Полный текст (1 719 стр.). Показаны 1681–1719 · переход к 1686.
стр. 1681
الأسئلة
стр. 1682
نصيحة عامة لطلبة الجامعة والمدارس
السؤال
نريد من فضيلة الشيخ أن يوجه نصيحة لطلبة الجامعات والمدارس وهم على الأبواب؟
الجواب
إخواننا في الجامعة على وجه الخصوص أقول لهم: كونوا كما قال حذيفة بن اليمان ﵁ عندما سمع رجلاً يقول: (والله لو كان رسول الله ﷺ بين أظهرنا ما تركناه يمشي على الأرض) حذيفة سمع هذه الكلمة ما معنى هذا؟ معناه أن الصحابة قصروا في حق النبي ﵊ وتركوه يمشي على الأرض!!.
فقال حذيفة له: (يا ابن أخي! أكنت تفعل ذلك؟)، ثم ذكر له موقفاً واحداً، ومن هذا الموقف أدلف إلى نصيحة طلبة وطالبات الجامعة.
قص عليه موقفاً واحداً.
لما كان يوم الأحزاب وكان الجو بارداً شديد البرودة، حتى أن الصحابة كان الواحد منهم يحفر لنفسه حفرة ويدفن نفسه فيها من البرد، وتعرفون الصحابة وجلدهم، وكيف كانوا يتحملون الحرارة في مكة التي تغلي منها الرءوس، وكانت أمورهم وحياتهم على ما يرام ولامشكلة، فتخيل هذا الصبور يحفر لنفسه حفرة لأنه لا يتحمل البرد! وهم في حفرهم في الرمل! فالنبي ﵊ يريد أن يرسل عيناً على المشركين فقال: (من يأتيني بخبر القوم وهو معي في الجنة؟) أظن هذا حافزاً يجعلهم كلهم يخرجون من الحفُر!.
ومع هذا لم يقم أحد من حفرته من شدة البرد، فكرر ثلاث مرات: (من يأتيني بخبر القوم وهو رفيقي في الجنة؟ -فكأن حذيفة أحس أنه سيقول له: قم فأدخل نفسه في الحفرة أكثر، فقال: (فتقاصرت) -أي: أدخل نفسه في الحفرة أكثر- قال: فقال لي: (قم يا حذيفة)، قال: (ولم يكن من طاعة الله ولا طاعة رسوله بد)، قمتُ فقال لي: (ائتني بخبر القوم ولا تذعرهم علينا) -أي: لا تنفرهم أو تهيِّجهم علينا وإنما بهدوء- (ودعا لي؛ فكأنني أمشي في حمام) -ذهب عنه البرد وما يجد من القُر كأنه يمشي في حمام- قال: (فذهبت إليهم فرأيتُ ناراً عظيمةً) -أحدهم عاري الظهر ويصطلي بالنار، أي: يستدفئ- (فعلمتُ أنه أبو سفيان) -وهذه كانت أول مرة يرى فيها أبا سفيان - قال: (فأخذت السهم ووضعته في كبد القوس، وهممت أن أضربه فتذكرت قول النبي ﷺ : (لا تذعرهم علينا).
قال: (ورجعتُ فأخبرته خبر القوم فعاد لي القُر -أي: رجع البرد مرة أخرى بعد أن أدى المهمة، وانتهى مفعول دعوة النبي ﷺ له فلما رأى النبي ﷺ ما عليَّ من القُر أعطاني عباءته فتدثرت بها، فنمت حتى الصباح، قال: فجاءني النبي ﷺ فقال لي: (قم يا نومان).
هذا الحديث يدل على صدق الانتماء إلى الله سبحانه لن تنصر دينك إلا بصدق الانتماء إلى ربك، الجامعات فيها شيء في الدراسات العليا والماجستير والدكتوراه اسمه: الحياد العلمي، وهذا المفهوم في مصطلحنا: هو ترك الانتماء إلى السلف، أي: عندما تنظر في أي قضية؛ اعتبر نفسك مقطوعاً من شجرة، لا تنتمي ولا تستحضر دينك؛ لأنك إذا استحضرت دينك ستنحاز له، وإذا انحزت إلى دينك ينعدم عنك الحياد العلمي الذي نريد أن نربيه فيك.
الحياد العلمي هذا أتانا من الغرب، قال الدكتور طه حسين: ينبغي أن ننظر إلى القرآن على أنه كتابٌ أدبي، لا أنه من عند الله، ويتعرض للنقض وللقواعد النحوية؛ ولذلك العلماء طردوه، ومن جملة العلماء علماء الأزهر، فلما طردوه ذهب وأخذ الدكتوراه في اللغة العربية من باريس، لا من بلاد العرب أو من الأزهر، طردوه وكفروه بسبب كتاب (الشعر الجاهلي)، وعاد وقال: أنا تبت وأنبت، والأستاذ أنور الجندي نقل في بعض مقالاته أن الدكتور طه حسين سُئل في آخر حياته: أما زلت معتقداً الكلام الذي في كتاب (الشعر الجاهلي)؟ قال: ما تركت منه حرفاً.
معتقد تماماً ما في الشعر الجاهلي الذي كفره العلماء بسببه.
فباسم الحياد العلمي يدخل المرء ناسياً أنه مسلم لماذا؟ يقول لك: لأن الحياد العلمي معناه عدم الانحياز، وإذا انحزت ضاع الحياد.
لا يستطيع رجلٌ ولو كان من عباد الحجر أن يترك انتماءه أبداً أنترك انتماءنا إلى الله ورسوله؟ يا إخوة: هناك قصة تناقلتها المجلات العلمية، أنا أقولها للشباب، لأن الشباب هم أمل الأمة، ورقة بن نوفل يقول فيها: (يا ليتني فيها جذعاً إذ يخرجك قومك)، تمنى أن يرجع شباباً ينصره، فلا ينصر الدين إلا الشباب، القصة هذه تناقلتها المجلات العلمية وأنا لا أحتج بها، إنما أذكرها لأستنفر؛ فإن الأسد إذا قيل له: إن الكلب يفعل كذا وكذا يغتاظ أن يُضرب له المثل بالكلب.
فهذه قصة رجل مهندس، غيّر وجه العالم بعلمه، فشباب الجامعة يقول لك: تريد مننا أن نغير الدنيا؟ نعم تغيرها، لماذا لا تغيرها؟ رجل واحد أقرض بعض البلاد العربية بخمسمائة مليار دولار، في حرب الخليج هذه الأموال لو وزعت على المسلمين لكان كل فرد من الأغنياء (مليونيراً)، وما كان هناك فقير على وجه الأرض من المسلمين رجل واحد عمل هكذا؟ نعم رجل واحد يفسد الدنيا، ورجل واحد يصلح العالم، لماذا تقتل المواهب فيك؟ هذا الرجل اسمه، بعد الحرب العالمية الثانية، بعد القنبلة الذرية التي نزلت في هيروشيما في اليابان، وحصل عليها حظر حتى الآن واليابان لا تستطيع تصنيع طائرة عسكرية ولا دبابة ولا مدفع، حتى الآن، أرأيتم في عمركم طائرة حربية من تصنيع اليابان؟ هناك تفتيش كل ستة أشهر على كل مصانع اليابان وكذلك ألمانيا حتى يضمنوا أن هذه البلاد لا تنتج السلاح العسكري، ولكن أطلقوا أيديهم في الصناعات السلمية الثلاجات والغسالات والسيارات وما شابه ذلك، فأوفدت اليابان طلائع، منهم: هذا المهندس.
، الذي ذهب إلى ألمانيا ليأخذ الدكتوراه في علم المحركات، نزل ألمانيا حتى يعود بلقب دكتور، والقطعة التي يصفوها يعطي لها رقماً، ويرسمها على ورقة من أجل إذا جاء يركِّبها دون أن يرتبِك، فك المحرك وركّبه، قال: وشغلته فاشتغل قال: فكاد قلبي أن يتوقف من الفرح، أخذت المسألة منه ثلاثة أيام، قال: فذهبت إلى أستاذي في البعثة وقلت له: إني فعلت كذا وكذا فقال: حسناً، هذا محرك عطلان ابحث عن العطل الذي فيه: أخذ المحرك أيضاً بنفس الطريقة وفكه، اكتشف أن فيه عطلاً مثلاً سلك متآكل، أصلح السلك وشغّله فاشتغل، أخذت المسألة هذه منه عشرة أيام، قال: فذهبت إلى أستاذي وقلت له: إنني وجدت سلكاً فيه كذا وكذا قال: حسناً ينبغي أن تلتحق بمصانع صهر النحاس والحديد والألمنيوم؛ لأنه لا يستقيم لك أن تأخذ قطعة غيارك من خارج بلادك، لازم تصنع قطع غيار بنفسك، قال: (فذهبت إلى أحد هذه المصانع، ولبست الزي الخاص بالعامل، قال: وكنت عاملاً تحت العامل -مع أنني من أسرة ساموراي- أنا رجل صاحب أصل ومن أسرة عريقة؛ لكنني كنت أعمل عاملاً تحت العامل وأطيعه، ثم قال: (وكل شيء يهون لأجل اليابان)، ينتمي إلى تراب وطنه، (كل شيء يهون لأجل اليابان)، ظل في هذا المصنع ثماني سنين، نسي أنه ذاهب ليحضر الدكتوراه، لماذا؟ لأن هناك هم أكبر من ذلك، إن الرجل النكرة إذا انتمى إلى أمةٍ عظيمةٍ كان عزه من عز أمته، وإن الرجل العظيم إذا انتمى إلى أمة نكرة، وطئ بالنعال.
المرأة التي قالت: وامعتصماه! أيعرف أحد اسمها؟! والرجل الذي حمل الصرخة إلى المعتصم أيعرفه أحد؟ لا أحد يعرفه، لكن امرأة عرّاها اليهود وكشفوا عن سوأتها رآها رجلٌ كان في أمةٍ عزيزةٍ عز بعزها، فحملته هذه النخوة والعزة أن يذهب إلى المعتصم ليقول له: حدث كذا وكذا اليهود عروا كثيراً من نساء المسلمين في بيوت الموضة والأزياء، وكُشِفت سوأة امرأةٍ واحدة فجرد المعتصم الجيش العرمرم، ودخل وفتح عمورية بسبب امرأةٍ لا نعرف اسمها ولا نسبها، وربما المعتصم لم يسمع بهذه المرأة قط.
لماذا؟ لأنها كانت تنتمي إلى أمة عزيزة، أمة قوية.
الآن الأمريكي قد يجرح سهواً في أي مكان في العالم، فتقوم الدنيا على قدمٍ وساق، ومائة مسلم أو أكثر يُقتلون في المسجد الأقصى وهم سجود ولا عزاء ولا نداء!!.
دماء المسلمين أرخص دماء في العالم، لا يستطيع مسلم أن يذبح بقرةً في الهند، وإلا قتلوه وأكلوه.
رجل يمني في بلد عربي -وكنت حاضراً هذه الواقعة- تجاوز الإشارة، فلحقت به شرطة الدورية وأحضروه، فأخرج الجنسية اليمنية، فقال له: يمني وتكسر الإشارة أيضاً؟! أي أن اليمني أجرب، هذا معنى الكلام، فاليمني قام بخطف وثيقة الجنسية اليمنية هذه، وأخرج له الجنسية الأمريكية، لأنه عاش في أمريكا، فقال له: يمني وأمريكي!! إن هذا لشيء عجاب! قال أنت تستهزئ بي!! وظهر أن هناك هاتفاً في السيارة، طلَب السفير الأمريكي، فيأتيه السفير ويعتذر قائد دورية الشرطة رغم أنه ليس أمريكي صرف، إنما هو عربي متجنِّس.
إذاً قوة أمتنا بقوة الأفراد، الانتماء إلى هذه الأمة هو المخرج.
الجامعات فيها كثير جداً من الشباب، وأنا ركّزت على مثل هذا لأنه يُتوقع أن طالب الجامعة يحضِّر دراسات عليا، يحضِّر دكتوراه وماجستير، فيفاجأ بكلمة الحياد العلمي، فنكشف هذا المصطلح كشفاً صريحاً.
الحياد العلمي في الجامعات معناه: ترك الانتماء، فعليك بمذهب السلف، مذهب القرن الأول، مذهب الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح، وهذا القيد هو الذي يميز المنهج الحق عن المناهج المبتدعة والله أعلم.
نسأل الله ﵎ أن يوفقنا، والحمد لله رب العالمين.
стр. 1683
جنة الرضا في التسليم لما قدر الله وقضى
الله هو الذي يعلم ما ينفعنا وما يضرنا، لذلك قد يبتلي سبحانه بعض عباده بالخير والبعض الآخر بالشر، وقد ابتلى أنبياءه واختبرهم، ومن أولئك الأنبياء أيوب ﵇، فقد صبر هذا النبي على البلاء، وحمده لله سبحانه على ذلك.
стр. 1684
الابتلاء سبب في تقوية القلوب
إن الحمد لله تعالى نحمده، ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد؛ كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد؛ كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد.
إن الله تعالى كتب الابتلاء على كل فرد، فلا ينجو منه أحد، لكن يبتلى كل إنسان ببلاء يخالف بلاء الرجل الآخر، لكن لا يمضي رجل أبداً -سواء من المؤمنين أو الكافرين- إلا وقد ابتلي في الدنيا، ورسول الله ﷺ رسم لأصحابه خطاً مربعاً، ثم مد خطاً من داخل المربع فتجاوز المربع، ثم رسم خطوطاً قصاراً في داخل المربع، وحول هذا الخط الطويل، ثم أشار إلى المربع وقال ﵊: (هذا أجل ابن آدم محيط به، ثم أشار إلى الخط الطويل وقال: هذا أمله -أي: أن أمله يحتاج إلى أضعاف عمره- ثم أشار إلى الخطوط القصار حول هذا الخط الطويل وقال: هذه الأعراض إذا نجا من عرض نهشه الآخر).
يعني: أن الإنسان في الدنيا لا ينفك أبداً عن عرض يعرض له وعن فتنة تلابسه.
إن أعظم منافع التعرض للبلاء هو أنه يجعل القلب قوياً؛ لأن القلب إنما يستمد مادة حياته من البلاء؛ ولذلك اختار الله البلاء لأوليائه وأنبيائه، ترى هل يترك الله أولياءه يتخبطون في الأرض؟! لماذا يخرج موسى خائفاً يترقب؟ لماذا يخرج نبينا ﷺ ويختبئ في الغار؟ لماذا يدال على دولة المؤمنين كثيراً وهم أولياء الله ؟! لأن القلب يستمد حياته من المحن، ولذلك تجد أضعف الناس قلوباً هم أهل الترف، إما أهل الابتلاء فهم أقوى الناس قلوباً، والعبد يوم القيامة يوزن عند الله بقلبه لا بجسمه، قال إبراهيم ﵇: ﴿وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٧ - ٨٩].
وصعد عبد الله بن مسعود ﵁ يوماً إلى شجرة، فنظر أصحاب النبي ﷺ إليه وتضاحكوا، فقال ﵊: (ما يضحككم؟ قالوا: يا رسول الله! نضحك من دقة ساقيه -وكان ابن مسعود ضعيفاً شديد الضعف، بحيث أن الرياح إذا هبت كانت تكفؤه، فلما صعد إلى الشجرة رأوا دقة ساقيه فتضاحكوا- فقال النبي ﵊: والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أحد)؛ ذلك لأن الله يزن العباد يوم القيامة بقلوبهم.
