← Джавами‘

Джавами‘ · id 7693

دروس للشيخ أبي إسحاق الحويني

أبو إسحق الحويني

Полный текст (1 719 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

العزلة الشرعية العزلة أمر شرعي وسنة نبوية، فقد شرع الله لعباده المؤمنين اعتزال أقوامهم إذا وجدوا منهم الإصرار على الكفر، والتمادي في الصدود، وقد ضرب الله لنا مثلاً وأسوة بقصة إبراهيم ﵇، وهذه العزلة لها مواطن وأحوال تستلزمها؛ استنطبت أحكامها من نصوص الكتاب والسنة وعلى وفق ما سار عليه سلف الأمة.

стр. 982

الأسباب الداعية إلى عدم العزلة إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها الإخوة الكرام! من آثار البراءة من أعداء الله : الهِجْرة، والهَجْر، والعُزْلة، وقد تكلمنا باختصار عن الهجرة والهجر، ونتكلم اليوم عن العزلة، وهو موضوع شائك؛ إذ يحصل فيه توهمات نظراً لخطأ المعطيات. العزلة أمر شرعي، وهو سنة للأنبياء، وأول من اعتزل: إبراهيم ﵇، لما دعا قومه ولم يستجيبوا له، قال: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ [مريم:٤٨]، لكنه اعتزل يوم أدى ما عليه فلم يجد نتيجةً فخاف على نفسه. إن الرجل التاجر إذا أنفق من رأس ماله، ينبغي له أن يعيد النظر في تجارته، فنفقته ينبغي أن تكون من ربحه، لا يأكل من رأس ماله، فإذا رأى أنه يأكل رأس ماله، فعليه أن يعيد النظر، رجلٌ دعا الناس إلى الله ، فآذوه، حتى خشي على نفسه منهم، فحينئذٍ وجب عليه أن يحفظ نفسه، وهذا هو حد العزلة الشرعية، وإلا فالأصل عدم العزلة. من الذي يقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذا اعتزل الناس؟ من الذين يقفون على الثغور ويحاربون الكافرين إذا اعتزل الناس؟ من الذي يبين الباطل، الذي هو كالنهر الهادر في الجرائد والمجلات إذا اعتزل الدعاة إلى الله خشية الأذى؟ في كل يوم سخافات تكتب في الجرائد والمجلات، لقد اعتقد بعض الناس وبكل أسف ممن كنت أتصور أنه رجل عاقل رشيد، اعتقد وحزن على موت البغي الداعرة وتصور أنهم قتلوها؛ لأنها أسلمت واحتارت وقد كانت حامل في شهرين، فكأن المسلم إذا زنا بكافرة يبقى الزنا حلال؟! ما هذا الخبث الجاري والمشكلة الكبيرة أن كثيراً من الناس ليس لديه من العلم ولا أبجديات الإسلام ما يرد هذا الخبث، موضوعات تافهة، لكن عند الذين يعلمون أبجديات دينهم، لكن هناك أناس لا يعرفون شيئاً. في هذا الوقت وهذه المعمعة: خرج علينا خبران متناقضان أشد التناقض يبعثان على الأسى والحزن، الخبران في صحيفة المسلمون. الخبر الأول: ملياردير فلسطيني عرض أن يشتري حطام سيارة المرأة البغي التي في الحادث، بعشرين مليون دولار، وصفوا حطام السيارة أنها مثل علبة وطأت بالأقدام، فعملوا معه لقاء وحديثاً، أنت رجل فلسطيني، على الأقل تتضامن مع الجياع العراة الذين لا يجدون مساكن، فكيف تشتري حطام سيارة بعشرين مليون دولار!!، قال: يا أستاذ! أنا رجل تاجر! وهذه المعاني التي تبحث عنها، ليست عندي، أنا رجل تاجر، أشتري حطام السيارة بعشرين مليون دولار وسأبيعها بمأتي مليون دولار! يقول: أنا رجل تصرفت من الناحية التجارية، مسألة العواطف التي تبحث عنها، هذه ليست عندي. وفي ذات الصحيفة: ملياردير يهودي يعرض على حكام السعودية أن يبيعوا له أرضاً بمكة بأي ثمن، لكي ينشئ معبداً هناك، ويعرض ما يشاءون من الأرقام التي تخطر على بالهم، فانظر إليهم وانظر إلينا، انظر إلى هؤلاء كيف يفكرون، وانظر إلى هذا كيف يفكر؟ اليهود في العالم: خمسة عشر مليون يهودي، معهم التكنولوجيا والزراعة والإعلام والأموال والسياحة، يملكون الدنيا كلها؛ لأن أغنياء اليهود وظفوا أموالهم لخدمة اليهود، حتى أصبحوا الآن لا يتحكمون في انتخابات الرئاسة البرنامجية فقط، بل يتحكمون في انتخابات معظم الدول الهامة في العالم، وهم الذين يضعون التقارير وهم الذين يرشحون الوزراء، وهم الذين يرشحون رؤساء الجمهوريات، بما لديهم من مخطط رهيب، عندهم تغلغل كامل في الأنظمة، ومن يقرأ كتاب: (بورتوكولات حكماء صهيون) يعلم صدق ما أقول، الكتاب هذا له أكثر من مائة سنة وكأنهم يتكلمون عن الواقع الآن، وكل شيءٍ خططوا له كان. إذاً: ليست المسألة عرض قضايا تافهة، بعض الناس قد يقول: أنت تتكلم في قضايا ليست ذات بال ولا مهمة، نحن نريد القضايا الخطيرة! أقول: لا. من جرب الناس تجربتي، قال مثل قولي، ولقد صدق القائل: (إذا كان عدوك نملة فلا تنم له)، (ومعظم النار من مستصغر الشرر). كنا نظن أن هذه المسائل تافهة ولا تؤثر في العوام وإذا بها تؤثر فيهم فعلاً، ويعادون كثيراً من النصوص الثابتة، لا أذهب بك بعيداً، فهذا أحد الدعاة الكبار نشر كتاباً يتكلم فيه عن الزهد في الدنيا، وأحاديث الزهد في الدنيا موجودة في الصحيحين والسنن، فأتى بكتاب الترغيب والترهيب للحافظ المنذري، وأتى بالأحاديث التي ترغب في الزهد بالدنيا، وقال: آفاتنا من انتشار مثل هذه الأحاديث وهي أحاديث في الصحيحين، أجمع العلماء على صحتها. قال: هل نحن طلقنا الدنيا وتزوجها الكافر، وعندما نزهد في الدنيا، المال يكون مع من؟ فهالني أن يكون هذا الداعية لا يفهم معنى أحاديث الزهد، هذا فهم مغلوط، لم يقل الله ولا رسوله ﷺ : لا يكون عندكم مال ولا تكونوا أغنياء، إنما أحاديث الزهد في الدنيا بمعنى زهد القلب، ولو كانت الدنيا بما فيها لها قيمة لجمعها النبي ﷺ ولحض عليها، وقد كان ﷺ يقول: (اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً)، فكان معه العشاء وليس عنده إفطار، لأن العبد إذا لم يجد فليس له ملجأ ولا منجى إلا إلى الله ، فدائماً يلهث: يا رب، يا رب، مثل الولد الذي يحتاج ويقول: يا أبت، يا أبت، يا أبت، لذلك قل الشكر في بيوت الأغنياء، تجد الرصيد عنده في البنك والشيكات موجودة، والثلاجة موجودة، والمحفظة مليئة، لماذا يقول: يا رب؟ متى يقول: يا رب؟ لا يقولها إلا إذا تورط، لكن فيما عدا ذلك لا يقولها. فالفقراء زكى عملهم؛ لأنهم أكثر الناس ذكراً لله بسبب الحاجة المستمرة. الزهد في الدنيا الوارد في الأحاديث معناها زهد القلب، وليس زهد اليد، إنما رغب الله ورسوله ﷺ في حيازة المال باليد فقط، بل إن النبي ﷺ لما ذكر طبقات الناس، وأنهم جميعاً لا يخرجون عن طبقات أربع؛ جعل صاحب المال العالم أعلاهم، فقال ﷺ ، كما في حديث أبي كبشة الأنماري ﵁: (إنما الدنيا لأربعة نفر: رجلٌ آتاه الله علماً ومالاً فهو يتقي الله فيه، يصل به رحمه، ويرعى لله فيه حقه، فهذا بأفضل المنازل، ورجلٌ آتاه الله علماً ولم يؤته مالاً، فهو يقول: لو أن لي كفلان، لعملت بعمله، فهو ونيته، فهما في الأجر سواء، ورجلٌ آتاه الله مالاً ولم يؤته علماً، فهو يخبط في ماله، لا يتقي الله فيه ولا يصل به رحمه، ولا يرعى لله فيه حقه؛ فهذا بأخبث المنازل، ورجلٌ لم يؤته الله مالاً ولا علماً، فهو يقول: لو أن لي كفلان، لعملت بعمله، فهو ونيته، فهما في الوزر سواء)، فكل رجلٌ منا لا يخرج عن نمط هؤلاء الأربعة: عالمٌ غني، ثم عالمٌ فقير، ثم غني جاهل، ثم فقير جاهل، وأفضلهم جميعاً العالم الغني؛ لأن تعدي الخير بخلتين أفضل من تعديه بخلة واحدة، إذا كان عالماً ينفع الناس بعلمه ثم يسد بطون الجياع، هذا أفضل من واحد يعلم فقط، والنبي ﷺ قال: (لا حسد إلا في اثنتين: رجلٌ آتاه الله الحكمةَ، فهو يعلمها الناس، ورجلٌ آتاه الله مالاً، فسلطه على هلكته في الحق). وأنت تلاحظ في الحديثين أن المال لا يبدأ بذكره استقلالاً إنما يأتي تبعاً، ففي الحديث الأول قال: (آتاه الله علماً ومالاً)، وفي الآخر: (آتاه الله الحكمة؛ فهو يقضي بها، وآتاه الله مالاً؛ فسلطه على هلكته في الحق) دليل على أن المال بغير علم مذموم. الولد الذي كنا نتكلم عنه، لديه طائرة خاصة، وعنده سبعون سيارة من أحدث سيارات العالم، فماذا فعل بالمال؟ يذهب إلى باريس ليتعشى فقط، يركب الطائرة ليذهب ليأكل السمك ويرجع، هذا الذي معه مال فقط، ليس عنده علم يعصمه، ولذلك كان الرجل الثالث بأخبث المنازل كلها: (ورجلٌ آتاه الله مالاً ولم يؤته علماً، فهو يخبط في ماله ولا يرعى لله فيه حقاً، ولا يصل رحمه). إذاً: المال وحده ليس ممدوحاً، فعندما نقرأ أحاديث الزهد في الدنيا، لا بد أن نعلم أن الزهد الوارد هو زهد القلب، وإلا فالنبي ﵊ قال لـ عمرو بن العاص: (يا عمرو إني أريد أن أرسلك إلى غزاة كذا)، قائد سرية، قائد جيش، كتيبة (لتغنم مالاً، فقال: يا رسول الله! ما على هذا اتبعتك) أنا ما اتبعتك لأحرز المال، فقال له: (يا عمرو! نعم المال الصالح للرجل الصالح). ذلك هو الرجل الذي يتقي الله ولديه مال ينفقه لبيوت أناس يأكلون بجانبه، فنعم المال الصالح للرجل الصالح، فعندما يأتي رجل كبير له منصب في الناس والدعوة ويقول: لا ينبغي أن نعرض أحاديث الزهد في الدنيا على الناس!! هذا فهم مغلوط لمعنى الزهد، وإلا فإن تج

стр. 983

مشروعية العزلة في بعض الأحوال أيها الإخوة الكرام! العزلة تشرع في ثلاثة أحوال:

стр. 984

وجود الفرد لوحده مع الخوف على النفس الحالة الثالثة التي توجب الاعتزال، أن تكون فرداً لا معين لك، وبين هذه والتي قبلها عموم وخصوص، ففي هذه الحالة تعتزل إذا خفت على نفسك، أما دون هذا فإن العزلة لا تشرع، حتى نقيم دين الله ﵎، قال الله : ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:١٠٤]، وجاء هذا الفعل مضارعاً مؤكداً باللام، ونحن نعرف أن من صفات الفعل المضارع الاستمرار، والنبي ﷺ لما قال: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده)، فإذا شرعنا العزلة للناس جميعاً وكل واحد يعتزل؛ فمن الذي يقوم بهذه الشعيرة العظيمة. كل عالم عندما تقرأ ترجمته تجد عنواناً مشتركاً في تراجم العلماء الربانيين، التراجم الجانبية: اسمه كنيته مولده شيوخه تلاميذه ورعه وزهده تقشفه، طلبه للعلم؛ ثم تجد محنته. هذا العنوان الجانبي (محنته) تجده في تراجم العلماء الربانيين. ما معنى المحنة؟ أليس فيها مواجهة، هو إذا اعتزل وحده وتفرد ما يمتحن، إنما يمتحن لأنه أمر ونهى: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان:١٧]، فدلنا ذلك على أن من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر لا بد أن يصيبه أذى، لذلك قال: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [لقمان:١٧]. نسأل الله ﵎ أن يعلمنا وإياكم ما جهلنا، وأن ينفعنا بما علمنا، اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين. اللهم اجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر، اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا، ربنا آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا، وكل ذلك عندنا.

стр. 985

كثرة المخالفين وقوة شوكتهم الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن، والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. هناك كلمة حكيمة قالها العلماء، لها صلة بموضوع الاعتزال، يقول العلماء: (لو سكت من لا يعلم لقل الخلاف)، الجدل الذي يحصل بين الأقران، ويتكلم أغلبهم بلا علمٍ سابق فضلاً عن عقيدة راسخة، هذا ذمه رسول الله ﷺ لما نهى عن الأغلوطات، ونهى عن عُضل المسائل، فهذا أحد وجوه العزلة، ليس المقصود أن تكون هناك فتنة فيها سيوف ودماء تعتزل، لا. كل مسألةٍ لم تعتقدها وليس عندك فيها علم سابق تعتقده ديناً اعتزله، لا أقول: اعتزله فقط، إنما أقول: تعلمه، لكن لا تجادل. الحالة الثانية في الاعتزال: أن تضعف وتقل مئونتك في عرض الحق الذي عندك؛ بسبب كثرة المخالفين وقوة شوكتهم، وهذا أيضاً يدخل في حكمة الدعوة. بلد فيه مبتدعة كثيرون، فالصوفية مثلاً يقدسون الأولياء وينذرون لهم، وأنت فرد وحدك بدأت تدعو إلى التوحيد، واستجاب الناس لك، ورأيت ثمرة غراسك، فليس من المصلحة ولا الحكمة أن تتصدى لذم القبور وأن تقف في مواجهتهم علانيةً؛ لأنه ليس هناك أية مصلحة في كسرك، بقاؤك أفضل من تدميرك. العز بن عبد السلام وهو يتكلم في القواعد الكلية في باب المصلحة، قال: إذا وقعت حربٌ بين المسلمين وأعدائهم ولم يحصل نكاية وجب الانهزام. أي: إذا لم يحصل منا نكاية في العدو بأن كسرناهم وغلبناهم، وغلب على ظننا أننا إذا دخلنا الحرب غلبنا وجب أن ننهزم لعدونا، ثم علل ذلك قائلاً: لأنه إذا لم يحصل نكاية كسرت شوكة المسلمين، وذهبت بيضتهم مع عدم وجود مصلحة في ضياع النفس إذ ضاع الدين. والضرورات الخمس التي نزل الإسلام بكل نصوصه لحفظها: أولها: الدين. ثانيها: النفس. فنحن في حربنا مع عدونا إنما نحارب لتكون كلمة الله هي العليا، ليست حرب استرداد أرض، ولا حرب غزو النسل، أو من أجل أن نوسع الرقعة التي معنا أبداً. ما شرع الحرب في الإسلام إلا لإعلاء كلمة الله دفعاً أو طلباً، جهاد الدفع إذا هجم عليك عدو، فتدفع عن نفسك، لتحفظ بلدك ودينك ومواطنيك. أما جهاد الطلب: فأنت الذي تطلب العدو، تبعث رسلاً، أريد أن أدعو إلى الله عندكم، قالوا: لا. قلنا لهم: إما أن تخلوا بيننا وبين دعوة الناس ولا تحجروا عليهم وإما قاتلناكم، والله إذا رضوا بجز الغلاصم، ولكز الأراقم والبلاء المتلاطم المتراكم، فهم وما أرادوا ندخل عليهم، وإذا رضوا وقالوا: تفضلوا ادخلوا وادعوا، فإذا دخلنا، فمن أسلم منهم صار منا، ومن لا، فعليه أن يدفع الجزية وهو صاغر، مشروع الجهاد كله إنما قام لأجل هذا. وترك الجهاد مهلكة للذين لا يجاهدون، قال الله : ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥] ذهب أسلم بن عمران إلى أبي أيوب الأنصاري، فسأله عن قوله تعالى:: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥] هو الجهاد؟ قال: لا. وهناك قصة استدعت أن أبا أيوب الأنصاري يقول التفسير الصحيح لهذه الآية، فقد وقع حصار بين المسلمين والروم وبينما هم محاصرون إذ خرج صف عظيم من الروم، فخرج صف من المسلمين للالتقاء بهم، وحصل الاشتباك، فأحد المسلمين دخل في وسط المشركين وجعل يضرب هذا وذاك، وأحدث نوعاً من الاضطراب في صفوف المشركين، فجعل الناس يقولون: سبحان الله! ألقى بيده إلى التهلكة، فحينئذٍ خطبهم أبو أيوب الأنصاري وقال: أيها الناس! إنكم تضعون الآية في غير موضعها، إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، لما أعز الله دينه وكثر ناصروه، قلنا بيننا وبين أنفسنا سراً دون رسول الله ﷺ : إذ قد أعز الله دينه وكثر ناصروه، فلنصلح أموالنا التي تلفت، كل واحد منا له تجارة وزراعة، وبسبب الجهاد المستمر، تلفت الزراعة وتوقفت حركة التجارة، قال: فنزل قول الله : ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥]، فكانت التهلكة: ترك الجهاد. إذاً: مسألة المصلحة والمفسدة مهمة في تحديد معنى الاعتزال، فأنا في بلد، أدعو ووجدت لدعوتي صدى، وبدأ الناس يستجيبون، فلنكن مثل رسول الله ﷺ لم يكسر الأصنام يوم دخل مكة، بل كانت رايات البغايا على البيوت ترفرف وهو يمر، وكانت الأصنام في جوف الكعبة وهو يطوف، ومع ذلك سكت؛ لأنه ليس هناك مصلحة في استباحة بيضة المستضعفين، فإذا وجدنا أننا لا نستطيع إقامة الدين في وسط هؤلاء؛ دعونا من استجابوا لنا، فإن وجدنا أننا لا نستطيع ولا يوجد لنا رصيد في هذا البلد، وخشيت على نفسي التلف، إما بالأذى وإما بالركون إليهم حينئذٍ نعتزل. وهذا ينطبق عليه قصة أصحاب الكهف: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الكهف:١٦]، فاعتزلوا هؤلاء؛ لأنهم لا يقدرون على تغيير مجتمع فيه أباطرة، وهم مجموعة من الفتية الصغار الذين لا يقدرون على ذلك.

