← Джавами‘

Джавами‘ · id 7693

دروس للشيخ أبي إسحاق الحويني

أبو إسحق الحويني

Полный текст (1 719 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

ظاهرة عمل الشباب المسلم في المحلات الغربية التي تبيع المحرمات شبابنا الآن يسافرون إلى البلاد الأوروبية ليعملوا في المطاعم، ليقدموا للآكلين الخنزير والخمر، وكل ذلك بدعوى تحصيل المال والحصول على لقمة العيش، وهذا نوع من دناءة النفس، أن يأتي المرء ما حرم الله ﵎، ويظن أنه بمعصية الله ليس يخسر، وهذا خطأ في التصور. ودعونا نضرب هذا المثال: لو أن رجلاً من أكرم الناس لا يسأله سائل إلا أعطاه، ولا يطلبه مبلغاً إلا أعطاه مثله وربما أكثر، فأكبر مصيبة تصاب بها أن يموت هذا الرجل، لأنه لا يحوجك إلى أحد، كلما طلبت شيئاً أعطاك، فأكبر مصيبة أن يموت هذا الرجل، فالله ﵎ قال: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان:٥٨] مع أن الذي لا يموت هو الحي وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ إذاً: هذا الذي ذهب إلى بلاد الغرب واشتغل فيما حرم الله لم يتوكل على الله الحي الذي لا يموت. فمهما كان الرقم كبيراً فإن له نهاية، لكن عطاء الله ﵎ وحده هو الذي لا ينقطع وليس له نهاية، كما يقول الله ﵎ لأهل الجنة: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ [ص:٥٤]. والحديث المشهور في صحيح مسلم وهو أجل حديث لأهل الشام، حديث أبي ذر: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي) من ضمن هذا الحديث قال الله ﵎: (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد -وقفوا في طابور من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة- وسأل كل واحد مسألته، فأعطيته مسألته، ما نقص ذلك من ملكي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل في البحر). كل واحد يتمنى أي أمنية تخطر على باله من لدن آدم ﵇ إلى قيام الساعة، وربنا ﵎ يعطيه ما يتمناه، والذي ينقص من خزائن الله مثل أن تدخل إبرة في البحر المحيط وتخرجها، وهذه الإبرة لم تأخذ من البحر المحيط شيئاً، وهذا على سبيل التمثيل، وإلا فلا ينقص من خزائنه شيء، كما قال الخضر لموسى ﵇ لما التقى به في مجمع البحرين، وكانت هذه الرحلة كلها بسبب كلمة قالها موسى ﵇ كما في الصحيحين، فقد كان موسى ﵇ في مجلس من مجالس بني إسرائيل، فقال كلاماً مؤثراً بكى له الناس ورقت قلوبهم. فقال قائل لموسى ﵇: يا كليم الله! هل هناك أحد هو أعلم منك؟ فقال: لا أعلم في الأرض من هو أعلم مني، فعتب الله عليه، لأنه لم يرجع العلم إليه، ما أدراك؟ سبحان من لا يعلم أسرار خلقه إلا هو، كم في الزوايا خبايا، وكم في الناس بقايا، فعتب الله عليه لأنه لم يقل: الله أعلم. فقال الله له: إن لي عبداً بمجمع البحرين هو أعلم منك. وأمره أن يذهب إلى مجمع البحرين والتقى موسى ﵇ بالخضر، فجاء عصفور، فنقر في ماء البحر، فأخذ قطرة، فقال الخضر لموسى: يا موسى! مثل علمي وعلمك إلى علم الله كمثل ما أخذ هذا العصفور من ماء البحر. إذاً: المسألة تقريبية فقط، وإلا لا ينقص من خزائن الله شيء لماذا تركب معصية الله لتحصل على المال؟ قال ﵊: (إن الله أمر يحيى بن زكريا بأربع كلمات أن يعمل بهن، وأن يأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن -أول كلمة من هذه الكلمات-: إن الله خلقكم ورزقكم فلا تشركوا به شيئاً، وإن مثل من أشرك بالله كمثل رجل اشترى عبداً من حر ماله، وقال له: هذا عملي وهذه داري، فاعمل وأد إليّ، فكان يبيع ويعطي غيره -يأخذ حصيلة البيع كل يوم ويذهب إلى جاره ويعطيه حصيلة البيع- قال ﵊: فأيّكم يرضى أن يكون عبده كذلك؟) من فيكم يرضى بهذا؟! المال مالك، والمحل محلك، ويبيع عبدك ويعطي المال لجارك هذا العبد أتبقيه يوماً واحداً؟! ما أظنك تبقيه يوماً واحداً، فلماذا قبلت أن تفعل هذا مع الله، وأنت لا تفعله مع نفسك، وتأنف أن يكون عبدك كذلك؟! فإن الله خلقكم ورزقكم فلا تشركوا به شيئاً، يقول الله ﵎: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان:٥٨] والتوكل: هو اعتماد القلب على الله، وهذا الذي كان يميز الصحابة ﵃ عن غيرهم، كان الواحد منهم تزهق نفسه ولا يقترب من محرمات الله، وكان الواحد يترك باباً من الحلال إذا اقترب من باب شبهة؛ خشية أن يقع في الشبهة لماذا؟ لأن لديه توكلاً كاملاً على الله أنه لن يضيعه. فأنت عبده وأنت صنعته، فلن يضيعك. ثم سوء الظن بالله أن تظن أنك إذا ركبت معاصيه أعطاك، وإذا أطعته حرمك، هذا سوء ظن بالله ﵎. أنت إذا كنت فقيراً فلذ بغني، ولا أغنى من الله؛ قال : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا﴾ [مريم:٤٠]. انتبه إلى كلمة (نحن) مع أن الكلام يمكن أن يفهم بدونها: (إنا نرث الأرض من وعليها) لكنه قال ﴿إِنَّا نَحْنُ﴾ [مريم:٤٠] ضمير العوض: ﴿إِنَّا نَحْنُ﴾، يعني: هذا كله إليه؛ فالله له الملك وحده، وهو القادر على شيء. وأصحاب النظام العالمي الجديد لو أحبوا أن يصنعوا مكيفاً مركزياً للعالم، يدفئ العالم في الشتاء، ويجعله برداً في الصيف فوالله لن يستطيعوا ذلك أبداً، ولو أنفقوا أموال الدنيا كلها. فالقادر هو الله، والرازق هو الله، بيده خزائن السموات والأرض.

стр. 1332

هجرة صهيب الرومي ﵁ بعض الشباب يذهبون إلى الخارج -بلاد أوروبا- يبحثون عن عمل، فيرتكبون المعاصي والمنكرات في سبيل جمع المال، وهذا لا يجوز، ولم يكن هذا دأب أصحاب النبي ﷺ على الإطلاق. فهذا صهيب الرومي ﵁ وأرضاه خطر بباله أن يأخذ جميع ماله الذي جمعه طول عمره، ويهرب في الليل من مكة إلى المدينة فاراً بدينه، فعلم المشركون أنه سيهرب، فلحقوه بالخيول، فقبضوا عليه في منتصف الطريق، فقالوا: جئتنا صعلوكاً لا مال لك، وتريد أن تأخذ المال وتذهب؟! فقال: أرأيتم إن خليت بينكم وبين المال -أعطيتكم المال- أتخلون بيني وبين وجهي؟ أي: بيني وبين الجهة التي أريد أن أذهب إليها؟ قالوا: نعم. فأعطاهم المال غير نادم ولا آسف، فلما ذهب إلى النبي ﷺ وأخبره بذلك، قال له: (ربح البيع يا أبا يحيى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة:١١١]) فهذه صيغة عقد، وهذا العقد ينقصه توقعيك أنت فقط، لأن المشتري مضمون، وهو الله ﵎، فهذا عقد بينك وبينه، هل توقع على هذا العقد أم لا؟ ﴿إن الله اشترى﴾ هو ذا العقد، ينقصه توقيعك أنت، ولكن أكثر الناس يهاب أن يوقع.

стр. 1333

نعمة الابتلاء اعلم أن كل إنسان على وجه هذه الأرض مبتلى، فليكن بلاؤك في ذات الله ، وقد ثبت عن النبي ﵊ أنه قال: (إذا سبقت للعبد من الله منزلة لم يُرْزَقْها بعمله، ابتلاه حتى يبلغها). أي أن البلاء ليس شرطاً أن يكون في الله تعالى، كرجل مؤمن ولكنه لا يحافظ على النوافل والقربات المستحبة، وقد كتب الله له منزلة، فإنه إن لم يبلغ المنزلة التي سبقت من الله له بعبادته، ابتلاه الله ليرفعه إليها. فإذا ابتليت في ذات الله كان أشرف لك لماذا؟ لأن سلفك في ذلك هم الأنبياء، وحين تلتفت في الطريق، تجد أن أسلافك هم الأنبياء تطمئن نفسك. وأنت عندما تسجن (مثلاً) من أجل دينك تختلف اختلافاً كلياً مع ذلك الذي يسجن من أجل الحشيش أو القتل أو غير ذلك فلا بد أن يصيبك بلاء، فاقبل أن يكون في الآخرة عند ربك لماذا؟ لأن سلفك هم الأنبياء، والصحابة والتابعين، والأئمة المتبوعين، وهم أتباع الصادق ﷺ . يقول ﵊: (أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى المرء على قدر دينه).

стр. 1334

في الابتلاء سلامة للقلوب من أمراضها إن المرء يوم القيامة يوزن بقلبه، وسلامة هذا القلب فيه سلامة العقل، وكثير من الناس يظن أن العقل في الدماغ، وهذا غلط، فالعقل في القلب وليس في الدماغ، قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ [الحج:٤٦] فالعقل في القلب وليس في الدماغ، فسلامة القلب معناها سلامة عقلك. وهذا يعني: سلامة تفكيرك. وهناك قصة مشهورة نشرت في الجرائد بمناسبة أن الدكتور مجدي يعقوب الجراح المصري الذي يقطن في لندن، قد أجرى عملية نقل قلب لشاب إنجليزي عمره تسع عشر سنة، ونجحت العملية عشرة على عشرة إلا أنها دمرت خلايا مخ الشاب، فرفع والد الشاب قضية على هذا الدكتور يطالبه بتعويض. فبمناسبة هذا الخبر نشرت الجرائد قصة الدكتور برنر -أول طبيب نقل قلباً في الدنيا، وكان هذا سنة (١٩٦٣م أو ١٩٦٥م) - نقل قلباً لمريض في سويسرا، وبعد أن نقل هذا القلب بطريقة ميكانيكية جيدة، بدأ المريض يخلط بين الأمور؛ وظن في البداية أن ذلك من تأثير البنج، لكن المريض لم يفق وظل يخلط دائماً. وبعد ذلك نقل هذا الطبيب برنر قلباً لرجل آخر، فبدأ هذا الرجل أيضاً يخلط بين الأمور، ويأتي بكلام لا يفهم معناه، فأرسل الدكتور مساعديه ليستقصوا عن صاحب القلب الأصلي، فوجدوا أن المريض الذي نقل إليه القلب يهذي بوقائع حقيقية لصاحب القلب الأصلي؛ مع أنه لا لقاء بينهما ولا يعرف أحدهما الآخر؛ لكنه يهذي بقصص وحكايات لصاحب القلب الأصلي حينئذ أسقط في يد هذا الدكتور، وعقد مؤتمراً صحفياً، وأعلن بأسى بالغ اعتزال مهنة الطب؛ لأنه جنى على رجلين، ثم قال: ما قيمة إنسان إذا كان يعيش في فلك إنسان آخر، يفكر بتفكيره، ويعيش في أحلامه، ويتخلى عن حياته؟! واعتزل الطب بسبب هذه المسألة، وهناك بعض الأطباء ينسون الفوط وأجهزة التليفونات في بطن المريض أحياناً، ويعتبرونه أمراً عادياً، وهذا فيه جناية على المريض. واعلم أن العبد يوم القيامة يوزن عند الله بقلبه: (يأتي الرجل السمين البدين لا يزن عند الله جناح بعوضة) لماذا؟ قال ابن القيم ﵀: لأن العبد يوزن عند الله بقلبه: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٩]. وهذا القلب إنما يستمد مادة حياته من المحن ومن العوارض ومن المتاعب، وأول ما تريحه يموت، فالقلب بخلاف الجوارح، فعندما تأكل وتشرب جيداً تنمو الجوارح، وتكبر العضلات، وينتفخ صدرك، وتصير بحالة جيدة، فإذا قطعت الأكل لمدة أسبوع، تجد أنك قد نحفت، وأن العضلات بدأت تتفسخ تضمر؛ فالجوارح تستمد حياتها من الراحة أما القلب فهو يستمد حياته من المحن، ففيها سلامة القلب، فالقلب لا يعيش إلا في العواصف والمحن، ولذلك اختار الله البلاء، فجعله من نصيب أوليائه؛ لا لهوانهم عليه، ولكن ليحصن قلوبهم؛ لأن أحدهم لو استراح، وركن إلى الدنيا، ضعف قلبه، ولذلك تجد أضعف الناس قلوباً وأدناهم الناس همة هم أهل الترف، يقول الله ﵎: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ [الإسراء:١٦]. (أمرنا مترفيها) يعني: بالطاعة: ﴿فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء:١٦]، وفي قراءة أخرى (وإذا أردنا أن نهلك قرية آمرنا مترفيها) أو (أمّرنا مترفيها) لكنها قراءة شاذة -أعني: (أمّرنا) - لكن العلماء يقولون: إن القراءات الشاذة تستخدم للتأنيس، كقراءة: (أمّرنا مترفيها) أي: جعلناهم أمراء، تخيل إنساناً أميراً وجاهلاً، فلا يشتهي شهوةً إلا وجدها عند أطراف أصابعه. إذاً: حين ابتلاك الله ليس لهوانك عليه، ولكن ليضمن سلامة قلبك له ﵎، فلا تبتئس. إن المؤمن مصاب ومبتلى، لكن مصيبته ومبتلاه في ذات الله: ولست أبالي حين أقتل مسلماً على أي جنب كان في الله مصرعي وسلامة قلبك تقتضي إذا شعرت بأي تغير في هذا القلب أن تتصل بالخالق مصرف القلوب. سأضرب لكم مثلاً: لو أن شخصاً أحب أن يقتل ملكاً أو رئيساً، فهل يستطيع بمجرد أن يفكر بذلك أن يقتله؟ لا. لا يستطيع ذلك، فلابد من أن يظل شهوراً أو سنين، يراقبه ويخطط لمصرعه، ولابد أن يعمل دراسة طويلة عريضة لماذا؟ لأن قتل الملوك ليس سهلاً، ومن الصعب جداً أن يقتل الإنسان ملكاً. كذلك القلب -ملك البدن- لا يستطيع الشيطان أن يغتاله بسهم يصوبه إليه ابتداءً، فالقلب عليه حراسة شديدة؛ لأنه مِلْك الرب ﵎، قال ﷺ : (إن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء) وهذا القلب آية من آيات الملك ﵎. وإذا مات قلب الإنسان، فقد سبقته ذنوب كثيرة وسنوات من الغفلة، فسهل على الشيطان إصابة قلبه. فالإنسان الذي يريد أن يلقى ربه بقلب سليم -أول ما يشعر أن هناك تغيراً في هذا القلب؛ وفيه قسوة شديدة وعينه لا تتأثر بالقرآن- ينبغي له أن يبحث عن طبيب رباني يداويه. ولو أنك أصبت -والعياذ بالله- بتصلب شرايين أو جلطة أو غير ذلك من الأمراض، فإنك تسارع إلى الطبيب لتعالج جسدك قبل فوات أوان نفع الطب، فلماذا حين يكون الأمر متعلقاً بروحك وقلبك لا تسارع إلى علاجه؟!

