذا اللبن، قال: فأحزنني ذلك -وماذا يفعل هذا اللبن لأهل الصفة، لأنه لو كل واحد شرب شربة سينتهي- إنما كنت أريد أن أظفر منه بشربة تقيم صلبي -ثم أمرٌ آخر أحزنه أنه سيسقيهم، وساقي القوم آخرهم شرباً. إذاً: لن يجد لبناً- قال: ولم يكن من طاعة الله ولا طاعة رسوله بد. (وأهل الصفة -كما ذكر أبو نعيم الأصفهاني - كانوا أربعمائة وخمسة عشر أربعمائة وخمسة عشر وإناء لبن!!) قال: فدعوتهم فجاءوا فجلسوا، فأمسك النبي ﷺ الإناء ووضع يده عليه وقال: باسم الله خذ يا أبا هريرة قال: فكنت آخذ الإناء، فأعطيه للأول، فيشرب حتى يدعه، فآخذه منه فأعطيه للثاني والثالث والرابع إلى تمام أهل الصفة، واللبن في الإناء كما هو -بركة- فجاء أبو هريرة بالإناء إلى رسول الله ﷺ ، فلما رآه تبسم -فهو يعلم ما به- فلما رآه تبسم قال: يا أبا هر! لم يبق إلا أنا وأنت. ! فقلت: صدقت يا رسول الله! قال: اقعد يا أبا هريرة فقعدت. قال: اشرب فشربت قال: اشرب، اشرب، اشرب، حتى قلت: والذي بعثك بالحق لا أجد له مكاناً، فأخذ النبي ﷺ الإناء وكان فيه شربة، فسمى الله وشربها). انظر كان يصرع بجانب المنبر، وما به من داء إلا الجوع، كل هذا في سبيل الله وحباً في رسوله، وكان منهم ألوف تركوا أموالهم وتركوا ديارهم فداءً لله ورسوله.

стр. 1328

خطر الطعن في الصحابة لو أن رسول الله ﷺ بعث في الناس اليوم لوجد فيهم من يقاتله، أمثال هؤلاء الذين يسبون أصحابه، ويدعون التشيع لأهل بيته. قال الإمام مالك ﵀ عندما قيل له: أرأيت الذين يسبون أصحاب النبي ﷺ ، قال: (يطعنون على النبي ﷺ ، يقولون: هو رجل سوء وله صحابة سوء). ما معنى أن الصحابة سيئين؟ معنى ذلك أن النبي ﷺ سكت عليهم وما قومهم وهذه تربيته! فكأنه مثلهم!! فهؤلاء يطعنون على النبي ﵊، ولو خرج النبي ﵊ فيهم لقاتلوه. فنحن في محنة عظيمة، نحتاج أن نعلم أولادنا حب النبي ﷺ وصحابته الكرام ونغرسه في صدورهم، حتى ترتفع الهمة ويصير لنا قيمة، فإننا لن ننتصر إلا بدين، وسنظل على هذه الدنيا، يتهمنا الأعداء بالإرهاب العالمي، وهم الإرهابيون حقاً. اليهود يقتلون المصلين السجد في المسجد الأقصى، ليس بإرهاب، ولم تسمع للعالم أجمع همسة وعندما حصل تفجير ومات ستون يهودياً ضج العالم منددين بالإرهاب، وجاء الرئيس الأمريكي والرئيس الروسي ليعزوا اليهود، لكن عندما يراق دم مائة مسلم ساجد فهذا ليس بإرهاب، فأصبح دم المسلمين أرخص الدماء. فينبغي أن ننهض بهممنا لنعيد للإسلام مجده، فنربي أبناءنا على دين الله تعالى، ليحذروا المرحلة القادمة، فهي مرحلة خطيرة، مرحلة الأقمار الصناعية والفضائيات وشبكة الانترنت التي تستخدم لإفساد شباب المسلمين، فالجيل القادم ينبغي أن يكون على مستوى المسئولية؛ لأن الفتن عظيمة وجسيمة. فيا أيها المسلم: لا تلق الله خائناً، رب ولدك؛ لأن الأيام القادمة أيام عجاف تحتاج إلى جيل مثل جيل الصحابة. إن الرياح إذا اشتدت عواصفها فليس ترمي سوى العالي من الشجر صاحب القامة الطويلة هو الذي يناله البلاء، والبلاء قادم بلا شك، وبيننا وبين اليهود حرب فاصلة نحتاج فيها إلى الرجال. أسأل الله ﵎ أن يغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا. اللهم ثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر. اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا. رب آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا، وكل ذلك عندنا.