стр. 986

عدم التمايز بين الحق والباطل الحالة الأولى: ألا تميز بين الحق والباطل، فإذا دعيت إلى جهة من الجهتين وأنت لا تستطيع التميز فحينئذٍ تعتزل، وقد فعل هذا جماعة من خيار الصحابة، لما وقعت الفتنة بين علي ومعاوية ﵄، فها هو سعد بن أبي وقاص ﵁، لما وقعت الفتنة، أخذ أولاده وماله وخرج خارج المدينة، فجاءه ولده عمر بن سعد، وقد تورط وشارك في قتل الحسين، فلما رآه سعد من بعيد جداً وهو لا يعلم من هذا الراكب، وقد كان سعد صاحب فراسة، فقال: أعوذ بالله من شر هذا الراكب، فاقترب الراكب شيئاً فشيئاً، فإذا هو عمر ابنه، فدخل عليه، فقال: يا أبت! أرضيت أن تكون أعرابياً في إبلك، والناس يتقاتلون على الملك، أما والله لو ذهبت أظنها تئول إليك، وتصبح أنت الخليفة، فضرب على صدره وقال: يا بني! اجلس، فإني سمعت النبي ﷺ يقول: (إن الله يحب العبد التقي النقي الغني الخفي). وروى ميمون بن مهران ﵀، عن سعد بن أبي وقاص أنهم جادلوه: (كيف تركت هذا ولم تدخل؟ قال: إذا جئتموني بسيف ينطق له عينان ولسان، يقول: هذا كافر اقتله، وهذا مؤمن دعه، حينئذٍ أخوض معكم. يا قومِ! إنما مثلي ومثلكم كمثل قومٍ في سفر، فهبت عليهم ريح مظلمة، ففقدوا الطريق، فقال جماعة: الطريق يميناً، فمضوا، وقال جماعة: الطريق يساراً ومضوا، وقال جماعة: بل نبقى في مكاننا حتى تنجلي، فما لبثت الريح أن انجلت، فإذا الذين وقفوا، وقفوا على الأمر الأول) هذا هو الفقه، أنهم وقفوا على الأمر الأول. ولما اعتزل عبد الله بن عمر ﵁، قيل له: لم اعتزلت؟ قال: لا أعرف من الباغي، ولو علمت لقاتلت. واعتزل الفتنة أيضاً محمد بن مسلمة ﵁، وكان خزيمة بن ثابت الأنصاري يمشي مع علي ولا يقاتل، حتى إذا قتل عمار قاتل؛ لأنه سمع النبي ﷺ يقول لـ عمار بن يا سر عندما كان يبني المسجد النبوي، وكان عمار مريضاً، فكان الصحابة يحملون لبنة لبنة، ويحمل عمار لبنتين لبنتين مع مرضه، فكان النبي ﷺ يزيل التراب عن ظهره وهو يقول: (ويحك يا ابن سمية! تقتلك الفئة الباغية)، وكان عمار مع علي. إذاً: الفئة الباغية هي فئة معاوية ﵁ ومن معه، فظهر لـ خزيمة بن ثابت أن الفئة الباغية هي فئة معاوية ﵁، فحينئذٍ لم يترخص ولم يتوقف وإنما قاتل، فقد ظهر له برهان أن علي بن أبي طالب مبغي عليه. فإذاً: إذا لم يميز المرء الحق من الباطل يعتزل، وليس هذا في الفتن فقط، إنما هذا في كل قضية طرحت، وليس عندك علم أهذا محقٌ أو مبطل، اعتزل الجدل، ولا تخض بلسانك، ولا تقل: أنا رأيي كذا، طالما أنك لم تميز بين الحق والباطل. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

стр. 987

حكم إلقاء السلام على اليهود والنصارى إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. اللهم صل على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد. في الحقيقة وصلتني رقاع مكتوبة، وهي تتعلق بكلامنا عن الولاء والبراء، ورأيت العناية بها، وأن أجلّي لأصحابها ما أخطأوا فيه، أو ما توهموه على خلاف ما ذكرته من النصوص الصريحة سواءً كانت من القرآن أو السنة. وأيضاً هناك بيانٌ آخر يوزع على أئمة المساجد وعلى الخطباء فيه أشياء تستحق الإشادة، وأشياء تستحق أن ننظر إليها وأن نعلق عليها. يقول بعض الذين أرسلوا إلي هذه الرقاع: بعد البسملة والصلاة والسلام، والثناء على الله . يقول: أنا من أشد المعجبين بك، ولكن اسمح لي أن أتجرأ، وأخالفك في بعض وجهات النظر، وذلك لا يفسد الود إن شاء الله. السؤال يقول: أنت تقول: إن من علامات الولاء والبراء مقاطعة النصارى وعدم إلقاء السلام عليهم أو أي تحية أخرى وذكرت حديثاً معناه: أن المجتمع عندما يرى يهودياً أو نصرانياً في طريق بئر يطرحه في البئر؟ الجواب أغلب المستمعين هم حاضرون ومواظبون على خطبي، فهل مر هذا في كلامي؟! لا. ما مر على الإطلاق أنني قلت: إذا رأيته في طريق بئر؛ قم وضعه في البئر، وأيضاً ما قلت: إذا قابلت النصراني فلا تحيه بتحية، أنا قلت: قل له أي تحية؛ صباح الخير أو صباح الفُل، لكن قلت: لا تلقي عليه تحية الإسلام التحية الخاصة بالمسلمين. أيها الإخوة الكرام! أخونا الذي أرسل هذه الرسالة، أنا معجبٌ به أنه طرح ما عنده ولم يكتمه حتى أسدده وحتى أصلح له ما أخطأ فيه. لما قلت أنا في الخطبة: أن بعض الناس فعلاً لام عليّ كتابةً ومشافهةً، أنني أحياناً أتعرض في خطبتي للكلام عن بعض الموضوعات العامة مثل الحادث الذي حصل للمرأة الإنجليزية وهذا الولد المصري، يقول: إن المنبر أقدس من أن تذكر عليه أمثال هؤلاء هذا كلام رجل لم يجرب الدعوة ولم يجرب الناس، الذي جرب الناس يختلف كلامه وعطاؤه تمام الاختلاف عن حديث الغرف والمكتبات، يختلف كلامه عن الرجل المثالي الذي لا ينظر إلا في المثاليات، نحن نعالج الواقع، تعرفون ما هو أهم جهد نفتقده في أغلب الذين يعتلون المنابر؟ إن جهد الداعية الأعظم، أن يعين الناس على تنفيذ النصوص، لا يقول له: أنا وضعت لك النص أنت (عقلك في رأسك اعرف خلاصك)، إذا خالفته صرت فاسقاً أو كافراً أو مبتدعاً، أنت حر، لا. أنا مهمتي أن أقول له: النص كذا، وهو يقول: لكن البيئة عندي لا أستطيع أن أقاومها، فآتي أنا أفكر له، كيف ينفذ النص في حدود إمكاناته، لا أتركه على الإطلاق، أسدده وأفكر له، يمكن أن تنفذ الطريقة الفلانية كذا، ويمكن تعمل كذا وكذا، هذا هو جهد الداعية، ربط النص بالواقع، وإعانة الناس على العمل بالنص، لكن أن تقول له: هذا النص أمامك في القرآن والسنة وهو يقرأ! لكنه عاجز عن التطبيق بسبب ضيق عقله، بسبب أنه هو في المحنة، وعادة الإنسان الممتحن لا يستطيع أن يفكر؛ لأن عقله مشغول بالمحنة التي هو فيها، فيحتاج إلى رجل هادئ غير ممتحن يفكر له، فهذا هو جهد الداعية الأعظم. فأنا عندما أتكلم بكلام عربي مبين واضح، ويأتي مثلاً بعض إخواننا في الله يستمع هذا، فيكون من نتيجة السماع أنه يفهم، أنني أقول: أن النبي ﷺ قال: (إذا قابلت اليهود والنصارى في الطريق فاضطروهم إلى أضيقه)، فحين يفهم أن (أضيقه) أنني أرميه في بئر، طيب ما لقيت بئراً، أذبحه؟! هذا ليس مستبعداً، فهو يقول: طالما عرفت هذا، لزم أن أعمل فيه أي حركة، مثلاً؟ لا. هذه المسألة لم أقلها وليس هذا هو مضمون الحديث. عندنا آفة أيضاً تكلمت عنها في مسائل الولاء والبراء، أننا أُنشئنا تنشئة خاطئة، فمثلاً: مصطلح الأخوة في الإنسانية غزا مصطلح الأخوة في الله؛ لأن كل وسائل الإعلام مرئية كانت أو مقروءةً أو مسموعة، تصب في مصطلح الأخوة في الإنسانية. التعامل مع أهل الكفر وأهل الحرب جائز باتفاق المسلمين، أنت رجل تاجر وتحتاج إلى بضاعة مستوردة، تعمل عقداً وصفقات معهم، هذا جائز لا إشكال فيه، وقد كان المسلمون يتبايعون مع الروم وفارس، وليس مجرد التبايع معهم دلالة على أننا نحبهم؛ لكن ما هو الحب الممنوع في التبايع؟ التوقير فالكافر تقول له: صباح الخير، عقدنا كذا وكذا، والحكاية كذا وكذا، ابعث لي؛ أبعث لك، انتهت المعاملة على هذا، لكن المسلم تختلف معاملته، أول ما تقابله: كيف أنت، كيف أصبحت، كيف أولادك، لعلك بخير، إذا حمد الله؛ أنا أحمد الله وأثني عليه أنه ما زال بخير، وحتى لو كان بيني وبينه خصومة، الأخوة في الله لا يرفعها البغي: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:٩ - ١٠]؛ لكن نحن ما ربينا على هذا المصطلح، آباؤنا فرطوا في تربيتنا والإعلام له دور، والمثال الذي سأذكره يندرج ولو من طرفٍ خفي تحت قول النبي ﷺ : (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه). فأنا أقول الآن: عند الناس في أمثالهم مثل خطأ، لكني سأحتج به، يقول المثل: الأب الذي ربى وليس الذي خلف، طبعاً هذا المثل غلط، الأب هو الذي ولد باختصار: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب:٥]. مثلاً: امرأة طلقت ومعها ابنها الصغير ثم تزوجت برجل آخر، فزوجها الثاني أخذ الولد وهو ابن شهرين، ورباه حتى صار رجلاً كبيراً، ولم ير أباه على الإطلاق طيلة حياته، من أبوه؟ الذي رباه أو الذي خلفه؟ هذا من باب الإلزام فقط، وليس من باب الاحتجاج، أقول: إن الذي يربي ابنك هذا، ابن من؟ ابن التلفاز؛ لأن الأب على مذهبهم هو الذي يربي. طيب التلفاز مفتوح أربع وعشرون ساعة والأب يعمل ثماني عشرة ساعة، وأحيانا بعض الآباء يقول: أفتقد أولادي تدخل الساعة الواحدة ليلاً وتخرج الفجر، هذا متى يربي؟ تعرف الأولاد يستهويهم الشيطان، هناك ولد كان القاضي يسأله يقول له: أنت لماذا تعمل هكذا؟ فيقول الولد: ما رأيت أبي منذ سنة، قال له: يا بني أبوك مسافر؟ قال له: لا. إنه يبيت في البيت كل ليلة، هو دبلوماسي معروف، قال له: لم أره منذ سنة؟ طبعاً هذا الولد يسهر مع أصحابه ويرجع الساعة الرابعة فجراً، والرجل ينام بعد العشاء، يطلع الفجر لكي يذهب ديوان الشغل، والولد لا يزال نائماً، فبقي سنة لم ير أباه، لذلك يقول الرسول ﵊: (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه) فإذا غاب الوالد وغاب دوره، فلا يبقى إلا الحاضر، والتلفاز هو الذي يربي، فمن جملة ما قتله التلفاز، مسألة الاعتزاز بدينك، وليس معنى الاعتزاز بدينك أن تظلم، هذا الكلام غلط، أنا أعتز بديني ولا أظلم، جاري النصراني لا يؤذيني؛ لا أؤذيه، وإذا وقع في مشكلة، كذلك لا مانع أن أقدم له يد المساعدة؛ لأن الرسول ﷺ قال: (دخل رجل الجنة في كلب سقاه). يا أخي! نزل هذا منزلة ذاك، وانتهى. فإذا كان لك في كل كبدٍ رطب أجر، وإذا سقيت كلباً تأخذ أجراً، ولو مددت يد العون لرجل على غير دينك واحتاج إلى ذلك، فالإسلام لا يمنعك من ذلك، لكن يمنعك من السهرات ورفقاء السوء وكثرة الدخول والخروج وأن تقطع إخوانك المسلمين. فنحن نقول لصاحبنا: أنا لم أمنع السلام على النصراني نهائياً، بل أجريت الخلاف الوارد بين العلماء، وقلت: إن بعض العلماء لما قرأ قوله ﷺ : (لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام)، نظر إلى العلة في المنع، لماذا لا نبدأ اليهود والنصارى بالسلام؟ العلة وردت في حديث آخر: إن اليهود إذا سلموا عليكم يقولون: السام عليكم، أي: الموت عليكم. فقولوا: وعليكم. يبقى إذاً أنا أرجعتها له، وهذا هو العدل ما ظلمته، بل بالعكس هو الذي بدأ ودعا عليَّ بالموت، فأنا رددت عليه هذه الدعوة، رداً رفيقاً بدون مشاكل: السام عليه، وقد أنكر ﷺ الزيادة على ذلك، مع أن البادئ أظلم، لكن ليس المعنى: أن تعطيه بالصاع صاعين! لا. لو زدت شيئاً عليها، فقد تظلمه. دخل رجلٌ من اليهود كما في البخاري وغيره على النبي ﷺ ، فقال: (السام عليك يا أبا القاسم، فأجابت عائشة، فقالت: وعليك السام والذام واللعنة، فقال لها رسول الله ﷺ : مهلاً يا عائشة، إن الله لا يحب الفحش ولا التفحش) الرسول ﷺ لما سمع: السام عليك يا أبا القاسم، قال: وعليك. فـ عائشة كادت أن تنفلق فلقتين لما سمعت الدعاء عليه، فقالت هذا الكلام، فقال لها: (يا عائشة إن الله يكره الفحش والتفحش، قالت: يا رسول الله، أولم تسمع ما قال؟ قال: أولم تسمعي ما قلت). ونحن إذا خرجنا عن هدي الرسول الكريم، نكون قد ظلمنا أنفسنا وليس هناك عدل أحسن ولا إحسان أفضل من هذا، فالعلماء عندما قالوا: لا تبدءوا اليهود والنصارى بالكلام، قالوا: لأنه يلوي بلسانه ويقول: السام عليكم، ومع الأسف فإن بعض المسلمين لا يقصدون الدعاء يقولون: السام عليكم يختطها خطاً، وهذا فيه شبه بالمغضوب عليهم، والمفروض أن الإنس

стр. 988

بين ابن عباس وعمر بن الخطاب ﵄ [١، ٢] لقد كان الصحابة رضوان الله عليهم القدوة في العبادة والعلم والأخلاق والحرص على الاستزادة من الخير، وكان ابن عباس ﵁ من أشدهم حرصاً على ذلك، ولهذا وغيره كان عمر ﵁ يقدمه ويدنيه في مشورته، وبين أيدينا مثال على حرص ابن عباس على العلم، إذ يسأل عمر عن آية نزلت في أمهات المؤمنين، وتتابع الحديث بينهما حتى فتحا لنا وللأمة نافذة مشرقة تصف حياة الرعيل الأول وأحوالهم -الخاصة والعامة- التي يفترض أن تكون قدوتنا ودستور حياتنا.