стр. 1685
أيوب ﵇ أنموذج في الصبر على الابتلاء
وعندنا نماذج كثيرة من صور المبتلين: أول هؤلاء المبتلين وأشهرهم هو: أيوب ﵇، زكاه ربه فقال: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:٤٤]، وقد روى ابن حبان والإمام أحمد في مسنده قصة أيوب على لسان الرسول ﵊، فقال: (لبث أيوب في بلائه ثمانية عشر عاماً، فرفضه القريب والبعيد غير أخوين له، وذات يوم كانا يجلسان عنده، فلما قاما وهما بالانصراف قال أحدهما للآخر: تعلم أن أيوب أصاب ذنباً عظيماً؟ قال: ولم؟ قال: لأن الله ابتلاه منذ ثمانية عشر عاماً ما رفع عنه، قال: فلم يتمالك هذا الرجل الآخر إلا أن رجع إلى أيوب ﵇، فرجع إليه وقال له: إن أخي يقول: إنك ارتكبت ذنباً عظيماً، وإلا فلماذا لم يرفع عنك الله البلاء حتى الآن؟ فقال أيوب ﵇: أنا لا أعرف شيئاً من ذلك، غير أني كنت إذا سمعت الرجل يحلف، فأخاف أن يحنث فأرجع إلى بيتي فأكفر عنه) هذا هو الذي يذكره أيوب ﵇، وهذه هي عادة المؤمنين، يكرهون أن يحنث في اسم الله العظيم، قد يكذب نفسه لكن لا يتحمل أن يحنث في اسم الله، كما روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁: قال: قال رسول الله ﷺ : (أبصر عيسى ﵇ رجلاً يسرق، فقال له: أتسرق؟ فقال الرجل: والله ما سرقت، فقال عيسى ﵇: آمنت بالله وكذبت بصري) تكذيب نفسه أهون عنده من أن يحنث في اسم الله العظيم.
وقد ذكر ابن عبد البر -والعهدة عليه في تصحيح هذا الخبر- قال: روينا بأسانيد صحيحة أن عبد الله بن رواحة -وهو شاعر النبي ﵊ رأته امرأته يطأ جارية له، فغارت وجاءت بسكين، وقالت له: فعلت وفعلت.
قال: ما فعلت؟ قالت: إن كنت صادقاً فاقرأ شيئاً من القرآن.
فأنشد عبد الله بن رواحة -والمرأة ما كانت تحفظ القرآن-: شهدت بأن وعد الله حق وأن النار مثوى الكافرين وأن العرش فوق الماء طاف وفوق العرش رب العالمين وتحمله ملائكة غلاظ ملائكة الإله مسومين فألقت المرأة بالسكين وقالت المرأة: آمنت بالله وكذبت بصري.
هكذا فإن العبد المؤمن يكره أن يحنث في اسم الله العظيم، يكذب نفسه ويكذب عينه ويكره أن يحنث في اسم الله.
كذلك فعل أيوب ﵇ قال: كنت أسمع الرجل يحلف فأكره أن يحنث في اسم الله، فكان يرجع إلى بيته فيكفر عنه، ثم إن الله ﵎ امتن على أيوب ﵇ فقال له ﵎: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص:٤٢]، فامرأته رجعت إليه فوجدت رجلاً صحيحاً معافىً، فقالت له: أي بارك الله فيك! أما رأيت نبي الله أيوب ذاك الرجل المبتلى؟ قال: هو أنا.
وهكذا فإن الله ﵎ منَّ عليه وملأ خزائنه ورضي عنه.
وفي الصحيحين: (أن أيوب ﵇ كان يغتسل عرياناً، فجاء فخذ جراد من ذهب فجعل يحثو في ثوبه، فقال الله له: يا أيوب! أو لم أكن أغنيتك؟ قال: يا رب! لا غنى لي عن بركتك).
فكان أيوب ﵇ سيد الصابرين، وضرب الله به المثل في القرآن كثيراً، قال ﷺ : (كذلك نحن معاشر الأنبياء نبتلى ثم تكون العاقبة لنا).
стр. 1686
سلامة قلب أيوب ﵇ عند الابتلاء
إن المهم بالنسبة للعبد المبتلى هو سلامة القلب، فلا يضرك ما فاتك من جارحتك إذا سلم قلبك، ما كان عند أيوب ﵇ إلا قلباً، حتى إن أحاديث الإسرائيليات التي وردت في قصة أيوب فيها روايات تقول: إن أيوب ﵇ كان الدود يرعى في جسمه، لكنه ما ضره ما فاته من جارحته إذ سلم قلبه.
فلا تنظر إلى جارحتك، فأنت لا تدري لعل الله ﵎ إن تركك صحيحاً كنت من العصاة، فالعجز عن معصية الله نعمة.
وهنا تحضرني قصة كنت أحد أطرافها، وملخصها: أن طفل صغيراً عمره تسع سنوات، ولد وفي قلبه ثقب، ثم إن هذا الثقب أثر فيه فكان معاقاً من أطرافه الأربعة، ثم عرضنا أمر هذا الطفل الصغير على بعض أهل الخير فتبرع بكرسي وتبرع بدفع نفقات جلسات كهرباء لهذا الولد الصغير.
بدأ الطفل في رحلة العلاج، وسبحان الذي برأه وأعاده مرة أخرى إلى صحته بعد حوالي سبع سنوات! وقف هذا الطفل على رجليه واسترد عافيته، وحين شب صار يعمل في الأعمال اليدوية الشاقة، سافر هذا الشاب إلى العراق من نحو عشر سنوات أو أكثر، ولما ذهب هناك ما ترك معصية إلا فعلها، فعل كل شيء؛ زنى فأدمن الزنا، وشرب الخمر فأدمن شرب الخمر، ثم رجع مرة أخرى وهو يجر أذيال خيبته، ومن حينها ما استقام، وهو حتى الآن لا يصلي! فلو بقي عاجزاً ألم يكن ذلك نعمة له؟ فالله ﵎ يبتلي بالشر والخير، لكن أحسن الظن بربك، قل: إن الله اختار لي ما فيه الخير، فلو كنت صحيحاً قد لا أكون طائعاً، قد لا أكون ممتثلاً، فإذا أحسنت الظن بالله ﵎ ضمن لك سلامة قلبك: فلا تظنن بربك ظن سوء فإن الله أولى بالجميل
стр. 1687
أنموذج عظيم في الصبر على البلاء
وقد روى الإمام ابن حبان ﵀ في كتاب الثقات قصة عجيبة لمعوق من أشهر المعوقين في تاريخ المسلمين وهو الإمام الكبير العلم أبو قلابة الجرمي عبد الله بن يزيد وكان من الرواة عن أنس بن مالك ﵁، ويروي هذه القصة عبد الله بن محمد.
قال: خرجت مرابطاً في عريش مصر، فبينما أنا أمشي إذ مررت بخيمة وسمعت رجلاً يقول: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل:١٩] قال: فنظرت إلى هذا الرجل الذي يدعو فإذا هو معاق، وقد فقد يديه ورجليه، وفقد بصره، وثقل سمعه، فجئته وقلت له: يا عبد الله! إني سمعتك تقول كذا وكذا، فعلى أي شيء تحمد الله؟! فقال له: يا عبد الله! والله لو أرسل الله الجبال فدمرتني، والبحار فأغرقتني، ما وفيت نعمة ربي على هذا اللسان الذاكر، ثم قال له: لقد فقدت ابني منذ ثلاثة أيام، فهل تلتمسه لي؟ وكان ابنه هذا يوضئه ويطعمه، فقلت له: والله ما سعى أحد في حاجة أحد أفضل من حاجتك.
قال: فتركته وخرجت أبحث عن الغلام، فما مشيت قليلاً إلا وأبصرت عظمه بين كثبان من الرمل، وإذا بسبع قد افترسه، قال: فوقفت وقلت: كيف أرجع إلى صاحبي وماذا أقول له؟! وجعلت أتذكر، قال: فتذكرت أيوب ﵇ فلما رجعت إليه سلمت عليه، فقال: ألست بصاحبي؟ قلت: بلى.
قال: فماذا فعل ولدي؟ قلت: هل تذكر أيوب ﵇؟ قال: نعم.
قلت: ماذا فعل الله به؟ قال: ابتلاه الله في نفسه وفي ماله، قال: فكيف وجده؟ قال: وجده صابراً، قال: ولم يكن ذلك فقط، إنما انفض عنه القريب والبعيد، ورفضه القريب والبعيد، قلت: وكيف وجده؟ قال: وجده صابراً، يا عبد الله! ماذا تريد؟ فقال له: احتسب ولدك، فإني وجدت سبعاً افترسه بين كثبان الرمل، قال: الحمد لله الذي لم يخلق مني ذرية إلى النار، وشهق شهقة فخرجت روحه فيها، قال عبد الله بن محمد: فقعدت حائراً ماذا أفعل، لو تركته لأكلته السباع، ولو ظللت بجانبه ما استطعت أن أفعل له شيئاً.
قال: فبينما أنا كذلك إذا هجم علي جماعة من قطاع الطرق، فقالوا: ما حكايتك؟ فحكيت لهم الحكاية، قالوا: اكشف لنا عن وجهه، فكشفت عن وجهه فانكبوا عليه يقبلونه وهم يقولون: بأبي عيناً طالما غضت عن محارم الله، وبأبي جسماً كان على البلاء صابراً، قال: فغسلناه وكفناه ودفناه، ثم رجعت إلى رباطي.
قال: فنمت فرأيته في منامي صحيحاً معافى، فقلت له: ألست بصاحبي؟ قال: بلى.
قلت: فما فعل الله بك؟ قال: أدخلني الجنة وقال لي: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد:٢٤] فهذا كان معوقاً لكن سلم قلبه.
إن الطب النفسي كله في الوقت الحاضر يعالج شيئاً واحداً فقط، وهو اضطراب القلب، والخوف من المجهول، وأغلب -إن لم يكن كل- الأطباء النفسيين مرضى ويحتاجون إلى علاج؛ لأنهم ينصحون المكتئب بمعصية الله .
أعرف طبيباً يذهب إليه المتكئب فيقول للمكتئب: هل أحببت امرأة قط؟ يقول له: لا.
يقول له: هل لديك علاقة مع أي امرأة؟ يجيب المكتئب: لا.
يقول الطبيب: هذا السبب، لابد أن تحب، الحب حياة القلب.
يسأله الطبيب مرة أخرى: هل تسمع موسيقى؟ يجيبه: لا.
فيقول: لابد أن تسمع الموسيقى حتى ترتاح أعصابك.
هؤلاء الأطباء مرضى، وإن الطب النفسي الحقيقي كله موجود في آية في كتاب الله : ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨].
وقال سعيد بن المسيب ﵀: (إنا لفي سعادة لو علم بها ملوك الأرض لجالدونا عليها بالسيوف)، السعادة هي: السلام النفسي الذي يشعر المرء به، لو بذل المرء كل غال ونفيس ما استطاع أن يشتري قلب أحد، فالاكتئاب والخوف إنما هو بسبب ضعف هذا القلب.
إذاً: الإنسان لابد أن ينظر إلى قلبه، فقوة الجارحة تابعة لقوة القلب، وضعف الجارحة تابعة لضعف القلب، وأنت ترى الرجل القوي الفتي صاحب العضلات المفتولة ربما تقول له خبراً ما يجعله يخر صريعاً على الأرض لا تحمله قدماه برغم سلامة العضلة وقوة الجارحة، لماذا سقط هذا الرجل؟ لضعف قلبه، فعزمك في قلبك، لا يضرك ما فاتك في جارحتك.
وهناك كثير من أهل العلم والفضل ابتلاهم الله ﵎ بنوع من أنواع البلاء، فعندنا مثلاً الإمام الأعرج عبد الرحمن بن هرمز، وهو من أشهر الرواة، عن أبي هريرة ﵁، ولا يعرف في كتب الحديث إلا بـ الأعرج، وكذلك عاصم بن سليمان الأحول، لا يعرف في الكتب إلا بـ الأحول، فإذا قيل: الأحول عن أنس فهو عاصم بن سليمان، وكذلك الإمام الترمذي صاحب السنن ولد أعمى، والإمام حماد بن زيد -أيضاً- ولد أعمى، وكذلك قال العلماء في ترجمة حماد بن سلمة: كان عابداً زاهداً لو قيل له القيامة غداً ما قدر أن يزيد في عمله شيئاً، وكان حماد بن زيد ضريراً ويحفظ حديثه كله، وهو من الأئمة الثقات الذين عقدت عليهم الخناصر في العدالة والضبط.
فنحن يجب أن ننظر نظرة اعتبار إلى هذا القلب، فالقلب ملك البدن، وإذا طاب الملك؛ طابت جوارحه، وإذا خبث الملك خبثت جوارحه، وهذا القلب الذي به قوام حياتك هو في يد الله ، فأنت لا تملكه ولا تستطيع أن تتصرف فيه، فأحياناً تغلب على حب شيء ما يتلفك وتنفق مالك كله بسببه، وربما فقد المرء سمعته، ومع ذلك يقول: قلبي ليس بيدي، فلو كان قلبه بيده لما كفر ولا جحد ولا نسي الله طرفة عين، لكن قلبه بيد الله .
وإلى هذه الآية العظيمة الباهرة أشار النبي ﵌ فكان أكثر يمينه يقول: (لا ومقلب القلوب) إشارة إلى أن هذا القلب لا يحسن أحد التصرف فيه، ولا الهيمنة عليه إلا الله ﵎، وكان النبي ﵌ يقول: (إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله يقلبها كيف شاء) فالبلاء ليس غضباً من الله تعالى، كما أنه ليس رضا، أعني: أن البلاء ليس علامة غضب أو رضا، ربما يبتلي الله العبد في الدنيا ويزيده في الآخرة عذاباً، وربما ابتلاه في الدنيا ليرفع درجته، ولكن ما هو الضابط؟ إن الضابط استقامة المرء على المنهج الحق وعلى طريق الله .
دخل رجل على أحد أصحابه في القرن الثالث الهجري فوجده مريضاً يئن، فقال له: ليس بمحبٍ من لم يصبر على ضرب حبيبه، فقال له الرجل: بل ليس بمحب من لم يتلذذ بضرب حبيبه.
стр. 1688
عروة بن الزبير الصابر المحتسب
وفي الحكاية الصحيحة الثابتة: أن عروة بن الزبير بن العوام -وهو أحد التابعين الكبار- رحل إلى عبد الملك بن مروان، وكان في رجله مرض ودبت إلى رجله الأكلة، فلما وصل إلى عبد الملك بن مروان استشرى المرض في رجله، فقال الطبيب له: لا حل إلا أن نقطعها لك، قال: وكيف ذلك؟ قالوا: تشرب خمراً حتى نستطيع أن نقطعها لك فلا تتألم.