стр. 1335

الصحابة أطهر الناس قلوباً إن الله ﵎ ما اختار أصحاب محمد ﷺ إلا بعد أن نظر إليهم فوجدهم أطهر الناس قلوباً. فهذا أبو الدحداح ﵁ مرة -كما في مسند البزار- كان جالساً مع النبي ﷺ ، فنزل قول الله ﵎: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة:٢٤٥] وكان لـ أبي الدحداح بستان به ستمائة نخلة، وهذه بضاعة رائجة عند العرب. والأسودان التمر والماء كانت أساس حياة العرب، والنبي ﵊ قال: (بيت لا تمر فيه جياع أهله). إنسان يقول: نحن ليس لدينا تمر ولا نأكل تمراً، ونحن -والحمد لله- في نعمة وشبع؟! نقول له: إن الجوع هنا ليس معناه أن تكون جائعاً دائماً، فأنت لو أكلت جبنة أو زبدة، فما هي إلا نصف ساعة أو ربع ساعة، وإذا بك جائع، لكن التمر بخلاف ذلك، وهذا هو معنى قوله ﷺ : (جياع أهله) ليس شرطاً أن يظل جائعاً دائماً، ربما يكون جائعاً ربع ساعة، وربما يكون جائعاً خمس دقائق، ثم ينتهي جوعه. وكانت التمور هي البضاعة الرائجة عند العرب، فـ أبو الدحداح ﵁ حين سمع الآية قال: (يا رسول الله! الله يطلب منا القرض؟! قال: نعم. قال: ما لي عند ربي إن أقرضته حائطي هذا؟ -ستمائة نخلة إن أعطيته إياها فماذا لي؟ - قال: لك الجنة. قال: فإني أشهدك أنني أقرضت حائطي هذا ربي) وقام من المجلس وحاله ليس مثل حالنا؛ بمجرد أن نخشع وترق قلوبنا يقول أحدنا: خذوا روحي! وبعد قليل يأسف. ما الذي جعلني أقول ذلك؟! ما الذي ورطني هذه الورطة؟! أما هؤلاء الصحابة فقد كانت حرارة الإيمان عندهم دائمة، فلما أقرض الحائط هذا كله لله ﵎، قام من المجلس، والحائط هذا كان سوراً على الستمائة نخلة، وكانت بيته بداخل هذا السور، فوقف على الباب ولم يدخل؛ لأنه لم يعد ملكه، فقد أقرضه ربه، ونادى على امرأته: يا أم الدحداح! اخرجي بأولادك؛ فإني أقرضت حائطي هذا ربي. انظر إلى جواب المرأة! ما قالت: ما هذا الذي فعلت يا رجل؟! لماذا لم تكلمنا؟! أنت ماذا جرى لك؟! والأولاد أما تركت شيئاً للأولاد؟! قالت له: (ربح البيع يا أبا الدحداح، ربح البيع يا أبا الدحداح) أنعم بتلك النساء! والله إننا بحاجة إلى أن تتعلم نساؤنا من نساء الصحابة. انظر إلى طلحة بن عبيد الله -أحد العشرة- في ليلة من الليالي قعد يتقلب في سريره وما استطاع أن ينام، يتقلب يميناً ويتقلب شمالاً وعيناه مفتوحتان، تقول له امرأته: ما بك يا طلحة؟! انظر إلى ما قالت له: (هل بدر منا شيء فنعجبك؟!) يعني: حصل مني شيء أسترضيك، طول الليل سهران ولا تستطيع النوم، هل فعلنا بك شيئاً؟ فقال لها: (نعم حبيبة المرء المسلم أنت! -أنت لا أحد مثلك- لكن جاءني مال ولا أدري كيف أفعل به). انظر! جاءه مال ولا يدري أين يصرفه، هل تعرف ماذا قالت له؟ قالت له: (أنفق على أرحامك وفرقه فيهم) أرسله لأقاربك ووزعه عليهم. قال الراوي: (فأنفق ثلاثمائة ألف) ثلاثمائة ألف فرقها في أقاربه فانظر إلى المرأة وهي تقول: (ربح البيع يا أبا الدحداح!) فخرج أبو الدحداح من كل ماله. وهذه تقول: (أنفق على أرحامك) فأنفق ثلاثمائة ألف، فهذا هو الذي كان يميز جيل الصحابة. وفي الصحيحين من حديث أنس أن عبد الله كانوا ينسبونه إلى غير أبيه -هو عبد الله بن حذافة - أبوه اسمه حذافة، فكانوا يقولون له: أبوك ليس حذافة؛ لأن أمك في الجاهلية فعلت وفعلت وجاءت بك من حرام، فـ عبد الله لم يتحمل هذه الكلمة، والنبي ﵊ قال: (لا تسألوني في مقامي هذا شيئاً إلا أخبرتكم، فقام عبد الله بن حذافة وقال: يا رسول الله! من أبي؟ -أمام الناس جميعاً حتى يسمعوا رده- قال: أبوك حذافة) فـ عبد الله بن حذافة بعد أن ذهب إلى البيت ماذا قالت له أمه؟ قالت: يا عبد الله! ما رأيت أعق منك! أوأمنت أن تكون أمك قارفت ما يقارفه أهل الجاهلية، فتفضحها على رءوس الأشهاد؟!) افترض أنني كنت في الجاهلية فعلت شيئاً وأن أباك ليس حذافة، فتكون بسؤالك قد فضحتني!!

стр. 1336

غضب الصحابة للنبي ﷺ ومن مواقف الصحابة الكرام: موقف عبد الله بن عبد الله بن أبي ابن سلول عندما سمع أباه يقول: (لقد غبر علينا ابن أبي كبشة) وأبو كبشة هذا جد أم النبي ﵊، وهو غير معروف، لكن جد النبي ﷺ عبد المطلب وكان له شرف وسمعه، فكان النبي ﷺ عندما يرتجز يقول: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب لماذا عبد المطلب؟ لأنه كان له نباهة في قريش. وكان المشركون إذا أرادوا أن يشتموا الرسول ﵊ لا ينسبونه إلى عبد المطلب؛ بل ينسبونه إلى أبي كبشة؛ فـ عبد الله بن أبي ابن سلول ما أحب أن ينسب النبي ﵌ إلى جده، فقال: (لقد غبر علينا ابن أبي كبشة) غبر علينا: أي سحب السيادة منا، وسوى بيننا وبين العبيد والفقراء. فسمع النبي ﵊ هذه الكلمة، وسمعها عبد الله بن عبد الله بن أبي ابن سلول، فقام وقال: يا رسول الله! والذي بعثك بالحق، والذي أكرمك، لئن شئت لآتينك بعنقه؛ أي: مرني الآن آت لك برأسه لماذا؟ لأنه لم يكن عندهم أغلى من النبي عليه الصلاة السلام أبداًَ، فلم يكونوا يتحملون أي شيء يقال عليه: (لئن شئت لآتينك بعنقه) انظر إلى الانفعال- ويغضب للرسول ﵊ كل هذا الغضب والقائل هو أبوه! - فقال ﵊: لا، وولكن بر أباك، وأحسن صحبته. أنعم بهذا الخلق! الخلق الجميل والخلق النبيل الذي ليس له مثيل! انظر إلى حكمته عليه الصلاة السلام في التعامل مع عبد الله بن أبي ابن سلول الذي كان يسبه ﷺ ويشتمه، ومع ذلك قال: (معاذ الله أن يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه). : عبد الله بن أبي ابن سلول هو رجل واحد فقط، فلماذا قال: أصحابه؟ لأن الناس حين تنقل خبراً تضاعفه، فإن قتل واحداً قال الناس: قتل اليوم خمسة، وغداً يقولون: قتل عشرة، وبعد غد: قتل خمسة عشر، وما إن يصل الخبر إلى آخر شخص في الجزيرة العربية حتى يقولوا: محمد يقتل أصحابه! فيقول: -وقد كان عازماً على الذهاب- يقول: الحمد لله أني لم أذهب، فمحمد يقتل أصحابه! مع أنه لم يقتل إلا واحداً فقط! ولو أن شخصاً دخل القاهرة، فسرقت محفظته، وهو أول مرة يدخل القاهرة، فأول ما يرجع يسألونه: كيف أهل القاهرة؟ يقول: كلهم سَرَقَة! هل كلهم سرقوه؟ شخص واحد هو الذي سرقه، لكن هذا التعميم من مبالغة الناس. انظر إلى شعبة بن الحجاج ﵀! قيل له: لم لا تحدث القصاص؟ قال: لأنهم يأخذون الحديث منا شبراً فيجعلونه ذراعاً! القصاص يفترون على النبي ﷺ ، ويضعون الأحاديث، ويأتون بالغرائب، ويخترعون القصص، ويسمعونها العوام ليأخذوا أموالهم. ومن طريف ما يروى في ذلك: أن رجلاً لقي قاصاً فقال له: ألا تستحيي من هؤلاء الذين تقص عليهم هذه القصص؟! فقال له: أرأيت إن كان في بيتك بقر أكنت تستحيي أن تأكل أمامها؟! يعني: لو أن لك حظيرة وفيها بقر، فهل تستحيي أن تأكل أمامها؟! قال له: لا. قال: أملهني حتى أعلمك، فقام وأخرج قصة، وبدأ يقطعها على الناس، وبعد أن انتهى من القصة، قال: روينا عن رسول الله ﷺ أنه قال: (من مس لسانه أرنبة أنفه فله الجنة) قال: فما بقي واحد إلا أخرج لسانه يريد أن يصل إلى أرنبة أنفه، فالتفت إلى صاحبه وقال: أقل لك: إنهم بقر؟! وقد أثر أن عبد الملك بن مروان قال للشعبي: حدثني بأعجب شيء مر بك. فقال له: دخلت مرة الكوفة، فوجدت رجلاً من القصاص يتكلم ويكذب، ومن ضمن الكلام الذي قاله: إن الله تعالى خلق صورين، وفي كل صور نفختان. يقول الشعبي: فبمجرد أن سمعته قلت: يا شيخ! اتق الله ولا تكذب، إنما هو صور واحد ونفختان. قال: فأخذ نعله وضربني به، فتتابع الناس كل واحد يضربني بنعله، قال: والله ما تركوني حتى أقسمت لهم أن الله خلق سبعين صوراً، في كل صور نفختان! فلذلك قيل لـ شعبة بن الحجاج: لم لا تحدث القصاص؟ قال: لأنهم يأخذون الحديث منا شبراً فيجعلونه ذراعاً! طبيعة الناس عدم الصدق في نقل القول، فأبى النبي ﵊ أن يقتل هذا المنافق؛ لأن المفسدة في قتله أعظم من تركه حياً حتى مع الأذى. والشاهد: أن عبد الله بن عبد الله بن أبي ابن سلول لما سمع أباه يسب النبي ﵊ انفعل وغضب، والصحابة كلهم كانوا هكذا، والذي كان يميزهم أنهم كان لهم التزام كبير بالنص سواءٌ كان قرآناً أو سنة. من أجل هذا: ينبغي لنا أن نعتني بقلوبنا، وألا نتساهل في أي شيء يطرأ على هذا القلب مهما كان دقيقاً. وليس بكبير أن ترحل إلى محافظة أخرى أو إلى بلد آخر لتسأل عالماً من علماء القلوب عن شيء يقض مضجعك؛ فأنت لو أصبت بمرض عضوي فإنك تطوف الدنيا لكي تتعالج، فقلبك أولى أن تهتم به: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان:٥٨] لا يستطيع المرء أن يتوكل على الله حق توكله إلا إذا كان سليم القلب. أسال الله ﵎ أن يحفظ علينا وإياكم قلوبنا، وأن يجعل حبه أحبّ إلينا من الماء البارد. والحمد لله رب العالمين.

стр. 1337

احذروا خطوات الشيطان [٢] لا يزال الشيطان يدأب على كيد الإنسان واستدراجه لإيقاعه في المنكر والشر، والمطلب الأساسي للشيطان هو أن ينتهي بهذا الإنسان إلى أن يكفر بالله ويشرك به، لذلك فيجب على الإنسان أن يتعلم التوحيد ليتحصن به من كيد عدوه، وأن يعرف الله تعالى فهو ملجؤه وملاذة، وأن يجتنب مكائد الشيطان ويحذره.

стр. 1338

ذكر أجناس الشر الستة إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا ًعبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. قال الله : ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر:٦]، فقد لخصت الآية عمل الشيطان ومراده، وأنه إنما يدعو الناس ليدخلوا النار، وهكذا كل من في قلبه غل إنما يتمنى أن يقع الناس في السوء، كما قال : ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً) [النساء:٨٩]. فكل من في قلبه غل يتمنى النار للناس، ولقد رأينا هذا في الذين انتحلوا فكر الخوارج من أهل التكفير، لا تقر عينه إلا إذا حكم بالكفر على كل الناس، ومن ارتكب أدنى مخالفة فهو من أهل النار عنده، عنده غل، كلما غضب تمنى أن يهلك غيره، وهذا التصرف في الحب والبغض، كما قال عمر بن الخطاب ﵁ لـ أسلم مولاه، قال: (يا أسلم لا يكن حبك كلفاً ولا يكن بغضك تلفاً، إذا أحببت كلفت كما يكلف الصبي، وإذا أبغضت تمنيت التلف لمن أبغضته). فالشيطان يدعو الناس إلى النار، هذا هو مراده، مفردات شره التي وضعها في الأرض على مذهبه لا تدخل تحت الحصر، لكننا حصرناها في الجمعة الماضية في ستة أجناس من الشر، هي كالأعمدة والطرق، كل فرد من مفردات عمل الشيطان إنما تندرج تحت جنس من هذه الستة. الجنس الأول من الشر: أن يدعو الناس إلى الكفر، فإن أنجى الله العبد من الكفر دعاه إلى البدعة، فإن نجا من البدعة ولزم طريق السنة أوقعه في الكبائر، فإن نجا من الكبيرة أوقعه في الصغيرة، فإن نجا من الصغيرة شغله بالمباح الذي لا ثواب فيه ولا عقاب عن الأهم، فإن نجا من هذه شغله بالمفضول عن الفاضل، وإن كان المفضول خيراً أيضاً. لابد أن يضع أمامه عقبة من العقبات، فإذا كان الشر مستطيراً إلى هذا الحد، فكيف غفل الناس عن تتبع مذهب الشيطان، حتى يجتنبوه. عرفت الشر لا للشر ولكن لتوقيه ومن لا يعرف الخير من الشر يقع فيه