стр. 989

حرص ابن عباس على العلم وتفضيل عمر له إن الحمد لله تعالى نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أخرج الشيخان البخاري ومسلم وغيرهما من حديث ابن عباس ﵄ قال: (لم أزل حريصاً على أن أسأل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ عن المرأتين اللتين قال الله فيهما: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم:٤] حتى حج وحججت معه، وعدل وعدلت معه بالإداوة، فقضى حاجته، ثم جاء فكشفت عليه منها، فقلت: يا أمير المؤمنين! من المرأتان اللتان قال الله فيهما: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم:٤]؟ فقال عمر: واعجباً لك يا ابن عباس! هما عائشة وحفصة، ثم استقبل عمر الحديث يسوقه قال: كنت أتناوب النزول إلى النبي ﵌ أنا وجار لي من الأنصار من بني أمية بن زيد، وهم من عوالي المدينة، فكنت أنزل يوماً وينزل يوماً، فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي أو غيره، وإذا نزل هو فعل مثل ذلك، وكنا معشر قريش نغلب النساء، فلما قدمنا على الأنصار إذا هم قوم تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يأخذن من أدب نساء الأنصار. فصخبت عليَّ امرأتي ذات يوم فراجعتني، فأنكرت أن تراجعني. فقالت: ولِمَ تنكر أن أراجعك يا ابن الخطاب وأزواج النبي ﵌ يراجعنه ويهجرنه اليوم حتى الليل؟! قال: فقلت: أوتفعل حفصة ذلك؟ لقد خابت وخسرت. قال: ثم جمعت عليَّ ثيابي ونزلت إلى حفصة فقلت: أي بنية! أتغاضب إحداكن النبي ﷺ اليوم حتى الليل؟ قالت: نعم. فقال لها: أو أمنتِ أن يغضب الله لغضب رسوله فتهلكي؟ لا تستكثري النبي ﵌، ولا تسأليه شيئاً، ولا تهجريه، وسليني ما بدا لكِ، ولا يغرنكِ أن كانت جارتكِ -يعني عائشة - أوضأ وأحب إلى النبي ﷺ منكِ. قال: وكنا نتحدث أن غسان تنعل الخيل لغزونا، فنزل صاحبي الأنصاري نوبته، ثم جاءني عشاءً فطرق الباب طرقاً شديداً، وقال: أثم هو؟ قال: فخرجت إليه، فقال: حدث اليوم أمر عظيم! قلت: ماذا؟! جاء غسان؟ قال: لا، بل ما هو أهول من ذلك وأعظم؛ طلق النبي ﷺ نساءه. فقلت: قد كنت أعلم أن ذلك يوشك أن يكون، ونزلت فصليت الفجر مع النبي ﷺ ، فدخل النبي ﷺ مشربة له، وجلست عند المنبر مع رهط يبكي بعضهم؛ فغلبني ما أجد فأتيت المشربة، فإذا غلام أسود فقلت له: استأذن لـ عمر. فدخل ثم خرج، قال: ذكرتك له فصمت. قال عمر: فرجعت، فجسلت بجنب المنبر، ثم غلبني ما أجد، فقلت للغلام: استأذن لـ عمر. فدخل ثم خرج، قال: ذكرتك له فصمت، فرجعت إلى المنبر فجلست فغلبني ما أجد، فأتيت الغلام فقلت: استأذن لـ عمر. فدخل ثم خرج، قال: ذكرتك له فصمت. فانصرف فلما وصلت إلى الباب إذا هو يدعوني، وقال: قد أذن لك. قال: فدخلت على النبي ﷺ وإذا هو مضطجع على حصير، ليس بينه وبين الحصير فراش، قد أثر الحصير في جنبه. فقلت: يا رسول الله! أطلقت نساءك؟ فرفع بصره إليَّ وقال: لا. فقلت: الله أكبر! ثم أردت أن أستأنس فقلت: يا رسول الله! لو رأيتنا معشر قريش نغلب النساء، فلما قدمنا المدينة إذا هم قوم تغلبهم نساؤهم؛ فتبسم النبي ﷺ . قال: فقلت له: يا رسول الله لو رأيتني وأنا أقول لـ حفصة: لا يغرنك إن كانت جارتكِ أوضأ منكِ وأحب إلى النبي ﷺ ؛ فتبسم النبي ﷺ مرة أخرى، فجلست. ثم أدرت نظري في بيته فلم أرَ شيئاً يرد البصر غير أهبة ثلاثة، فقلت: يا رسول الله! ادع الله أن يوسع على أمتك، فقد وسع على فارس والروم وهم لا يعبدون الله. وكان متكئاً فجلس فقال: أوفي هذا أنت يا ابن الخطاب؟! هؤلاء قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا. فقلت: يا رسول الله! استغفر لي. وكان النبي ﷺ قد أقسم ألا يدخل على نسائه شهراً من شده موجدته عليهن، فلما انقضت تسعٌ وعشرون دخل على عائشة فقالت له: يا رسول الله! قد أقسمت أن لا تدخل علينا شهراً، فقد دخلت علينا من تسع وعشرين أعدها عداً. فقال لها: الشهر تسعٌ وعشرون، فكان ذلك الشهر تسعاً وعشرين. ثم بدأ النبي ﷺ فخير عائشة فاختارته، ثم خير نساءه كلهن فقلن مثلما قالت عائشة).

стр. 990

عظيم حب الصحابة للنبي ﷺ وحالنا اليوم قال عمر: (وكنا نتحدث أن غسان تنعل الخيل لغزونا) وغسان موالون لملوك الروم، وكانوا في الشام، وكان المسلمون قد أمنوا كل الجهات إلا من جهة ملك غسان فقد كان يهدد أنه سوف يغزوهم في المدينة، فكان الصحابة على أتم استعداد لملاقاة هذا الرجل إذا تحرك إلى المدينة. واستخدم هذه الاستعارة الجميلة: (تنعل الخيل لغزونا) الرجل إذا انتعل فهذا معناه أنه سيمشي وسيمضي، و (تنعل الخيل): أي تهيئ الخيل لتغزونا. ففي يوم من الأيام بعد صلاة العشاء، وفي نوبة هذا الأنصاري جاء فضرب الباب ضرباً شديداً، في بعض الروايات قال عمر: (فخرجت إليه عرياناً -طبعاً ليس عرياناً بمعنى غير متستر، وإنما لم يكن متهيئاً بكامل زيه، وهو دال عن السرعة والمبادرة- فقلت: مالك؟ قال: حدث اليوم أمر عظيم. قال: أجاءت غسان -لأن هذا هو الأمر العظيم الذي كانوا يتوقعونه، وما خطر ببال عمر أبداً هذا الذي سيسمعه من الأنصاري-؟. قال: لا، بل ما هو أهول من ذلك وأعظم!). ما أعظم حبهم للنبي ﷺ حتى إن تَكَدُّرَ خاطره ﷺ كان عندهم أعظم من أن تستولي غسان على المدينة، ما كانوا يصبرون على أن يلحقه أذى أياً كان!! أمّا ما يجري الآن في زماننا في حق النبي ﵊ فما كان الصحابة يسمحون بعشر عشر معشاره؛ لأن محبتهم كانت صادقة، الآن الرسول ﵊ يسب في ديار المسلمين ويلمز ويغمز، وقد صرح بعضهم به تصريحاً، لما رسم أحدهم في رسومه الساخرة (الكاريكاتير) ديكاً وتسع دجاجات، وكتب فوق -هذا كان سنة خمسة وستين في جريدة الأهرام - هذا الرسم "محمد جمعة وزوجاته التسعة" من الذي تزوج تسعاً في المسلمين ولا يحل إلا أربعة لسائرهم؟ من الذي تزوج تسعاً فقط؟ هو النبي ﵊، يخرج الرسم بهذا السفور الفاضح، ومع ذلك يظل هذا الرجل في مكانه ولا يحاسب، وكل هذا بدعوى حرية الرأي وحرية الكلمة، وأننا لا نحجر على كلام أحد كيف لا نحجر؟ إذا كان هناك إنسان يستحق أن يحجر عليه فليحجر عليه، فالألفاظ قوالب المعاني. إن عمر بن الخطاب ﵁ سمع رجلاً يوماً يقول: (والله! ما أبي بزانٍ ولا أمي بزانية. فجلده الحد، وقال: إن هذا تعريض بالزنى) أي: لو أن الأب أو الأم كانا طاهرين، لِمَ نفيت التهمة عنهما؟ أكيد هناك أصل لهذه التهمة، فجلده حد القاذف؛ لأن هذا فيه إيماء وفيه معنى القذف بالزنى. فالنبي ﵊ يعتدى عليه، ويعتدى على سنته من قبل الجهلة الذين لا يعرفون شيئاً في هذا العلم، كل يوم لما أطالع مثلاً بعض الصحف لا يكاد يوم يمر إلا وفيه هجوم على السنة، أو على القرآن أو على النبي ﵊، أو على الله ﵎. فأغرى هذا أعداءنا وجرأهم، فرسموا النبي ﵊ على صورة خنزير، وفي الضربة الأخيرة للعراق في شهر رمضان كانت الصواريخ التي تضرب بها بغداد مكتوب عليها: (هدية رمضان للمسلمين) فلما استنكر بعض المسلمين هذا رد الرئيس الأمريكي وقال: أحد الجنود كتبه ماذا نصنع به؟! متأسفين وانتهى الأمر على هذا، وما أرى حالنا اليوم إلا كما يقول الشاعر: لَوْ كُنْتُ مِنْ مَازِنٍ لَمْ تَسْتَبحْ إِبِلِي بَنُو اللَّقِيطَةِ مِنْ ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانا إذًا لَقامَ بِنَصْرِي مَعْشَرٌ خُشُنٌ عِنْدَ الْحَفِيظَةِ إِنْ ذُو لُوثَةٍ لاَنا قَوْمٌ إذا الشَّرُّ أبْدَى نَاجِذَيْهِ لَهُمْ طَارُوا إلَيْهِ زَرَافاتٍ وَوُحْدَانا لاَ يَسْأَلُونَ أخَاهُمْ حِينَ يَنْدُبُهُمْ فِي النَّائِبَاتِ عَلى ما قالَ بُرْهانَا لَكِنَّ قَوْمِي وَإنْ كانُوا ذَوِي عَدَدٍ لَيْسُوا مِنَ الشَّرِ فِي شَيءٍ وَإنْ هانَا يَجْزُونَ مِنْ ظلَمْ أهْلِ الظُّلْمِ مَغْفِرَةً وَمنْ إسَاءَة أهْلِ السُّوءِ إِحْسَانَا كأَنَّ رَبَكَ لَمْ يَخْلُقْ لِخَشْيَتِهِ سِوَاهُمُ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ إِنْسَانا الورع البارد هذا أغرى أعداءنا أن يعتدوا على النبي ﵊، ومع ذلك الاعتداء الصارخ لم يكن هناك أي رد فعل رسمي لأي بلد من بلاد المسلمين. يا أخي: اسحب السفير، اعمل احتجاجاً رسمياً، اعمل مؤتمراً صحفياً، اعترض، قل: كيف تسبون نبينا؟ كيف ترسمونه على هيئة خنزير؟ هذا أقل ما يجب، لكن لم يكن هناك أي رد فعل رسمي على الإطلاق، كأن هذا النبي لا يدين بدينه أحد! الرسول ﵊ لما طلق نساءه، يقول هذا الصحابي لما سأله عمر: (أجاءت غسان؟ يقول: بل ما هو أهول من ذلك وأعظم) مجرد أن يطلق نساءه هذا أعظم من أن تستولي غسان على المدينة. فقال عمر: (قد كنت أعلم أن ذلك يوشك أن يكون) لماذا؟ لأن له مقدمات: المرأة التي تعترض على زوجها وتهجره، وتنشز عليه ماذا يُتصور أن يكون رد فعله تجاه ذلك التصرف الخاطئ؟! الرجل الذي تتدفق دماء الرجولة في عروقه لا يطيق أن تفعل به المرأة ذلك، أنها تهجره، وكلما يأمرها تعصيه، ولا تسمع له كلاماً، وتحط من كلامه، وأي رجل يأبى هذا. فهذه مقدمات كان عمر يرى أنها قد تؤدي إلى ذلك، ولذلك أول ما سمع الخبر قال: (قد كنت أعلم أن ذلك يوشك أن يكون)، فنزل وصلى مع النبي ﷺ صلاة الفجر، والنبي ﵊ بعد الصلاة دخل المشربة، ما كلم أحداً -المشربة: غرفة ملحقة بالمسجد- ولم يجرؤ عمر بن الخطاب أن يراجعه أو أن يكلمه؛ لأنه كان غاضباً، فجلس مع قوم عند المنبر، قال عمر: (يبكي بعضهم). أنا على يقين -بما أعلمه من سير الصحابة- لو أن واحداً من هؤلاء الذين يبكون عند المنبر طلقت ابنته لما بكى فلماذا يبكي إذاً؟ يبكي لتكدر خاطره ﵊، مجرد أنه متكدر الخاطر -متعكر- هذا يقلقه؛ لأنهم كان يحبونه غاية الحب. هذا الموقف موقف مهيج ومثير، ناس يبكون حزناً قال عمر: (فغلبني ما أجد) يعني: ما كان في صدره من الهم والغم غلبه فلم يصبر على هذه الجلسة، وذهب إلى هذا الغلام وقال له: استأذن لـ عمر. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 991

زوجات النبي ﷺ وفضل عائشة قال عمر: (فأفزعني ذلك، وقلت: أوتفعل حفصة ذلك؟!) ولم يقل: أتفعل عائشة، أتفعل أم سلمة؛ لأن الإنسان إنما يكون عطوفاً على ولده، يبحث عن ولده قبل أن يبحث عن غيره، ما ذكر إلا حفصة وقال: (لقد خابت وخسرت، ثم جمع ثيابه ونزل في الحال، وقال: أي بنية! أتغاضب إحداكن النبي ﷺ وتهجره اليوم حتى الليل؟ قالت: نعم. قال: وما يؤمنكِ أن يغضب الله لغضب رسوله فتهلكي؟ لا تسألي النبي ﷺ ولا تراجعيه، ولا تهجريه، وسليني ما بدا لكِ). الإمام البخاري ﵀ بوب على هذا الحديث لأجل هذه الفقرة، قال: (باب موعظة الرجل ابنته لحال زوجها)، يا ليت الآباء الذين زوجوا بناتهم يتعلمون من هذا الدرس، (باب موعظة الرجل ابنته لحال زوجها). أي رجل منا له بنت فزوجها ذراعه مكسور مهما كان ملكاً مطاعاً، وإذا كان زوج البنت ليس بذاك الرجل النبيل، ومع ذلك أنت ممكن تنفق على بنتك، وتعطيه مالاً، وتثني عليه بما ليس فيه ليستقيم الحال بخلاف الولد. فأنت ينبغي عليك أن تعين زوج ابنتك، ولا تحرض ابنتك عليه، ومن المشاكل الكثيرة الشائعة التي زلزلت البيوت أن الأب مثلاً ممكن يذهب فيقرّع زوج البنت أمام البنت، يقول له: أنت غلطان، وهي محقة، المفروض تفعل كذا وكذا لا يا أخي! ينبغي أن تظل قوامة الرجل كما هي، ولا توغر صدره، مر ابنتك بالمعروف والإحسان، فإذا خلوت بزوجها فمره بالإحسان، لكن لا تسمح لابنتك أن تذكر سيئات الزوج هكذا أمامه، كل هذا رعاية لصدر الزوج، وإعمالاً لتمام قوامته على المرأة، كما فعل عمر بن الخطاب ﵁، قال لها: (لا تسأليه، ولا تستكثريه، ولا تهجريه، وسليني ما بدا لكِ. ثم قال لها: ولا يغرنكِ أن كانت جارتكِ أوضأ منكِ وأحب إلى النبي ﷺ -وهو يريد بذلك عائشة-) يريد أن يقول لها: إن عائشة أجمل منكِ، ولها دلال على النبي ﵊، فقد يحتمل ذلك لها لمكانتها عنده، فإذا حاولت أن تقلديها لا يحتمل لكِ؛ لأنه ليس لكِ من المكانة مثل ما لها. وكانت عائشة ﵂ محبوبة جداً لدى النبي ﵊، وكان النبي ﷺ لا ينكر ذلك، بل كان يبديه أحياناً، لما حدث بينه وبين بعض زوجاته كلام بشأن عائشة قال: (لا والله، ما نزل الوحي في لحاف امرأة غيرها) وجعل هذا منقبة لها، وكان هذا -كما قلت سابقاً- لا ينكره النبي ﵊ حتى علمه الصحابة، فكانوا يتحرون بهداياهم ليلة عائشة كما في الصحيحين، من حديثها أيضاً ﵂، قالت: (كان المسلمون يتحرون بهداياهم ليلة عائشة) فحبيب حبيبي حبيبي، إذا أكرمت من أحب أحببتك. فكان الصحابة يعلمون ذلك، فكانوا يتحرون بهداياهم ليلة عائشة، من أراد أن يهدي النبي ﷺ هدية فإنه يمكث حتى إذا كانت ليلة عائشة يعطيه الهدية، حتى صار عند عائشة هدايا كثيرة، وأزواج النبي ﵊ يعلمن ذلك، فما أعجبهن هذا الحال، فأردن أن يراجعن النبي ﷺ في ذلك، وأنه يقسم الهدايا عليهن، فأرسلن أحب الناس إليه، وهي فاطمة ﵂. قالت عائشة: (فدخلت فاطمة لا تخطئ مشيتها مشية النبي ﷺ ، وكان النبي ﷺ في لحافي، فدخلت فقال: أهلاً بابنتي! فأجلسها، فقالت: يا رسول الله! إن أزواجك يسألنك العدل في ابنة ابن أبي قحافة. فقال: أي بنيتي! أتحبينني؟ قالت: أجل. قال: فأحبي هذه. وذهبت إليهن وهن مؤتمرات في بيت إحداهن، فلما دخلت قالت: والله! لا أراجعه فيها أبداً)، فأرسلن بعد ذلك زينب، وهي التي كانت تسامي عائشة ﵂ في المنزلة عند النبي ﵊. قالت عائشة: (فدخلت زينب والنبي ﷺ في لحافي، فكلمت النبي ﵊، ثم وجهت كلاماً لـ عائشة وأضجعت في الكلام -يعني: قالت كلاما قوياً- قالت عائشة: فنظرت إلى النبي ﷺ هل يكره أن أنتصر؟ -يعني: لو رددت عليها هل يكره ذلك؟ - قالت: فلما علمت أنه لا يكره أن ينتصر قمت لها فأفحمتها، فتبسم النبي ﷺ وقال: إنها ابنة أبي بكر!) أي: لا تغلب. فانظر إلى هذا الوفاء من قبل عائشة ﵂ تقول: (فنظرت إليه هل يكره أن أنتصر؟) المرأة ينبغي أن تراعي شعور زوجها، فلا تأتي الشيء الذي يكرهه أبداً، هذا من العشرة بالمعروف، من حقه عليها، ولم يأذن النبي ﷺ بقسمة الهدايا؛ لأن هذا ليس ملكاً له ﵊، إنما يسأل الرجل -إذا تزوج بأكثر من امرأة- العدل فيما يملك، أما الهدايا فلا تدخل في هذا؛ ولهذا لم يجبهن النبي ﵊. وكانت أخبار عائشة ﵂ فاشية يتحدث بها الخاص والعام، فيقول عمر بن الخطاب لها: يا بنيتي ليس لكِ من الإجلال ولا المكانة ولا الجمال مثل عائشة، فلا تقلديها، فإنه يحتمل لها ولا يحتمل لكِ. وهكذا وعظها أبوها، وحضها على أن تعاشر النبي ﷺ بالمعروف.