فقال: ما كنت لأستعين على دفع بلاء الله بمعصية الله، ولكن دعوني حتى إذا دخلت في الصلاة فاقطعوها -لولا أن أسانيد هذه القصة صحيحة لما كاد المرء يصدقها! - قال: فلما دخل في الصلاة قطعوها فما أحس بها، وبعد أيام من قطع رجله، سقط ولده من على سطح الدار فمات، -وكان عنده سبعة أولاد- فبلغ ذلك عروة فقال: اللهم لك الحمد، أخذت واحداً وأبقيت ستة، وأخذت عضواً وأبقيت ثلاثة، اللهم لئن ابتليت فلقد عافيت، ولئن أخذت فلقد أبقيت، قال الله ﵎: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧].
стр. 1689
الصبر على البلاء سبب جلب معية الله الخاصة
أعظم الصبر هو الصبر عن معصية الله ، أحياناً الإنسان من يأسه وضجره من نفسه ومن المجتمع الذي حوله يبدأ يشغل نفسه بأشياء من اللهو الباطل، ويضيع حياته، لا يا أخي الكريم! كن منارة لهؤلاء الأصحاء الذين لا يشعرون بالنعمة العظيمة التي يتنعمون بها ليل نهار.
رجل من الأعيان ومن أغنى الأغنياء في مدينة القاهرة، ابتلاه الله ﵎ بمرض خبيث -نسأل الله أن يعافينا وإياكم منه! - فقطعت ساقاه، ومع ذلك هذا الرجل -والله- نزوره لننظر إلى وجهه فقط، فنرى الرضا على وجهه، ولسانه ينطق بالرضا، ومع ذلك لم يرزق ولداً، وله إخوة في غاية العقوق، أخوه يسكن في الشقة المقابلة له في نفس العمارة التي يمتلكونها، يقسم لي بالله أن أخته تظل ثمانية أشهر لا تأتيه، ولا تسأل عنه وبين الباب والباب متر واحد فقط، ثمانية أشهر لا تأتيه، ويدخل في غيبوبة ويفيق من الغيبوبة ولا تأتيه، ولا يأتيه أولادها، ومع ذلك فالله ﵎ جعل أفئدة الدعاة إلى الله تهوي إليه، فمنتدى الدعاة كلهم عند هذا الرجل، تنطق أساريره بالرضا.
يذكرني بكلام ذكره شيخ الإسلام ابن القيم ﵀، كان يقول: كانت إذا ضاقت بنا الدنيا وأدركتنا الوحشة؛ ذهبنا إلى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فما هو إلا أن نراه، ونسمع كلامه، حتى يذهب عنا كل الذي نجده.
مع أن شيخ الإسلام ابن تيمية من أشهر المبتلين؛ فقد سجن سبعة عشر عاماً متفرقات، بسبب فتاويه التجديدية، لقد جدد دين الله ﵎، وتحمل الأذى وصبر، ومع ذلك كان هذا الرجل مبتلى؛ إذا جاءوا ونظروا إلى وجهه تبدد ما يجدونه من ضيق النفس، وما هذا إلا للرضا الذي كان يشعر به شيخ الإسلام ابن تيمية.
أنت -أيها المبتلى الصابر- في معية الله ﵎ العامة، وكذلك المعية الخاصة: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:١٥٣] هذه هي المعية الخاصة التي هي أجل من المعية العامة، المهم أن تحسن ظنك بربك ﵎، ولا تصرف عمرك ووقتك إلا فيما يرضيه، فإن النبي ﷺ قال: (ما من ساعة تمر على ابن آدم لا يذكر الله فيها إلا ندم عليها يوم القيامة).
فأقول لكل أخ معاق: كن منارة، واضرب المثل للذين يرفلون في ثوب العافية، اجعلهم يحتقرون أنفسهم عندما يجدونك في الصف الأول في الصلاة، برغم أنك معاق ولا تتمتع بالحرية التي يتمتعون بها، فلعل أحداً ممن يراك يحتقر نفسه، ولربما كنت معلماً وإن لم تكن صاحب لسان.
نسأل الله ﵎ أن ينفعنا وإياكم بما علمنا، وأن يعلمنا ما جهلنا، وأن يجعل ما قلناه وما سمعناه زاداً إلى حين المصير إليه، وعتاداً إلى يوم القدوم عليه، إنه بكل جميل كفيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين.
стр. 1690
الأسئلة
стр. 1691
أحاديث موضوعة لا تصح نسبتها إلى النبي ﷺ
السؤال
هل هذان الحديثان صحيحان: (من نظر إلى زوجته غفر الله له حتى يرجع) وحديث: (من نزل السوق واشترى الحلوى، وخص بها الإناث دون الذكور من الأطفال؛ اختصه الله برحمته)؟
الجواب
هل يقصد من هذا أنه لا يدخل الجنة إلا إذا أتى هذا الفعل الله المستعان! الحديث لا أصل له.
وحديث (من نزل السوق واشترى حلوى وخص بها الإناث دون الذكور من الأطفال إلا اختصه الله برحمته).
وأما الحديث الثاني: فلا يصح، والإنسان الممارس للحديث والذي عنده مطالعة دائمة للحديث، يرى أمارات الوضع ظاهرة، مثل الأحاديث التي في الفواكه مثلاً: (ربيع أمتي في العنب والبطيخ) فهذا حديث ذكره ابن الجوزي وغيره، وكذلك حديث: (المؤمن حلو يحب الحلاوة) ويظهر في هذا أن فيه ركاكة، وحديث: (لو علمتم ما في الجرجير لزرعتموه تحت السرير) هذه أيضاً أحاديث موجودة تنسب إلى النبي ﷺ وهو لم يقلها.
وهنا أغرب حديث وأوجعه، وهو حديث غريب جداً، ذكره أهل الحديث الذين جمعوا الأحاديث الموضوعة وهو (إن النبي ﷺ رأى باذنجانة فأخذها وأكلها في لقمة - الباذنجانة في لقمة وهي كبيرة- ثم قال: الباذنجان شفاء من كل داء) فهذا كذب، فإنه ما صح عن النبي ﷺ في مدح المطعومات إلا الشيء القليل.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 1692
حديث في فضائل سورة (ق) و (قل هو الله أحد)
السؤال
ما مدى صحة هذا الحديث (من قرأ سورة (ق) و (قل هو الله أحد) خفف عليه من سكرات الموت)؟
الجواب
هذا الحديث لا أعلمه صحيحاً، وفضائل السور لم يصح منها إلا نزر يسير، فاحذر من تفسير الكشاف وتفسير أبي السعود ففيهما أحاديث منكرة جداً في فضائل السور، وبالذات تفسير أبي السعود وتفسير النسفي، فهذه فيها أحاديث كثيرة مكذوبة وضعها رجل يقال له: نوح بن أبي مريم، وكان صاحباً لـ أبي حنيفة، فكان يسهر عامة ليله يضع الأحاديث ويكذب على رسول الله ﷺ : من قرأ آية كذا فله كذا، ومن قرأ سورة كذا فله كذا، وهناك حديث مشهور بيننا جميعاً، وهو حديث ابن مسعود: (من قرأ سورة الواقعة صباح كل يوم أمن من الفاقة) هذا الحديث مكذوب على النبي ﵊، ولم يصح في فضائل السور شيئاً كبيراً.
فقيل لـ نوح بن أبي مريم: لماذا وضعت هذه الأحاديث وكذبت على النبي ﵊؟ قال: إني رأيت الناس انشغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي ابن أبي إسحاق عن القرآن فوضعت هذه حسبة لله، يعني أنه عمل هذا لوجه الله، يكذب على النبي ﵊ لوجه الله.
قال فيه ابن حبان وكان يسمى نوح الجامع؛ لأنه كان يجمع العلوم كلها عنده من فقه وسيرة وحفظ أحاديث وتفسير، قال ابن حبان في ترجمته: جمع كل شيء إلا الصدق -عنده كل الصفات إلا الصدق- لقد كان كذاباً على رسول الله ﵌.
стр. 1693
حكم الاعتكاف في غير المساجد الثلاثة
السؤال
هناك من علمائنا الأفاضل من يرى أن الاعتكاف في المساجد الثلاثة فقط: في الحرم المكي، وبيت المقدس، والحرم النبوي، فما قولكم في الاعتكاف في المساجد الأخرى؟
الجواب
الحديث الذي يحتجون به هو: (لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة) هذا الحديث معل بالوقف على الصحيح، ثم لو لم يكن معلاً بالوقف لوجب تأويله، بمعنى: لا اعتكاف أفضل من المساجد الثلاثة، وعلى هذا مضى عمل جماهير المسلمين، والله أعلم.
стр. 1694
حكم الإسبال والصلاة خلف المسبل
السؤال
ما حكم الإسبال؟ وما جزاء الإمام المسبل؟ وهل تقبل الصلاة خلفه؟
الجواب
أما الإسبال: فحرام؛ لا يجوز لأحد أن يجر إزاره دون الكعبين؛ لقول النبي ﷺ : (ما أسفل الكعبين من الإزار ففي النار) والذين توهموا أن جر الإزار مذموم مع الكبر والخيلاء أخطئوا في ذلك لماذا؟ لأنهم خلطوا بين حديثين: الحديث الأول (ما أسفل الكعبين من الإزار ففي النار) والحديث الآخر: (من جر إزاره من الخيلاء لم ينظر الله إليه) قالوا: إذاً: لو جر إزاره بغير الخيلاء فهو جائز، أما إذا جره خيلاء فهذا هو الذي لا ينظر الله إليه، نقول: لا.
هناك مسألتان.
المسألة الأولى: الجر بغير خيلاء، والمسألة الأخرى: الجر بخيلاء، وعلماء الأصول يقولون: إذا اختلف الحكم واتفق السبب لا يحمل المطلق على المقيد، فهؤلاء حملوا المطلق في قول النبي ﷺ : (ما أسفل الكعبين من الإزار ففي النار) حملوا هذا المطلق على معنى مقيد بقيد الخيلاء في الحديث الآخر، إذاً: فمن جر إزاره خيلاء فهو المحاسب المعاقب عند هؤلاء.
فنقول: لا.
العلماء لهم قاعدة تقول: إذا اختلف الحكم واتفق السبب لا يحمل المطلق على المقيد، وقد ورد في سنن أبي داود أن النبي ﷺ قال: (ما أسفل الكعبين من الإزار ففي النار، ومن جر إزاره من الخيلاء لم ينظر الله إليه) فذكرهما في سياق واحد، فالحكم مختلف والسبب واحد، فما السبب؟ السبب هو جر الإزار، وما هو الحكم؟ الحكم الأول: يدخل النار، الحكم الثاني: لا ينظر الله إليه، ولا شك أن إعراض الله عنه أعظم من دخوله النار، فهذه عقوبة مضاعفة.
وهم يحتجون -أيضاً- بواقعة أبي بكر الصديق ﵁ لما جاء إلى النبي ﷺ قال: (يا رسول الله! إن أحد شقي إزاري يسترخي وأنا أتعهده؟ قال: إنك لست ممن يفعل ذلك خيلاء) فقالوا: إذاً العبد إذا لم يفعله خيلاء لا يتحقق في حقه الوعيد؛ اقتداء ًبـ أبي بكر الصديق.
نقول: لا.
أبو بكر الصديق من عرف سيرته محال أن يظن أنه كان يجر إزاره بعد نهي النبي ﷺ ، وإنما سمي الصديق لتصديقه النبي ﵊، فهل تتصورون مثل هذا المثال: أبو بكر الصديق يسمع نهي النبي ﷺ عن جر الإزار فيجر ثم يعتذر، إن هذا ظن من لا يعرف أبا بكر ﵁، ويدل على هذا قوله: (إن أحد شقي إزاري)، ومن المعلوم أن الإزار له شقان فيقول: (إن أحد شقي إزاري يسترخي) فهذا يدل على أن أحد شقيه مرفوع فوق الكعبين والشق الآخر هو الذي يسترخي، ومع ذلك يقول: (وأنا أتعهده) أي: بشده إلى أعلى.
إذاً: لماذا كان ذلك؟ روى ابن سعد ﵀ من حديث إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال: دخلت على أبي بكر الصديق فإذا هو رجل نحيف خفيف اللحم أبيض، فكان إزاره يسترخي من على حقوه.
ولو قال قائل: هذا الحكم خاص بـ أبي بكر لما أبعد، والدليل على ذلك أن الإمام أحمد ﵀ روى في مسنده بسند صحيح على شرط البخاري ومسلم من حديث ابن عمر قال: (رآني رسول الله ﷺ وعلي ثوب جديد يتقعقع-يعني: ثوب جديد يحدث أصواتاً وقرقعات مع الحركة- قال: من؟ قلت: أنا عبد الله، قال: إن كنت عبد الله فارفع إزارك، قال: فرفعت، قال: فزد، قال: فرفعت قال: زد، قال: فرفعت إلى نصف الساق، فقال ﵊: من جر إزاره من الخيلاء لم ينظر الله إليه).
وبعد مدة صغيرة جداً وهم في المجلس جاء أبو بكر الصديق ﵁ فلما رآه رسول الله ﷺ قال له: (من جر إزاره من الخيلاء لم ينظر الله إليه، فقال أبو بكر: يا رسول الله! إن أحد شقي إزاري يسترخي وأنا أتعهده؟ قال: إنك لست ممن يفعل ذلك خيلاء) ففرق في الحكم بين ابن عمر وبين أبي بكر الصديق، فدل ذلك على أن الحكم خاص بـ أبي بكر.
إذاً: لو كان الحكم عاماً لعم الكل، وما خص به أبا بكر الصديق ﵁، وهذا ظاهر من قوله: (إنك لست ممن يفعل ذلك خيلاء) فالإنسان يشتم منها رائحة الخصوصية.
أما الصلاة خلف المسبل فهي صحيحة، وأما الحديث الذي ورد في سنن أبي داود أن النبي ﷺ قال: (إن الله لا يقبل صلاة مسبل إزاره) فهذا حديث منكر له ثلاث علل، والله أعلم.
стр. 1695
وقفة مع إخلاص العمل لله
السؤال
قلتم: إن الإخلاص يعرفه العبد من نفسه وفٌهم ذلك مطلقاً، فكيف يفهم في ضوء ذلك الحديث الوارد في قول الله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون:٦٠]؟
الجواب
لا تعارض بين أن يعرف المرء الإخلاص لنفسه وبين هذا الحديث، وهذا الحديث هو: (أن عائشة ﵂ تلت هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون:٦٠] فقالت عائشة: يا رسول الله! أهذا الزاني يزني والسارق يسرق؟ -يعني: يفعل الفعل وهو خائف؛ لأنه سيرجع إلى ربه فيحاسبه، أهو الذي يزني فيخشى أن يحاسبه ويسرق ويخشى أن يحاسبه- فقال: لا يا ابنة الصديق، هؤلاء أقوام جاءوا بزكاة وصلاة وصدقة، ويخشون ألا يتقبل منهم) ليس معنى معرفة الإخلاص أن يركن العبد إلى عمله ويظن أنه مقبول، هناك فرق بين قبول العمل وبين صحة العمل.
