← Джавами‘

Джавами‘ · id 7693

دروس للشيخ أبي إسحاق الحويني

أبو إسحق الحويني

Полный текст (1 719 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

محاولة قتل الغلام بإغراقه في البحر وعندما رجع الغلام إلى الملك قال له: ويحك! أين أصحابك؟ قال: كفانيهم الله بما شاء. كان هذا كاف ليرجع الملك ويرعوي، ولكنه دعا فوجاً آخر من جنوده وقال: خذوه في قرقور. فالماء معروف أنه لا ينجو منه أحد، بخلاف الجبل؛ لأنه قد يسقط من أعلى الجبل فلا يموت. حدث أن شخصاً في القاهرة الكبرى سقط من الدور العاشر، وبعد أن سقط من ذلك الارتفاع الكبير قام وكأنه لم يسقط، وعندما قام يمشي إذا بسيارة مسرعة ترتطم به فيسقط ميتاً، انظر كيف مات؟ قال الملك بعد أن أمر بأخذه إلى البحر: فإن آمن وإلا لججوا به. يعني: أرموه في لجة البحر؛ لأنه لن يستطيع أن يعوم، وسيكون طعاماً للسمك. البحر مرعب دائماً، والذي يركب السيارة لا يخاف مثل ما يخاف من الباخرة لماذا؟ لأنه عندما ينظر من شباك الباخرة ينظر إلى البحر الذي لا يدرك آخره بصره، فيحصل له الرعب. والعرب كانوا يخافون من البحر وقد كانوا يضربون به المثل في أشعارهم، يقال: أن رجلاً أتى أبا العباس المبرد ﵀، وكان إماماً في النحو واللغة، فقال: أريد أن أقرأ عليك كتاب سيبويه في النحو، فقال له أبو العباس: أي بني! هل ركبت البحر؟ تريد أن تفهم كتاب سيبويه، ماذا تظن سيبويه هذا؟! هل تظن أنك ستذهب تفتح الكتاب وتقرأ فتفهم! إن كتاب سيبويه من أصعب الكتب منالاً، ولذلك سماه: "الكتاب"، لم يقل: كتاب النحو، ولا علم النحو، ولا أي شيء من هذا، بل قال: "الكتاب". إنما قال له: (أي بني! هل ركبت البحر؟) استعظاماً للكتاب! وسيبويه ﵀ مات وعمره اثنان وثلاثون سنة، فالأمة هذه مليئة بالعظماء. المهم: الملك عندما أحب أن يعرضه لتهديد أشد من هذا - أن يرمى من الجبل- قال: لججوا به البحر، فلما وصلوا البحر قالوا له: آمن وإلا رميناك في البحر، فلم يؤمن لهم، وقال: رب اكفنيهم بما شئت، فانكفأ بهم القارب فغرقوا. حسناً: كيف عاد الغلام؟! ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود:٥٦]، رجع في معية الله، فالغلام عندما أخلص دينه لله، ترك مسألة الأمن لربه ﵎ فأمّنه، والمسألة كلها معلقة بهذا القلب. مرة وأنا مسافر في إحدى السفريات، وكان هناك رجل بجانبي في الطائرة، ويبدو على هذا الرجل أن يسافر بالطائرة لأول مرة. المهم: الطائرة بدأت في مغادرة المطار، فبدأ هذا الرجل يرتجف من شدة الخوف، فلما طارت الطائرة قال: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ لأنه لا أحد سيخلصه، وقد وقع الفأس في الرأس، وصرنا في قبضة الملك. المهم: بعد أن تناولنا الطعام، أردت أن أتعرف على هذا الرجل، فقلت له: يا أخي! أنا سمعتك تقول كذا وكذا لماذا؟ قال: أما ترى ما نحن فيه؟! نحن بين السماء والأرض. قلت له: نعم، نحن بين السماء والأرض فعلاً، لكن أنا سمعت منك كلمةً جميلة، قلت: لا حول ولا قوة إلا بالله. قال: نعم، وهل بيدنا شيء؟ قلت له: وإذا مشيت على الأرض بقدميك هل بيدك شيء أيضاً. يعني: هل تظن عندما تمشي على الأرض برجليك أنك ملكت أمرك؟ ولما كنت مثل الشعرة بين السماء والأرض لم تعد تملك أمرك؟! وهناك أناس يعاملون الله بهذه الطريقة، سبحان الله! ولذلك نحن في هذا الدرس العظيم أعظم شيء نأخذه: أن من كان في معية الله يجد الله معه، وإن ابتلي وأهين وشرد. فلما رأى الملك الغلام قال: ويحك! أين أصحابك؟ قال: كفانيهم الله بما شاء. ثم قال الغلام للملك: اعلم أنك لن تقتلني إلا أن تعقل ما آمرك به. فقال: وما ذاك؟ قال: أن تجمع الناس في صعيد واحد وتصلبني على خشبة، وتأخذ سهماً من كنانتي، ثم تقول: باسم الله رب الغلام، فإنك إن فعلت ذلك قتلتني. فالرجل ظن أن المشكلة انتهت ولكنها ابتدأت، جمع الناس في صعيدٍ واحد، وفعل ما أوصاه به الغلام، فصلبه، ووضع السهم في كبد القوس، ثم قال: باسم الله رب الغلام، ثم رماه فوقع السهم حيث أشار الغلام، فلما وقع السهم في صدغه مات. فقال الناس جميعاً: (آمنا بالله رب الغلام). لماذا؟ لأن رب الغلام قادر، الملك حاول أن يميته أكثر من مرة وعجز، إذاً نحن مع القوي، والعوام مذهبهم، أن من يغلب يذهبون معه، يقولون: نحن مع القوي الذي يعطينا لقمة العيش والأمان؛ فلما ضربه ومات قالوا: آمنا بالله رب الغلام.

стр. 1647

محاولة قتل الغلام بقذفه من الجبل فقال لجنوده: خذوه إلى قمة أعلى جبل، فإن تاب وإلا اقذفوه من أعلى الجبل. المساومة إلى آخر الطريق، (إن تاب وإلا) يعني: المفروض أن يحاولوا معه أن يرجع عن دينه ويساوموه، لماذا؟ لأن الملك يحتاج إليه، فالساحر شارف على الموت، فالملك إنما قتل الراهب وجليسه؛ لأنه لا يستفيد منهما؛ بخلاف الغلام. وعندما وصلوا إلى قمة الجبل، قال: رب اكفنيهم بما شئت. وذكرت هنا كلمةٍ لـ ابن الجوزي ﵀، يقول فيها: (رب لا تعذبني حتى لا يقولوا عذب من دل عليه). قال: رب اكفنيهم بما شئت -صدق رجائه بالله أتى بالثمرة- فتحرك بهم الجبل فسقطوا، وثبت الله قدميه. كلما صدق رجاؤك بالله أتى بثمرة، فأخلص دينك لله يكفيك العمل القليل، الله ينظر إلى قلبك، ويؤاخذك على ما كسب قلبك، فإذا انفعلت الجوارح بعد ذلك بعمل القلب يحاسب العبد: إن كان خيراً فخير، وإن شراً فشر؛ لكن القلب هو الأصل. وانظر إلى مثال آخر يظهر فيه صدق الرجاء أكثر، وهي قصة جريج العابد، والقصة صحيحة: أن النبي ﵊، قال: تحدث بنو إسرائيل عن عبادة جريج، وهذا الرجل كان عابداً، اعتزل الناس وبنى له صومعة في خارج البلد، وحتى يجتنب الناس لم يصنع لهذه الصومعة سلماً، وكان يصعد إليها بالحبل ويسحب الحبل؛ لكي لا يأتي عليه أي مخلوق فيقطع عليه خلوته. وكانت له أم تشتاق إليه، فجاءت في يوم فقالت: يا جريج! أجبني، ووضعت يدها على حاجبها -قال أبو هريرة: فكأني أرى النبي ﷺ يضع يده على حاجبه- فصادفته وهو يصلي، فقال: رب! أمي وصلاتي، أمي وصلاتي -يعني أقطع صلاتي وأجيب أمي أم أكمل صلاتي وأتركها؟ - فاختار صلاته. فانصرفت الأم، وفي اليوم الثاني جاءته وقالت له: يا جريج! أجبني، يا جريج! أجبني. قال: يا رب أمي وصلاتي، أمي وصلاتي. فاختار صلاته، فتركته وانصرفت، وفي اليوم الثالث جاءته وقالت: يا جريج أجبني، يا جريج أجبني فلم يجبها، فدعت عليه ألا يموت حتى يرى وجوه المومسات. وأصبح الناس يتكلمون ويتعجبون من فعل جريج! ويقولون: ما هذا الصبر على الصلاة واعتزال الناس! حتى إنه لا ينظر إلى النساء ولا يرغب بزواج فقالت امرأة: أنا أستطيع أن أفتنه. فقالوا: أحقاً تستطيعين؟ فقالت: نعم. فقالوا لها: افعلي ذلك. فذهبت للصومعة تريد أن تصعد إليه، فوجدت أن جريجاً أخذ الحبل معه، ولا أحد يستطيع أن يصعد إليه، فمكنت راعي الغنم الذي كان يأوي إلى ظل الصومعة من نفسها، فحملت، وكانت حين تسأل تقول: هذا ابن جريج، والناس يقولون: هل يعقل أن جريجاً فعل هذه الفاحشة؟! حسناً: اصبري حتى تضعيه ونحن سنريه، فوضعت المرأة، فذهبوا إلى الصومعة وبدءوا في هدمها، وإذا بـ جريج يحس بالضرب في الصومعة، فينظر فإذا هم يهدون صومعته، قال لهم: على رسلكم. فقالوا: انزل يا فاجر، فمد الحبل ونزل، فأمسكوا به وضربوه وكتفوه، وقالوا: ويحك يا جريج! كنا نظنك أعبدنا! فعلت وفعلت! وأخذوه لحاكم القرية -ذكر في شرح القصة أن المرأة الزانية بنت حاكم القرية-. المهم: أخذوه، والكل يتفرج، والمومسات هنا وهناك، فضحك، فقالوا: لماذا تضحك؟ وهل هذا موقف يضحك المرء فيه؟! قال: أدركتني دعوة أمي. فأخذوه إلى حاكم القرية، فقال له: ما هذا يا جريج؟! كيف فعلت ذلك، لنقيمن عليك الحد. وترك المرأة! كيف يقيم الحد عليه ويترك المرأة؟ لأنهم يهود، وهذه أخلاقهم. فضحهم الله في القرآن من أوله إلى آخره، ولكن الأمة الإسلامية عميت، كيف عميت عن الأوصاف الموجودة لليهود في القرآن؟! القرآن عربي مبين، واضح كالشمس، لا يحتاج إلى ترجمة، كل يوم تظهر صفاتهم التي ذكرها الله في القرآن، والدعاة إلى الله ما غيروا رأيهم في اليهود أبداً؛ لأنهم يجدونها مبينة في القرآن. فلما أرادوا أن يقيموا عليه الحد، قال لهم: حسناً، أتوضأ وأصلي ركعتين، فلما أكمل صلاته قال: أين الغلام؟ فجيء به، فوضع أصبعه في بطن الغلام وهو مولود فقال: يا غلام! من أبوك؟ قال: الراعي فلان، حينئذٍ أكبوا عليه يقبلون يديه ورجليه، وقالوا: اعذرنا يا جريج، نبني لك صومعتك لبنة من فضة ولبنة من ذهب! قال: لا، أعيدوها طيناً كما كانت. فالغلام عندما نطق كانت هذه معجزة من المعجزات التي يؤيد الله بها عباده. جاء في الصحيحين أن الرسول ﵊ قال: (بينما أمٌ ترضع ولدها)، وبينما الولد يرضع، مر رجل له شارة عظيمة، رجل يركب حصاناً، وحوله عشرون رجلاً من الإمام والخلف، فقالت الأم: اللهم اجعل ابني مثله. فترك الغلام ثدي أمه وقال: اللهم لا تجعلني مثله، ورجع يرضع مرة أخرى! قال: أبو هريرة: (فكأنني أنظر إلى إصبع النبي ﷺ في فمه يمثل رضاع الولد) كل هذا لكي يقرب الصورة. ثم مرت فتاة يعذبونها ويضربونها إمام لأنها سرقت أو زنت فقالت الأم: اللهم لا تجعل ابني مثلها. فترك ثدي أمه وقال: اللهم اجعلني مثلها. فقالت له أمه: مه! -ما هذا الطفل؟! - كلما قلت شيئاً قال عكسه، فقيل: إن هذا جبارٌ وتلك أمة مؤمنة. بقدر ما يكون لله من التعظيم في قلبك بقدر ما تؤيد بالدلالات والآيات، المهم أن تخلص دينك وقلبك لربك، والله شكور، الذي يخلص له ذرة يجدها عنده، فلا يضيعها عليه؛ لأنه قضى أن الحسنات يذهبن السيئات، إلا سيئات الشرك والعياذ بالله فإنها تذهب بكل الحسنات، ولذلك الرسول ﵊ يقول -بعدما ذكر شفاعة المؤمنين والملائكة-: (يبقى أرحم الراحمين، فيقول الله : أخرجوا من النار من ذكرني يوماً)؛ لأنه شكور، لا يضيع شيئاً استودعته عنده أبداً، فلماذا تفر منه؟! هو شكور، إذا رق قلبك لله رأيت من الآيات البينات ما لم تجر به العادات. قال الغلام: رب اكفنيهم بما شئت، فارتج بهم الجبل، فسقطوا ورجع هو، فالله يستخدمه، وإلا كان من الممكن أن يهرب ويذهب إلى أي مكان آخر، لكن رجع للملك، ونسأل الله أن يستخدمنا في طاعته.

стр. 1648

بيان أن كل ابتلاء بعده نصر لو أن الملك ترك الغلام يدعو إلى الله والراهب يدعو إلى الله والجليس يدعو إلى الله هل يمكن أن يجعلوا هذه الجماهير كلها تؤمن؟ أبداً، لكن انظر إلى الله كيف يستدرج! ولو تركهم لعلهم لا يصلون أبداً إلى هذا العدد؛ لذلك لحسن ظنك بالله قل: من المحن تأتي المنح، إذا ابتليت فاعلم أن وراء الابتلاء نصر. عندما قامت الحرب بين البوسنة والكروات والصرب؛ قلت في خطبة من الخطب: إن هذا الذي يحصل على أرض البوسنة من فضل الله ورحمته رغم هذا المنظر المؤلم المفجع، وهذا القتل الذريع الجماعي إلا أنه منة من الله. فجاء جماعة وقالوا: كيف تقول مثل هذا؟ أنت تفرح بقتل المسلمين! قلنا: لا يا جماعة، المسألة ليست كذلك، لكن تعالوا ندرسها دراسة بسيطة: البوسنة هذه جزء من يوغسلافيا السابقة، والتي ظل أهلها سبعين عاماً تحت الحكم الشيوعي، أي: أن الرجل الذي عمره سبعون سنة فيهم رضع الشيوعية تماماً، لم ير الإسلام ولا دعاة الإسلام؛ لأنهم قتلوهم. إذاً تصور أن البوسنة أخذت استقلالها، وأصبحت دولة إسلامية، ونحن أحببنا أن نرسل دعاة إلى البوسنة لكي يدعوهم إلى الله، وذهبت كتائب من الدعاة إلى البوسنيين هل كانوا سيعودون بنتيجة؟ ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠]، يقولون له: ما هذا يا أخي؟! أنت جئت لتزرع التفرقة العنصرية؟! بعضهم تزوجوا من بعض فالولاء والبراء بين النصرانية والإسلام انمحى تماماً، لا يعرفون شيئاً عن الإسلام، ولا يعرفون شيئاً عن النصرانية، حصل لهم مسخ على مدى التاريخ. ولهذا أنت تحتاج إلى جماعة من الدعاة يسمعونهم أن هؤلاء طالما ليسوا على ملتكم فهم أعداءٌ لكم، ومع ذلك لن يقتنعوا، فالله اختصر لنا الطريق لكي يغزو الإسلام أوروبا. هم صنعوا هذه المجزرة العظيمة خشية أن يغزو الإسلام أوروبا من البوسنة، وقتل في هذه المجازر معظم الذين رضعوا الشيوعية. فمن الذي بقي؟ الأولاد الذين استيقظوا على هول المحنة، فهي التي أنقذتهم وعندما يقرأ القرآن: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كما كفروا﴾ [النساء:٨٩] صدق الله! رآها بعينيه. دمعت عيني عندما قرأت قصة المرأة المسلمة التي نقلتها وكالات الأنباء، ومفادها وغداً نصرانياً ابن ثلاث وعشرين سنة زنى بها، وعمرها ستون سنة فهي تبكي وتقول: أنا التي أرضعته! أنا التي أرضعته! فهذا الذي جرى على أرض البوسنة نعمة، وإن كان ظاهرها المحنة، فالجيل الموجود صار عنده ولاء وبراء، بدأ يأخذ الإسلام من منابعه. وعندما ذهب العرب ليجاهدوا في البوسنة كانوا إذا رأوهم يقولون: هؤلاء أولاد الصحابة. كانوا يعظمونهم غاية التعظيم، لأنهم يعتقدون أن هؤلاء هم أولاد الصحابة. لو أن العرب ذهبوا إلى البوسنة ولم تحصل هذه المجزرة هل سيقولون: أنتم أولاد الصحابة؟! أنت إذا نظرت إلى الظاهر لا تأخذ به، واعلم أن الله ﵎ يخرج الحي من الميت، فعندما قال الجماهير: آمنا بالله رب الغلام، صدم الملك! مفاجأة ما توقعها! وقيل له: وقع والله ما كنت تحذر! حسناً: ماذا أفعل؟ حفر الأخاديد على أفواه السكك -والأخاديد: هي الحفر العظيمة- وأضرم فيها النيران، وبدأ يعرض الناس على هذه الأخاديد، فمن آمن برب الغلام قذفه فيها، نسأل الله العافية! حتى جاء دور الأم مع رضيعها، فكلما همت أن تقذف نفسها في النار ذكرت ولدها الصغير فرحمته وتقاعست فأنطقه الله فقال: يا أماه! اصبري فإنك على الحق. وفي الرواية الأخرى ولكن سندها ضعيف: قال لها: قعي ولا تقاعسي. (قعي): يعني احبسي نفسك ولا تتأخري، كجنة إبراهيم ﵇: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩]. خلاصة هذه القصة: أنك إذا بذلت نفسك لله لا يضيعك حتى في الدنيا فلم الفرار؟! وهذه من القصص الصحيحة التي قصها علينا رسول الله ﷺ ، وسورة البروج كلها إنما نزلت في أصحاب الأخدود: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ﴾ [البروج:٤ - ٥]، وفي قراءة أخرى ذكرها المفسرون: (النار ذاتِ الوُقُودِ)، الوُقُود: شدة الاتقاد والاشتعال: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج:٨] سبحان الله! تلك شكاة ظاهرٌ عنك عارها إنسان يقول لآخر: يا ابن الأصول. وهل هذه الكلمة تغضب؟ قديماً -ومازال حتى الآن- إذا أراد شخص أن يسخر من شخص ملتح، يقول له: يا سني! فيغضب، لماذا تغضب؟! هو ينسبك إلى السنة! وكشخص يقول لآخر: يا ابن الأصول! فعندما يقول لك: يا سني. هذا شرف لك، من أنه نسبك إلى السنة. وهذا الحجاج بن يوسف الثقفي لما حصلت الحرب بينه وبين عبد الله بن الزبير، وأنتم تعلمون أن أم عبد الله بن الزبير هي أسماء بنت أبي بكر الصديق، وكانت قد عميت، وكانت تلقب بـ ذات النطاقين، فـ الحجاج بن يوسف كان يقول له: يا ابن ذات النطاقين يعيرها فقال: عبد الله بن الزبير: تلك شكاة ظاهرٌ عنك عارها لو أنك تعلم لماذا سميت ذات النطاقين لعرفت عظم هذه التسمية، إنما لقبت بذلك؛ لأنها قطعت نطاقها من أجل رسول الله ﷺ ، وكانت حاملاً، وكانت تصعد الجبل لتحمل الطعام والشراب إلى رسول الله وأبيها في الغار. فلماذا تعير بها؟! فأنت إذا ابتليت في الله ﵎ فاصبر، وهذا هو أعظم الدروس المستفادة، بل هو محور الارتكاز للثبات على السنة: أن من ابتلي في الله فصبر رفعه الله في الدنيا والآخرة. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

