← Джавами‘

Джавами‘ · id 7693

دروس للشيخ أبي إسحاق الحويني

أبو إسحق الحويني

Полный текст (1 719 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

فقه الواقع السؤال هل نحن ملزمون بتعلم فقه الواقع؟ الجواب فقه الواقع كان يسمى على ألسنة العلماء القدامى بفقه النفس الذي أشرت إليه قبل في الدرس، فهو هنا مجمل، والجواب: ليس الإنسان ملزماً بتعلم فقه الواقع، كما أنه ليس ملزماً بتعلم كل شيءٍ في الشرع، بل هناك أشياء هي فرائض الأعيان التي لا يجوز للمسلم أن يجهلها، فيما يتعلق بالتوحيد، وفي عبادته ونحو ذلك، هناك فرائض الأعيان وهناك فرائض الكفايات، فإذا كان كثير من علوم الشرعية -ومنها فقه الواقع- من فروض الكفايات فمن الذي يقول: نحن ملزمون جميعاً أن نتعلمه؟! لكن هذا إذا تعلمه جماعة سقط عن الباقين، وأنا ما أريد أن أخوض كثيراً في المسألة لاسيما كلمة (في الواقع) الآن إذا أطلقوها، يطلقها الذي سيسأل على معرفة واقع المسلمين الآن بالنسبة لأعدائهم، ولا أظن أحداً من أهل العلم يقول أن هذا الباب ليس مهماً، بل هو بابٌ مهم، لكن الاشتغال به عما هو أولى هو الذي يجعل المسألة فيها نظر، إنما ليس المسلمون جميعاً ملزمين بتعلم فقه الواقع؛ لأنه من فروض الكفايات، إذا علمه جماعة سقط عن الباقي والله أعلم.

стр. 72

نبذة عن طلب الحويني للعلم السؤال نرجو من فضيلتكم إعطاءنا نبذة مختصرة عن كيفية طلبكم للعلم؟ الجواب والله لا تؤاخذوني في فتح الجواب عن هذا السؤال، لأن أخاكم ليس بذاك، يعني ما حصّل شيئاً يذكر حتى يمكن أن يقول: أنا! فأنا أعترف بقصوري وقصور باعي وتطفلي علي هذا العلم، وأمثالي لو كان موجوداً في زمن علم لما صلح إلا لأن يحمل إبريق الشيخ، لكن نحن بكل أسف صرنا في زمانٍ نتفاضل فيه بالجهل، بينما كان أسلافنا يتفاضلون بالعلم، فكن يقال: فلان أعلم من فلان، نحن الآن نقول فلان أخف جهلاً من فلان، فأنا أستحيي أن أتكلم لأني ما عندي شيء يستحق الذكر، إنما إذا أردتم أنكم تبحثُوا عن حياة شيخٍ أو رجل يستحق الذكر، فعليكم بالشيخ محمد ناصر الدين الألباني ومن جرى مجراه في هذه الحلبة؛ لأنهم أهلٌ لأن يحتذوا، إنما أنا مثلكم، لا فرق بيني وبينكم إلا أنني أجلس في هذه المنصَّة وأنتم تحتها!.

стр. 73

لابد لطلب العلم من الهمة والمثابرة السؤال ما رأيكم بمن يقول: لن أطلب العلم حتى ألتحق بالجامعة، وهناك سأتفرغ وأهتم وأجد وأجتهد؟ الجواب الذي يظن أن الدراسات الجامعية تؤهله لأن يكون عالماً أو طالب علم فهو مخطئ، إن الكتب الجامعية لا يمكن أن تخرِّج نصف طالب علم، ولا ربع طالب علم، إذا رأيتم طالباً على مستوى عال في بعض هذه الجامعات، فاعلموا أن هذا من جهده في المقام الأول، وأنه خرج عن حيز الدراسة. فالذي يؤجل طلب العلم إلى أن يدخل الجامعة ضيع أحلى سنوات العمر وأفضلها، وكما يقال: التعلم في الصغر كالنقش على الحجر. وأنت لا تضمن أن تكون بصحتك عند دخولك الجامعة، ولا تضمن أن تكون خالياً من المشاكل والمشاغل إذا وصلت إلى الجامعة، ابدأ الآن في طلب العلم، حيث أن الله ﵎ أفاء عليك بالوقت، وأفاء عليك بالراحة، ووسائل المواصلات المريحة، وأفاء عليك بالمال، فتستطيع أن تشتري الكتب، وأفاء عليك بالمواصلات الحديثة كالهاتف والفاكس وهذه الأشياء، وبدلاً من الرحيل إلى الشيخ في أقصى بلاد الدنيا، تستطيع أن ترفع الهاتف وتكلِّم الشيخ، أسلافنا ما كانوا كذلك. دعوني أحكي لكم قصة لـ شعبة بن الحجاج ﵀ أراد أن يتأكد من حديثٍ واحد. وهذه القصة مذكورة في مقدمة كتاب المجروحين لـ ابن حبان، ورواها الخطيب البغدادي أيضاً في كتاب الكفاية من طريق نصر بن حماد أبي الحارث الوراق، قال: كنا بباب شعبة نتذاكر السنة، فقلت لهم: حدثني إسرائيل عن أبي إسحاق السبيعي عن عبد الله بن عطاء عن عقبة بن عامر الجهني أن النبي ﵌ قال: (من توضأ ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية)، قال: فما أن انتهيت من الحديث حتى خرج شعبة من الدار فلطمني فدخل، وكان معه عبد الله بن إدريس، قال: فقعدتُ أبكي، فخرج شعبة فوجدني أبكي، فقال: هو بعد يبكي؟ فقال عبد الله بن إدريس: إنك لطمت الرجل، قال: إنه مجنون، إنه لا يدري ما يحدِّث به، ثم استقبل شعبة الحديث يسرده -سيحكي قصته مع هذا الحديث- قال: (إني سألت أبا إسحاق: هل سمعت هذا الحديث من عبد الله بن عطاء)، ولعلكم تعلمون أن أبا إسحاق السبيعي كان يدلِّس، والمدلِّس يعمد إلى شيخه أو إلى شيخ شيخه فيحذفه، وينظم الرواية بالعنعنة، وكان شعبة شديد النكير على هؤلاء المدلسين، وكان يعلم أن أبا إسحاق السبيعي مدلس، وهو القائل كما صح عنه: كفيتكم تدليس ثلاثة، وذكر منهم أبا إسحاق السبيعي. (فلمّا سمع أبو إسحاق السبيعي كلمة شعبة غضب، وأبى أن يجيب)، فإذاً لابد أنه دلِّس في السند؛ فطالما أنه أبى أن يجيب فيكون قد دلّس؛ لأنه لو كان سمع حقاً لبادر، وقال: سمعت. فقال مسعر بن كدام -وهو إمامٌ ثقة كبير القدر-: يا شعبة عبد الله بن عطاء حيٌ بمكة -إذا أردت أن تتأكد فاذهب إلى مكة- وشعبة أين؟ شعبة في البصرة، أهي مسافة قصيرة؟!! شعبة في البصرة، وعبد الله بن عطاء في مكة، قال شعبة: (فخرجت من سنتي إلى الحج ما أريد إلا الحديث)، قال: (فلما ذهبت إلى مكة دخلت على عبد الله بن عطاء، فإذا رجلٌ شاب فقلت له: حديث الوضوء هل سمعته من عقبة بن عامر؟ قال: لا، إنما حدثنيه سعد بن إبراهيم، وسعد بن إبراهيم هذا مدني يسكن في المدينة، قال: فذهبت إلى مالك -الإمام المشهور- فسألته عن سعد بن إبراهيم فقال لي: ما حج العام -إذاً سيكلِّفه رحلة إلى المدينة- قال: فقضيت نسكي وتحللت وانحدرت إلى المدينة، فقابلت سعد بن إبراهيم قلت له: حديث الوضوء سمعته من عقبة بن عامر؟ قال له: لا، من عندكم خرج -أي: من البصرة-، قلت: من حدثك؟ فقال: زياد بن مخراق، فقال شعبة: حديثٌ مرةً مكي، ومرةً مدني، ومرة بصري، دمِّر عليه لا أصل له. قال: وانحدرت إلى زياد في البصرة وأنا كثير الشعر وسخ الثياب، فقلت له: حديث الوضوء سمعته من عقبة بن عامر؟ قال: ما هو من بابتك، قلت له: فما من بُد، هذه حاجتي، قال له: لا أحدثك حتى تذهب إلى الحمام فتغتسل وتغسل ثيابك ثم تأتيني، فذهب واغتسل وغسل ثيابه وجاء، قال: حديث الوضوء سمعته من عقبة بن عامر؟ قال له: لا، سمعته من شهر بن حوشب، وشعبة كان سيئ الرأي في شهر بن حوشب، قال: شهر بن حوشب عمن؟ قال: عن أبي ريحانة عن عقبة بن عامر، لاحظ كم رجلاً سقط من الإسناد؟ سقط سعد بن إبراهيم، وسقط زياد بن مخراق، وسقط شهر بن حوشب، وسقط أيضاً أبو ريحانة، أربعة سقطوا، مما يبيِّن لك خطورة التدليس، فقال شعبة ﵀: (حديثٌ صعد ثم نزل، دمِّر عليه لا أصل له، والله لو صح هذا الحديث لكان أحب إليّ من أهلي ومالي)، وطبعاً هذا الحديث صح، لكن من طريق آخر غير الطريق الذي وقع لـ شعبة. فهذا مثال رحلة من شعبة بن الحجاج يطوف فيها على بلدان وتعلمون المسافات الشاسعة بين تلك البلدان وبعضها؛ لأجل أن يتأكد من حديثٍ واحد، قد يصيب بعض طلبة العلم المتخصصين الكسل أن يدير قرص الهاتف حتى يتّصِل بالشيخ الفلاني، يسأله مسألة في علم الحديث أو علم الفقه، انظر إلى الهمم!! كان ابن الجوزي يقول: (إنما البكاء على خساسة الهمم) المسألة ليست قلة إمكانات أبداً، أي كتاب مهما كان تستطيع أنك تشتريه، إن لم تستطع أن تشتريه تستطيع أن تصوِّره في الحال، تصور لو أننا في زمن ابن حجر، وأردت أن تنسخ فتح الباري، وكلفت ناسخاً ينسخه لك، تريد أشهراً لنسخه، أما الآن فأنت تستطيع أن تصوِّره في ليلة واحدة، لو وقفت وقفة رجل حازم، وعندنا من الكتب ما لم يكن عند كثير من هؤلاء، ومع ذلك لا نعلم منها شيئاً، هذا بسبب ماذا؟ بسبب التأخر في طلب العلم، تأخر زمان طلب العلم كلما قلت الهمم، والذي يؤجل طلب العلم إلى أن يدخل الجامعة الإسلامية أو غيرها من الجامعات، فليستبشر خيراً أنه لن يكون الذي يحلم، لن يكون ذلك. لو أنفقت في طلب العلم عمرك كله من وقت أن نطقت إلى أن تموت، ولو عمِّرت عمر نوح ﵇ لمُتَّ مليئاً بجهلك، تموت وأنت جاهل فهناك مسائل أنت ما عرفتها. ابن جرير الطبري ﵀، دخل عليه بعض أصحابه يعوده في مرض الموت، فتذاكروا مسألة أظنها في الفرائض، فدعا ابن جرير الطبري بقرطاس ودواة وقلم، وأراد أن يكتبها، فقال له صاحبه: أفي هذا الحال؟ أي: رجل يعاني من مرض الموت، قال له: أَخرُج من الدنيا وأنا عالمٌ بها، خيرٌ من أن أخرج منها وأنا جاهل بها، مع أنه لن يكون عنده من الوقت ما يستطيع أن يفيد غيره بذلك، لكن هي محبة لطلب العلم، الذي يحب طلب العلم يُغلب على حبه، فلا يضيع شيئاً من وقته، وأخيار العلماء كانوا حريصين على الوقت وعلى طلب العلم أشد الحرص وأعظمه. فأنا أنصح هذا السائل إن كان عنده حب للعلم، أن يبدأ من الآن، وكفاه ما ضاع من عمره، فلا ينتظر حتى يضيع سنوات أخرى هو أحوج ما يكون إليها، والله أعلم. مداخلة: إن الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة من أعلى الجامعات الإسلامية، تخرج ما يربو على الألف أو الألفين سنوياً، ولكن كأنهم في خبر من يبحث عن الدنيا ويبحث عن المادة، ولا تسمع منهم إلا القليل القليل الذين فادوا وأفادوا واعتمدوا على الله ﵎.

стр. 74

الإحسان وأثره في التمكين إن الله أمر بالإحسان في كل الأمور، حتى حين يذبح المرء ذبيحته، وأولى الناس بالإحسان هم الدعاة؛ لأن الدعوة إلى الله تعالى شرف للقائم بها، فلابد للداعية من اتخاذ الأسلوب المناسب الذي يمكن له في قلوب الناس، وبالتالي يتمكن من نشر دعوته بين الناس وإيصال الحق إليهم، ولنا في أنبياء الله أسوة حسنة، فقد كانوا يتدرجون في دعوتهم ويتخذون الطرق المناسبة لذلك.

стр. 75

التمكين في القلوب بالمحبة قبل التمكين في الأرض إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد. القرآن الكريم معين لا ينضب؛ لكنه يحتاج إلى إعمال النظر، إذ إن الأمر كما قال عمر بن الخطاب ﵁: (إن القرآن حمالٌ وجوه)، وقد اخترت أن لا يكون الموضوع مباشر مع العنوان، ولكن جعلت هذا الموضوع تأملات في سورة يوسف ﵇، وهذا التأمل خاص بموضوع في غاية الأهمية والحيوية، ألا وهو موضوع الإحسان ومكانه من التمكين للمسلمين في الأرض. سُئل ابن مسعود ﵁ -كما في صحيح البخاري- عن أجمع آية للخير والشر في القرآن؟ فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل:٩٠]، فهذه أجمع آية للخير والشر في القرآن الكريم.