стр. 1339

التحذير من كيد الشيطان واستدراجه وكان حذيفة بن اليمان ﵁ يقول كما رواه البخاري في صحيحه: (كان الناس يسألون النبي ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني)، فقه الشر أن تكون عالماً بكل شَرَك ينصبه الشيطان لك، لكي لا يقع المرء فيه من حيث لا يدري، وقد قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [النور:٢١] فهو يجرك خطوة خطوة، لا يجرك عنوة، ولا يجرك صراحاً، إنما يجرك خطوة خطوة، حتى في عبادتك. عثمان بن أبي العاص كما رواه مسلم في صحيحه قال: (يا رسول الله إن الشيطان أتاني ليلبس عليَّ صلاتي، فقال: ذاك شيطان اسمه خنزب، فإذا جاءك فانفث عن يسارك ثلاثاً، قال عثمان: فلما جاءني نفثت عن يساري ثلاثاً فلم يأتني بعد) هذا الشيطان اللعين عمله الإضلال. لقد رأيت أناساً نحلت جسومهم، وصاروا جلداً على عظم من الوسواس القهري الذي يغزو قلوبهم وعقولهم على غير إرادة منهم، وهم يخافون أن يموتوا على الكفر. يأتي الشيطان فيوسوس له في ذات الله وسواساً قهرياً لا حيلة له في دفعه، فينسب الله إلى كل نقيصة عنده، وهو خائف أن يعتقد قلبه هذا اللفظ في الله فيموت على الكفر، فيأتي وقد ضاعت حياته؛ إذا كان عاملاً لا يعمل، أو كان موظفاً لا يعمل، لا ينام، لا يأكل، لا يشرب وهو خائف أن يموت على الكفر، فإن كان الوسواس أدنى من ذلك، وسوس له في الطهارة، فربما توضأ عشرين مرة وثلاثين ومائة، وبعض الناس يظل يتوضأ من أذان الظهر حتى يدخل العصر، وبعضهم لا يستطيع أن يأتي بتكبيرة الإحرام أبداً؛ لأنه يوسوس له، يقول له: أنت ما نويت، وما جئت بالنية. لا يدعك على الإطلاق. فإن كان الوسواس أدنى من ذلك قال له: لماذا تذهب إلى المسجد، ألا تقصد بعملك وجه الله؟ أجل. يعني: ذهابك إلى المسجد هذا فيه رياء، داخل المسجد وخارج من المسجد تريد أن تقول للناس أنك لا تترك الصلاة!! فإن كان ضعيف العلم تأثر به، والوسواس أكثر فتكاً في العبَّاد، ولا يتمكن من العلماء أبداً، إنما يُهلك العبَّاد. مثلاً: رجل عالم مقبل على ربه، خائف على ورعه وإخلاصه فجاء الشيطان وقال له: صلِّ في بيتك!! لا تصل في المسجد وراء إمام، فربما لا تدرك التسبيحات كما تريد وتقرأ كما تريد، بينما أنت في بيتك حر، تسبح عشرين تسبيحة أو مائة تسبيحة أنت إمامُ نفسك، وفي نفس الوقت أنت حريص على ورعك وتقواك ولا أحد يراك!! أول ما ينادي المؤذن فلتكن أول الخلق يصلي، بينما هم لا يزالون يصلون ركعتين بين الأذان والإقامة وينتظرون حتى تقام الصلاة، فأنت أول من بادر إلى ربه وصلى، وطوِّل في صلاتك. هذه خطوة! الخطوة الثانية: الأذان، لماذا أنت مستعجل؟! هي كلها خمس دقائق، توضأ على راحتك وإن تأخرت عشر دقائق ثم بعد ذلك ربع ساعة، ثم نصف ساعة ثم يجمع الصلاة إلى بعضها، ثم يترك الصلاة. الشيطان نَفسه طويل، لو كان عندنا من الجد في العمل جد الشياطين لكنا من أولياء الله، سئل الحسن البصري: أينام إبليس؟ قال: (لو نام لوجدنا راحة)، إنه لا ينام على الإطلاق، يعمل الليل والنهار، وكل يوم له خطة، ومذهبه واسع جداً، مفرداته -كما قلت- لا حصر لها. الذي فرط في معرفة مذهب الشيطان ووقع في حبائله، ينبغي أن يبكي على نفسه طويلاً، وأن يكون كما قال الشاعر: نزف البكاء دموع عينك فاستعر عيناً لغيرك دمعها مدرار من ذا يعيرك عينه تبكي بها أرأيت عيناً للبكاء تعار العالم الذي لا يجد الوقت إذا مر على أصحاب المقاهي -وهم يلعبون- قال في نفسه: لو كان الوقت يباع لاشتريت أوقات هؤلاء المخبولين، الذين ضيعوا أعمارهم، فهكذا لو كانت عيون الناس تعار ليبكي المرء بها على ما قصر وفرط في معرفة مذهب الشيطان؛ لاشترى المرء عيناً يبكي بها.

стр. 1340

أنواع التوحيد وأهميته والشيطان يريد أن يوقعك في شر الأمرين، ولذلك نحن ذكرنا أجناس الشر على حسب خطورتها: الشرك، البدعة، الكبيرة، الصغيرة، المباح، المفضول، ستة أجناس، آخرها أهونها، وأولها أعظمها. فهو لا يرضى عن كفرك بديلاً، هذا مراده الأول والأصلي، فإذا عجز عن إيقاعك في الكفر أوقعك في أي جنس، والله ﵎ لما خلق الناس خلقهم جميعاً على التوحيد، كما رواه مسلم في صحيحه والنسائي في سننه من حديث عياض بن حمار المجاشعي ﵁ قال: (خطبنا النبي ﷺ ذات يوم خطبة، فكان مما قال فيها: ألا إن الله أمرني أن أعلمكم ما لم تكونوا تعلمون -أو ما جهلتم- كل مال نحلته عبداً فهو حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين، فحرموا عليهم ما أحللته لهم، وأمروهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً، وإني أنزلت إليك كتاباً لا يغسله الماء، فاقرأه نائماً ويقظاناً، وإن الله أمرني أن أحرِّق قريشاً قلت: ربي! إذاً: يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة، قال: استخرجهم كما أخرجوك، واغزهم نغزك، وأنفق فسننفق عليك، وأرسل جيشاً نرسل معه خمساً). وفي هذا الحديث: أن الله ﵎ قال إنه خلق الناس على الإسلام جميعاً: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه)، ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٣٠]. فأول مأمور به: التوحيد، وهو الذي ينجيك من الخطر الأول -الشَرَك الأول- الذي ينصبه الشيطان لك، التوحيد الذي أهملته كثير من الجماعات الإسلامية التي تدعو الناس إلى الله؛ لكن ليس على طريق الرسل، التوحيد نوعان: توحيد في الإثبات والمعرفة، وتوحيد في القصد والطلب. أنا لا أتصور أن تطلب من لا تَعرف، إذاً: لابد أن تعرف حتى تطلب، فأول نوعي التوحيد: توحيد الإثبات والمعرفة، وهذا متضمن لذات الله ﵎ وأسمائه وصفاته، وأنت إذا قرأت خواتيم سورة الحشر رأيت الأسماء الحسنى كأنها منظومة لؤلؤ، تهز القلب هزاً: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الحشر:٢٢ - ٢٤]، وكذلك إذا تأملت كثيراً من الآيات تجدها مختومة بصفات لله ﵎. وهذا التوحيد (توحيد الإثبات والمعرفة) هو المذكور في قوله تبارك تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف:١٧٢]، هذا هو توحيد الإثبات والمعرفة، عرفناه وأثبتنا له الأسماء الحسنى والصفات العلى، وأثبتنا له الكمال المطلق. النوع الثاني من التوحيد: هو توحيد الألوهية، توحيد العبادة أنك تقصده ولا تقصد أحداً غيره: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [النحل:٥١] ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون:١١٧]، وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف:٤٥] ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٦٣] والقرآن مليء بهذا الجنس. وسورة (الكافرون) في توحيد الطلب والقصد، إذاً: تعرف ربك أولاً حتى تحبه، وتمثل قول القائل: أنت القتيل بكل من أحببته فاختر لنفسك في الهوى من تصطفي أي: اختر أي قتلة تُقتلها، وإنما يختار المرء على قدر نبله وشرفه وتوحيد قصده. أحببت ربك تقتل فيه، أحببت نبيك تقتل فيه، أحببت المال أحببت النساء أحببت الجاه تقتل فيه.

стр. 1341

قصة برطيطا العابد وهناك مثل آخر أعجب: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ [الحشر:١٦ - ١٧] علماء التفسير ذكروا قصة طويلة في سبب نزول هذه الآية، وهي لا تصح عن ابن عباس وإن ثبتت إلى مثل السدي وغيره. خلاصة القصة: أن رجلاً من بني إسرائيل كان يسمى برطيطا عَبَدَ الله في صومعة سبعين سنة لم يعص الله فيها طرفة عين، وكان إبليس الكبير يرسل لكل مؤمن شيطاناً على قدره، فإذا كان المؤمن كبير القلب لا يرسل إليه شيطاناً صغيراً، بل يرسل شيطاناً مدرباً عنده خطط كبرى، فإبليس نفسه له جولات مع برطيطا ولكن عجز، فجمع المردة يوماً فقال لهم: لقد أعياني أمر هذا الرجل، ألا يكفيني واحد منكم أمره؟ فقام الأبيض وهو شيطان مارد والأبيض اسمه، وهو الذي يتعرض للأنبياء، وهو أخطرهم، قال: أنا له. قال: انطلق! فانطلق ليدعو الغلام، وحلق رأسه على هيئة الرهبان، وجاء صومعة برطيطا ونادى عليه فلم يجبه، كان برطيطا بدأ يتعبد يدخل في الصلاة عشرة أيام كاملة، لا ينتهي إلا بعد عشرة أيام، ويصوم فلا يأكل إلا بعد عشرة أيام، فالأبيض هذا جاءه وهو في أول العشرة أيام فتركه عشرة أيام في أسفل الصومعة لا يجيبه، فلما وجد الأبيض أن برطيطا لا يجيبه قام هو أيضاً فكبر وصلى، فلما انتهى برطيطا من الصلاة نظر من الصومعة فوجد رجلاً على هيئة حسنة وعلى وجهه خشوع وخضوع وإخبات، فندم على أنه لم يجبه، فأجابه: ماذا تريد؟ قال: أن ترفعني إلى منزلتك فأخدمك وأعبد الله معك، قال: إني عنك مشغول، وكبر ودخل في الصلاة، وتركه عشرة أيام أخرى في أسفل الصومعة، فبعد أن انتهى من الصلاة نظر من الصومعة إليه فوجده في غاية الجد والإخبات في العبادة، فقال له: ماذا تريد؟ قال: ارفعني معك أخدمك وأعبد الله معك، قال له: اطلع. فطلع، فصارا في اجتماع. برطيطا آخر جهده عشرة أيام، وإذا بالأبيض يصلي أربعين يوماً كاملة، فنظر برطيطا إلى عبادته واستقلها، قال: هذا تقصير مني! أنا فعلاً مخطئ لأني لم أجبه. ثم بدأا يعبدان الله جميعاً، فقال له الأبيض: علمني! فقال له: لا. أنت الأستاذ! أنت تعبد ربنا أربعين يوماً مرة واحدة، قال له: أنا سأعلمك ذلك، سأعلمك اسم الله الأعظم الذي إذا دعوت به أُجبت، قال له: ما هو؟ فقال: الاسم كذا، ثم نزل الأبيض يمشي في الأسواق، فذهب إلى رجل وصرعه، فأهله يبحثون عن طبيب، فعمل نفسه طبيباً وذهب، قال: ما حكاية هذا الولد؟ قالوا: مصروع، فأخذ يقلبه، فقال: هذا الرجل مصاب بعلة قوية، ليس له دواء إلا عند برطيطا، اذهبوا إليه، فذهبوا إلى برطيطا، وهو متلبس بهذا الولد معه، فأول ما قرأ كلمتين أو ثلاثاً برئ وفاق الرجل، بعد أن رقاه برطيطا بالاسم الأعظم بزعمه. نزل الأبيض من صومعة برطيطا وذهب إلى إبليس وقال له: والله! لقد أهلكت الرجل! أي رجل يطيع الشيطان في أقل شيء طمَّع الشيطان فيه: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً﴾ [فاطر:٦] لا يأتيك خير من قبله على الإطلاق. بعد ذلك بدأ الأبيض يعمل في الناس مثلاً يصرع هذا ويصيب هذا بعلة، وكثر المرض في الناس جداً، وصار المنحوسون يتدافعون إليه ليشفيهم كما زعموا، فذهب الأبيض إلى فتاة من بنات الملوك وصرعها -عمها ملك وأخوتها ملوك- خنقها وجاء في زي طبيب، وقال لهم: لا يوجد حل غير برطيطا، فذهبوا إليه فأبى، قالوا: سنبني لها صومعة بجانبك وتعاهدها، فبينما هو يلتفت ذات يوم إذ رآها سافرة فوقع حبها في قلبه، فبدأ الشيطان يسول له، ما عليك إذا اقتربت منها وإذا فعلت وفعلت ثم تتوب، ما علموا أنك أذنبت ذنباً، وما على المرء إذا أذنب ذنباً واحداً وسعى وراء رحمة رب العالمين؟ فظل به حتى واقعها، فلما حملت قال له: قد فضحت نفسك وفضحت أشباهك!! فكل عابد سيشكون فيه. وهذه الخطة إبليسية، حيث ينصبون لك رجلاً شبهك، وبعد فترة تكتشف أن هذا جاسوس كان يسعى للتفرقة بين الناس، والإيقاع بالدعاة. الشيخ عبد الحميد ﵀ سمعته مرة يقول: إن نسيت فلن أنسى رجلاً خدمني، وقرأ لي ثلاث سنين حتى اعتبرته ولداً من أولادي، وإذا بي أجده يدق بابي ذات يوم في الفجر، وجاء بالجند يقبض عليَّ. فقال الشيطان للراهب برطيطا: فضحت نفسك وفضحت أشباهك، لأن الناس كلما رأوا عابداً سيقولون: وما أدرانا لعله يكون مثل برطيطا! لم يكن هناك أحسن من برطيطا، إذاً: ما الحل؟ فبعد أن اتضحت المسألة وعلم أنهم قاتلوه، جاءه وقال: هل تعرفني؟ قال له: لا. قال: أنا صاحبك، وقد -والله- أحيط بك، المطلوب منك حتى أنجدك أن تسجد لي سجدة واحدة وأنجيك، فلما سجد قال: والله يا برطيطا هذا الذي طلبته منك! منذ خمس عشرة سنة وهو يتدرج به ليصل إلى هذه السجدة. إذاً: ما هي آخر خطوات الشيطان؟ ما هو الذي يريده الشيطان بهذه الخطوات التي لا تبدو خطيرة؛ لكن إذا جمعت بعضها إلى بعض صارت جبلاً؟ لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى قال: والله يا برطيطا هذا الذي أردته منك! لكن لو جاءه أول مرة وقال: اسجد للشيطان لأبى عليه، ولكن تدرج به حتى إذا سجد قال: هذا الذي أردته منك، فأنزل الله الآية على مقتضى هذه الحادثة أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم

стр. 1342

فائدة ضرب المثل للكفر والكافرين وقد ضرب الله لنا مثل الكفر والكافرين، وهذا تمثيل. وبضدها تتميز الأشياء فقال ﵎: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:١٧١] فأنت أيها الرجل تأمل هذا المثل: لو لم يكن في التمثيل من الكفر إلا هذا المثال لكان كافياً أن تترفع عن أن تقترب من أهله: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ [البقرة:١٧١] تعرف الراعي الذي ينعق -يعني: يرفع صوته إلى آخر حد- ينادي الأنعام: البهائم والبقر والخرفان. الحيوانات سمعت؛ لكن هل عقلت؟ لا. والكافر هكذا: يسمع لكن لا يعقل، وهذا السمع الذي حُرمه الكافر هو سمع القلب، لا سمع الجارحة، فكلٌ يسمع، قال الله في بيان جزاء هؤلاء: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال:٢٣] مع أن الكافرين قالوا: ﴿قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ [الأنفال:٣١] فقولهم: (قَدْ سَمِعْنَا) فهل سمعوا فعلاً؟ الله قال: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال:٢٣] إذاً: سمعت الأذن ولم يسمع القلب. فالسمع المفيد لصاحبه هو سمع القلب، فهذه الحيوانات كما أنها لا تعقل ما يقال لها وإن كانت تسمع صوتاً، فالكافرون كذلك، يسمعون آيات الله تتلى عليهم فيلتفت بعضهم إلى بعض ويقولون: ﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً﴾ [البقرة:٢٦]، مع أن الأمثال -كما يقول العلماء- من باب المبين، يعني: لا يوجد أوضح من هذا، إذا طلبت توضيح الواضح. وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل أنا أفهم أنه قد يلتبس عليك المجمل مثل: أقيموا الصلاة، آتوا الزكاة، صوموا رمضان، فأنت لا تفهم -من هذا وحده- كيف تقيم الصلاة ولا كيف تصوم ولا كيف تزكي؛ لأنه كلام مجمل يحتاج إلى تفصيل، لكن إذا فصلنا فهل تأتي -أيضاً- وتسأل في المفصل؟! فالمثال الآنف الذكر من باب المبين. وفيه يضرب الله المثل بشيء واقعي ملموس أنت تعرفه لفكرة يجب اعتقادها. فالكافر الذي ختم الله على قلبه يسمع المثل الواضح فيستغرب ويسأل ويقول: ﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً﴾ [البقرة:٢٦] ماذا يريد أن يقول بالضبط؟ إذ ثبت عليه البيان، هذا من الضلال البعيد كما قال الله : ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ﴾ [إبراهيم:١٨]، فتخيل الصورة! ذرات رماد لا تكاد ترى إلا لمدقق، فتصور هذا الرماد في يوم عاصف شديد الريح، هل تستطيع أن تجمع ذرة إلى ذرة، هذا إشارة إلى بعثرة أعمالهم، فلا ينتفعون بذرة منها، ولذلك ختم الآية وقال: ﴿ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ﴾ [إبراهيم:١٨]، وفي هذا المعنى يقول القائل الذي نعى حظه في الدنيا. إن حظي كرماد فوق شوكٍ نثروه ثم قالوا لحفاة يوم ريح اجمعوه عسر الأمر عليهم، فقال بعض اتركوه إن من أشقاه ربي كيف أنتم تسعدوه فضرب ربنا المثل في إهدار أعمال الذين كفروا بمثل هذه الصورة.