стр. 1329

جيل الصحابة [٢] لقد سطر لنا الصحابة الكرام رضوان الله عليهم عبر التاريخ أنصع الصفحات وأروع المواقف في الاتباع لله ورسوله، وفي العزة والشجاعة، وبذل المهج والأرواح في سبيل الله، وفي التوكل على الله والثقة به، ولقد كانوا أخوف الناس من الله وأعظمهم رغبة فيما عنده، وأشدهم حرصاً على مرضاته، يغضبون لما يغضب منه الله ورسوله، ويرضون بما يرضى به الله ورسوله، ولا يوادون أحداً يحاد الله ورسوله ولو كان أقرب الأقربين.

стр. 1330

وجوب الاقتداء بصحابة رسول الله ﷺ إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداًَ عبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد. ما زلنا -أيها الإخوة الكرام- نسرد بعضاً من مواقف هذا الجيل الفريد، فإن الله ﵎ خلق خُلق التأسي في بني آدم، كما قالت الخنساء: ولولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي فالذي جعلها تصبر أنها رأت غيرها مصاباً بهذه المصيبة، فكلما رأيت غيرك مصاباً في مصيبة هانت عليك مصيبتك، وقد قال الله ﵎: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١]. كذلك حياة الصحابة، فإنك حين تطالع سيرتهم في الجهاد، والبذل والفداء، سواء كان ببذل النفس والمهج أو ببذل المال؛ تعلم أن صاحب هذا الخلق -حتى ولو لم يكن مؤيداً بدين- سينتصر؛ لأن فيه من جميل الخلال وخصال الكمال ما يجعله أهلاً أن يحكم هذه الأرض.