стр. 76

تمكين الله لنبيه يوسف في القلوب وسورة يوسف ﵇ هي سورة الإحسان، ونحن سننظر كيف مكن ليوسف ﵇، يخطئ من يتصور أن التمكين أن تحوز الأرض من تحتك، ونحن نقول: إن التمكين في الأرض يسبقه تمكين آخر في غاية الأهمية هذا التمكين هو الذي أحرزه يوسف ﵇. وانظر معي في قول الله : ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ﴾ [يوسف:٢١] أين هو التمكين؟ قد استخرجوه من غيابة الجب، وبيع بثمن بخس دراهم معدودة، أعني أنه لا يظهر لنا أثر التمكين، ومع ذلك بمجرد أن بيع بهذه الدريهمات، ودخل قصر العزيز، قال الله : ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ﴾ [يوسف:٢١]. أما التمكين فلأنه دخل قلب العزيز، هذا هو التمكين: ﴿عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ [يوسف:٢١]، هذا هو التمكين المهم الذي لا يتم التمكين للمسلم في الأرض إلا به. إذا دخل المرء قلب إنسان استعبده، وصار ولده وماله، وصار هو نفسه مِلكاً لهذا الإنسان، وذلك لأن المرء كلف بمن يحب، ألم تر في سيرة المحبين إلى هذا المعنى الظاهر، وهو أن المرء إذا أحب كلف، وإذا كلف ذل، والمحبة والذل قرينان، كلما كنت في قاع الذل صرت على قمة الحب، فالمسألة لا تنفك، كلما زاد حبك زاد ذُلّك. والشاعر المشهور في دواوين العاشقين وهو قيس، يقول في الأبيات التي طارت كل مطار لما فقد المرأة -ونسأل الله أن يعافينا وإياكم من داء العشق؛ لأنه داء قتال- قال: أمر على الديار ديار ليلى أقبل ذا الجدار وذا الجدارا وما حب الديار شغفن قلبي ولكن حب من سكن الديارا أحب الرجل حتى وصل إلى درجة الكلف، الرسول ﵊ أحبه قومه قبل أن يأتي بدعوته، لذلك نحن نقول للدعاة إلى الله ، الذين أغفلوا هذا الجانب: لماذا تأخر التمكين حتى الآن؟ إذا أردت أن تمكن فأحسن، فإنك بالإحسان تسترق قلوب العباد. وها هو يوسف ﵇ يضرب به المثل، الله جعل له مكاناً في قلب العزيز فأحبه، فهذا بداية التمكين أن تدخل قلوب الخلق، ونحن نعلم أن بعض الناس كفروا بسبب محبتهم للذين يدعونهم، أي: أنه لا يفكر، فقد وصلت به الثقة العمياء إلى أن يضع حياته بين يدي هذا الإنسان فأضله، فكما قلت: الحب داعية الاتباع، كما قال الله : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]. دخل يوسف ﵇ قصر العزيز وبدأت المحن تتوالى عليه، وكانت محنة في غاية القوة تلك التي تعرض لها، ولكنه صبر عليها صبر النبلاء، لأن الصبر عن معصية الله هو أرفع أنواع الصبر فيما يتعلق بالمكلف. ولك أن تتأمل: داعي المعصية موجود، فيوسف ﵇ كان غريباً، والغريب يفعل في دار الغربة ما يأنف أن يفعله الحاضر بين أهله وخلانه، هذا أول داع لأن يفعل المعصية، لأنه غير معروف. ثم هو شاب أعزب فتي لم يتزوج ولم يتسر، وهذا أيضاً باعث على أن يقع في المعصية. ثم هو مملوك، والمملوك لا إرادة له، وهو حريص على إرضاء مالكه، فهذا أيضاً داعي الوقوع في المعصية. ثم المرأة جميلة، وهي الداعية إلى نفسها، وقد غلقت الأبواب، ومع ذلك يقول: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ [يوسف:٢٣] وتكرر لفظ الإحسان والمحسنين ومشتقات الإحسان في سورة يوسف كثيراً، بحيث إنك تستطيع أن تسميها (سورة الإحسان) لأنه يطهر فيها الإحسان جلياً. أول موقف وقف فيه يوسف ﵇ هو هذه المحنة القوية، ومع ذلك تجاوزها بهذا النبل، فأعلى الله كعبه. ماذا حدث بعد ذلك؟

стр. 77

الموقف الثاني ليوسف ﵇ في التمكين المرأة اتهمته، ودخل السجن مع ظهور براءته، فهو ظلم أولاً من المرأة، ثم ظلم بالقرار الجائر أن يدخل السجن بعد ظهور الآيات ببراءته، فدخل السجن، ودخل معه فتيان، وبدأ الموقف الثاني الذي يدلك على محبة يوسف ﵇ لدعوته. ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف:٣٦]. والإحسان ينطبع على الوجه، لا تتصور أن صاحب الغل ينجو، بل يظهر غله على وجهه، وصاحب الإحسان ينطق الإحسان على وجهه، ولذلك يقول الرسول ﵊: (الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف). أحياناً قد تنظر إلى الرجل الذي تراه لأول مرة فتشعر أنك تحبه، وتريد أن تقترب منه، وأنت مستريح له، ورجل آخر أيضاً لا تعرفه، وما دار بينك وبينه حوار، ولا أساء إليك، ومع ذلك تبغضه، وتشعر بهذا البغض في قلبك، وتود أنه لو لم يتكلم، ولم يكن بينكما حوار، إذاً: ما هو الضابط بين هذا وذاك؟ إنها أسارير الوجه التي تعبر عما يكنه القلب، لذلك قال الرجلان ليوسف ﵇: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف:٣٦] نطق الإحسان على وجهه ﵇. لم يبدأ يوسف ﵇ البداية التي قد يجهلها من يدعو إلى الله ، بأن يلبي لهم حاجاتهم؛ لأن المرء إذا حصل حاجته ذهب، ولذلك لما تنازع العلماء في أيهما أفضل: الغني الشاكر أم الفقير الصابر؟ رجح كثير من المحققين أن الغني الشاكر أفضل من الفقير الصابر؛ لأن الغنى داعية الطغيان وداعية الاستغناء، كما قال : ﴿كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق:٦ - ٧]، ما طغى إلا بعد أن استغني. انظر إلى حياتنا ترى هذا الشيء موجوداً، فإذا ما الابن ينفق عليه أبوه أو أخوه الكبير فهو لا يكاد يخالفه، وينفذ أحياناً بعض ما يكره إذا أمره أبوه أو أخوه، فإذا استقل براتبه بدأ يستقل بقراره، وبدأ يكون له رأي، وبدأ يعارض. ولذلك نهى الإسلام المرأة عن العمل، وقال علماء المسلمين: إن الأصل في المرأة أنها لا تعمل، لأن الله جعل قوامة الرجل على المرأة بشيئين: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء:٣٤]؛ فإذا عملت المرأة وصار لها راتب، كأنما انتزعت نصف القوامة من الرجل؛ لأنها تنفق على نفسها. وكثيراً من النساء اللواتي يعشن في ذل الرجل العنيف الذي يضرب والذي يسب، لماذا يعشن؟ ولماذا يقبلن الذل؟ لأنهن يخفن على أنفسهن من التشريد، كثير من النساء يقبلن الذل لأجل لقمة العيش، أول ما يكون للمرأة راتب وتستقل براتبها، فكأنها انتزعت نصف القوامة من الرجل؛ لأن الله يقول: ﴿وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء:٣٤]، إذاً: بداية استغناء المرأة عن الرجل كان سببه الحصول على الراتب، إذاً: طبيعة الاستغناء أنه يوصل إلى الطغيان. فهذا الغني الصحيح الذي يجد الأموال الطائلة أمامه، فلا يتعرض لضائقة مالية ولا يتعرض لأزمات، فلذلك يخف ذكر الله من لسانه، قلما يقول: يا رب، قلما ينام وهو يؤمل في الله خيراً؛ لأن دفتر الشيكات موجود، والأموال موجودة في البنوك، وهذه المسألة لا يكاد أحد منا يحتاج إلى كبير بحث فيها. فالشكر مع هذا الغنى الذي هو داعية الطغيان نادر جداً، أما الصبر فكثيراً ما يلازم الفقر؛ لأن الإنسان إذا افتقر فإنه يوازن بين أن يسخط وبين أن يصبر، فيجد أن الصبر أجود وأفضل، وقد يصبر صبر المضطر؛ لذلك تجد الصبر كثيراً ما يلازم الفقر، ولا تجد الغنى يلازم الشكر إلا نادراً. لذلك ذهب كثير من العلماء على أن الغني الشاكر أفضل من الفقير الصابر؛ لعدم وجود باعث الشكر عند الغني. فيوسف ﵇ يعرف هذه الحقيقة من نفوس بني آدم، لذلك لم يبدأ بتعبير الرؤيا لهم، وقال: ﴿لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ [يوسف:٣٧]، وياء الإضافة في (ربي) تكررت كثيراً في سورة يوسف، وهي تشعر بالاعتزاز وصحة الانتماء إلى الله ، قال: ﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ [يوسف:٢٣]، ﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ [يوسف:٣٧]، ﴿إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٥٠]، ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ﴾ [يوسف:١٠١]. ﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ [يوسف:٣٧]، فبدأ يعرفهم بإلهه الذي يعبده وبدأ يعرفهم بأنه ينتمي إلى آباء كرام ورثوا النبوة: ﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ * يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٣٧ - ٤٠].

стр. 78

دروس للدعاة في كيفية الدعوة بالإحسان والتأليف انظر إلى الترقي في المناظرة، هذا الدرس يحتاج إليه الدعاة إلى الله أكثر من غيرهم، انظر إلى يوسف ﵇ كيف ترقى لم يبدأ مهاجماً؛ لأنه سيقوض دعوته، إنما جعل الهجوم آخر مرحلة، فبدأ يعرف بنفسه، ويعرف بحقيقة الذي يعبده، وأنه ينتمي إلى آباء كرام ورثوا النبوة، ثم طرح سؤالاً لا يخطئ الإجابة فيه من له عقل مستقيم. فيوسف ترقى بهم شيئاً فشيئاً، كأنما قال لهم: إن الذي يكلمكم ليس بجاهل، إنه ورث النبوة، وهو سليل بيت العلم، يُعرِّف بقدره، وشتان بين الافتخار بمثل هؤلاء الآباء، وبين الافتخار بالآباء الذين نهى النبي ﷺ عن الافتخار بهم. فبعدما عرف بنفسه سأل السؤال المنطقي الطبيعي الذي لا يخطئ في الإجابة عليه إنسان له عقل سوي: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ [يوسف:٣٩] وتأمل في الخطاب: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ [يوسف:٣٩] فأنزلهما منزلة الصاحب؛ لأن هذا فيه أنس؛ لأنك إذا خاطبت رجلاً وبينك وبينه حواجز فلا يكاد يعي كلامك.

стр. 79

تجربة دعوية فيها عبرة سوف أسوق لكم تجربتي، ولا أسوقها لأنني في موضع الحجة، بل أسوقها لأنني عاينتها، كيف أن الإحسان إلى الخلق يمرر دعوتك بأسرع من حجتك، كم من أناس بلغاء وقف الحاجز في النفس مانعاً دون وصول الدعوة إلى قلوب الخلق. أول ما بدأنا نتعلم العلم الشرعي وذلك في أوائل السبعينات، كانت هناك عاطفة، ولم نكن نعلم أن هذه العاطفة ينبغي أن يواكبها علم، ولم نكن نعلم أيضاً أن النصوص الشرعية تتفاوت في القوة، فبعض النصوص تكون واجبة، وبعض النصوص تكون مستحبة، وبعض النصوص تكون مباحة. فكنا إذا علمنا شيئاً عن النبي ﵊ في اعتقادنا أنه يجب فعله، ولو طارت فيه رقاب، لم نكن نعرف أن المستحب يترك، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في القاعدة الذهبية التي ذكرها في مجموع الفتاوى: (إن من المستحب ترك المستحب لتأليف القلوب). فكنا نقرأ في كتاب شيخنا أبي عبد الرحمن ناصر الدين الألباني -حفظه الله وأطال في عمره ومتع به- تحريك الإصبع في الصلاة، وتحريك الإصبع كما علمني شيخنا بأن تجعل يدك على صورة واحد وخمسين، ثم تضعها على ركبتك، ثم ترسل إصبعك هذه إلى القبلة، ولا تحركها هكذا بل حركها هكذا ولا تصرف هذه الإصبع عن القبلة. نحن قرأنا أن النبي ﷺ كان يحرك إصبعه فكنا نحركها هكذا وكل واحد يحركها على اجتهاده، فأنا كنت أحركها هكذا فوقت الصلاة أنت تفعل هكذا والرجل الذي بجانبك لم يعتد على هذا، بل اعتاد على التحريك في النفي والإثبات. فبدأنا نحرك الأصبع بهذه الصورة ونحن نصلي، فقال لي الرجل الذي صلى بجانبي: (هُوَّ انته طول الصلاة) وأشار بأصبعه. فقلت له: أنت تستهزئ بالسنة، وهذه سنة النبي ﵊، استغفر الله، وكنت أكلمه بعصبية، كيف تستهزئ بسنة النبي ﷺ ، ثم وضعته في خندق المستهزئين. وكنا أيضاً نجلس جلسة الاستراحة، كان النبي ﷺ إذا كان في وتر من صلاة لا يقوم حتى يستوي قاعداً، أي: بعد الركعة الأولى وبعد السجدة الثانية قبل أن يقوم من الركعة الثانية يجلس ثم يقوم، ثم في الركعة الثالثة التي هي الوتر -والوتر في الصلاة هي الركعة الأولى والركعة الثالثة- قبل أن يقوم من الركعة الرابعة يستوي جالساً، ثم يقوم. وبعد السجدة الثانية سأقوم إلى الركعة الثانية بهدوء، وأعرف أنني سأجلس، وصاحبي بجانبي كان ساهياً فقام للركعة الثانية فرآني قاعداً فقعد ظناً منه أنه سها؛ لكنه سرعان ما رآني قمت فقام، كل هذا بحركة عصبية لم يرتب لها، لكن أنا أعرف أنني سأقعد ثم أقوم بهدوء، لكن كبر عنده هذا الأمر. فهذه الأشياء كلها تدينه في صلاته أنه ساه، وغير منتبه لصلاته، فبعد الصلاة تقوم معركة بيننا، يقول: هذا دين جديد، وأنتم غيرتم الدين، ويحصل نوع من النفور الشديد، ونحن في غاية الإصرار على هذا الفعل، ولا ندري أن جلسة الاستراحة مستحبة، وتحريك الإصبع مستحب. وتنفير قلوب هؤلاء لا يجوز، ومحرم أن ننفر قلوب هؤلاء، وظللنا خمس سنوات نحاول عبثاً أن نقنع الناس بسنة واحدة، وهي صلاة سنة المغرب القبلية، والناس في اعتقادهم أن المغرب غريب، فتؤذن للصلاة وتقيم بنفس واحد، ونحن نريد أن ننشر هذه السنة، والرسول ﵊ قال: (صلوا قبل المغرب! صلوا قبل المغرب! صلوا قبل المغرب! ثم قال: لمن شاء) فقوله: (لمن شاء) كانت كفيلة أن تردعنا عن الإصرار على صلاة ركعتين قبل المغرب، لكننا كنا نعتقد أننا نعامل أناساً جهلة، ولابد من تعليم الجهلة ولو بالسلاسل. فكنت أنا الإمام وكان المؤذن من أصحابنا، فاتفقنا وقلت له: بعد أن تقول: (لا إله إلا الله) سيقولون لك: أقم الصلاة، ونحن لا نريد ضجة، فأنا سوف أكون متوجهاً إلى القبلة، فأول ما تنتهي من قول: (لا إله إلا الله)، فسأقول أنا: (الله أكبر) وأصلي، وأنت أيضاً بعد أن تنتهي من الأذان ارجع إلى الخلف وصل، حتى لا تتيح الفرصة لأي أحد فيقول لك: أقم الصلاة. وفعلاً نفذنا ما اتفقنا عليه، فكنا أول ما ينتهي صاحبي من الأذان أكبر، ثم يكبر ونصلي، فما الذي كان يحصل؟ كانوا لا يصلون، إنما كانوا يشتموننا حتى نفرغ من الصلاة، وعجزنا أن نقنعهم بصلاة ركعتين سنة قبل المغرب، وظل الوضع هكذا لمدة خمس سنوات، فبدأت أحضر دروس الشيخ محمد نجيب المطيعي ﵀، وبدأنا لأول مرة نتعلم في أصول الفقه أن مراتب النصوص الشرعية مختلفة، فهناك ما هو واجب قوي، وفيه ما هو مستحب يمكن تركه، وفيه ما هو مباح على استواء طرفيه ونحو ذلك. وبدأ الإنسان يعرف شيئاً من العلم، فلما رجعت إلى البلدة مرة أخرى، لم تمض ستة أشهر إلا وقد أمضيت دعوتي في وسط هؤلاء الناس، وفي هذه المدة الوجيزة التي عجزت على مدار خمس سنوات أن أفعلها معهم.