стр. 1343

أهمية توحيد الإثبات والمعرفة بالنسبة لتوحيد القصد فهذا التوحيد (توحيد الإثبات والمعرفة) ضروري لتوحيد القصد والإرادة، كلما عرفته أحببته، واعلم أنه لا يغيثك إلا هو، وليس لك منجى ولا ملجأ منه إلا هو أيضاً، فكلما عرفته اطمأن قلبك؛ لأن كل شر نفسي على وجه الأرض سببه اضطراب القلب وخوفه. ما عمل الطب النفسي على وجه الأرض؟ عمل الطبيب النفسي أن يطمئن قلب المريض، ويعيد الثقة إليه، ويبين له أنه إنسان يحظى باحترام الآخرين وتقديرهم، فعمل الطب النفسي كله لأجل طمأنة القلب من ناحية المستقبل، فالطب النفسي كله وقف على عتبة آية من كتاب الله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨]. ونحن نعلم أن المحب مولع بذكر من يحب، ولذلك شرع النبي ﷺ لنا أذكار الصباح والمساء وغيرها من الأذكار الموفقة؛ حتى تكون ذاكراً لربك في كل وقت، فما بال الناس لا يذكرون الله في الصباح ولا المساء، ولا يسبحونه وهم يتفكرون في مظاهر الكون؟! ولا يحبونه. ولو أحبوه لشغفوا بذكره رغماً عنهم. أحياناً الإنسان وهو نائم يهتف باسم من يحب، وإذا ابتلي بحب إنسان يراه كثيراً في المنام، واسألوا المحبين، يتمثل له المحب في اليقظة، ومن شدة ولعه يصطحبه في المنام أيضاً، والشيطان كما قال النبي ﷺ : (الشيطان ذئب الإنسان)، لا يترك المرء لا في اليقظة ولا في المنام، فيجيئه في المنام بالكوابيس، والنبي ﵊ قال: (الرؤى ثلاثة) قسم منها تهاويل الشيطان، وحتى تردع هذا الشيطان الذي جاءك في المنام، قال النبي ﷺ : (ما بال أحدكم يتحدث بتلاعب الشيطان به). شخص يقوم من النوم فيقول لك: يا أخي! البارحة طوال الليل أرى في منامي أني أطير والعفاريت تطير ورائي، إذ نزلت تنزل ورائي، وإذا طلعت تطلع ورائي، وأحياناً يرى نفسه يتردى من قمة جبل، فيستيقظ من منامه فجأة فيجد نفسه على السرير، فيقول: الحمد لله، ما زلت أعيش، أو أن هذا الذي أراه ليس حقيقة. يقول النبي ﵊: (لِمَ يتحدث أحدكم بتلاعب الشيطان به؟)، عندما يتحدث الإنسان بهذه الرؤى ينتفخ الشيطان ويقول: بقوتي صرعته، أما إذا تفل على يساره ثلاثاً فإن الرؤى لا تضره، والشيطان يتصاغر ويتصاغر حتى يكون كالذباب والذر من الحقارة، فهذا الشيطان لا يدعك حتى في المنام؛ لأنك أنت فريسته وغاية مطلوبه. والنبي ﷺ علمنا الذكر؛ لأنه أولاً يشفي غليل القلب ويريح أعصابه، هذه فائدة الذكر الأولى. الفائدة الثانية: أنه يحصنك من الشيطان، كما رواه الترمذي وأحمد وابن حبان والحاكم من حديث الحارث الأشعري الذي أوله: (إن الله ﵎ أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات، وأمره أن يعمل بهن وأن يأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن) الكلمة الخامسة في هذا الحديث، (قال يحيى ﵇: وآمركم بذكر الله، فإن مثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سراعاً في أثره، فاحترز في حصن حصين، وإن العبد يحرز نفسه من الشيطان بذكر الله). يعني هذه فائدة الذكر، حتى شرع الله لنا أن نذكره في أشد المواقف وهو لقاء العدو: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال:٤٥]، أول ما تذكر أنك مع الملك وفي معية الملك يستمد قلبك قوة، وفي حديث عياض بن حمار الذي ذكرناه آنفاً، قال الله للنبي ﷺ : (وأرسل جيشاً نرسل معك خمسة) يعني من الملائكة.

стр. 1344

حكم الجهل بالتوحيد لابد أن تعرف ربك أولاً، ومن العجيب أن المرء قد يمارس مهنة من أدق المهن التي تحتاج إلى تركيز، وتحتاج إلى ذكاء عالٍ، فإذا هو في خلال سنة يأخذ دورة أو دورتين أو عشراً أو عشرين، وإذا به أحد المرموقين في هذا الفن مع شدة تعقيده، فإذا سألته عن ربه وجدته أجهل الناس به، مع أن معرفة الله أسهل من ذلك بكثير، فهل ذلك لأن معرفة الله صعبة؟ لا. ولكن أهملوا، ولذلك المرء لا يغفر له جهله إذا لم يسع إلى إزالته. نحن معاشر أهل السنة وإن كنا نَعذر بالجهل في أصول التوحيد أي: نقول لا يكفر؛ لكننا لا نرفع المؤاخذة عن الجاهل، إذا كان بإمكانه أن يرفع جهله، لماذا عرف أعقد من ذلك وترك معرفة الله وهي أسهل وأيسر؟! قال الله : ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧] فمن أراد الوصول إلى الله وصل، لكن لا يصل إليه ويوحده إلا إذا عرفه وأحبه. القرآن كله قائم على التوحيد وجزاؤه وواجباته، والشرك وجزاء أهله، فمن أول الفاتحة إلى الناس لا تخرج عن هذا الموضوع على الإطلاق: التوحيد وحقوقه وجزاء أهله، وحقوق التوحيد من الأمر والنهي. فكل الأوامر والنواهي من حقوق التوحيد بمقتضى أنك رضيت بالله رباً، أي: تسمع وتطيع فيما أمرت به، وتنتهي عما نهيت عنه: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ﴾ [يوسف:٤٠] أي: لا يحكم فيك إلا الله. وذكر جزاء الموحدين مسألة ضرورية، حتى يحفز العاملين إلى العمل، فنصب الجزاء سنة قررها القرآن وذكرها النبي ﷺ كثيراً، وهو يتكلم عن الجنة، تكلم كثيراً عن جزاء المطيعين لربهم ﵎، وفصل هذا الجزاء وفصل نعيم الجنان، وكلما زاد التفصيل زاد التصور؛ لدرجة أنه فصل مرة بعض نعيم الجنان، فسأله رجل: (يا رسول الله! ثيابنا في الجنة أننسجها بأيدينا أم تفتق عنها ثمار الجنة؟ فضحك الناس، فقال: مم تضحكون، من جاهل يسأل عالماً؟ نعم يا أعرابي! تفتق عنها ثمار الجنة). ويسأله في أدق التفاصيل، فيقول: أنت في عليين، في المقام العالي، ونحن دونك، فهل نراك؟ يسأله في مثل هذه الدقائق، وما أغراه في هذا إلا أن النبي ﷺ فصَّل، وهذا كله دافع للعمل. فأول ما ينبغي عليك أن تعلمه حتى تنجو من الشَرَك الأول الذي ينصبه الشيطان: أن توحد ربك، توحيد الإثبات والمعرفة، تحبه أولاً، فإذا أحببته جاء توحيد الطلب والقصد تلقائياً، لا تشعر بكلفة الأوامر ولا النواهي على الإطلاق.

стр. 1345

خطر الشرك في إحباط العمل إن الحمد لله، له الحمد الحسن، والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. الشرك -أيها الإخوة الكرام- هو السيئة الوحيدة التي لا تبقي بعدها حسنة: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٨١]، ولا توجد سيئة تحيط بالعبد كل الإحاطة إلا الشرك، ولذلك لا يقبله الله من أي إنسان كائناً من كان. قال الله ﵎ لأشرف خلقه: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥ - ٦٦]. ذكر الله ثمانية عشر نبياً أولهم إبراهيم ﵇ أبو الأنبياء وأسوة الحنفاء: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحاً هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٨٣ - ٨٦]. وليس هؤلاء فقط، وإنما ذكر بهؤلاء لشرفهم، وإلا المسألة عامة، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:٨٧ - ٨٨]. لو أشركوا مع نزاهتهم وجلالتهم لحبط عنهم ما كانوا يعملون، فكيف أهمل المسلمون معرفة هذا الباب الخطير، وصار المرء إذا قال: يا جماعة! ابدءوا بالتوحيد، قالوا له: التوحيد موضوع طويل! إسرائيل أخذت الأرض، ونحن لا قيمة لنا، إنما نعيش على الهامش. ويندب حظه! وهكم هتفنا بإخواننا: يا جماعة! ابدءوا بالتوحيد قبل توحيد الكلمة، يجيبك قائلاً: الطريق طويل! فاستعجلوا؛ ولذلك ما جنوا شيئاً، ولن يجنوا شيئاً، كل دعوة لا تبدأ بالتوحيد فهي فاشلة. فهذا باب خطير، ينبغي أن يعتني المرء به، أولاً: لسلامة قلبه، وليستمتع بالدنيا، لا يستمتع بالدنيا إلا أهل الله، وهم الذين يرون الدنيا جميلة، فمن أجل أن تستمتع بالدنيا عليك أن تعبد ربك، ووحد الاتجاه، فإن الله ﵎ ضرب مثلاً للمشرك -مهما كان عنده من الجاه والمال والسلطان- وأنه لا يشعر بسعادة على الإطلاق: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٢٩]. هذا هو مثل المشرك، رجل له عشرة مالكين، وليتهم على قلب رجل واحد، بل متشاكسون، إذا قال واحد منهم: شرِّق يقول الآخر: غرِّب، حتى ولو لم يكن في الغرب فائدة، لكن يريد أن يعانده فقط، وهذا معنى (متشاكسون) وهم كلهم أسياده، وكل واحد منهم عنده القدرة أن يوقع العقاب بهذا العبد؛ لأنه سيده، يقول أحدهم: يا ولد! اذهب إلى الشرق، الثاني قال: بل إلى الغرب، الثالث قال: بل إلى الشمال، الرابع قال: إلى الجنوب، وقال الخامس: اجلس مكانك، فإذا لم يطع الأول ضربه، وإذا لم يطع الثاني ضربه، والثالث والرابع فهو مضروب منهم جميعاً. أشقى إنسان على وجه الأرض هو هذا الإنسان لا يجد السعادة على الإطلاق. إذا احتاج شيئاً يوماً من الأيام فيذهب إلى أحد أسياده فيقول له: أريد كذا، فيقول له سيده: هل طاوعتني؟ لماذا أعطيك وأنت لم تطاوعني، قلت لك: اذهب شرقاً؛ فسمعت كلام الثاني وذهبت غرباً، لا حسنة لك عندي، ويذهب إلى الآخر فيقول له: لا جميل لك عندي! فالرجل لا يستطيع أن يقوم بمطلوب ملاكه، فهو مضروب وملام ومهان، ولا يحفظون له جميلاً ولا حسناً. هذا جزاء من لم يوحد الجهة، وحِّد الجهة تسترح وتنجُ من أول شَرَك ينصبه الشيطان لك وهو الشرك، أعاذنا الله وإياكم من الشرك ظاهره وباطنه. أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم لي ولكم، اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين، اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلِّط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا، رب آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا وكل ذلك عندنا

стр. 1346

أسئلة وأجوبة [١]