فلو أن رجلاً توضأ واستوفى وضوءه، واستقبل القبلة وأتى بأركان الصلاة، وأتى بشرائطها وواجباتها ومستحباتها، وبعد أن أنهى صلاته التفت إليك وقال: أأنا مثاب على صلاتي؟ فلا تقل له: أنت مثاب، ولكن قل له: صلاتك صحيحة، أما مسألة الثواب فهذا لا يعرفه أحد، فعلى العبد المؤمن أن يهضم حظ نفسه، خشية أن يكون عنده رياء وهو يعمل، وليس في هذا معارضة؛ لأن الرجل يعرف أنه عمل هذا العمل بإخلاص، ليس فيه معارضة إنما هذا هو شأن المؤمن دائماً.
أعظم العبادة: أن تعبد الله بالخوف والرجاء، فلو عبد العباد ربهم بالخوف فقط لقنطوا، ولو عبدوه بالرجاء فقط لاغتروا وتجاوزوا، فأفضل العبادة ما اقترن فيها الخوف بالرجاء، لكن كيف تكون عبادتك أفضل عبادة؟ يكون ذلك حين يفعل العبد الفعل ثم يغلبه الخوف أن الله لا يقبله؛ لأنه لم يستجمع قلبه فيه، فما هو الحل؟ الحل أن يحسن عمله، الذي ظن أنه ناقص، فبعد أن يحسنه يغلبه الخوف أيضاً فيخشى ألا يتقبل عمله فيحسنه، فلا يزال هكذا في تحسين دائم حتى يلقى الله وهو محسن لعمله، أما إذا ركن وفعل الفعل، وقال: أنا فعلت ما عليّ، فهذا أول الفساد.
هناك من الناس من يتصور أنه لو صلى وصام وحج وأخرج فضول ماله أنه قد فعل ما عليه، لا.
فقد كان يعزى إلى عمر بن الخطاب أنه يقول: (لو صليتم حتى تكونوا كالحنايا-أي: القوس- ما بلغتم الاستقامة) أي: الاستقامة التي أمر الله بها، وهذه الاستقامة التي أمر الله بها كامنة في قوله ﷺ : (ما أمرتكم به من شيء فأتوا منه ما استطعتم) هذا يدلنا على أنه ليس هناك أي إنسان أبداً على وجه الأرض -حاشا الرسل- يستطيع أن يفعل كل ما أمر به.
والمقصود كل ما أمر به من باب المستحبات وليس الواجبات؛ لأن الواجب -كما عليه العلماء- هو: ما طلب فعله على سبيل الحتم والإلزام، ويعاقب تاركه، فبإمكان كل إنسان أن يفعل ما أمر به وجوباً، إنما قصد الحديث في المستحبات التي لا آخر لها، أما الواجب فإنه يفعله لزوماً إلا إذا عجز، فيسقط الواجب عنه بالعجز، فيبقى قول النبي ﵊: (ما استطعتم)، وهذا الحديث -أيضاً- مناسب وهو ترجمة لقول الله ﵎: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦].
стр. 1696
الشيخ أبو إسحاق ورحلته في طلب العلم
السؤال
سائل يناشد بحرارة فيقول: أرجو أن تعرفنا شيئاًَ عن حياتك ونشأتك وطلبك للعلم؟
الجواب
والله إن أثقل شيء عليَّ أن أتحدث عن نفسي، فليس في حياتي شيء يستحق الإشادة ولا الذكر، ولكن فيها ضرب من البلاء أيضاً، فلعلي لو ذكرت شيئاً أو طرفاً منه أن يتصبر إخواننا في الله ﵎: تخرجت من كلية الألسن، جامعة عين شمس في القاهرة، وكنت أدرس اللغة الأسبانية واللغة الفرنسية، وتخرجت من الجامعة مع مرتبة الشرف الأولى، وكنت -بحمد الله متفوقاً في السنوات الأربعة طيلة دراستي.
وبعد إنهاء الدراسة تعينت معيداً في الجامعة، ثم حدثت مشادة بيني وبين عميد الكلية ففصلني، وعُين الرجل الذي يليني مباشرة، ثم نشرت الإذاعة طلباً لمذيعين، فقدمت وكانت رغبتي ومرادي أن أكون مذيعاً في إذاعة القرآن الكريم، وكان قصدي هو نشر السنة وعمل برنامج خاص عن الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة، تنبيهاً لجماهير المسلمين، وأيضاً: تنبيهاً للمذيعين الآخرين الذين يكثرون من الاحتجاج بالأحاديث الضعيفة والموضوعة، وقد ضيعوا جهود أهل الحديث جميعاً لما يحتجون بالأحاديث المناكير، كأن أهل الحديث ما عملوا شيئاً مذكوراً، يقرءون الأحاديث الموضوعة والمنكرة ويحتجون بها؛ فخطر ببالي أن أدخل وأتقدم وإن كانوا هم يريدون مذيعين للغة الأسبانية في البرنامج الأوربي، استشرت أحد مذيعي التلفزيون الكبار آنذاك، فقال لي: إنك لو دخلت قسم اللغة الأسبانية من السهل أن تغير إلى محطة القرآن الكريم، فهذا هو الذي أغراني، فدخلت وتقدمت مع أناس كثيرين كان جلهم من دفعتي في الكلية.
والحمد لله كنت الأول في الترتيب، وهذه الأولية كانت بلاءً لي وامتحاناً، فلقد كان لديهم عجز في البرنامج الأوروبي في قسم اللغة الأسبانية، فأصروا عليّ، وقالوا: أنت لا تغادر هذا القسم أبداً، فبدأت فكانت مهمتي أن أراجع الخطابات التي تأتي من الخارج لمن يراسلون الإذاعة، وكان هناك برامج امتحانات ومسابقات كانوا يلقونها على أصحاب هذه البلاد، واللغة الأسبانية هي ثاني لغة في العالم بعد الإنجليزية بالنسبة لتعداد السكان الناطقين بها، فقد كان في حدود سنة (١٩٧٦م) عدد الناطقين بالأسبانية في العالم ما يقارب أربعمائة مليون نسمة، وهي منطوق بها في أسبانيا وجزء من البرتغال وأمريكا الوسطى والمكسيك وأطراف كندا، كل هؤلاء يتكلمون باللغة الأسبانية.
بدأت أفرغ هذه الخطابات فرأيت طامات، وجدت أشياءً ما تحملتها، فلما نزلت في الأستوديو لأسجل برنامجاً -وكانت أول مرة أسجل فيه برنامجاً- فإذا بالرجل يؤشر لي بإشارات معينة من خلف لوح الزجاج، يريد مني أن أرفع الموسيقى، فأول ما سمعت الموسيقى وقف شعري ولم أرجع إلى الاستديو مرة أخرى، وقلت: لا.
أنا أظل في عملي الإداري، وحصلت مشادة كبيرة انتهت بأنني لم أستطع الاستمرار في الإذاعة فتركتها.
كنت في هذه الآونة قد بدأت أدرس علوم الحديث وعلوم الفقه من أول سنة (١٩٧٥م)، ومن هذا الحين بدأت أعرف علوم الشريعة، وبدأت هذه العلوم تتملك قلبي، فلم أستطب شيئاً في حياتي مثل هذه العلوم، ولعل الذي جعلني أترك الجامعة وأترك الإذاعة محبتي لهذه العلوم.
انكببت على هذه العلوم، لكن لا أخفيكم أن للناس فضلاً عظيماً علي وعلى تحصيلي؛ وذلك لأني متخصص في علم الحديث تصحيحاً وتضعيفاً، وأنتم تعلمون أن علم الحديث هو علم الخاصة وليس علم العامة، أي: لا أستطيع أن آتي في محاضرة عامة أو في خطبة جمعة أتكلم عن شروط الحديث الصحيح، وأن العلماء قالوا: هذا منكر، وعلامة المنكر كذا، وهذا شاذ، وعلامة الشاذ كذا، لا أستطيع، لكن الناس هم الذين جعلوني هكذا، هم الذين جعلوني أقرأ في الفقه والتفسير والحديث وفي الملح والنوادر، فحاجتهم وأسئلتهم هي التي أجبرتني على ذلك، فيأتيني رجل مثلاً يقول: أنا طلقت امرأتي في الحيض فهل الطلاق يقع؟ فلا يكون عندي أي معلومات عن الطلاق في الحيض أيقع أم لا، فأرجع إلى كتب أهل العلم وأقرأ في الطلاق في الحيض، فأجد خلافاً لأهل العلم فلا أستطيع أن أفتي إلا إذا اعتقدت قولاً ومذهباً من المذهبين بدليله، فأبدأ في رحلة دراسة الأدلة والترجيح بين الأدلة حتى أنتهي إلى أن -مثلاًً- الطلاق في الحيض يقع أو لا يقع، فلولا مثل هذه الفتاوى ما درس الإنسان شيئاً مذكوراً.
أما الجد والاجتهاد فالإمام البخاري ﵀ عندما دخل بغداد انبهر الناس بحفظه، ورأوا رجلاً عجيباً في حفظه، فتناقل أهل بغداد خبره -على عادة في تنقص الأكابر آنذاك- وقال بعضهم لبعض: إنه يأخذ دواء اسمه البلادر لتقوية الحفظ.
فسمع محمد بن أبي حاتم الوراق فقال ابن أبي حاتم الوراق للبخاري: إن أهل بغداد يقولون عنك: إنك تتناول دواءً للحفظ، فهل ذلك صحيح؟ فقال الإمام البخاري ﵀: لا أعرف شيئاً من ذلك ولكن هي نهمة الناظر -أي: نهمة الطالب - وجودة النظر.
فأي رجل يريد أن يحصِّل ويريد أن يحفظ عليه بهاتين الخصلتين: النهمة -أي: النهم الشديد والإقبال- ثم جودة النظر.
وهناك كثير من إخواننا يقرءون في العلم ويقولون: نحن ننسى ما نقرأ، ما هو السبب في ذلك؟ السبب في ذلك: أنه لا ينوي أن ينفع أحداً بعلمه، يقرأ فقط، لكن لو كان يقرأ وعليه مسئولية محاضرة فسيحفظ؛ لأنه لا يستطيع أن يأتي فيقف أمام الناس ويقعد على الكرسي صامتاً، لا بد أن يتكلم، وآفة العلم النسيان، وحياته المذاكرة، كما قال ابن شهاب الزهري ﵀.
ولقد ذكر المناوي في فيض القدير أن ابن شهاب الزهري كان يأتي من عند أبي سلمة بن عبد الرحمن ومن عند سعيد بن المسيب فيوقظ جاريته النائمة فيقول لها: حدثني أبو سلمة عن أبي هريرة، حدثني سعيد عن عائشة، فالجارية تقول: يا سيدي! ما لي ولـ أبي سلمة، ما لي ولـ سعيد! فيقول لها: أنا أعرف أنه لا علاقة لك لا بـ سعيد ولا بـ أبي سلمة، إنما آفة العلم النسيان وحياته المذاكرة.
فأنت إذا أردت أن تنعش هذه المعلومات فعليك بإثارة ذهنك، فلو أنك أنت تقرأ -مثلاً- على أساس أنك تبلغ شيئاً من دين الله ﵎ وتستوفي النظر والكلام في المسألة، فلن تنس هذه المسألة إن شاء الله، ونسأل الله ﵎ أن يجعل أعمالنا كلها خالصة لوجهه الكريم.
стр. 1697
حال حديث صلاة التسبيح
السؤال
ما تقولون في حديث صلاة التسبيح وما درجته؟
الجواب
هذا الحديث أنا متوقف فيه، أي: لا أحكم له بصحة ولا بضعف، وإن كان علماء الحديث قد تجاذبت عباراتهم فيه فمنهم من يصححه ومنهم من يقول: إنه حديث موضوع كذب على الرسول ﵊.
стр. 1698
التيمم عند فقد الماء
السؤال
إذا كنت في الصحراء وليس لدي ماء لأتوضأ للصلاة، فوجدت بئراً فتوضأت منه، فلما انتهيت من الوضوء تبينت أن هذا البئر غير طاهر فهل أعيد وضوئي؟
الجواب
إذا فقدت الماء فعليك بالتيمم، والتيمم ضربة واحدة للوجه والكفين، ليس كما يتوهم كثير من الناس بناءً على رواية منكرة أخرجها أبو داود في سننه من رواية محمد بن ثابت العبدي من حديث ابن عمر ﵄ (أن النبي ﷺ ضرب ضربتين للوجه والكفين وتوضأ للآباط والمناكب) فهذه رواية منكرة، لكن الصحيح في هذا عند أهل العلم أن التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين، أي أن طريقة التيمم: أن تضرب على الأرض بيديك ثم تمسح وجهك وكفيك، وهذا هو التيمم، وقد اتفق العلماء على وجوب التيمم إذا عدم الإنسان الماء، والله أعلم.
стр. 1699
البينة أوحد في ظهرها
السؤال
زوجة اتهمت أنها خانت زوجها مع أخيه أثناء غيابه، والذي اتهمتها بذلك أخت الزوج، وقام الزوج فطلقها هاتفياً منذ عام، ولم يتم الطلاق رسمياً، والزوج في حيرة لأنه علم بعد ذلك أنه لم تتم الفاحشة الكبرى، فما هو حكم الدين في هذا الطلاق؟
الجواب
أولاً: لا يجوز رمي امرأة بالزنا إلا إذا شهد عليها أربعة شهداء، ولا تكفي شهادة الأربعة أنهم رأوها مع رجل في لحاف، بل لابد أن يروا كما قال الرسول ﵊ في حديثه وهو يقول للرجل: (أرأيته كما تضع الميل في المكحلة؟).
لابد أن يتحقق من ذلك، فلو جاء ثلاثة شهود، ورأوا الفاحشة بأعينهم، ولم يأتوا بالرابع جلدوا؛ صيانة للأعراض، فإما أن يأتوا بأربعة شهداء وإما أن يظهر الحمل، كما قال عمر بن الخطاب، أن يظهر الحمل والزوج غائب، فهذا دلالة على الفاحشة، أو الاعتراف، أما ما دون ذلك فلا يجوز أبداً أن ترمى امرأة بالفاحشة، حتى لو شهدت أخت الزوج ورأت الفاحشة وتحققت من ذلك بنفسها، فالحد الشرعي أن تجلد هي ثمانين جلدة أو تأتي بأربعة شهداء.
أما بالنسبة للطلاق: فلو قال لامرأته: أنت طالق؛ فقد وقع طلاقه، فإذا رجع في العدة كانت زوجة له، ولم يجب عليه مهر، ولم يجب عليه عقد جديد، أما إذا طلقها وظل على ذلك عاماً كاملاً فحينئذٍ يجوز له أن يراجعها بعقد جديد ومهر جديد.
أما نصيحتنا له فلا نستطيع أن نخلص له النصح حتى نعلم الموضوع كله بأطرافه، ونسأل الله ﵎ أن يحفظ علينا أعراضنا.