стр. 1649

الأسئلة

стр. 1650

حكم زيارة النساء للقبور السؤال ما حكم ذهاب المرأة لزيارة القبور؟ وهل يجوز للمرأة الذهاب إلى العزاء في بيت أختها المصابة؟ وقد ذكرت أن مالك بن أنس هو إمام أهل السنة والحديث، فهل هو مالك أم أحمد؟ الجواب كلهم أئمة، ولذلك أنا أردفت هذا الكلام بقولي: هذا رأي عبد الرحمن بن مهدي، وإلا فـ سفيان الثوري إمامٌ في الحديث والسنة، والأوزاعي إمامٌ في الحديث والسنة، ومالك وأحمد والشافعي وإسحاق بن راهويه وكذلك سفيان بن عيينة كلهم أئمة، وهناك كثير من العلماء أئمة في الحديث والسنة؛ لكن هؤلاء أظهرهم. أما بالنسبة لزيارة المرأة للقبور، فهو جائز إذا التزمت المرأة بالآداب الشرعية، وليس هناك دليل ينهض على منع المرأة من زيارة القبور. فحديث: (لو بلغت معهم الكدى) هو حديث منكر، والحديث الآخر: (لعن الله زوارات القبور) يمكن توجيهه مع الأحاديث الأخرى، من قوله: (زوارات) أي: الكثيرات الزيارة. وإلا فقد ثبتت الأدلة القاطعة بجواز أن تزور المرأة المقابر، منها هذا الحديث، (ماذا أقول يا رسول الله إذا مررت بالقبور؟)، وكذلك في قول النبي ﷺ : (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها)، وأصل الخطاب موضوع للرجال والنساء معاً، ولا يجوز التفريق إلا بدليل. ومن جملة هذا الحديث (وكنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي). فربما قال إنسان: قد يكون الأمر بزيارة القبور بعد النهي عنها خاصاً بالرجال. نقول له: لا؛ لأن ادخار لحوم الأضاحي للرجال والنساء معاً، وقد جاء الأمران في سياق واحد. وأيضاً الحديث الذي في الصحيحين (أن النبي ﷺ مر على امرأةٍ تبكي عند قبر جديد، فقال: يا أمة الله! اتقي الله واصبري) إلى آخر هذه الأحاديث، لكن إذا التزمت المرأة بالآداب الشرعية فلا بأس بالزيارة عند ذلك. والله أعلم. أما مسألة الاجتماع للعزاء -الاجتماع في أوائل المصاب- فأقول: لا يجتمعن في كل يوم لئلا يجددن المصاب، لكن المرأة تذهب إلى أختها لتعزيها في مصابها، فهذا من السنة.

стр. 1651

نصيحة في عدم الوعظ بالأحاديث الموضوعة السؤال نرجو معرفة صحة حديث: (أن الرجل المشعر يكون فمه واسعاً، والمرأة المشعرة عكس ذلك). الجواب لا. هذا ليس بحديث، هو من الأحاديث التي ابن الجوزي نفسه لا يعرفها! ابن الجوزي صاحب كتاب الموضوعات، ألف كتاباً جمع الموضوعات فيه، وهذا أحد الناس بعث لي حديثاً يقول عنه: ما درجة هذا الحديث (من أحبني فليذكرني عند أكل الفجل). قلت: ما هذا البلاء عند هذا الرجل؟! هذا لم يشم رائحة الحديث ولو مرةً في حياته، لا أعرف كيف هذا بعث لي هذا السؤال! وهل هذا الحديث فعلاً موجود أم أنه هو الذي ألفه لأن هذا حديث عجيب؟! ذات مرة كان هناك شخص يلقي درساً في المسجد، فيقول في كلام له: حتى إن الرسول ﵊ يقول: (يا داخل ما بين البصلة وقشرتها ما نابك إلا صنتها) رجل من العوام كان في المسجد يعظ الناس والظاهر أن هذه كانت أول مرة يعظ في حياته -فاستمر يتكلم ويتكلم، حتى قال: إن الله يقول: (اسع يا عبدي وأنا أسعى معك) وهذا من الكلام الذي يرددونه. ويمكن أن يجد الإنسان الحديث الموضوع موافقاً لمعان موجودة في الحديث الصحيح. فمثلاً حديث: (من أخذ مالاً من مهاوش أذهبهُ الله في المهالك). من مهاوش: من حرام، (أذهبه الله في المهالك) أي أنه يضيع عليه، فهذا المعنى موجود في نصوص الكتاب والسنة، فإن الله لا يبارك في الحرام أبداً، قد يكون كثيراً لكنه لا يغني صاحبه ولا يرد حاجته. أما جماعة التبليغ فنحن ننصحهم نصيحة في الله ، أن يحتاطوا من الموضوعات، فإن أكثرهم يعيش على الأحاديث الضعيفة والموضوعة، ومادة الوعظ والإرشاد عموماً. يغلب عليها ذلك -فليس هذا خاصاً بإخواننا من جماعة التبليغ- بل إن، أكثر أحاديث الترغيب والترهيب فيها الأحاديث الضعيفة والموضوعة وعلى المسلم إذا قرأ حديثاً أن يكون لديه تمييز، فما ذكره السائل -مثلاً- لا يمكن أن يكون حديثاً. كالحديث الآخر الذي هو: (لو علمتم ما في الجرجير لزرعتموه تحت السرير!!) لا تظنوا أن هذا غير موجود، بل هو موجود وينسبونه إلى النبي ﷺ ، وكذلك حديث: (الهريسة تشد الظهر!) ذكره ابن الجوزي في الموضوعات وحديث (ربيع أمتي في العنب والبطيخ) والمشمش طبعاً؛ لأنه إذا كان ربيع الأمة في العنب فليس لها ربيع إذاً. فيجب أن نتحرى نسبة الكلام للنبي ﵊؛ لأنه قال: (إن كذباً عليَّ ليس ككذب على أحد، من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)، قال ابن حبان ﵀ في مقدمة كتاب "المجروحين": (إن الذي يكذب على النبي ﷺ -وهو لا يقصد ذلك- داخلٌ في جملة الكاذبين)، وأورد حديث النبي ﷺ : (من حدث عني حديثاً وهو يَرى -أو: يُرى- أنه كذب فهو أحد الكاذبَيْن) أو (هو أحد الكاذبِين). وأنا أقول لكل مسلم نقول: اعرض جملة أحاديثك على من تثق بعلمه ومكانته في هذا العلم، كلما تقابلت عالماً فاسأله عنها أو عن بعضها الجزء المحفوظ عند أغلب الناس تجده إما ضعيفاً أو موضوعاً، أو ليس على وجهه الذي قاله النبي ﷺ .

стр. 1652

معاناة بعض النساء الملتزمات من آبائهن وأمهاتن ثم ممن يتقدم لخطبتهن السؤال فتاة تشكوا محنتها مع أسرتها، فأبوها وأمها يمنعانها من الخروج منتقبة، وهي ترفض ذلك، وقد تقدم لخطبتها شاب، لكنهم غير ملتزمين، ولم يتقدم لخطبتها إلى الآن شاب ملتزم. الجواب هذه الشكوى ليست جديدة، أنا سمعتها بأذني ووصلتني أيضاً في رسالة. يا إخوة: نحن في جهاد وفي حرب! يجب أن ينحاز الغريب إلى إلفه، هي غريبة ترفع شعار الغربة وهو النقاب، وأنت غريب أيضاً ترفع شعار الغربة ومضطهد، ألا ينحاز الغريب إلى غريبه والإلف إلى إلفه في زمان الغربة؟! هنا الولاء. ومن المشاكل التي أحزنتني جداً: أخت منتقبة عمرها ثلاث عشرة سنة مرتدية النقاب، وأهلها يجبرونها على خلع النقاب فتأبى، فحبسوها، منذُ سبعة أشهر وما نزلت من البيت، وترضى وتقول: أنا أرضى بذلك، كل الذين يأتون لخطبتها يشترطون أن تخلع نقابها. لماذا تشترط ذلك؟! المختمرات يملأن الشارع، لماذا تأتي إلى امرأة غطت وجهها فتلزمها بكشف وجهها؟! اذهب إلى أخرى تكشف وجهها! فالذي يشترط هذا لا يؤتمن عليه. إن كان منذ البداية يقول لك: اخلعي هذا النقاب، فلا يؤمن أن يقول: اخلعي الحجاب. يقول بعضهم: إن المتنقبة شكلها عدوانية بالنقاب، وما أعجبتني ويتكلم بهذا الكلام، وهذا لا يجوز. هؤلاء الأخوات الفاضلات إذا لم يتقدم إليهن أحد، فمن يتقدم؟ هناك بعض النساء تفتتن، إذا رأت المسألة مسألة جمال تتزين وتخرج إلى الشارع، فتبدو جميلة لبعض الناظرين. فأنتم -يا إخوان- لا بد أن تعرفوا حقيقة الوضع الذي تعيشون فيه، أنتم غرباء! إن الجمال -مهما كان- يزول بالعشرة، ما له قيمة، المرأة لو كانت أجمل امرأة في الدنيا فبرتابة العيشة يصير جمالها عادياً، قد تنبهر بها أول مرة وثاني مرة وثالث مرة ورابع مرة لكن في عاشر مرة لا، بدليل أن الطعام الذي تشتهيه وتحبه لو أكلت منه شهراً كاملاً تمله وتكرهه؛ لأن هذه هي عادة الإنسان. فأنا أرجو أن يظهر إخواننا الولاء لله ورسوله، لا نترك الأخوات بهذه الصورة يا إخوة. وبهذه المناسبة نحن ندعو للتعفف: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه). الأخت الفاضلة تدخل السعادة على أخت أخرى تنشد السعادة وتبحث عنها، فما هو المانع -إذا كان زوجك عنده القدرة على أن ينفق، وعنده القدرة على الباءة- ما المانع أن تشركي في هذه السعادة أختاً أخرى؟! فالمهاجرين والأنصار لما دخلوا في الإسلام كان الرجل الأنصاري يتنازل عن أجمل نسائه لأخيه، وهذه كانت غريبة جداً في العرب، كانت عندهم غيرة عجيبة، ومع ذلك كان يأتي إليه ويقول: اختر أجملهن فأطلقها وتتزوجها. فنحن نريد في هذا العصر أن نرجع مثل هذا الخلق. نسأل الله أن يرد المسلمين إلى دينهم رداً جميلاً. مداخلة: وإذا كان عندهم مال فليزوجوا غيرهم! هذا اقتراح وجيه، فلو أن الرجل زوج بهذا المال رجلاً آخر فلا مانع، لكن لابد أن نراعي محبة المرء لنفسه، فهناك بعض الناس ليست عنده القدرة ولا الشجاعة ولا الجرأة أن يخرج عشرة آلاف جنيه مثلاً، وصعب عليه بذلها ليزوج بها غيره، مع أنه يمكن أن ينفقها على ملذاته وشهواته. فنحن الآن نتعامل مع واقع، فلا ينبغي أن تكون الفتوى في واد، وما هو كائنٌ في واد آخر، المفروض أن تكون الفتوى متماشية مع الواقع. رجل لا يستطيع أن يفعل هذا، فالحل الآخر أن يقوم هو مقام الرجل الآخر. أن يعطى الإنسان رجلاً مالاً لكي يتزوج، لا بأس بذلك، لكن إذا لم يستطع ذلك فليتزوج هو، فيكون قام مقام الرجل الآخر الذي تزوج. وأيضاً نحن لدينا إحصائية خطيرة جداً: أن عدد النساء يكاد أن يصل إلى ضعف عدد الرجال، عدد المطلقات ثلاثمائة ألف امرأة مطلقة في مصر، مطلقات لهن أولاد وبعض المطلقات لا يجدن الأكل -والله لا يجدن الطعام- وبعض الأفراد يقول: إننا لا نرغب في الزواج فأقول لهم: هناك من النساء من يقلن: فليتزوجني ولا يقسم لي، لكن يطعمني وأولادي. عندما تصل مثل هذه الرسالة وتسمعها أخت مسلمة، كيف تصبر وتنام وهي هانئة أنها مسيطرة على هذا الرجل؟! فلم لا تشرك أختها المسلمة في هذه السعادة؟! لأنها يمكن أن تكون هي نفس المرأة التي تشتكي، يموت زوجها أو يطلقها، معها أولاد! أبوها فقير! وربما قال لها: أنا ما لي علاقة بأولادك، فتضطر المرأة إلى العمل، وتمتهن نفسها أو تتزوج ويسترها رجل. فنحن نقول لأخواتنا المؤمنات: عليهن أن يرتقين بهذا الإيمان وهذا الخلق، قال الله : ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩].

стр. 1653

معيار الاختيار للزوجة السؤال إني شابٌ مقبل على الزواج، وإني أرغب الزواج بامرأة تكون على خلق ودين وتكون جميلة، هذا ما أرغب به في الفتاة التي أرغب الزواج منها، ولكني وجدت فتاةً على خلق ودين، ولكنها متوسطة الجمال، فهل أتنازل عن أمر الجمال أم أبحث عن غيرها حتى لا أندم بعد ذلك؟ أرجو الجواب. الجواب تحضرني قصة لرجل كان قد أرسلها لجريدة الجمهورية من سنوات طويلة، يقول: كنت أعمل في بلدة من الدول العربية، وجئت فنزلت شارعاً أشتري شيئاً، فرأيت فتاةً بارعة الجمال سلب جمالها لبي، فمشيت وراءها حتى دخلت دارها، فما إن دَخَلَتْ حتى طَرَقْتَ الباب، فقلت: إني أريد أن أتزوج هذه الفتاة. وقال: أنا مشيت في الشارع، ورأيتها هذه امرأتي التي أبحث عنها. فالمهم: دخل واشترطوا عليه من المهر كذا وكذا، وفعلاً تزوجها. كانت باعث مشكلته، يقول: إن هذه المرأة أنفق عليها كل مدخراته، ورغم أنه وحيد أمه إلا أنها من أول يوم تغسل ملابس أمه مع ملابسها. الرسول ﵊ قال: (تنكح المرأة لأربع: لمالها ولجمالها ولحسبها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك). هذا خبر، بمعنى أن الناس يراعون هذه المسائل الأربعة في نكاح النساء، فمنهم من ينكح المرأة لجمالها ومنهم من ينكحها لحسبها وأخرى لنسبها وأخرى لدينها فقال ﷺ : (فاظفر بذات الدين تربت يداك). وذات دين جميلة أفضل من ذات دين فقط، ذات دين جميلة وغنية أفضل من ذات دين جميلة فقط، وهكذا! الدين هو الأصل، وكلما كانت هناك خصلة أخرى تضمها إلى الدين، كان أفضل من الدين وحده، هذا لا شك فيه عند العلماء؛ لكن النبي ﷺ قال: (فاظفر بذات الدين تربت يداك) (تربت يداك): هذا تعبير يحتمل المعنى بالضد، (تربت يداك): بمعنى افتقرت، ولكن السياق هو الذي يحدد المعنى. وأم سليم سألت رسول الله ﷺ فقالت: (يا رسول الله! أتحتلم النساء؟ فقالت أم سلمة: فضحت النساء يا أم سليم، أو تحتلم المرأة؟! فقال النبي ﷺ : تربت يمينك. ! فبم يشبهها ولدها) فأثبت احتلام المرأة، فقال العلماء: (تربت يمينك) افتقرت، وهي كلمة دعاء لا يقصد بها الدعاء بذاته، كقول النبي ﷺ لـ معاذ (ثكلتك أمك) ما قصد الدعاء عليه أن يموت أو أن تثكله أمه، وإنما هي كلمة تجري على اللسان، وكقول النبي ﵊: (قتلوه قتلهم الله) وهذه الكلمة تجري على اللسان. (تربت يمينك) أو (تربت يداك) بمعنى: افتقرت، وقد تأتي بمعنى النماء والبركة كما في قوله ﷺ : (فاظفر بذات الدين تربت يداك) فهي في هذا الحديث بمعنى: النماء والبركة، أي: فاظفر بذات الدين تعلقت يداك بالبركة ولا يمكن أن تكون (تربت يداك) بمعنى: افتقرت أبداً؛ بدليل كلمة (اظفر) ولا يمكن أن يقول له: اظفر بالفقر أبداً، وإنما اظفر بذات الدين. فإذا لم تجد بُداً، ووجدت أن المرأة ذات الدين ليست جميلة، فأنا أنصحك أن تتزوجها. واسمع هذه القصة: أرسل الإمام أحمد رجلاً يخطب له امرأة، فخطب امرأة ولها أخت، وهذه الأخت كانت عوراء، فجاء الإمام أحمد، وقد علم الرجل أن الإمام أحمد سيتزوج تلك المرأة، وكانت أختها العوراء تجلس بجانبها، فالإمام أحمد أشفق عليها، وقال له: لا أريد هذه، اخطب لي تلك العوراء، وخطب العوراء، وأنجب منها الإمام عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل راوي المسند، الإمام الكبير الثقة. والرسول ﵊ قال: (إذا رأى أحدكم المرأة تعجبه، فليأتِ أهله؛ فإن معها مثل الذي معها) هذه هي القضية، إذا قضى الرجل حاجته، استوى عنده أجمل النساء وأقبح النساء. وهذه حقيقة أقولها، وأنا ما عرفت هذا الكلام إلا من شكاوي إخوة كانوا يقولون: إن الغالب على الأخوات الملتزمات عدم الجمال المبهر، فأقول: إنه الجمال نسبي، بمعنى أن المرأة القبيحة في بيتها إذا تزينت رأيت منها جمالاً. أما الجمال الصارخ على حد قول من يقول: لم يره الشارع؛ فإن الله يعطيك من المرأة العفيفة ما هو أفضل وأجمل وأرضى لنفسك منه. فلا تترك ذات الدين لأجل الجمال، واعلم أن الجمال نسبي، وأن الرجل إذا قضى حاجته يستوي عنده أجمل امرأة مع أقبح امرأة، ولذلك النبي ﷺ قال: (إذا رأى أحدكم المرأة تعجبه فليأتِ أهله؛ فإن معها مثل الذي معها) البضع واحد، فلذلك أنا أنصح هذا الأخ ألا يقف كثيراً عند مثل هذا الشرط. نسأل الله أن يرزقنا وإياكم بذات الدين.