стр. 1347

معنى (جواب الحكيم) في عبارات الفقهاء إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد. وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد. السؤال قرأت في بعض الكتب عن (جواب الحكيم) فما معنى هذه العبارة؟ الجواب معنى (جواب الحكيم) أن يزيد المفتي في جوابه على سؤال السائل زيادة لا تتم الفائدة من الجواب إلا بها، مثال ذلك: قال ﷺ -وقد سألته امرأة، كما في صحيح مسلم من حديث ابن عباس ﵄: (أنها حملت صبياً صغيراً ورفعته، وقالت: ألهذا حج؟ قال: نعم، ولك أجر)، فجواب السؤال تم بقوله ﷺ : (نعم). وما سألت المرأة: هل لها أجر أم لا، إنما زادها رسول الله ﷺ هذه الزيادة؛ لأن الإنسان لا يعمل إلا إذا أُجر، هكذا خلق الله الإنسان، لذلك خلق له الجنة والنار كترغيب وترهيب، على خلاف ما ينسبونه إلى بعض الصوفية كـ رابعة العدوية وغيرها، التي كانت تقول: لو كنت أعبدك خوفاً من نارك فأحرقني بنارك، ولو كنت أعبدك طمعاً في جنتك فأحرمني من جنتك، وإن كنت أعبدك ابتغاء وجهك فلا تحرمني من وجهك! ويقولون: إن الذين يعبدون الله طمعاً في الجنة وخوفاً من النار إنما يعبدونه عبادة التجار، ويقولون: إن عبادتهم مدخولة؛ لأنهم يقولون: إن الذي يعبد الله طمعاً في الجنة وخوفاً من النار لم يخلص في عمله. وهذا قول مخالف للآيات القرآنية، ومخالف لأحاديث النبي ﵊، قال الله ﵎: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥] فذكر ربنا أن الذي يدخل الجنة قد فاز. ولا يتصور أن يعبد الرجل ربه بغير أجر وجزاء (جاء أعرابي إلى النبي ﷺ -كما في سنن أبي داود- وقال له: إني أسأل الله الجنة وأعوذ به من النار، ولا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ، فقال ﵊: حولها ندندن). أي: حول سؤال الله الجنة والاستعاذة به من النار ندندن. فالإنسان إذا لم يعمل لحافز فترت همته، ولذلك فأنت ترى في الدنيا القطاع العام نظامه فاشل، والقطاع الخاص نظامه ناجح، لأن القطاع الخاص يربط الأجر بالإنتاج، لكن القطاع العام مثل الدواوين، هذا الرجل له مرتب سواء عمل أو لم يعمل سيأخذ مرتبه. القطاع الخاص يقول صاحبه مثلاً: القطعة بدرهم، فحينها يقول: وأنا لماذا أجلس فارغاً؟ أستكثر من القطع لأجل أن أستكثر من الدراهم هذا كله بسبب الحافز. والصحابي الذي قال للنبي ﵊ في غزوة بدر: (مالي عند ربي إن قتلت في سبيله؟ قال: لك الجنة. فكان يأكل تمرات، فرمى بالتمرات، وقال: إنها لحياة طويلة حتى آكل هذه التمرات، فقاتل حتى قتل). فتصور الحوار الآتي: هل كان هذا الرجل يبادر فيلقي بالتمرات ويدخل في غمرات القتال؟ لا. وفي أيام قتال ابن الزبير مع عبد الملك بن مروان، جاء رجل إلى ابن الزبير وقال له: أقاتل معك -وأنا فارس مشهور- فكم تعطيني إذا أبليت بلاءً في القتال يعني؟ قال: أعطيك كذا وكذا. فقال: أعطني المال؟ قال: حتى نرجع، نقاتل ونرجع. فتولى عنه الرجل وهو يقول: أراك تأخذ روحي ديناً وتعطيني دراهمك نسيئة. أي: ما يضمن لي أن أرجع، فالرجل لأنه لم يعطه ابن الزبير ترك القتال معه، فكذلك الإنسان. فالنبي ﵊ لما قالت المرأة: (ألهذا حج؟ قال: نعم. -ثم حفزها لما يعرفه من طبيعة الإنسان أنه إذا عمل أجر- قال: ولك أجر). لأن الإنسان قد يقول: هذا صبي صغير، وأنا أؤخر الحج حتى يبلغ وتكتب له الحجة، فكان هذا من النبي ﷺ حافزاً للمرأة، وللرجال الذين يسمعون هذا الحكم حتى يأخذوا أولادهم إلى الحج. ومنه أيضاً ما رواه أصحاب السنن عن أبي هريرة ﵁ قال: (جاء أعراب إلى النبي ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله! إنا نركب البحر، ونحمل القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال ﵊: هو الطهور ماؤه، الحل ميتته) مع أنهم لم يسألوا عن حل الميتة، إنما سألوا عن طهورية ماء البحر أهو طاهر؟ فكان يكفي الشطر الأول في الجواب: (هو الطهور ماؤه) لكن زادهم الرسول ﵊ حكماً لم يسألوا عنه، وهذا من تمام شفقته ﵊ بهؤلاء السائلين. فإذا كان هؤلاء الأعراب استشكلوا طهورية ماء البحر، فلأن يستشكلوا ميتة البحر أولى، إذا كان استشكلوا الشيء المشهور المعروف، فلأن يستشكلوا ما هو أغمض منه أولى، وهؤلاء أعراب يركبون البحر، فقد يغيب الرجل خمسة عشر يوماً في البحر وينفد زاده، وقد يضطر إلى أكل السمك أو أكل حيتان البحر، وليس عنده أي معلومة هل ميتة البحر حلال أم حرام؛ فأشفق عليهم فأفتاهم. ولو قال شخص: لم يكونوا صيادين. فنقول: لا؛ لأنه ورد في بعض طرق الحديث أنهم كانوا يصطادون اللؤلؤ، ولو كانوا يصطادون السمك لكان هذا ظاهراً جداً بالنسبة لهم. لكنهم كانوا يصطادون اللؤلؤ، فربما نفد زاد هؤلاء فظنوا أن ميتة البحر تدخل في عموم الميتة في القرآن، فلا يأكلون، قال الله ﵎: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة:٣] و (الميتة): اسم جنس محلى بالألف واللام، يفيد العموم، أي: حرمت عليكم كل أنواع الميتة. وقد يقول شخص: السمك والجراد معروف للناس جميعاً أنه مستثنى من الميتة؟ نقول: لا، هذا معروف لنا، لكن بالنسبة لهؤلاء الأعراب لم يكن معروفاً، فأنت إذا عرفت أن أحد كبار الصحابة المجتهدين لم يكن يعرف هذا الحكم سهل عليك أن تعرف أن هؤلاء الأعراب لا يعرفون الحكم. فهذا الصحابي الجليل أبو عبيدة بن الجراح ﵁، وقد روى خبره هذا البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري ﵁ قال: أرسلنا رسول الله ﷺ في غزوة، وأمر علينا أبا عبيدة بن الجراح، وأعطاهم جراباً فيه تمر، فكان يعطينا الحفنة من التمر فنأكلها. فلما كاد التمر أن ينفد كان يعطينا تمرة تمره، فكنا نمصها كما يمص الصبي، ونشرب عليها الماء، فلما نفد التمر أكلنا ورق الشجر -يضربونه بالعصي ثم يطحنونه، ثم يأكلونه، فسمي هذا الجيش جيش الخبط، الذي هو نسبة إلى ورق الشجر الناشف- فظلوا يأكلون ورق الشجر شهراً حتى قرحت أشداقهم. قال: ثم قذف البحر لنا دابة عظيمة يقال لها العنبر -دابة عظيمة: حوت من حيتان البحر، لكنه عظيم الخلق- قال: وجلس ثلاثة عشر رجلاً منا في وقب عينه -مكان العين هذه مكث فيه ثلاثة عشر واحداً من الصحابة- قال: وكنا نأخذ الدهن من عينه بالقلال. فأول ما رمى البحر هذا العنبر على الشاطئ قال أبو عبيدة: ميتة! لا تأكلوه -لم يكن عند أبي عبيدة خبر أن ميتة البحر مستثناة من عموم الميتة في كتاب الله . ثم قال لنفسه: نحن جيش رسول الله ﷺ ، وفي سبيل الله، ونحن مضطرون، فكلوه -إذاً أبو عبيدة أيضاً لما أكل لم يخالف النص القرآني: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة:٣]، فحمل هذا الأمر على الضرورة، وأكلوا- وأخذوا من لحمه وشائق -أي: وضعوا عليها ملحاً وقددوها-. فلما رجعوا إلى النبي ﷺ وأخبروه بذلك قال: (هذا رزق رزقكموه الله ، فهل معكم منه شيء؟). فإذا كان أبو عبيدة بن الجراح وهو من هو في العلم حتى إن عمر بن الخطاب ﵁ لما وقع طاعون عمواس وأراد أن يخرج قبل أن يعرف الحكم، فقال له أبو عبيدة: أتفر من قدر الله يا أبا حفص؟ قال: يا أبا عبيدة! لو غيرك قالها -يعني: كان أدبه، لكن أبا عبيدة كانت له مكانة عند عمر وكان جليل القدر والعلم، وكأنما يقول: أفمثلك في علمه يقول مثل هذا الكلام؟ - نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله. فإذا كان هذا الحكم يخفى على مثل أبي عبيدة بن الجراح فله أن يخفى على مجموعة من الأعراب أولى وأولى، والرسول ﵊ علم استشكال هؤلاء عن ماء البحر، فأعطاهم هذا الحكم الزائد الذي لم يسألوا عنه؛ رحمة بهم. ومن هذا الباب أيضاً: قصة الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفساً، لما ذهب يبحث عن راهب يفتيه: هل له توبة؟ فدل على راهب فأتى إليه، فقال: هل لي من توبة؟ قال: لا؟ فقتله فأتم به المائة، ثم أذن الله له بالتوبة، فسأل عن أعلم أهل الأرض. فدلوه على راهب عالم، فقال له: إني قتلت مائة نفس، ألي توبة؟ قال: نعم، ومن يحجب عنك باب التوبة؟ اخرج إلى أرض كذا وكذا، فإن فيها قوماً يعملون الصالحات. قال: (ألي توبة؟ قال: نعم) وهنا تم الجواب. كل الزيادة القادمة هذه من تمام (جواب الحكيم) لا تتم الفائدة، ولا ينتفع هذا الرجل إلا بتمام الفتوى. (ألي توبة؟ قال: نعم. -الزيادة- (ومن يحجب عنك باب التوبة؟ اخرج إلى أرض كذا وكذا فإن فيها قوم يعملون الصالحات). أول زيادة: فيها أمانة العا

стр. 1348

حكم إطلاق اللحية في الشرع السؤال أنا شاب التزمت قريباً، وأطلقت لحيتي، وطال جدال بيني وبين والدي وإخوتي، فهم يقولون: اللحية لا ضرورة لها الآن، وأهم شيء القلب، ويقولون لي: ليست اللحية واجبة، وليس عندي من المعلومات الشيء الكثير لمناقشتهم، فأرجو أن تفصل هذا الأمر؛ لأنه مهم جداً بالنسبة لي حتى أقنعهم؟ الجواب الحقيقية أن الذي يزعجني قول بعض الناس للذي يطلق لحيته، مثلاً: هل صنعت كل شيء من الواجبات فما بقي إلا اللحية؟! فيهونون عليه هذا الحكم. إذا نظرنا إلى الدين بهذه الصورة فلن يفعل أحد قط شيئاً من الخير، فمثلاً: سرت في الشارع ووجدت زجاجة مكسورة يمكن أن تجرح إنساناً ما، فأخذتها ووضعتها بجانب الطريق، فيأتيني رجل يقول لي: هل فعلت كل شيء إلا حمل الزجاجة من على الأرض؟ هل يستقيم هذا الكلام؟! وهل العبادات بعضها مترتب على بعض بحيث إذا لم تفعل هذه لا يحل لك أن تفعل الأخرى؟! بل الرسول ﵊ يقول -كما في الصحيحين -: (إن امرأة بغياً من بني إسرائيل -بغياً: أي: تتاجر بعرضها- رأت غصن شوك من على الأرض فحملته فنحته جانباً، فشكر الله لها؛ فغفر لها). أنت لا تدري ما يقبل من عملك؛ لذلك لا تكف عن فعل الخير أبداً، الزجاجة التي تحملها عن الأرض لعل الله يكفر عنك ذنوبك كلها بهذه الزجاجة، فهذه الزجاجة قد تكون عند الله أفضل من قيامك وصيامك، وأنت لا تدري، وهذا ليس تهويناً للصيام والقيام، هل أنت تتصور أنه ورد لك في النصوص -إذا لم تكن تعلم هذا النص- أن غصن شوك يسقط ذنب امرأة تاجرت بعرضها، وزنت وغصن شوك يسقط كل هذه الجرائم من على أكتافها؟! أنت لا علم عندك علم بالذي يتقبل من أعمالك، أحياناً قد تعمل عملاً وتتصور أنه أجل عمل عملته ولا تؤجر عليه، وتعمل عملاً آخر وليس عندك اهتمام كبير به فالله يغفر لك به. اللحية ليست كما يظن كثير من الناس أنها مستحبة، بل هي واجبة، والفرض والواجب عند جماهير العلماء واحد. لماذا هو فرض؟ نقول: إن الأوامر ثلاثة أقسام: الواجب، والمستحب، والمباح. والمباح: يعتبر أمراً من جهة الصيغة -وهناك خلاف بين العلماء هل المباح أمر أم لا- كأن أتكلم على جهة الصيغة الآن، فالأوامر إما أن تكون من الأعلى للأسفل، أو من الأسفل للأعلى، أو من النظير للنظير. فالأوامر من الأعلى للأسفل تفيد الإلزام، ومن الأسفل للأعلى تفيد التوسل والرجاء، والنظير للنظير تفيد الطلب، فإذا قال الله لنا: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١]. (تب): فعل أمر من أعلى، أي: لا خيار لك في الترك، لابد أن تفعل، قال النبي ﷺ : (اتق الله حيث ما كنت) فعل أمر، يبقى هذا يفيد الإلزام. مثال الأمر من أسفل للأعلى: أنت تقول: رَبِّ اغْفِرْ لِي (اغفر): فعل أمر، لكن هل أنت تأمره؟ لا، أنت تتوسل إليه. والأمر من النظير للنظير: أقران أنداد فأحدهم يقول للآخر: افعل كذا هذا على سبيل الطلب وليس على سبيل الإلزام. هذه حقيقة الأمر! فالعلماء يقولون: الأمر المجرد عن القرائن يفيد الوجوب إلا أن تأتي قرينة تصرفه عن الوجوب، والرسول ﵊ قال: (اعفوا اللحى) (ارخوا اللحى) (وفروا اللحى) وفي لفظ آخر: (ارجوا اللحى). أما (اعفوا) فهو من تمام الترك، تترك اللحية حتى تكثر، كما قال الله : ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوا﴾ [الأعراف:٩٥]، (حتى عفوا): أي كثروا. و (ارجوا اللحى): من قول الله : ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾ [التوبة:١٠٦]، أي: متروكون، أي: أتركوها. و (فروا اللحى): من التوفير. فكل هذه الأوامر معناها: تمام الترك. القرينة التي تصرف هذه الأوامر مثل أن يأتي رجل قد حلق لحيته إلى النبي ﷺ ، فيرحب به النبي ﷺ ولم ينكر عليه، وهذه قرينة تدل على أن الأمر لا يفيد الوجوب؛ لأنه لو كان واجباً لكان النبي ﷺ أنكر عليه، وقال له: لماذا حلقت لحيتك، فإن اللحية فرض؟ أما إذا لم ينكر عليه وهو لا يقر على الباطل، إذاً: هذا يدل على أن اللحية ليست واجبة، وإنما هي مستحبة، إذا فعلتها تثاب عليها وإذا لم تفعلها لا تعاقب. فهل ثبت أن أحداً من الصحابة حلق لحيته فسكت النبي ﷺ عنه؟ الجواب: لا، أبداً. هل ثبت أن النبي ﷺ حلق لحيته؟ لا. لم يثبت شيء من هذا إطلاقاً. والعلماء يقولون: يبقى الأمر على حالته الأولى، وهو أنه يفيد الوجوب. فالنبي ﵊ عندما يقول: (اعفوا اللحى وقصوا الشارب، وخالفوا اليهود والنصارى) ولكن هنا شبهة سمعتها من أستاذ في قسم الحديث، عندما كانوا يستقدمونه في ندوة عن الرأي التي كان يرد فيها على الشباب، فقال: بل لو قلت: إن حلق اللحية هو السنة لما أبعدت. لماذا يا فلان؟ قال: لأن النبي ﷺ يقول: (خالفوا اليهود والنصارى) والقساوسة والحاخامات ملتحون مربون لحاهم، فالمفروض أنا حتى أخالف هؤلاء أحلق لحيتي. فهل هذا الكلام صحيح؟ لا؛ لأن لفظ اليهود والنصارى اسم جنس محلى بالألف واللام يشمل جميع اليهود والنصارى، والرسول ﷺ لم يقل: وخالفوا القساوسة والحاخامات، إنما قال: (خالفوا اليهود والنصارى). فالنصارى الموجودون أكثر من مليار مثلاً، واليهود الموجودون افترض أن عددهم خمسة عشر مليون يهودي على وجه الأرض. كم واحد ملتحٍ في النصارى؟ لا تكاد تجد نصرانياً يعفي لحيته إلا القسيسون الكبار، فأنت لو وجدت قساً شاباً أعفى لحيته اعرف أن هذا متعصب لدينه جداً، لأن اللحية غير معروفة في القسيسين أنفسهم إلا في كبار السن. ولو سلمنا أن كل القسيسين أعفوا لحاهم كم تكون نسبتهم إلى العدد الكلي؟ لا يشكلون أية نسبة مئوية مذكورة، يبقى هل لا يزال النصارى يحلقون لحاهم أم لا؟ الجواب: نعم لازالوا. لازال اليهود يحلقون لحاهم أم لا؟ نعم لازالوا؛ لأن هذا اسم جنس يشمل كل يهودي على وجه الأرض، ويشمل كل نصراني على وجه الأرض. ولو سلمنا أن كل النصارى على وجه الأرض أعفوا لحاهم، وكذلك كل اليهود أعفوا لحاهم، فما موقفنا؟ هل نحلق لحانا مخالفة لهم عندما أجمعوا جميعاً على إعفاء اللحية؟ الجواب: لا، لأن إعفاء اللحية من سنن الفطرة، التي هي القدر المشترك في كل دين لا يتغير: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم:٣٠]، فالفطرة هي جملة من الأوامر الثابتة التي لا تتغير من شريعة إلى شريعة، ولا من قول إلى قول. فهم إذا تركوا لحاهم فلم يحلقوها فقد سلمت فطرتهم في هذه الجزئية، ونحن أيضاً مأمورون أن لا نحلق لحانا لماذا؟ لأنها من سنن الفطرة كما في صحيح مسلم ﵀. إذاً: على أي محور لا يحل لمسلم أن يحلق لحيته، أضف إلى ذلك أن اللحية هي شعار المسلم الظاهر، فأنت عندما تمشي في الشارع هل تستطيع أن تميز بين المسلم وغير المسلم؟ لا تستطيع، اختلطت الأزياء والأشكال، حتى ذاب المسلم في وسط الكافر. فهذا كمال أتاتورك ألغى الخلافة الإسلامية في تركيا، ومن جملة ما فرضه على الناس (القبعة) وهي خاصة بالإنجليز وشعارهم، فأول ما فرض القبعة قام علماء الدين جمعياً وقالوا: لا يجوز، فبدءوا يقبضون عليهم ويحاكمونهم ويعدمونهم، فكان ممن أعدم في هذه الآونة رجل عالم، أصدروا عليه حكم الإعدام، لكن قالوا: لكي نبين أننا أناس ديمقراطيون، فسنرتب له محاكمة هزلية وندينه، ثم نقرأ عليه حكم الإعدام، لأننا لو أعدمناه مباشرة سيبقى بطلاً، فنحن لكي نفوت عليه البطولة ولا يبقى رمزاً ندينه أولاً ثم بعد ذلك نعدمه. جاء القاضي وقال له: عجباً لكم يا علماء الدين! ما أتفهكم! هذه العمامة التي تلبسها إذا جعلتها على رأسك قلتم: مشروعة، وإذا استبدلتها (برنيطة) قلتم: غير مشروعة، ما هو الفرق بينهما وهذا قماش وهذا قماش؟ قال العالم: أيها القاضي! إنك تحكم علي وخلفك علم تركيا، فهل تستطيع أن تستبدله بعلم إنجلترا وهذا قماش وهذا قماش؟ فبهت، لكنه نفذ عليه حكم الإعدام أيضاً. عندما يلبس الشخص (القبعة) القضية أن هذا شعار لا ينبغي أن يرتديه المسلم، فعندما يجد الشخص أولاداً يلبسون ملابس رياضية عليها علم أمريكا، وأحياناً عليه علم إسرائيل، نجمة داود على صدر الولد، فالولد هو يرفع شعاراً لعدوه على صدره يحمله، وهو لا يدري بل هو غافل! فاختلطت أزياء المسلمين بالكافرين، تمشي في الشارع لا تستطيع أن تقول: هذا مسلم وهذا كافر أبداً، لكن إذا رأيت رجلاً أعفى لحيته ويمشي في الشارع أنت تقول: هذا مسلم. اللحية إعلان للهوية، أضف إلى ذلك أن غياب اللحية أضاع علينا أحكاماً أخرى مرتبطة باللحية، قال ﷺ في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁: (والله لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم). فإذا علمت أن النبي ﷺ نهانا، فقال: (لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام) والحديث الأول يقول: إن إفشاء السلام مستلزم لوجود المحبة المستلزمة للإيمان، قال: (أفشوا السلام بينكم) فكيف أفشي السلام وأنا لا أستطيع أن أميز المسلم من غير المسلم؟ وأنا منهي أن ألقي السلام على الكافر -اليهود والنصارى-؟ فبهذه الطريقة أنا لا أستطيع أن ألقي السلام، فضاع علينا شيء عظيم. كذلك المسلم له حقوق على المسلم لا يأخذها الكافر، فمثلاً: تشميت العاطس، ففي سنن أبي داود أن اليهود كانوا يتعاطسون عند النبي ﷺ رجاء أن يقول لهم النبي صلى الله علي