стр. 80

حكمة النبي ﷺ في معاملة الناس لقد سلك الرسول ﵊ هذا المسلك، فأنت إذا قرأت أن بعض الصحابة أراد أن يقتل عبد الله بن أبي ابن سلول فقال النبي ﵊: (معاذ الله أن يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه)،لم يقل: صاحبه مع أنه رجل واحد؛ لكن قال: (معاذ الله أن يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه) هكذا بالجمع، لماذا؟ لأن الناس لا يتحرون النقد، فعندما يصل الخبر إلى آخر رجل واحد في جزيرة العرب يكون الرسول عنده قد قتل مائتين، مع أنه قتل رجلاً واحداً، فإذا نقل الناس فإنهم لا يتحرون النقل. ولذلك صدق شعبة بن الحجاج لما قيل له: لم لا تحدثون القصاص؟ القصاص هم أصحاب الموالد الذين يخترعون قصصاً كاذبة ليأخذوا ما في جيوب العوام، فمثلاً: كان أحدهم يقول للناس: هل تعرفون لماذا الشفة العليا للجمل مشقوقة؟ قالوا: لا، فقال: سبب ذلك أنه كان هناك جمل حزين في زمان رسول الله ﷺ ، لأن أصحابه يحملونه ما لا يطيق، فذهب إلى النبي ﵊ يشتكي أصحابه، فقال له: خذ، ووضع يده على شفته فانقطعت نصفين، فالعوام يعجبهم مثل هذا. فـ شعبة بن الحجاج سئل: لماذا لا تحدثون أمثال هؤلاء؟ قال: لأنهم يأخذون الحديث منا شبراً فيجعلونه ذراعاً. أي: يعمل له سيناريو، فيكون الحدث الحقيقي قد ذهب؛ لأن العوام تستهويهم القصص والحكايات الغريبة الخيالية، فهذه طبيعة الناس. أحدهم يقول: قُتل عشرون وتصل إلى الثاني يضيف صفراً فتصبح مائتين، والثالث يضيف صفراً فتصبح ألفين، فالرجل الذي هو في آخر الجزيرة، والذي كان يفكر أن يرحل إلى الرسول ﵊، ويقول: نحن أسلمنا، ونريد أن نرحل لننال شرف الصحبة ونتعلم العلم، فيقوم يسرج اللجام ويستعد بالبعير للسفر، فيأتيه أحد أصحابه ويقول له: إلى أين أنت ذاهب؟ فيقول له: أنا ذاهب إلى رسول الله ﷺ ، فيقول له صاحبه: لقد قتل يوم أمس أكثر من خمسمائة من أصحابه، فيقول: الحمد لله أنني لم أذهب. فالرسول ﵊ يعرف أن الناس لا يتحرون النقل، فما هي المفسدة أن يبقى رجل واحد حي ونحن نعرفه، لذلك قال: (معاذ الله أن يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه)، وقال في هذا المنافق المعلوم النفاق: (صاحب). وروى ابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة أن عبد الله بن أبي ابن سلول خرج من أكمة، فقال: لقد غبر علينا ابن أبي كبشة. وأبو كبشة هذا جد أم الرسول ﵊، هل منكم أحد يعرف أبا كبشة؟ لا يعرفه أحد، لكن كلنا نعرف عبد المطلب، وكانت العرب إذا انتقصت إنساناً نسبته إلى جد غير مشهور، لذلك قال عبد الله بن أبي ابن سلول: لقد غبر علينا ابن أبي كبشة، لأن النسبة إلى الجد المشهور شرف. قال النبي ﵊ في الرجز: (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب) ولم يقل: أنا ابن عبد الله؛ لأن عبد المطلب كان أنبل وأشرف وأظهر عند العرب من عبد الله. وجاء في صحيح البخاري: (أن أعرابياً جاء يسأل عن النبي ﷺ ، وهو جالس بين أصحابه -لا يميز دونهم قبل أن يتخذ منبراً- فقال: أين ابن عبد المطلب؟ فقالوا: ها هو الرجل الأبيض، قال: أنت ابن عبد المطلب؟ قال: قد أجبتك) فنسبه إلى جده. وجرى انتقاص الرسول ﵊ أكثر من مرة بهذا اللقب، فروى البيهقي في دلائل النبوة أن النبي ﵊ لما قص على المشركين أنه أسري به إلى بيت المقدس، فقال بعضهم لبعض: انظروا إلى ابن أبي كبشة ماذا يقول!

стр. 81

تدرج يوسف ﵇ في الدعوة وحكمته فيها وهذا من ذكاء الداعية وفطنته إذا دخل على أناس لا يعرفهم، يهش ويبش لهم، ويمد جسور الود، هكذا كان صنيع الأنبياء، ولكل غريب دهشة، فيكون بينك وبينه حاجز لا يكاد يوصل كلامك، لذلك ناداهما يوسف ﵇: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ [يوسف:٣٩] فأنزلهما منزلة الصاحب: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف:٣٩] سؤال منطقي جداً، يبدأ يزلزل عقائد هؤلاء بمثل هذا السؤال البدهي، الذي لا يحتاج إلى كبير علم؛ لأننا نعرف هذا من أنفسنا. لو أن هناك خادماً وله أكثر من سيد، فهو أشقى الناس، هذا يأمره وهذا ينهاه، وإذا تخاصم السادة شقي أكثر؛ لأنه كلما أرضى أحداً غضب عليه غيره، ولكنه إذا كان له سيد واحد استراح. ثم بدأ يتدرج في الهجوم: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ [يوسف:٤٠]، وأكثر أهل الأرض أدعياء حتى في الآلهة التي يسمونها، أي: كثيراً ما يذكرون الشيء بلا مضمون، كم من الذين سموا بأمين الصندوق فظهر أنه خائن! والشاعر الأندلسي كان له حق أن يتوجع من كثرة ألقاب ملوك الأندلس، الذين ضيعوا الأندلس، تجد الواحد منهم يشرب خمراً ولقبه محيي الدين، ورجل آخر يتعامل مع الأعداء ويلقب بعضد الدين، وآخر سيف الملة، فقال الشاعر الأندلسي يتوجع من هذه الظاهرة: مما يزهدني في أرض أندلس أسماء معتصم فيها ومعتضد أسماء مملكة في غير موضعها كالهر يحكي انتفاخاً صولة الأسد اسم لكن لا مضمون تحته. ماذا يعبدون من دون الله؟ يعبدون حجارة، يعبدون موتى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر:١٤] إذاً: هذه مجرد أسماء، سمه القوي! القادر! العزيز! لكنه مهزوم، ما هو بقوي ولا قادر ولا عزيز، فهي مجرد أسماء وشعارات جوفاء لا مضمون تحتها. ماذا تعبدون يا أصحاب السجن؟ مجرد أسماء: ﴿سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٤٠].

стр. 82

استئناس عمر في دخوله على النبي حين هجر أزواجه وفي حديث ابن عباس في الصحيحين: (لما طلق النبي ﷺ نساءه، وكان الصحابة يبكون بجانب المنبر على اهتمامه ﵊ بهذا الأمر وتكدر خاطره، ذهب عمر بن الخطاب ﵁ إلى باب المشربة، وكان هناك غلام النبي ﷺ -واسمه رباح - فقال عمر: فجئت الغلام فقلت: استأذن لـ عمر، فدخل ثم خرج فقال: ذكرتك له فصمت، قال: فجلست بجانب المنبر، ثم غلبني ما أجد، فقمت، فقلت للغلام: استأذن لـ عمر، فدخل ثم خرج، قال: ذكرتك له فصمت، قال: فذهبت إلى جانب المنبر فجلست، ثم غلبني ما أجد، فقمت، فقلت للغلام: استأذن لـ عمر! فدخل ثم خرج، فقال: ذكرتك له فصمت، قال عمر: فهممت وانصرفت، فبينما أنا عند الباب إذ الغلام يناديني، فقال: قد أذن لك، قال: فدخلت على النبي ﷺ -وكان الرسول ﵊ غضبان من نسائه، وأقسم أن لا يدخل عليهن شهراً، فـ عمر عرف الموقف- قال: فدخلت على النبي ﷺ ، فإذا هو مضطجع على رمال حصير قد أثر الحصير في جنبه، فأردت أن أستأنس قبل أن أجلس -هذا هو الشاهد، ومثل عمر لا يحتاج إلى إحداث أنس بينه وبين النبي ﵊، لكن هناك حاجز وهو أن خاطر الرسول ﵊ متكدر، وهو يريد أن يستأنس قبل أن يتكلم- قال: فأردت أن أستأنس، فقلت: يا رسول الله! لو رأيتنا معاشر قريش قوم نغلب نساءنا، فلما قدمنا على إخواننا من الأنصار، فإذا هم قوم تغلبهم نساؤهم، قال: فتبسم الرسول ﵊، فقلت: يا رسول الله! لو رأيتني وأنا أقول لـ حفصة: لا يغرنكِ أن كانت جارتكِ -يعني عائشة - أحب إلى النبي ﷺ وأوضأ منكِ -أي: أجمل- قال: فتبسم أخرى، قال: فجلست).

стр. 83

اختيار الزوجة الصالحة المجتمع أساس قوامه الأسرة الصالحة، ولا تستقيم الأسرة إلا بوجود الأم المستقيمة الصالحة، ومن النماذج التي سجلها التاريخ للمرأة الصالحة أم المؤمنين خديجة ﵂، فقد كانت امرأة صالحة بكل ما تعنيه الكلمة.

стр. 84

أهمية اختيار المرأة ذات الدين إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. فلا زال حديثنا متواصلاً عن جيل التمكين وكيف السبيل إليه، ولقد ذكرنا أن أهم غراسٍ يغرسه الإنسان هو الولد، وهذا الغراس يحتاج إلى ثلاثة أشياء: إلى أرضٍ خصبة، وعاملٍ جيدٍ، وماءٍ عذب، وقلنا في الأرض -والمقصود بها المرأة-: يشترط فيها أشياء: أولها ومحور ارتكازها هو: الدين، فالنبي ﷺ حث على اختيار ذات الدين فقال: (فاظفر بذات الدين تربت يداك) ولا مانع أن تضم صفةً أو صفتين أو أكثر مع الدين لقوله ﵌: (تنكح المرأة لأربع: لمالها، وجمالها، وحسبها، ودينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك) فذات دينٍ جميلةٍ أفضل من ذات دينٍ فقط، وذات دين جميلة وغنية أفضل من ذات دينٍ جميلة فقط، وهكذا

стр. 85

حث الشباب على الزواج بامرأة ودود نذكر اليوم صفتين ذكرهما رسول الله ﷺ في حديث معقل بن يسار، الذي رواه النسائي وأبو داود قال ﵊: (تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثرٌ بكم الأمم يوم القيامة) الودود الولود: انظر إلى هذا الجمع! إن هناك ارتباطاً قوياً جداً بين الود وبين ولادة المرأة، إن الرجل قد يحب المرأة لأجل أولادها، ويحب الأولاد لأجل أمهم، والعلاقة بين الرجل والمرأة إذا أنجب منها الولد أقوى وأمكن من العلاقة بين الرجل والمرأة التي لا ينجب منها؛ ولذلك جمعهما معاً: (الودود الولود) الودود: كثيرة الود، عروب، محبةٌ لزوجها، لا تنغصه ولا تكدره. وإنه ليطول عجبي أن تدفع المرأةُ زوجها دفعاً إلى العمل لفترة وفترتين وثلاث، ثم يأتي الرجل إليها في آخر اليوم يشتكي ألم مفاصله، وظهره، ويشتكي صداعاً في رأسه، ومع ذلك لا ترضى عنه المرأة!! أي ودٍ هذا؟! وأي وفاء؟! كيف تسعد المرأة بحياتها وهي ترى زوجها يعاني كل هذه المعاناة، ولا تعيش معه على ذات يده؟ إن النبي ﵊ امتدح نساء قريش، كما روى ذلك الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁، قال: (خير نساءٍ ركبن الإبل نساء قريش، أحناه على ولد، وأرعاه على زوجٍ في ذات يده)؛ لذلك كنَّ خير النساء