стр. 1654

من أحكام الهجر السؤال هناك أخوان شقيقان وهما من طلبة العلم، وبينهما شحناء بسبب المال، وقطيعة الرحم متسمرة بينهما بحيث لا يرى أحدهما الآخر، ولا يزوره ولا يقابله ولا يسلم عليه، أي أن الأول يهجر الثاني، والثاني أيضاً يهجر الأول، وهما على هذا منذ عام ونصف. أرجو أن تقدم نصيحة لهذين الأخوين. الجواب النبي ﵌ قال: (لا يحل لرجلٍ أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام). قال العلماء: لا يحل ذلك إذا كانت الخصومة للدنيا، أما إذا كانت للدين فيجوز أن تستمر ولو سنين، وقد هجر النبي ﷺ كعب بن مالك وصاحبيه خمسين ليلة، فإذا كان الهجر من أجل الدين، كأن يكون الرجل مبتدعاً أو فاسقاً أو مرتكباً للمعاصي، فيجب عليك أن تعظه وأن تأخذ بيده، حتى إذا بان لك أنه لا يرجع إلا بالهجر، هجرته ولو امتد ذلك لأشهر، ولو امتد ذلك لسنوات. لكن إذا كان الهجر بسبب المال -كما يقول الكاتب في هذه الورقة- فإن ذلك لا يجوز. أخوك -أيها الأخ الكريم- أغلى من المال، ولو أنت فضلت المال على أخيك فأنت بعته برخص، النبي ﵊ قال: (يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام)، ويؤسفني أن يكونا من طلاب العلم، هذا ليس من خلق طالب العلم، إن النبي ﷺ اقتص من نفسه، وقال: (من كان له مظلمة فليقتص). أيها الأخ الكريم: كن خير الرجلين كما يقول ﷺ : (يلتقيان، فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام). أسأل الله أن يقوي بينكما ما وهى من روابط الإيمان اللهم آمين.

стр. 1655

الأحاديث الموضوعة وحرمة نشرها السؤال ما حال حديث إبليس طرق الباب على النبي ﷺ : الجواب هذا حديث بكل أسف وجدته في أكثر من موضع، يسمونه حديث إبليس، ويقولون: روي عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: (كنا عند رسول الله ﷺ وبجانبه عائشة ﵂، وإذا بالباب يقرع، فقال رسول الله ﷺ : أتعلمون من بالباب؟ قالوا: الله أعلم. قال النبي ﷺ : هو إبليس اللعين. فقال: عمر بن الخطاب: ائذن لي بقتله يا رسول الله! قال النبي ﷺ : لا يا عمر! هذا من المنظرين). وهو موضوع مكذوبٌ على النبي ﷺ ، ومن العجيب أن بعض الناس يتبرعون في نشر هذا الحديث! وهذا لا يجوز، فلا يحل لأحد أن يوظف ماله لنشر الكذب على رسول الله ﷺ . أيها الناس! إن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم؛ فأي رجل يعرض عليه حديث مثل هذا الحديث ينبغي عليه أن يسأل أحد العلماء بالحديث: أهذا صحيح عن النبي ﷺ أم لا؟ لأن الترويج لهذا الكذب لا يحل والكذب على النبي ﵊ من أعظم الجرائم، قال النبي ﵊: (إن كذباً علي ليس ككذب على أحد، من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار). وشبيهٌ بهذا الحديث -حديث إبليس- كتيب وجدته يوزع مجاناً على أبواب المساجد، وهو عبارة عن قصة مفتراة مكذوبة تهدم أركان الإسلام بدعوى أن النبي ﷺ قالها، وينسبونها للصحابي الذي لم يخلقه الله ﵎ يسمونه: عبد الله بن السلطان، هذا الشخص ما هي حكايته؟ قالوا: كان هذا الرجل فاجراً وزانياً وداعراً، يأكل الربا، ولم يكن يصلي مع الرسول ﷺ ، وكان الرسول ﷺ يبغضه! هذا حيناً يأكل الربا وحيناً يزني والرسول لا يقيم عليه حداً فلم إذاً يغضب منه؟! فالمهم لما مات جاء ابنه وقال: يا رسول الله! إن أبي مات، تعال وصل عليه. فقال له: كيف أصلي عليه وقد كان يفعل ويفعل ويفعل؟! قالوا: وإذا بالأمين جبريل ينزل من السماء ويسد السبع الطباق إلخ، ويقول للنبي ﷺ : إن الله يأمرك أن تصلي على عبد الله بن السلطان ما هذا الكلام؟!! هو مأمور، ولا بد أن يفعل ما أمر به، صل عليه إذاً يصلي، وقال: الأمر لله. ! امض وادفنه. فحين أتى ليدفنه، وجد الحور العين يقفن بكئوس العصير والزنجبيل والكافور وغير ذلك، وكل واحدة تقول له: يا عبد الله خذ مني. ! يا عبد الله خذ مني. ! فالنبي ﷺ اندهش ما هذا الذي يحصل؟!! فانظر كيف يظهرونه بمظهر الجاهل الذي لا يعرف شيئاً، مندهش! لا يدري ما الذي يحصل! بعد ما دخل ورأى الحور العين، ذهب فطرق الباب على امرأته فالمرأة سمعوا صوتها وهي تقول: من الفاسق الذي يطرق الباب؟ قالوا لها: يا أمة الله! اتقي الله! إنه رسول الله. فقالت: أهلاً برسول الله، وفتحت الباب له، تعظمه، فسألها النبي ﷺ عن الرجل ماذا كان يعمل. انظر كيف يصورون رسول الله! هل يعقل أن رسول الله يأتي بهذا الكلام؟! الذي يعلم الخلق كيف يتقربون إلى الله، يظهرونه بمظهر الجاهل الذي يسأل ولا يعرف ماذا يعمل هذا الرجل، وخصوصاً أن الرجل كان فاجراً داعراً زانياً آكل ربا! وتجد من المسلمين من ينشر هذا الغثاء، ويظن أنه حديث! قالت: يا رسول الله! هذا كان صفته كذا وكذا غير أنه -وهذا مربط الفرس الذي كان يريد أن يصل إليه- كان إذا جاء أول يوم في رجب دعا بهذا الدعاء -وذكروا الدعاء في أربع صفحات- فهو يفعل كل تلك المنكرات، وحين يدخل رجب يدعو بهذه الأربع الصفحات وانتهى الأمر! وقالوا في هذه الرواية: إن الرسول ﷺ بعدما سمع هذا الكلام قال: (من أراد أن يأخذ أجر نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد فليقرأ هذا الدعاء) انظر إلى هذا الكلام!! هل هناك مسلم في الدنيا عنده أبجديات الإسلام ينشر هذا الكلام؟! وهل هناك مسلم يعتقد أن هذا من دين الله، ويبتغي الأجر من الله لأنه ينشر هذا الكلام؟! على لسان الرجل القاتل، والذي كان الناس يؤجرونه لكي يقتل القاتل، فهم يذكرون أن هناك امرأة قُتِلَ زوجها، فذهبت إليه وقالت له: أنا أريد منك أن تقتل فلاناً الفلاني، قال لها: وكم تدفعين لي؟ قالت له: أنا مسكينة وفقيرة، وليس لدي مال فرق قلبه وقال: سأقتله لوجه الله!! يعني: أنا لن آخذ مالاً، أنا سأقتله لوجه الله، وأتقرب إلى الله بقتله. !. لذلك يا جماعة إذا كان هذا الحديث معلقاً في المساجد فمزقوه، لا يجوز أن يبقى الكذب على رسول الله ﷺ معلقاً في المساجد.

стр. 1656

حكم رفع اليدين للدعاء يوم الجمعة للمؤمِّنين بعد الخطيب السؤال قلتم: إنه لا يجوز للخطيب أن يرفع كلتا يديه في الدعاء، هل يجوز رفع اليدين لغير الخطيب؟ الجواب نعم، ولكن ليس في خطبة الجمعة، فالإنسان إذا دعا الله ﵎ يجوز له أن يرفع يديه.

стр. 1657

حكم رفع اليدين في القنوت السؤال هل يجوز رفع اليدين في القنوت؟ الشيخ: نعم، ترفع، تبعاً للإمام: (إنما جعل الإمام ليؤتم به) لأنه لا يجوز أن يخالف الإمام.

стр. 1658

حكم دعاء القنوت في صلاة الفجر السؤال ما حكم دعاء القنوت في صلاة الفجر؟ الجواب الذي نعتقده -وهو المذهب العلمي الراجح الآن- أن الدعاء في قنوت صلاة الفجر بدعة، والاستمرار عليه بدعة، وذهب الشافعية إلى سنيته لأدلة عندهم محتملة، ولكنها مرجوحة عند بقية أهل العلم، فقالوا باستحباب القنوت -باستمرار- في صلاة الفجر. فنحن نقول رعاية لهذا الخلاف: إذا كنت إماماً فلا تقنت في صلاة الفجر، ولا ترفع يديك ولا تدع، لكن إذا كنت مأموماً، فرعاية لهذا الخلاف عليك أن ترجع إلى الأدلة العامة، كقول النبي ﵊: (إنما جعل الإمام ليؤتم به). والعلماء يراعون الخلاف إذا كان الدليل محتملاً. فمثلاً: امرأة تزوجت على مذهب أبي حنيفة بغير إذن الولي، الذي عليه جماهير العلماء غير الأحناف أن النكاح باطل؛ لقوله ﷺ : (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل). والأحناف يضعفون هذا الحديث -وهو صحيح لا ريب فيه- ويأخذون في هذه المسألة بظواهر الآيات، لكن إذا جاءتنا امرأة فقالت: أنا تزوجت بغير إذن الولي، نقول: النكاح باطل. فهل نقول عن: الأولاد: أولاد زنا؟ نحن نقول: ليسوا كذلك رعاية للخلاف الوارد في المسألة، وهذا بابٌ دقيق، وليس فيه تمييع للأدلة كما قد يظن بعض الناس، ويحتاج توضيح ذلك إلى محاضرات، وأغلب الإشكال يأتي من الإجمال، لكن يكفيكم العنوان: أن رعاية الخلاف معتبرة عند العلماء، لاسيما إذا كان ظاهر الدليل فيه ترشيح وترجيح للقائل بالقول الآخر. ولا نستطيع أن نقول: إن الأولاد أولاد زنا؛ إذا قلنا: أولاد زنا، فينبغي أن يحد الرجل والمرأة، ولا طائلة لهذه الناحية من العلم على الإطلاق، حتى من المخالفين للأحكام، والإمام النووي له كلام جميل في هذا.

стр. 1659

حكم قطع الصلاة لإجابة نداء الوالدين السؤال هل كان على جريج العابد إجابة أمه عندما نادته؟ وهل يجب على الإنسان إذا ناداه والداه وكان يصلي النافلة أن يجيب؟ الجواب الذي ذهب إليه أهل العلم -وهو الراجح أن الابن إذا كان يصلي النافلة وعلم أن الوالد يتضرر من الإبطاء في الإجابة، فعليه أن يقطع صلاته ويجيب، أما الفريضة فقالوا: لا يجيب، الابن أنه لو قال لوالده: كنت أصلي، لما توجع من ذلك، فينبغي له أن يستمر في صلاة النافلة.

стр. 1660

إنما الأعمال بالنيات السؤال هل يجوز أن يقدم الإنسان على الدين رغبة في الحصول على غرض دنيوي، كأن يدخل رجل في الإسلام حتى يستطيع الزواج من امرأة مسلمة واشترطت عليه ذلك؟ الجواب قال النبي ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) فإذا تزاحمت نيتان للعبد كان أسبقهما أولاهما، أي: يجوز التشريك في النية في بعض الأعمال، رجلٌ أراد الحج والتجارة، يقال: إذا قصد التجارة أصلاً ثم قال: وبعد ذلك نحج، كان له من نيته ما انعقدت عليه، إذا كان ذاهباً للتجارة وقال: أريد أيضاً أحج، مثل بعض الناس الذين يذهبون إلى هناك لكي يقودوا الحجاج في مناسك الحج، يقول لك: نذهب لكي نجمع لنا بعض المال أولاً ثم إذا يسر الله فسنحج. إذاً: النية هي مناط الأمر، فإذا تزوج رجلٌ امرأةً مسلمةً لا يستطيع أن يتزوجها إلا بالإسلام كان له ما نوى. فإن قال قائلٌ: فما تقول في قصة أبي طلحة حين خطب أم سليم، فقالت له أم سليم: يا أبا طلحة ما مثلك يرد، لكنك امرؤٌ كافر وأنا مسلمة، فإن تسلم فذلك مهري لا أسألك غيره. فقال: وكيف لي بذلك؟ قالت: اذهب إلى النبي ﷺ فأسلم، فـ أبو طلحة إنما أسلم ليتزوج أم سليم وهذا هو السبب الظاهر، لكن النبي ﷺ لما رأى أبا طلحة قادماً قال: (جاءكم أبو طلحة وغرة الإسلام في وجهه). فقد أسلم وآمن، ثم ذهب إلى النبي ﵊ ليشهر إسلامه ويتزوج، فالنية الغالبة على أبي طلحة إنما هي الإسلام، إذاً: الراجح في المسألة هو أصدق النيتين وما انعقد عليه القلب.

стр. 1661

الداعية إلى الله لا يتخلى عن دعوته مهما اشتدت الصعاب السؤال هل يستفاد من قصة الغلام ورجوعه إلى الملك أن ذلك موافق لقوله تعالى:: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ﴾ [الأنفال:١٥]. الجواب هذه الفائدة محتملة؛ لكن قد يكون التقدم مصيبة على المسلمين ويكون الرجوع والتقهقر والانسحاب باباً من أبواب النصر (فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ) المقصود: ألا تفر الفرار الكامل فيمكن أن تناور، ترجع إلى الخلف خطوة وتتقدم خطوات، أو ترجع خطوات لتتقدم خطوة، هذا كله من تكتيك الحر كما يقال ومع ذلك: هذه فائدة محتملة -جزاك الله خيراً- أن الرجل الذي يدعو إلى الله ﵎ لا ينبغي له أن يولي الأدبار، بمعنى: ينكث ويترك دعوته ويتخلى عن أدائها. والقصة فيها فوائد أكثر من ذلك، لكن الوقت ضيق.

стр. 1662

ضعف حديث الاستياك بالأصابع السؤال هل ثبت استعمال الأصابع في الاستياك قبل الصلاة؟ الجواب لم يثبت ذلك، وحديث الاستياك بالإصبع رواه البيهقي وغيره، وهو حديث ضعيف والله أعلم. وبهذا القدر الكفاية، والحمد لله رب العالمين. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

стр. 1663

الدفاع عن السنة [١، ٢] يجب على كل عبد نطق بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ﷺ ، أن يحقق معناها، ولا يتم تحقيق شهادة أن محمداً رسول الله الله إلا باتباعه والعمل بسنته وقبول أحاديثه الصحيحة، ومحبته الصادقة قبل محبة النفس والمال والأهل والولد؛ وبهذا تنتصر الأمة على أعدائها، وتحتفظ بمكانتها.