стр. 1349

تعريف بأبي حمزة السكري السؤال وقفت في بعض الأسانيد على راو اسمه أبو حمزة السكري، فمن هو؟ الجواب أبو حمزة السكري هو أحد الرواة من طبقة سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج، وهو من الرواة عن الأعمش ﵀، وهو راوٍ ثقة، وإنما قيل له: السكري لحلاوة كلامه، كان كلامه كالسكر. فمن ضمن كلام أبي حمزة رحمة الله عليه، ونحن أمة مليئة بالعظماء، فهذا أبو حمزة لا يعرفه أحد، كثير من الناس لا يعرفون أبا حمزة السكري، وقلامة ظفر أبي حمزة بكل العظماء الذين يلمعونهم في الغرب لنا، في علم الاجتماع، وعلم الفلسفة، وعلم النفس، يريدون أن يقنعونا أن هؤلاء الناس عظماء. هؤلاء العظماء الذين يلمعونهم في الغرب عندما تأتي تبحث عن سيرتهم تجد الذي كان شاذاً جنسياً، والذي كان يلاط به ويلوط، والذي يريد أن يرفعه لأجل أن يجعل له قيمة، نحن أمة كلها عظماء، عندنا ألوف مؤلفة من العظماء. فهذا أبو حمزة السكري كان يقول: (ما مرض جار لي قط إلا قومت نفقته في مرضه، وتصدقت بها أن عافاني الله مما ابتلاه به) أي: إذا مرض جاره، وذهب للطبيب فأعطاه أدوية بقيمة أربعة آلاف درهم أو خمسة آلاف درهم تصدق بهذا القدر. انظر العظمة! كان ممكن إذا مرض أن ينفق هذه العشرة آلاف درهم على المرض، طيب! ما رأيك أنه قد لا يؤجر على العشرة آلاف درهم لماذا؟ لأن التداوي ليس بواجب، بل هو مباح، فلو أن رجلاً مرض فأبى أن يتداوى، لا أثم عليه، وليس واجباً. فهذا أبو بكر الصديق ﵁ لما مرض قالوا: (نأتيك بطبيب؟ قال: الطبيب نظر إلي، فقال: إني فعال لما أريد) فترك التداوي جائز. فأنت إذا أنفقت على رفع العلة تنفق على شيء جائز، فلا يكون التداوي واجباً إلا إذا انضاف شيء آخر كأن يكون مرضك يؤثر في القيام بواجب معين، فحينئذ قد يرت قي التداوي إلى درجة الوجوب، ليس لذاته ولكن لغيره. فيقوم هو يتصدق، فالصدقة هذه مقبولة، فيها شكر لله مع أن فيه هذا المرض. وذات مرة أراد جار أبي حمزة أن يبيع داره، فجاءه المشتري، فقال له: بكم تبيع هذه الدار؟ قال: أبيعها بألفين لثمن الدار، وبألفين لجوار أبي حمزة. فبلغ ذلك أبا حمزة فأرسل إليه أربعة آلاف درهم، وقال له: لا تبع الدار. انظر علماءنا! كان كلامهم جميلاً، عندما تقرأ ترجمة أبي حمزة السكري تستمتع، وهذا رجل غير معروف، فكيف بعلمائنا العظام الكبار الذين هم مشهورون بيننا؟ تجد سيرتهم أطيب وأطيب؛ لأن الكل كان يحرص على نقل سيرتهم، فمثلاً: الرواة الذين لا تعرفهم الجماهير الحسن بن صالح بن حي، وله أخ كان اسمه علي بن صالح بن حي، وكلاهما ثقة، وعلي هو أوثق الرجلين، والاثنان توأم، فهذا علي لم يكن يمشي أمام أخيه أبداً، ولا يتقدمه، ولا يجلس قبله، فسئل: فقال: هو أكبر مني، أتى الدنيا قبلي. انظر إلى الاحترام! هو جاء إلى الدنيا قبله بدقيقة واحدة، فما كان يمشي أمامه، ولا يجلس قبله، وهو الذي كان يخدمه، وكان علي بن صالح والحسن هؤلاء لهم أم، فكانوا يقسمون الليل أثلاثاً: الحسن يقوم الثلث الأول، وعلي يقوم الثلث الثاني، وأمهم تقوم الثلث الآخر، ماتت أمهم فقسما الليل بينهم، ثم مات الحسن فقام علي بالليل كله. وكان لهم جارية -وهذا الخبر رواه العجلي في كتاب الثقات في ترجمة الحسن بن صالح - ثم باعوها، فاشتراها رجل، وفي الليلة التي اشتراها الرجل فيها قامت قبل الفجر وجعلت تقول: يا أهل الدار! الصلاة الصلاة! فقالوا لها: أذن للفجر؟ قالت لهم: لا تصلون إلا الفجر. قالوا: نعم. قالت لهم: لا تقومون الليل؟ قالوا: لا. فلما أصبح الصباح ذهبت إلى الحسن، وقالت: ردني إليك، فإنك بعتني لقوم سوء لا يقومون الليل. نعم، حُق لها أن تكون عابدة، زاهدة، قوامة لليل؛ لأن البيت كله بيت عبادة، لا يعرف الكسل. نحن لا نعرف شيئاً عن الحسن بن صالح بن حي ولا عن أمه، لذلك أنا أحض على قراءة سير الأسلاف، اقرأ سير العلماء يرق قلبك وتجد الأسوة الطيبة في الاقتداء، لاسيما في زمان الغربة الذي كل شيء فيه يقول لك: هلم إلى النار! ولله در أبي سليمان الخطابي لما كان يقول: وليس غربة الإنسان في شقة النوى ولكنها والله في عدم الشكل وإني غريب بين (بست) وأهلها وإن كان فيها أسرتي وبها أهلي ليست غربة الإنسان في شقة النوى، أن تترك بلدك وتذهب إلى أي بلد آخر أبداً، لكن غربة الإنسان في عدم الشكل، أن لا يكون لك نظير، الإنسان يعيش في وسط أهله وإخوانه وهو غريب، لا يجد له إلفاً ولا نظيراً، يتجرع الغربة وحده. أنت بحاجة إلى أن تقرأ سير هؤلاء الأسلاف ليصبروك، وليطول نفسك على السير في هجير الحياة والله أعلم.

стр. 1350

حكم نتف الإبط وحلق العانة أثناء الصيام وحلق العانة السؤال هل يجوز نتف الشعر أثناء الصيام؟ وهل حلق العانة يكون بإزالة الشعر تماماً أم يكفي قصه؟ وهل هو واجب أم مستحب؟ الجواب أما نتف الشعر فلا يضر بالصيام، يجوز للصائم أن يزيل شعره، كأن ينتف الإبط مثلاً. وأما العانة فالرسول ﵊ أمر بنتف الإبط وحلق العانة، ولم يقل: ونتف العانة. وسئل أبو سليمان الخطابي عن عادة النساء في نتف العانة فنهى عن ذلك، وقال: (إن هذا يخالف النص، ثم إنه يرخي الفرج ويؤذيه) إنما السنة في العانة الحلق، والحلق لا يعني الإزالة، ولا النتف، فالسنة في العانة الحلق، والنتف يكون للإبط. ومعلوم عند جماعة العلماء أن حلق العانة، ونتف الإبط للاستحباب والله أعلم.

стр. 1351

حكم زكاة الحلي السؤال عندي ذهب أستخدمه كحلي، ولكن لا أرتديه كثيراً، وأزكي عنه، فهل أعتبر ممن يكنزون الذهب والفضة، وهل قال النبي ﷺ عن الذهب الذي يستخدم كحلي: إنه سوار من نار؟ الجواب أما إذا كان المرء يزكي عن هذا الذهب فلا جناح عليه، إذا زكى عن ذهبه فقد زال عنه شره، ولا يكون كنزاً، إنما الكنز المذموم: أن يكنز الذهب والفضة ولا ينفقها في سبيل الله، ومعلوم أنه لا يجب في مال المرء المسلم إلا الزكاة، فإذا زكى عنه فلا جناح عليه. وأما بالنسبة للنبي ﵊ هل قال للذي يستخدم الذهب والفضة أنه يرتدي سواراً من نار؟ فهذا الحديث صح، لكن حمله العلماء على المرأة التي تتفاخر به، أو على المرأة التي لا تخرج زكاته. وبهذا القدر كفاية، والحمد لله رب العالمين، والله أعلم.

стр. 1352

أسئلة وأجوبة [٢]

стр. 1353

معنى تنبيه المحدثين على إرسال الراوي إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد. السؤال الراوي إذا ذُكر في ترجمته أنه يرسل أو يرسل كثيراً، ما معنى ذلك؟ الجواب المحدثون ينبهون على الإرسال، ويقصدون به عادة الإرسال الخفي، لأن هناك بعض الناس لا يفرقون بين التدليس وبين الإرسال الخفي فيخلطون بينهما؛ فلذلك إذا كان الراوي ممن يرسل فلا يجوز إطلاق التدليس عليه، وعلى سبيل المثال قتادة، كان يرسل كثيراً، ويدلس أحياناً، يقولون في ترجمته: (يرسل) صيانة له من الوصف بالتدليس؛ لأن بينهما فرقاً، فالمدلس لابد أن يصرح بالتحديث كي يقبل منه، أما إذا عنعن فعند إذٍ تجرى عليه قواعد عنعنة المدلس، بخلاف المرسل.

стр. 1354

حكم تعليق التمائم السؤال بعض الناس يعلقون التمائم وفيها ألفاظ غير معروفة وأسماء جن؟ الجواب النبي ﵊ قال: (لا بأس بالرقية ما لم تكن شركاً) فمن الشرك أن يستعين الإنسان بالجن، فبعضهم يكتب تمائم وكلمات معينة يستعين فيها بالجن، لكن الإنسان إذا رقى إنما تجوز له الرقية بفاتحة الكتاب أو شيء من القرآن، أو بدعاء معروف لا يكون فيه شيء من الشرك، لقوله ﵊: (لا بأس بالرقية ما لم تكن شركاً) ففيه جواز الرقية بشرط ألا يكون فيها شرك، ولا يشترط في الرقية أن تكون بالمأثور المعروف، بل بأي دعاء؛ بشرط ألا يكون فيها شرك، لأن الشرك مضاد للتوحيد. والذي يرقي لابد أن يكون رجلاً مخلصاً؛ لأن كما قيل: كان عمر بن الخطاب يرقي بالفاتحة، فاستدعوا رجلاً يرقي، فقال: هذه الفاتحة وليس عمر، يعني: كل إنسان يمكنه أن يرقي بالفاتحة ويحصل المقصود، لكن تجد أن الله يجعل الشفاء على يدي شخص ولا يجعله على يد الآخر، وهذا يختلف من شخص لآخر باختلاف الإخلاص والخشية.

стр. 1355

فضائل معاوية ﵁ السؤال يقولون: إن معاوية بن أبي سفيان لم يصح في فضله دليل مخصوص، فهل هذا صحيح؟ الجواب نعم، صحيح، لم يصح في فضل معاوية بن أبي سفيان عند أكثر المحدثين شيء خاص به، لكن استظهر الإمام البخاري وغيره لـ معاوية فضل الصحبة، وإن فاته الفضل الخاص، فقد ورد في صحيح مسلم من حديث ابن عباس: (أن النبي ﵊ أمره أن يستدعي له معاوية ليكتب شيئاً من الوحي أو نحو ذلك، فوافاه وهو يأكل، فقال: بعدما آكل. فأرسل لـ معاوية مرة بعد مرة وهو يقول: حتى آكل، فقال ﵊: لا أشبع الله بطنه) فقال الإمام الذهبي في تذكرة الحفاظ: لعل هذه منقبة لـ معاوية؛ لأن النبي ﵊ قال لـ أم سليم: (أوما تدرين ما اشترطت على ربي؟ قلت: اللهم إنما أنا بشر فأي المسلمين سببته أو لعنته فاجعل ذلك له زكاة وأجراً) فإذاً: ثبت لـ معاوية بن أبي سفيان ﵁ في هذا الأمر ما ثبت بدلالة الحديث. وقد أطبق جميع أهل السنة على فضله ومدحه، وقد ولي الخلافة عشرين سنة ما اشتكى منه أحد، وكان حليماً، وله مناقب كثيرة شهد له بها الصحابة أنفسهم.

стр. 1356

تكفير الحاكم ونتائج الخروج عليه السؤال قضية تكفير الحاكم أصبحت منتشرة وخاصة عند الشباب المبتدئين أو قليلي العلم، فما توجيهاتكم نحو هذا الأمر؟ الجواب المسألة فيها تفصيل نظري أكثر من العملي وهي من المسائل المهمة، لكن المسلم المعاصر لا يستطيع أن يفعل شيئاً، نفترض أنه يوجد حاكم مستبد وظالم في بلدة من البلدان، ما عسى المسلم المعاصر أن يفعل؟ قد يأخذ حكم المسألة نظرياً فقط كالذين يكفرون الحكام، ثم ماذا بعد ذلك؟ لا يعمل شيئاً، فلذلك البحث في هذه المسائل سيكون بحثاً نظرياً أكثر منه عملياً. وأنا أعتقد أن كل الناس يعرفون الآن أن الحكام ما بين كافر وفاسق، لا تكاد تجد رجلاً يمكن أن ينجو من واحدة منهما: إما كافر، وإما فاسق. فإذا كان كافراً أو فاسقاً ما هي النتيجة؟ هل سيخرج عليهم؟ إذا كان هذا الرجل كافراً فلا بيعة له في أعناقنا -مع أنك ترى أنه لا بيعة في الأصل- فما يبقى إلا مسألة وجوب الخروج عليه. فهذا الوجوب يسقط بعدم الاستطاعة، فمسألة الخروج على الحاكم هذه مسألة صعبة جداً، يقول ابن كثير: كل الويلات التي وقعت في هذه الأمة بسبب محاولة الخروج على الحكام، سواء كانوا ظالمين أو مظلومين، فالخروج على الحكام هو أصل البلاء الذي أصاب الأمة من لدن عثمان بن عفان عندما خرجوا عليه ﵁ حتى هذه الساعة. فإذا كان الإنسان لا يستطيع الخروج على الحاكم، فإن الواجب يسقط بعدم الاستطاعة، والمهم في المسألة أن مؤدى الباحث في النهاية أنه لا يستطيع أحد أن يخرج على أي حاكم في الظروف الحالية؛ لأنه ما عندهم ما يستطيعون أن يخرجوا به، فلذلك الكلام ليس له كبير جدوى. مداخلة: ما حكم التحاكم إلى هذا الحاكم الطاغوت؟ الشيخ: كفرنا بالطاغوت على اختلاف أشكاله، وليس المقصود بالحاكم نفسه هو الطاغوت لا، كل ما يتحاكم إليه من دون الله ﵎ فهو طاغوت، وأنت لابد أن تعلم أن هذه المسألة طويلة جداً، وذيلها طويل، والحقيقة أحياناً يكون فتح هذه المسائل على سبيل الإجمال فيه خلل كبير، لأن أغلب الخلل يأتي بسبب إجمال القول في هذه المسائل، فعندما يسمع أي إنسان قولاً مجملاً يحتمل أكثر من وجهة فممكن أن يوجهه على ما يريد؛ فلذلك فهذه المسائل أظن أن الإجمال فيها لا ينبغي، وأن الأولى والأصوب القول المفصل، ويوضع للبحث محاور وعناوين، وكل عنوان يتكلم فيه بإسهاب، ويرد على المعارضات والشبهات الواردة على هذا الباب. وهذه المسألة جديرة بتصنيف كتاب يستوعب الكلام عليها من كتب أهل العلم، ويجيب على الشبهات جواباً وافياً، وإن كانت هذه الردود منثورة في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ولكنها تحتاج إلى من يجمعها.