стр. 1700
حكم من نذر ولم يستطع الوفاء بالنذر
السؤال
لقد نذرت بناء مسجد لله تعالى إذا ما تحققت أمنية لي، والحمد لله وبفضله تحققت هذه الأمنية، ولكن ظروفي المالية لا تسمح لي بذلك، فهل لو شاركت في بناء مسجد عن طريق التبرع بمبلغ من المال لإحدى الجمعيات أو الهيئات الإسلامية أكون قد وفيت بنذري، وما هي كفارة النذر، أفيدونا أفادكم الله؟
الجواب
إذا نذرت أن تبني مسجداً لله فأوف بنذرك ولو كان مسجداً صغيراً كمفحص قطاة، لا يشترط أن يكون مسجداً كبيراً، فوفي بنذرك حتى لو كان مسجداً صغيراً، أما إذا عجزت حتى عن الوفاء بهذا المسجد الصغير فإن النبي ﷺ قال: (كفارة النذر كفارة يمين) وكفارة اليمين: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة:٨٩]، فإما أن تطعم عشرة مساكين أو تكسوهم أو تعتق رقبة، فإن لم تجد شيئاً من ذلك فصم ثلاثة أيام، وبالنسبة للصيام يجوز أن تصوم ثلاثة أيام متفرقات أو ثلاثة أيام متتالية، والله أعلم.
стр. 1701
الغلو
من القواعد المتفق عليها عند جميع أهل الملل أن الله ﵎ إنما شرع الأحكام لمصلحة العباد، ولذلك جاءت الشرائع كلها لجلب المصالح وتكثيرها ودرء المفاسد وتقليلها، ولا تتأتى مصالح العباد إلا بأن يكون التشريع شاملاً لأضعفهم، ليكون متيسراً لجميعهم.
ولا يتأتى طلب اليسر والسماحة إلا بالاحتكام لشريعة الله والامتثال التام لها وعدم رد أي حكم من أحكامها.
стр. 1702
يسر الدين وسماحته
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
فمن القواعد المتفق عليها عند جميع أهل الملل: أن الله ﵎ إنما يشرع الشيء لمصلحة العباد؛ ولذلك جاءت الشرائع كلها لتحصيل المصالح وتكثيرها، وتقليل المفاسد وإعدامها ما أمكن، ولا تتأتى مصالح العباد إلا بأن يكون التشريع مشتملاً لأضعفهم، لا تتم المصلحة إلا بمراعاة الأضعف، لذلك النبي ﷺ لما قال له عثمان بن أبي العاص ﵁: (يا رسول الله! اجعلني إمام قومي -إمامهم في الصلاة- قال: اذهب فأنت إمامهم واقتد بأضعفهم) لأن مراعاة الأضعف لا يضر القوي، ومراعاة القوي تضر الضعيف، فتحصيل المصلحة إنما تكون بمراعاة الأضعف؛ لأن القوي لا يؤثر عليه ذلك؛ إذ يستطيع تحصيل ما يحصله الضعيف، إنما لو كان الشرع على قدر القوي لضر ذلك الضعيف.
لذلك كان من سمة ديننا اليسر الذي يستطيعه الأضعف، فقال ﵎: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨] و (من) هنا للتبعيض، أي: لا يوجد بعض الحرج؛ لذلك إذا نظرت إلى الأوامر والنواهي ترى هذه الرحمة وهذا اليسر.
стр. 1703
قاعدة في الأوامر والنواهي
كل ما نهاك الله عنه ففي إمكانك أن تنتهي عنه، وكل ما أمرك به ليس في إمكان الكل أن يأتمر به؛ لذلك الله يعذب الذي يفعل ما نهي عنه، ولو كان النهي ليس في طاقة العبد لما عذبه، إنما يعذبه على ما في مكنته وقد نهاه عنه، فجميع المناهي بإمكان العبد أن يتركها، أما الأوامر فهي كثيرة ومتنوعة، كل ما أوجبه الله على العبد بإمكانه أن يفعله، وكل ما ندبه إليه واستحبه له لا يفعله إلا قلائل.
وتوضيحاً لهذا الكلام أقول: كل ما أوجبه الله أمر إيجاب على العبد، بمعنى أنه يعذب إذا لم يفعل، ففي إمكان العبد أن يفعله؛ إذ لا يتصور أن يأمره بما لا يطيق ثم يعذبه، فإن التكليف بما لا يطاق ليس من مذهب أهل السنة والجماعة، فإن الله ﵎ لا يأمر إلا بما في إمكان العبد أن يفعله، ولذلك كان فعل هذا النوع من الأوامر من أحب ما يتقرب إلى الله به، كما قال ﵎ في الحديث القدسي الذي رواه البخاري: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه).
إذاً: أفضل شيء تتقرب به إلى الله أن تفعل ما أمرت به على سبيل الفرض، إذاً ما أمرت به على سبيل الفرض والإيجاب الذي لا خيار لك في الترك، إنما لابد لك من الفعل، ففي إمكانك أن تفعل؛ لذلك يعذبك على الترك.
والمناهي التي نهي العبد عنها نهي تحريم إذا فعلها العبد فإن الله يعذبه لماذا؟ لأن بإمكانه أن يمتنع.
أما المستحبات التي لا آخر لها فإن العبد يثاب بقدر ما يفعل، ولا يؤاخذ مؤاخذة تقصيره في الفرض، وذلك ظاهر في قوله ﵎ في الحديث القدسي في تمامه: (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه) فهذا الحب هل هو وليد فعل الفرائض أم وليد فعل النوافل؟ في الأول قال: (ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه) هذا هو الفرض الذي يجب أن يفعله، ثم قال ﵎: (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه) إذاً هذا الحب وليد النافلة، هذا الحب ترتب على فعل النافلة؛ لأنه لا يتصور أن يكون هناك رجل مقصر في الفرض وهو مجد في النافلة، وإذا أردت أن تعلم مدى التزام العبد فانظر إليه في النوافل، إن رأيته على قدم وساق، فاعلم أنه يفعل الفرض كما أمر، فلا يتصور أن يتصدق إنسان وهو مدين، مدين ويتصدق؟! هذا غير متصور؛ لذلك كان تأدية النافلة علامة الالتزام، وهي التي استجلبت للعبد حب الله ﵎.
ولله المثل الأعلى، لو تصورت أن لك خادماً وتعطيه أجراً على هذه الخدمة، فكلما أمرته امتثل، فإنك تحبه، عاشرك هذا الخادم فترةً طويلة، وعرف مواقع غضبك ورضاك، ما تكره وما تحب؛ فصار يفعل لك الذي تحب، ويتجنب الذي تكره من غير أن تأمره، أتزداد له حباً أم لا؟ تزداد له حباً.
حسناً!! لو افترضنا أنه إذا أمر بالأمر نفذ، وكنت فرضت له أجراً في الشهر كذا، فلو طالبك بزيادة على هذا الأجر نظير امتثاله لما تأمره به لقلت له: أجرك على قدر هذا الفعل.
إذاً: أنت لا تعطيه زيادة على أجره، لأنك تعطيه الأجر على الفعل، إنما لو كان هذا العبد ذكياً، فصار يفعل الذي تحب من غير أن تأمره، حينئذٍ لو طلب منك زيادة فسوف تعطيه.
فإذاً: يبلغ العبد رضوان الله ﵎ بفعل النافلة؛ ولأن النافلة واسعة جداً، ما يبحر فيها إلا قلائل؛ ولذلك قال النبي ﷺ في الحديث المتفق عليه: (ما أمرتكم به من شيء فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عن شيء فانتهوا) لم يقل: فانتهوا ما استطعتم؛ لأن النهي في مكنة العبد أن يفعله، لكنه لا يستطيع أن يفعل كل ما أمر به، ولذلك في باب الأوامر قال: (فأتوا منه ما استطعتم) فهذا يدل على أن بعض الأوامر لا يستطيع الإنسان في كل أوقاته أن يفعلها، وهي الأوامر التي أمرت بها على سبيل الندب والاستحباب، فشريعتنا كلها سمحة، أما التعقيد الذي يعانيه بعض الناس فإنما هو بسبب انحرافهم، وإلا فاليسر كل اليسر في اتباع أمر النبي ﵊، هذا هو اليسر، إذا أردت اليسر فاتبع والزم.
стр. 1704
النبي ﷺ يحذر من الغلو
وكان النبي ﷺ في كل أمره يلتزم الرفق واليسر، حتى لما أمر ابن عباس أن يلتقط له حصيات رمي الجمرات بمنى، ماذا قال له؟ قال له: (مثل حصا الخذف، وإياكم والغلو! فإنما أهلك الذين من قبلكم غلوهم في دينهم) تأمل هذا الحديث! تأمل هذا الأمر ما أجمله! قال لـ ابن عباس: (مثل حصا الخذف) حصا الخذف الذي هو بقدر حبة الفول، وأصل الخذف: أن تضع حصاة في النبل وترميها، فإنك إذا أردت أن تخذف، فستختار أصغر الحصيات، فلا يختار الإنسان طوبة كبيرة ليخذفها، فقال: (مثل حصا الخذف -بقدر حبة الفول- وإياكم والغلو) الغلو هنا في ماذا؟ في جمع الحصا، لا يعمد أحدكم إلى أن يختار حصا أكبر من حصا الخذف، فالذي يختار حجارة كبيرة قد أو قع نفسه في الغلو (مثل حصا الخذف وإياكم والغلو) يعني: بأن ينتقي أحدكم حصاة أكبر من حصا الخذف لماذا؟ لأنه إذا غلا في حصاة غلا في أمر آخر، وهكذا الغلو.
стр. 1705
قصة الثلاثة الذين تقالوا عبادة النبي ﷺ
ذهب ثلاثة إلى بيوت النبي ﵊ يسألون عن عبادته، فلما سمعوا بعبادة الرسول ﵊ كأنهم تقالوها، فقالوا: هذا رسول الله ﷺ غفر له ما تقدم من ذنبه!.
ماذا يعني هذا الكلام؟ يعنون به أن رسول الله -عبد أو لم يعبد، جد أو لم يجد- مغفور له.
فهم تقالوا عبادة الرسول ﵊، فماذاً يريدون؟ يريدون الغلو، لما تقللوا عبادة النبي ﵊ قالوا: لن ننجو إلا إذا أخذنا على بعضنا مواثيق، أو على أنفسنا عهوداً، فقال أحدهم: أما أنا فأصلي ولا أنام، والآخر قال: وأنا أصوم ولا أفطر، والآخر قال: وأنا لا أتزوج النساء! قالوا ذلك لأنه لا يستقيم في نظرهم أن يدخل أحد الجنة إلا بهذا الجد! لكنه جد على غير طريق الرسول؛ أنى ذلك؟! فأول ما علم النبي ﵊ راعه الأمر، ونادى المسلمين جميعاً وقال: (ما بال أقوام يقولون كذا وكذا وكذا؟! أما إني أتقاكم لله وأشدكم له خشية).
كيف يخطر ببالك أن تتقلل عبادة رسولك؟ فليس الأمر بكثرة القيام؛ إنما الأمر بالإخلاص؛ لذلك الله ﵎ يزن الناس بالقلوب: (رب صائم لا يأخذ من صيامه إلا الجوع والعطش، ورب قائم لا يأخذ من قيامه إلا النصب) فنهاهم عن ذلك.
стр. 1706
التشديد في العبادة وآثاره
وانظر إلى أثر التشديد في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁، الذي رواه الشيخان وأحمد -والسياق لـ أحمد - قال عبد الله بن عمرو بن العاص: (زوجني أبي امرأةً ذات حسب من قريش، وعبد الله بن عمرو بن العاص كان من المجدين في العبادة، فأول ما دخل بامرأته تركها وقام يصلي من الليل، فأبوه عمرو بن العاص ﵁ خشي أن يكون عبد الله فعل هذا الأمر -قام الليل وترك امرأته- فذهب في الصباح يسأل المرأة: ما حال عبد الله معك؟ قالت: عبد الله نعم العبد لربه، لكنه لم يعرف لنا فراشاً، ولم يفتش لنا كنفاً، قال: فجاءني أبي فشتمني وعضني بلسانه، وأسمعني هُجراً -أي: كلاماً شديداً- وقال: زوجتك امرأة ذات حسب من قريش فعضلتها! ثم ذهب إلى النبي ﷺ فشكاه، فأرسل إليه، فقال: يا عبد الله! كيف تقرأ القرآن؟ قال: أقرؤه كل ليلة -انظر الجد- كيف تصوم؟ قال: أصوم كل يوم -ما هذا؟! ما هؤلاء؟! يعني يبلغ به الجد أن يقرأ القرآن كل يوم، ويصوم كل يوم؟! - فقال له: اقرأ القرآن في أربعين -انظر اليسر، قال له: اقرأه كل أربعين يوماً مرة- قال: إني أستطيع أكثر من ذلك.
قال: فاقرأه كل شهر.
قال: إني أستطيع أكثر من ذلك.
قال: فاقرأه كل جمعة.
قال: إني أستطيع - يعني أقدر أكثر من ذلك- قال: فاقرأه في ثلاثة أيام.
قال: إني أستطيع.
قال: اقرأه في ثلاث، لا تقرأه في أقل من ثلاث، فإن من قرأ القرآن في أقل من ثلاث لم يفقه -لأنه سيقرأ بسرعة جداً، لا يفقه القرآن حينئذ- ثم قال: كيف تصوم؟ قال: كل يوم.
قال: صم ثلاثة أيام من كل شهر.
قال: إني أستطيع.
قال: صم صيام داود، صم يوماً وأفطر يوماً، يا عبد الله! إن لأهلك عليك حقاً، ولزوجك عليك حقاً، ولضيفك عليك حقاً، ولنفسك عليك حقاً، فآت كل ذي حق حقه).
ما الذي حصل؟ صار عبد الله بن عمرو بن العاص يقرأ القرآن كل ثلاث، ويصوم يوماً ويفطر يوماً أيام الشباب، ثم مات رسول الله ﷺ وعبد الله بن عمرو بن العاص مجد، لكنه، بعد وفاة الرسول ﵊ بزمان كبر وشاخ، وصار لا يتحمل، لا يستطيع أن يصوم يوماً ويفطر يوماً، لكنه لا يريد أن يقلل من عبادة تركه رسول الله ﷺ عليها، لا يريد أن يقل، فماذا قال؟ كان يقول: (يا ليتني قبلت رخصة رسول الله ﷺ .
شدد على نفسه، وكان بوسعه أن يقبل الرخصة، لكنه لما شدد على نفسه شقي بذلك وتعب، حتى إنه كان يفطر الأيام الطويلة المتتالية يتقوى، ثم يصوم بدلها سرداً -يوم وراء يوم- يفطر عشرة أيام، ويأكل لكي يقوي بدنه، بعد ذلك يصوم عشرة أيام متواصلة، لا يريد أن يكون أقل في العبادة عما تركه رسول الله ﷺ ، أرأيتم إلى الغلو؟ لذلك النبي ﷺ قال: (إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق، فإن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى).
انظر إلى الكلام الجميل! رجل مستعجل، يريد أن يدرك أقرانه، هو راكب دابة، فمن شدة استعجاله ظل يضرب في الدابة حتى قتلها، فوقف مكانه، لا أرضاً قطع -لا هو مشى- ولا أبقى الظهر الذي كان يركبه، فلما قتلت الراحلة وقف! هكذا الغالي، يظل يغلو حتى يخرج من الهدي الصالح، وهو هدي النبي ﵌.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 1707
نهي النبي ﷺ عن سؤال الصحابة إياه خشية التشديد
إن الحمد لله ﵎ نحمده، له الحمد الحسن والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
في الصحيحين أن النبي ﷺ قال لأصحابه: (أيها الناس! إن الله فرض عليكم الحج فحجوا.