стр. 992

من سلوكيات الصحابة ونسائهم (ثم استقبل عمر ﵁ الحديث يسوقه، قال: كنت أتناوب النزول إلى النبي ﷺ أنا وجار لي من الأنصار من بني أمية بن زيد، وهم من عوالي المدينة) وهذا يدلك على حرص عمر بن الخطاب على تحصيل العلم، وأن طالب العلم لا يشترط له أن يتفرغ، ما كان عمر متفرغاً، إنما كان صاحب همة. ومن هذا ننبه بعض طلبة العلم إلى أن من يقول: أنا لا أستطيع أن أطلب العلم إلا إذا تفرغت. نقول له: لا، لو كنت صاحب همة لا يعوقك عن طلب العلم ما تجده من العمل. فقسم عمر ﵁ الأيام بينه وبين صاحبه، ينزل على النبي ﷺ يوماً، ويكون صاحبه في تجارته أو زراعته، ثم ينزل عمر إلى تجارته أو زراعته، ويكون هذا الأنصاري عند النبي صلى ﵊، فيأتيه بخبر ذلك اليوم، لو نزل وحي أتاه به، ولو قضى النبي ﷺ في قضية أتاه بها، ولو قال حديثاً أو حدثت واقعة يقص عليه ما حدث من خبر ذلك اليوم. قال ﵁: (كنت أتناوب النزول إلى النبي ﷺ أنا وجار لي من الأنصار، ينزل يوماً وأنزل يوماً. قال: وكنا معشر قريش قوماً نغلب النساء، فلما قدمنا على الأنصار إذا هم قوم تغلبهم نساؤهم) وفي بعض الروايات (قال: فلما أنزل الله ذكر النساء تبجحن، ورأين أن لهن علينا فضلاً) فبدأت النساء لما نزل الوحي يشاركن الرجل في العبادة وتحمّل تكاليف الشريعة، وأهل مكة أم القرى، يعاملون النساء معاملة مباينة لمعاملة أهل المدينة، فأهل المدينة يعاملون النساء معاملة ألطف من معاملة أهل مكة. وفي بعض الروايات الأخرى قال عمر: (وإنما كانت المرأة لحاجة أحدنا، فإذا أحتاجها قضى حاجته، ثم لا يكون لها بعد ذلك ذكر ولا كلام). فلما هاجروا من مكة إلى المدينة، والطبع ينتقل من إنسان إلى آخر؛ بدأت النساء يرمقن فعل نساء الأنصار مع أزواجهن، وينقلن مثل هذا الأدب إلى بيوتهن، انظر إلى لطف عمر وحسن تعبيره، مع أنه معترض! قال: (فطفق نساؤنا يأخذن من أدب نساء الأنصار) ولم يقل: من قلة أدب مع أنها من وجهة نظر عمر قلة أدب، لأنه معترض، ومع ذلك يقول: (فطفق نساؤنا يأخذن من أدب نساء الأنصار) وفي الألفاظ سعة، فالعرب كان عندهم ذوق رفيع في استخدام الألفاظ، مثلاً: (القافلة) إنما تقال للذين رجعوا ولا تقال للذين ذهبوا. ومع ذلك يقولون للذين ذهبوا (قافلة)؛ تيمناً برجوعها. (اللديغ) كانوا يسمونه (سليماً) رجاء سلامته، الصحراء كانوا يسمونها (مفازة) تفاؤلاً بالنجاة منها. ثم هذا أوقع من أن يذكر اللفظ الصريح. فـ عمر بن الخطاب ﵁ يقول: (فطفق نساؤنا يأخذن من أدب نساء الأنصار) وفي رواية أخرى أيضاً في صحيح البخاري: (يأخذن من أرابيب نساء الأنصار) (الأرب): هو العقل. قال: (فصخبت عليَّ امرأتي ذات يوم فراجعتني) والصخب من وجهة نظر عمر، مجرد أنها تراجعه. في بعض الروايات قال: (فتناولت قضيباً فضربتها، وقلت لها: أتراجعينني؟ قالت: ولِمَ لا أراجعك؟ وأزواج النبي ﷺ يراجعنه، وليس هذا فقط، بل ويهجرنه اليوم حتى الليل) وهذا يبين لك أثر القدوة. وقد تعبر كلمة واحدة عن مكنون ما في النفس، على سبيل المثال مرة وفي بعض المؤتمرات في بعض البلاد رجل نيف على التسعين عاماً، معه عصا يتوكأ عليها، وذهب إلى هذا المؤتمر، وبعد ذلك قال: أيها الناس! اسمعوني رفع العصا، وقال: العصا هذه معوجّة من أين؟ قالوا له: من فوق. قال لهم: السلام عليكم. هذا الذي أراد أن يقوله، ومضى الرجل بعد أن أوصل رسالة مهمة إلى أذهان الحاضرين. القدوة له أثر عظيم في استقامة المجتمع، إن الله ﵎ حكم عدل، إذا كان الرأس صالحاً رزقه الله مرءوسين صالحين، وإذا كان فاسداً رزقه فاسدين، هذه من السنن الكونية التي لا تتخلف، والله لا يحابي أحداً من عباده. فامرأة عمر بن الخطاب تقول له: لِمَ تنكر وأزواج النبي -اللاتي هن القدوة- يفعلن كذا وكذا؟! (يراجعنه، بل ويهجرنه اليوم حتى الليل) ولم تقل: ويهجرنه الليل حتى الصبح؛ لأن هذا لا يجوز، ولا تقع فيه واحدة من أزواج النبي ﵊؛ لأن المرأة إذا باتت هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح، إنما الواحدة منهن كانت تغاضب النبي ﵊ من أول النهار إلى آخر النهار.

стр. 993

الصحابة قدوة في علمهم وسلوكهم هذا الحديث الجليل يوقفنا على طرف من حياة المسلمين رأساً ومرءوسين، ويبين لك السبب في تماسك هذا المجتمع، والسبب أنهم جعلوا النبي ﵌ في الأفئدة، وعمر بن الخطاب ﵁ يحكي طرفاً من حياته مع بعض أصحابه. فياليتنا إذ نسمع مثل هذا الكلام نترجمه وننقله إلى الواقع؛ فإن بيننا وبين نصوص الإسلام بوناً بعيداً، وأنا أشبه واقع المسلمين مع نصوص الإسلام قرآناً وسنة بهرم، هذا الهرم أو هذا المثلث حاد الزاوية، له ثلاثة نقاط: رأس وهذا ضلع وذاك ضلع، حياة المسلمين الأولى هي هذه النقطة التي في رأس المثلث، فكلما نزلت زادت المسافة بين الضلعين، فإذا أردت أن تقل المسافة اصعد إلى فوق. وهكذا: كلما اقتربنا من القرن الأول سلوكاً وعلماً وعملاً قل الفرق ما بين الواقع والمثال، وكلما ابتعدنا عن هذا القرن الفاضل ونزلنا إلى تحت -مثل هذا الزمان- وجدت هذا البون شاسعاً. هذه النقطة لا أبعاد فيها، ليس فيها طول ولا عرض، وإذا كان فيها طول وعرض فهو يسير جداً لا يكاد يذكر وقد قال النبي صلى الله عليه وآله سلم: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) فكان القرن الثاني والثالث فرعاً عن القرن الأول، إذاً ما بقي إلا القرن الأول. وهذا الحديث الذي نتولى شرحه في هذه الخطبة دليل ظاهر على ذلك، الذي يحكي هذه الحكاية هو عمر بن الخطاب، وإن كان الحديث حديث ابن عباس ﵄، قال: (لم أزل حريصاً على أن أسأل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ عن المرأتين اللتين قال الله فيهما: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم:٤]). في رواية البخاري قال: (ظللت سنة أريد أن أسأل عمر بن الخطاب فتمنعني هيبته، حتى حج وحججت معه، وعدل -أي: ترك طريق الناس ليقضي حاجته- فلما قضى حاجته وجاء وكانت الإداوة -وهي شيء يشبه الإبريق فيه ماء- في يد ابن عباس، وهو يصب عليه وضوءه قال: يا أمير المؤمنين! إنني أريد أن أسألك منذ سنة، ولكن تمنعني هيبتك. فقال: يا ابن أخي! إذا علمت أن عندي علماً فاسألني. فقال له: من المرأتان اللتان قال الله فيهما: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم:٤]؟ فقال: واعجباً لك يا ابن عباس!) وإنما تعجب عمر ﵁ من هذا إما لشدة تتبع ابن عباس لتفسير القرآن، ومعروف أنه ترجمان القرآن، وكان من أكثر الصحابة تفسيراً، وهناك نتف تفسيرية كثيرة عن ابن عباس، فالذي له هذا الباع في التفسير كيف خفي عليه مثل هذا الموضع؟ أو لأنه ما ظن أن ابن عباس يتتبع مثل هذه وتبلغ عنايته حتى يعرف أسباب النزول، وكان لـ ابن عباس مكانة عند عمر بن الخطاب ﵁ كما في الصحيحين أيضاً (أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يُدخل ابن عباس مع مشايخ بدر. فلما دخل ابن عباس أكثر من مرة -وكان عمر حريصاً على إدخاله مع شيوخ بدر- فغضب عبد الرحمن بن عوف، وقال: ماله يدخل هذا ولنا ولدان مثله -لنا غلمان مثله-: فسمعها عمر فأسرها في نفسه. فلما اجتمعوا يوماً قال لهم: ما تقولون في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر:١ - ٣] ما تقول يا فلان؟ فقال: إن الله أمر نبيه: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر:١] أن يستغفر ربه. وأنت يا فلان؟ قال: أقول كما قال صاحبنا. وأنت يا فلان؟ كلهم يقول ما قال الأول. فقال: وما تقول يا ابن عباس؟ قال: يا أمير المؤمنين! هذا أجل رسول الله ﷺ وعلامة موته؛ لأنه (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) ودخل الناس أفواجاً في دين الله فما بقاؤه؟! فإنه قد أدى ما عليه. قال: هذا أجل رسول الله ﷺ . فقال عمر: والله يا ابن أخي! ما أعلم منها إلا ما تقول. قال ابن عباس: وكان يريد أن يريهم ما عندي، فقال لهم عمر بن الخطاب بعد ذلك: إنه من حيث علمتم -أي أنه ابن عم رسول الله ﷺ ). فكان لـ ابن عباس هذه المكانة عند عمر، فتعجب أن يفوته هذا الموضع مع شهرته، ومع أن خبر عائشة وحفصة في هذا شاع بين المسلمين. وفي هذا دلالة على أن الشيء قد يخفى عن الإمام الجليل ويعلمه من هو دونه، وإنما نقول هذا لبعض المقلدة الذين إذا قيل لهم: إن الإمام الفلاني لم يعلم بالحديث الفلاني، يقولون: كيف لا يعلم هو به وتعلم أنت به، وهو أعلم منك؟!. نعم هو أعلم من حيث الجملة، لكن جزئيات العلم لا تتناهى، ولم يجمع واحد قط -بدءاً من أبي بكر الصديق ﵁ إلى أدنى رجل- العلم كله ولا جزئيات العلم في صدره، لا يجمع جزئيات العلم جميعاً في صدره إلا نبي، أما غير الأنبياء فقرنهم الله بالعجز، ووصفهم بالحاجة، فما منا من أحد -كما يقول الشافعي ﵀ إلا وتعزب عنه سنة للنبي ﷺ وقد يكون عند المفضول من العلم ما ليس عند الفاضل. وخذ مثالاً للخضر وموسى ﵉، ولا شك عند جميع المسلمين أن موسى أفضل من الخضر، ومع ذلك لما أراد الله أن يعلم موسى عاتبه وذلك عندما سأله رجل من بني إسرائيل فقال: يا كليم الله! أتعلم أحداً هو أعلم منك؟ قال: لا؛ فعتب الله عليه أنه لم يرد العلم إليه، قال: إن لي عبداً بمجمع البحرين هو أعلم منك وبعد ذلك قصة الخضر وموسى ﵉ معروفة، ولكن كان عند الخضر من العلم ما لم يكن عند موسى، والخضر مفضول وموسى فاضل. فقد يكون عند المفضول من العلم ما ليس عند الفاضل، فينبغي على المرء أن يتواضع لله، وأن يعلم أن في الزوايا خبايا، وأن في الناس بقايا؛ فلا ينبغي أن يستطيل على أحد. فهاهو ابن عباس مع اهتمامه بالتفسير وتقدمه فيه، خفي عليه موضع يعرفه جل المسلمين.

стр. 994

المرأة والمجتمع الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 995

إفساد المرأة أمر متعمد اعوجاج النساء سبب دمار البيوت، وذهاب الدفء، وقد علم أعداؤنا أن قاعدة بنياننا المرأة، فشرعوا في إفسادها، وصارت كل المؤتمرات التي تعقد في جنبات العالم -وخصوصاً في ديار المسلمين- المقصود بها إصدار قرارات لإفساد المرأة، وإعطائها أكبر قدر من الحرية؛ والقصد بهذه الحرية: أن تخرج من قبضة الرجل. مؤتمر السكان كل قراراته كان المقصود بها إفساد المرأة، تجريم ختان المرأة، والغريب أنه صدر قانون بغاية السرعة، نحن نعلم أن القوانين حبك لها في الخفاء طويلاً، هذا القانون صدر في أقل من شهر وتضمن تجريم ختان المرأة، وأنه إذا ضبط أي طبيب أو أي أحد متلبس بختان امرأة يعاقب بالسجن كذا وبغرامة مالية وصاحب ذلك معركة صاخبة، لكنها مضحكة مؤلمة، صرح فيها بعض من سيقف بين يدي الله غداً لا ينفعه أحد: (أن الختان ليس له أصل في الشريعة الإسلامية) وهؤلاء لا أقول: إنهم جهلة، فهم يدرسون العلوم الشرعية ومع هذا يقولون: إن الختان ليس له أصل، وأن هذه عادة جاهلية، وأن هذا فيه اعتداء على أنوثة المرأة. وكأنهم يخاطبون الصم البكم العمي، الذين لا يقرءون ولا يسمعون ولا يرون. المجلس أباح -منذ سنوات- الاختلاط والإجهاض، ويقرر إمكانية أن تتولى المرأة العمودية -تصبح عمدة- وأباح أن تسافر المرأة إلى الخارج رغم أنف زوجها والبقية تأتي. إفساد المرأة أمر متعمد، (٩٠%) من فساد البيوت على عنق المرأة وعلى عاتقها، وأيضاً (٩٠%) من استقرار البيوت على عاتق المرأة؛ لذلك ينبغي على المرأة المسلمة أن لا تخذلنا في معركتنا الفاصلة، مع هذه القوى المناوئة لشرع الله ، إذا تحاكمت المرأة إلى الشرع فقد أسقطت كل هذه القوانين التي قننت لإفسادها، لا ينبغي عليها أن تخذلنا في معركتنا، ولا ينبغي أن يؤتى الإسلام من قبل المرأة المسلمة. واستكمالاً لما تقدم من شرح حديث ابن عباس في الشطر الأول للمادة أقول وبالله التوفيق: عمر بن الخطاب ﵁ يوصي ابنته برسول الله ﷺ : (لا تستكثريه، ولا تهجريه، ولا تراجعيه، وسليني ما بدا لك).

стр. 996

من آداب الاستئذان استأذن عمر بن الخطاب ﵁ فقال الغلام: (ذكرتك له فصمت) هذا الغلام اسمه رباح، وكان واقفاً على باب الرسول، واحتج أهل العلم بهذا على جواز أن يتخذ الإمام حاجباً إذا دعت إلى ذلك ضرورة، وأن اتخاذ الحجاب والحراس أمر له أصل في الشرع إذا دعا إلى ذلك داع، وإلا فإنه يجوز للإمام ألا يتخذ حاجباً ولا يتخذ بواباً، وفي هذا أدلة، منها: أن النبي ﷺ -كما في الصحيحين - مر على امرأة تبكي عند قبر جديد فقال: (يا أمة الله! اتقي الله واصبري. فقالت: إليك عني، فإنك لم تصب بمصيبتي. فلما مضى رسول الله ﷺ وأُخبِرَت المرأة أنه رسول الله فزعت وانطلقت خلفه، فجاءت بيته فلم تجد حاجباً ولا بواباً، فاعتذرت إليه، فقال لها ﵊: إنما الصبر عند الصدمة الأولى). وفي اتخاذ الحاجب والبواب هذا الحديث وحديث آخر، حديث أبي موسى الأشعري ﵁ (أن النبي ﷺ وكله بباب بستان وقال: لا يدخل أحد. فجاء أبو بكر فأراد أن يدخل، فقال له: على رسلك، فاستأذن له النبي ﷺ فأذن له، قال: ائذن له وبشره بالجنة، فأذن له وبشره بالجنة، وكان النبي ﷺ جالساً على حافة البئر، وقد دلى رجليه في البئر فجاء أبو بكر الصديق وجلس بجانبه ودلى رجليه في البئر. قال أبو موسى: فقلت في نفسي: إن يرد الله بفلان خيراً يأتِ به، يريد أخاً له -طمعاً أن يقول له أيضاً: بشره بالجنة، فهو يتمنى أن يأتي أخوه في هذه اللحظة حتى يبشر بالجنة- قال: فجاء عمر. فقلت: على رسلك، واستأذن له، فقال النبي ﷺ : ائذن له وبشره بالجنة، فأذن له وبشره بالجنة، فجاء عمر فجلس بجانب أبي بكر ودلى رجليه في البئر. ثم جاء عثمان قال: على رسلك. فاستأذن له، قال: ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه. فقال عثمان: الله المستعان. فدخل عثمان، فلم يجد بجانبهم مكاناً، فجلس في مقابلهم ودلى رجليه في البئر). قال سعيد بن المسيب ﵀: فأولتها (قبورهم)؛ لأن أبا بكر وعمر دفنا بجانب النبي ﷺ ودفن عثمان في مقابلهم في البقيع. ففي هذا دليل على جواز أن يتخذ الأمير أو العالم أو الحاكم حاجباً إذا دعت إلى ذلك ضرورة. وفي قوله: (استأذن لـ عمر) دلالة على استحباب أن يسمي المستأذن نفسه، ما قال له: ائذن لي، -مع أنه معروف- إنما قال: استأذن لـ عمر. وكان النبي ﷺ يكره أن يستأذن عليه المستأذن فيقول: أنا. كما في حديث جابر في صحيح مسلم (أنه استأذن على النبي ﷺ فقال: من؟ قال: أنا. قال جابر فسمعته يقول: أنا أنا؟! كأنما كرهها). قال ابن الجوزي ﵀: إنما كره النبي ﷺ (أنا) لأنها تشعر بالكبر، فكأن قائلها يقول: أنا الذي لا أذكر نسبي، ولا أنسب نفسي لشهرتي. كأنما قال ذلك فكرهها رسول الله ﷺ ، فقال: (استأذن لـ عمر. قال: فدخل ثم خرج، قال: ذكرتك له فصمت. فرجع عمر إلى المنبر مرة أخرى). وللبحث صلة بعد الصلاة إن شاء الله. اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين. اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر. اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا. رب آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا، وكل ذلك عندنا.