стр. 1664

تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله إن الحمد لله تعالى نحمده، ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد. (كان النبي ﵌ يتحنث في غار حراء الليالي ذوات العدد -كما تقول عائشة ﵂ حتى جاءه الوحي، فرجع إلى خديجة ﵂ يرجف فؤاده وقال: (لقد خشيت على نفسي). قالت: (كلا والله لا يخزيك الله أبداً) -وفي الرواية الأخرى: وهي في بعض نسخ البخاري - قالت: (كلا والله لا يحزنك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق) ثم انطلقت به إلى ابن عمها ورقة بن نوفل، وكان امرأً قد تنصر، وقرأ وكتب الكتاب العبراني، فلما قص عليه النبي ﵊ ما جرى له في غار حراء قال: هذا هو الناموس الأكبر الذي نزل على موسى ﵇، ثم قال: ليتني فيها جذعاً إذ يخرجك قومك، فقال ﵊: أومخرجي هم؟ قال: نعم، ما جاء رجلٌ بمثل ما جئت به إلا عودي) يقول أبو عمرو بن العلاء: ما نحن فيمن مضى إلا كبقل في أصول نخل طوال. فالنبي ﵊ لما جاء بدين الله -وهو الإسلام- قال له ورقة هذه الكلمة التي تعد من أصدق ما قاله إنسان، جاء النبي ﵊ فخالف كثيراً من أعراف العرب وأهواء الجاهلية، ولذلك رموه عن قوس واحدة، وجاء يقول لهم: (يا أيها الناس! قولوا: لا إله إلا الله؛ تفلحوا). فأبت العرب أن تقول هذه الكلمة، ورضيت أن تدخل في حروب دمرت اقتصادياتها، وقتلت أشراف الناس فيها، وسُبيت النساء، وكان العرب أصحاب غيرة، إذاً هم فهموا معنى: لا إله إلا الله، وما معنى أن يقول الواحد منهم: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، لو كانوا لا يفهمونها كسائر جماهير المسلمين اليوم لقالوها، ولوفّروا على أنفسهم هذه الحروب المتطاولة، فقدوا كل شيء في هذه الحروب، فقدوا أنفس أنواع الرجال، فقدوا العقول الذكية الجبارة، وفقدوا أموالاً طائلةً كثيرة، وفقدوا نساءً وأولاداً وأطفالاً أيضاً كل هذا وهم يصبرون على منِّ الغلاصم ونهش الأراقم، ومتون الصوارم، والبلاء المتلاطم المتراكم، ولا يقولوا: لا إله إلا الله، لماذا؟ لأن هذه الكلمة معناها نبذ الأنداد التي كان الناس يعبدونها، معناها توحيد الكلمة: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [يوسف:٦٧]. كان العرب كما لا يخفى عليكم إن شاء الله تعالى يقرون بتوحيد الربوبية، ولا يجهلون أن الله هو الذي خلق الكون ودبر ورزق، وهو اللطيف الخبير، لكنهم أنكروا أن يكون إلهاً معبوداً: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥] وما هو العجاب فيه؟ تفرد بالزرق تفرد بالخلق تفرد بالتدبير تفرد بالإحياء تفرد بالإماتة؛ فمناسب جداً أن يتفرد بالألوهية، تفرد بكل شيء، وينكرون أن يكون إلهاً، وجاء النبي ﵊ بتقرير هذه الحقيقة، وكان ما كان مما أشرت إليه آنفاً من الحروب المتطاولة، فليتنا نفهم كلمة التوحيد كما فهمها أبو جهل! لو أن جماهير المسلمين اليوم فهموا كلمة التوحيد كما فهمها العرب الأوائل، حتى الذين ماتوا على الكفر منهم لتغير واقع المسلمين، أنت تقول وتردد خلف المؤذن يومياً: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله. أشهد: أرى؛ لأن الشهادة ضد الغيب، قال تعالى: ﴿عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الزمر:٤٦] فإذا قلت: أشهد أن لا إله إلا الله؛ كأنك تقول: أنا أراه، فإذا تحققت لديك هذه الرؤية فلا يستطيع قلبك أن يقوى على مشهد العصيان أبداً، وفي الحديث: (جاء رجل إلى النبي ﵌ فقال: يا رسول الله! أوصني، قال: أُوصيك أن تستحيي من الله كما تستحيي من الرجل الصالح من قومك) أنت لا تجرؤ على أن تأتي بالفاحشة أمام الناس؛ إنما العاصي يغلق الباب والنافذة، ويحسن الغلق، فإذا شعر أنه في مأمنٍ عصى ربه، أوصيك أن تستحيي من الله كما تستحيي من رجلٍ من صالح قومك، قد يجرؤ المرء على أن يعصي الله أمام فاجرٍ مثله؛ لكن أمام صالحٍ لا. فأنت إذا قلت: أشهد أن لا إله إلا الله، كأنك تقول: أنا أراه، والدين على ثلاثة أنماط: الإسلام والإيمان والإحسان، فالإحسان أخص من جهة أهله، وأعم من جهة نفسه، يعني: تخيل الإسلام والإيمان والإحسان في دوائر ثلاثة متداخلة، أكبر دائرة هي الإسلام، والدائرة التي تليها في الصغر وهي بداخلها الإيمان، والدائرة التي تليها وهي بداخلها: الإحسان، فإذا خرج من دائرة الإحسان وقع في دائرة الإيمان، وإذا خرج من دائرة الإيمان وقع في دائرة الإسلام، وإذا خرج من دائرة الإسلام فلم يبق إلا الفضاء الواسع، وهو الكفر، فكل محسن مؤمن ومسلم، وكل مؤمنٍ مسلم وليس بمحسن، لا يشترط أن يكون محسناً، وكل مسلمٍ لا يُشترط أن يكون لا مؤمناً ولا محسناً، كلما كبرت الدائرة كانت أخص من جهة أهلها، وأعم من جهة نفسها، المحسنون من جهة أهلها أخص؛ لأنهم أقل الخلق، ولكن هو مؤمنٌ ومسلم، فهو أعم من جهة نفسه وأخص من جهة أهله، كذلك الإيمان. في حديث جبريل ﵇ الذي رواه مسلم في حديث ابن عمر، ورواه الشيخان من حديث أبي هريرة ﵃ قال: (ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه) هو هذا معنى أشهد: أي أرى، أن تعبد الله كأنك تراه، ولكن ذلك متعسر، فإن لم تكن فإنه يراك. إن عجزت أن تكون محسناً في غاية الإحسان كأنك ترى ربك، وأنا معتقد يقيناً أن المرء إذا كان محسناً لا يجرؤ على العصيان أبداً، لا يقوى قلبه على العصيان، وتأمل في الصيام، يحقق أكثر الناس مرتبة الإحسان. قال الله في الحديث الإلهي: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي، وأنا أجزي به) ونحن نعلم علماً ضرورياً أن الصيام للعبد، بدليل أنه إذا لم يكن عُذِّب، فالصيام للعبد أيضاً، فلماذا خصص الله هذه الشعيرة وقال: (إنه لي) ألم يمر بك يومٌ شديد الحرارة كمثل هذا الشهر والذي سبقه، وكادت عنقك أن تنقطع من العطش، وأنت وحدك في البيت، والماء المثلج أمامك وتحمل الماء، ويقترب الماء من فمك، ومع ذلك لا تجرؤ على الشرب، لماذا؟ مع أن المرء قد يرائي في الصلاة، وقد يرائي في الزكاة، وقد يرائي في الحج!! لكن في الصيام لا يستطيع أن يشرب مع شدة العطش، ووجود المقتضى الدافع على العصيان، وهو الانفراد وأن لا أحد معه، ومع ذلك لا يجرؤ على الشرب، هذا هو تحقيق مرتبة الإحسان، أن تعبد الله كأنك تراه؛ فإن لم تكن تراه فإنه يراك، وهذا على سبيل التنزُّل. وأشهد أن محمداً رسول الله.

стр. 1665

تحقيق شهادة أن محمداً رسول الله معنى كلمة التوحيد أنني كما أفرد ربي بالعبادة ولا أشرك به أحداً، سأفرد النبي ﷺ بالاتباع كما أن الله واحدٌ لا شريك له في العبادة، فالنبي ﷺ لا شريك له في الإتباع، وإذا اتبعنا عالماً بعده، إنما اتبعناه بقوله، فكل شيءٍ راجعٌ إليه في الحقيقة. وأشهد أن محمداً رسول الله إذا وصلك نصٌ عن النبي ﷺ من عالمٍ ثقةٍ عالمٍ بالصحيح والضعيف، فتيقن أن الذي يأمرك الآن هو النبي ﵊، إذا أردت أن تحقق معنى (أشهد أن محمداً رسول الله) كأنك تراه، يعني في هذا الجمع الذي أسأل الله ﵎ أن يكون جمعاً مباركاً، قد يوجد في هذا الجمع من يلبس خاتماً من ذهب أو دبلة من ذهب، ابتُلِي بذلك إما لضعف إيمانه، وإما لجهله، وأرجو أن لا يكون لهواه، المهم أنه يلبس الذهب، فإذا قلت له الآن: إن النبي ﵌ خرج على الصحابة يوماً ومعه الحرير في يدٍ والذهب في يدٍ وقال: (هذان حرامٌ على ذكور أمتي، حل لإناثها) فأقول له: إن كنت ذكراً فاخلع الذهب؛ لأنه قال: (هذا حرامٌ على ذكور أمتي) فتوهّم وأنت تسمع هذا الحديث الآن أن الذي أمرك به هو النبي ﷺ ، فهل يسعُك أن تتخلف، تخلع الذهب أم لا؟ يا من تلبس الذهب الآن، لو أنك واقف أمام النبي ﵊ الآن، وقال: اخلع عنك هذا، قل لي بأمانة، أتخلع الذهب لو كان النبي ﵊ هو الذي أمرك الآن؟ الذي أعتقده أنه سيقول: نعم. فأقول له: ما الذي جعلك تتباطأ حتى الآن ولا تخلع الذهب فور سماعك لهذا الحديث؟ لأنك لم تحقق معنى (أَشهد)، ما حققتها، لو اعتقدت أنه هو الذي أمرك ما أظنك تتخلف. وخذ هذا المثل العالي الذي رواه مسلم في صحيحه: (أن رجلاً كان يلبس خاتم ذهب، وجاء مجلس النبي ﷺ ، فلما رأى الخاتم نزعه نزعاً شديداً وطرحه على الأرض، وقال: يعمد أحدكم إلى جمرةٍ من نارٍ فيجعلها في يده، فلما همّ الرجل أن ينطلق؛ قال له بعض الجلوس: خذ خاتمك انتفع به قال: (لا والله لا آخذه أبداً وقد طرحه رسول الله) لا يأخذه بعدما طرحه أرضاً، رغم أنه يجوز له أن يبيعه وينتفع به، لكن كبُر عليه أن يمد يده ويأخذه وقد طرحه النبي ﷺ !!. فهلا خلعت خاتمك يا لابس الذهب بعد هذا الكلام بلا خجل؟ كنت عاصياً فرجعت، هذه منقبة ومحمدة، وهذه هي الهجرة الواجبة إلى أن تلقى ربك، قال النبي ﵌: (المهاجر من هجر ما نهى الله عنه) فأنت مهاجرٌ إلى الله كل يوم ما من معصيةٍ تدعها إلى طاعة إلا وقد تحقق لك رسم المهاجر وسمته، فأنت مهاجرٌ إلى الله ، فإذا خلعت هذا الذهب فاحمد الله أن نفسك حيَّة، وإذا لم تجرؤ على خلع الذهب فابك على نفسك أشهد أن محمداً رسول الله، يعني: ما من نصٍ يصلني عن هذا النبي الكريم إلا وأعظمه وأُبجِّله كما لو كان هو الآمر به. وقد سُئِل تقي الدين السبكي ﵀ كما في رسالته بيان قول الإمام المطلبي الذي هو الإمام الشافعي: (إذا صح الحديث فهو مذهبي) سُئل عن إذا كان رجل مثلاً يتمذهب بمذهب من المذاهب المشهورة، شافعياً كان أو حنفياً أو حنبلياً أو مالكياً أو ظاهرياً، وكان المذهب على خلاف الحديث أيترك المذهب للحديث؟ قال: نعم، طيب أيكون مخالفاً للمذهب؟ يعني: هو شافعي وجاءه نص بخلاف المذهب الشافعي، فأخذ بالحديث وترك المذهب، أيكون قد خرج عن كونه شافعياً؟ قال: لا، لأن الشافعي يقول: (إذا صح الحديث فهو مذهبي) فلو أن الشافعي وقف على ما وقفت لصار إليه، ثم قال: وليتوهم أحدكم نفسه بين يدي النبي ﷺ ، وقال له: افعل كذا وكذا أيسعه أن يتخلف؟ ما أظن أنه يجرؤ. ضرب الصحابة أروع الأمثلة في هذا الاتباع للنبي ﵊، وكان الواحد منهم شديد الحساسية، مرهف الحس. ابن عمر ﵄ سئل مرةً عن أكل لحم الغراب: أحلال أم حرام؟ فاستدل على تحريمه بحجةٍ عجيبة، فقال: من يأكل الغراب وقد سماه رسول الله ﷺ فاسقاً؟ من الذي تطيب نفسه أن يأكل الغراب والنبي ﵊ سماه فاسقاً؟ هذا الحس العالي كان يسير حياة هؤلاء حتى في اختيار اسم ابنه سالم بن عبد الله بن عمر. روى الطبراني في المعجم الأوسط بسندٍ فيه لين أن الحجاج بن يوسف الثقفي كان في مجلسٍ فيه عبد الله بن عمر وسالم بن عبد الله، فقال الحجاج لـ سالم: خذ هذا السيف، وخذ هذا الرجل واضرب عنقه على باب القصر، فأخذ سالم السيف وأخذ الرجل ووصل به إلى الباب ثم قال له سالم: هل صليت الصبح؟ قال: نعم، قال: فخذ أي طريق شئت -اهرب بجلدك- ثم رجع سالم إلى الحجاج بسيفه، فسأله الحجاج أقتلت الرجل؟ قال له: لا، قال: لم؟ قال: إني سمعت أن أبي هذا يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من صلى الصبح فهو في ذمة الله) ما أستطيع أن أجور على رجلٍ في ذمة الملك، هذا في ضمان الملك، وفي حماه ما أستطيع، والحجاج مع أنه كان غاشماً وظلوماً، لكنه أحياناً كان يقف، عنده أشياء تنم عن دين، فمثلاً مرة طلب القبض على رجلٍ فلم يجدوه، فقبضوا على أخيه، أول ما قبضوا على أخيه هدموا داره، ومنعوا عطاءه من بيت المال، وحلَّقوا على اسمه (أي: وضعوه في القائمة السوداء، كلما يقبضوا على الناس يأخذوه) فالرجل قال: أريد أن أكلم الأمير. أوصلوه إلى الحجاج، قال: أيها الأمير! طلبتم القبض على أخي فلم تجدوه، فقبضتم علي وأنا مظلوم، هدموا داري، ومنعوا عطائي، وحلّقوا على اسمي، فقال له الحجاج: هيهات أولم تسمع قول الشاعر: جانيك من يجني عليك وربما تعدي الصحاح مبارك الجرب ولرب مأخوذ بذنب عشيرةٍ ونجا المقارف صاحب الذنب فقال: أصلح الله الأمير، فإني سمعت الله يقول غير ذلك! قال: وما يقول الله؟ قال: قال الله ﵎: ﴿قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾ [يوسف:٧٨ - ٧٩] فحينئذٍ أطرق الحجاج، ثم صفق بيديه وقال: علي بفلان، وهو قائد الشرطة فقال له: ابن لهذا داره، ومر له بعطاه، وامح اسمه، ومر منادياً ينادي أن صدق الله وكذب الشاعر. فيقول سالم: إن أبي هذا حدثني عن النبي ﷺ أنه قال: (من صلى الصبح فهو في ذمة الله) فعقّب عبد الله بن عمر، وقال لابنه: (كيس) يعني ذكي تفهم، (إنما سميتك سالماً لتسلم)، هذا الشاهد: (سميتك سالماً لتسلم)، كل شيء في حياة هؤلاء الصحابة كان يحركه الاتباع. فأنت إذا قلت: أشهد أن محمداً رسول الله، يعني: لا يصلك عنه كلامٌ صحيح على لسان رجلٍ أمينٍ ثقةٍ إلا وتعتقد أن هذا الرجل هو رسول الله ﷺ ويأمرك، ما أظنُّك حينئذٍ تتخلف، تخلع الذهب فور ما تسمع هذا الكلام، وكذلك تخلع الدبلة، ذهباً كانت أو فضة، أما الدبلة على وجه الخصوص فلأنها من شعائر النصارى وليست من دين الإسلام، الدبلة لها قداسة معروفة عند النصارى؛ ولذلك عندما يكون خاطباً يلبس الدبلة باليد اليمنى، ولما يتزوج ويعقد يضع الدبلة في يده الشمال، لماذا؟ لأنهم يعتقدون أن هذه الإصبع فيها عرق لطيف جداً تحت الجلد، وهذا العرق هو الوحيد الذي يمتد من اليد إلى القلب مباشرةً، فدرجوا على كتابة اسم المرأة على دبلة الرجل، واسم الرجل على دبلة المرأة، طبعاً من داخل الدبلة، لماذا؟ لأنه حين يلبس دبلته واسمها في الداخل متاخم لهذا العرق، فالنتيجة ماذا؟ يأخذ حناناً على القلب مباشرةً فالرجل هذا لن يفكر في امرأة إلا هذه المرأة دون غيرها، فمعنى هذا الكلام أن هذا العرق يخرج من اسمها وينبض عليه، ويأخذ الجرعة والشحنة فليس في قلبه إلا هذه المرأة، وكذلك الرجل، فهذا تقليد نصراني لا يحل، لا تلبس دبلة فضة ولا حديد ولا أي شيء، الدبلة بالذات، لكن لا بأس أن تلبس الخاتم، لأن الخاتم زينة للرجال، يعني: لو تلبس الخاتم تزيّن أصابعك، وتلبسه بلا مناسبة. فخلاصة الكلام أن معنى أشهد أن محمداً رسول الله إذا وصلك كلام فانفعلت له ونفذته فأنت فعلاً تشهد أن محمداً رسول الله، إذا لم تفعل ذلك فشهادتك ناقصة، تقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، كأي كلمة تقال.