стр. 86

خديجة نعم المرأة الصالحة تريد أن تعرف المرأة الودود؟ انظر إلى حال خديجة ﵂، سيدة النساء، ورد في الصحيحين من حديث عائشة ذكر بدء الوحي: (إن النبي ﷺ كان يتحنث في غار حراء؛ ولما جاءه الملك وقال له: اقرأ. قال: ما أنا بقارئ. وهزه هزاً عنيفاً، فرجع رسول الله ﷺ إلى داره يرجف فؤاده، وقال: زملوني زملوني، وقال لـ خديجة: لقد خشيتُ على نفسي، قالت: كلا، والله لا يخزيك الله أبداً -وفي روايةٍ وقعت في بعض روايات صحيح البخاري، قالت-: كلا. والله لا يحزنك الله أبداً. إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَلْ، وتقْري الضيف، وتساعد الضعيف، وتعين على نوائب الحق) فانظر إلى كمال عقلها وصدقها وحسن مواساتها لزوجها! أما كمال عقلها: فلأن الإنسان إذا أصابه الروع والفزع احتاج أن يذكره أحد بمآثره وصفاته، ومن أمثلة ذلك ما رواه الإمام مسلم ﵀ في صحيحه من حديث عبد الرحمن بن كماشة النهري ﵀ قال: دخلنا على عمرو بن العاص وهو في سياقة الموت، فلما رآنا حول وجهه إلى الجدار وبكى طويلاً، فأقبل عليه ابنه عبد الله بن عمرو ﵁، وقال: يا أبتِ! ألم يبشرك رسول الله ﷺ بكذا وكذا؟ فواساهُ وذكره بالبشارات وهو بين يدي الموت، وهذا أدعى لأن يطمئن قلبه، فلما سمع ذلك أقبل عليهم، فقال: لقد رأيتني على أطباق ثلاث -أي: على ثلاث مراحلٍ في حياتي- رأيتني وما أحدٍ أشد بغضاً إلي من النبي ﷺ ، ولا أحب إلي من أن أكون استمكنت منه فقتلته، فلئن متُ على هذا الحال لكنت من أهل النار، ثم أسلمتُ فجئت النبي ﷺ فقلت: (يا رسول الله! ابسط يدك لأبايعك، فبسط يده، فقبضت يدي، قال: مالك يا عمرو؟ قلت: أردت أن أشترط، قال: تشترط ماذا؟ قال: أشترط أن يغفر لي، قال: يا عمرو! أو ما علمت أن الإسلام يهدم ما قبلهُ، وأن الحج يهدم ما قبله، وأن الهجرة تهدم ما قبلها، قال: فما كان أحدٌ أحبّ إلي من النبي ﷺ ، وما كنت أملأُ عيني منه إجلالاً له، ولئن سُئلت أن أصفه لكم ما استطعت ذلك؛ لأنني ما كنت أملأ عيني منه إجلالاً له، فلئن متُ على هذا الحال لرجوتُ أن أكون من أهل الجنة؛ ثم حدثت أشياء لا أدري ما الله صانعٌ بي). لما حضرت سفيان الثوري ﵀ الوفاة انتفض وبكى، فقال له عبد الرحمن بن مهدي -تلميذه الوفي- ألست تقدم على الذي كنت تعبده؟ اسكن، فسكن، ففزع من الموت، فذكره أنه قادمٌ على الذي سجد له وركع، والذي كان يقوم له الليالي، والذي كان يتحمل الهجير في الصيام من أجله، فذكره وما كان سفيان يغفل وقد قضى حياته كلها لله ، لكنه الفزع الذي ينسي الإنسان حلمه ويزيل عنه عقله. فإذا وقع المرء في مثل هذا الفزع احتاج إلى حسن المواساة، وقد رجع النبي ﷺ يرجف فؤاده مما رأى وهو يقول: (لقد خشيت على نفسي، فقالت -وصدرت ذلك بالقسم من قبل أن يبعث النبي ﷺ قالت: كلا، والله لا يخزيك الله أبداً) واستدلت بكريم شمائله، وجميل نعوته على أنه لا يخزيه، فقالت: (إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل -أي: العالة يحمله حملاً- وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق) فكيف يخزى من هذه صفاته؟!!

стр. 87

خديجة من أكمل النساء قال النبي ﷺ : (كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا أربع: خديجة، ومريم، وفاطمة وامرأة فرعون) إن لـ خديجة ﵂ الشرف في أن تأخذ أجر كل مؤمنة بعدها إلى يوم القيامة؛ لأنها أول من آمنت به مطلقاً، قبل أبي بكر الصديق؛ ولأنها أول من علمت ببعثته ﷺ ، فآمنت به، فلها أجر كل مؤمنٍ إلى يوم القيامة؛ لأن النبي ﷺ قال: (من سن في الإسلام سنة حسنة، كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة) فـ خديجة هي التي سنت سُنة الإيمان. وقال ﷺ مؤكداً لهذه القاعدة: (ما من نفسٍ تقتل ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفلٌ منها)؛ لأنهُ أول من سن القتل، ابن آدم الأول الذي قتل أخاه، يحمل كفلاً وتبعةً من كل رجلٍ قتل ظلماً إلى قيام الساعة. والذي يسن وينشر الدين والعلم والسنة في بلدٍ ليس فيها شيءٌ من ذلك؛ له أجر الدعاة إلى هذا الدين إلى يوم القيامة.

стр. 88

وفاء النبي ﷺ لخديجة أيها الرجال! أعينوا النساء على البر، إن الصدق هو أقصر طريق للإقناع، كن رجلاً في بيتك واحذر أن تسقط من عين امرأتك بالكذب أو بالخداع أو بالمماراة الصدق أقصر طريق للإقناع، إنك ترفع امرأتك رفعاً إذا كنت على هذا المستوى، واعتبر بما رواهُ البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس ﵄ قال: (أول من اتخذ المنطق هاجر، ثم ذكر هجرة إبراهيم ﵇ من الشام إلى مكة، وقد حمل هاجر وابنها إسماعيل إلى مكة، ولم يكن بها إنسان قط، فحملها وتركها في مكة ورجع إلى الشام، فنادته: يا إبراهيم! يا إبراهيم! يا إبراهيم! فلم يلتفت ولم يرد، ومضى، فتركت ولدها ومضت تعدو خلفه، حتى أدركته في عوالي مكة إلى من تتركنا وليس بمكة إنسي؟ فلم يرد عليها، فقالت له: آلله أمرك بهذا؟ فقال: نعم. فقالت: رضيت بالله) ورجعت هاجر وبقيت في مكة وحدها، تمضي عليها الليالي والأيام وهي وحدها، قضت فترة طويلة، ليس بمكة إنسان تأنس به لما قالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. وفي روايةٍ: (فلم يرد عليها، ولكن أومأ برأسه -أي: نعم، قالت: إذاً: لا يضيعنا) وفي رواية البخاري: (قالت: رضيت بالله)، صدق الرجل له أثرٌ عظيم في استقامة المرأة، ما فسدت نساؤنا إلا بعد أن فسد رجالُنا، وما نشزت امرأةٌ في الغالب إلا كان الرجل سبباً في نشوزها، لأنه لم يقم عليها بحق القوامة. نظرت خديجة إلى النبي ﷺ فرأت فيه رجلاً أميناً صادقاً وفياً، وكان كثير الثناء عليها بعدما ماتت، حتى قالت عائشة ﵂ -كما رواه البخاري وغيرهُ- (ما غرت على امرأةٍ قط غيرتي على خديجة). يقول الإمام الذهبي ﵀: وهذا أعجب شيء أن تغار من امرأةٍ ميتة، ولا تغار من نسوة يعشن عند النبي ﷺ ، فلا تغار من أم سلمة، ولا من أم حبيبة، ولا من حفصة، ولا من زينب وتغار من امرأةٍ ميتة! وهذا من لطف الله بنبيه حتى لا يتكدر عيشه. تقول عائشة: (ما غرت على امرأةٍ قط غيرتي من خديجة لكثرة ما كان يذكرها ويثني عليها، وقد كان ﵊ يذبح الذبيحة فيقطع الأعضاء ثم يرسل إلى صديقات خديجة، فقلت له يوماً: كأن ليس في الدنيا امرأةٌ إلا خديجة، فقال لي: إنها كانت وكانت، وكان لي منها الولد). وفي إحدى المرات -كما في صحيح البخاري-: (استأذنت هالة بنت خويلد أخت خديجة -وكان صوتها يشبه صوت خديجة، واستئذانها يشبه استئذان خديجة، وذلك بعد موت خديجة ﵂ بزمان- استأذنت هالة بنت خويلد، فلما سمع صوتها ارتاع لذلك -ارتاع أي: فزع، وهذا فزع الشوق واللهفة، وفي رواية أخرى: ارتاح لذلك- فقال: اللهم هالة -يعني: اللهم اجعلها هالة، نفس الاستئذان ونفس الصوت- قالت عائشة: فغرت -مجرد الصوت يذكره بها فقلت له: وما تفعل بعجوزٍ حمراء الشدقين هلكت في الدهر أبدلك الله خيراً منها؟) قولها: (حمراء الشدقين) كناية عن سقوط أسنانها، وعديم الأسنان لا يبقى في فمه إلا حمرة اللثة وقولها: (أبدلك الله خيراً منها) أي: تقصد نفسها، فقال لها النبي ﷺ -وهذا ليس عند البخاري: (لا والله، ما أبدلني الله خيراً منها، آمنت بي إذ كذبني الناس، وأعطتني إذ حرمني الناس، وواستني بمالها عندما منعني الناس، ورزقني الله منها الولد إذ حرمني أولاد النساء).

стр. 89

المرأة الصالحة قانتة حافظة للغيب بما حفظ الله قال الله ﵎: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء:٣٤]، ثم ذكر صنفي النساء أمام هذه القوامة. فالصنف الأول: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء:٣٤]. والصنف الثاني: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [النساء:٣٤]. فانظر بعدما ذكر القوامة قال: (فَالصَّالِحَاتُ) أي: اللواتي لا يهدرن قوامة الرجل، ويطعن أزواجهن، ووصفهن بذلك، وقد أتى بالفاء العاطفة التي تفيد الترتيب مع سرعة المبادرة. (فَالصَّالِحَاتُ) أي: يمتثلن مباشرةً إذا أمر الزوج بالمعروف وفي قدر الاستطاعة. (قَانِتَاتٌ) أي: طائعات لربهن. والمرأة التي تعصي ربها يسهل عليها أن تعصي زوجها، كيف تطيع زوجها وقد نكثت على ربها؟ لذلك ذكر أول صفةٍ إذا كانت فيها أتت بقية الصفات بعد ذلك. (حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ): (تلا النبي ﷺ هذه الآية، فسُئل: من خير النساء يا رسول الله؟ قال: التي إذا نظرت إليها سرتك، وإذا أقسمتَ عليها أبرتك، وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك). (حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ): أي: لغيبة أزواجهن، إذا غاب الزوج تحفظ ماله وعرضه. قوله: (إذا نظرت إليها سرتك) ليس المقصود من هذا جمال الوجه؛ إنما المقصود به جمال الروح، فكثير من النساء يعشقن النكد، فلا يرى الرجل من زوجته إلا وجهاً عابساً يوحي عن عدم الرضا. (إذا نظرت إليها سرتك): دائمة البشر والابتسام، عندما تدخل عليها تشعر أن الدنيا كلها رجعت إليها وحازتها، وتفقد أغلى ما لديها إذا غبت عنها، فإذا ما رجعت ارتاحت وسكنت. قوله: (وإذا أقسمت عليها أبرتك): لا تحنثك في يمينك أبداً، مهما كان الذي حلفت عليه شاقاً عليها، هذه هي خير النساء، الذي يجمعها قوله ﷺ : (الودود)، كثيرة الود، دائمة البشر. ويدخل في قوله تعالى: (حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ) أن تحفظ المرأةُ غيب زوجها فلا يطلع عليه أحد، نساءٌ اطلعنَ على بعض عورات أزواجهن من فعل المعاصي، فإذا غضبت تفشي كل ذلك وتفضحه، تقول: إنه يفعل كذا وكذا، وتعدد ما غاب عن الناس، لماذا تفضحين زوجك عند الخلاف؟ هذا لا يجوز أن يقال إلا في حضرة القاضي أو المفتي، بشرط: أن يكون لهذا القول تأثيرٌ في الحكم، وإذا لم يكن له تأثيرٌ في الحكم؛ فلا يجوز للمرأة أن تفشي سر زوجها.