стр. 1331

ظاهرة عمل الشباب المسلم في المحلات الغربية التي تبيع المحرمات شبابنا الآن يسافرون إلى البلاد الأوروبية ليعملوا في المطاعم، ليقدموا للآكلين الخنزير والخمر، وكل ذلك بدعوى تحصيل المال والحصول على لقمة العيش، وهذا نوع من دناءة النفس، أن يأتي المرء ما حرم الله ﵎، ويظن أنه بمعصية الله ليس يخسر، وهذا خطأ في التصور. ودعونا نضرب هذا المثال: لو أن رجلاً من أكرم الناس لا يسأله سائل إلا أعطاه، ولا يطلبه مبلغاً إلا أعطاه مثله وربما أكثر، فأكبر مصيبة تصاب بها أن يموت هذا الرجل، لأنه لا يحوجك إلى أحد، كلما طلبت شيئاً أعطاك، فأكبر مصيبة أن يموت هذا الرجل، فالله ﵎ قال: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان:٥٨] مع أن الذي لا يموت هو الحي وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ إذاً: هذا الذي ذهب إلى بلاد الغرب واشتغل فيما حرم الله لم يتوكل على الله الحي الذي لا يموت. فمهما كان الرقم كبيراً فإن له نهاية، لكن عطاء الله ﵎ وحده هو الذي لا ينقطع وليس له نهاية، كما يقول الله ﵎ لأهل الجنة: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ [ص:٥٤]. والحديث المشهور في صحيح مسلم وهو أجل حديث لأهل الشام، حديث أبي ذر: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي) من ضمن هذا الحديث قال الله ﵎: (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد -وقفوا في طابور من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة- وسأل كل واحد مسألته، فأعطيته مسألته، ما نقص ذلك من ملكي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل في البحر). كل واحد يتمنى أي أمنية تخطر على باله من لدن آدم ﵇ إلى قيام الساعة، وربنا ﵎ يعطيه ما يتمناه، والذي ينقص من خزائن الله مثل أن تدخل إبرة في البحر المحيط وتخرجها، وهذه الإبرة لم تأخذ من البحر المحيط شيئاً، وهذا على سبيل التمثيل، وإلا فلا ينقص من خزائنه شيء، كما قال الخضر لموسى ﵇ لما التقى به في مجمع البحرين، وكانت هذه الرحلة كلها بسبب كلمة قالها موسى ﵇ كما في الصحيحين، فقد كان موسى ﵇ في مجلس من مجالس بني إسرائيل، فقال كلاماً مؤثراً بكى له الناس ورقت قلوبهم. فقال قائل لموسى ﵇: يا كليم الله! هل هناك أحد هو أعلم منك؟ فقال: لا أعلم في الأرض من هو أعلم مني، فعتب الله عليه، لأنه لم يرجع العلم إليه، ما أدراك؟ سبحان من لا يعلم أسرار خلقه إلا هو، كم في الزوايا خبايا، وكم في الناس بقايا، فعتب الله عليه لأنه لم يقل: الله أعلم. فقال الله له: إن لي عبداً بمجمع البحرين هو أعلم منك. وأمره أن يذهب إلى مجمع البحرين والتقى موسى ﵇ بالخضر، فجاء عصفور، فنقر في ماء البحر، فأخذ قطرة، فقال الخضر لموسى: يا موسى! مثل علمي وعلمك إلى علم الله كمثل ما أخذ هذا العصفور من ماء البحر. إذاً: المسألة تقريبية فقط، وإلا لا ينقص من خزائن الله شيء لماذا تركب معصية الله لتحصل على المال؟ قال ﵊: (إن الله أمر يحيى بن زكريا بأربع كلمات أن يعمل بهن، وأن يأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن -أول كلمة من هذه الكلمات-: إن الله خلقكم ورزقكم فلا تشركوا به شيئاً، وإن مثل من أشرك بالله كمثل رجل اشترى عبداً من حر ماله، وقال له: هذا عملي وهذه داري، فاعمل وأد إليّ، فكان يبيع ويعطي غيره -يأخذ حصيلة البيع كل يوم ويذهب إلى جاره ويعطيه حصيلة البيع- قال ﵊: فأيّكم يرضى أن يكون عبده كذلك؟) من فيكم يرضى بهذا؟! المال مالك، والمحل محلك، ويبيع عبدك ويعطي المال لجارك هذا العبد أتبقيه يوماً واحداً؟! ما أظنك تبقيه يوماً واحداً، فلماذا قبلت أن تفعل هذا مع الله، وأنت لا تفعله مع نفسك، وتأنف أن يكون عبدك كذلك؟! فإن الله خلقكم ورزقكم فلا تشركوا به شيئاً، يقول الله ﵎: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان:٥٨] والتوكل: هو اعتماد القلب على الله، وهذا الذي كان يميز الصحابة ﵃ عن غيرهم، كان الواحد منهم تزهق نفسه ولا يقترب من محرمات الله، وكان الواحد يترك باباً من الحلال إذا اقترب من باب شبهة؛ خشية أن يقع في الشبهة لماذا؟ لأن لديه توكلاً كاملاً على الله أنه لن يضيعه. فأنت عبده وأنت صنعته، فلن يضيعك. ثم سوء الظن بالله أن تظن أنك إذا ركبت معاصيه أعطاك، وإذا أطعته حرمك، هذا سوء ظن بالله ﵎. أنت إذا كنت فقيراً فلذ بغني، ولا أغنى من الله؛ قال : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا﴾ [مريم:٤٠]. انتبه إلى كلمة (نحن) مع أن الكلام يمكن أن يفهم بدونها: (إنا نرث الأرض من وعليها) لكنه قال ﴿إِنَّا نَحْنُ﴾ [مريم:٤٠] ضمير العوض: ﴿إِنَّا نَحْنُ﴾، يعني: هذا كله إليه؛ فالله له الملك وحده، وهو القادر على شيء. وأصحاب النظام العالمي الجديد لو أحبوا أن يصنعوا مكيفاً مركزياً للعالم، يدفئ العالم في الشتاء، ويجعله برداً في الصيف فوالله لن يستطيعوا ذلك أبداً، ولو أنفقوا أموال الدنيا كلها. فالقادر هو الله، والرازق هو الله، بيده خزائن السموات والأرض.