стр. 1357

تقديم اليدين حال الهوي إلى السجود السؤال ما هي السنة في الهوي إلى السجود: على اليدين أم على الركبتين؟ الجواب الصواب أن النزول على اليدين، وحديث النزول على الركبتين ضعيف، قال الدارقطني ﵀: (تفرد به شريك بن عبد الله النخعي، وليس بقوي فيما تفرد به). والصواب: النزول على اليدين لحديث أبي هريرة في الصحيح الذي قال فيه النبي ﵊: (لا يبرك أحدكم كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه) فهذا نص واضح جداً وصريح، وما أُعلَّ به ليس بعلة في الحقيقة، وسنده جيد يحتج به. بالإضافة إلى أنه عضد بأثر ابن عمر الذي رواه الإمام البخاري في صحيحه معلقاً وهو صحيح عن ابن عمر أيضاً: أنه كان ينزل بيديه قبل ركبتيه وقال الأوزاعي: أدركت الناس ينزلون بأيديهم قبل ركبهم. وإذا نظرنا إلى العلة وهي أن النبي ﵊ نهى المسلم أن يتشبه بالبعير، علمنا يقيناً أن النزول بالركبة هو التشبه بالبعير دون النزول باليدين، بعض الناس يقول: إن البعير ينزل بيديه، كل ذي أربع، يداه الأماميتان ورجلاه الخلفيتان، فيقول صاحبنا: إن أول ما ينزل البعير على الأرض ينزل بيديه اللتين هما الأماميتان، فالمفروض أن المسلم ينزل بركبتيه ولا ينزل بيديه؛ لأنه لو نزل بيديه يكون قد تشبه بالبعير، وهذا الكلام عجيب أن يقوله عربي! لأن البعير ركبتاه في يديه، هو أصلاً لا يمشي على رجليه مثلنا حتى يكون أول ما يُنزل يديه لا، بل هو يمشي على يديه ورجليه أصلاً، فعندما تقول أنت: إنه يضع يديه أولاً. هما موضعتان في الأرض دائماً على أصل خلقته، ويمشي بهما على الأرض، لكن أول شيء يصل من البعير إلى الأرض حال البروك ركبتاه، فيبقى أن مناط المسألة الركبة وليست اليد لاختلاف خلقة الإنسان عن البعير. فإذا كان أول شيء يصل إلى الأرض من البعير ركبتاه فلا ينبغي أن يكون أول ما يصل من المسلم إلى الأرض -حال الهوي إلى السجود- ركبتاه أيضاً، والمسألة تنحل بهذا، وأما قول ابن القيم ﵀: وركبتا البعير ليستا بيديه، فهذا كلام لا يعقل ولا يعرفه أهل اللغة، افتح كل كتب المعاجم العربية تجد في مادة (ركب) أنه يقول: وكل ذي أربع ركبتاه في يديه وعرقوباه في رجليه، وهم متفقون على ذلك. ومما يدل على ذلك أيضاً الحديث الذي رواه البخاري وأحمد: لما طارد سراقة بن مالك النبي ﵊ وأبا بكر الصديق لما خرجا من الغار قال سراقة بن مالك: (فدعا عليَّ النبي ﷺ ؛ فساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغت الركبتين). هذا نص من صحابي أيضاً أن الركبة إنما تكون في اليد، فإذا كانت الركبة في يد البعير، وأنه إذا أراد أن ينزل نزل عليها، فلا ينبغي للمسلم أن يكون أول ما يصل إلى الأرض منه ركبتاه. فلذلك الصواب في المسألة: هو النزول باليدين وليس الركبتين، والمسألة فيها كلام طويل.

стр. 1358

رواية من ساء حفظه وكتابه صحيح السؤال كيف يميز بين رواية الراوي الذي صحت كتابته وساء حفظه؟ الجواب بالنسبة للراوي الذي صحت كتبه وساء حفظه، فإذا روى حديثاً يكون هناك قرائن تدل على أنه روى هذا من حفظه أو من كتابه، ويكون مذكوراً في ترجمته، وأحياناً قد يخص بعض الرواة، فيقال: إذا روى فلان عن هذا الراوي فإنما يكون من كتابه، فإذا كان الراوي مختلفاً تماماً، فيقال: إن هذا سمع منه قبل الاختلاط أو بعده. أما إذا لم نجد أي إشارة إلى أنه روى هذا الحديث من حفظه أو رواه من كتابه فالأصل التوقف حتى نجد له متابعاً، فإذا وجدنا له متابعاً جيداً روى نفس ما روى، يدل على أنه حفظه، ويرتفع الوهم؛ لأن الوهم أقرب من الواحد وأبعد عن الاثنين، كـ عبد الله بن نافع كان صحيح الكتاب، ولكنه كان إذا حدث من حفظه وهم.

стр. 1359

رواية يزيد بن هارون عن شريك بن عبد الله السائل: هل تقبل رواية يزيد بن هارون عن شريك بن عبد الله؟ الجواب نعم إذا كان قبل توليه القضاء. السائل: فتكون روايته عن شريك قبل القضاء أجود؟ الشيخ: هذا يكون أجود، يعني: لعلك تريد أن تشير إلى رواية يزيد بن هارون عن شريك في ما يتعلق بحديث الركبتين. لكن حديث الركبتين هذا لم يروه إلا يزيد بن هارون، وقد نص ابن حبان وغيره أن يزيد سمع من شريك قبل أن يسوء حفظه، لكن ذكر الخطيب البغدادي في كتاب الكفاية: أنه إنما ساء حفظه لما ولي القضاء في الكوفة، فهو في الكوفة سيء الحفظ، وقد نسلك رواية يزيد بن هارون عن شريك لولا ما رواه الخطيب في الكفاية عن يزيد بن هارون قال: دخلت الكوفة فرأيت كل أهلها يدلسون غير شريك وهشيم، فهذا يدل على أن يزيد بن هارون دخل الكوفة وأخذ من شريك بن عبد الله النخعي في وقت سوء حفظه. فحينئذ يلزمنا أن نعلم إذا كان يزيد أخذ هذا الحديث عن شريك قبل أن يدخل الكوفة أم لا، فنحن نتوقف في روايته مثل حماد بن سلمة سمع من عطاء بن السائب قبل الاختلاط وبعد الاختلاط، فصار المحققون يتوقفون في حديث حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب؛ لأنهم لا يدرون أهذا مما تحمله حماد عن عطاء قبل الاختلاط أم بعد الاختلاط، فإذا ثبت أن يزيد بن هارون دخل الكوفة، وأخذ عن شريك بن عبد الله النخعي يبقى أنه لا يتأتى القول: إن يزيد ممن سمع قبل الاختلاط فقط، بل سمع قبل وبعد، فحينئذ نتوقف في روايته ولا نعطيها حكم الثبوت إلا إذا علمنا أنه رواها عنه قبل سوء حفظه، وروايته عنه قبل سوء حفظه عند توليه القضاء أجود. أنا أقول: (أجود) لأنه ثبت أن شريك بن عبد الله النخعي له أوهام وأحاديث خالف فيها الثقات المتقنين، برغم أنها كانت رواية الذين سمعوا منه قبل الاختلاط، فكأن حفظه لم يكن بذاك حتى قبل الاختلاط. مداخلة: هل من الممكن أن نقول: إنه حسن الحديث قبل اختلاطه؟ الشيخ: نعم. مداخلة: فرواية من روى عنه قبل اختلاطه تعد صحيحة؟ الشيخ: نعم، صحيحة. مداخلة: وهل يشمل هذا الحكم بعض تلاميذه؟ الشيخ: من ثبت أنه سمع قبله فقط. مداخلة: هل سمع منه وكيع قبل اختلاطه؟ الشيخ: نعم، ويبقى أن رواية وكيع عن شريك أقوى. مداخلة: وهل تقبل روايته قبل الاختلاط مطلقاً حتى حال التفرد؟ الشيخ: نعم، ولذلك فقد قلت: يضعفونه مطلقاً لأنه كان كثيراً ما يروي أحاديث رواها عنه أناس قبل الاختلاط، وكان يقع فيها مخالفات للثقات الأثبات، مثل ابن لهيعة، فإن بعض العلماء كـ ابن حبان يقول: إنه قبل أن يختلط كان عنده لا مبالاة في الرواية أصلاً، لكن لما اختلط ساء حفظه جداً، يعني: أن حفظه كان قبل الاختلاط بنسبة (٧٠%)، فلما احترقت كتبه كان نسبة حفظه (٥٠%) أو (٤٠%)، وهذا الوضع من تصرفات العلماء بالنسبة لرواية شريك، وانظر رواية الدارقطني رغم أن أحاديث النزول بالركبة من رواية يزيد بن هارون وتفرد بها عن شريك إلا أن الدارقطني لم يعبأ بهذا القيد الذي ذكروه، قال: وشريك بن عبد الله النخعي ليس بقوي فيما تفرد به، وقد تفرد بهذا الحديث، فلم يلتفت إلى رواية يزيد وأنه سمع قبل أو بعد.

стр. 1360

رؤيا النبي في المنام السؤال شخص يدعي أنه رأى النبي ﷺ يبشره أنه المهدي وأنه سيلي أمر الأمة! فماذا يقال في شأنه؟! الجواب هذا حسبه سقوطاً أن يدعي لنفسه.

стр. 1361

اشتراط القرشية في ولي الأمر السؤال هل يشترط في ولي الأمر أن يكون قرشياً؟! الجواب أغلب أهل العلم يشترطونها، لكن على التسليم بهذا الشرط: إذا اختلطت الأنساب ولا يعلم أن هناك قرشياً فليتول أفضلهم وأعلمهم وأقواهم ورعاً وديناً، واستدلوا على ذلك بقوله ﵊: (اسمعوا وأطيعوا وإن تأمر عليكم عبداً حبشياً) أي: ليس قرشياً، لكن أغلب أهل العلم على اشتراط أن يكون الأئمة من قريش، وذلك إذا عُلم. أما أن يبني دعوته على قوله: أنا رأيت رؤيا وتحققت إذا قابلت هذا الرجل فاسأله عن صفة النبي ﵊؛ لأن كثيراً من الناس يقول لك: أنا رأيت الرسول في المنام، لكن عندما تقول له: صف لي الرسول ﵊: لا يستطيع أن يصفه. كان ابن مسعود ﵁ إذا جاء شخص إليه وقال له: أنا رأيت النبي ﵊، يقول: صفه لي. فإن لم يوفق في وصف النبي ﵊ كما رآه الصحابة يقول له: لم تر شيئاً. مداخلة: هل يسبق ظهور المهدي أمارات وعلامات وأشراط؟ الشيخ: نعم، وآخر الزمان لابد من علامات وأشراط تأتي قبل المهدي وقد أخبر عنها النبي ﷺ .

стр. 1362

خروج الحسين ﵁ على يزيد السؤال ما حكم خروج الحسين ﵁ على يزيد؟ الجواب ﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة:١٣٤]. مداخلة: هناك خلاف في يزيد؟! الشيخ: إي نعم، مختلف فيه، ومنهم من وصل به الحال إلى تفسيقه، ولا شك أنه لم يكن كأبيه ولا يقاربه، وكان جائراً، لكننا نكف اللسان عنه؛ لأنه لا يترتب عليه كبير شيء إلا مجرد السب.

стр. 1363

خروج بعض الصحابة والعلماء على الحكام السؤال إجماع الصحابة -أو حتى بعضهم- على الخروج على الحاكم الجائر هل يعد ناسخاً للأحاديث الآمرة بالصبر على الولاة الظلمة؟ الجواب أحاديث الصبر على الولاة الظالمين ليست بمنسوخة بطبيعة الحال؛ لأنه لا ينسخ حديث النبي ﷺ إلا الحديث نفسه، ولا يمكن أن يفتي أحد على خلاف الحديث -ولا يصلح- حتى وإن كان صحابياً، ثم هل هذا إجماع؟ لا، ليس عمل واحد أو اثنين أو ثلاثة من الصحابة يسمى إجماعاً؛ لأن أهل المدينة إذا أجمعوا على شيء وقد خالفهم أهل البصرة والكوفة والحجاز ومكة ومصر فلا يسمى هذا إجماعاً، والحسين ﵁ خطأه ابن عباس وابن عمر، وخرج وراءه في الطريق، وحاول أنه يثنيه عن الخروج، وابن الأشعث لما حاول أنه يخرج خطأه العلماء بالخروج، ولـ ابن كثير كلام ممتاز في البداية والنهاية في فتنة ابن الأشعث مع الحجاج، وقال: إن كل شر أصاب هذه الأمة بسبب الخروج؛ وإنه يجب عليهم أن يصبروا؛ لأن هذه الأحاديث محكمة، وليس هناك إجماع أصلاً. مداخلة: وهل خروج بعض الصحابة والتابعين يعتبر دليلاً شرعياً؟ الشيخ: لو قلنا: إن هذا دليل فلن يصل إلى أن يكون دليلاً شرعياً، إذا قلنا: فعله الصحابي أو قد ثبت عنه، فمثلاً أبو هريرة ﵁ لما رآه أبو رافع وغيره وهو يتوضأ في الميضأة وحده فكان يوصل الماء إلى كتفه، وهم كانوا ينظرون إليه ويستغربون، فقال: هل أنتم هنا؟! لو علمت مكانكم ما توضأت هذا الوضوء، إني سمعت النبي ﷺ يقول: (تبلغ حلية المؤمن حيث يبلغ وضوءه) هذا تفسير من دلالة النص، وكذلك ابن عمر عندما كان يروي أحاديث كثيرة في الوضوء كان يرفع أشفار عينيه ويغسل أشفار عينيه -أي: جفونه- من الداخل حتى عمي، وقال مالك: كل يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر -ويشير إلى قبره ﵊ فمن الممكن أن يجتهد الصحابي، ومن الممكن أن يخطئ في اجتهاده، لكن أحاديث الصبر على الولاة -وهي كثيرة- ولا تنسخ بالإجماع أبداً؛ لأنه ليس هناك إجماع أصلاً، والإجماع لا ينسخ حديثاً صحيحاً فضلاً عن حديث مشهور، فتبقى الأحاديث على دلالتها كما هي. مداخلة: الخروج على الحاكم هل تراعى فيه المصالح والمفاسد؟ الشيخ: مسألة تقدير المصالح والمفاسد لابد من اعتبارها، ولابد أن نعرف: هل صح ذلك عن الصحابة أم لا؟ وما هي الملابسات التي جعلتهم يقولون بذلك؟ المسألة لا تفهم هكذا، فقد كانوا من أحوط الناس، ومن أشدهم حرصاً على وحدة المسلمين، مهما كان من هذا الظالم الجائر، وصلاة ابن عمر خلف الحجاج معروفة، وصلاة الصحابة خلف ولاة الجور معروفة، كان يصلي هذا وهذا وهذا، ويقول: أنا عنهم غير راض، وإذا أذن للصلاة في أي مكان يصلي خلفهم. ونحن لم نجرب في الخروج إلا كل شر، فالمسألة ترتبط -تبعاً لذلك- بالمصالح والمفاسد، والنبي ﵊ أمر بعدم الخروج حفاظاً على المسلمين من الفتن التي عصفت بالأمة وصارت نتائجها تفوق الحصر بل تفوق الخيال!!