стр. 90

وفاء المرأة الصالحة وحسن شمائلها سبب لمحبتها في الحديث: (أن النبي ﷺ أراد أن يحطم وثناً فوق الكعبة، فانطلق مع وعلي بن أبي طالب، وأراد النبي ﷺ أن يصعد فوق أكتاف علي ليكسره، فعجز علي عن حمله، فقال النبي ﷺ ، له: اصعد أنت، فصعد علي على أكتاف النبي ﷺ وأتى بالوثن فكسره) فقالوا: إن من خصائص علي أن النبي ﷺ ، حمله ولم يحمل أحداً غيره، فرد شيخ الإسلام ابن تيمية -العالم الرباني المفتوح عليه- بقوله: لا شك أن من انتفع به النبي ﷺ خير ممن انتفع بالنبي ﷺ ؛ ولذلك كان أبو بكر الصديق أفضل من علي بن أبي طالب؛ لأنه نفع رسول الله ﷺ ، فقال ﵊: (لو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، وليس لأحدٍ علينا منة ولا يدٌ إلا أبو بكر فله عليّ يدٌ يجزيه الله بها) وكأنه يقول: أنا لا أستطيع أن أجزيه بها، إنما الذي يجازيه هو الله ﵎، فانتفاع النبي ﷺ بـ أبي بكر أكثر من انتفاعه بأي أحدٍ؛ فلذلك كان هو الأفضل، فـ خديجة كانت أفضل النساء؛ لأنها نفعت الرسول ﵊، فقد نصرته في وقت عزَّ فيه النصير، وأنت إذا أردت أن تعرف شمائل الناس ونعوت الخلق فاختبرهم في وقت المحن ووقت الشدائد. جزى الله الشدائد كل خيرٍ عرفت بها عدوي من صديقي وقال آخر: لولا اشتعال النار فيما جاورت ما كان يعرف طيب عَرْفِ العود فخديجة ﵂ أفضل النساء، ويدل على ذلك قول النبي ﷺ لـ عائشة لما قالت له: (لقد أبدلك الله خيراً منها، قال: لا والله، ما أبدلني الله خيراً منها)، وفي صحيح مسلم: (أنها أكثرت على النبي ﷺ من اللوم في الثناء على خديجة، فقال لها: إني رزقت حبها) فحب الرجل للمرأة رزق كالولد والمال، فمقصود النبي ﷺ : (يا عائشة! لا تلوميني، فأنا مغلوبٌ على الثناء عليها؛ لأني رزقت حبها). وحب الرجل للمرأة هو بسبب شمائلها. المرأة -أحياناً- تريد أن تسمع الثناء من الرجل بلسانه، مع أن الرجل يعاملها معاملة جيدة، وهي تلمس الحنان في تصرفاته وفي كرمه وعطفه وإغضائه عما يرى منها من المكروه، لكنها تحتاج إلى الكلام الحسن، فإذا الرجل لم يتكلم معها بكلام معسول تبدأ المرأة بلومه ومعاتبته وتقول: لماذا لا تقول لي كذا وكذا، فتلقنه كلاماً تريد أن يقوله لها، فالرجل قد يكون مقراً بفضلها ومعروفها لكنه لا يحسن صناعة الكلام، أو ربما لم يتكلم من علةٍ عنده، فالمرأة العاقلة لا تحمله على الكلام حملاً، وكل إنسان قد لا يعترف بالمعروف علانيةً، ولكنه يعترف بينه وبين نفسه في لحظة الصفاء، عندما يسكن يبدأ يقلب الأحداث، فتمر عليه المواقف، فيعرف الوفي من غير الوفي، ويعترف بذلك بينه وبين نفسه. إنك قد تخدع كل الناس في بعض الوقت، لكنك لا تستطيع أن تخدع كل الناس كل الوقت، كل إنسان له لحظات يصفو فيها، فالمرأة لا تكدر صفو زوجها، لاسيما إذا لمست منه العشرة بالمعروف، وهنا قصة أذكرها لكم، وهي: رجل مرضت امرأته، فبكى عليها بكاءً شديداً، فقال له بعضهم: لِمَ تبكي عليها هذا البكاء؟ فقال: إنني أخشى لو ماتت ألا أجد مثلها، ثم شرع يقص بعض شأنها معه، يقول: لقد كانت ابنة مقاول كبير وشهير وصاحب مال، وكنتُ عاملاً عنده، فلما لمس المقاول مني الإخلاص والأمانة والجد والتفاني جعلني رئيساً للعمال، فمارست عملي الجديد بكل إخلاص وود، فأراد الرجل الذكي أن يحتفظ بماله عند يد أمينة، فقال: أزوج ابنتي من هذا الرجل، فزوجني ابنته، فحفظت هذا المعروف، وكنت فقيراً، لم يكن عندي من المال ما أستطيع أن أجعلها في مستوى معيشة أبيها، فكانت الأيام تمضي علينا لا نأكل لحماً، وكان موعدنا كل يوم جمعة عند أبيها على مائدة الغداء، فيأتي والدها بما لذ وطاب وما تشتهيه الأنفس وتسر به الأعين، قال: فكانت لا تأكل شيئاً من اللحم ولا الدجاج ولا البط، فيقولون لها: لِمَ لا تأكلي؟ فقالت: لقد تعبنا من كثرة أكل هذه الأشياء، نأكل دجاجاً ولحماً وبطاً كل يوم، رغم أنها تأكله ولا تراه، فهذه ليست من النساء اللواتي كلما حصل لهن شيء قدمن الشكاوى إلى أهلهن. يقول: وظلت على ذلك زمناً وأنا لا أعرف، حتى قالت لي والدتها: لا تجعل ابنتي تأكل لحماً دائماً حتى لا تأتي إلينا ولا تأكل معنا، فذرفت عيني، وصرت آخذ لها جزءاً من اللحم، فقلت له: يحق لك أن تبكي، فالمرأة لا تفضح زوجها ولا تكشف ستره أبداً. ليت نساءنا يتعلمن من خديجة ﵂، فقد استدلت على جميل نعوته فقالت: (إن الله لا يخزيك) فقد يبتلي الله المؤمن، لكن لا يخزيه. ولذلك لم تقل: لا والله، لا يبتليك الله أبداً، بل قالت: لا والله، لا يخزيك الله، يبتلى المؤمن لكن يخرج من الدنيا بشرف، يخرج من الدنيا بالثناء الجميل والذكر الحسن بين الناس، مثل: الإمام أحمد بن حنبل. كان الإمام أحمد بعد المحنة أفضل منه قبل المحنة، وأخذ لقب إمام أهل السنة بجدارة، كما كان داود ﵇ أفضل بعد المعصية منه قبل المعصية -المعصية التي ذكرها الله في سورة ص- كما يقول ذلك ابن تيمية ﵀. فالإمام أحمد زكا ونما وصار اسمه علماً مع كثرة نظرائه في زمانه، كان هناك ألوف العلماء مثل أحمد بن حنبل في الذكر والعلم؛ وصار إماماً يقتدى به في علم الحديث وفي غيره من العلوم؛ وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. استدلت خديجة على قولها: (كلا، لا يخزيك) بقولها بعد ذلك: (إنك لتصل الرحم، وتكسب المعدوم، وتحمل الكل، وتساعد الضعيف، وتعين على نوائب الحق) وفي غير صحيح البخاري، قالت: (وتؤدي الأمانة، وتصدق الحديث)، المرأة تعلم كل هذا من زوجها بالعشرة، لأن الرجل قد يخدع الناس في الخارج؛ لكن إلى متى يجامل امرأته؟ فهذه المرأة هي التي تعرف أسرار زوجها، ولذلك عندما يموت أحد الكبراء يذهبون إلى امرأته فيسألونها عنه، وسيرة النبي ﷺ في بيته من الذي جلاها لنا إلا أزواجه، إذا كنت تريد أن تعرف صدق الرجل ونبله فاسأل امرأته، بشرط أن تكون امرأة تتقي الله ﵎ وتخشاه، فلذلك خديجة كانت أفضل من عائشة ﵂ للنبي ﷺ ، وهذا سر فضلها على عائشة، نصرته في وقتٍ عزَّ فيه النصير. يقول ﷺ : (وواستني بمالها)، وليس على الرجل غضاضة أن يستفيد من مال امرأته؛ لكن الرجل -أحياناً- لا يأخذ المال من امرأته لعلةٍ عنده، لكن إذا انتفت العلل فلا غضاضة عليه أن يستفيد من مال امرأته، كما استفاد ابن مسعود من مال امرأته، ومن قبله سيده وسيدنا ﷺ عندما استفاد من مال خديجة، إذا كنت لا تخشى من امرأتك المن والأذى فاقبل مالها.

стр. 91

معرفة المرأة الودود إذا كان الود له الثقل الكبير في استقرار الحياة الزوجية، فكيف يعرف ود المرأة؟ أقول: كما أنك تستطيع أن تعرف المرأة ولود، فيمكنك أن تعرف أنها ودود أيضاً، فمن أين علمت أنها ولود؟ لا شك أنه بالنظر إلى أمها وأختها وعمتها وخالتها، فيندر أن تكون الأم ولوداً كذلك الأخت والعمة والخالة وتكون هي عقيماً، هذا شيء قد يحدث لكن نادراً، ومعروف أن الشاذ النادر لا يقاس عليه، إنما يقاس على الأعم الأغلب. كذلك إذا رأيت أمها تحب أباها وتكرمه وترفعه، فاعلم أن ابنتها تكون مثلها، وهذه مسألة مهمة جداً، أما الأسرة التي فيها مشاكل، الرجل يسب زوجته، والمرأة تسب زوجها، والمرأة تشتكي من زوجها لابنتها؛ فلو كان الزوج رجلاً لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً، فالأم تحدث ابنتها بما حصل وتسب الرجل وتجترئ عليه، وتقول لابنتها: لولاكِ وإخوتكِ لتركت المنزل، فينطبع في ذهن البنت الخوف من الرجال، وتظن أن كل الرجال كأبيها، فيبقى عندها شهوة الانتقام أو بغض الرجل واستحقاره وعدم الوفاء له، كل هذا بسبب الأم، لكن إذا كان الرجل يتق الله والمرأة كذلك، فيندر أن يخرج من هذا الجو الأسري الجميل بنت ناشز، وهذا يؤكد عليك وأنت تبحث عن المرأة أن تبحث عن البيت الذي يظلله الدين. كثيراً ما يأتيني بعض الشباب، فيقول: أريد أن أتزوج فلانة، وقد كانت متبرجة ولكني أقنعتها بالحجاب، لكن أباها يتعاطى الحشيش، أو أمها كانت أوجدها كان إلخ، فأنصح هذا الشاب دائماً أن يبحث عن ذات الدين في البيت الذي يظلله الدين، صحيح أن يمكن أن تكون سيئة جداً ومتبرجة وراقصة، ثم قد تصبح من أفضل المؤمنات، وقد تكون امرأة في قعر الفاحشة ثم تصعد إلى قمة العفاف، لكن الشاذ لا يقاس عليه. أنت -مثلاً- لو جئت إلى امرأة متبرجة تكشف زينتها للأجانب، وقلت: أنا سأكسب فيها أجراً وسأتزوجها وأكون سبباً في هدايتها، فلما تزوجتها ما رأيت منها سعادة قط، فبعد ذلك تأتي وتشتكي، فنقول لك: يا أخي! العينة بينة، أنت تعرف أنها كانت كذا. وقد يتزوج الرجل امرأةً متحجبة، لكنها تريه النجوم في عز الظهر، فعندما يأتي ويشتكي؛ نقول له: أنت فعلت الذي عليك، وحظك هكذا، انتقيت وأخذت بالأسباب ولكن لم توفق. فانظر إلى الفرق بين الحالة الأولى وبين الحالة الثانية، الحالة الأولى: يلام؛ لأنه لم يأخذ بالأسباب الشرعية، والحالة الثانية، يحط عنه اللوم، ويُعزى ذلك إلى الغيب ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ [يوسف:٨١]، فالذي عليك أن تبذل وتذهب إلى بيت يضلله الدين، الأب ملتزم والأم كذلك، فإذا تزوجت منهم ووجدت أن هذه المرأة تشقيك فعلى الأقل تكون مستريحاً بينك وبين نفسك؛ لأنك بذلت ما في وسعك.

стр. 92

الأولاد سبب في تقوية العلاقة بين الزوجين مسألة الود هي مسألة خفية، وكذلك مسألة الولادة مسألةٌ خفية، يستدل عليها بشيء خارج، وهذه القاعدة قلناها في أكثر من مناسبة، لما ذكرنا قول النبي ﷺ : (من سره أن يتمثل له الناس قياماً فليتبوأ مقعده من النار)، هذا السرور عمل قلبي، ونحن لا نستطيع أن ندرك أعمال القلوب، فما الذي يؤكد لي أن هذا الرجل مسرور أو غير مسرور؟ فقال العلماء: ينصب لذلك دلالةٌ وعلامةٌ في الخارج يعلق عليها الحكم، فإذا لم تقم له غضب، فالغضب علامةٌ خارجية أنت تراها، يجدر بك أن تعلق الحكم عليها، فإذا غضب لأنك لم تقم له، دل ذلك على مدلول قلبه وأنه يسر إذا قمت له، فلما كان عمل القلب خفياً لا يعلمه إلا الله، نصب لك دليلاً خارجياً تراه بعينك فتعلق عليه الحكم، كذلك الودود الولود. الود والولادة نحن نصبنا شيئاً من الخارج مثل: البيت الذي يظلله الدين، والأم الولود، والأخت الولود، والخالة والعمة، فهذه كلها أشياء يصح أن تعلق الحكم عليها: (خير نسائكم من أهل الجنة الودود الولود). ذكرت كلاماً مجملاً في الخطبة وهو: أن الولد يمثل الأواصر بين الزوج والمرأة، والرجل كلما أحب المرأة فإنه يحب أولاده منها، وإذا كره المرأة قد يكره أولاده منها، والعبارة دقيقة؛ لأن الرجل عادةً لا يكره ولده، لكن قد يكره أولاده منها، وأولاد الرسول ﷺ كلهم من خديجة -ما عدا إبراهيم، فمن جاريته مارية - ولذلك قال ﵊: (ورزقني الولد منها إذ حرمني أولاد النساء) وأولاده ﷺ من خديجة ﵂ هم: القاسم، وبه تكنى ﷺ ، والطاهر، والطيب -على قول لبعض أهل العلم- وقال بعضهم: بل هو عبد الله وكان يلقب بـ الطاهر والطيب واتفق العلماء جميعاً على أن كل الذكور ماتوا صغاراً، والباقي نساء، وهن: زينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة، كلهن من خديجة ﵂. ظل رسول الله ﷺ زوجاً لثمانٍ وثلاثين سنة، منها: خمس وعشرون سنة مع خديجة، ومن كرامتها عليه أنه لم يتزوج امرأةً معها أبداً، وليس معنى هذا أن الرجل إذا تزوج على امرأته أنه لا يكرمها أو يضيع كرامتها، لم يتزوج عليها وهي حية، وبعد خمس وعشرين سنة تزوج بعدها النساء، أولهن: سودة، ثم عائشة نكحها بعد موت خديجة بثلاث سنوات، ﵅ جميعاً. فالولد يمتن الآصرة، والمرأة إذا لم تلد تبحث عن كل سبيل ليرزقها الله الولد حتى تمتن الآصرة بينها وبين زوجها، وتظل خائفة إلى أن تلد.

стр. 93

أهمية دور الآباء في الإصلاح بين الزوجين جاءت عمة شريح القاضي تزوره بعد سنة من زواجه بابنتها، قالت له: كيف وجدت امرأتك؟ قال: على ما يحب الصديق ويكره العدو، قالت له: يا أبا أمية! إن المرأة لا تكسد إلا في حالتين: أن يكون لها حظوةٌ عند زوجها، وأن يأتيها الولد. تعني بذلك: أن المرأة تتكبر وتكثر من طلباتها عندما يكون لها حظ عند زوجها، أي: يحبها كثيراً -لكن المرأة التي لم يرزقها الله الولد تتودد؛ لأنها تريد أن تعيش، لذلك يقل نشوزها عن المرأة التي لها حظوة ولها ولد، فالمرأة إذا كان لها أولاد، فإنها تعرف أن الرجل يحب الأولاد، فدائماً عندما يدخل الأب ويرى الولد ويقبله ويحاول أن يسمع صوته عبر سماعة الهاتف -إذا كان خارج المنزل- فتقوم وتعزف على وتر الأولاد، فتنشز عن زوجها وتأخذ الأولاد معها؛ لأنها تعرف أن زوجها لا يستطيع أن يعيش بدون أولاده؛ فيضطر أن يذهب إليها ليسترضيها ويخطئ نفسه ويعتذر حتى تعود إلى بيتها مع الأولاد، فهذه المرأة تعين شريح القاضي على ابنتها، وهذه من خير النساء. إن الأب الجيد عندما تأتي ابنته إليه غاضبة من زوجها فإنه يرجعها إليه مباشرة دون تحقيق ولا انتظار، ولا عقد محاكمة للزوج، ويكون قد أعلم ابنته قبل أن تتزوج أن المرأة إذا تزوجت فليس لها إلا بيت زوجها، ويعظم الزوج عند زوجته، بخلاف الذي يجمع ابنته وزوجها ويقول له: أنت مخطئ لماذا لا تعاملها بالمعروف؛ فيشجع ابنته على زوجها، وهذا خطأ، فهو بهذا الأسلوب يهدر قوامة الرجل، لكن إذا أراد أن يعاتبه فليعاتبه لوحده منفرداً، ويعيد إليه زوجته ويحفظ له كرامته، وقد يكون الزوج معوزاً فقيراً فأعطه بعض النقود أو هدية، وقل له: اعط هذا ابنتي عن طريقك، فأنت بهذا الأسلوب تكسب قلب الزوج، وفي نفس الوقت الهدية ستصل إلى ابنتك. هكذا كان خلق عمر بن الخطاب ﵁ مع ابنته حفصة، كما جاء ذلك في الحديث الذي رواه الشيخان من حديث ابن عباس عندما قيل: (إن النبي ﷺ طلق نساءه، قد كن هجرنه من الليل حتى الصباح، فجاء عمر بن الخطاب وقال لـ حفصة: أي: حفصة! أتغاضب إحداكن النبي ﷺ وتهجره من الليل حتى الصباح؟! قالت: نعم. قال: ما يؤملك أن يغضب الله لغضب رسوله فتهلكي، ثم أوصاها بوصية -ينبغي لكل والد أن يوصي ابنته بها- فقال لها: لا تسألي النبي ﷺ شيئاً، ولا تستكثريه، وسليني ما بدا لك). ويقول ﵊: (نساء قريش خير نساءٌ ركبن الإبل، أحناه على ولدٍ، وأرعاه لزوجٍ في ذات يده).