стр. 1332

هجرة صهيب الرومي ﵁ بعض الشباب يذهبون إلى الخارج -بلاد أوروبا- يبحثون عن عمل، فيرتكبون المعاصي والمنكرات في سبيل جمع المال، وهذا لا يجوز، ولم يكن هذا دأب أصحاب النبي ﷺ على الإطلاق. فهذا صهيب الرومي ﵁ وأرضاه خطر بباله أن يأخذ جميع ماله الذي جمعه طول عمره، ويهرب في الليل من مكة إلى المدينة فاراً بدينه، فعلم المشركون أنه سيهرب، فلحقوه بالخيول، فقبضوا عليه في منتصف الطريق، فقالوا: جئتنا صعلوكاً لا مال لك، وتريد أن تأخذ المال وتذهب؟! فقال: أرأيتم إن خليت بينكم وبين المال -أعطيتكم المال- أتخلون بيني وبين وجهي؟ أي: بيني وبين الجهة التي أريد أن أذهب إليها؟ قالوا: نعم. فأعطاهم المال غير نادم ولا آسف، فلما ذهب إلى النبي ﷺ وأخبره بذلك، قال له: (ربح البيع يا أبا يحيى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة:١١١]) فهذه صيغة عقد، وهذا العقد ينقصه توقعيك أنت فقط، لأن المشتري مضمون، وهو الله ﵎، فهذا عقد بينك وبينه، هل توقع على هذا العقد أم لا؟ ﴿إن الله اشترى﴾ هو ذا العقد، ينقصه توقيعك أنت، ولكن أكثر الناس يهاب أن يوقع.

стр. 1333

نعمة الابتلاء اعلم أن كل إنسان على وجه هذه الأرض مبتلى، فليكن بلاؤك في ذات الله ، وقد ثبت عن النبي ﵊ أنه قال: (إذا سبقت للعبد من الله منزلة لم يُرْزَقْها بعمله، ابتلاه حتى يبلغها). أي أن البلاء ليس شرطاً أن يكون في الله تعالى، كرجل مؤمن ولكنه لا يحافظ على النوافل والقربات المستحبة، وقد كتب الله له منزلة، فإنه إن لم يبلغ المنزلة التي سبقت من الله له بعبادته، ابتلاه الله ليرفعه إليها. فإذا ابتليت في ذات الله كان أشرف لك لماذا؟ لأن سلفك في ذلك هم الأنبياء، وحين تلتفت في الطريق، تجد أن أسلافك هم الأنبياء تطمئن نفسك. وأنت عندما تسجن (مثلاً) من أجل دينك تختلف اختلافاً كلياً مع ذلك الذي يسجن من أجل الحشيش أو القتل أو غير ذلك فلا بد أن يصيبك بلاء، فاقبل أن يكون في الآخرة عند ربك لماذا؟ لأن سلفك هم الأنبياء، والصحابة والتابعين، والأئمة المتبوعين، وهم أتباع الصادق ﷺ . يقول ﵊: (أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى المرء على قدر دينه).