стр. 1666

أسباب مخالفة الناس للنبي ﷺ فيما يستطيعون فعله إذا فهمنا هذه المقدمة سنرجع إلى شيء هام وهو أصل، وكل ما يذكر عليه فرعٌ عنه، السؤال الذي ندخل به إلى تقرير هذا الأصل لماذا يخالف الناس النبي ﷺ فيما يستطيعون فعله؟ يعني: كثير من الناس الذين يحلقون لحاهم مثلاً -وحلق اللحية حرام بإجماع الأئمة الأربعة وجماهير أصحابهم، لم يخالف في هذا الحكم إلا من لا ينعقد الإجماع بدخوله ولا ينخرم بخروجه، يعني: وجوده مثل عدمه- تقول له: يا فلان! لماذا لا تعفي لحيتك؟ يقول: سأتهم بالإرهاب، وسأفصَل من العمل. فأنت قد تكلف في عملك بما لا تطيق، عمل رهيب وإهانات وإرهاق في العمل، ومع ذلك تعمل، لماذا؟ أكل خبز. طيب إعفاء اللحية لن يكون بمثل هذه المشقة، ألا إن سلعة الله غالية! ألا إن سلعة الله الجنة!. برهن لي أنك تريد الجنة، الحكم الشرعي كله اسمه تكليف، أي: لا يكون إلا بكلفة وبمشقة، وها أنت قد سمعت في أول الكلام: (ما جاء رجلٌ بمثل ما جئت به إلا عُوْدِي) فلا بد أن تتوقع المعاداة والمشاكل، مسألة ضرورية لدعوة الرسل، العداء ظاهرة صحية لدعوة الرسل ودعوة أتباعهم، فأنت لماذا هانت عليك هذه المخالفة؟ الجواب الجواب وإن كان مُراً -نسأل الله ﵎ أن يرد المسلمين إلى دينه رداً جميلاً-: إنك أيها المخالف لا تحب النبي ﷺ ، جواب مُر صحيح، وتهمة مرة؛ لكنها حقيقة، محبته ناقصة، فإذا زالت بالكلية كفر المرء، لكن محبة ناقصة، قد تنقص إلى أدنى درجات النقص، لو كان هذا الرجل محباً ما تجرأ على المخالفة، المحب لا يخالف حبيبه أبداً إذا صدقت محبته، المحب لا يرى في الدنيا أمراً إلا أمر حبيبه، ولا يرى نهياً إلا نهي حبيبه، ولا يرى خصلةً جميلة في الدنيا إلا كتبها إلى حبيبه، ولا منقصة إلا برأ منها حبيب. متمم بن نويرة له أخ اسمه مالك بن نويرة، قتله خالد بن الوليد وتزوج امرأته أيام حروب الردة، وكان متمم شديد الحب لأخيه مالك، فلما قتله خالد؛ رثاه متمم بأبياتٍ ما قرأت لأحدٍ أبياتاً أو كلاماً تفجّع به على أحد مثلما قرأت لـ متمم، أبيات تهز القلب وهو يرثي أخاه يقول: لَقَدْ لاَمَنِي عِنْدَ الْقُبُورِ عَلى البُكا رَفِيقي لِتَذْرَافِ الدُّمُوعِ السَّوَافِكِ فَقالَ أتَبْكِي كُلَّ قَبْرٍ رَأيْتَهُ لِقَبْرٍ ثَوَى بَيْنَ اللِّوَى فَالدَّكَادِكِ فُقُلْتُ لَهُ إنَّ الشَّجَا يَبعَثُ الشَّجا فَدَعْني فَهَذَا كُلُّهُ قَبْرُ مالِكِ كأن لم يمت في الدنيا إلا أخوه، كل القبور التي على وجه الأرض هي قبر أخيه، لا يرى في الدنيا ميتاً إلا أخاه، حتى قيل: إن عمر بن الخطاب ﵁ لما سمع هذا الرثاء قال: (يا متمم! لو أن أخي زيد بن الخطاب رُثي بمثل هذا ما وجدت على فقده) لعلو هذه الأبيات، الذي يخالف النبي ﷺ ويخشى لوم اللائمين، وتعيير المعيِّرين ليس بمحب، لماذا؟ لأن المحب كلما لاموه مضى، يقول الشاعر: يخط الشوق شخصك في ضميري على بعد التزاور خط زور ويوهمنيك طول الفكر حتى كأنك عند تفكيري سميري فلا تبعد فإنك نور عيني إذا ما غبت لم تظفر بنور ثم الشاهد: إذا ما كنت مسروراً لهجري فإني من سرورك في سرور أي: أنا مسرور لسرورك حتى لو كان سرورك على أشلائي، هذا هو الحب. فإذا قال لك رجل: يا سنِّي! فيما مضى كانوا يعيروننا بالمسألة هذه، أي شخص يريدون أن يلمزوه قبل عشرين سنة مثلاً يقول له: يا سني! فنحن نقول: تلك شكاة ظاهر عنك عارها. الحجاج بن يوسف الثقفي لما عير أسماء أيام فتنة عبد الله بن الزبير دخل عليها وقد بلغت مائة عام وقد عميت، فقال لها: يا ذات النطاقين! أَيعيِّر شخصٌ شخصاً بالكلمة هذه؟ يا ذات النطاقين كأن شخصاً يعيِّرك يقول لك: اسكت يا بن الأصول! تلك شكاة ظاهر عنك عارها، فمثل هذا لا يعيَّر المرء به. فأنت إذا قيل لك: (يا سني!) هذا شرفٌ لك، بعض الناس يتركون متابعة النبي ﵊ خشية المعرة، وما هي بمعرة، هذا الحب هو الأصل، وكل شيء يأتي بعده فرعٌ عليه. إذا أحببت كما يقول المنظرون في المناظرات، عندما يستدل شخص بدليل ضعيف، ويأخذ منه حكماً شرعياً يقولون له: (لا يستقيم الظل والعود أعوج) الدليل ضعيف؛ لا تأخذ منه حكماً. فنحن نقول: إن المحبة هي العود، وكل عملٍ يأتي بعد ذلك هو كالظل للعود وفرعٌ عنه.

стр. 1667

صور تعرض النبي ﷺ للإهانة دون نكير

стр. 1668

النبي ﷺ الله عليه وسلم يصور على صورة خنزير !! كان من جراء نقص حب النبي ﵌ أن رُسِم على صورة الخنزير!! ومع ذلك ولا دولة تدين بدين الإسلام استنكرت استنكاراً رسمياً لهذا الذي جرى، كأن هذا النبي ﷺ لا يدين بدينه على الأرض أحد، مع أن عدد المسلمين ممن يتسمون بأسماء المسلمين على عُجَرِهم وبُجَرِهِم مليار إنسان ألف مليون من بني آدم، يُسَب أعلى رجل فيهم ويُرسَم على صورة خنزير، ومع ذلك لم يعقد مؤتمر صحفي واحد ذراً للرماد في العيون لإرضاء عواطف الجماهير، مع أننا نعرف أن المؤتمرات الصحفية لا قيمة لها في الحقيقة، لكن إرضاءً لعواطف الجماهير، اعمل مؤتمراً صحفياً، قل: أنا أستنكر قل أنا أشجب إن عرض النبي ﷺ أثمن من الأرض أرض ماذا التي تبحث عنها؟ عرض النبي ﵊ أثمن وأغلى من الأرض. اليهود جبناء، والجبان لا يمكن يستخدم يده أبداً ولو كان الاحتمال راجحاً لا يضرب إلا إذا أيقن الدليل الضروري أنك أضعف من أن تمد يدك، قال الله : ﴿لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر:١٤] اليهود ما وصلوا إلى هذا التشويه بالنبي ﷺ إلا لأنهم جبناء، عندما رأوا أن النبي ﷺ يسب في بلاد المسلمين وعلى صفحات الجرائد والمجلات، ورأوا رد الفعل الرسمي لا شيء، لا يوجد استنكار من هيئة كبار العلماء أو من علماء البلد.

стр. 1669

النبي ﷺ مات بالزائدة الدودية !! هذه صحيفة تكتب بالخط العريض: هل النبي ﷺ مات بالزائدة الدودية؟ أهذا عنوان يكتب في جريدة؟ تريد ماذا من مسألة الزائدة الدودية؟ مات بها أو بغيرها ما هي المحصلة؟ هل الطب سيستفيد؟ أتقدم بحثاً جديداً؟ ما هو المطلوب من هذا العنوان؟. عمر بن الخطاب ﵁ سمع رجلاً يقول: والله ما أبي بزانٍ ولا أمي بزانية، فجلده الحد، قال: لأن معنى أنك تنفي عنهم الزنا فيه إشعار بالاتهام، لو أنهم برآء مائة بالمائة أبداً لن تقول هذا الكلام، لكن تقول: ما أبي بزانٍ ولا أمي بزانية، كأن فيه إشعار أنهم زناة، فرأى أن مثل هذا يدخل في حد القذف؛ فجلده حد المفتري فيأتي شخص يكتب هذا العنوان: هل النبي ﷺ مات بالزائدة الدودية؟ في ديار المسلمين، ورد الفعل الرسمي صفر!.

стр. 1670

النعجة (دوللي) أعظم من ميلاد المسيح ولما جاءت مسألة استنساخ النعجة (دوللي) والكلام الفارغ الذي تكلموا به عنوان بالخط العريض: النعجة دوللي أعظم من ميلاد المسيح!! ماذا يعني هذا الكلام؟ أيضاً هو رب العالمين؟ إنهم يعنون أن العباد استطاعوا أن يفعلوا ما لم يفعله رب العالمين!! استنساخ النعجة دوللي أعظم من ميلاد المسيح؟!!

стр. 1671

الكاريكاتير والاستهزاء بالدين أحدهم يرسم (كاريكاتير) مدرساً وتلميذاً المدرس: قل لي يا ولد: لماذا أخرج الله آدم من الجنة؟ يا أستاذ! لأنه ما دفع الإيجار. هل هذا الكلام يجوز يا إخواننا؟!! (كاريكاتير) شخص آخر رسم جهنم الحمراء وأناس فيها يرفعون أيديهم يصرخون في جهنم، وشخص في زاوية منها معه مروحة وابتسامة مرسومة على فمه ومكتوب تحت الرسم: بوش. ما هذا الكلام يا جماعة؟! يُسب الله ورسوله على صفحات الجرائد!! لماذا لا يغضب لله؟! سنوات طويلة يُعتدى باسم حرية الرأي على عرض النبي، نحن نعاني من محنة جسيمة وعظيمة هي السبب في كل ما نراه الآن. قرأت في ديوان الحماسة لـ أبي تمام مقطوعتين، افتتح أبو تمام الديوان بهما، لو أننا كنا على مستوى هذه الأبيات على الأقل، فأنا ما أظن أن رجلاً على الكرة الأرضية يفكر أن يهين أحداً من المسلمين، المقطوعة الأولى لأحد شعراء بلعنبر، هذا الشاعر كان له إبل وسرقها شخص، فحاول أن يحضر إبله ولم يستطع، فاستنفر قبيلته كلهم ضعفاء، فأنشد يقول متوجعاً: لَوْ كُنْتُ مِنْ مَازِنٍ (يعني من قبيلة مازن) لَمْ تَسْتَبحْ إِبِلِي بَنُو اللَّقِيطَةِ مِنْ ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانا إذًا لَقامَ بِنَصْرِي مَعْشَرٌ خُشُنٌ عِنْدَ الْحَفِيظَةِ إِنْ ذُو لُوثَةٍ لاَنا قَوْمٌ إذا الشَّرُّ أبْدَى نَاجِذَيْهِ لَهُمْ طَارُوا إلَيْهِ زَرَافاتٍ وَوُحْدَانا لاَ يَسْأَلُونَ أخَاهُمْ حِينَ يَنْدُبُهُمْ فِي النَّائِبَاتِ عَلى ما قالَ بُرْهانَا لَكِنَّ قَوْمِي وَإنْ كانُوا ذَوِي عَدَدٍ لَيْسُوا مِنَ الشَّرِ فِي شَيءٍ وَإنْ هانَا يَجْزُونَ مِنْ ظُلَمِ أهْلِ الظُّلْمِ مَغْفِرَةً وَمنْ إسَاءَة أهْلِ السُّوءِ إِحْسَانَا كأَنَّ رَبَكَ لَمْ يَخْلُقْ لِخَشْيَتِهِ سِوَاهُمُ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ إِنْسَانا فَلَيْتَ لِي بِهِم قَوْمًا إذَا رَكِبُوا شَدُّوا الإِغَارَةَ فُرْسَانًا وَرُكْبانَا ورع بارد في غير محله، يُضرب!! فيكون رده: الله يسامحك! ويضرب الله يسامحك، ويضرب الله يسامحك!! لا، إن النبي ﷺ لما هجاه عمر بن أبي عزة للمرة الثالثة، وعفا عنه قبل ذلك، أخذه فقتله، وقال: (لا يلدغ المؤمن من جحرٍ مرتين). وتأتي المقطوعة الثانية لتوضح مثل هذا وهي لأحد الشعراء، كان بينه وبين قوم نوع من الخصومة، وعقدوا صلحاً، وانتهت الحرب، وسيفتحون صفحة جديدة، ويتعاملون مع بعض من جديد، فلما فتحوا صفحة جديدة إذا بالقوم لئام، بدءوا يغدرون مرةً أخرى، فأنشد هذا الشاعر هذه الأبيات قال: صَفحْنا عَنْ بَنِي ذُهْلٍ وَقُلْنا الْقَوْمُ إخْوَانُ عَسَى الأَيَّامُ أنْ يُرْجعْنَ قَوْمًا كَالَّذِي كَانُوا فلَمَّا صَرَّحَ الشَّر فَأَمْسَى وَهْوَ عُرْيانُ ظهر أنهم لئام، وصرح الشر أي: صار واضحاً صريحاً، فلما صرح الشر من قبل هؤلاء، وأمسى وهو عريان. وَلَمْ يَبَقَ سِوَى العُدْوَانِ دِنَّاهُمْ كَمَا دَانُوا (رددنا لهم الصاع صاعين) مَشَيْنا مِشْيَةَ اللَّيْثِ غَدَا واللَّيْثُ غَضْبَانُ بِضَرْبٍ فِيهِ تَوْهِينٌ وَتَخْضِيعُ وإقْرَانُ وَطَعْنٍ كَفَمِ الزِّقِّ غَدَا وَالزِّقُّ مَلآنُ تعرف القربة عندما تكون ملآنة على آخرها، ثم تضغط عليها من جانبها، يفيض الماء سنفعل ماذا؟ وصلنا إلى هذا الحد!! الذي يعمل لنا هكذا سننفجر مباشرة، فهذا معنى كلامه. وَطَعْنٍ كَفَمِ الزِّقِّ غَدَا وَالزِّقُّ مَلآنُ ثم قال بيتين يكتبان بماء الذهب: وَبَعْضُ الْحِلْمِ عِنْدَ الْجَهْلِ لِلذِّلَّةِ إذْعَانُ يُضرب الله يسامحك، يُضرب الله يسامحك، لا، هذا ليس حلماً، هذا إذعان هذا ضعف فهذا عندما يكون قليل الأدب، ولا يجد مثل هذه القوة، سيظل يضرب باستمرار، فلا تقل: أنا حليم، قل: أنا ضعيف. وَفِي الشَّرِّ نَجَاةٌ حِينَ لاَ يُنْجِيكَ إِحْسَانُ قدمت الإحسان مرة ومرتين وعشرة وعشرين وثلاثين ومائة وثلاثمائة ومع ذلك ما زال لئيماً، إذاً ما بقي إلا الشر هو الذي ينجيني؛ لأنني لما قدمت الإحسان ما أنجاني، فالذي فعله اليهود لا يجبره إلا الدم وهذا وإن كان مراً على صدور المسلمين، لكننا نتباشر به، ونرى أن الفتح قريب، شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ذكر في كتاب "الصارم المسلول على شاتم الرسول" قال: حدثني بعض الفقهاء ممن حاربوا في الروم، قالوا: كنا نحاصر الحصن شهراً وشهرين وثلاثة إلى أن كدنا نيأس من فتح الحصن، فوقع أهل الحصن في سب النبي ﷺ ففتحناه بعد ثلاثة أيام، قال: فكنا نتباشر بسبه مع امتلاء قلوبنا غيظاً مما نسمع، مجرد ما يسبونه نعرف أننا سنفتح الحصن مباشرة؛ لأن الله ينتقم لنبيه، ويرد عن نبيه مع أننا سننفجر من الغيظ من الشتم الذي نسمعه، إلا أننا نرى أن هذه بشارة أن سيُفْتح له.

стр. 1672

الشيخ محمد شاكر يدفع عن عرض النبي ﷺ هنالك قصة حكاها آخر أعيان المحدثين في مصر، الإمام العلَم أبو الشيخ أحمد شاكر ﵀، حكى حكاية حدثت أيام الملك فؤاد، الحكاية تتلخص في إن الملك فؤاد كان يحب أن يصلي خلف أحد الخطباء أصحاب اللسان العالي، كلما يحب أن يصلي في مكان يأتوا بهذا الخطيب كي يخطب، فصادف أن طه حسين رجع من باريس بالدكتوراه، وأرادوا أن يكرموا طه حسين، ف الملك فؤاد وحاشيته استدعوا هذا الخطيب على اعتبار أنهم سيكرمون الدكتور طه حسين، صعد الخطيب يخطب، فأراد أن يمدح الملك فؤاد فقال: ما عبس ولا تولى لما جاءه الأعمى. فيكون الملك فؤاد رجل كريم ورسول الله يكون ماذا؟ لأنه عبس وتولى، لكن الملك فؤاد لا عبس ولا تولى. الشيخ محمد شاكر ﵀ وكيل الجامع الأزهر، كان يصلي: فلما سمع الكلمة، وأنهى الرجل الخطبة صلوا الجمعة، قام الشيخ محمد شاكر، وقال: أيها الناس! أعيدوا الصلاة ظهراً، فإن الخطيب كفر، مع قطع النظر في البحث هل هو كافر أم غير كافر، لكن الشيخ محمد شاكر ﵀ قال هذه الكلمة وانطلق إلى قصر عابدين، وذهب إلى الملك فؤاد ورفع له مذكرة يقول له: صل الظهر بدلاً عن جمعتك بسبب أن الخطيب كفر. الرجل خطيب والملك يأتي به حتى يخطب أمامه، يكون رجلاً معروفاً لكل المحامين في البلد، ومستشاري المحاكم، فجماعة المحامين المستشارين أغروه، قالوا له: كيف يحرجك أمام الجماهير بهذا الكلام؟ ارفع عليه قضية ونحن وراءك. الشيخ محمد شاكر قبل هذا التحدي ورفع قضية هو الآخر وقال: ليس بيني وبين هذا الخطيب شيء؛ لكنني أريد الإجابة عن سؤال واحد، أهذا الذي قاله الخطيب تعريض بالنبي ﷺ أم لا؟ وأنا لن أحتكم إلى علماء الأزهر، برغم أن البلاغة والبيان والنحو والإعراب والصرف والكلام، هذا كله اختصاصهم، لكن أنا لن أستعين بواحد من هؤلاء حتى لا تقولوا حابوه وجاملوه، أنا أريد مستشرقين يكفرون بالله العظيم، ودرسوا اللغة العربية لأسألهم هذا السؤال هذا الذي قاله الخطيب تعريض بالجلال النبوي أم لا؟ الشيخ محمد شاكر ﵀ واصل رفع القضية، فلما علم هذا الخطيب ومعاونوه أن القضية خاسرة تنازلوا عنها، الشيخ أحمد شاكر ﵀ يقول: فدخلت بعض المساجد لأصلي فرأيت ذلك الخطيب فراشاً يتلقى نعال المصلين في هذا المسجد. إن الله يغار لنبيه، ولا يقع في النبي ﷺ أحدٌ إلا خُذِل، لكن ما هو رد فعل الجماهير على هذه الإهانات المتلاحقة؟! سأذكر لكم مثلاً نحن نعامل النبي ﵊، ونعامل دين الله بالجملة كمعاملة الناس بالشارع والبيوت تصعد العمارة تدخل الشقق تجدها آية في الزخرفة والنظافة والرائحة الجيدة، وأنت خارج ترى الرجل يفتح النافذة يرمي القمامة ثم يغلق النافذة، لماذا؟ الشارع ليس لي؟ أنا لا أعامل الشارع معاملة منزلي. !! فيرمي القمامة ويغلق النافذة خشية الذباب، كل واحد يظن أن هذا الدين إنما هو دين الدعاة إلى الله ، الدفاع عن الإسلام هو دفاع الدعاة فقط، ويظن أنه رجل عامي لا يناط به شيء، وهذا أحد أسباب الوهن التي دبت إلى جسد الأمة.