стр. 94

تحديد النسل مخالف للشرع سئل: الرسول ﵊: (عن امرأةٍ جميلةٍ لا تلد، وعن أمةٍ تلد، فنصح بزواج الأمة التي تلد). لأن النبي ﵊ عندما قال: (تزوجوا الودود الولود؛ فإني مكاثرٌ بكم الأمم)، إذاً كثرة النسل مطلوبٌ شرعاً، وتحديد النسل بالطريقة التي يدعو إليها المتهوكون لا تجوز شرعاً باتفاق العلماء، وما يجوز للفرد في ذاته أن يعمم على المجموع، فمثلاً: اتفق العلماء على أن الأذان فرض كفاية، وأنه لا يجب الأذان وجوب عينٍ على كل فرد، واتفقوا على أن رفع الأذان من أي فرد واجب، إذاً رفع الأذان بوقت الصلاة متعينٌ على مجموع الأمة، ساقطٌ عن كل فردٍ فيها إذا قام به أحدهم، فإذا جئت فقلت: إن هذا واجب عليهم جميعاً، فهذا منكر، كما قال العلماء. فالرجل يجوز له أن يباعد ما بين فترات الحمل بمانعٍ من موانع الحمل، فإذا جئت فقلت: هذا الجواز للفرد واجبٌ على المجموع، قال العلماء: هذا منكر ولا يجوز، إنما المسألة لكل فرد بقدر ظروفه وحالته، فالدعوةُ العامة إلى تحديد النسل من أنكر الدعاوى، وجريمة من أعظم الجرائم، ويتعذر هؤلاء المدعون أنه لا يوجد طعام ولا شراب، كأنهم هم الذين يرزقون الناس، لكن نحن نقول: دع الناس الذين بدون أعمال يعملون.

стр. 95

الإصلاح الإداري هو الحل لا تحديد النسل في كل ميل مربع من الوطن العربي يعيش فيه ثمانية وسبعون فرداً، وفي أوروبا كل ميل مربع يعيش فيه مائة وثمانية وعشرون فرداً، نحن لا نعاني من كثرة الناس، فمثلاً: يبلغ عدد سكان مصر نحو الستين مليوناً، ويعيشون على (٤%) من مساحتها، وهو الشريط الأخضر حول النيل وبعض البقاع المتناثرة القليلة. إذاً: المسألة فساد إداري لا كثرة أنفس، الضربات المستمرة الجائرة الظالمة لتوظيف الأموال كانت سبباً في هروب رأس المال إلى الخارج، فالمصريون كانوا يحولون كل عام أربعة مليار دولار، فتقلص هذا المبلغ كثيراً، وصاروا يودعون أموالهم في البنوك الخارجية. رجال كانوا من الأغنياء، كان معهم ستمائة ألف مليون، فصاروا يستحقون الآن أموال الزكاة بسبب ضرب شركة توظيف الأموال، وفي خلال ثلاث سنوات كان رأس مال بعض الشركات ثلاثة مليار وواحد من العشرة، أي: أن الناس كانوا يودعون كل سنة ملياراً، أين هذه الأموال؟ وهذه الصحراء ألا تحتاج إلى رأس مال؟ لماذا لا يقال للناس: اخرجوا إلى الصحراء، (من أحيا أرضاً ميتة فهي له)، كما قال النبي ﵊. قرأنا في جريدة الأهرام -قبل حوالي ثلاث سنوات- محنة أربعة إخوة جاءوا من سويسرا بعد خمس وعشرين سنة عمل، أول ما أعلنت الثورة الخضراء، وأن الذي يصلح أرضاً يأخذها، فذهبوا واشتروا ألف فدان، وظلوا يعملون أربع سنوات أو خمس، أنفقوا فيها تقريباً جلّ المال الذي جمعوه على مدار خمس وعشرين سنة، وبعد أن اخضرت الأرض، ذهبوا من أجل أخذ عقود التمليك، فأبوا أن يعطوهم عقود التمليك، لماذا؟ قالوا: سنبيع الأرض لكم بمبلغ وقدره كذا وكذا، لماذا تبيعونه، والصحراء مد البصر؟ يريدون أن يبيعوا لهم الأرض بعد أن أصبحت خضراء! ثم عجزوا عن أخذ عقد تمليك الأرض. أنا عندما أكون رجل أعمال وأقرأ هذا الخبر في الجريدة الرسمية، وأنهم عجزوا عن أخذ عقد تمليك للأرض، فلا أفكر أن أضع مالي أو رأس مالي كله في أرض ثم يأخذونها مني بعد ذلك، والنبي ﵊ يقول: (من أحيا أرضاً ميتة فهي له). إذاً: المسألة فساد إداري فقط، (٩٦%) من أرض مصر صحراء، وهناك رءوس أموال ضخمة جداً، فلماذا لا يطلق للناس العنان؟ نظموها واعملوا لكل رجل ألف فدان، ويدفع رسوماً معينة كنوعٍ من المعونة للصرف على الإداريين والموظفين القائمين على المشروع، ثم تطلق يدك فيها وتدعها للناس، بعدها سنخرج من مشكلتنا، أما أننا نقلص من نسلنا، والنصارى يعطون للرجل الذي يأتي بالولد الرابع علاوة إضافية، فهذا لا يوجد عندنا، بطاقة التموين التي لا تغني ولا تسمن من جوع، لو أن أحداً لديه خمسة أولاد فإنه لا يكتب في البطاقة إلا اسم ولد واحد مع الأب والأم، مع أنهم قد جعلوا أربعاً وعشرين خانة للأولاد، من أجل تحديد النسل، ولقد صرفوا على تنظيم الأسرة الملايين، لو أحيوا بها أرضاً لأكل كل أولاد الدنيا منها، لكن كل هذا من أجل التنفير من كثرة الولد التي هي نعمة، فالنبي ﵊ قال: (إني مكاثرٌ بكم الأمم يوم القيامة) أفلا تحقق أمنية النبي ﵊؟ إذا كان هو يريد أن تكون الأمة كثيرة فمحبة له نتكاثر.

стр. 96

الأسئلة

стр. 97

حكم إمامة من به مرض سلس البول السؤال إمامٌ يصلي بالناس وعنده سلس بولٍ، فماذا يفعل في الوضوء، علماً أنه يتوضأ عند كل صلاة مباشرةً؟ الجواب هذا لا شيء عليه، إذا كان هو أحفظ الناس لكتاب الله ﵎، أو هو الإمام الراتب للناس، فمن صحت صلاته لنفسه، صحت لغيره، بشرط أن يتوضأ لكل صلاة.

стр. 98

حكم الصلاة في المسجد الذي فيه قبر السؤال عندنا شيخٌ يجيز الصلاة في المسجد الذي فيه قبر، ويستدل بأن السيدة عائشة كانت تصلي في الغرفة المدفون بها النبي ﷺ وأبو بكر وعمر، وسيدنا عمر عندما وجد الرجل يصلي إلى القبر قال له: القبر القبر، فمال يميناً أو يساراً ولم يأمره بإعادة الصلاة، إذاً: صلاته صحيحة، وأن النبي ﷺ دعا وقال: (اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد من بعدي) إذاً: القبور التي لا تعبد يجوز أن يصلي المرء بجانبها؟ الجواب هذا الكلام كله غير صحيح؛ لأننا نقول: هل لدى المدعي دليلٌ على أن عائشة كانت تصلي في الحجرة بعدما دفن فيها النبي ﷺ وأبو بكر وعمر؟ وهل كانت تسكن فيها؟ كل هذا كذب. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين.

стр. 99

الأعداء الثلاثة أيها السائر الغريب التائه في دروب الحياة! هل لي بمحنك خطة تواجه بها ما ابتلاك الله به في هذه الحياة؟! إن هناك ثلاثة من الأعداء يتربصون بك. فهل حصنت جبهاتك النفسية والأسرية والاجتماعية ضد أولئك الأعداء؟! هل تعرف كيف تدافع عن نفسك إذا ما داهمك الشيطان؟ غزا دينك في عقر داره -القلب- مزيناً لك ما فيه هلاكك؟! هل تعرف ما تصنع ضد شياطين الإنس الذين يزينون لك الفواحش والمعاصي؟! ثم ألا تعلم أن نفسك هي ثالث أعدائك؟ وأنك إذا لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل؟!

стр. 100

أهمية التخطيط للعمر إن الحمد لله تعالى نحمده، ونستعين به، ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. فهل يروم النصرَ رجلٌ يقاتل عدوَّه بلا خطة؟! إن الجيوش إذا دخلت في حرب تضع خطة للنصر وأخرى للهزيمة. إذا انتصر ماذا يفعل؟ إذا استولى على أرض عدوه ماذا يفعل؟ إذا أخذ نصفها ماذا يفعل؟ كيف يحتفظ بالنصف الذي أحرز؟ وكيف يحرز النصف الذي أخفق في إحرازه أول مرة؟ وكذلك: إذا انهزم وولى وأدبر أينهزم هكذا خَبْطَ عشواء، أم ينهزم بخطة حتى لا يُدَمَّر، حتى يقلل الخسائر؟ أي جيش في الدنيا يدخل معركةً لابد أن يضع خطة يواجه بها كل احتمال.

стр. 101

شياطين الإنس عدو الإنس قد يكون من أقرب الناس إليك ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ﴾ [التغابن:١٤]، قد يكون من أقرب الناس إليك من يصدك عن الله، تريد أن تلتزم يصدك، خائن يريد أن يأكل رزقك، يريد أن يعيش عيشة الأنعام فيصدك لتكون مثله. يقول لك: التزامك يضرني فلا تلتزم. فإن قلت له: هل ودخولي النار لا يضرك؟! تعرضني لعذاب الله ولا يضرك؟! إن كنت تحبني أجب عن هذا السؤال. - يقول: إن التزامك يؤثر على منصبي. وتقول له: وانحرافي أنا يعرضني لعذاب الملك، أهذا يرضيك؟! - يقول: نعم. بلسان الحال وإن لم ينطق بها. كذلك قضى الله على هؤلاء، على هذا النمط: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾ [المعارج:١١]، أعز ما يملك، يقول: يا رب! أدخلهم النار ونجِّني، فإن لم يكفِ هؤلاء ﴿وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ﴾ [المعارج:١٢]، خذ امرأتي وأخي ونجَِّني، فإن لم يكف هؤلاء ﴿وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْويهِ﴾ [المعارج:١٣]، خذ الأسرة كلها ونجِّني، فإن لم يكفِ ذلك ﴿وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنجِيهِ﴾ [المعارج:١٤] اعرف هذا! وبعض هؤلاء الأعداء لهم لسان جميل، ومنطق عذب، وقد يصادف عِيًّا في المريد فيضل ويهلك. وأنا أعطيك مثلاً لتعتبر به، كعب بن مالك كان أحد الأمراء في الجاهلية، فلما أسلم وتخلف عن غزوة تبوك ورجع النبي ﷺ من تبوك إلى المدينة، وجاء المنافقون يعتذرون إليه جاء كعب بن مالك من جملة من يعتذر، فلما رآه النبي ﷺ قال له: (ما خَلَّفك؟ قال: يا رسول الله! لو كنت عند أحد من أهل الأرض لرأيتُ أنني أخرج من سخطه بعذر، لقد أوتيت جدلاً -أي: أنا رجل مجادل صاحب لسان لا أُغلب، لكن الشوكة التي في ظهري أنني أمامك، لو كنت عند غيرك لعرفت كيف أخرج، وكيف أعتذر، وكيف أبكيه على حالي بالمنطق المقنع واللسان العذب- لكنني لو حدثتك حديثاً ترضى به عني يوشك الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك بحديث صدق تجد به علي إني لأرجو فيه عقبى الله، والله! ما كان لي من عذر. -إلى آخر كلامه- ثم خرج من مجلس النبي ﷺ إلى بيته فقابله بعض أقربائه: ماذا قلت؟ قال: قلت: كذا وكذا وكذا. فقالوا له: والله! لقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله، ما نعلم أنك أذنبت إلا هذا الذنب- ألم تكن تقدر أن تقول له: اعتذر لي، هو ذنب واحد فقط، لو قال: اللهم اغفر لـ كعب ذهب الذنب، أنت ما الذي ورَّطك هذه الورطة؟ وجعلك تعمل من نفسك صادقاً، فرحت تدين نفسك هنا بلسانك- قال: فلم يزالوا يؤنبونني حتى هممت أن أرجع فأكذب نفسي) هذا نموذج من رجل عنده جدل، فكيف بشخص ضعيف لا يستطيع أن يتكلم ولا يستطيع أن يدلي بحجة؟! ماذا سيفعل فيه مثل هذا الكلام؟ عدو الإنس يزين لك وهو أخطر من عدو الجن من أوجه: أولها: أن عدو الجن إذا استعذت بالله فر، وعدو الإنس ماكث لا يفر. ثانيها: أن عدو الجن لا تراه؛ لكن عدو الإنس يراك وتراه، وفي المشافهة والمخاطبة إقناع، بعض الناس يقتنع لمجرد أن يرى وجه المتكلم، وانفعاله وأساريره، وهذا له دخل كبير في الإقناع، ولذلك ليس مَن رأى كَمَن سمع، إذا كنت تستمع لخطبة الجمعة فإنك تنفعل بها وتؤثر فيك؛ ولكن خذ الشريط واسمعه بعد شهر، ستجده لا يؤثر فيك مثلما يؤثر فيك، وأنت تسمع الكلام المباشر. فشيطان الإنس أخطر، ولذلك احذره ألف مرة. ثم احذر نفسك التي بين جنبيك، ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف:٥٣].

стр. 102

الأعداء الثلاثة الذين يتربصون بالإنسان أيها السائر الغريب التائه في دروب الحياة! هل لك خطة، تواجه بها أعداءك التقليد بين الثلاثة؟!! أولهم: شيطان الجن الذي قال: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص:٨٢]، يأتيك من كل جهة ويحاصرك، ليس له هدف إلا أن يدخلك النار، يتربص بك الدوائر ليل نهار، ولا يفتُر عنك طرفة عين. العدو الثاني: عدو الإنس الذي يزين لك الباطل، ويُضْعِف قلبك ويسرق لبَّك. العدو الثالث: نفسك التي بين جنبيك تتقلب بها ليل نهار. هل لك خطة وأنت سائر على الطريق؟ ألك خطة تنجو من هؤلاء الثلاثة، وأنت وحدك لا تقوى على مواجهة واحد منها؟ يُفْجِعُ المرءَ أن يكون جواب أغلب الكافة: أن لا خطة! ثم يروم بعد ذلك أن يصل إلى الله سالماً! كيف الوصول وقد يسترقونك وأنت في الطريق.