стр. 1334

في الابتلاء سلامة للقلوب من أمراضها إن المرء يوم القيامة يوزن بقلبه، وسلامة هذا القلب فيه سلامة العقل، وكثير من الناس يظن أن العقل في الدماغ، وهذا غلط، فالعقل في القلب وليس في الدماغ، قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ [الحج:٤٦] فالعقل في القلب وليس في الدماغ، فسلامة القلب معناها سلامة عقلك. وهذا يعني: سلامة تفكيرك. وهناك قصة مشهورة نشرت في الجرائد بمناسبة أن الدكتور مجدي يعقوب الجراح المصري الذي يقطن في لندن، قد أجرى عملية نقل قلب لشاب إنجليزي عمره تسع عشر سنة، ونجحت العملية عشرة على عشرة إلا أنها دمرت خلايا مخ الشاب، فرفع والد الشاب قضية على هذا الدكتور يطالبه بتعويض. فبمناسبة هذا الخبر نشرت الجرائد قصة الدكتور برنر -أول طبيب نقل قلباً في الدنيا، وكان هذا سنة (١٩٦٣م أو ١٩٦٥م) - نقل قلباً لمريض في سويسرا، وبعد أن نقل هذا القلب بطريقة ميكانيكية جيدة، بدأ المريض يخلط بين الأمور؛ وظن في البداية أن ذلك من تأثير البنج، لكن المريض لم يفق وظل يخلط دائماً. وبعد ذلك نقل هذا الطبيب برنر قلباً لرجل آخر، فبدأ هذا الرجل أيضاً يخلط بين الأمور، ويأتي بكلام لا يفهم معناه، فأرسل الدكتور مساعديه ليستقصوا عن صاحب القلب الأصلي، فوجدوا أن المريض الذي نقل إليه القلب يهذي بوقائع حقيقية لصاحب القلب الأصلي؛ مع أنه لا لقاء بينهما ولا يعرف أحدهما الآخر؛ لكنه يهذي بقصص وحكايات لصاحب القلب الأصلي حينئذ أسقط في يد هذا الدكتور، وعقد مؤتمراً صحفياً، وأعلن بأسى بالغ اعتزال مهنة الطب؛ لأنه جنى على رجلين، ثم قال: ما قيمة إنسان إذا كان يعيش في فلك إنسان آخر، يفكر بتفكيره، ويعيش في أحلامه، ويتخلى عن حياته؟! واعتزل الطب بسبب هذه المسألة، وهناك بعض الأطباء ينسون الفوط وأجهزة التليفونات في بطن المريض أحياناً، ويعتبرونه أمراً عادياً، وهذا فيه جناية على المريض. واعلم أن العبد يوم القيامة يوزن عند الله بقلبه: (يأتي الرجل السمين البدين لا يزن عند الله جناح بعوضة) لماذا؟ قال ابن القيم ﵀: لأن العبد يوزن عند الله بقلبه: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٩]. وهذا القلب إنما يستمد مادة حياته من المحن ومن العوارض ومن المتاعب، وأول ما تريحه يموت، فالقلب بخلاف الجوارح، فعندما تأكل وتشرب جيداً تنمو الجوارح، وتكبر العضلات، وينتفخ صدرك، وتصير بحالة جيدة، فإذا قطعت الأكل لمدة أسبوع، تجد