стр. 1673

محبة النبي ﷺ علاج لكل أمراض المجتمع صدق محبة النبي ﵊ هو العلاج الوحيد لكل الأمراض التي نعانيها الآن، إذا صدقت محبتك لا بد أن تنتقم لحبيبك، أولادنا حين تدخل بيت كثير من المسلمين زائراً صاحب البيت ينادي: تعال يا بني (ابنه الصغير) قل لعمك (الزائر) عندما تكبر ماذا تريد أن تكون؟ أريد أن أكون دكتوراً يا عم أريد أن أكون مهندساً أريد أن أكون صيدلياً من الذي علم الولد؟ من الذي لقنه؟ أبوه لا يوجد ولد يقول: أنا أريد أن أكون شيخاً أو عالماً لماذا؟ ديننا كدولة شاسعة الأطراف عظيمة الساحل، تخيل دولة مثل مصر مثلاً: سواحلها المائية واسعة تخيل أنه لا يوجد حرس حدود على هذه السواحل فما المتصوَّر؟ يدخل كل اللصوص. ديننا هكذا أين حرس الحدود عندنا؟ لو أنني قلت -والقاهرة مثلاً ستة عشر مليوناً- لو أني قلت لكل واحد في هذا المسجد: عُدّ لي من تعتقد أنه عالم في القاهرة، ولن أناقشك في صفات العالم ولا ما هو مذهبه، إذا وصلت إلى عشرة فأنت بطل، ولا أقول لك عشرة فقط، لكن أقول لك أنت: عُدَّ لي من تعتقد في هذا البلد أنه عالم تقول فيه: هو حجةٌ بيني وبين ربي إذا لقيته، أأتمنه على الفتيا وعلى الاستشارة، لن تصل إلى عشرة. ما معنى هذا الكلام؟ كوادرنا ضعيفة جداً وقليلة، لماذا؟ العلماء هم الجهاز المناعي للأمة المسلمة، مرض الإيدز يعتبرون أنه أفتك الأمراض إلى قبل عدة شهور أو سنة ونصف في مصر مثلاً: دخل مرض جديد آخر الإيدز أصبح أقل خطراً بجانب المرض الجديد، المرض عبارة فيروس إذا أصاب الكبد يتحول إلى ماء اسمه فيروس آكل اللحوم، ظهر في جنوب أفريقيا، حيث أن هناك قوم يستحلون أكل الأطفال، سواء أكانوا يطبخونهم أو يشوونهم، هؤلاء أصيبوا بهذا الفيروس، إذا أصاب اللحم تجد يتوسع في اللحم حتى ينخر في العظم، وإذا أصاب الكبد مثلاً يتحول إلى سائل! وإذا أصاب الطحال يتحول إلى سائل وإذا أصاب الكلية يتحول إلى سائل، لكن مرض الإيدز أفتك الأمراض وأخطرها على المستوى العام حتى الآن وقالوا: إنه يصيب الجهاز المناعي. إذاً أي مرض يصيب الجهاز المناعي يعتبر من أخطر الأمراض، العلماء والدعاة إلى الله هم الجهاز المناعي لهذه الأمة هم كرات الدم البيضاء التي تدافع عن جسد الأمة، لماذا قلّت كوادرنا (علماؤنا)؟ لأننا لا نعامل الإسلام كقضية، سببه أن كل واحد يعتقد أن المسئولية على أكتاف غيره، والسبب في ذلك قلة المحبة، أتعرف لو أنك أحببت النبي ﷺ بصدق لن تجد الذي تخاف منه الآن مع عدم المحبة، وسأذكر لك حكاية أوضح بها هذا المعنى: شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، عندما دخل القلعة في آخر مرة ومات فيها ﵀، لما أدخلوه وأغلقوا الباب التفت إلى الباب فقال: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد:١٣]. ما معنى هذا؟ شيخ الإسلام كان مما من يميِّزه أنه سريع انتزاع الأدلة الدالة على ما يريد، لأن القرآن بين عينيه، أي شخص دخل السجن فإن الناس يتصورون أنه سيلقى الأمرَّين وسيذوق العذاب أليم!! ويقولون: يا ترى كيف يعيش؟ رغم أنه قد يكون أصفى نفساً في الباطن منك في الظاهر، أنت الذي تتعب! أنت الذي تذهب إليه للزيارة وتشوي له الدجاج، وتأخذها على أكتافك وتتجرع الشمس المحرقة! وتسافر اليومين والثلاثة الأيام، وهو يأتيه الأكل جاهزاً، ويحفظ القرآن، ويقوم الليل، وليس بينه وبين الناس خصومات بسبب المال والأكل والشرب والمعيشة. إذا كنت صادق المحبة ستجد أن قلبك صار برداً وسلاماً، قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [الأنفال:٤٥] فئة: يعني في الحرب ﴿فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [الأنفال:٤٥] فبمجرد أن تذكر الله يستحيل خوفك إلى أمْن، وهذا المعنى موجود أيضاً عند الناس يقول عنترة: ولقد ذكرتك والرماح كأنها أشطان بئرٍ في لبان الأدهم فوددت تقبيل السيوف لأنها لمعت كبارق ثغرك المتبسم ما هذا؟ حر وكر وفر! ورقاب تطير! والسيف يلمع في الشمس وإذا به يذكره ببسمتها، ولا زال المحبون يستمدون القوة بذكر من يحبون في مواطن الحرب. إذاً العلاج هو صدق المحبة!.

стр. 1674

مظاهر محبة الصحابة للنبي ﷺ

стр. 1675

حب أبي أيوب الأنصاري للنبي ﷺ وهذا حديث رواه مسلم كلما تأملت فيه شعرت بسخونةٍ في عيني. نزل النبي ﷺ في دار أبي أيوب، فقال له أبو أيوب -وكانت الدار تتألف من طابقين-: (يا رسول الله! اصعد إلى فوق)، قال: (السفل أرفق بنا يغشاني أصحابي) يعني أصحابي كثر، فإذا كنت في الدور الثاني ما من رجل يريد أن يصعد إلي إلا آذى من أسفل البيت، فلا داعي، فصعد أبو أيوب في الدور العلوي، والنبي ﵊ أسفل الدار. في معجم الطبراني يقول أبو أيوب في هذا الحديث: (وانكسر لنا حُب)، وهو الجرة العظيمة، (فجففته بلحافي أنا وامرأتي والله ما لنا غيره، خشية أن ينزل على النبي ﷺ شيء، قال: فنزلت، قال: وبينما أنا أمشي بالليل إذ فزعت، وقلت: أأنا أمشي على سقيفةٍ تحتها رسول الله؟)، أرجلي الآن فوق رأسه؟ هذا سوء أدب، (قال: فانجمعت أنا وامرأتي) جلسوا في زاوية إلى الصبح، فلما أصبح (قال: فنزلت إلى النبي ﷺ فقلت له: والله يا رسول الله! لا أعلو سقيفة أنت تحتها، اصعد إلى فوق، فصعد، قال: (وكنت أُرسل إليه الطعام، قال: فكان يأكل، فلا آكل آنا وامرأتي حتى يأكل الطعام من عنده، فنتحرى مواضع فمه ويده)، فيتتبعانها ويأكلان منها، (قال: فأرسلت إليه ذات يومٍ ثوماً أو قال: بصلاً، فلم يأكل منه، ففزعت) لاحظ لفظة (فزعت) التي كررها مرتين (ففزعت وصعدت إليه فقلت: (يا رسول الله! لم تأكل من الثوم أو البصل أحرامٌ هو؟ قال: لا، ولكني أناجي من لا تناجي) لأن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم الجواب صريح وواضح، أحرامٌ هو؟ قال: لا ولكني أناجي من لا تناجي، فقال أبو أيوب المحب: (لا جرم، أكره الذي تكره)، وإن كان مباحاً، لكن أنت تكره، أنا أكرهه، فهذا هو المحب. هذا هو المحب قاعدة الولاء والبراء: (حبيب حبيبي حبيبي وعدو حبيبي عدوي). إذا رأيت صاحبك يمشي مع عدوك فمحبته كاذبة، إذا اعتقدت النقص في حبيبك فمحبتك ناقصة، لا تتم محبتك إلا إذا اعتقدت الكمال فيمن تحب، ولا تلصق نقيصة به، وكلما عُظُم تصوّرك اكتمل حبُّك.

стр. 1676

المحبة الصادقة في صلح الحديبية جاء في الصحيحين من حديث المسور بن مخرمة ﵁ وهو حديث طويل في صلح الحديبية، في هذا الحديث: أن عروة بن مسعود الثقفي وكان إذ ذاك كافراً قال لقريش: (ألستُ منكم بمنزلة الولد؟ قالوا: بلى. قال: ألستم مني بمنزلة الوالد؟ قالوا: بلى، قال: هل تتهمونني؟ قالوا: لا، قال: فدعوني آته وقد عرض عليكم خطة رشد) يعني: يذهب ليفاوض النبي ﵊، وأنه أمين في المفاوضات، فذهب إلى النبي ﵊، ولما دخل عليه رأى أصحابه وقد عضهم الفقر بنابه فقراء مساكين، لا يظهر عليهم ما يظهر على أهل الترف، فاخترقهم ببصره واحتقرهم -فيما بينه وبين نفسه- ثم قال: (يا محمد! والله ما أرى حولك إلا أوباشاً) وفي الرواية الثانية: (أوشاباً) وهي بنفس المعنى، يعني: لا يردون البصر، ولا يملئون العين (ما أرى حولك إلا أوباشاً خليقاً أن يفروا ويدعوك)، أي: ستواجه قريشاً بالقليل هؤلاء، والمعنى أن لا تطمع أن تدخل مع قريش في حرب؛ لأنهم بمجرد أن تقوم الحرب سيفرون كلهم فلا تتكل عليهم (ما أرى حولك إلا أوباشاً خليقاً أن يفروا ويدعوك)، فقال أبو بكر: (أنحن نفر وندعه؟ امصص بظر اللات)، فسب آلهتهم وعابها، فقال عروة مغضباً: من هذا المتكلم؟ فتبسم النبي ﷺ وقال: (إنه ابن أبي قحافة) أبو بكر، فقال له وكان كافراً: (لولا أن لك عليّ يداً لأجبتك)، الوفاء لولا أن لك علي يداً؛ لكنت رددت عليك، وقد سب أبو بكر آلهتهم يعني لا يوجد شيء معظّم بعد الإله، سَبَّ أحسن شيء عندهم، ومع ذلك رده الإحسان والوفاء أن يرد عليه. وفي رواية محمد بن إسحاق عن الزهري عن المسور في هذا الحديث قال: (ولكن هذه بتلك) بمعنى: أنك استوفيت يدك السابقة علي بهذه السبَّة، فلو قلت شيئاً آخر سأرد عليك، (أنحن نفر وندعه؟ امصص بظر اللات). بدأ يحصل نوع من المراقبة التي نسميها في العصر الحاضر: الجاسوسية، هو ذهب وعينه (كالكاميرا) المسجلة يرصد كل شيء حتى يخبر قريشاً، وكان من عادة الأقران في العرب أن الشخص إذا كلم أخاه يمس لحيته ويتكلم لكنه يُستقبح مع أهل الفضل إذا كان الرجل مُسِناً فلا تكرر أن تمسك بلحيته كلما أردت. فأخذ عروة بن مسعود الثقفي يكلم النبي ﷺ ويمسك بلحيته، فكان هناك رجل واقف خلف النبي ﷺ ورد في بعض الروايات خارج البخاري أنه كان ملثماً معه سيف، وبمجرد أن يمد عروة يده يضربه بنعل سيفه ينظر إليه، لا يعرف من هو؟ ثم يتكلم وينسى أيضاً ويضع يده على لحيته، فيضربه بنعل سيفه على يده مرة أخرى، فعبد أن ضربه مرتين أو ثلاثاً، قال عروة: (من هذا الذي أزعجني؟) فقال النبي ﷺ : (هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة)، فقال: عروة بن مسعود: (أي غُدَر)، يعني: يا أيها الغادر! (لا زلت أسعى في غدرتك) وكان المغيرة بن شعبة قد صحب ثلاثة عشر نفراً في الجاهلية وشربوا الخمر، فقام عليهم وذبحهم جميعهم، وأخذ مالهم وهرب بها إلى النبي ﵊، وجاء وقال: أنا أسلمت، وهذا المال فقال ﵊: (أما الإسلام فأقبله منك، وأما المال فلست منه في شيء) يا سلام على هذا الوفاء وعلى هذا النبي الكريم الجليل!. وحذيفة بن اليمان لم يحارب في وقعة بدر لا هو ولا أبوه، وكانوا موجودين لماذا؟ لما خرج حذيفة هو وأبوه هاربين أمسكهم المشركون، وقالوا لهما: أين تتجهان؟ فقالا: إلى المدينة. فقالوا: لن ندعكم حتى تعطونا العهد والميثاق ألا تقاتلونا. قالوا: لن نقاتلكم، فتركوهم، فرجعوا إلى النبي ﷺ وقالوا: يا رسول الله! أعطيناهم العهد أن لا نقاتلهم، فقال: (نفي لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم). انظر إلى أفضل من مشى على الأرض بقدميه ﵊، قال: (هذا ابن أخيك) فلما رجع المغيرة بن شعبة إلى النبي ﷺ بالمال قال: (لست منه في شيء). وقال -كما في مسند أحمد-: (وهل غسلت سوأتك إلا بالأمس؟) لما أسلمت. ثم جاء المشهد الآتي، دخلت صلاة الظهر والرسول ﵊ يتوضأ، وبينما هو يتوضأ ويغسل يده وإذا بالصحابة يتسابقون على وضوئه، ما سقطت قطرة ماءٍ على الأرض، يتنخم النخامة والكل يتسابق إليها، وسعيد الحظ من تكون النخامة من نصيبه: (فما وقعت في يد رجل إلا دلك بها وجهه وجلده، ولا يحدون النظر إليه، ولا يرفعون صوتهم عنده، ويبتدرون أمره)، مجرد أن يقول: اعملوا؛ تجدهم يسرعون في المبادرة مع أن الرسول ﵊ كان ينهى عن تعظيمه بأقل من ذلك، وأن يقوموا له. فلماذا تركهم يفعلون ذلك؟ النبي ﵊ تنخم نخامة يأخذها أحدهم بيده، مع أن النخامة كلنا نتأفف منها، ويقتتلون على وضوئه؛ لأن هذه رسالة يريد من عروة بن مسعود أن يوصلها لقريش أنهم ليسوا أوباشاً، هؤلاء رجال، فتركهم يفعلون ذلك، لأن هذا عين وجاسوس جاء ليراقب، ومن بداية دخوله يستعرض قوته ويقول: (ما أرى حولك إلا أوباشاً) ثم انظر إلى التقرير الذي رفعه عروة بن مسعود الثقفي لقريش! في البداية دخل على المسلمين منتفخاً ثم رجع وقال لقريش: (يا قوم! والله لقد وفدت على الملوك، وفدت على كسرى وقيصر والنجاشي، والله ما رأيت أصحاب ملكٍ يعظمون ملكهم كتعظيم أصحاب محمدٍ محمداً. إنه ما توضأ إلا اقتتلوا على وضوئه، ولا تنخم نخامة فوقعت في يدر رجل إلا دلك بها وجهه وجلده، ولا يُحدون النظر إليه تعظيماً له، ويبتدرون أمره، وقد عرض عليكم خطة رشدٍ فاقبلوها) أي: خذوها فما لكم حيلة ولا طاقة بهؤلاء. هذا هو الحب والاتباع!.

стр. 1677

عمرو بن العاص وإجلاله للمصطفى ﷺ جاء في صحيح مسلم من حديث عبد الرحمن بن شماسة المهري ﵀ قال: (دخلنا على عمرو بن العاص وهو في سياقة الموت، فلما رآنا حول وجهه إلى الجدار وبكى طويلاً، فجعل ابنه عبد الله يقول له: يا أبت! أما بشرك النبي ﷺ بكذا وكذا؟! فالتفت إلينا عمرو ثم قال: لقد رأيتني على أطباقٍ ثلاث -أي: مررت في حياتي بثلاث مراحل- لقد رأيتني وما أحد أشد بغضاً إلي من النبي ﷺ ، ولا أحب إلي من أن أكون استمكنت منه فقتلته، فلئن مت على هذا الحال لكنت من أهل النار، ثم أسلمتُ فجئت النبي ﷺ فبسطت يدي، فقلت: يا رسول الله! ابسط يدك فلأبايعك، فبسط النبي ﷺ يده، فقبضت يدي، قال: مالك يا عمرو؟ قلت: يا رسول الله أردت أن أشترط، قال: تشترط بماذا؟ قلت: أشترط أن يغفر لي، قال: أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله؟ وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها؟ وأن الحج يهدم ما كان قبله؟ قال: عمرو: فو الله ما كان أحدٌ أحبّ إلي قطٌ منه، ولئن سُئِلتُ أن أصفه لكم لما أطقت ذلك؛ لأنني ما كنت أملأ عيني منه إجلالاً له)، ما أستطيع أن أملأ عيني منه، ولا أن أسلط بصري عليه، عندما يكون المرء هائماً محباً لا يستطيع أن يسلط بصره على من يحب على الإطلاق أبداً، رغم أنه صحابي جليل، وعاش مع النبي ﷺ طويلاً إلاّ أنك لو قلت له: صفه لي، يقول: لا أستطيع، لماذا؟ ما كنت أستطيع أن أنظر إليه من شدة الحياء (فلئن مت على هذا الحال لرجوت أن أكون من أهل الجنة)، الطبق الأول: قطع فيه أنه يكون من أهل النار، ولما تأدب بأدب الإسلام، قال: لرجوت أن أكون من أهل الجنة، ولم يقطع ولم يقل: لكنت من أهل الجنة، (ثم ولينا أشياء كان فيها ما كان) إلى آخر الحديث.