стр. 103

الشيطان وعداوته للإنسان شيطان الجن الذي يزين لك كل قبيح، وهو الذي حادّ الملك، حادَّه ورفع عقيرته بخلافه، ولم يأبه به، فمن أنت؟ ما هي قيمتك، وأنت صيده الثمين؟ شيطان الجن، الله ملكك أكتافه ونصرك عليه. إذا قلت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ولى. مهما كان مارداً عاتياً لا يقف ولا يثبُت. فأنت بربك، وقوتك به، وإلا غلبت، ولو اجتمعوا عليك غلبوك يقيناً، فأنت عُذْ بالله لتنجو، فهل عرفتَه؟! إن دروب الحياة مهلكات، يتربص بك هذا الذي أظهر لك عداوته قبل أن يكون لك سن تقطع أو يد تبطش، أرأيتَ نذالة في عدو مثلما رأيت في الشيطان!! قال صلى الله عليه وآل وسلم: (ما من مولود يولد إلا يستهل صارخاً) كل ولد أول ما ينزل من بطن أمه يصرخ، لماذا يصرخ؟ مسه الشيطان، وكزه، طعن في خاصرته، وهو طفل ضعيف، ما له سنه تقطع، ولا يد تبطش، ولا يدري شيئاً. مهلاً! يا عدو الله: لماذا تظهر عداوتك له من أول لحظة؟! وكزه، فلما وكزه صرخ، لهذا يبكي الولد إذا وُلِد. (ما من مولود إلا يستهل صارخاً ذلك أن الشيطان مسه إلا مريم وابنها)، ذلك أن امرأة عمران قالت: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً﴾ [آل عمران:٣٥]، خالصاً، محرراً من أية مصلحة، لا أريد الولد ليحمل اسمي، لا أريد الولد ليرث أملاكي، لا أريد الولد ليكون بصري إذا فقدتُ البصر، أو عكازي إذا فقدت قوتي، لا أريد الولد إلا لك، ﴿نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً﴾ [آل عمران:٣٥] من أية مصلحة، هل فعل نساؤنا ذلك؟ هل خطر على بال الواحدة وهي تنظر إلى بطنها أن تقول ما قالت امرأة عمران، ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [آل عمران:٣٥]. فلما أخلصت نيتها لله امتن عليها بأربع نعم: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً﴾ [آل عمران:٣٧]. قطرةٌ من فيض جودك تملأ الأرض رِيَّا ونظرةٌ بعين رضاك تجعل الكافر ولياً فكيف وقد تقبلها بقبول حسن؟! ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً﴾ [آل عمران:٣٧]، تعاهدها منذ الصغر، ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران:٣٧]، موت الرجل من أعظم المصائب في حياة المرأة، وطلاق المرأة كسرها كما قال ﵊. لا يحس بما أقول إلا المرأة التي مات زوجها وهي فقيرة وتنفق على أيتام لها، أو المرأة التي طلقها زوجها وضيَّعها أهلها. معنى: ﴿كَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران:٣٧]: صانها ورفع قدرها وجنبها عناء مصارعة الخلق في الحصول على الرزق. وهذه نعمة، ولذلك قال النبي ﷺ : (إن الله لا ينظر إلى امرأة لا تشكر زوجها). لماذا؟ لأنه يكفلها، ينتزع رزقها ورزق أولادها من مئات الأيدي والأفواه، ثم يأتي براتبه فيضعه بين يديها، فهي لا ترى غيره، وهو يرى ألوفاً، منهم اللئام، ومنهم الكرام، هذا الراتب مجهود فَعَلَه الرجل، لذلك إذا جَحَدَت خير زوجها مقتها الله ولم ينظر إليها. مريم مات أبوها الكفيل، فلم يُسْلِمْها ربها إلى الخلق، بل رزقها بغير حساب، وصان لها ماء وجهها. لقد أنعم الله على مريم بهذه النعم الأربع لماذا؟ لأن أمها أحسنت بأن وهبتها لله ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [آل عمران:٣٥]، ولذلك مريم وابنها ﵉ ما مسهما الشيطان. إذاً: نأخذ من هذا الحديث أن الشيطان يعلمك بعداوته برغم أنك لا تعقل، يقول لك: تذكر عداوتي، أنا ما نسيتك، ولذلك قال الله ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ [الكهف:٥٠]، أمعقول هذا الكلام؟! تتخذه ولياً وهو عدوك وتترك وليك الله الملك الحق فلا تواليه؟! ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ [الفرقان:٥٥]. فهذا عدو لدود ما هي خطتك في مواجهته؟!

стр. 104

زاد على الطريق ما الذي يخفف عليك جفاف الدروب المهلكة؟ محبة الله ، إن الحب يطيل النَّفَس فيعطي القلب قوة، ويعطي الجوارح قوة. فما هي حقيقة الحب الذي نقول: ينبغي أن نعلمه أولادنا ليصدق انتماؤهم إلى الله ورسوله؟ وَقُود الانتماء: الحب، وجناحاه: الولاء والبراء. فما هو الحب؛ لأن الإيمان بالشيء فرع عن تصوره؟ قال الناس: الحب إشارة إلى الصفاء والضياء. والعرب تقول إذا رأت أسناناً بيضاء متلألئة، تقول: حبب الأسنان. أو هو من الحباب وهو الشيء الذي يطفو على ماء المطر إذا نزل، فكأن الحب هو هيجان القلب وثورته إلى لقاء المحبوب. أو هو من اللزوم والثبات والاستقرار يقال: (أحبّ البعير) إذا برك ولم يقم؛ فكأن الحب هو لزوم قلب المحبوب، فلا يروم عنه تحولاً. أو كأنه من الحَب الذي هو أصل الشيء، كما أن الحَب هو أصل الزرع. فالحب هو إيثار المحبوب على المصحوب. وهو رعاية الحبيب في المشهد والمغيب. وهو إيثار الخدمة مع وافر الحرمة. الحب أن لا يكون لك إرادة مع من تحب، تنفعل له ولو كان بضد رغبتك. يخط الشوقُ شخصَك في ضميري على بُعد التزاوُر خَطَّ زوري ويُوهم منك طول الفكر حتى كأنك عند تفكيري سميري فلا تبعُد فإنك نورُ عيني إذا ما غبت لم تظفر بنورِ إذا ما كنتَ مسروراً بهجري فإني من سرورك في سرور مسرورٌ أنك هجرتني! فأنا راضٍ وأنا مسرور، برغم أن الهجر للحبيب قوي وشديد؛ لكني مغلوب على ما تحب، فلا أرى إلا ما تحب، حتى لو كان بضد رغبتي. هو هذا معنى أن لا يكون لك إرادة، ولذلك ترى المحبين مهانين ليس لهم كرامة، ولو قال المحب: كرامتي، فليس بمحب، لكنهم مُهْدَرُو الكرامة، يُهان المحبُّ ويَذِل وهو راضٍ مستكين. وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي متأخَّرٌ عنه ولا مُتَقَدَّمُ وأهنتني فأهنت نفسي جاهداً ما مَن يهون عليك ممن يُكْرَمُ شاكلتَ أعدائي فصرتُ أحبهم إذا كان حظي منك حظي منهمُ أجد الملامة في هواك لذيذة حباً لذكرك فليلمني اللوَّمُ أهنتني فأهنت نفسي جاهداً؛ لأن إهانتي ترضيك، ماذا يفعل بي عدوي أكثر من أن يهينني، فلما أهنتني وأهانني عدوي صرت مثل عدوي، فأحببت عدوي لأن فيه صفة منك، كما أن حظي منهم الإهانة، وحظي منك الإهانة أحببتهم لذلك. الحب: أن لا يكون لك إرادة مع من تحب. كان مالك بن نويرة رجلاً مسلماً، فلما تنبأت سجاح الكاذبة التي ادعت النبوة بعد موت النبي ﷺ وفي أول خلافة الصديق، تابعها مالك بن نويرة، فلما أرسل أبو بكر ﵁ خالد بن الوليد ليؤدب المرتدين، وبلغه أن مالك بن نويرة تابع سجاح الكاذبة، وقال بعض المسلمين لم نسمع منهم أذاناً ولا إقامة، ورأى أنه كفر، أمر به فقُتِل وتزوج امرأته. أخوه متمم بن نويرة كان شديد الحب له، ما رأيت رجلاً تفجع في رثائه على أحد مثلما تفجع متمم على أخيه، فلما قتله خالد بن الوليد رثاه متمم بن نويرة بأبيات، فكان دائماً يبكي لا يُرى إلا باكياً، فمن شعره: فقال: أتبكي كل قبر رأيتَه لقبر ثَوَى بين اللوى فالدكادك فقلتُ له: إن الأسى يبعث الأسى فدعني فهذا كله قبر مالك لا يرى قبراً على وجه الأرض إلا هو قبر محبوبه الذي دفنه فيه. دعني لا أرى قبراً على وجه الأرض إلا قبر من مات من أحبتي. فقلت له إن الأسى يبعث الأسى فدعني فهذا كله قبر مالك هذه طبيعة الحب وطبيعة المحب. فهل لما أرسل الله نبيه بالهدى ودين الحق تأدبتَ بتأديب الله إيانا ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦]؟ هذا هو معنى أن لا يكون لك إرادة مع محبوبك. إذا أمرك بضد هواك تسارع أكثر مما لو كان وفق هواك. هذا عنوان الحب؛ ولذلك جعل الله الفعل علامة قائمة على ثبوت الحب فقال ﵎: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]. تُحب! لابد أن تقيم دليل المحبة وهو الاتباع، وهو أن لا تخالف أمره في دقيق ولا جليل، ذلك عنوان الحب. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

стр. 105

المحبة في القرآن الكريم الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناء الجميل. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له: ﴿يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب:٤]، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قد أكثر الله في كتابه من ذكر المحبة: فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة:٤]. ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:١٩٥]. ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة:٤٢]. ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً﴾ [الصف:٤]. وفي المقابل نفى الحب: فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة:١٩٠]. ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران:١٤٠]. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:٣٢]. ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [المائدة:٦٤]، ولا المشركين. ﴿لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة:٢٠٥]. فلما وقفت على الصيغة: (لا يحب)، ففتشت في القرآن عن لفظة (يكره) مسندة إلى الله. ما وجدتُ إلا مكاناً واحداً ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء:٣٨]، وتعلق هذا الكره بالفعل. فلماذا (لا يحب) بدل (يكره)؟ قضيت ليلتي متفكراً، ما اكتحلتُ بنوم حتى أذن الفجر، وظللت بعد الفجر ساعتين لا أنام، أريد أن أصل إلى هذا المعنى، وفتشتُ في كتب أهل العلم في المظان، فما وجدت، فانقدح في ذهني معنى إن كان صواباً فمن الله وإن كان غير ذلك فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان منه، وأستغفر الله مما يسبق إلى الخاطر، ووالله! لقد كان أحب إلي أن أقرأه لعالِم فأنسبه إليه ليزداد شرفاً. (لا يحب) أفضل مِن (يكره) مِن وجه واضح: أن ذكر الحب حتى في طريق نفيه يهيج على الحب، يبعث عليه ويذكر به، والله لا يرضى لعباده الكفر، ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ﴾ [النساء:١٤٧]. قال ﷺ : (إن الله كتب في كتابه الذي هو عنده أن رحمته تغلب غضبه). إذاً: هو يذكرهم بنعمه، فلما يذكر (لا يحب) فهذا يهيج على الحب بخلاف ما إذا قيل: يكره التي ليس فيها تهييج ولا تذكير بالحب؛ لذلك كان عدم الحب أفضل في الذكرى والتذكير لصالح العبد من الكره، مع أن الذي لا يحبه الله يكرهه، لذلك قال (لا يحب).

стр. 106

اسم الله (الودود) باب الأسماء والصفات ربما وقفنا عنده طويلاً لنعلم الناس كيف يحبون الله، لنعلم الناس صدق الانتماء إليه. أرأيت إلى هذه الصفة ما أجملها! وأرقها! وأحنها! الودود، لم تتكرر في القرآن إلا في موضعين اثنين، ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ [هود:٩٠] وفي الآية الأخرى في سورة البروج: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ [البروج:١٤]، الصفات حين تقترن ببعضها تؤدي معنى عظيماً. رحيم من الرحمة؛ لكن صفة الرحمة اقترنت بصفة العزة في مواضع من القرآن، وتستغرب؛ فإن العزة معناها القهر والانتقام والبطش، فكيف اقترنت بالرحمة؟ تأمل في سورة الشعراء بعد ذكر قصة كل نبي، ويذكر الله لنا كيف أهْلَكَ المكذبين، يُتْبِع كلَ قصة بقوله ﵎: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء:٨ - ٩]، عزيز لأنه أهلك المجرمين، رحيم لأنه الطائفة المستضعفة، فصفة الرحمة من الممكن أن تقترن بالعزة، وصفة العزة دائماً صفة استعلاء، ﴿الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ﴾ [الحشر:٢٣]، ﴿عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [آل عمران:٤]، ﴿الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ [هود:٦٦]، ﴿عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٤٢]، صفة العزة صفة هيمنة وجبروت واستعلاء؛ لكن من الممكن أن تقترن بالرحمة. الغفور من الممكن أن تقترن بالعزة ﴿الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك:٢]. لكن الود لم يقترن إلا بالرحمة والمغفرة، فإذا ذكر الود فاعلم أن كله رحمة أوله وآخره. فانظر: ودود (فعول)، كثير الود، والود من المستغني جميل، إذا تودد الضعيف يقال عنه: يتزلف، منافق، له مصلحة، إذا تودد المحتاج لم يكن لِوُدِّه ذلك المعنى الذي يكون للمستغني، ولذلك قال العلماء: الزهد من الأمير حَسَن، رجل فقير وزاهد، أنت تقول: وهل هو لاقٍ شيئاً؟! فبالطبع لابد أن يزهد، ليس عنده شيء؛ لكن إذا رأيت أمير المؤمنين يزهد عَظُم في نظرك الزهد ورأيتَ له طعماً. والقادر إذا عفا وغفر كان لغفرانه طعم. فالله المستغني العزيز له الأسماء الحسنى والصفات العلا يتودد إليك، وهو لا يحتاجك، فما أجمل هذه الصفة في موضعها! لا سيما إذا سُبِقت بالرحمة وسُبِقت بالمغفرة. أتفر منه؟! يهون عليك ويقوى قلبك على مشهد العصيان له؟! والله! ما هذا بالنَّصَف، ما هذا بالإنصاف، وهو المتفضل عليك، نعمه عليك من شَعَر رأسك إلى أخمص قدمك.