стр. 997

التعامل مع النساء إن الحمد لله تعالى نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد. لما دخل عمر بن الخطاب على النبي ﷺ سأله: (يا رسول الله! هل طلقت نساءك؟ قال: لا. فقال عمر: الله أكبر!) في بعض الروايات أن أم سلمة سمعت تكبير عمر بن الخطاب ﵁، قالت: (فلما سمعنا تكبير عمر علمنا أنه لم يكن طلاقاً) طبعاً عمر بن الخطاب ﵁ لما بلغه هذا الخبر عن صاحبه الأنصاري نزل فصلى الفجر، ثم أتى حفصة فدخل عليها وهي تبكي قال: (ما يبكيكِ؟! أولم أكن حذرتك؟! هل طلقكن النبي ﷺ ؟! قالت: لا) في بعض الطرق الأخرى قال عمر: (ولولاي لطلقكِ). فلما سأل عمر النبي ﵊: هل طلقت نساءك؟ قال: لا؛ فكبر، فأراد عمر أن يؤنسه فذكر ما قاله لـ حفصة، ومثل هذا لا يقال عادة، لكن عمر أراد أن يستأنس وأراد أن يضحك ﵊ ليزيل عنه ما يجد. قال: (يا رسول الله! لو رأيتنا معشر قريش نغلب النساء، فلما قدمنا على الأنصار إذا هم قوم تغلبهم نساؤهم، فتبسم رسول الله ﷺ العلماء يقولون: أن تبسمه ﷺ يدل على أنه رضي طريقة الأنصار في معاملة النساء، والنبي ﵊ كان أحسن الناس لأهله كما صرح هو بذلك، قال: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي). بكل أسف قد تجد الرجل حسن الخُلق، بساماً ضاحكاً في الخارج مع أصحابه، فإذا دخل البيت دخل وعلى وجهه الغضب، ولا يبتسم لماذا؟ النبي ﵊ قال: (إن النساء عوان عندكم) (عوان) أي: أسيرات، فالمرأة أول ما تتزوجها تدخل السجن مباشرةً لماذا؟ لأنها لا تستطيع أن تتزوج غيرك، وإذا سافرت وتركتها ظلت معلقة بك، ما تستطيع أن تأخذ الإفراج إلا بالطلاق، فالمرأة لما دخلت سجنك كن كريماً، فالرسول ﵊ قدوتنا في ذلك وقد حث ورغب في الإحسان إليهن وأنا أوصي إخواني أن يطالعوا كتب الشمائل -شمائل النبي ﵊ والكتب التي تعنى بأخلاقه ﵊، مثل شمائل الترمذي، ومثل أخلاق النبي لـ أبي الشيخ، وهناك الشمائل لـ أبي الحسين البغوي، وهو من أجمع هذه الكتب. واربط حياتك بحياة النبي ﵊، وحاول أن تنقل ما تتعلمه إلى حياتك، ولن تشقى على الإطلاق.

стр. 998

الإحسان إلى المرأة وإكرامها إن هناك بيوتاً -بكل أسف- تتصدع كل يوم بسبب عدم الثقة، بينما الرسول ﵊ كانت حياته عنواناً للود والوئام، والمعاملة المبنية على التفاهم والحوار وعدم تهميش الآخر. المرأة تحتاج إلى مداراة، لكن ليس معنى المداراة أن تكذب وتقسم على الكذب، هذا لا يحل أبداً، المداراة: أنك توري بالكلام فقط، ولا تقسم على المداراة، قال ﷺ : (إن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وأن تركته ظل على عوج، فاقبلوهن على عوج). وبما أن المرأة ضلع أعوج هكذا، فأنت لابد أن تتعوج لكي يتلاءم الشيئان على بعض، لو أنت مثل السيف، وهي -ربنا خلقها هكذا- (عوجاء) لا يحصل التطابق والائتلاف، فلأجل حياة سوية سعيدة عليك أن تجاريها وتداريها كي يحصل الائتلاف والشعور بالكيان الواحد. فالنبي ﵊ طالب الرجل أن ينزل من مكانته إلى المرأة، فقال ﵊: (إن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج الضلع أعلاه فإن أردت أن تقيمه -أي: تجعله سوياً مثلك- كسرته) وأنا على يقين لو أن المرأة صارت كالرجل لطلقها الرجل لماذا؟ لأن الرجل ليس من الممكن أن يعيش مع رجل آخر في البيت، ويخضع له ويطيعه ويمتثل أمره، ويسعى لتوفير راحته؛ بخلاف المرأة، فإن كمالها في اعوجاجها، ونقصها الذي يحوجها إلى الرجل، ولا تستطيع الاستغناء عنه، وبذا يكون التكامل والبناء الواحد. لكن لو استوت مثلك فلن تستطيعا أن تعيشا معاً أبداً. فكذلك ينبغي على الرجل أنه يراعي هذه المسألة. عاملوا النساء معاملة كريمة وتذكروا قول النبي ﵊: (إنكم أخذتموهن بكلمة الله) فمن الرجال من إذا تزوج المرأة يسب أباها وجدها وسائر قرابتها والله يا أخي! أنت ما تزوجت المرأة يوم تزوجتها من وليها على هذا، ولو كان أبوها يعلم أنك تسبه أو المرأة تعلم أنك تسبها وتسب أباها ما قبلتك زوجاً. إذاً أنت لم توفِ بالعقد والعهد، فاحفظ العهد ووفِ بالعقد، العقد الذي هو كلمة الله ﵎. ثم قال عمر بن الخطاب: (يا رسول الله! لو رأيتني وأنا أقول لـ حفصة لا يغرنكِ أن كانت جارتكِ أوضأ منكِ) وعائشة كانت تلقب (بالحميراء) والحميراء: هي المرأة البيضاء التي يخالط بياضها حمرة، وليست بيضاء مثل الأعاجم الذين تحس أن بياضهم برص، وإنما كانت بيضاء بياضاً ناعماً مشرباً بحمرة، وهذا يعطي جمالاً. فيقول: (لا يغرنك أن كانت جارتكِ أوضأ -الوضاءة: الجمال- وأحب إلى النبي ﷺ منكِ فتبسم النبي ﷺ مرة أخرى، قال عمر: فجلست) وهذا من فقه عمر، لأنه لابد أنك إذا حادثت رجلاً حزيناً، أن تستأنس قبل أن تجالسه وقبل أن تكلمه أول ما جلس عمر بن الخطاب جعلت عينه تدور في البيت قال: (فما رأيت فيها شيئاً يرد البصر غير أهبة ثلاثة -الإهاب: الجلد، أي: ثلاثة جلود هذا الذي كان في بيته ﵊ فقلت: يا رسول الله! ادع الله أن يوسع على أمتك، فقد وسع على فارس والروم وهم لا يعبدون الله. وكان متكئاً فجلس -وهذا يدل على اهتمام النبي ﵊ بما سيقوله؛ لأن الأمر الذي قاله عمر يستحق التعليق- قال: أوفي هذا أنت يـ ابن الخطاب -يعني أأنت تقول هذا وأنت الرجل في علمه، وفي قربه مني، وفي فقهه؛ وتقول مثل هذا الكلام- هؤلاء قوم عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا﴾. هنا مسألة أحب أن أجليها؛ لأنه حصل فيها خلط، كل الأحاديث التي تزهد في الدنيا بعض الغالين نفاها، وقال: ليس من الممكن أن المسلم يطلق الدنيا ويتزوج الخوالي، وأن أحاديث الزهد هذه أغلبها أحاديث قيلت في مناسبات مخصوصة لا ينبغي أن تعمم، وأنه ينبغي على المسلمين أن يمتلكوا الدنيا حتى يقاوموا أعداءهم ويقاتلوهم، وطائفة أخرى تركت الدنيا لأعدائنا فعلاً والحق بين الإفراط والتفريط. أحاديث الزهد في الدنيا المقصود بها زهد القلب، وليس المقصود بها زهد اليد، المقصود بالأحاديث الحاضة على الزهد في الدنيا أن يزهد المرء في الدنيا بقلبه، وأن تكون الدنيا في يده، فإذا خلا قلبه من الدنيا وقصرها في يده كان كالطراز الأول من الصحابة ﵃. اليوم نحن نحتاج إلى هذا المال لإقامة حياتنا، ولا نستطيع أن نقاوم أعداءنا إلا بامتلاك هذا المال، وامتلاك السلاح، وامتلاك التكنولوجيا وهذه الأشياء، وهذا لا يكون إلا بمال، لكن لا ينطوي قلبك على حب الدنيا، كل هذه الأثرة التي ذكرها علماؤنا السالفون في أحاديث الزهد في الدنيا لاذعات قوية لا يستغني المرء عنها لسلامة قلبه. فالنبي ﷺ يقول: (هؤلاء عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا) وليس معنى ذلك أننا نعيش فقراء، وأننا لا نبحث عن تحصيل دنيانا، الكلام هذا غير صحيح، لكن المقصود أن لا تغزو الدنيا قلوبنا، وعلى هذا تتنزل كل الأحاديث الحاضة على التجافي عن الدنيا وعدم التكالب عليها. أسأل الله ﵎ أن ينفعنا وإياكم بما علمنا، وأن يعلمنا ما جهلنا. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 999

وجوب مراعاة نفسية المرأة والتودد إليها ربنا خلق الرجل على خلقة، وخلق المرأة أيضاً على خلقة، فالمرأة ضعيفة، كثيرة الظنون، قال ﷺ : (إن المرأة لا تستقيم لك على طريقة) إياك أن تتصور أن المرأة سوف تمشي معك كما تحب على طريقة واحدة. فكل يوم المرأة لها طريقة، فإذاً ينبغي أن تعلم أن الله خلق المرأة على هذا؛ فتعذرها، ولا تعامل المرأة كمعاملة الرجل لماذا؟ لأن خُلقها دون خُلق الرجل، وخَلقها دون خَلق الرجل، ومزاجها دون مزاج الرجل، فالنبي ﵊ كانت هذه سيرته رفق ورحمة وسماحة، ومن ذلك حديث مسابقة النبي ﷺ عائشة في غزوة من الغزوات. وبصراحة: كم واحداً منا فعل مع امرأته هذا أو قريباً من هذا؟ الكثير من الناس يرى الرفق بالمرأة يجرئها عليه وإذا قسى عليها لانت له واحترمته، ولذلك لابد أن تعامل معاملة قوية وحاسمة، وهذا خلاف هدي النبي ﵊. ولنا في حديث أم زرع درس تربوي عظيم، ويظهر مدى وكيف أن النبي ﷺ كان على أعلى وأرقى الأخلاق، وتبسط مع عائشة ﵂ وسمع منها هذا الحديث الطويل برغم أنه محمل ومثقل بأعباء الدعوة إلى الله . والبخاري بوب على هذا الحديث -حديث أم زرع - قال: (باب السمر مع الأهل). بينما من الناس من يرى أن المرأة كل حكاياتها ليست مهمة، ويقول -بكل تبجح- آتي أحط دماغي لكي أستريح ثلث ساعة، وهي تشغلني بهذا الكلام الفارغ! فنقول لهذا وأمثاله: هذا الرجل الذي لم يتأدب بأدب النبي ﵊ بينما الرجل العاقل هو الذي يشعرها بحلاوة حديثها، والاستماع فن! الاستماع فن! المرأة لما تحكي لك صبر نفسك ثلث ساعة، صبر نفسك ربع ساعة لما تحكي لك مثل هذه الحكايات، لأن هذه حياتها، وأنت طول النهار في الخارج، وهي طول النهار مع الأولاد، فأول ما يأتي زوجها تريد أن تتكلم معه أي كلام، فتفتح معه أي حوار؛ لأن الحياة الرتيبة ليس فيها شيء يستحق الحوار، فإذاً لابد أن تفاتحك بشيء كهذا. وتأمل في هذا الخلق العظيم للرجل العظيم النبي ﵊ في ليلة سمع عائشة ﵂ تحكي حكاية أم زرع، فاختار النبي ﷺ أجود مثال، وشبه نفسه ﵊ به تطييباً لخاطر عائشة، بل أضاف إلى ذلك شيئاً من عنده ﵊ تطييباً لخاطرها، قال لها: (كنت لكِ كـ أبي زرع لـ أم زرع -في رواية للنسائي - قالت: يا رسول الله! بل أنت خير من أبي زرع)، وفي رواية الزبير بن بكار قال لها: (كنت لكِ كـ أبي زرع لـ أم زرع، غير أني لا أطلقكِ) لأن أبا زرع طلق امرأته. فالنبي عليه الصلاة السلام كان حسن العشرة جداً مع أهله وبه يجب الائتساء، قال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١]. فمعنى أنه يتبسم عند أن سمع عمر يقول: (والأنصار تغلبهم نساؤهم) إذاً: رضي سيرة الأنصار مع النساء، فقال عمر ﵁: (يا رسول الله! لو رأيتني وأنا أقول لـ حفصة: لا يغرنكِ أن كانت جارتكِ أوضأ منكِ)، وهذا من أدب عمر ﵁ في استخدام الكلام، ما قال: (ضرتكِ) إنما قال: (جارتك)؛ لأن الجار له حقوق، فالرجل المتزوج بامرأتين إذا ذكر إحدى امرأتيه للأخرى يقول: أختك، كما أنك -مثلاً- إذا ذكرت ابن أخيك لابنك تقول له: أخوك لماذا؟ لأن فيه استعطافاً. ثم أنت لا تنقل شيئاً من حياتك في هذا البيت إلى هذا البيت، إذ أن هذا التصرف أكبر غلطة! وهو أن الرجل ينقل حياته ويتحدث عن تصرفاته في بيت إحداهن للأخرى. وأنا في المشاكل أو الحالات التي رأيتها في البيوت التي فيها تعدد، وفيها عدم الاستقرار؛ في الغالب بسبب الرجل لماذا؟ لأنه يذهب يحكي حياته وعشرته مع المرأة الأخرى. يأكل مثلاً طبيخاً معيناً -ملخوية مثلاً بالبامية- فيقول لها: تسلم يديكِ! البامية التي أنا أكلتها البارحة كانت حلوة مثل هذه أيضاً! يعني كأنك تريد أن تقول أنها مثلها؟! هي المرأة لا تقبل أصلاً هذا! حتى لو كانت دونها، يعني هذا أن حياتك هنا غير حياتك هنا.

стр. 1000

تعدد الزوجات والقسط في الهدي النبوي النبي ﵊ من جوانب عظمته: أنه كان معه تسع نساء وانظر ماذا فعل في الدنيا، كان قلبه لربه ﵎، وكان لا يغفل طرفة عين عن الجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتفقد حاجات المسلمين برغم أنه متزوج بتسع! والمشادّة عادة تكون مع الرجل إذا تزوج بأكثر من امرأة، يكون باب الملاحاة أوسع منه من أن يكون زوج امرأة واحدة. فأنت إذا نظرت إلى النبي ﷺ في هذا الباب ترى عجباً، هناك حديث في الصحيح: (أن النبي ﷺ كان في السفر يذهب إلى جمل عائشة) فكان دائماً وهو مسافر يبحث أين الجمل ويذهب إلى الجمل، وهو كان راكباً ناقته، ويذهب هناك لكي يتحاورا ويتسامرا. ففي مرة من المرات في سفر كانت حفصة مع عائشة، فـ حفصة ﵂ عملت حيلة، فقالت لها: ألا نبدل ركابينا، أنا أركب جملك وأنت تركبين جملي، وعائشة ﵂ ما فطنت إلى الذي تريد حفصة. فأتى الرسول ﷺ وذهب إلى جمل عائشة، الذي تركبه حفصة وبقي يتحدث مع حفصة. وأول ما رأت عائشة ﵂ هذا المنظر غارت، حتى دعت على نفسها أن تلدغها حية، انظر إلى أين وصل الأمر! يصل الأمر إلى أنها تدعو على نفسها أن حية تلدغها، وتقول: (اللهم! رسولك ولا أقدر أن أقول له شيئاً) ومع ذلك كانت عائشة وحفصة أختان متوائمتان، كانت الغيرة فعلاً موجودة، لكن كانت الغيرة حميدة إذ لم تتجاوز الحد، كانت غيرة مؤقتة، والمرأة التي تريد أن تنفرد بزوجها وتستبد به تتمنى أن تهلك أختها أو لا تستريح إلا إذا طلقت أختها لا؛ لم يقع ذلك بين أمهات المؤمنين، مع أن المعروف عند كثير من الضرائر ليس مجرد الكراهية لبعضهن وإنما يتعدى الأمر إلى كراهيتهن للرجل، أما النبي ﵊ فقد كان محل المحبة والإجلال في أفئدة نسائه جميعاً. بعض إخواننا المتزوجين بأكثر من زوجة ممكن أن يطلق إحداهن بسبب أنه يريد أن تكون الزوجتان متفقتان مع بعض، نقول: يا أخي! هذا ليس من شغلك، المهم أن يحببنك كلهن، وأن تكون محبوباً عند الكل ودعك منهن سواء كانت بينهن محبة أو غيرة وكراهية، هذه مسألة أنت ما لك دعوة بها، المهم أن يحببنك، كلما تدخل البيت -أي بيت تدخله- تجد منهن المحبة. والبعض من الرجال يصر أن يسكنهن في بيت واحد، ويأكلن من أكل واحد، ويقول لهما: تعاليا حتى نقرأ كلنا في كتاب الله -مثلاً- ويحاول إجبارهن على الاندماج مع بعض فالرجل هذا يسبح ضد التيار. لا يا أخي! ما كان هدي النبي ﷺ كذلك، كان كل امرأة لها بيت، حتى لو كانت المرأتان في بيت واحد فأنت سوف تمشي على الجمر، ولن تأخذ راحتك أبداً لماذا؟ إذا نظرت إلى إحداهن غارت الأخرى وأضرمت عليك البيت ناراً ومشاكل وهكذا مع الأولى، وستظل كل يوم في تحقيق وفي محضر، أما عندما تكون في بيت مستقل فلن يكون الأمر كذلك، النبي ﵊ لما أرسلت صفية بطبيخ لها -إدام- وكان النبي ﷺ قد دعا جماعة من أصحابه في بيت عائشة، وصفية أرسلت بهذا الإدام -يعني: طبيخ - وكانت صانعة طعام جيدة حتى لقد وصفت عائشة ﵂ طعامها فقالت: (ما رأيت صانعة طعام أجود من صفية). فأول ما أتي بالطبيخ ورائحته تفوح، وطبعاً عائشة لا تطبخ مثلها، فـ عائشة ظنت أن صفية بعثت هذا الطبق حتى يُرى الفرق بين طبخها وطبخ عائشة، فغارت ورمت الإناء حتى انكسر، فالنبي ﵊ فطن للمسألة هذه، والصحابة جالسون والحدث كان أمامهم؛ فتبسم النبي ﵊ وقال: (غارت أمكم، وأخذ إناء عائشة ﵂ وأرسله إلى صفية وقال: إناء بإناء وطعام بطعام). لو حصل مثل هذا الأمر مع شخص آخر من الممكن أن يكون فيه طلاق للمرأة، لا يا أخي! الرسول ﵊ كان يعامل النساء معاملة راقية جداً، والنساء ضعيفات يحتجن إلى الرفق والسماحة. ربنا أعطى الرجل القدرة على أن يعاشر أربع نسوة، وما ملك من الإماء، لديه القدرة على أن يتعامل مع أربع نسوة، ويكون صادقاً في تعامله معهن جميعاً، يعني مثلاً يمكن يبث بحبه للمرأة الأولى والثانية والثالثة والرابعة، لا أحد يقول لي: يا غشاش! أو يا كذاب! والمرأة غير الرجل، ربنا لما خلق الرجل خلق عنده هذه الطاقة وهذا الصبر، بدليل أنه أعطاه أربعاً، فهو إذا قال للمرأة الأولى مثلاً: أنا أحبك، فهو يحبها، وإذا قال للثانية: أنا أحبك، فهو يحبها فعلاً، لكن المرأة لو قالت لغير زوجها: أنا أحبك؛ فهي كاذبة؛ لأن الله لم يجعل لقلبها إلا مكان رجل واحد فقط، بينما جعل للرجل أربعاً، فالرجل لما يوزع في أربع جهات فهو صادق، المرأة لو وزعت في جهتين تكون كاذبة.