فقام سراقة بن مالك فقال: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت، قال: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت، قال: أكل عام يا رسول الله؟ قال: ذروني ما تركتكم، إنما أهلك الذين كانوا من قبلكم كثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، لو قلت: نعم، لوجبت ولما استطعتم) لو قلت: (نعم، كل عام) لوجبت عليكم كل عام، ولما استطعتم، (ذروني ما تركتكم) أي: طالما أنني تركتكم فاتركوني، لا يزال العبد يتنطع حتى يحرم الله ﵎ عليه ما كان أحله له قبل ذلك.
أكل عام؟ سكت؛ يخشى أن ينزل الوحي (بكل عام)؛ فيصير هذا الرجل مجرماً في حق جميع المسلمين إلى قيام الساعة، قال ﷺ : (إن أعظم المسلمين جرماً في المسلمين من سأل مسألة فحرمت لأجل مسألته) كانت حلالاً، كل المسلمين يستمتعون بهذا الحلال فقام شخص يسأل، فلا يزال يتنطع حتى يحرم الله ذلك الحلال، فيحرم المسلمون جميعاً منه، إذاً كأنه أجرم في حق جميع المسلمين إذ حُرم عليهم بعدما كان حلالاً، كل هذا بسبب الغلو والتنطع، لذلك ما من مصيبة تكون إلا بسبب الغلو.
стр. 1708
الرفق بالمسلمين
قال الله ﵎: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١] فهل نحن تأسينا بهذه الأسوة الحسنة حقاً؟! كان محسناً حتى إلى الدواب والأنعام.
رأى عائشة ﵂ تضرب جملها -وهي وصفته- قالت: كان جملاً صعباً بليداً لا يكاد يمشي، فلما رآها تضربه وتسبه قال: (يا عائشة! إن الله يحب الرفق في الأمركله) حتى مع هذه الدابة! فإذا كان هذا الدين العظيم يلاحظ الدواب ومعامتلها، فكيف بك أيها المسلم لا تلاحظ معاملة أخيك المسلم؟! دين عظيم يلاحظ معاملة الدابة! دين شفاف، دين متين! لكن المسلمين هم الذين حادوا عن الهدي الصالح؛ لذلك شقوا، وكانوا كما قال الشاعر: بإيمانهم نوران ذكر وسنة فما بالهم في حالك الظلمات بيده نوران، ليس نوراً واحداً، بيده كشاف، ومع ذلك كلما وجد نقرة وقع فيها، إذاً ما فائدة النورين؟ ما فائدة النور في يدك إذا كان لا يهديك إلى طريق النبي ﵌؟
стр. 1709
غربة الإسلام في هذا الزمان
نحن في زمان استعرت فيه الفتن، نحن في زمان الغربة الثانية التي قال النبي ﵌ فيها: (إن الإسلام بدأ غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء) طوبى للغرباء الذين يقبضون على دينهم كما يقبض الإنسان على الجمر، أرأيت إلى رجل يمسك بجمرة وتحرقه، وهو مُصِر على أن يقبض عليها؟! ما معنى هذا الكلام؟ معناه: أن حياته في هذه الجمرة، معناه: أنه لو تركها لتلف، فهو يرتكب أخف الضررين، يحرق ويكابد، لكنه لو ترك لخرج من دينه، فيصبر على هذا، رجل يرى أن حياته في القبض على هذه الجمرة بالرغم أنها تحرقه، لكنه يصبر، يريد العقبى، هذا زمان الغربة الثانية الذي استعرت فيه الفتن، وخرج أناس وصفهم النبي ﷺ أنهم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا، وكما قال ﵊: (أخوف ما أخاف على أمتي منافق عليم اللسان يجادل بالقرآن).
стр. 1710
الغلو والجهل أخطر الأدواء
عندنا داءان من أعظم الأدواء كلها: داء الغلو، وداء الجهل.
داءان يفتان في عضد الأمة، لا تتصور أن غلوك ورع.
هناك فرق بين الورع والغلو، لكنه فرق طفيف جداً لا يدركه ولا يراه إلا أهل البصيرة والفقه، أرأيت إلى رجل يتوضأ فيغسل العضو عشرين مرة هل هذا ورع أم وسواس؟ وسواس، وليس هو بسبيل إلى الورع، الورع له ضوابط، إذا اختلت هذه الضوابط انتقل العمل من باب الورع إلى باب الوسواس.
كما أن هناك فروقاً طفيفةً جداً، مثلاً بين الغيبة والنميمة وبين قول الحق، هناك فرق بين أن تغتاب الشخص وبين أن تذكره بما فيه تبصيراً للمسلمين، لكن لا يدرك هذا إلا أهل العلم.
стр. 1711
آفات الغلو
وأكبر آفات الغلو: أن ينظر الغالي إلى الناس من مكان عالٍ، فيراهم أقل منه، فيحتقرهم ويزدريهم، لذلك لا يغلو عبد إلا خرج من الهدي الصالح في آخر الأمر.
جماعة التكفير هؤلاء، ما هي الآفة عندهم؟ يرى أحدهم أنه هو المسلم والكل كافر! أهناك تزكية للنفس أكثر من هذا؟! مع أنهم -كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - فيهم من الظلم والغلو أضعاف أضعاف ما في الذين يكفرونهم، يرى أحدهم أنه هو المسلم الوحيد، وكل من عداه كفره، وآخر أمره: تنظر إليه يخرج من دينه في النهاية، وأسوته في ذلك جدهم الأعلى ذو الخويصرة الذي جاء إلى النبي ﷺ -كما في الصحيحين- وقال: (يا محمد! اعدل، فإنك لم تعدل.
قال: ويحك! ومن أحق أهل الأرض أن يعدل إذا لم أعدل أنا؟! خبت وخسرت إن لم أعدل.
ثم تولى الرجل، فقال خالد: دعني أقتله يا رسول الله! قال: دعه، فإن له أصحاباً -وفي راوية- يخرج من ضئضئ هذا -الضئضئ: هو الأصل- أقوام يحقر أحدكم صلاته إلى صلاتهم، وصيامه إلى صيامهم، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد).
والنبي ﷺ بهذا القول يخاطب أبا بكر، ويخاطب عمر، ويخاطب علياً، ويخاطب عثمان، يخاطب السادة العباد، يقول: أيها العباد! إنه يخرج من أصل هذا رجال يعبدون الله أكثر مما تعبدون! يصلون أكثر مما تصلون! يصومون أكثر مما تصومون! يقرءون القرآن أكثر منكم! أكثر من أبي بكر وعمر! إي نعم، أكثر من أبي بكر وعمر، مع أن الصحابة كانوا على الغاية القصوى من العبادة، ومع ذلك يخرج من أصل هذا أقوام أكثر اجتهاداً في الصلاة والزكاة والقراءة من هؤلاء الصحابة الأخيار.
لكن ما نفعتهم هذه الصلاة، ولا كثرة الصيام، ولا ظمأ الهواجر، ولا قراءة القرآن، قال ﵊: (يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية) أرجو أن تتأملوا هذا التشبيه! سهم يخرج من الرمية بهذه القوة، كم تكون سرعته؟! ليته إذ خرج من دينه خرج الهوينى، يمشي على مهل، لكنه يخرج من دينه بأقصى سرعة! فأين صلاته؟ وأين صيامه؟ وأين قراءته للقرآن؟! أين ذهبت؟! مع أن المفروض أن أمثال هذه العبادة تثبت العبد على دين الله، لكن ما نفعتهم، لماذا لم تنفعهم؟ بسبب الغلو الذي أخرجهم من الدين كما يخرج السهم من الرمية.
وقد قال أحد السلف: (أخلص دينك لله يكفيك العمل القليل) فإن الله ﵎ يزن العباد بقلوبهم.
الصحابة رضوان الله تعالى عليهم كانوا في كل أمورهم وفتاواهم يمشون على الجادة؛ لذلك وصلوا.
والرسول ﵊ أمر أصحابه فقال: (بشروا ولا تنفروا، يسروا ولا تعسروا، وعليكم بشيء من الدلجة).
ما هي الدلجة؟ الدلجة: هي الليل، إذا أردت أن تسافر فسافر ليلاً؛ فإن الأرض تطوى بالليل.
وأنا جربت هذا، ولعل بعضكم جرب.
في الليل المسافة تكون أقل.
وصدق رسول الله ﷺ .
أراقب عدة مرات الساعة وعداد الكيلومترات أجد أن الفرق بين سير الليل والنهار نصف ساعة، هذا للذي يريد أن يسافر، لكن مقصود النبي ﵊، -أو من مقصوده- في هذا الحديث: (عليكم بالدلجة) أي: عليكم بقيام الليل، يعني: صلِّ والناس نيام تَصِلْ، كما أنك إذا أردت السفر تسافر ليلاً فتطوى الأرض لك، فإذا قمت بالليل طويت العبادة لك، وطويت المشقة، فتشعر بهذه اللذة؛ لأن في الليل الإخلاص، إذ لا يتصور أن يقوم مراءٍ منافق من سريره ولا يراه أحد، فيتجشم الوقوف أمام الله رب العالمين ليرائي؛ فلا يقوم بالليل إلا مخلص؛ لذلك قال ﵊: (عليكم بشيء من الدلجة) لأن هذا هو الذي يناسب أول الحديث: (بشروا ولا تنفروا، يسروا ولا تعسروا وعليكم بشيء من الدلجة).
إذاً: هؤلاء الخوارج الذين كفروا جمهور الصحابة، وكفروا عامة المسلمين بارتكاب الكبيرة، لسان حالهم يقول: نحن أبرار، نحن لا نرتكب الكبيرة؛ لذلك نحن مؤمنون وأنتم كفرة.
ما معنى أن يكفر غيره بالكبيرة؟ معناه: أنه لا يفعل الكبيرة، فرجل يبرئ نفسه من الإثم ويرمي به غيره ظالم معتد.
لذلك خرج من تحت عباءتهم -أو شاركهم في بعض ما يقولون- جماعة أتوا فقالوا: إن الله يجب عليه أن يفعل الأصلح للعباد! انظر إلى الكلام! إن الله يجب عليه! من الذي أوجب عليه؟! وهل لأحد عليه حق.
؟! إن الله يجب عليه أن يفعل الأصلح للعباد! وهذا قول المعتزلة، وهذا كله بسبب الغلو.
والجهمية الذين نفوا عن الله ﵎ صفاته فعلوا ذلك بسبب الغلو، فكل داء خرج من تحت عباءة الغلو.
هناك مناظرة طريفة حدثت بين أبي الحسن الأشعري وبين شيخه أبي علي الجبائي رأس المعتزلة، وأبو الحسن الأشعري ﵀ كان رأساً في المعتزلة؛ لكن بعد هذا المناظرة ترك مذهب الاعتزال.
قال أبو علي الجبائي: إن الله يجب عليه أن يفعل الأصلح لعباده.
فقال له أبو الحسن -وكان لا يزال على مذهب المعتزلة: أفرأيت إلى ثلاثة إخوة: أحدهم مات صغيراً قبل أن يحتلم، وكبر اثنان، فآمن أحدهما وكفر الآخر، فدخل المؤمن الجنة، ودخل الكافر النار.
فقال: ما حالهم؟ قال: إن الله ﵎ يقول: إن الذي كبر وكفر استحق النار، والذي كبر وآمن استحق الجنة.
وما حال الصغير الذي قبضته قبل أن يحتلم؟ قال: علمت أنه لو كبر لكفر، فدخل النار، فراعيت مصلحته فقبضته صغيراً، فحينئذ صاح الذي في النار وقال: يا رب! لم لم تراع مصلحتي؟! لم لم تقبضني صغيراً كأخي؟! قال: فانقطع أبو علي الجبائي، وخرج أبو الحسن من المعتزلة؛ لأنه كلام متناقض على أصولهم، إذا كان الله يجب أن يفعل الأصلح لعباده فما هو الأصلح أن يدخل العبد النار؟! كل هذا بسبب الغلو، ولا تجد فُرقةً بين المسلمين إلا بسبب الغلو؛ ولذلك حذر النبي ﷺ من الغلو، فقال: (إياكم والغلو! فإنما أهلك الذين من قبلكم الغلو في الدين) ولذلك كان كلما خطب ﵊ يقول: (خير الهدي هدي محمد ﷺ لأنه كان هدياً قاصداً، ما فيه عنت؛ لذلك أسعد الناس هم المتبعون للرسول ﵊، لا يجدون على الإطلاق مشقة.
стр. 1712
سر عظمة الصحابة
أصحاب النبي ﷺ لماذا سادوا ووصلوا؟ كانوا لا يتعبدون بالخلاف، بل كانوا يتحاشون الخلاف ما أمكن، فإذا اختلفوا فكان الله ﵎ يقي شر هذا الاختلاف بإخلاصهم في طلب الحق، فإن التعبد بالخلاف جريمة، الصحابة ما كانوا يفعلون ذلك، ولذلك حدثت المواقف العظام التي لو حدث عشرها، بل عشر معشارها لطارت فيها رقاب الآن.
سقيفة بني ساعدة يا لها من موقعة! يا له من موقف حدث للمسلمين بعد وفاة النبي ﵊! كان النبي ﷺ ملء السمع والبصر، ما كان أحد يتصور أن يعيش بدونه كما قال أنس بن مالك: (جاء النبي ﷺ المدينة مهاجراً فأضاء منها كل شيء، فلما دفناه أظلم منها كل شيء) انظر إذاً واحد يعيش مع هذا النور، لا يتصور أن يعيش لحظةً بدونه، وفجأة فقده، فجأة صار يمشي ولا يراه، بالله كم تكون مصيبته؟ إنها أعظم المصائب؛ كما قال النبي ﵊: (من أصيب بمصيبة فليذكر مصيبته بي فإنها أعظم المصائب) فإنك لن تصاب بأعز منه، ولا أجل منه، ولا أفضل منه، لن تصاب بأعز منه أبداً، فتصور الذين عاشروه وعايشوه ورأوه، فجأة فقدوه كانوا إذا ادلهمت عليهم الخطوب ذهبوا إليه فسألوه، الآن مات ﵊ ولم يفصل في المسألة من يكون الخليفة من بعده، وارتدت العرب، وبدأ الناس يتفلتون، واختلف المهاجرون والأنصار في من يمسك هذا الأمر، فاجتمعوا في سقيفة بني ساعدة، الأنصار يقولون: نحن أولى بهذا الأمر، نحن أهل النصرة وأهل الدار والإيمان.
وأبو بكر يقول: بل نحن الأمراء وأنتم الوزراء.
ومرت ثلاثة أيام، تركوا النبي ﵊ ثلاثة أيام لا يدفنونه بسبب هذا الأمر، ما دفنوه ثلاثة أيام؛ بسبب اختلافهم.
كان يمكن أن تطير فيها رقاب، لا سيما مع حرص الناس على الإمارة، وهذا شيء مفطور في الإنسان.
واختلف المهاجرون والأنصار، وظلوا يختلفون ثلاثة أيام، حتى جاء عمر بن الخطاب مع أبي بكر الصديق إلى سقيفة بني ساعدة، وكان أبو عبيدة بن الجراح معهما، فقال أبو بكر الصديق ﵁: بل نحن الأمراء وأنتم الوزراء، إني اخترت لكم أحد هذين الرجلين: عمر أو أبا عبيدة بن الجراح.