أنك قد نحفت، وأن العضلات بدأت تتفسخ تضمر؛ فالجوارح تستمد حياتها من الراحة أما القلب فهو يستمد حياته من المحن، ففيها سلامة القلب، فالقلب لا يعيش إلا في العواصف والمحن، ولذلك اختار الله البلاء، فجعله من نصيب أوليائه؛ لا لهوانهم عليه، ولكن ليحصن قلوبهم؛ لأن أحدهم لو استراح، وركن إلى الدنيا، ضعف قلبه، ولذلك تجد أضعف الناس قلوباً وأدناهم الناس همة هم أهل الترف، يقول الله ﵎: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ [الإسراء:١٦]. (أمرنا مترفيها) يعني: بالطاعة: ﴿فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء:١٦]، وفي قراءة أخرى (وإذا أردنا أن نهلك قرية آمرنا مترفيها) أو (أمّرنا مترفيها) لكنها قراءة شاذة -أعني: (أمّرنا) - لكن العلماء يقولون: إن القراءات الشاذة تستخدم للتأنيس، كقراءة: (أمّرنا مترفيها) أي: جعلناهم أمراء، تخيل إنساناً أميراً وجاهلاً، فلا يشتهي شهوةً إلا وجدها عند أطراف أصابعه. إذاً: حين ابتلاك الله ليس لهوانك عليه، ولكن ليضمن سلامة قلبك له ﵎، فلا تبتئس. إن المؤمن مصاب ومبتلى، لكن مصيبته ومبتلاه في ذات الله: ولست أبالي حين أقتل مسلماً على أي جنب كان في الله مصرعي وسلامة قلبك تقتضي إذا شعرت بأي تغير في هذا القلب أن تتصل بالخالق مصرف القلوب. سأضرب لكم مثلاً: لو أن شخصاً أحب أن يقتل ملكاً أو رئيساً، فهل يستطيع بمجرد أن يفكر بذلك أن يقتله؟ لا. لا يستطيع ذلك، فلابد من أن يظل شهوراً أو سنين، يراقبه ويخطط لمصرعه، ولابد أن يعمل دراسة طويلة عريضة لماذا؟ لأن قتل الملوك ليس سهلاً، ومن الصعب جداً أن يقتل الإنسان ملكاً. كذلك القلب -ملك البدن- لا يستطيع الشيطان أن يغتاله بسهم يصوبه إليه ابتداءً، فالقلب عليه حراسة شديدة؛ لأنه مِلْك الرب ﵎، قال ﷺ : (إن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء) وهذا القلب آية من آيات الملك ﵎. وإذا مات قلب الإنسان، فقد سبقته ذنوب كثيرة وسنوات من الغفلة، فسهل على الشيطان إصابة قلبه. فالإنسان الذي يريد أن يلقى ربه بقلب سليم -أول ما يشعر أن هناك تغيراً في هذا القلب؛ وفيه قسوة شديدة وعينه لا تتأثر بالقرآن- ينبغي له أن يبحث عن طبيب رباني يداويه. ولو أنك أصبت -والعياذ بالله- بتصلب شرايين أو جلطة أو غير ذلك من الأمراض، فإنك تسارع إلى الطبيب لتعالج جسدك قبل فوات أوان نفع الطب، فلماذا حين يكون الأمر متعلقاً بروحك وقلبك لا تسارع إلى علاجه؟!