стр. 1364

عدم مشروعية وضع اليد اليمنى على اليسرى بعد القيام من الركوع السؤال هل يعد من باب الاجتهاد وضع اليد اليمنى على اليسرى بعد الركوع في الصلاة؟! الجواب الصحيح عدم الوضع، إذ أن هذه هيئة، والهيئة لابد لها من دليل خاص، ولا يدخل الاجتهاد في الهيئة، وواضح أن ما أخذ عن طريق العموم يعد اجتهاداً، والإنسان إذا تدبر وتأمل النقل عن أصحاب الرسول ﷺ يرى أنهم ما تركوا شيئاً إلا نقلوه حتى ثني أصابع القدمين، والتفريج في أثناء القبض على الركبة، وضم الأصابع أثناء تكبيرة الإحرام، وأثناء السجود على الأرض، ينقلون هذا بهذه الدقة، ثم لا يهتم أحد منهم قط أنه كان إذا قال: (سمع الله لمن حمده) قبض اليمنى على اليسرى؟! هذه هيئة، ومعروف أن الهيئات لا اجتهاد فيها، لا تؤخذ بدلالة العموم كما تؤخذ بقية الأحكام الشرعية، فلذلك يبقى هذا الإثبات مفتقراً إلى دليل خاص. مداخلة: ما هو الدليل على العموم؟ الشيخ: العموم في أنه كان يضع اليمنى على اليسرى في القيام، فهذا عموم يشمل القيامين معاً، فأخذت هذه الهيئة بدلالة الاجتهاد بالدليل العام، وهذه هيئة، والهيئة لا يدخلها الاجتهاد كبقية الأحكام الشرعية، فلابد لهذه الهيئة من نص مثل أية هيئة في الصلاة، إذ كل هيئة لها نص إلا هذه، ما أخذت إلا بطريق العموم. وأيضاً هذه الهيئة -مع أنها مشهورة- غير مذكورة في كتب الفقه، ولا يدندن عليها ولا يعول عليها، إنما ذكرها بعض العلماء. مداخلة: على هذا هل يعد وضع اليمنى على اليسرى بعد الركوع بدعة؟! الشيخ: لا، الأمر أهون من ذلك، يعني: افترض أني من العوام، وأئمتي الذين أتلقى عنهم الفتوى هم شيوخنا في الحجاز، فلا ينبغي التشديد ولا النكير في هذه المسائل ولا الظن بها أنها بدعة.

стр. 1365

أخذ ما زاد عن القبضة من اللحية السؤال هل يجب أخذ ما زاد من اللحية عن القبضة؟ الجواب لا، الحقيقة أن فتوى وجوب الأخذ من اللحية مما يجب تركه من فتاوى الشيخ ﵀؛ لأن الشيخ كان قبل ذلك يفتي بجواز الأخذ، وهذا مستقيم مع الآثار والأحاديث، لكن الإفتاء بوجوب الأخذ من اللحية، وجعل إسبال اللحية كإسبال الإزار هذا بعيد جداً، فكان ينبغي على الشيخ ﵀ أن لا يتبنى فتوى إلا إن كان له فيها سلف، وهذه الفتيا بالوجوب ليس له فيها سلف يقيناً، إنما الاقتصار على القول بأن ابن عمر كان يأخذ وهذا فعل لا قول. وأيضاً لو افترضنا أن ابن عمر قال: خذوا من اللحية هل قول الصحابي يفيد الوجوب؟ لا يفيد الوجوب، فإذا قلنا: إن ابن عمر جاءت عنه روايات مطلقة بالأخذ بغير حج أو عمرة، ورواية البخاري مقيدة بالأخذ في الحج والعمرة، فالصواب في هذه المسألة حمل المطلق على المقيد، فيبقى الرواية المقيدة في البخاري هي المقدمة على غيرها مطلقاً، فيبقى القول بجواز الأخذ في الحج والعمرة. لكن -في الحقيقة- القول بوجوب الأخذ وتأثيم الذي لا يأخذ من اللحية هذه الفتوى لا أعلم أحداً قد أفتى بها، فسبحان الله! كل إنسان يؤخذ من قوله ويترك. مداخلة: هل صح ذلك عن أحد من الصحابة غير ابن عمر؟ الشيخ: ليس هناك شيء يصح عن الصحابة بالأخذ من اللحية إلا عن ابن عمر، وأبي هريرة ﵁، وأما عن أبي الدرداء وغيره فالأسانيد كلها ضعيفة، وكان هناك أثر ذكرته للشيخ قديماً -ولكن قبل أن يقول في هذه المسألة بجواز الأخذ فقط- وهو أن علي بن أبي طالب كان له لحية سابغة تصل إلى سرته، ولم أكن أعلم تخريجه آنذاك حتى وقفت في التمهيد لابن عبد البر أنه صح عن علي بن أبي طالب أنه كانت له لحية سابغة تملأ ما بين المنكبين، وكان يخضبها. فهذا فعل علي بن أبي طالب، وهو صحابي من الأربعة الخلفاء، ولحيته تصل إلى سرته وتملأ ما بين المنكبين، ويتعارض مع ما فعل ابن عمر، فإما أن نقدم واحداً منها، وإما أن نسقط الاستدلال بهما معاً، ولا نقول بذلك، ولا شك في تقديم علي بن أبي طالب ﵁ عند التنازع، بالإضافة إلى أن النظر إلى السنة العملية لفهم سنة النبي ﵊ يكون إذا اشتهرت وأجمع عليها الصحابة أو أفتى بها أكثرهم، لكن نحن ما عندنا إلا ابن عمر والروايات مختلفة عنه، وكما قلنا: الرواية المطلقة تحمل على المقيدة، إذا كان في حج أو عمرة، أما الروايات الأخرى التي تقول: إنه كان يأخذ بإطلاق، فنحن نحملها على معنى الرواية المقيدة اتباعاً للأصول. إذاً: عندنا قيدان: قيد زماني في الحج والعمرة، وقيد موضعي أنه يأخذ ما زاد عن القبضة؛ لكن الأمر لا يتجاوز أبداً حدود الجواز، ولا أعلم قائلاً بجواز الأخذ من اللحية من العلماء فضلاً عن الوجوب؛ لأن وجوب الأخذ من اللحية فيه تأثيم للذي يترك لحيته. وهذا الحديث والفتوى كان من سلبياتها أن الذين يريدون حلق اللحى -المتضجرين من اللحية- صارت لحاهم أقل من حبة الأرز! لماذا؟ بدعوى أن الأخذ من اللحية واجب، وصاروا يتهكمون على الملتحي ويقولون: يؤخذ من عمل المرء بقدر ما تطول لحيته، ويتكلمون كلاماً طويلاً بناء على فتوى الشيخ. وأنا -وهذا مبلغ علمي- أرى أن هذه الفتوى شاذة، وأنه لم يقل بها أحد قط قبل الشيخ -أي: القول بالوجوب- هذه الحقيقة، ومن مذهب الشيخ رحمه الله تعالى أنه لا يتبنى حكماً إلا إذا كان مسبوقاً إليه، فمن الذي قال من العلماء بأن تطويل اللحية فيما يزيد عن القبضة لا يجوز؟ مداخلة: ذُكر ذلك في فتح الباري؟ الشيخ: لا، الفتح ذُكر فيه الأخذ، ولم يذكر وجوب الأخذ. وتأثيم من لم يأخذ لا أعلم أحداً من العلماء قال به بهذه الصورة، نعم بعضهم قد يكره، لكن هل الكراهية تقتضي التحريم؟ مداخلة: هل إعفاء اللحية وعدم حلقها عادة؟ الشيخ: هذه ليست عادة. وكونها من سنن الفطرة مما يدل على وجوبها، إذاً: سنن الفطرة دالة على الوجوب لوحدها، فإذا كانت الفطرة هذه لا تتغير من نبي إلى نبي، بل يفطر كل العباد عليها، فمتى كانت عادة إذا كانت من سنن الفطرة أصلاً كالاختتان وغيره؟! فإذا كانت هي من سنن الفطرة، والأصل في سنن الفطرة الوجوب وليس الإباحة، وجاء النبي ﵊ فحض على إحيائها بأحاديث متكاثرة؛ إذاً: الأصل فيها أنها عبادة، نسأل الله أن يغفر لنا وللشيخ.

стр. 1366

الوضوء لقراءة القرآن السؤال ما حكم الوضوء لقراءة القرآن؟ الجواب أكثر العلماء على استحبابه، إلا إذا كان الإنسان يحفظ أو يدرس أو نحو ذلك، فمن العلماء من رخص بالترك للمشقة، والشوكاني وغيره من العلماء قالوا بإباحة قراءة المصحف على غير وضوء، معتمدين على أن الضمير في قوله ﵎: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٧ - ٧٩] يعود على أقرب متعلق وهو الكتاب المكنون، وليس على القرآن الكريم، أي: لا يمس الكتاب المكنون إلا المطهرون، فيقول الشوكاني: ليس هناك دليل أصلاً على منع قراءة المصحف بدون وضوء، وحديث: (لا يمس القرآن إلا طاهر) قال: إن لفظ (طاهر) لفظ مشترك، وحقيقة اللفظ المشترك أنه لا يصل إلى معنى من معانيه إلا بدليل مستقل، فيطلق على المسلم، ويطلق على الماء الطاهر، ويطلق على الماء المطهر إلخ، ثم قال: إنَّ جعْل المقصود به هنا الطهارة من الحدث لابد له من دليل آخر حتى يعين هذا المعنى الذي أراده، وله كلام معروف. مداخلة: فلو أن شخصاً تبنى قول الجمهور؟ الشيخ: إذا تبنيت قول الشاطبي ﵀ في الموافقات: عليك بسنن الجمهور في الخلاف، إلا أن يكون لديك بحث خاص وأقمت الحجج على أن هذا هو الصواب، وأنت خالفت الجمهور فلك ذلك إن كنت أهلاً له هذا من حيث الإجمال. مداخلة: إذاً: فنبقى على قول الجمهور حتى يبحث أحدنا بدقة في المسألة؟ الشيخ: كما قلت، وكما تكلمنا الآن وقلنا: عليك بسنن الجمهور.

стр. 1367

الصلاة جماعة خارج المسجد السؤال ما حكم الجماعة في غير المسجد؟ الجواب جماعة؛ لأنه لا يشترط أن تكون الجماعة في المسجد. ولا يأثمون؛ لأن المقصود إقامة الجماعة، في أي مكان، وليس المسجد شرطاً لإقامة الجماعة، بمعنى: لا تقام الجماعة إلا في المسجد لا، المقصود إقامة الجماعة في أي مكان.

стр. 1368

معنى حديث: (من سن في الإسلام سنة حسنة) السؤال ما معنى (من سن في الإسلام سنة حسنة ومن سن سنة سيئة)؟ الجواب ( من سن سنة سيئة) مثلاً: في بلد من البلدان أراد رجل أن يسن سنة الجاهلية الأولى بالنسبة للسارق، فقال: الشريف إذا سرق سنتركه، والوضيع إذا سرق سنقطع يده، وأعاد هذه المسألة كرة أخرى في هذا البلد، ومات ومضى الناس على هذا الذي سنه. والمقصود بالسن في قوله: (من سن سنة سيئة) (السنة) بالمعنى الاصطلاحي: ما ينسب إلى النبي ﵊ لا ما ينسب إلى الناس، ولذلك قال (من سن في الإسلام). إذاً: كل رجل يأتي فيقطع يد الوضيع ويترك الشريف عليه إثم كل رجل يفعل ذلك من بعده، وكذلك لو جاء رجل -مثلاً- فوجد الناس يحلقون لحاهم، والنساء يمشين سافرات، فجاء فأحيا فيهم سنة اللحية، وأحيا فيهم سنة النقاب، فهذا ينسب النقاب إليه وينسب اللحية إليه، وإن لم يكن جاء بذلك من عنده؛ لأنه هو الذي أحياها فنسبت إليه، كما قال ﵊: (ما من نفس تقتل إلا وكان على ابن آدم الأول كفل منها) لأنه أول من سن القتل.

стр. 1369

حكم الكلام أثناء قضاء الحاجة السؤال ما حكم الكلام أثناء قضاء الحاجة؟! الجواب يجوز الكلام أثناء قضاء الحاجة، وعادة الإنسان أنه لا يتكلم إلا إذا كان محتاجاً، ولا يوجد شخص بكامل قواه العقلية يدخل الخلاء ولا يحلو له الكلام إلا وهو يقضي الحاجة. مداخلة: ألا يدخل في ذلك النهي عن الكلام على الغائط؟! الشيخ: ربما؛ لأن كلمة (على الغائط) إما أن تكون في وقت قضاء الحاجة، وإما إذا انتهى المرء من قضاء الحاجة ووقف، فهذا أحد المعنيين، لكن يحمل على ذلك بقرائن أخرى لا شك. وهنا مسألة: التسمية للوضوء داخل الخلاء إذا سمى الله ﵎ في قلبه فقد تم المراد، يعني: ليس ضرورياً أن يجهر بها، ويرفع صوته.

стр. 1370

حكم صيام يوم السبت السؤال هل صحيح أنه لا يجوز صيام يوم السبت إلا أن يكون فرضاً؟! الجواب هذا صحيح؛ لأن الحديث صحيح، والذي يتبنى صحة الحديث لا يسعه إلا أن يقول بما قال الشيخ في مسألة صيام السبت، والذين يرون عدم النهي عن صيام السبت يضعفون الحديث أصلاً، لكن لو قلنا للذين لا يقولون بتحريم صيام السبت إلا في الفرض: هبوا أن الحديث صحيح من باب الجدل؛ لا يدعه إلا أن يفتي بالفتوى: أنه لا يجوز صيام السبت، لكنهم أصلاً يقولون بجواز صيام السبت؛ لأن الحديث ضعيف لديهم. مداخلة: هل هذا على سبيل إفراد السبت؟! الشيخ: لا يوجد لفظ: (إفراد) في الحديث، بل الحديث يقول: (لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم). مداخلة: وهل هذا مثل إفراد الجمعة؟ الشيخ: لا، الجمعة فيها نص (نهى عن إفراد الجمعة). مداخلة: ألا يعارض حديث النهي عن صيام السبت حديث آخر؟! الجواب: لا تعارض؛ لأن حديث النهي مقدم عند التعارض، إذ لو كان عندنا حديثان: حديث يمنع وحديث يبيح، ولم نستطع الجمع يقدم دليل المنع؛ لأن الأصل في العبادات المنع، ومتى كان الجمع ممكناً فذاك، ولو كان الحديث هكذا: (لا تصوموا يوم السبت) كان ممكناً أن نقول: لا تصوموا يوم السبت إلا أن يكون يوماً قبله، أو يوماً بعده، لكن لا يوجد أي وجه للجمع بين هذا الحديث وبين الأحاديث الأخرى التي تبيح صيام السبت؛ لأنه قال ﵊: (لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم) فصارت المسألة واضحة جداً؛ لأن لفظ الحديث يساوي: (لا تصوموا يوم العيد). فصارت المسألة واضحة جداً, لأن: (لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم) مثله أيضاً: (لا تصوموا يوم العيد) , والعيد لا يصام عند المسلمين. مداخلة: هل يمكن الجمع بين الحديثين؟ الشيخ: لا تستطيع أن تجمع أصلاً, يعني: كيف تجمع بين قوله: (لا تصوموا يوم العيد) وبين استحباب صيام الإثنين أو الخميس, إذا جاء العيد يوم الإثنين أو يوم الخميس هل يشرع للإنسان أن يصوم يوم العيد؟ لا يشرع له أن يصوم. إذاً فقوله: (إلا فيما افترض عليكم) قيد صوم السبت بالفريضة, فالترجيح إذا تعارض الحديث المانع مع الحديث المبيح الآذن فإن المنع يقدم, لأن الأصل في العبادات المنع حتى يرد الدليل بالإباحة. مداخلة: هل يصوم الحاج يوم عرفة إذا كان يوم إثنين أو خميس؟ الشيخ: يترك صيام عرفة, لأن يوم عرفة ليس فرضاً بل هو مستحب, ولذلك لا يصوم الحاج يوم عرفة. مداخلة: هل ورد أن النبي ﷺ كان يجمع بين صوم السبت والأحد؟ الشيخ: هذا صحيح, ولكن كل هذا حكمه حكم الصورة الأولى, كان أكثر صيامه ﵊ السبت والأحد, ومن الممكن أن نقول: إن هذا كان في الأول, ثم قال ﵊: (لا تصوموا يوم السبت). وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
следующие страницы →