стр. 1001

ماذا بعد رمضان ؟! المسلمون في رمضان يظهر جلياً اهتمامهم بالعبادة والقيام وقراءة القرآن وسائر القربات، بينما يهملون دينهم بقية شهور العام، ومن أسباب ذلك الفتور الذي يعتريهم في سائر أيام العام: سيرهم إلى الله على مركب الرجاء أو كما يسمى (دراسة الجدوى) فيستثمرون أوقاتاً تضاعف فيها الحسنات كليلة القدر مثلاً وكأن عملهم فيها مقبول يقيناً، ولا يلتفتون إلى الأوقات الأخرى، ولو ركبوا في إبحارهم إلى المولى الودود تعالى مركب الشوق والمحبة لما تهاونوا ولما استثقلوا العبادة والطاعة.

стр. 1002

أحوال الناس بعد رمضان إن الحمد لله تعالى نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعملنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

стр. 1003

العودة إلى الله وترك التمرد على أمره ونهيه فإذا كان الله يعاملنا هذه المعاملة ومن صفاته الودود، فيا أيها العاصي المدبر عن ربك ﵎! إنك لا تساوي شيئاً إذا انحرفت عن دربه، ومن العجب أن الله لما خلقه وسواه بشراً سوياً إذا به خصيم لله مبين، يحاد الله ، رفعت نسبك فوق نسبه فأنا أعلمك بنسبك جملة بغير تفصيل، قال الله : ﴿كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ﴾ [المعارج:٣٩] فهم يعلمون مما خلقوا، جدك الأعلى تراب ووالدك الأقرب ماء مهين، وقد خرجت من مجرى البول مرتين فكيف تستطيل على ربك؟ ولله در الحسن حين قال: (هانوا عليه فعصوه ولو عزوا عليه لعصمهم). أيها المسلم: إن ترك الذنب أهون عليك من طلب التوبة، فإنك قد لا توفق لتوبة، وقد تتوب فلا يقبل منك، فلماذا تلقي بنفسك في المجهول، وقد قدمنا في أول الكلام أنه ما من نهي نهى الله العبد عنه إلا وبإمكانه أن يتبعه، ترك الذنب إذاً خير لك، وأقرب سبيلاً وأشد من طلب التوبة. أيها الإخوة الكرام! إنه ينبغي علينا أن نحقق العبودية لله ﵎ في أنفنسا وأولادنا، نعم شهر رمضان شهر طاعات، ولكن الله ﵎ يحب العبد إذا عبده في وقت غفلة الناس، ولذلك قال النبي ﷺ : (صلاة الأوابين حين ترمض الفصال)، وهو حديث زيد بن أرقم في صحيح مسلم، والفصيل هو ولد الناقة الصغير الذي لم يستوِ خفه فهو لا يتحمل حرارة الأرض فيمشي على الأرض قفزاً، هذا الوقت يقدر بأنه قبل الظهر بنحو ساعة ونصف أو ساعة وربع، فإذا صليت لله في هذا الوقت فقد عبدت الله في وقت قلما يسجد له فيه ساجد، من الذي يصلي قبل الظهر بساعة ونصف؟ الناس في معايشهم يسعون في الأرض، فإذا عبدت الله في هذا الوقت فقلما يسجد لله فيه ساجد، فلك من قبل الظهر بنحو ساعة ونصف إلى قبل الظهر بساعة إلا ربع، فإذا كان قبل الظهر بنحو ساعة إلا ربع تمتنع من الصلاة؛ لأن هذا وقت الزوال إلى أن يؤذن للظهر، فسمى النبي ﷺ هذه الصلاة صلاة الأوابين، والأوابون: جمع أواب وهو الرجاع إلى الله ، وهذه منزلة من المنازل العظيمة التي إذا حققها العبد كان ناجياً لا محالة، لو ثبت أنه في رتبة الأوابين، فسماها النبي ﷺ صلاة الأوابين لذلك. إذاً: نفهم من هذا الحديث أنك إذا كنت في فقر فتصدقت فقد حققت أعظم العبادة؛ لأنها كانت عن فقر، والنبي ﷺ يقول: (أفضل الصدقة جهد المقل، وابدأ بمن تعول)، فإذا كنت فقيراً ولأهلك عليك نفقة واجبة فلا تتصدق مع هذه القلة إلا على أهلك، هم أولى من غيرهم، إذا كان عليك نفقة واجبة فقد وجب عليك، فإذا لم تكن عليك نفقة واجبة فأولو الأرحام أولى، لكن الشاهد من هذا الحديث قول النبي ﷺ : (أفضل الصدقة جهد المقل). إذاً: كلما عبدت الله وأجبرت نفسك على ذلك كان ذلك أسد لك؛ لأن هذا عنوان الحب. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

стр. 1004

معاملة الله تعالى لعباده مبنية على الفضل إن من آيات معاملة الله ﵎ لنا بالفضل قول النبي ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁: (إذا أدرك أحدكم ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك، وإذا أدرك أحدكم ركعة من الصبح قبل أن تشرق الشمس فقد أدرك)، أي: إذا قدرنا أنه بقي على المغرب دقيقتان أو ثلاث دقائق وكان لك عذر في تأخير الصلاة فقمت فأدركت ركعة وركعت، ثم قلت: سمع الله لمن حمده فأذن المغرب، فالنبي ﷺ يقول: (فقد أدرك) وهذه معاملة بالفضل، وإلا إذا عاملنا بالعدل رد علينا ثلاث ركعات؛ لأن الثلاث الركعات الباقيات من صلاة العصر إنما صليتها في وقت المغرب، والله ﵎ يقول: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء:١٠٣] لها وقت أول ووقت آخر، فإذا أتيت بركعة واحدة في العصر ثم الركعة الثانية والثالثة والرابعة في وقت المغرب فكان مقتضى العدل أن ترد عليك الركعات الثلاث، لكن الله قبل منك ثلاث ركعات أوقعتها في غير الوقت بركعة أدركتها في الوقت، فوهب الكثير للقيل، وهذا فضل من الله ﵎. ويقول النبي ﷺ كما في صحيح البخاري: (إنما بقاؤكم فيما سلف من الأمم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس، أوتي أهل التوراة التوراة فعملوا حتى إذا انتصف النهار، ثم عجزوا فأعطوا قيراطاً قيراطاً، ثم أوتي أهل الإنجيل الإنجيل فعملوا به حتى صليت العصر، ثم عجزوا فأعطوا قيراطاً قيراطاً، ثم أوتيتم القرآن فعملتم به حتى غربت الشمس، فأعطيتم قيراطين قيراطين، فقال أهل الكتاب: هؤلاء أقل منا عملاً وأكثر أجراً؟ قال الله : هل ظلمتكم من حقكم شيئاً؟ قالوا: لا، قال: فهو فضلي أوتيه من أشاء)، فهم كانوا أكثر عملاً، من الصباح إلى منتصف النهار مدة طويلة، ومع ذلك عجزوا، أي: ما أتموا ما فرض الله عليهم فأعطوا قيراطاً قيراطاً، أي: وزعوا الأجر على العاملين، ولذلك كرر لفظة القيراط كما لو أردت أن تقول: إنك أعطيت فلاناً حقه كاملاً فتقول: أعطيته حقه درهماً درهماً، أي: ليس له عندك حق، فتكرير القيراط إشارة إلى أن كل عامل أخذ أجره على قدر ما عمل. وأخذ علماؤنا من هذا الحديث من قوله ﷺ : (ثم عجزوا فأعطوا قيراطاً قيراطاً) أن المرء إذا كلف بأمر فعجز لظروفه الخاصة فإنه يأخذ أجره، ففي بني إسرائيل يأخذ قيراطاً قيراطاً، وعندنا يأخذ أجره كاملاً، وهذا من جملة معاملة الله إيانا بالفضل، كما قال النبي ﷺ -وهذا الحديث في الصحيحين-: (إذا سافر العبد أو مرض كتب له ما كان يعمله صحيحاً مقيماً)، فإذا كان له ورد من الليل يصليه، أو كان له قيام، أو كان له صدقة، فإذا سافر العبد فلم يستطع أن يعمل مثلما يعمله في بلد الإقامة كتب له أجره كاملاً كما لو كان مقيماً، وإذا مرض العبد فعجز عن القيام بما كان يفعله في حال الصحة كتب الله له ذلك كاملاً: ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ) [النساء:٧٠].

стр. 1005

دواعي الفتور في العبادة بعد هذه المقدمة الضرورية وهي: أن الأمر والنهي في إمكان العبد، ف السؤال لماذا يفتر الناس بعد رمضان؟ لماذا يقبلون على الله في رمضان ثم يفترون بعد ذلك؟ إذا كانت المسألة عدم الجدية في العبادة فلقد رأيناهم يجدون، إذاً: بإمكانهم أن يجدوا في غير رمضان، إذ لو كانوا عجزة لما أتوا بهذا الجد في رمضان، فإذا كان بإمكانه أن يفعل فلماذا يحجم؟ لماذا هذا الفتور؟ في ليلة السابع والعشرين من رمضان وأنا ذاهب إلى المسجد في الساعة الواحدة لفت نظري هذا العام أن أغلب المساجد ملأى بالناس، وهذا ليس وقت سعي للعبادة، وليس وقت مكوث في المساجد، إذاً: لماذا عمّر الناس المساجد في هذه الساعة المتأخرة من الليل؟ طلباً لليلة القدر، إذاً: فالناس أذكياء! ويعرفون مصالحهم، ويقبلون إذا وجدوا الأجر، لذلك تركوا فرشهم الدافئة في هذا الشتاء وذهبوا إلى المساجد يصلون لله ، بينما ليلة ثماني وعشرين لا تجد أحداً في المساجد إلا العمّار الراتبون، ما معنى هذا الكلام؟ أيضحكون على الله؟ أول ما يظن أنه أخذ ليلة القدر يذهب لينام، لماذا هذا التفريط؟ إذاً: الناس تعرف دراسة الجدوى، يعرفون المكاسب والخسارة، لكن بكل أسف لم يحسبوها صحيحة هذه المرة. إن الله ﵎ حي قيوم يقبل العمل، سواء عملته في الليل أو في النهار، عملته في رمضان أو عملته في شوال، فهو ﵎ قيوم ﴿قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد:٣٣]، وهو ﵎ يعاملنا بالفضل، فبرغم قصر أعمار هذه الأمة إلا أنها أكثر الأمم أجراً، فقصر أعمارها وبارك في أعمالها؛ حتى أن الحسنة الواحدة تضاعف إلى سبعمائة ضعف، وهذا لا نعلمه لأمة من الأمم قط إلا لأمة المسلمين، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، حتى إن العبد قد يفعل الشيء الذي لا يلتفت إليه فينجو به غداً؛ لأن الله قبله منه، ومن الأدلة الكثيرة على ذلك قول الله ﵎: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر:٣] وألف شهر تعني: (٨٣٨) سنة وبضعة أشهر وعدة أيام، فإذا قمت ليلة القدر وأصبتها فعلاً فقد أضيف إلى عمرك القصير ثمانون عاماً، فإذا سددك الله وكل رمضان أدركت ليلة القدر -إذا قمت العشر الأواخر بجد واجتهاد- فكل سنة تعبد الله فيها ثمانون عاماً محسوبة إلى عمرك، فإذا لقيت الله تلقاه بعمر قد يصل إلى ألفين أو ثلاثة آلاف عام، فيكتب لك أجر عابد ثلاثة آلاف عام، وهذا لو قدرنا أن رجلاً منذ فرض عليه الصيام من سن الثامن عشر عاماً مثلاً ومات وهو ابن ستين سنة، وصام خمسة وأربعين رمضان، وأدرك في كل رمضان ليلة القدر، فإذا ضربت خمسة وأربعين في ثلاثة وثمانين يصبح معك أكثر من ثلاثة آلاف، فكأنك عبدت الله أكثر من ثلاثة آلاف عام، برغم أن عمرك الفعلي لا يجاوز ثلاثين عاماً عند الله ، فالعمر الفعلي الذي تحاسب عليه أمام الله لا يتجاوز ثلاثين عاماً، إذا مت على رأس ستين سنة، وهذه هي دراسة الجدوى لعمر إنسان مات وسنه ستين سنة؛ لقول النبي ﷺ : (أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين وقليل من يتجاوز ذلك). فلو قدرنا أن إنساناً يموت على رأس ستين عاماً، فهو لا يحاسب حتى يبلغ، والبلوغ قد يصل إلى خمسة عشر عاماً، ثم هو ينام ثمان ساعات في اليوم، إذاً: ثمان ساعات تطرح من ستين سنة تذهب عشرون سنة، تقضى في النوم وخمسة عشر سنة إلى سن البلوغ، وهذه خمسة وثلاثون سنة، فلو قدرت ساعات النوم أيضاً في البلوغ وتختصر خمس سنوات، إذاً: ثلاثون عاماً. إذاً: رجل يموت وعمره ستون سنة يحاسب عند الله على ثلاثين عاماً فقط، فهل ثلاثون عاماً مهما فعلت فيها توصلك؟ لا توصلك. ولو عمرت عمر نوح ﵇ لا توصلك، ولو عمرت عمر إبليس الذي قال لله : ﴿أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الأعراف:١٤]، فلو عمرت من أول ما خلق آدم إلى أن ينفخ في الصور فلن تدخل الجنة بعملك أبداً، قال النبي ﷺ : (إنه لن ينجي أحدكم عمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته). وهناك قصة ضعيفة الإسناد أذكرها على سبيل التقريب لا الاحتجاج، وقد ذكرها الحاكم في المستدرك مرفوعة إلى النبي ﷺ ، وهي: (أن عبداً عبد الله في جزيرة ستمائة عام، فأنبت الله له قحط رمان في الصخر، وأخرج له بقدر الإصبع عيناً عذبة من الماء المالح، فكان يأكل من الرمان ويشرب من الماء ويعبد الله، فسأل الله يوماً أن يقبضه وهو ساجد، فعندما جاء أجله قبضه الله وهو ساجد، ثم قال الله : أدخلوا عبدي الجنة برحمتي، قال: يا رب بل بعملي! قال: برحمتي! قال: بل بعملي! فقال الله : قايسوا نعمي على عبدي بعبادته -ومسألة القيامة مسألة موازين- فأتوا بنعمة البصر ووضعوها في كفة، ووضعوا عبادة ستمائة عام في كفة، فطاشت الستمائة عام في العبادة أمام نعمة البصر، فقال الله : خذوه إلى النار، فجعل العبد يستجير ويستغيث ويقول: يا رب، أدخل الجنة برحمتك!! فقال: أوقفوه. فوقف، قال: عبدي! من خلقك ولم تك شيئاً؟ برحمتي أم بعملك؟ قال: برحمتك يا رب! قال: من الذي أخرج لك قحط رمان في الصخر برحمتي أم بعملك؟ قال: برحمتك يا رب! قال: من أخرج لك الماء العذب من الماء المالح، برحمتي أم بعملك؟ قال: برحمتك يا رب! قال: من قواك على عبادة ستمائة عام، برحمتي أم بعملك؟ قال: برحمتك يا رب! قال: فبرحمتي أدخل الجنة، يا عبدي كنت نعم العبد)!! وهذا الحديث وإن كان ضعيف الإسناد إلا أن الأحاديث الصحيحة تنطق على مقتضاه، ومنه قول النبي ﷺ الذي ذكرته آنفاً: (لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا. إلا أن يتغمدني الله برحمته). فوضع الله الآصار التي فرضها على بني إسرائيل عن هذه الأمة، كما قال الله في وصف النبي ﷺ : ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف:١٥٧] كان الواحد من بني إسرائيل إذا أصابه البول قرضه بالمقاريض، لا يكفي فيه الغسل ولا يطهره ماء، وإنما يقرضه بالمقاريض، ووضع الله هذا الإصر عن هذه الأمة، بل إن الرجل إذا فقد الماء تيمم وصلى وأجزأته صلاته ولا يلزمه الإعادة، وإذا فقد الطهورين معاً صلى بلا وضوء ولا تيمم، وإذا قابله قاطع طريق فأخذ ثيابه كلها وتركه عارياً صلى عارياً وأجزأته صلاته، ولا تلزمه الإعادة، وهذا كله من التيسير الذي امتن الله به على هذه الأمة. حرم الله على بني إسرائيل الطيبات: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء:١٦٠] حرم عليهم الخبائث وحرم عليهم شطراً من الطيبات فضيق عليهم الحلال، فكان البحث عن الحلال في أيامهم في غاية المشقة، وهذه الأمة لطف الله بها، ووضع الآصار التي وضعها على بني إسرائيل عن هذه الأمة. إذاً: فالله يعاملنا بالفضل، فما الذي غرك به وجعلك تُجبر عنه بعد رمضان؟ ألا يحصي عليك بعد رمضان، أو يغفل عنك فلا يراك؟!! لماذا نعامل الله هذه المعاملة؟ ولماذا لا نقبل عليه دائماً في كل يوم وشهر؟ هذا عقوق لله ، وإن الكريم لا يجب عليك أن تعقه فهذا لؤم، ويوشك الله ﵎ أن يعاقب الذي حلم عليه كثيراً فلم يرجع.