قال عمر: فأخذت بيد أبي بكر فقلت: ابسط يدك فلأبايعك.
فبسط يده، فبايعته فبايعه الناس، قال عمر -وقد وصف هذا الذي حدث-: إن بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله شرها؛ لماذا؟ لأن الكل مخلص في طلب الحق.
стр. 1713
بين التيسير والتفريط
إن الرسول ﵊ هو الأسوة الحسنة، وما شق على أمته يوماً ما، بل لما علم أن معاذ بن جبل يطيل على المسلمين في صلاة العشاء قال: (أفتان أنت يا معاذ؟! هلا صليت بالشمس وضحاها، وبالليل إذا يغشى؟) ويقول: (إني لأدخل في الصلاة فأريد أن أطيلها، فأسمع بكاء الصبي فأتجوز فيها رحمة بأمه) كل تشريعه رقة ويسر، وليس معنى هذا أن الواحد يترك الواجبات ويقول: إن الله غفور رحيم لا، إنما يكون اليسر بالاتباع، تصل إلى اليسر باتباعك للرسول ﵊.
إياك -أيها المسلم- أن تضع أحداً في مقابله! فإنه لا يوجد أحد يزنه، ما هناك أحد يوضع أمامه في الميزان ﵊، فكيف ترضى بالدون؟! ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ [البقرة:٦١].
стр. 1714
طلب اليسر بالتحاكم إلى الكتاب والسنة
لقائل أن يقول: ما قلته حسن وجميل، ولكننا نريد أن نصل إلى هذا الهدي -هدي النبي ﷺ فكيف لنا به؟ كيف نستطيع أن نصل إلى هدي النبي ﵌ حتى نرى اليسر في عبادتنا، بل في حياتنا؟
الجواب
يجب علينا أن نرد مشكلات الحياة -وديننا يهيمن على الحياة، خلافاً لهؤلاء العلمانيين الذين يريدون أن يفصلوا ديننا عن الحياة- نرد جميع مشكلاتنا إلى الله ورسوله، والرد إلى الله والرسوله يكون بالرد إلى النص.
إن كثيراً من الناس يزعمون أنهم يردون الكلام إلى الله ورسوله، وهم من أبعد الخلق عن النص، ولابد إذا وصلك النص من التسليم، وهذا شرط، كما قال ﵎: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [النساء:٦٥] وهذا من المواضع القليلة التي أقسم الله ﵎ فيها بذاته العلية في القرآن الكريم، كقوله ﵎: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [الذاريات:٢٣]، ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ﴾ [مريم:٦٨] ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر:٩٢].
فقال ﵎: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء:٦٥]، أي شيء يتشاجر فيه اثنان لابد من الرد إلى النبي ﷺ ، فإن لم يرد فإن الله ﵎ أقسم ونفى الإيمان عنهم ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥].
هذه الآية نزلت -كما في الصحيحين- بسبب أن رجلاً من الأنصار تشاجر هو والزبير بن العوام على ماء كانوا يسقون به زراعتهم، أرض الزبير بن العوام مرتفعة، وأرض الأنصاري أخفض من أرض الزبير بن العوام، وأنتم تعرفون ما كان هناك أنهار، ولا كان هناك أنابيب، ولا شيء الماء يتجمع في مكان وبعد ذلك يحفروا له قنوات، فالشيء الطبيعي أن الرجل الذي أرضه مرتفعة هو الذي يسقي أولاً؛ لأن الأرض المنخفضة لو استوعبت الماء يبقى الذي في العالي لن يصل إليه ماء.
الزبير بن العوام أرضه مرتفعة، والأنصاري أرضه منخفضة، فقال النبي ﵊: (اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك) فهذا الأنصاري قال للرسول ﵊: حكمت له أن كان ابن عمتك؟! بسبب أنه ابن عمتك جعلته يسقي أولاً! فغضب النبي ﷺ وقال: (اسق يا زبير ثم احبس الماء) قال الزبير: فنزلت الآية ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء:٦٥] مع أن الاثنين حكموه، هاهو الصحابي أتى بـ الزبير وحكموه، لكن مجرد التحكيم لا يكفي، ما زال هناك أشياء ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا﴾ [النساء:٦٥] أي: ضيقاً في الصدر ﴿مِمَّا قَضَيْتَ﴾ [النساء:٦٥] وليس هذا فقط، بل ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥].
كل إنسان يرفع خصومه مع آخر، قطعاً هو يريد الشيء؛ وإلا لو كان يعلم أن الشيء هذا ملك صاحبه ما كان اشتجر ولا رفع الأمر للسلطان.
فكل خصمين يخرجان إلى ساحة القضاء كل منهم يظن أنه صاحب الحق، فبالتالي إذا حكم القاضي لخصمك يسوءك ذلك، فالله ﵎ قال: ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مما قَضَيت﴾ [النساء:٦٥] يعني: إذا قضى لخصمك عليك لا يكون في صدرك حرج وضيق بسبب أنه قضى لخصمك عليك، ولا تبلغ تمام الإيمان بذلك، بل لابد أن تسلم تسليماً، التسليم يعني: أن يزول الحرج تماماً ويحل محله الرضا، كأنه حكم لك.
مَنْ مِنَ الناس يفعل ذلك؟ إذا خصمه أخذ الأقضية فرح له كما لو كان هو الذي أخذها؟ مَنْ مِنَ الناس يفعل ذلك؟ ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥].
стр. 1715
السنة النبوية وحي من الله إلى نبيه
إن الله ﵎ جعل الرد إلى النبي ﷺ ، وهو بلغنا نوعين من الوحي: النوع الأول: القرآن.
النوع الثاني: السنة.
لقوله ﵎: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤] أي: ما يتكلم، ما ينطق عن هوى نفسه، إنما الذي ينطق به وحي يوحى، فدل ذلك على أن السنة من الوحي.
ومن أظهر الدلائل على أن السنة من الوحي: قوله ﷺ : (إلا إني أوتيت القرآن ومثله معه) أوتيت القرآن وأوتيت مثل القرآن مع القرآن، التي هي السنة؛ لأن السنة بالنسبة للقرآن بمنزلة المبين كما قال ﵎: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤] فلو أن السنة ضاعت ما استفاد الناس من كثير من لفظ القرآن، ولظل القرآن مجملاً في كثير من المواضع.
الصحابة الذين هم العرب الأقحاح لم تدخل ألسنتهم عجمة، وكانوا أولى الخلق بإصابة الحق وفهم الكلام، كان هناك بعض آيات القرآن ما فهموها لولا أن النبي ﵊ بين لهم.
لما نزل قوله ﵎: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢] فهؤلاء عرب أقحاح -كما قلت- لما سمعوا كلمة (ظلم) هكذا نكرة لأنه ليس فيها ألف ولام، و (ظلم) نكرة في سياق النفي تفيد العموم.
إذاً أي ظلم يقع فيه العبد يخرجه من دائرة الأمن؟ هم هكذا فهموا الآية، الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بأي ظلم كان -قليلٍ أو كثيرٍ- ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢].
من الذي لم يخطئ؟ لا أحد: (كل بني آدم خطاء) إذاً: كل إنسان ارتكب الظلم.
ولذلك فهموا أنهم ليسوا في دائرة الأمن؛ وشق عليهم ذلك، فذهبوا إلى النبي ﷺ وقالوا: (يا رسول الله! أينا لم يلبس إيمانه بظلم؟).
هؤلاء صحابة، لو كان أحد يصيب الحق لكانوا هم، ورغم ذلك لم يفهموا مراد الله من الآية، فقال لهم النبي ﵊: (ليس كما تفهمون، أولم يقل العبد الصالح -الذي هو لقمان - ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣] فالظلم: هو الشرك) إذاً ببيان الرسول ﵊ ظهر أن الظلم المقصود في آية الأنعام هو الشرك الأكبر، وليس المقصود به أي ظلم مثل ما الصحابة فهموا.
فالبيان لابد منه؛ ولذلك السنة مهمة جداً بالنسبة للقرآن، لما نزل قوله ﵎: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧] كان أحد الصحابة يأتي بخيط أبيض وخيط أسود ويضعه في أصابعه ويظل ينظر فيه، إذا ميز بينهما توقف عن الأكل، حتى إن النبي ﷺ قال للصحابي الذي فعل ذلك: (إن وسادك لعريض -يعني: أنت عريض القفا- إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار) لكنه نظر، بادر إلى العمل على قدر فهمه.
النبي ﵊ قال لزوجاته ﵅: (أسرعكن لحوقاً بي أطولكن يداً) يعني يقول: إن أول واحدة ستموت بعدي منكن أطولكن يداً، فكن يقسن أيديهن بأيدي بعض، قالت عائشة: (وما فهمناها إلا حين ماتت زينب ﵂ أول من ماتت بعد النبي ﷺ كانت قصيرة، فقصر الطول يستتبعه قصر الأعضاء، فعرفن أنه ليس المقصود بها اليد، إنما المقصود بها الصدقة (أطولكن يداً) أي: بالصدقة، فحينئذ فهموا.
لكن الذي يأخذك ويأخذ بمجامع قلبك أنهم يبادرون إلى التنفيذ على قدر الفهم، فنحن عندنا السنة بمنزلة البيان بالنسبة للقرآن، القرآن فيه كثير مجمل: الصلاة، والزكاة، والحج، وسائر العبادات أمر بإقامة الصلاة لكن لا نعرف كيف نقيم الصلاة متكاملة إلا من لفظ النبي ﵊.
السنة من الوحي كما قال ﵊: (إني أوتيت القرآن ومثله) مثل القرآن السنة التي هي بيان القرآن ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ﴾ [النحل:٤٤].
الحديث الآخر الذي يدل على أن السنة من الوحي ما رواه الشيخان من حديث عائشة ﵂ قالت: (بينما سودة ﵂ -وكانت امرأةً بدينة، طويلة، وسودة هذه زوج النبي ﵊ خرجت تقضي حاجتها إذ رآها عمر، فقال: يا سودة! انظري كيف تخرجين! فوالله ما تخفين علينا.
فغضبت سودة ورجعت إلى النبي ﵊ تشتكي عمر -وكان في بيت عائشة ﵂ قالت عائشة: فدخلت فقالت: يا رسول الله! أرأيت إلى عمر، يقول كذا وكذا.
قالت عائشة ﵂: وكان في يديه عرق يتعرقه -الرجل الأمامية للشاة، الرسول ﵊ يأكل اللحمة الملتصقة بالعظم- إذ أوحي إليه، فأخذه ما يأخذه من الوحي، وكان إذا نزل عليه الوحي في اليوم الشاتي شديد البرد يتصبب عرقاً)، كما قال زيد بن ثابت: (وضع النبي ﷺ ركبته على ركبتي، فنزل قوله ﵎: ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾ [النساء:٩٥] قال: فثقلت فخذه حتى كادت أن تُرض فخذي من ثقل الوحي).
لما نزل على النبي ﷺ الوحي كادت فخذ زيد بن ثابت تتهشم، وكان ﵊ إذا أوحي إليه وهو يركب الناقة تبرك على الأرض، لا تستطيع أن تحمله وهو يوحى إليه، تضرب بجرانها على الأرض؛ لأنه وحي! كلام ثقيل! كله تبعات وتكليف! قالت: (فأخذه ما يأخذه من الوحي، ثم سري عنه، فقال لها: إن الله قد أذن لكن في قضاء حوائجكن) ونحن نعلم يقيناً أن هذه ليست آية، لكنها كلمات أوحي بها إليه، قال: (إن الله قد أذن لكن) مما يدل على أن الوحي يكون بالسنة أيضاً.
إذاً: نحن عندنا وحيان: الوحي الأول: القرآن، والوحي الثاني: السنة فإذا أردت أن تصيب الحكم لابد أن ترد الأمر إلى الله ورسوله.
стр. 1716
قواعد في فهم القرآن والسنة
стр. 1717
الخاص مقدم على العام
إذا كانت لدينا مسألة خاصة نريد تحرير الكلام فيها: لا نأتي بالأدلة العامة فنحتج بها على ذلك الخاص، بل لا بد من دليل خاص.
مثال: قال الله ﵎: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة:٣] الميتة هنا: لفظ يفيد العموم، يعني: جميع أنواع الميتة حرام، وجميع أنواع الدماء حرام.
إذاً: هذا لفظ عام.
هل جميع الدماء حرام؟
الجواب
لا؛ لأن النبي ﷺ يقول: (أحل لنا دمان: الكبد والطحال) والكبد هي دم، والطحال هو دم.
فإذاً: عندنا هذا الحديث خصص بعض أنواع الدماء من الآية الكريمة، وكذلك عندنا ميتة السمك والجراد، فهذه تخصص من الميتة الموجودة في الآية.
فكيف نفهم الآية إذن؟ حرمت عليكم الميتة إلا السمك والجراد، والدم إلا الكبد والطحال.
أنا أقدم بهذا المثال لكي نصل إلى القضية التي ذكرتُها إذا كان هناك نوع محرم من الدماء، وجاء الإذن لك بأكل الدماء أو بشربها فلا تقل: أنا عندي الأمر العام بشرب الدماء! لماذا؟ لأن النهي جاء خاصاً، فهو يعمل في مكانه، والعام ليس بحجة على الخاص، إنما الخاص هو الحجة على العام، ولذلك خصصنا العام بالخاص، يعني الآية ليست عامة (حرمت عليكم الميتة والدم) خصصنا عموم الميتة بالحديث، وخصصنا عموم الدم بالحديث، فالمخصص هو المقدم دائماً.
إذاً: إذا كانت هناك قضية خاصة لا تحتج عليها بالأدلة العامة؛ لأن هذا ليس من الرد إلى الله ورسوله، إذا سمعت قوله ﵎: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة:٣] وقلت: ما هو حكم الدم الموجود في الفراخ بعدما نذبحها؟ فإننا نغسل الدجاجة أو البط ونجد دماً في العروق، ما هو حكم هذا الدم؟ والدم كثيره وقليله حرام لماذا؟ لأن الآية ما فرقت بين قليل ولا كثير.
فما هو حكم الدم؟ نحن نريد دليلاً، نريد قول الله ورسوله في الموضوع، يأتي العلماء يقولون لك: إن هذا الدم معفو عنه.
ما هو دليل العفو؟ قوله ﵎: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام:١٤٥] إذاً: المحرم هو الدم المسفوح الذي يصب صباً، الذي ينزل من العروق مصبوباً، هذا هو الدم المسفوح، إذاً: الدم المحرم هو المسفوح، غير المسفوح معفو عنه.
إذا كان متجمداً مثل الكبد -فهو دم متجمد وليس مسفوح- فقد خرج من الدم المحرم.
كذلك الدم الموجود في العروق ليس مسفوحاً بطبيعة الحال؛ لأنه لا يصب، هو بقايا دماء موجودة في العروق.
إذاً: لما رددنا إلى الله ورسوله على القواعد التي ذكرها أهل العلم أصبنا الحق.