стр. 1335

الصحابة أطهر الناس قلوباً إن الله ﵎ ما اختار أصحاب محمد ﷺ إلا بعد أن نظر إليهم فوجدهم أطهر الناس قلوباً. فهذا أبو الدحداح ﵁ مرة -كما في مسند البزار- كان جالساً مع النبي ﷺ ، فنزل قول الله ﵎: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة:٢٤٥] وكان لـ أبي الدحداح بستان به ستمائة نخلة، وهذه بضاعة رائجة عند العرب. والأسودان التمر والماء كانت أساس حياة العرب، والنبي ﵊ قال: (بيت لا تمر فيه جياع أهله). إنسان يقول: نحن ليس لدينا تمر ولا نأكل تمراً، ونحن -والحمد لله- في نعمة وشبع؟! نقول له: إن الجوع هنا ليس معناه أن تكون جائعاً دائماً، فأنت لو أكلت جبنة أو زبدة، فما هي إلا نصف ساعة أو ربع ساعة، وإذا بك جائع، لكن التمر بخلاف ذلك، وهذا هو معنى قوله ﷺ : (جياع أهله) ليس شرطاً أن يظل جائعاً دائماً، ربما يكون جائعاً ربع ساعة، وربما يكون جائعاً خمس دقائق، ثم ينتهي جوعه. وكانت التمور هي البضاعة الرائجة عند العرب، فـ أبو الدحداح ﵁ حين سمع الآية قال: (يا رسول الله! الله يطلب منا القرض؟! قال: نعم. قال: ما لي عند ربي إن أقرضته حائطي هذا؟ -ستمائة نخلة إن أعطيته إياها فماذا لي؟ - قال: لك الجنة. قال: فإني أشهدك أنني أقرضت حائطي هذا ربي) وقام من المجلس وحاله ليس مثل حالنا؛ بمجرد أن نخشع وترق قلوبنا يقول أحدنا: خذوا روحي! وبعد قليل يأسف. ما الذي جعلني أقول ذلك؟! ما الذي ورطني هذه الورطة؟! أما هؤلاء الصحابة فقد كانت حرارة الإيمان عندهم دائمة، فلما أقرض الحائط هذا كله لله ﵎، قام من المجلس، والحائط هذا كان سوراً على الستمائة نخلة، وكانت بيته بداخل هذا السور، فوقف على الباب ولم يدخل؛ لأنه لم يعد ملكه، فقد أقرضه ربه، ونادى على امرأته: يا أم الدحداح! اخرجي بأولادك؛ فإني أقرضت حائطي هذا ربي. انظر إلى جواب المرأة! ما قالت: ما هذا الذي فعلت يا رجل؟! لماذا لم تكلمنا؟! أنت ماذا جرى لك؟! والأولاد أما تركت شيئاً للأولاد؟! قالت له: (ربح البيع يا أبا الدحداح، ربح البيع يا أبا الدحداح) أنعم بتلك النساء! والله إننا بحاجة إلى أن تتعلم نساؤنا من نساء الصحابة. انظر إلى طلحة بن عبيد الله -أحد العشرة- في ليلة من الليالي قعد يتقلب في سريره وما استطاع أن ينام، يتقلب يميناً ويتقلب شمالاً وعيناه مفتوحتان، تقول له امرأته: ما بك يا طلحة؟! انظر إلى ما قالت له: (هل بدر منا شيء فنعجبك؟!) يعني: حصل مني شيء أسترضيك، طول الليل سهران ولا تستطيع النوم، هل فعلنا بك شيئاً؟ فقال لها: (نعم حبيبة المرء المسلم أنت! -أنت لا أحد مثلك- لكن جاءني مال ولا أدري كيف أفعل به). انظر! جاءه مال ولا يدري أين يصرفه، هل تعرف ماذا قالت له؟ قالت له: (أنفق على أرحامك وفرقه فيهم) أرسله لأقاربك ووزعه عليهم. قال الراوي: (فأنفق ثلاثمائة ألف) ثلاثمائة ألف فرقها في أقاربه فانظر إلى المرأة وهي تقول: (ربح البيع يا أبا الدحداح!) فخرج أبو الدحداح من كل ماله. وهذه تقول: (أنفق على أرحامك) فأنفق ثلاثمائة ألف، فهذا هو الذي كان يميز جيل الصحابة. وفي الصحيحين من حديث أنس أن عبد الله كانوا ينسبونه إلى غير أبيه -هو عبد الله بن حذافة - أبوه اسمه حذافة، فكانوا يقولون له: أبوك ليس حذافة؛ لأن أمك في الجاهلية فعلت وفعلت وجاءت بك من حرام، فـ عبد الله لم يتحمل هذه الكلمة، والنبي ﵊ قال: (لا تسألوني في مقامي هذا شيئاً إلا أخبرتكم، فقام عبد الله بن حذافة وقال: يا رسول الله! من أبي؟ -أمام الناس جميعاً حتى يسمعوا رده- قال: أبوك حذافة) فـ عبد الله بن حذافة بعد أن ذهب إلى البيت ماذا قالت له أمه؟ قالت: يا عبد الله! ما رأيت أعق منك! أوأمنت أن تكون أمك قارفت ما يقارفه أهل الجاهلية، فتفضحها على رءوس الأشهاد؟!) افترض أنني كنت في الجاهلية فعلت شيئاً وأن أباك ليس حذافة، فتكون بسؤالك قد فضحتني!!
следующие страницы →