стр. 1678

جابر بن عبد الله ومحبته الصادقة لنبيه ﷺ الصحابة ﵃ حققوا هذا الركن وتمموه، انظر إلى جابر بن عبد الله ﵁ -كما في الصحيحين- يقول وهم يحفرون الخندق: (ظللنا ثلاثة أيام ما ذقنا فيها ذواقا) ما أكلوا شيئاً يقيم أصلابهم، قال: (فاعترضتنا كدية عظيمة) صخرة عظيمة (لا تعمل فيها المعاول) يكسِّرونها ولا تتكسر، قال: (فجئت النبي ﷺ وقد ربط الحجر على بطنه من الجوع، فقلت له: يا رسول الله! صخرةٌ عظيمة لا تعمل فيها المعاول، قال: فقام أعرف فيه الجوع)، شخص يقوم على الأرض جوعان فبالكاد يقوم، (ثم أمسك المعول وقال: باسم الله. فضربها فصارت كثيباً أهيم) صارت رملاً، (فقلت: يا رسول الله! ائذن لي أن أذهب إلى البيت، فأذن لي فقلت لامرأتي: لقد رأيت الآن شيئاً ما لي عليه صبر، رأيت الجوع في وجه النبي ﷺ فهل عندك شيء؟)، أنا أرجو أن تستحضر أن جابر بن عبد الله جائع هو كذلك! لكن ذهب جوعه لمّا رأى الجوع في وجه حبيبه قالت: (نعم عندي صاع من شعير وعناق. قال: اعجني، واذبحي العناق، فقالت له: لا تفضحني برسول الله ﷺ ومن معه) يعني: لا تحضر الصحابة كلهم، لأن الأكل لا يكفي، لا يوجد طعام كثير فلا تفضحني، (ولكن اذهب إلى النبي ﷺ وأسرَّ إليه) قل له: تعال أنت وبعض أصحابك، (قال: فذهبت إليه فساررته) أنه يوجد كذا وكذا، (قال: فإذا النبي ﷺ يصيح (يا أهل الخندق! إن جابراً قد صنع سورا (أي: طعاماً) فحي هلا بكم!) قال: فأدركني من الحياء ما لا يعلمه إلا الله، قال: (هل خبزتم؟ قلت: لا. هل وضعتم اللحم على النار؟ قلت: لا. قال: لا تنزلن برمتكم ولا تخبزن عجينكم حتى أجيء -أي: لا تخبزوا حتى أجيء- ولا تضع البرمة على النار حتى أجيء، فجاء النبي ﷺ ومعه أهل الخندق فقال: أين عجينكم؟ جاءوا به فبصق فيه وبارك، أين لحمكم؟ فجاءوا به فبصق فيه وبارك، قال جابر: أقسم بالله لقد أكلوا حتى تحولوا وتركوه وكانوا ألف رجل، وإن اللحم كما هو وإن العجين كما هو) هذه هي المحبة.

стр. 1679

إبراهيم ﵇ وشدة محبته لله جاء في قصة إبراهيم ﵍ في سورة الأنعام دليلٌ حي على ذلك: قال الله : ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام:٧٥] * ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ [الأنعام:٧٦] وأنا أريد من إخواني المسلمين أن يتأسوا بقضية إبراهيم ﵇، وأنه مشغول في قضية معينة، والمشغول لا ينام، إنه يبحث عن مثال لإلهه الذي يعبده، مستيقظ طوال الليل لا يستطيع أن ينام؛ لأن هذه القضية شغلته: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ انظر إلى التعبير هذا كأن ليس في الكون غيره، ولم يلف الظلام أحداً في الكون غيره، هو المستيقظ، وكلمة (جنّ) أي: وصل إلى أعمق الليل، (جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا﴾ [الأنعام:٧٦] كلمة (جَنّ) تبين لك الصورة، جنّ: يعني كبد الليل، الليل مظلم مائة بالمائة فتخيل كوكباً مضيئاً في ظلامٍ دامس، يلتفت يمنةً ويسرة لا يرى في الدنيا إلا هذا الكوكب، فأجمل شيء في الدنيا هو هذا الكوكب؛ لذلك قال: هذا ربي، ربي جميل ربي كامل ربي لا يعتريه نقص، فأجمل شيء في هذه الدنيا هو هذه النقطة المضيئة فيكون هو إله!! يناسب أن يكون إلهاً: ﴿رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام:٧٦] لماذا؟ لأنه أجمل شيء في الكون. من عبودية القهر على كل الناس أنهم على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم ينسبون الجمال إلى الله، الكل إذا رأى شيئاً جميلاً قال: الله، الكل كافر، مسلم، يهودي، نصراني، مجوسي، مجرد أن يرى شيئاً وجميلاً يقول: الله، فينسبون الجمال إلى الله رغم أنوفهم. ﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنعام:٧٦] لماذا؟ لأن إلهي لا يغيب عني، مبتهجاً به دائماً، فكيف يغيب هذا؟ لا يصلح أن يكون مثلاً لإلهي الذي أعبده وأجده في نفسي، ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا﴾ وكملة (بازعاً) تدل على شدة الوضوح، فهو أكبر من الكوكب صورةً في مرأى العين، ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ [الأنعام:٧٧] * ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ﴾ هذا هو لماذا؟ لأنه مضيء أفضل من الكوكب والنجم وأيضاً أكبر منهما، يبحث عن صفات الكمال والجلال: ﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:٧٨] * ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:٧٩]. إذاً رائد إبراهيم ﵇ كان الحب، والحب مركبٌ لا يضل راكبه، العبادة بالحب تقبل ولو بالقليل، ولله در الراجز الذي قال: (وإن من البيان لسحرا). من لي بمثل سيرك المدلل تمشي رويداً وتجي في الأول يمشي على مهل، ويصل الأول!! كيف هذا؟ عبادة المحب بخلاف عبادة الموظف، الموظف الذي يأتي حتى يوقِّع اسمه في الحاضرين أنه حضر فصلى العصر وصلى الظهر!! لا، يقف الرجلان القدم بالقدم، والكتف بالكتف، وما بين صلاتيهما كما بين السماء والأرض، فسبحان من لا يعلم أقدار خلقه إلا هو! فمعنى لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله أن تعتقد المشاهدة ولا تتم لك هذه المشاهدة إلا بالحب الذي من ثمرته التعلق. فمحبة النبي ﵊ واجبة، والمحبة هي ليست محبة الطبع، إنما هي محبة الاتباع والتقدير والتعظيم وإلاّ فأنت قد تحب ولدك حب طبع أكثر. المحبة المقصودة: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران:٣١] هي مَحبة الإتباع، وأن لا تُقَدِّم قول أحدٍ على قول النبي ﷺ كائناً من كان.

стр. 1680

حاجتنا إلى العلماء العاملين الإمام العَلَم الذي ربته امرأة، ولله در النساء: ولو كان النساء كمثل هذي لفُضِّلت النساء على الرجال فما التأنيث لاسم الشمس عيب ولا التذكير فخرٌ للهلال ثلاثة أئمة ملئوا الدنيا علماً وشهرة، ربّتهم أمهاتهم، وصدق فيهم قول القائل: وراء كل رجلٍ عظيم أم، ولا تقل: وراء كل رجل عظيم امرأة أبداً، ولكن قل: وراء كل رجلٍ عظيم أُم. ثلاثة أئمة معروفون لديكم -وهناك أئمة آخرون ربتهم أمهاتهم- الإمام البخاري، والإمام الشافعي، والإمام العلم وهو سفيان بن سعيد الثوري، الإمام الكبير نحن نتدين بمحبة سفيان وأمثاله من العلماء الربانيين كـ سفيان الذي يقول: (إن استطعت أن لا تحك رأسك إلا بأثر فافعل). إذا أردت أن تحك رأسك حبذا يكون معك دليل، لكن يكون صحيحاً. لاحظ الحض على اتباع السنة: (إن استطعت أن لا تحك رأسك إلا بأثر فافعل)، ثم قال: (الحديث دَرَج والرأي مَرَج، فإذا كنت على الدَّرَج؛ احذر أن تزل قدمك فتندق عنقك، وإذا كنت في المرج فسر حيث شئت). كلام من ذهب! اتباع السنة كالدّرَج، وأنت تمشي على الدرج كن على حذر؛ لأنه لو فلتت رجلُك ستقع على رأسك مباشرةً، فعندما تنزل على الدّرج كن منتبهاً، إنما لو كنت تمشي في الصحراء اغمض عينيك وامش، فأينما تمشي فستجد مكاناً ماذا يقصد بهذا الكلام؟ يقول: إن من اتبع رأيه وهواه كأنما يمشي في مَرَج وفي سهولٍ واسعة، أي: فكأنك في مَرَج فسر حيث شئت، طالما أنك غير محكوم. النبي ﷺ يقول: (الدنيا سجن المؤمن) ما معنى سجن المؤمن؟ مسجون بالأوامر والنواهي، كالذي يدخل السجن بين الأوامر والنواهي الذي سُجن يفهم هذا الحديث جيداً، نريد أكل؟ ممنوع، نريد ماء ولنا مال في الأمانات ممنوع، أدخلوا لنا حلاوة، ممنوع، نريد أن نشم هواء ممنوع، كل شيء في السجن ممنوع!! فأنت كل ما تشتهيه تستطيع أن تفعله، ترغب أن تكون غنياً وممنوع من أن تضع مالك في البنوك، ترغب في أن تفرِّغ شهوتك وممنوع من الزنا، ترغب أن تفعل كذا وكذا وممنوع أن تفعل كذا وكذا فأنت مسجون أم لا؟ مسجون، الذي ترغب فيه لا تستطيع عمله، وعمر بن الخطاب ﵁ يقول: (لم يستوف مؤمنٌ غضبه في الدنيا أبداً)، لا يستطيع أن يستوفيه يُظلم فيقول: أنا سوف أؤجل المحاكمة إلى يوم القيامة، فيكون مغتاظاً يريد أن يرد الصاع صاعين ولا يستطيع أن يستوفي غضبه أبداً، لماذا؟ لأجل يوم القيامة، محاكم الأرض فيها ملايين القضايا، وكثير من الناس أجلت مظالمهم إلى يوم القيامة، لو كل واحد ضُرب ضربةً واحدة وذهب إلى المحكمة أو ذهب إلى الشرطة، ما كانوا يرون النوم. فالإيمان بيوم القيامة أسقط ملايين القضايا عن المحاكم، وكثير من الناس أجلوا المظالم، يقول النبي ﷺ : (الدنيا سجن المؤمن) يعني: ليس كل ما تريده تفعله، مسجون. والسجن هذا هو الدرج (فاحذر أن تزل قدمك فتندق عنقك) ولله ﵎ في كل شيء في الدنيا حكم علمتها أو جهلتها؛ فقبل أن تقدم على أي قضية من القضايا ارفع -يا أخي- سماعة الهاتف واسأل العالم، سؤال العالم مجاناً؟ أتمنى أن يجد هذا الكلام صدى عند التجار الكبار والصغار، أيها التاجر! لك مستشار قانوني يأخذ مقابلاً مالياً وله نسبة، ولك محام يدافع عنك، وتعطيه راتباً مالياً طوال العام، وتعطيه حوافز مالية، فهل عندك مفت مجاناً؟ لن تدفع له راتباً مثل المستشار القانوني أو المحامي، ترفع سماعة الهاتف وتقول له: أنا أريد أن أعقد الصفقة الفلانية، هل هذا مشروعٌ أم لا؟ هل هذا حرام أم لا؟ لا يكلفك شيئاً. نحن دولة مستهلكة مثل سائر العرب! أصحاب المصانع هم المتحكمون في البيوع، والأصل في البيوع الحل؛ لكن هؤلاء الذين يريدون أن يحققوا أعلى نسبة أرباح، ويريدون أن يضمنوا بضائعهم والأموال، قد يضعون شرطاً لا يحل في دينك، وحرامٌ عليك أن تفعله، هو كافر لا يهمه يهمه أن يضمن ماله ويكسب، أنت كرجل مستهلك تذهب فتقول: أنا أريد البضاعة الفلانية فيقول لك: أنا شرطي كذا وكذا وهذا رجل كافر لا يحكمه دين، وأنت عندما تحتاج البضاعة تعقد معه الصفقة وترتكب الحرام؛ لأن الذي وضع شروط الصفقة هو الرجل المصنِّع. فالعالم مهم جداً جداً في هذا الزمن، لا أقول: للتجار فقط، بل للكل، فلو أن شخصاً عنده مرض قلب أو تصلُّب في الشرايين أو ذبحة صدرية أو ضغط دم أو ضيق في الصمام، أو أي مرض، فإنه يذهب إلى أي طبيب من أمراض القلب والدم، ويكون معه في حوار ساخن باستمرار: يا دكتور! أنا أحسست بكذا، هل هذا له علاقة بالشريان التاجي؟ هل له علاقة بالذبحة؟ يقول له: لا، أو يقول له: نعم، أو يقول له: لا تفعل وهكذا، مرة أخرى، وفي كل هذا يمتثل!. فهل لما قسا قلبك أكان لك مستشار لأمراض القلب وضغط الهم؟ بمجرد أن تشعر بقسوة قلبك تتّصل به وتقول له: أنا أشعر بقسوة أقرأ القرآن ولا يهتز قلبي ولا يذرف دمعي، كم نحن مقصرون! الاستشارة مجانية، وأي واحد يرفع سماعة الهاتف ويتصل بعالم من العلماء ويطلب أجرة فليتقدم بشكوى فيه، وتجد العالم يفرغ من صدره ووقته، وأنت رجل تاجر والساعة عندك تساوي المال، وهو أيضاً ساعته أغلى من المال، لكنه كتب على نفسه: وقف للمسلمين. فأوقف عمره وحياته لك، ومع ذلك لا ترفع له رأساً ونبذته نبذ النواة، ولم تستشره، لا في صفقة تجارية، أهذا حلال أم حرام؟ ولم تستشره حتى عند قسوة قلبك!. روى أبو سعيد في تاريخ الرقة، عن عمرو بن ميمون قال: انطلقت مع أبي ميمون بن مهران إلى الحسن البصري، قال ميمون: يا بني! خذ بيدي إلى الحسن، فذهبوا إلى الحسن البصري وطرقوا الباب، فخرجت الجارية، فقالت: مَن؟ قال: ميمون بن مهران، فقالت الجارية: يا شيخ السوء! ما أبقاك إلى هذا الزمان السوء؟ فبكى ميمون -وكان كاتباً لـ عمر بن عبد العزيز - بكى حتى علا نحيبه، فخرج الحسن البصري، فلما رآه اعتنقه، فقال ميمون: (يا أبا سعيد! آنست من قلبي غلظة، فاستلن لي) أي: قل لي شيئاً يلينه. (أفأصوم له يا أبا سعيد؟)، يعني: أَيلين قلبي لو صمت؟ فقال الحسن: بسم الله الرحمن الرحيم، ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء:٢٠٥ - ٢٠٧]. هناك خُلُق خلقه الله فينا، وهو خُلُق التأسي، إذا أُصِبتَ بمصيبة وترى غيرك أُصِيب بمصيبة تخف المصيبة عليك. من رأى مصيبة غيره هانت مصيبته عليه، كما تقول الخنساء: ولولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي فعندما تكون هناك مصيبة عامة طاعون مثلاً، وكل بيت فيه فرد ميت، تجد أن المصيبة تخف عليك من كثرة الموت، لكن عندما تكون وحدك المصيبة تكبُر عليك. وربنا -في هذا الخلق أي: خلق التأسي- قال لنا: لا تظنن إذا دخلت النار فرأيت ملايين الخلق يصرخون من النار أن هذا يخِف عليك؛ لا، هذا فقط كان في الدنيا، قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف:٣٩] لا يعني أنكم مشتركون في العذاب أن ذلك يخفف عليك حين تراه يصرُخ بجانبك، لا. فانظر إلى الآيات سنين متعة، سنين قليل، ﴿ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الشعراء:٢٠٦] الموت أو العذاب: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء:٢٠٧]. كل حيّ سيموت ليس في الدنيا ثبوت حركات سوف تفنى ثم يتلوها خبوت وكلامٌ ليس يحلو بعده إلا السكوت أيها الساكر قل لي أين ذاك الجبروت ليت شعري أهمود ما أراه أم قنوت أين أملاكٌ لهم في كل أفق ملكوت زالت التيجان عنهم وخلت تلك البيوت أصبحت أوطانهم من بعدهم وهي خبوت لا سميع يفقه القول ولا حيٌ يقوت عُمِرت منهم قبورٌ وخلت منهم بيوت إنما الدنيا خيال باطل سوف يفوت ليس للإنسان فيها غير تقوى الله قوت فأنت انظر ما مكان الدين في نفسك، ولا تخطون بقدمك خطوة إلا إذا سألت أهل العلم أيحل لي أن أخطو أم لا؟ فإذا قالوا لك: لا يحل، فقف. الإمام البخاري ﵀، ذكر في ترجمة أبيه شيئاً واحداً تعجبون له، لما ذكر والده قال: (رأى حماد بن زيد) رآه بعينيه هذه منقبة كبيرة جداً، لو وجد لأبيه منقبةً أعلى من هذه لذكرها، لكن يا لِحظه!! رأى حماد بن زيد بعينيه!! وليس هذا فقط، قال: وصافح ابن المبارك بكلتا يديه) والدته دعت له، يسلم على ابن المبارك بيديه الاثنتين، هذه هي المنقبة الخاصة بوالد الإمام البخاري. وابنه يريد أن يذكر له منقبة محترمة، فيذكر هذه المنقبة: (رأى حماد بن زيد وصافح ابن المبارك بكلتا يديه)، فمن تمام محبتك أن لا تخطو خطوةً إلى الأمام مهما قلت ودقت وكانت صغيرة في نظرك إلا وتسأل أهل العلم: ما حكم الله فيها؟ ماذا قال النبي ﷺ فيها؟! فإذا فعلت ذلك كان ترجمةً صادقة لمحبتك، فالبدار البدار قبل الفوات! والعودة العود إلى حظيرة السنة!. نسأل الله ﵎ أن يقبضنا وإياكم على التوحيد الخالص، اللهم ارزقنا حبك، وحب من أحبك، وحب ما يقربنا إلى حبك، اللهم اجعل حبك أحب إلينا من الماء البارد. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين.