стр. 1718
رد كل قول يخالف الكتاب والسنة مع احترام العلماء
علماء المسلمين جميعاً يأمروننا بالرد إلى الله ورسوله، لا يحجزك عن الله ورسوله حاجز، لا عالم ولا غيره، لأن الرد إنما يكون إلى المعصوم ﵊، إنما العالم مهما جل قد يخطئ، قد لا يعرف وجه الحق في المسألة رغم جلالته، ألا ترون إلى مالك بن أنس ﵁ وفحولته وجلالته؟ روى البيهقي في سننه، عن ابن وهب وابن وهب هذا هو: عبد الله بن وهب، الإمام المصري، العلم الفرد، وكان من تلامذة مالك.
روى البيهقي في سننه، عن ابن وهب قال: سمعت مالكاً وسئل عن التخليل بين الأصابع -يعني وأنت تتوضأ تخلل بين الأصابع بإصبعيك، توصل الماء سواء كان أصابع اليدين أو أصابع الرجلين، أو البراجم- ما تقول فيها؟ فقال: ليس ذلك على الناس -يعني: لا يوجد أحد يعمله- قال: فقلت لـ مالك: كيف تقول هذا وفيه عندنا سنة؟ هل مالك لا يعرف السنة في تخليل الأصابع؟ نعم، لا يعرفها، أبى الله أن يجمع العلم في واحد، ولهذا كيف يتم عجز الإنسان؟ يتم عجز الإنسان بأنه ناقص مهما كان، ما جمع الله العلم كله إلا في الرسل؛ ولذلك قال الإمام الشافعي: (ما منا من أحد إلا وتعزب عنه -أي: تغيب- سنة لرسول الله ﷺ ، فمهما أصلت من أصل أو قلت من قول وكلام النبي ﷺ على خلافه فخذوا بكلام النبي ﷺ .
فـ ابن وهب يقول لـ مالك: كيف تفتي بهذا وفيه عندنا سنة؟ قال: وما عندك؟ قلت: حدثنا ابن لهيعة وعمرو بن الحارث عن فلان عن فلان عن المستورد بن شداد ﵁: (أن النبي ﷺ خلل بين الأصابع) فانظر إلى الإمام مالك! الإمام المنصف! يقوم يغتبط بهذه الفائدة ويفرح، لا يستنكف أن تلميذه رد عليه أو علمه، فقال: هذا حديث حسن جداً، وما سمعت به إلا الساعة.
قال ابن وهب: فحضرته في المجلس بعد ذلك، فكان يفتي بسنية التخليل بين الأصابع.
إذاً: أي عالم مهما كان فحلاً كبيراً تفوت عليه سنة من سنة النبي ﷺ ، لكنه واسطتك إلى معرفة الحق.
أنت تلزمه إذا كان عالماً ربانياً، وإذا ظهر لك أن السنة في خلاف قول العالم تترك قول العالم وتمتثل قول النبي ﵊؛ لأن العلماء جميعاً قالوا لك ذلك.
وهناك أرجوز لطيفة كثيراً ما أرددها لجمالها وحلاوتها وطلاوتها، لخص فيها صاحبها ﵀ ﵎ هذا الكلام المبارك لعلماء المسلمين في وجوب ترك أقوالهم والالتزام بقول النبي ﷺ في حال المعارضة، إذ لا يجوز لأحد أن يضع في الكفة أحداً في مقابل النبي ﵊.
قال ﵀: وقول أعلام الهدى لا يعمل بقولنا بدون نص يقبل فيه دليل الأخذ بالحديث وذاك في القديم والحديث قال أبو حنيفة الإمام لا ينبغي لمن له إسلام أخذاً بأقوالي حتى تعرضا على الكتاب والحديث المرتضى ومالك إمام دار الهجرة قال وقد أشار نحو الحجرة كل كلام منه ذو قبول ومنه مردود سوى الرسول والشافعي قال إن رأيتمو قولي مخالفاً لما رويتمو من الحديث فاضربوا الجدارا بقولي المخالف الأخبارا وأحمد قال لهم لا تكتبوا ما قلته بل أصل ذاك فاطلبوا فانظر لما قال الهداة الأربعة واعمل بها فإن فيها منفعة لقمعها لكل ذي تعصب والمنصفون يكتفون بالنبي ﵊، كل علماء المسلمين، ليس من العلماء الأربعة فقط: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، كل علماء المسلمين تبرءوا أحياءً وأمواتاً من مخالفة النبي ﵊، بأن تلتزم قول العالم بعد ما ظهر لك بجلاء أن قول النبي ﷺ يخالف قول العالم، إذ أن الرد إنما يكون إلى الله ورسوله.
ولذلك كان من ثمرات الذي يرد إلى الله ورسوله أنه يحيا حياة طيبة في الدنيا والآخرة كما قال ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال:٢٤] ولا يحيا القلب إلا بالوحي، فإن الله ﵎ جعل الأمر على قسمين لا ثالث لهما، قال ﵎: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [القصص:٥٠] نسأل الله ﵎ أن يهيئ لهذه الأمة أمر رشد، يعز فيه أهل طاعته، ويذل فيه أهل معصيته، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين، اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر.
اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن.
اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا.
رب آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.
اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا.
стр. 1719
عدم صرف اللفظ عن ظاهره وحقيقته
وهذه بدهية لا نطيل الكلام عليها لوضوح الأدلة عليها، لكن كيف نرد؟ إذا رددنا إلى الكتاب والسنة بأي طريقة نرد طالما اتفقنا على أن نرد إلى الكتاب والسنة؟ نقول: إن العلماء يقولون: الأصل في الألفاظ الحقيقة، والأصل أيضاً الظاهر.
ما معنى هذا الكلام؟ مثلاً لفظ (اليد) إذا سمعت لفظ (اليد) أول ما يخطر على بالك اليد التي لها خمس أصابع، يد الإنسان، لكن هذه الكلمة -التي هي كلمة (يد) - يمكن أن يكون لها معنى آخر غير اليد التي هي الراحة التي فيها خمس أصابع، يمكن أن تكون بمعنى النعمة مثلاً، كما لو قلت: فلان له علي يد، أي: له علي جميل.
لكنك ما صرفت اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز إلا بقرينة، سياق الكلام هو الذي أخرجه.
أنت لو سمعت كلمة (صوم)؛ شخص قال لك: إني صائم.
أول معنى يخطر على بالك ما هو؟ صائم عن الأكل والشرب والجماع، الصيام الذي نحن نعرفه، لكن هل الصيام هو ذلك فقط؟ لا، أصل كلمة (صيام) يعني: الإمساك.
كلمة (صيام) معناها: الإمساك عن أي شيء اسمه صيام.
ألا ترون إلى قول مريم ﵍: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ [مريم:٢٦] يعني: الصوم عن الكلام، ليس الصوم عن الأكل والشرب.
ما الذي أعلمنا أن صيام مريم ﵍ الذي هو الصيام عن الكلام؟ سياق الآية، لكن لو كانت الآية: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم:٢٦] ووقفت على هذا، نفهم أن المقصود بالصيام: الإمساك عن الأكل والشرب والجماع مثلاً، فلما أتممنا بقية الكلام عرفنا أن الصيام المقصود ليس هو الصيام المتبادر إلى الذهن، إنما هو صيام مخصوص.
الأصل في الألفاظ الحقيقة، فلو قلت: سلمت على أسد -ونحن نعلم أن الأسد لا يسلم عليه- فإن سياق الكلام يدل على أنك تقصد: سلمت على رجل كالأسد.
لذلك سياق الكلام إحدى القرائن الصارفة للكلام.
يبقى الأصل في كلام الله ورسوله أن ينزل على الحقيقة، لا يصرف عن غير الحقيقة إلا بدليل؛ ولذلك أصابنا شر عظيم بسبب الحيدة عن هذا الأصل الكبير.
ومن أشد الناس ضلالاً في هذا الصوفية أصحاب التفسير الإشاري ك ابن عربي، وابن الفارض، وابن سبعين؛ فهؤلاء خرجوا عن ظاهر الشريعة وأصل الكلام فأحدثوا من الفساد ما لا يعلمه إلا الله! الروافض غلاة الشيعة الذين هم مثل أصحاب إيران الآن، ما هؤلاء كلهم روافض ليسوا شيعة فقط، يا ليتهم شيعة! الشيعي قديماً كان يقدم أبا بكر وعمر ويعظمهما لكن يقول: أنا أرى أن علياً أولى بالخلافة من عثمان، إذا كانت المسألة هكذا تبقى خفيفة.
لكن هؤلاء روافض يسبون أبا بكر وعمر، ويزرون بالصحابة ويقولون: إن الصحابة جميعاً ماتوا على النفاق ما عدا ستة! هؤلاء الروافض لما فسروا قوله ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة:٦٧] قالوا: يعني أن تذبحوا عائشة! ما دخل البقرة بـ عائشة؟! افتح القاموس، هل تلاقي من مفردات كلمة (بقرة) أو من معانيها عائشة؟! لأنهم روافض ويكرهون عائشة فلذلك قالوا: (بقرة) يعني: عائشة.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا﴾ [آل عمران:٢٠٠] أبو بكر ﴿وَصَابِرُوا﴾ [آل عمران:٢٠٠] عمر ﴿وَرَابِطُوا﴾ [آل عمران:٢٠٠] عثمان ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:٢٠٠] علي! ما هذا الكلام؟! من يفهم أن (اصبروا) هي أبو بكر؟ وهؤلاء صندوقهم لا ينتهي؟ يضع أحدهم يده في الصندوق ويخرج بحاجة ما الذي أدخل أبا بكر وعمر في الآية؟ وبعض المنتسبين لأهل السنة يريد أن يرد على الشيعة؛ فيفسر بعض آيات القرآن الكريم مثل ما هم يفسرون.
يأتي محيي الدين بن عربي (وليس بمحي للدين، فإنه عمل فساداً عريضاً في هذا الدين) يفسر -أو يحرف- قوله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة:٦ - ٧].
أنت -أيها المسلم- إذا سمعت هذه الآيات تعرف أن الناس ينزلونها على الكافرين، هو قال: إن هذه الآيات نزلت في أهل الورع! فهي لم تنزل في المسلمين فحسب، بل نزلت في المؤمنين الخلص.
فماذا عن كلمة (كفروا)؟! أين تذهب بها؟! قال لك: (كفروا) يعني: كفروا إيمانهم؛ أي: غطوه، فحجبوه عن الناس خشية أن يحبط بالرياء.
انظر إلى التحريف! يقول: (إن الذين كفروا) أصل الكفر هو التغطية، كما قال ﵎: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ [الحديد:٢٠] الذين هم الزراع؛ لأن الفلاح حين يزرع البذرة في الأرض يغطيها فيقال فيه: كفرها.
وسميت الكفور كفوراً لأنها تكفر بالأشجار.
وهذا مكان اسمه (كفر الشيخ) سميت كفراً لأن أصل الكفر: البيوت الكثيرة التي التفت حولها الأشجار فغطتها عن العيون، فلذلك كان اسمها كفراً، وسمي الليل كافراً لأنه يغطي نور النهار، وسمي الكفر كفراً لأنه يغطي الإيمان.
فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة:٦] أي: إن المؤمنين من أهل الورع الذين كفروا إيمانهم يعني: غطوه، فلا يظهرونه للناس خشية أن يحبط بالرياء.
فماذا عن قوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:٦]؟!! أين تذهب بها؟ قال: الإيمان أصله التصديق، فمهما هددهم الناس وتوعدوهم فهم لا يصدقون بذلك، ومصداقه قوله ﵎: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣].
﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة:٧] فلا يدخلها غيره انظر إلى التحريف! ﴿وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ [البقرة:٧] فلا يسمعون إلا منه.
﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة:٧] فلا يرون الباطل.
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة:٧] يعني: من الناس المخالفين لهم.
انظر انظر إلى هذا الكلام! انظر إلى التحريف! ويزعم أن هذا هو التفسير المتين، وأنه هو الذي يفهم القرآن، وعلماء الشريعة هؤلاء علماء الظاهر الذين لا يفهمون شيئاً، إنما هؤلاء علماء الباطل أوالباطن كما يقولون.
كل جناية عن الشريعة بسبب صرف اللفظ عن ظاهره أو حقيقته.
ولذلك الجهمية الذين نفوا صفات الله ﵎ بدعوى التنزيه، يقولون -في تفسير قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠] (يد الله) أي: قدرته أو نعمته فهذا تحريف.
انظر إلى النفي والإثبات في قوله ﵎: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] فنفى المثلية وأثبت السمع والبصر إذاً: كل الصفات التي تثبتها تحت قوله ﵎: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] له يد وليس كمثله شيء، له سمع وليس كمثله شيء، له بصر وليس كمثله شيء، كل صفاته تحت قوله ﵎: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١].
إذاً: نثبت لله يداً على الحقيقة، لكن كما يليق بجلاله.
قال ابن قتيبة ﵀: ومن الأدلة على بطلان قولهم: (إن اليد بمعنى النعمة في القرآن) أن العرب إذا قصدت أن اليد بمعنى النعمة، فإنها إما أن تفردها وإما أن تجمعها، فتقول: فلان له علي يد أو أيادٍ -إما أن تورد اليد بالإفراد وإما أن توردها بالجمع- ولا يثنون اليد أبداً وهم يقصدون النعمة، لدينا المفرد والمثنى والجمع، خرج المثنى من الموضوع يبقى لنا الإفراد والجمع، فالعرب إذا أرادت اليد بمعنى النعمة إما أن تفرد وإما أن تجمع.
ثم قال: اقرأ قوله ﵎: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ﴾ [المائدة:٦٤] مثنى أو جمع؟ مثنى، قال: فذلك يدل على أن اليد على الحقيقة ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٦٤].
ابن قتيبة هذا أحد علماء العربية الأقحاح، رجل متضلع حتى النخاع، فيقول: إن العرب لا تعرف اليد بمعنى النعمة إلا في الإفراد والجمع.
فالمبتدعة الذين أرادوا أن ينزهوا الله ﵎ فأخرجوا الألفاظ عن ظاهرها، كانوا معسكرين: معسكر نفى الصفة، ومعسكر رد عليهم وبالغ حتى شبه الله بخلقه.
معسكر قال: ليس له يد، بل اليد بمعنى النعمة.
والمعسكر الثاني رد عليه وقال: له يد مثل يدي هذه.
والحق بينهما.
ولذلك رحم الله القائل: إن المشبه يعبد صنماً، والمعطل يعبد عدماً.
المعطل -وليس المنزه- يعبد عدماً، والمشبه يعبد صنماً ما معنى هذا الكلام؟ المعطل: كلما تأتي له بصفة من صفات الله يعطلها مباشرة حتى لا يشبه الله بخلقه، يقول لك: لا، هو لا له يد، ولا له سمع، ولا له بصر، ولا له إصبع، ولا له قدم، ولا له أي صفة من هذه الصفات.
أليس هو إلهاً؟! ما هي صفاته؟! يقول: لا سميع ولا بصير ولا قدير ولا شيء من هذا.
إذاً يعبداً عدماً! لما عطل صفات الله ﵎ عبد العدم.
والمشبه -الذي رد على المعطل لكنه تطرف في الناحية الثانية- يعبد صنماً؛ لأنه جعل من إلهه شبيهاً بخلقه.
إنما الرجل من أهل