стр. 1006

شرط الاستطاعة لامتثال الأمر والنهي من القواعد المقررة في ديننا قول الله : ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]، وقول الله : ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح:٥ - ٦] فكل أمرٍ أمر الله به عباده على سبيل الوجوب فبإمكانهم أن يفعلوه، وكل نهي نهاهم عنه فبإمكانهم أن ينتهوا عنه، فليس هناك أمر فوق مقدور العبد أبداً: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق:٧] وليس هناك نهي يعجز العبد عن فعله قط، وهذا شيء مؤكد لا يختلف فيه اثنان قط، والأمر والنهي معاً يشكلان العبادة مع توحيد الله ، فالعبادة: هي التوحيد، ومقتضى هذا التوحيد من الأمر والنهي، فمن لم يأت بالعبادة -التوحيد ومقتضاه- فإنه لم يعبد الله ، إذ إن الله قد خلق الخلق ليعبدوه؛ كما قال ﵎: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] في الرحلة إلى الله أكثر من مركب يُمتطى، فهناك من يمتطي مركب الرجاء، وهناك من يمتطي مركب الخوف، وأعظم الواصلين إلى الله هم الذين يمتطون مطية المحبة إليه ﵎، فلا تكلف أبداً مع المحبة. فهذه العبادة التي أمرنا بها الله يجب علينا أن نأتي بها في مكاننا، فإن عجزنا فإلى مكان آخر، لم يخلقك الله ﵎ لتكون عابداً له في بلدك، بل لو اقتضى الأمر أن تخرج من بلدك ومن أهلك ومن مالك لتحقق العبادة وجب عليك ذلك، فإن لم تفعل ولم تأت ما أمرت به فالله ﵎ يقول: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ * كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت:٥٦ - ٥٧] إنما ذكر الموت بعد السياحة في البلدان طلباً للعبادة، كأنه يريد أن يقول لك: كن عبداً لله ومت حيث شئت، المهم أن تحقق العبودية لله، فلا يشترط أن تموت بأرضك وبين أهلك وخلانك: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت:٥٧] وذكر هذا بعد قوله ﵎: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت:٥٦] أي: حقق العبادة حيثما كنت. وقد رأيت وأنا أقرأ ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أنه حقق هذا المعنى، فأيام كان طليقاً كان يدعو إلى الله ويواجه الفرق المبتدعة، وفعل هذا الرجل بالمبتدعة ما لم تفعله كتائب من العلماء، فلما سجن وجد المسجونين يلعبون ويلهون، ويقضون أوقاتهم في العبث، فأنكر عليهم ذلك أشد الإنكار، وقام فيهم بما يجب أن يقوم به العالم، فجمعهم على الصلاة، وأمهم، وشرع يعطي دروس العلم في التفسير والحديث والفقه، فاجتمع المسجونون عليه حتى ذكر الذين ترجموه أن كثيراً من المسجونين لما جاءهم الإفراج أبوا أن يخرجوا، وخرج من بين هؤلاء المسجونين علماء، فهذا الرجل قام بحق العبودية حتى وهو في السجن، فلا يضرك أين ذهبت، المهم أن تكون عبداً لله .

стр. 1007

امتثال شرع الله محبة له تعالى الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أيها الإخوة الكرام! إذا كان الله ودوداً يتودد إلى عباده، ويتحبب إليهم بنعمه، فنحن نعلم يقيناً أن المرء لو رزق النبل وسلامة الأصل لا يقابل فعل الكريم بلؤم. إذا أنت أكرمت الكريم ملكته وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا فأي رجل عنده نبل لا يعق ربه أبداً، من قرت عينه بالله قرت به كل عين، وأنس به كل مستوحش، وأمن به كل خائف، وفرح به كل حزين، وعز به كل ذليل، وجرب من عق ربه أرسل طرفك معه وهو يعامل عباد الله، لا يخلو من لؤم أبداً، أما الإنسان الأصيل فلا يعق ربه. فإذا كان الله يتحبب إلينا بذلك ونحن نُدبر عنه فيا ترى! ما هو العلاج؟ وما هو الحل؟ الحل أن تحب ربك، إنك إذا أحببته وهو أهل للحب لا يحب لذاته إلا الله، لا نبي ولا ملك، يحب لذاته، وإنما أحببناهم لأن الله قربهم، ولأن الله اجتباهم واصطفاهم على العالمين؛ لذلك أحببناهم، ولو نزع الله منهم الاصطفاء لأبغضناهم، إذاً: فلا يحب لذاته إلا الله . إذا حققت معنى العبودية لم تر مشقة لأمر ولا لنهي، إن راكب مركب الحب لا يضل، الحب مطية لا يضل راكبها، والعبادة بالحب وإن قلت أفضل من العبادة بالخوف وإن عظمت وزادت، ولذلك ترى في عبادة المحبين من الروح مالا تراه في عبادة غيرهم؛ لأنهم يعبدون الله حق عبادته، ولله در أبي الطيب المتنبي لما قال وهو يقرب هذا المعنى: يا من يعز علينا أن نفارقهم وجداننا كل شيء بعدكم عدم إن كان سرّكُمُ ما قال حاسدنا فما لجرح إذا أرضاكمو ألم هذا عنوان صدق المحبة! طالما أنه راضٍ فلا أشعر بألم الجرح، وفي بعض الأدعية التي تعزى إلى النبي ﷺ لكنها بسند ضعيف أنه كان يناجي ربه، فيقول: (لك العتبى حتى ترضى، إن لم يكن بك غضب عليَّ فلا أبالي) وهذا هو معنى الحب، فإذا أحب الله ورضي فلن تشعر بأي تكليف، ولا بأية مشقة، ولله در الشاعر المجيد أبي الشيص الذي قال أيضاً في توضيح هذا المعنى: وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي متأخراً عنه ولا متقدم وأهنتني فأهنت نفسي جاهداً ما من يهون عليك ممن يكرم أشبهت أعدائي فصرت أحبهم إذ كان حظي منك حظي منهم أجد الملامة في هواك لذيذة حباً لذكرك فليلمني اللوم إن علاج هذا الإدبار أن تحب ربك. ونحن نقول للداعين إلى الله : لا تبغضوا الله إلى الناس، والنبي ﷺ قال لبعض الناس: (إن منكم منفرين)، فالمفتي إذا كان هناك وجهان في الدليل: شديد ويسير، فلا جناح عليه أن يأخذ في خاصة نفسه بالأشد، بحسب ورعه، لكن لا يجوز له أن يحمل الناس على الأشد إن كان اليسر له وجه في الدليل، فإذا حمل الناس على الأحوط فالأحوط فهو من المنفرين؛ لأن الأحوط فالأحوط معناه: الأشد فالأشد فالأشد، (كان النبي ﷺ إذا خير بين أمرين اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً) إذاً: حببوا الله إلى الناس، وكان علي بن أبي طالب يقول كما رواه البخاري في صحيحه: (حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟)، فاترك المجهول بالنسبة للناس الذي لا يضرهم الجهل به، وعليك بالمعروف. لما جاء عثمان بن أبي العاص إلى النبي ﷺ ، فقال: (يا رسول الله! اجعلني إمام قومي، قال: أنت إمامهم واقتدِ بأضعفهم) رعاية للضعيف، فإن القوي لا يضره إذا قصرت الصلاة لكن الضعيف يضره إذا طالت الصلاة، فقال: (اقتدِ بأضعفهم)، ولما (صلى معاذ بن جبل بقومه فافتتح صلاة العشاء بالبقرة ترك شاب الصلاة وصلى في ناحية المسجد وحده وانصرف، فقيل لـ معاذ: إن فلاناً ترك الصلاة خلفك، فقال: (إنه لمنافق) فبلغ ذلك الشاب، فشكى معاذاً إلى النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : أفتان أنت يا معاذ؟) فالشاب شكى للرسول ﵊، قال له: نحن أصحاب نواضح، نسقي طوال النهار، ونحن متعبون من العمل، وهذا يصلي معك العشاء ثم جاء فافتتح البقرة، فقال النبي ﷺ له ذلك: (أفتان أنت يا معاذ؟ هلّا صليت بالشمس وضحاها، والليل إذا يغشى) فلما سمع الشاب قول معاذ: إنه لمنافق قال الشاب: (سيعلم غداً)، فلما كانت أول غزوة قتل هذا الشاب فيها، فقال النبي ﷺ لـ معاذ: (ما ظنك؟)، أي: أين ذهب ظنك، وهل صدق لما قلت عنه: إنه منافق؟ إن الله ﵎ يقبل الصلاة من الخاشع الخاضع ولو كانت بالحد الأدنى منها، فقول النبي ﷺ : (واقتدِ بأضعفهم) ليس المقصود بها الصلاة فقط، بل هذا قانون، فإنك إذا حملت الناس قسراً على عبادة الله ولم يكن عندهم من المحبة ما يقاوم ذلك أدبروا؛ لذلك كانت من سيرة النبي ﷺ أنه إذا خيّر بين أمرين اختار أيسرهما، وهكذا عليك أن تكون بشرط: أن يكون للأيسر حظ من الدليل، ليس أن تذهب فتأتي بالرخص، وترخص للناس كل شيء بلا دليل، لا، بل الشرط أن يكون له وجه في الدليل. فمحبة الرحمن ﵎ هي التي تسهل عليك العبادة، فلا ترى فيها تكلفاً ولا مشقة، نسأل الله ﵎ أن يرزقنا حبه وحب من أحبه، وكل عمل يقربنا إلى حبه، اللهم اجعل حبك أحب إلينا من الماء البارد، اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين، اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا، رب آت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها. اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا، وكل ذلك عندنا.

стр. 1008

وسيلة دفع الهم [١] إن أعظم وسيلة لدفع الهم الذي يبتلينا به الله ويكفر به من خطايانا هي دعاء الله واللجوء إليه سبحانه، وقد علمنا رسول الله ﷺ كيفية الوقوف بين يدي الله والتضرع إليه طمعاً في تفريج الهموم وكشف الكربات، وقد ثبت عنه ﷺ أدعية إذا دعا بها العبد ربه مستشعراً فقره إليه، وحاجته إلى إحسانه وفضله، فإن الله يبدله بضيقه سعة، وبهمه فرجاً.

стр. 1009

شرح حديث كشف الهم إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أخرج الإمام البخاري ﵀ في صحيحه من حديث عبد الله بن مسعود ﵁، أن النبي ﵌ رسم مربعاً على الأرض، ومد خطاً من داخل هذا المربع إلى خارجه، وخط خطوطاً قصاراً حول هذا الخط الطويل داخل هذا المربع، ثم قال: (هذا الإنسان وهذا أجله محيط به، وهذا أمله -وأشار إلى الخط الطويل الذي خرج من هذا المربع- ثم أشار إلى الخطوط القصيرة، وقال: وهذه الأعراض إذا نجا من عرض نهشه الآخر) فهذا يبين لنا أن المرء من يوم ولادته إلى زمن موته وهو عرضة للمصائب والآلام، قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد:٤]. إذا كانت الحياة كذلك فلابد من دواء، وقد تعددت الأدوية القرآنية والنبوية، ومن أحسنها ما رواه ابن حبان وأحمد في مسنده من حديث عبد الله بن مسعود أن النبي ﵌ قال: (ما يصيب المسلم من هم ولا حزن، فيقول: اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمك، عدلٌ فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، إلا كان حقاً على الله أن يبدل همه فرجاً، وحزنه فرحاً، قالوا: يا رسول الله! أفلا نتعلمهن؟ قال: حق لمن سمعهن أن يتعلمهن). (حقٌ) أي: واجب وفريضة، ومن سوف نبين المعاني التي اشتمل عليها هذا الحديث العظيم؛ لأن النبي ﵊ قال: (حقٌ) أي: صار واجباً وفريضة لمن يسمع هذا الحديث أن يعلم معناه. إن الإيمان بالشيء فرع عن تصوره، فإذا لم يفهم المرء المعاني نقص إيمانه جداً، وكلما علم معاني القرآن والسنة ازداد إيماناً، ولذلك لما سئل علي بن أبي طالب كما رواه البخاري في صحيحه: (أخصكم رسول الله ﷺ بشيء دون الناس؟ قال: لا. إلا فهماً يؤتاه الرجل في كتاب الله)، فالفهم منحة من الله ، قال تعالى: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء:٧٨ - ٧٩]، وقال تعالى: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء:٧٩] حتى لا يتصور المستمع أن هذا نقص في داود ﵇، فقال: (ففهمناها سليمان) وكل على خير، كما قال ﷺ : (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير) أي: في الإيمان الذي عند هذا الضعيف، فكان هذا الخير عنده. فالفهم في كلام الله ورسوله مُورثٌ لزيادة الإيمان، وما منا من إنسان إلا أصيب أو ينتظر مصيبة؛ لأن الله قال: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد:٤]، أي: في معاناة ومشقة، فالذي يتصور أنه من يوم أن يولد إلى أن يموت لا يبتلى فقد ظن باطلاً وعجزاً، ومن دخل الحرب وهو يظن أنه لا يصاب فقد ظن عجزاً.

стр. 1010

معنى قوله: (أسألك بكل اسم هو لك) وقوله: (أسألك بكل اسم هو لك) نزه الله قبل أن يسأل، فاعترف بالعبودية والذل وخلع حوله وقوته، وأثبت العجز الكامل لنفسه، وأن الله حكيم لا يفعل الشيء إلا لحكمة، وأثبت أن ما نزل به من المصيبة فبما كسبت يده، بعد كل هذه الديباجة بدأ يسأل: (أسألك بكل اسم هو لك) وأيضاً قبل أن يسأل بدأ بالثناء على الله: (بكل اسم هو لك)، والأسماء والصفات أعظم الأبواب لزيادة الإيمان. وروى أبو ذر الهروي في فوائده أن خالد بن صفوان دخل على هشام بن عبد الملك، فكان خالد بن صفوان خطيباً بليغاً، فقال خطبة طويلة بين يدي هشام يذكره فيها بما أنعم الله عليه، وبامتداد ملكه، وبما له من الشوكة والسلطان والاستقرار، وقال: فإن شئت يا أمير المؤمنين ذكرت لك مثلاً من الملوك قبلك، فقال له: قل. قال: كان ملك قبلك وكان شاباً فتياً، وله مملكة رائعة كلها خضرة وزهور، وبينما هو جالس في هذا النعيم إذ قال لحاشيته: هل تعلمون أحداً فيما أنا فيه؟ قالوا: لا. وأثنوا عليه وأطنبوا، فقال شيخ كبير أدبه الحق، وقام لله بالحجة، فقال: أنا أقول لك! قال: قل. قال: هذا الذي أنت فيه شيء أصيل أم ورثته عن غيرك، وهو سيكون إلى غيرك؟ قال: بل ورثته عن غيري ويكون إلى غيري، قال: إذاً فما يفيد ما أنت فيه؟ قال: ويحك! وما المهرب؟ قال: أن تعمل بأمر الله على ما أمرك وأعطاك وأسعدك، أو تخلع هذا التاج وتسيح في الأرض فتعبد الله؟ قال: أمهلني حتى السحر، فإذا كان السحر فاقرع بابي فإني متدبر في هذا الأمر، فلما كان السحر قرع الباب فإذا به يجد الملك قد خلع التاج ولبس أطماراً باليه، وقال: أرضى أن أسيح في الأرض فأعبد ربي، ولو رضيت بالملك لاتخذتك وزيراً، وقد رضيت بالسياحة فاخترتك رفيقاً، فدخل هذا الرجل ورفيقه في جبل فعبدا الله حتى ماتا، فلما سمع هشام ذلك بكى حتى اخضلت لحيته، وأمر بما كان من الطنافس وفأخرجت، فناله بعض حاشيته -أي حاشية هشام - وقالوا: كدرت عليه، ونغصت عليه، فقال: إني عاهدت الله عهداً ألا أدخل على ملك، إلا قمت بما أوجب الله عليَّ من النصح. لقد ترجم خالد بن صفوان مظاهر الجلال لرب العالمين: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا﴾ [مريم:٤٠] مع أن الآيات كان يمكن أن تكون: (إنا نرث الأرض) والمعنى مستقيم، لكن جاء ضمير العظمة المنفصل (نحن)، ويضاف إلى ضمير العظمة المجاور له (إنا)، و (نرث) أيضاً ضمير عظمة، فالإنسان إذا راقب جملة معاني أسماء الله ازداد بها إيماناً، وإذا راقب نعوت الجلال انكسرت رقبته، وإذا راقب نعوت الجمال تعلق به، وإذا راقب الأمر والنهي امتثل وخف عليه التكليف، وإذا راقب صفات التوكل وأن الله يدفع عن عبده ويقيه قوي قلبه على التوكل، وإذا راقب مقتضى السمع والبصر أورثه ذلك الحياء من الله، من أن يقيم على معاصيه، أو أن يسمع منه ما يكره. هذه هي معاني أسماء الله ، ولذلك تأمل آخر الآيات: (إنه هو: الحكيم، العليم، القدير، الخبير، العزيز) وراقب هذه الصفات وتدبرها مع الآية تجدها في غاية الروعة، وأن غيرها لا يغني عنها: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء:٩] لا تكون (العزيز الحكيم)، فالرحمة هنا تقوم أكثر من مقام الحكمة، وتدبرها. قوله: (أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحداً من خلقك) وهذا يدل على أن بعض الأسماء خاصة، لا يعرفها إلا بعض الناس، أو آحاد الناس، كاسم الله الأعظم، وإنما يعلمه الله بعض عباده: (أو استأثرت به في علم الغيب عندك) أي: لا يعلمه أحد قط، وفي هذا دلالة على أن أسماء الله لا تحصر في تسع وتسعين بل هي أكثر من ذلك، وهو الذي عليه جماهير العلماء، وقالوا في قوله ﷺ : (إن لله تسعة وتسعين اسماً) لا يفيد الحصر، ولا يحصر أسماء الله في التسعة والتسعين. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين، اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا، رب آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا، وكل ذلك عندنا.