стр. 1681

الأسئلة

стр. 1682

نصيحة عامة لطلبة الجامعة والمدارس السؤال نريد من فضيلة الشيخ أن يوجه نصيحة لطلبة الجامعات والمدارس وهم على الأبواب؟ الجواب إخواننا في الجامعة على وجه الخصوص أقول لهم: كونوا كما قال حذيفة بن اليمان ﵁ عندما سمع رجلاً يقول: (والله لو كان رسول الله ﷺ بين أظهرنا ما تركناه يمشي على الأرض) حذيفة سمع هذه الكلمة ما معنى هذا؟ معناه أن الصحابة قصروا في حق النبي ﵊ وتركوه يمشي على الأرض!!. فقال حذيفة له: (يا ابن أخي! أكنت تفعل ذلك؟)، ثم ذكر له موقفاً واحداً، ومن هذا الموقف أدلف إلى نصيحة طلبة وطالبات الجامعة. قص عليه موقفاً واحداً. لما كان يوم الأحزاب وكان الجو بارداً شديد البرودة، حتى أن الصحابة كان الواحد منهم يحفر لنفسه حفرة ويدفن نفسه فيها من البرد، وتعرفون الصحابة وجلدهم، وكيف كانوا يتحملون الحرارة في مكة التي تغلي منها الرءوس، وكانت أمورهم وحياتهم على ما يرام ولامشكلة، فتخيل هذا الصبور يحفر لنفسه حفرة لأنه لا يتحمل البرد! وهم في حفرهم في الرمل! فالنبي ﵊ يريد أن يرسل عيناً على المشركين فقال: (من يأتيني بخبر القوم وهو معي في الجنة؟) أظن هذا حافزاً يجعلهم كلهم يخرجون من الحفُر!. ومع هذا لم يقم أحد من حفرته من شدة البرد، فكرر ثلاث مرات: (من يأتيني بخبر القوم وهو رفيقي في الجنة؟ -فكأن حذيفة أحس أنه سيقول له: قم فأدخل نفسه في الحفرة أكثر، فقال: (فتقاصرت) -أي: أدخل نفسه في الحفرة أكثر- قال: فقال لي: (قم يا حذيفة)، قال: (ولم يكن من طاعة الله ولا طاعة رسوله بد)، قمتُ فقال لي: (ائتني بخبر القوم ولا تذعرهم علينا) -أي: لا تنفرهم أو تهيِّجهم علينا وإنما بهدوء- (ودعا لي؛ فكأنني أمشي في حمام) -ذهب عنه البرد وما يجد من القُر كأنه يمشي في حمام- قال: (فذهبت إليهم فرأيتُ ناراً عظيمةً) -أحدهم عاري الظهر ويصطلي بالنار، أي: يستدفئ- (فعلمتُ أنه أبو سفيان) -وهذه كانت أول مرة يرى فيها أبا سفيان - قال: (فأخذت السهم ووضعته في كبد القوس، وهممت أن أضربه فتذكرت قول النبي ﷺ : (لا تذعرهم علينا). قال: (ورجعتُ فأخبرته خبر القوم فعاد لي القُر -أي: رجع البرد مرة أخرى بعد أن أدى المهمة، وانتهى مفعول دعوة النبي ﷺ له فلما رأى النبي ﷺ ما عليَّ من القُر أعطاني عباءته فتدثرت بها، فنمت حتى الصباح، قال: فجاءني النبي ﷺ فقال لي: (قم يا نومان). هذا الحديث يدل على صدق الانتماء إلى الله سبحانه لن تنصر دينك إلا بصدق الانتماء إلى ربك، الجامعات فيها شيء في الدراسات العليا والماجستير والدكتوراه اسمه: الحياد العلمي، وهذا المفهوم في مصطلحنا: هو ترك الانتماء إلى السلف، أي: عندما تنظر في أي قضية؛ اعتبر نفسك مقطوعاً من شجرة، لا تنتمي ولا تستحضر دينك؛ لأنك إذا استحضرت دينك ستنحاز له، وإذا انحزت إلى دينك ينعدم عنك الحياد العلمي الذي نريد أن نربيه فيك. الحياد العلمي هذا أتانا من الغرب، قال الدكتور طه حسين: ينبغي أن ننظر إلى القرآن على أنه كتابٌ أدبي، لا أنه من عند الله، ويتعرض للنقض وللقواعد النحوية؛ ولذلك العلماء طردوه، ومن جملة العلماء علماء الأزهر، فلما طردوه ذهب وأخذ الدكتوراه في اللغة العربية من باريس، لا من بلاد العرب أو من الأزهر، طردوه وكفروه بسبب كتاب (الشعر الجاهلي)، وعاد وقال: أنا تبت وأنبت، والأستاذ أنور الجندي نقل في بعض مقالاته أن الدكتور طه حسين سُئل في آخر حياته: أما زلت معتقداً الكلام الذي في كتاب (الشعر الجاهلي)؟ قال: ما تركت منه حرفاً. معتقد تماماً ما في الشعر الجاهلي الذي كفره العلماء بسببه. فباسم الحياد العلمي يدخل المرء ناسياً أنه مسلم لماذا؟ يقول لك: لأن الحياد العلمي معناه عدم الانحياز، وإذا انحزت ضاع الحياد. لا يستطيع رجلٌ ولو كان من عباد الحجر أن يترك انتماءه أبداً أنترك انتماءنا إلى الله ورسوله؟ يا إخوة: هناك قصة تناقلتها المجلات العلمية، أنا أقولها للشباب، لأن الشباب هم أمل الأمة، ورقة بن نوفل يقول فيها: (يا ليتني فيها جذعاً إذ يخرجك قومك)، تمنى أن يرجع شباباً ينصره، فلا ينصر الدين إلا الشباب، القصة هذه تناقلتها المجلات العلمية وأنا لا أحتج بها، إنما أذكرها لأستنفر؛ فإن الأسد إذا قيل له: إن الكلب يفعل كذا وكذا يغتاظ أن يُضرب له المثل بالكلب. فهذه قصة رجل مهندس، غيّر وجه العالم بعلمه، فشباب الجامعة يقول لك: تريد مننا أن نغير الدنيا؟ نعم تغيرها، لماذا لا تغيرها؟ رجل واحد أقرض بعض البلاد العربية بخمسمائة مليار دولار، في حرب الخليج هذه الأموال لو وزعت على المسلمين لكان كل فرد من الأغنياء (مليونيراً)، وما كان هناك فقير على وجه الأرض من المسلمين رجل واحد عمل هكذا؟ نعم رجل واحد يفسد الدنيا، ورجل واحد يصلح العالم، لماذا تقتل المواهب فيك؟ هذا الرجل اسمه، بعد الحرب العالمية الثانية، بعد القنبلة الذرية التي نزلت في هيروشيما في اليابان، وحصل عليها حظر حتى الآن واليابان لا تستطيع تصنيع طائرة عسكرية ولا دبابة ولا مدفع، حتى الآن، أرأيتم في عمركم طائرة حربية من تصنيع اليابان؟ هناك تفتيش كل ستة أشهر على كل مصانع اليابان وكذلك ألمانيا حتى يضمنوا أن هذه البلاد لا تنتج السلاح العسكري، ولكن أطلقوا أيديهم في الصناعات السلمية الثلاجات والغسالات والسيارات وما شابه ذلك، فأوفدت اليابان طلائع، منهم: هذا المهندس. ، الذي ذهب إلى ألمانيا ليأخذ الدكتوراه في علم المحركات، نزل ألمانيا حتى يعود بلقب دكتور، والقطعة التي يصفوها يعطي لها رقماً، ويرسمها على ورقة من أجل إذا جاء يركِّبها دون أن يرتبِك، فك المحرك وركّبه، قال: وشغلته فاشتغل قال: فكاد قلبي أن يتوقف من الفرح، أخذت المسألة منه ثلاثة أيام، قال: فذهبت إلى أستاذي في البعثة وقلت له: إني فعلت كذا وكذا فقال: حسناً، هذا محرك عطلان ابحث عن العطل الذي فيه: أخذ المحرك أيضاً بنفس الطريقة وفكه، اكتشف أن فيه عطلاً مثلاً سلك متآكل، أصلح السلك وشغّله فاشتغل، أخذت المسألة هذه منه عشرة أيام، قال: فذهبت إلى أستاذي وقلت له: إنني وجدت سلكاً فيه كذا وكذا قال: حسناً ينبغي أن تلتحق بمصانع صهر النحاس والحديد والألمنيوم؛ لأنه لا يستقيم لك أن تأخذ قطعة غيارك من خارج بلادك، لازم تصنع قطع غيار بنفسك، قال: (فذهبت إلى أحد هذه المصانع، ولبست الزي الخاص بالعامل، قال: وكنت عاملاً تحت العامل -مع أنني من أسرة ساموراي- أنا رجل صاحب أصل ومن أسرة عريقة؛ لكنني كنت أعمل عاملاً تحت العامل وأطيعه، ثم قال: (وكل شيء يهون لأجل اليابان)، ينتمي إلى تراب وطنه، (كل شيء يهون لأجل اليابان)، ظل في هذا المصنع ثماني سنين، نسي أنه ذاهب ليحضر الدكتوراه، لماذا؟ لأن هناك هم أكبر من ذلك، إن الرجل النكرة إذا انتمى إلى أمةٍ عظيمةٍ كان عزه من عز أمته، وإن الرجل العظيم إذا انتمى إلى أمة نكرة، وطئ بالنعال. المرأة التي قالت: وامعتصماه! أيعرف أحد اسمها؟! والرجل الذي حمل الصرخة إلى المعتصم أيعرفه أحد؟ لا أحد يعرفه، لكن امرأة عرّاها اليهود وكشفوا عن سوأتها رآها رجلٌ كان في أمةٍ عزيزةٍ عز بعزها، فحملته هذه النخوة والعزة أن يذهب إلى المعتصم ليقول له: حدث كذا وكذا اليهود عروا كثيراً من نساء المسلمين في بيوت الموضة والأزياء، وكُشِفت سوأة امرأةٍ واحدة فجرد المعتصم الجيش العرمرم، ودخل وفتح عمورية بسبب امرأةٍ لا نعرف اسمها ولا نسبها، وربما المعتصم لم يسمع بهذه المرأة قط. لماذا؟ لأنها كانت تنتمي إلى أمة عزيزة، أمة قوية. الآن الأمريكي قد يجرح سهواً في أي مكان في العالم، فتقوم الدنيا على قدمٍ وساق، ومائة مسلم أو أكثر يُقتلون في المسجد الأقصى وهم سجود ولا عزاء ولا نداء!!. دماء المسلمين أرخص دماء في العالم، لا يستطيع مسلم أن يذبح بقرةً في الهند، وإلا قتلوه وأكلوه. رجل يمني في بلد عربي -وكنت حاضراً هذه الواقعة- تجاوز الإشارة، فلحقت به شرطة الدورية وأحضروه، فأخرج الجنسية اليمنية، فقال له: يمني وتكسر الإشارة أيضاً؟! أي أن اليمني أجرب، هذا معنى الكلام، فاليمني قام بخطف وثيقة الجنسية اليمنية هذه، وأخرج له الجنسية الأمريكية، لأنه عاش في أمريكا، فقال له: يمني وأمريكي!! إن هذا لشيء عجاب! قال أنت تستهزئ بي!! وظهر أن هناك هاتفاً في السيارة، طلَب السفير الأمريكي، فيأتيه السفير ويعتذر قائد دورية الشرطة رغم أنه ليس أمريكي صرف، إنما هو عربي متجنِّس. إذاً قوة أمتنا بقوة الأفراد، الانتماء إلى هذه الأمة هو المخرج. الجامعات فيها كثير جداً من الشباب، وأنا ركّزت على مثل هذا لأنه يُتوقع أن طالب الجامعة يحضِّر دراسات عليا، يحضِّر دكتوراه وماجستير، فيفاجأ بكلمة الحياد العلمي، فنكشف هذا المصطلح كشفاً صريحاً. الحياد العلمي في الجامعات معناه: ترك الانتماء، فعليك بمذهب السلف، مذهب القرن الأول، مذهب الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح، وهذا القيد هو الذي يميز المنهج الحق عن المناهج المبتدعة والله أعلم. نسأل الله ﵎ أن يوفقنا، والحمد لله رب العالمين.

стр. 1683

جنة الرضا في التسليم لما قدر الله وقضى الله هو الذي يعلم ما ينفعنا وما يضرنا، لذلك قد يبتلي سبحانه بعض عباده بالخير والبعض الآخر بالشر، وقد ابتلى أنبياءه واختبرهم، ومن أولئك الأنبياء أيوب ﵇، فقد صبر هذا النبي على البلاء، وحمده لله سبحانه على ذلك.

стр. 1684

الابتلاء سبب في تقوية القلوب إن الحمد لله تعالى نحمده، ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد؛ كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد؛ كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد. إن الله تعالى كتب الابتلاء على كل فرد، فلا ينجو منه أحد، لكن يبتلى كل إنسان ببلاء يخالف بلاء الرجل الآخر، لكن لا يمضي رجل أبداً -سواء من المؤمنين أو الكافرين- إلا وقد ابتلي في الدنيا، ورسول الله ﷺ رسم لأصحابه خطاً مربعاً، ثم مد خطاً من داخل المربع فتجاوز المربع، ثم رسم خطوطاً قصاراً في داخل المربع، وحول هذا الخط الطويل، ثم أشار إلى المربع وقال ﵊: (هذا أجل ابن آدم محيط به، ثم أشار إلى الخط الطويل وقال: هذا أمله -أي: أن أمله يحتاج إلى أضعاف عمره- ثم أشار إلى الخطوط القصار حول هذا الخط الطويل وقال: هذه الأعراض إذا نجا من عرض نهشه الآخر). يعني: أن الإنسان في الدنيا لا ينفك أبداً عن عرض يعرض له وعن فتنة تلابسه. إن أعظم منافع التعرض للبلاء هو أنه يجعل القلب قوياً؛ لأن القلب إنما يستمد مادة حياته من البلاء؛ ولذلك اختار الله البلاء لأوليائه وأنبيائه، ترى هل يترك الله أولياءه يتخبطون في الأرض؟! لماذا يخرج موسى خائفاً يترقب؟ لماذا يخرج نبينا ﷺ ويختبئ في الغار؟ لماذا يدال على دولة المؤمنين كثيراً وهم أولياء الله ؟! لأن القلب يستمد حياته من المحن، ولذلك تجد أضعف الناس قلوباً هم أهل الترف، إما أهل الابتلاء فهم أقوى الناس قلوباً، والعبد يوم القيامة يوزن عند الله بقلبه لا بجسمه، قال إبراهيم ﵇: ﴿وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٧ - ٨٩]. وصعد عبد الله بن مسعود ﵁ يوماً إلى شجرة، فنظر أصحاب النبي ﷺ إليه وتضاحكوا، فقال ﵊: (ما يضحككم؟ قالوا: يا رسول الله! نضحك من دقة ساقيه -وكان ابن مسعود ضعيفاً شديد الضعف، بحيث أن الرياح إذا هبت كانت تكفؤه، فلما صعد إلى الشجرة رأوا دقة ساقيه فتضاحكوا- فقال النبي ﵊: والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أحد)؛ ذلك لأن الله يزن العباد يوم القيامة بقلوبهم.

стр. 1685

أيوب ﵇ أنموذج في الصبر على الابتلاء وعندنا نماذج كثيرة من صور المبتلين: أول هؤلاء المبتلين وأشهرهم هو: أيوب ﵇، زكاه ربه فقال: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:٤٤]، وقد روى ابن حبان والإمام أحمد في مسنده قصة أيوب على لسان الرسول ﵊، فقال: (لبث أيوب في بلائه ثمانية عشر عاماً، فرفضه القريب والبعيد غير أخوين له، وذات يوم كانا يجلسان عنده، فلما قاما وهما بالانصراف قال أحدهما للآخر: تعلم أن أيوب أصاب ذنباً عظيماً؟ قال: ولم؟ قال: لأن الله ابتلاه منذ ثمانية عشر عاماً ما رفع عنه، قال: فلم يتمالك هذا الرجل الآخر إلا أن رجع إلى أيوب ﵇، فرجع إليه وقال له: إن أخي يقول: إنك ارتكبت ذنباً عظيماً، وإلا فلماذا لم يرفع عنك الله البلاء حتى الآن؟ فقال أيوب ﵇: أنا لا أعرف شيئاً من ذلك، غير أني كنت إذا سمعت الرجل يحلف، فأخاف أن يحنث فأرجع إلى بيتي فأكفر عنه) هذا هو الذي يذكره أيوب ﵇، وهذه هي عادة المؤمنين، يكرهون أن يحنث في اسم الله العظيم، قد يكذب نفسه لكن لا يتحمل أن يحنث في اسم الله، كما روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁: قال: قال رسول الله ﷺ : (أبصر عيسى ﵇ رجلاً يسرق، فقال له: أتسرق؟ فقال الرجل: والله ما سرقت، فقال عيسى ﵇: آمنت بالله وكذبت بصري) تكذيب نفسه أهون عنده من أن يحنث في اسم الله العظيم. وقد ذكر ابن عبد البر -والعهدة عليه في تصحيح هذا الخبر- قال: روينا بأسانيد صحيحة أن عبد الله بن رواحة -وهو شاعر النبي ﵊ رأته امرأته يطأ جارية له، فغارت وجاءت بسكين، وقالت له: فعلت وفعلت. قال: ما فعلت؟ قالت: إن كنت صادقاً فاقرأ شيئاً من القرآن. فأنشد عبد الله بن رواحة -والمرأة ما كانت تحفظ القرآن-: شهدت بأن وعد الله حق وأن النار مثوى الكافرين وأن العرش فوق الماء طاف وفوق العرش رب العالمين وتحمله ملائكة غلاظ ملائكة الإله مسومين فألقت المرأة بالسكين وقالت المرأة: آمنت بالله وكذبت بصري. هكذا فإن العبد المؤمن يكره أن يحنث في اسم الله العظيم، يكذب نفسه ويكذب عينه ويكره أن يحنث في اسم الله. كذلك فعل أيوب ﵇ قال: كنت أسمع الرجل يحلف فأكره أن يحنث في اسم الله، فكان يرجع إلى بيته فيكفر عنه، ثم إن الله ﵎ امتن على أيوب ﵇ فقال له ﵎: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص:٤٢]، فامرأته رجعت إليه فوجدت رجلاً صحيحاً معافىً، فقالت له: أي بارك الله فيك! أما رأيت نبي الله أيوب ذاك الرجل المبتلى؟ قال: هو أنا. وهكذا فإن الله ﵎ منَّ عليه وملأ خزائنه ورضي عنه. وفي الصحيحين: (أن أيوب ﵇ كان يغتسل عرياناً، فجاء فخذ جراد من ذهب فجعل يحثو في ثوبه، فقال الله له: يا أيوب! أو لم أكن أغنيتك؟ قال: يا رب! لا غنى لي عن بركتك). فكان أيوب ﵇ سيد الصابرين، وضرب الله به المثل في القرآن كثيراً، قال ﷺ : (كذلك نحن معاشر الأنبياء نبتلى ثم تكون العاقبة لنا).
следующие страницы →