стр. 107

التوكل على الله وحسن الظن به إن الذين تنفك عزائمهم في المحن لا ينظرون إلى الله حال الابتلاء؛ لكن ينظرون إلى كيد العدو، لذلك تنفسخ العزائم؛ إذا قيل لأحدهم: احلق لحيتك وإلا اخرج، سأل نفسه سؤالاً: أنا لو خرجت فمن أين آكل؟ أين أبيت؟ هذه هي الجهة التي نظر إليها! هل لما ولى وجهه قال: الله يؤويني ويسترني، ولا يضيعني وقد أطعته، وقد حفظني وأنا عاصٍ له. فلا تظْنُن بربك ظن سَوء فإن الله أولى بالجميل لكن الجهة التي ينبغي أن يَنْظُر إليها ليس فيها أحد؛ لذلك انفسخ عزمه. التوكل على الله أصله اعتماد القلب على الله. أيها المبتلى! أنت عبده، وأنت من خلقه، وإنما أنزل إليك الكتب وأرسل الرسل ليحمِيَك من عدوك، فاطمئن، لن يُسْلِمَك، وسيذكرك ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩]. الله حسبك وكافيك، وانظر ما أجمل هذه الصفة! صفة الحَسْب، حَسْب، كل حَسْب ورد في القرآن مَعْزُوٌّ إلى الله فهو خالص له: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣]، لم يشركوا مع الله أحداً في الحَسْب. ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٤]. ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ [الأنفال:٦٢]. ثم انظر إلى هذا الموضع الجميل الجليل الدقيق: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة:٥٩]، فلما ذَكَر الإيتاءَ ذَكَرَه لله ورسوله، ولما ذكر الحَسْبَ أفْرَدَ نفسَه به، ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا الله﴾ [التوبة:٥٩] لم يقولوا: حسبنا الله ورسوله، بل أفردوا الله بالحَسْب، إذ لا يقدر على رفع الضر إلا الله، ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:١٧ - ١٨]. فالحَسْب اعتماد القلب على الله، ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر:٣٦]، هذا هو الحَسْب، فإذا اعتمدت في وقت المحن بقلبك على الله لا يُسْلِمُك إلى عدوك. إن العرب في الجاهلية وهم جهلاء كفروا بالله ورسوله، كان الرجل الضعيف إذا استجار بواحد قوي، وقال الرجل: هو جار لي، لا يقدر أحد على إيذائه لِمَنَعَتِه وقوته، فإذا دخلت في جوار الله تظن أن الله يُسْلِمُك؟! تظن ذلك؟! لله در أبي بكر -رضي الله عن أبي بكر - لما خرج -كما في صحيح البخاري- مهاجراً وولى وجهَه شطر البحر قابله ابن الدغنة فقال: إلى أين يا أبا بكر؟ فقال: أخرجني قومك، أريد أن أسيح في الأرض فأعبد ربي. قال: يا أبا بكر مثلك لا يَخْرُج ولا يُخْرَج، ارجع وأنا جار لك -أنت في حمايتي- ثم ذهب ابن الدغنة إلى الكعبة ونادى في الناس: ألا إني أجرت أبا بكر، فما تعرض أبو بكر بعدها لأذى. وكان أبو بكر يصلي وقد اتخذ مسجداً في داره، فكان يصلي داخل الدار، فمضى وقتٌ، فبدا له أن يبني بيتاً في فناء الدار -خارج الدار- وكان أبو بكر رجلاً أسيفاً كثير الأسف سريع الدمعة، إذا قرأ القرآن لا يملك عينيه، فكان إذا قرأ وبكى اجتمع النساء والولدان عليه يتفرجون -ما هذا الشيء العجيب؟ أول مرة يرون رجلاً يبكي، ويسمعون كلاماً يقطع نياط القلوب- فلما رأى المشركون هذا المنظر، قالوا لـ ابن الدغنة: ما على هذا اتفقنا، مر صاحبك يدخل الدار؛ لأننا نخشى على نسائنا وأبنائنا أن يفتنوا، وإلا فرد جوارك، لن نسكت، لا نرضى أن نخفر جوارك، فجاء ابن الدغنة إلى أبي بكر ﵁، وقال: يا أبا بكر صل إن شئت في دارك ولا تستعلن وإلا رد علي جواري، فإني أكره أن يتحدث العرب أنني أخْفِرْتُ في جواري، قال أبو بكر: بل أرد عليك جوارك وأرضى بجوار الله . فلا تظنن بربك ظن سوء فإن الله أولى بالجميل باب الأسماء والصفات باب خطير في زيادة الإيمان، وتأمل الأسماء المقرون بعضها إلى بعض، تزدد بها إيماناً. اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين اللهم اجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر. اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا. رب آت نفوسَنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. اللهم اغفر لنا هَزْلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا، وكل ذلك عندنا.

стр. 108

الغربة والتمكين الغربة الحقيقية ليست هي الغربة عن الأوطان والأحباب، لأن صاحب هذه الغربة قد يجد من يؤنسه في غربته، وقد يرتاح فيها أكثر مما هو في وطنه، ولكن الغربة الحقيقية هي غربة الدين، فغريب الدين غريب بين أهله وذويه، وبقدر الصبر والاحتساب في هذه الغربة يكون الاستخلاف والتمكين؛ تصديقاً لموعود الله جل وعلا.

стр. 109

اقتران الغربة بالاستضعاف إن الحمد لله تعالى نحمده، ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. فسورة القصص سورةٌ مكية، جميعها خلا آيتين تنازع فيها أهل العلم؛ لكن الطابع العام لهذه السورة يدور حول ذكر الله الاستضعاف، وحول أخذ أسباب القوة، ونحن في أشد الحاجة إلى طرح هذا الموضوع، لاسيما وقد صرنا الآن في مفترق الطرق، وكثير من الناس لا يدري أين يقف بعدما حدث تغريب شامل. وصف الغربة وصف لازم للاستضعاف، فالاستضعاف والغربة قرينان، قال الله : ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ * وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص:٥ - ٧]. التمكين يحتاج إلى التفكير في هذا الموضوع من وقت الرضاعة، هذه الأجيال المنهزمة التي لا تستطيع أن تجد لها الآن موضعاً على وجه الأرض؛ السبب قديم: من أراد أن يمكن له في الأرض فليبدأ بتربية ولده من وقت وضع النطفة. ذكر الله أنه يريد أن يمن على بني إسرائيل، ويرفع هذا الاستضعاف ويمكِّن لهم، ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص:٧] هذا هو بداية التمكين لبني إسرائيل، ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص:٤]، هذا هو الوضع العام، الناس شيع وأحزاب ومستضعفون، لا يملكون لساناً ولا يداً مع فرعون، فالغربة والاستضعاف قرينان لا ينفك أحدهما عن الآخر. وإنما ساق الله هذه القصة للنبي ﵊ ليقول له: إننا كما مكنا لموسى ومكنا لبني إسرائيل فإننا سنمكن لك وذكر في آخرها قوله: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص:٨٥]. سورة القصص هي السورة الوحيدة التي تعرضت لميلاد موسى ﵇، وقصة موسى ﵇ ذكرت كثيراً في القرآن، لكن ما عرفناها إلا من بدء رسالته إلى فرعون، فتطرقت هذه السورة إلى ذكر ميلاد موسى. ما أحلم الله ! لو أراد أن يأخذ فرعون لأخذه، لكن ربى له رضيعاً، ما أحلمه عن عباده! ولو كان الله يعجل كعجلة أحدنا ما أبقى على ظهرها من دابة. فقه هذا الأمر ضروري: أن تعرف أنك غريب، يعني: مستضعف، ومستضعف يعني: غريب. إن رجوع الجيش المنهزم رجوعاً صحيحاً، وانسحابه انسحاباً صحيحاً يُعَدّ باباً من أبواب الانتصار، حتى ولو لم يحرز تقدماً، لكن يكفي أن يرجع بلا هزيمة وبلا خسائر جسيمة، لأن المسألة كلها مناورات، فإذا وجدت الفرصة أمامك فتقدم، ولا تندم ولا تحزن إذا رجعت أضعاف ما تقدمت، المهم: أن تكون كما أمرك الله ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود:١١٢] لا يضرك أن ترجع مائة خطوة إلى الوراء طالما أنك مستقيم على الأمر، فإن الله إذا أراد أن يمكن للمسلمين مكن لهم في أقل من طرفة العين، لكن لابد من وضع الكلام في مكانه الصحيح، والفعل في مكانه الصحيح، مسألة التقدم والتأخر هذه مسألة ترجع إلى الضغط الذي نعيشه، نحن الآن نعيش في زمان الغربة الثانية، لكنَّ هناك فروقاً جوهرية بين الغربة في الأوائل الغابرين، والغربة في الخالفين. إن فشل الجماهير الغفيرة في الإجابة على سؤال بدهي هو السبب في هذه المأساة التي نعيشها الآن، سؤالٌ مكوّنٌ من كلمتين اثنتين، إذا سألته لأي رجل كأنما باغته، ويضل فترة يفكر في الجواب. تعثر الجماهير في الإجابة عن هذا السؤال هو سبب المحنة التي يعيشها المسلمون من قرون، هذا السؤال لماذا نتزوج؟ اسأل أي رجلٍ هذا السؤال يشعر بمفاجأة، ويفكر قليلاً، معنى هذا الوقوف: أنه لا يدري لماذا تزوج، كبر وبلغ ويريد أن يتزوج، هذه كل الحكاية؛ لذلك كانت هذه الجماهير الغفيرة هم أولاد الذين تعثروا في هذه الإجابة، فخرجوا للحياة بلا هدف. اليهود خمسة عشر مليوناً فقط، لو بصق كل رجلٍ مسلم بصقة لأغرقناهم، يملكون المال والسياسة والإعلام والاقتصاد والزراعة كل أسباب الحياة في أيدي اليهود. لما اطلعت مرة على مذكرات جولدا مائير هذه المرأة التي رأست الحكومة في إسرائيل، قالت: إنها بدأت تفكر في محنة الشعب اليهودي وعمرها أربع عشرة سنة، وبدأت تعد نفسها لتحمل المسئولية وهي في هذا السن ماذا يشغل أحلام نسائنا؟! أنا لا أسوق هذه القصة على أساس أن جولدا مائير في موضع الحجة لا، إذا أردنا الحجة إنما هم الصحابة الأكارم، الذين رباهم النبي ﵊، لكن أضرب مثلاً معاصراً. امرأة كافرة استطاعت أن تصل إلى قمة الهرم -الحكومة- بدأت هذا الشعور وعمرها أربع عشرة سنة! لماذا يحتقر الإنسان نفسه؟ إنك لا تدري ما يكتب لك من أمنيتك، سل أي عظيم: هل كنت تتوقع أن يقال: فلان الفلاني إمام الأئمة؟ يقول لك: أبداً، ما خطر ببال أي إمامٍ تعقد عليه الخناصر أنه سيكون إماماً، فلو كل إنسان احتقر نفسه، واستسلم للفساد الإداري الذي قتل العباقرة ودفن الأذكياء؛ لما ارتقت أمةٌ أبداً. لذلك قد تجد اختلافاً في تحديد ميلاد العالم، لأنه يوم ولد كان مولوداً مثل مئات المواليد، لا نباهة له ولا ذكر، ولا ندري أيكون عالماً أم قاطع طريق؟ لكنه يوم مات دونوا وفاته بالساعة، بل بالثانية لماذا؟ لأنه ما مات حتى كان علماً كبيراً ملأ الأرض. فنحن في زمان الغربة، لكن نوعية الغريب اختلفت، الغريب الأول يختلف عن الغريب الذي بعده.

стр. 110

حقيقة الغربة أصل الغربة هو التفرد، ألا يكون لك شكلٌ ولا نظير، هذا هو معنى الغريب، قال أبو سليمان الخطابي ﵀ يتوجع من هذه الغربة التي شعر بها في بلده وبين أهله لما كان يدعو إلى السنة، وقام له أصحاب التعصب، فأنشد متوجعاً: وما غربة الإنسان إلا في شقة النوى ولكنها والله في عدم الشكل وإني غريب بين بدٍ وأهلها وإن كان فيها أسرتي وبها أهلي هذا هو معنى الغربة، ليس الغريب هو الذي يترك بلده ويسكن في بلدٍ أخرى، فإن الغريب قد يأنس في دار الغربة، ويتخذ له أصحاباً وأخداناً أفضل من الذين تركهم، وهذه القاهرة أغلب الذين يعيشون فيها ليسوا من أهلها، فكيف استقر بهم المقام حتى أنهم نسوا مسقط رأسهم؟! إن الغريب قد يأنس في دار الغربة، لذلك لما نصح النبي ﵊ ابن عمر أن يتجافى عن دار الغرور، قال له: (يا ابن عمر! كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) و (أو) ليست تخييراً أن يختار الغربة وأن يكون عابر سبيل لا، إنما ترقى النبي ﷺ به، (أو) هنا: بمعنى بل، يعني كن في الدنيا كأنك غريب بل عابر سبيل، كقول الله : ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ [النحل:٧٧]، يعني: بل هو أقرب من لمح البصر، وكقول الله : ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات:١٤٧] يعني: بل يزيدون، لأن الغريب قد يأنس في دار الغربة بأن يجد له شبيهاً أو نظيراً. والمقصود من الموعظة أن يتجافى ويشعر بالوحشة الدائمة وهو في الدنيا، فالغريب قد يأنس، فقال له: لا، لا تكن غريباً، بعدما قال له: ﴿كن في الدنيا كأنك غريب﴾ ثم كأنما استدرك فقال له: لا تكن غريباً؛ لأن الغريب قد يأنس، بل عابر سبيل؛ فإن عابر السبيل مستوحشٌ دائماً، لا يكاد يضرب فسطاطه فينام حتى ينقصه ويمضي، ومثل الدنيا والآخرة كمثل الشقة التمليك والشقة المفروشة، فلو أن صاحب الشقة المفروشة تعطل عليه (صنبور) الماء فإنه لا يصلحه فإذا قلت له: لماذا لا تصلح (الصنبور)؟ يقول لك: أصلاً هي مفروشة، وأنا سأتركها وأمضي. لا يهيئ فيها شيئاً، لكن إذا رزقه الله ، واستطاع أن يشتري شقة تمليك فإنه يتصرف تصرف الذين لا يموتون، كل شيء يخطر بباله من أسباب الرفاهية والنعيم يأتي به الدنيا والآخرة كمثل الشقة التمليك والشقة المفروشة، المفروض أن العبد العاقل يكون مستوحشاً دائماً وهو يمضي إلى الله؛ لذلك ترقى رسول الله ﷺ في الكلام: لا تكن غريباً بل كن عابر سبيل، فليست الغربة أن تترك بلدك وتترك أهلك وتدخل مع آخرين، ليست هذه هي الغربة، وهذا هو معنى كلام الخطابي ﵀: وما غربة الإنسان في شقة النوى أي: في البعد. ولكنها والله في عدم الشكل ألا يكون لك نظير.
следующие страницы →