стр. 1011

معنى قوله: (ماض فيَّ حكمك) وقوله ﷺ : (ماضٍ فيَّ حكمك) لا يستطيع أحد أن يرد قضاء الله وحكمه الذي نفذ: ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾ [الأنعام:٧٣] ﴿فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ [ص:٨٤] أي: لا أقول إلا الحق، لكن بعض الناس يقول عن نفسه: (الحق والحق أقول) وهذا خطأ، فلا يجوز لبشر أن يقول عن نفسه هذه العبارة؛ لأنه ما من إنسان إلا وكلامه يشتمل على بعض الباطل، ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ [ص:٨٤] أي: لا أقول إلا الحق، وهذا لا يقوم به إلا رب العالمين ورسله، أما الذي لم يعصم فإن كلامه يشتمل على بعض الباطل وإن كان رجلاً فاضلاً. والذي يجري في المحاكم الآن من المعارضة والاستئناف يدل على أن القاضي الأول لما حكم ما تحرى العدل، فيضع أقصى عقوبة حتى وإن كان الجرم لا يستحق ذلك، لأن هناك استئنافاً للحكم، وبعدما يحكم عليه بالإعدام يكون براءة، كيف هذا؟ لأن عندنا مسألة النقض والإبرام، والأصل أن يجتهد القاضي في الحكم وفي النظر إلى أصول الشريعة، وبالنظر إلى دوافع الخصم، ويدرس القضية دراسة جيدة ثم يحكم، هذا هو الواجب، لكن هذا بداية يقول: أطالب بالإعدام!! لماذا؟ لأنه يعرف أن هناك مسألة أخرى، والمحامي يقول لهم: هذا حكم ابتدائي، أي: باطل! فالقاضي ألقى الكلام على عواهله؛ لأنه يعلم أن هذا الحكم سينقض، أو سيخفف، إذاً: لم يكن محقاً عندما تكلم بهذا الكلام، أما رب العالمين فحكمه ماضٍ؛ لأنه ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] ﴿لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ [الرعد:٤١] لا استئناف ولا نقض ولا إبرام، كل هذا لا يوجد عند الله ﵎. ولذلك إذا ظلمت في الدنيا أخر الحكم للملك ﵎؛ مع أنها مرة، لكن سوف تنصف غداً، ومع ذلك أقول لك: لن يمضي خصمك في الدنيا بسلام، فالظالم لا يظلم رجلاً واحداً. والظلم من شيم النفوس فإن تجد ذا عفة فلعله لا يظلم وهذا كلام المتنبي، يقول: (الظلم من شيم النفوس) إلا إذا أوّلنا الكلام بأن هذا أصل الإنسان؛ أي: أن المرء خلق ظلوماً، وهذا حق، فقد قال الله ﵎: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:٧٢] فأصل الإنسان أنه ظلوم لنفسه، لا يظلم لأنه رجل في نفسه، وإنما هناك علة منعته من الظلم، والعلل عند الناس كثيرة، فأهل الإيمان العلة العظمى عندهم: مخافة رب العالمين، وكفى بها علة شريفة يشاد بها، والإنسان لا يظلم؛ لأنه يخاف الله، وآخر لا يظلم؛ لأنه لا يقوى على إيصال الظلم والانتقام فهو عاجز، فيسكت، أو أن له مصلحة، فهذا الظالم لا يظلم نفراً دون نفر وإنما ظلمه فاشٍ، فإذا تركت الدعاء عليه أصابه سهم آخر لمظلوم آخر؛ فلا بد أن يصاب.

стр. 1012

معنى قوله: (عدل في قضاؤك) حكم الله ماضٍ، وهذا يطمئن القلب: (ماضٍ فيَّ حكمك -أي: أنا لا أملك من أمر نفسي شيئاً فعله- عدل فيَّ قضاؤك) ففرق بين الحكم والقضاء، وهناك نفر من الناس يبغضون الله إلى الناس، فيقولون: إن الله يظلم ومحض العدل عنده سبحانه: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود:١٠٧]، فالمؤمن قد يقلب عمله إلى سيء ويدخله النار، والفاسق من الممكن أن يدخله الجنة، وهذا صحيح في جملته، لكن لابد أن يكون هناك كسب من العبد أدى إلى النهاية، وإلا فنحن نقطع أن رب العالمين لا يسوي بين مَن عمل الصالحات وبين مَن عمل السيئات، من عمل صالحاً وأتى بالإيمان فنحن نجزم أنه من أهل الجنة، ومن تاب وأتى بالتوبة على أركانها وشرائطها وواجباتها فنحن نجزم بأن توبته مقبولة. وقد جعل الله إبليس بدلاً من أن كان طاوس الملائكة -على قول من يقول بذلك وليس بصحيح- جعله مخلداً في النار، فيقولون: هكذا قضى الله ، سبحان الله! إذا كنت لا تأمن مكر ربك بمعنى: تعمل الصالحات فيقلبها عليك، فمتى يطمئن قلبك إلى الله؟ متى يتشجع المرء على عمل الصالحات إن كان الله يقلب عمله الصالح (١٠٠%) إلى السيئ؟ هذا محال!! ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم:٣٥ - ٣٦] ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص:٢٨] هذا لا ينبغي ولا يليق، وإنما يرتكب العبد شيئاً لا يعلمه الناس فيكافئه الله بما في قلبه، هذا هو الفارق بين الأمرين، لا أن من عمل الصالحات وآمن بالله أن الله يقلب ذلك عليه، لا يكون ذلك أبداً!! إن الذين يحتجون بهذا القول من أهل البدع إنما يحتجون بدليل صحيح لكن ليس فيه دلالة، أو بما لا يصح وإن كان فيه دلالة، إن الله ﵎ من أسمائه: العدل، فلا يسوي بين من أطاعه وعمل الصالحات من قلبه وبين من أظهر للناس العمل بالصالحات وليس في قلبه مقتضى لهذا العمل، هذا هو الفرق، وإلا كيف تحب ربك؟ وأضرب لك مثلاً -ولله المثل الأعلى- تخيل أن لك امرأة خائنة لا تأمن غوائلها، ومن الممكن أن تضع لك سماً في الأكل، هل ستأكل؟ أو من الممكن أن تذبحك وأنت نائم، أتنام؟ تخيل أن هذه المرأة خائنة، أو العكس هناك امرأة زوجها هكذا، فهل من الممكن أن تأمن وتطمئن. فإذا كان الأمر كما يقولون فمن لهؤلاء العصاة الذين عصوا الله وأرادوا أن يتوبوا ويرجعوا من قلوبهم فعلاً؟ من لهم إذا كانوا يصورون الله كذلك؟ إن ربنا أولى بالوفاء، ولذلك تهوي الأفئدة إليه؛ لأنه يغفر الزلة ويمسح الحوبة، وقد يخرج الرجل من جبّ المعاصي فيضعه في قمة الولاية؛ لأنه عبده، فالله ﵎ أولى بذلك، وهؤلاء هم الذين يحتجون بالقدر على المعاصي، وهم الذين أساءوا الظن بالله : ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ﴾ [فصلت:٢٣] ليس الله كذلك، لكن من ظن أن الله كذلك عامله على مقتضى ظنه فأهلكه. نسأل الله أن يعافينا من سوء الظن به، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم. الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. إذا اعتقد المرء أن قضاء الله عدل ازداد إيمانه؛ لأن الذين يسخطون على الله يظنون أن الله ظلمهم، فإذا أصابته مصيبة قال: لماذا يا رب من دون كل هؤلاء اخترتني؟ أليس كثير من الناس يعترض على ربه بهذا؟ يسيء الظن بالله ويسخط عليه، ومن سخط فعليه السخط، فإذا اعتقدت أن الله عدل في قضائه وأصابتك مصيبة فقل: هذا بذنب! وأنا أستحق ذلك، بل الله لطف بي؛ لأنه لم يعجل لي وترك لي فرصة أن أتوب وأرجع. وهناك من الناس من لا يرجع، ﴿فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ [يونس:٨٨]، لا يرجعون من تلقاء أنفسهم، فكلما أصابتك مصيبة قل: أنا أستحق ذلك، وقل: بل لطف بي ربي، ولو عجل لي ما تبت، كم من حسرات في بطون المقابر، كثير من الذين ماتوا كان الواحد منهم يتمنى أن يتوب، لكن أهلكته السين وسوف، وسأتوب وسأتوب فاعتقاد أن الله عدل هو مقتضى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء:٤٠]، رجل يبتلى بالوسوسة في أهله، وهذه ظاهرة بدأت أرى لها غباراً، يسيء الظن في زوجته مثلاً، ليس لأنه غيور، لكن لأنه خائن، إنه ابتلي على نحو ما فعل بالآخرين، لو قلب في صفحاته لوجد أنه خان أيضاً، ولم يكن نبيلاً، ولم يكن ذا عفة، ولم يكن محترماً، فابتلاه الله بهذا، وهذه ليست غيرة؛ لأن النبي ﷺ قال: (إن الله يحب الغيرة في غير ريبة) فإذا لم تر من امرأتك ما يدعو إلى ذلك، فلا توسوس وتقول: أنا غيور، هناك فرق، لكن العاقل الذي لا يكذب ولا يخدع نفسه لو فتش لوجد أن حياته تشتمل على خيانات، فنزع إطار الله السكينة من قلبه خشية أن يخون أهله، والعكس أيضاً، والجزاء من جنس العمل. وهذا عدل من الله : ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء:١٤٢] فالخداع منهم أقبح شيء، ومنه أحسن شيء؛ لأنه منه مجازاة فكان أحسن شيء، ومنهم لؤم؛ لأنهم يخدعون الذي لا يخدع فكان أقبح شيء، مثل المكر تماماً: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال:٣٠]، فمكره أحسن شيء، ومكرهم أقبح شيء؛ لأنه يمكر بالقوي الكبير، المتعالي العلي القدير، الخبير اللطيف، وإنما الله رد عليهم مقتضى فعلهم؛ لذلك كان فعله أحسن شيء ﵎. وعندما تصيب الإنسان مصيبة يعلم أن الله لا يظلم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٤٠] أفمثل هذا الرب العظيم يظلم؟ ﴿لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء:٤٠] ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾ [يونس:٤٤] والنكرة في سياق النفي تفيد العموم، أي: لا يظلم أي شيء، فـ (شيئاً) نكرة ومنفية، فاعتقاد أن الله حكم عدل يعينك على التوبة، وأن ترجع فتذم نفسك لا أن تلقي باللوم على ربك: (عدل فيَّ قضاؤك).

стр. 1013

معنى قوله: (اللهم إني عبدك) سن لنا النبي ﷺ دعاءً ندعو به يشتمل على التوحيد وعلى العبودية: (اللهم أني عبدك وابن عبدك وابن أمتك) أي: أنا عريق في العبودية، عريق النسب، ضارب الجدود في العبودية، فأنا عبد وأبي عبد وأمي أمة. وكان شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يكثر من ذكر هذا البيت في جلوسه وقيامه، ومشيه وسفره وترحاله، قائلاً: أنا المكدي وابن المكدي كذلك كان أبي وجدي أي: كلنا خدم، وطيلة عمرنا ونحن مماليك خادمون للملك، (أنا المكدي) أي: أعمل بالأجرة، مكدود، و (كذلك كان أبي وجدي) أيضاً، كلنا خدام للملك، ومماليك: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:٢١]. فاشتمل هذا على الإقرار بعبوديته لله ، وأكثر ما ينغص على الناس في شأن الإيمان: خروجهم من العبودية، وخذ مثلاً: رجل تقدم لوظيفة، فقال: أنا لا آتي إلا مرة في الأسبوع، أو قال: لا آتي إلا شهراً في العام، وآخذ العمل وأعمله عندي في البيت، من الذي يقبل منه هذا إذا ذهب إلى مصلحة حكومية أو إلى أي وظيفة؟! فهؤلاء الذين يناديهم المؤذن فلا يأتون المسجد إلا يوم الجمعة، أليس هذا كالذي يقول: أنا لا آتي العمل إلا مرة في الأسبوع، وهذا الرجل سيفصل قطعاً؛ لأن العمل له ضوابط ولوائح، وسيفصل قطعاً إذا استمر على هذه السياسة، كالذي يقول: أنا لا آتي المسجد إلا يوم الجمعة أو لا أصلي إلا في رمضان كما هو شأن كثير من الناس، وأنا أنظر إلى صلاة القيام شعرت بغصة في حلقي، أين الناس؟ أين ذهبوا؟ لماذا هذا الجحود؟ لماذا تعاملون الله هكذا أيها المحقرون؟ فإذا كنا معاشر البشر لا نرضى هذا لأنفسنا وفي أعمالنا، فكيف نرضاه لله ﵎، وهو الغني عن طاعة الطائع ولا يضره عصيان العاصي؟ فالعبودية أمرها عظيم للدين كله، ما أرسل الله الرسل ولا أنزل الكتب إلا لتحقيق أمر العبودية، فمن تمام العبودية ألا يكون لك أمر مع سيدك: ﴿اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك﴾ هناك استعطاف، إذاًَ: مبدأ الأمر كله ذل وخضوع، وهذه هي الصفة الملازمة للعبودية.

стр. 1014

معنى قوله: (ناصيتي بيدك) الناصية: هي الشعر الذي في مقدم الرأس: ﴿يؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ﴾ [الرحمن:٤١] فالناصية: التي يؤخذ المرء بها، مثل الجمل الأنق، إذا وضعت الحلقة فمه الجمل فإن أصغر ولد يسحب هذا الجمل الطويل العريض، فهذا شأن الناصية عندما تؤخذ، فيكون الإنسان بعدها مسلوب الإرادة، لا يستطيع المشي، والناصية إشارة إلى التفكير. والأقدام هي الموجه، فإذا أخذ بالقدم لا يستطيع المرء السير، كما قال ﵎: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ [القيامة:٢٦ - ٣٠]، ومعنى ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ [القيامة:٢٩] أي: رجل متعسر الخطو إلى الله، كالرجل الذي يمشي فالتفت ساقه وهو يمشي، فيسقط على الأرض مباشرة، هذا هو معنى: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ [القيامة:٢٩]، لا أنه إذا مات التفت ساقاه، لا. نحن نرى الموتى الساق بجوار الساق، فلا تلتف ساق على ساق لا في خروج الروح ولا بعد الموت، وإنما المعنى: أن هذا رجل متعسر الخطو إلى الله، ويدل على هذا تتمة الآيات: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [القيامة:٣١ - ٣٢] فبأي وجه يلقى ربه ﵎، فهذا متعسر الخطو، فالأخذ بالأقدام عجز عن المسير فقوله:. (ناصيتي بيدك) أي: أنا لا أتوجه إلى وجهة إلا بإذنك، وينبغي على العبد أن يتوجه إلى الله من تلقاء نفسه لا يجر جراً، إن الذي يجر إلى الله جراً لا خير فيه، بل السماء خير منه؛ لأن الله قال للسماوات وللأرض: ﴿اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت:١١]، وقال تعالى: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود:٥٦]. فمعنى (ناصيتي بيدك) أي: أني لا أملك من أمر نفسي شيئاً، وهذا هو المناسب لمفتتح الدعاء: (أني عبدك وابن عبدك وابن أمتك) فما يتصور أن يكون له اختيار مع الله: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص:٦٨] وهناك حديث موضوع يذكره الخطباء والناس بخصوص هذا الشأن وهو: (عبدي! أنت تريد وأنا أريد، ولا يكون إلا ما أريد) وهذا كذب، لا أقوله وأنسبه إلى رب العالمين، وإنما فحوى النصوص تؤيده، وهذا معنى ناصيتي بيدك، (عبدي أنت تريد وأنا أريد ولا يكون إلا ما أريد، فإن سلمتني فيما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلمني فيما أريد أتعبتك فيما تريد، ولا يكون إلا ما أريد) وهذا الكلام حق في معناه؛ لأن النصوص كلها تؤيده، لكن لا أنسبه إلى رب العالمين كقول، والقرآن والسنة مليئان بهذا، بأن الله إذا أراد أن يذل عبداً رزقه بشيء، وجعل تلفه فيه، وأهلكه به. إن كثيراً من الناس الذين لم يرزقهم الله الولد يتقلبون على جمرات الغضب، ويبيتون يرعون النجوم: اللهم ارزقنا ولداً، فإذا لم يرزقهم الله الولد، يتكدر خاطرهم لذلك، مع أنه قد يرزق بالولد ويشقى به إلى أن يموت، ويشقى به، أي: يحبه غاية الحب، وبعض الناس يحبون أولادهم إلى درجة أنهم يمنعونهم من الخروج إلى الشارع، فيعذبونهم بذلك، وهذا الولد في آخر المطاف لابد أن يسعى في الناس ويتعامل معهم، فإذا مات أبوه ولم يأخذ منه الخبرة في كيفية معاملة الناس شقي فيهم، وعاش حياته كلها شقياً، فبعض الآباء أحب ابنه غاية الحب حتى أنه سلب عقله فلا يستطيع أن يعمل عملاً حتى يتصل في كل وقت ويقول: هل خرج الولد؟ لعل سيارة تصدمه، أو يضربه الأولاد، وحياته كلها كذا، ولما كان وحده كان خالي البال، وكان أفضل من ذلك. فلذلك شرع لنا النبي ﷺ في كل ما نكره أن نقول: (قدر الله وما شاء فعل) أي: ما شاء فعل وهذا قدره، فكل شيء يكون في هذه الدنيا إنما يكون على وفق ما أراد الله، فإياك أن تضع اختيارك في مقابل اختياره فتشقى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦] إذا اختار لك فلا تختر لنفسك، فإنك لا تدري ما تحت شراك نعلك. كثير من الناس الذين يخرجون ويموتون أو يصابون بمصائب لم يخطر ببالهم قط أن يصابوا، والخير أقرب إلى شراك النعل والشر كذلك كما قال ﵊، فإذا سلم العبد بأن ناصيته بيد الله ﵎ سهل عليه ما يأتي بعد ذلك من حكم الله عليه وقضائه.

стр. 1015

وسيلة دفع الهم [٢] إن المتأمل في أسماء الله تعالى يجد فيها الكثير من المعاني التي تجعل العبد يستشعر عظمة الله تعالى؛ لأن عظمة هذه الأسماء والصفات تدل على عظمة المسمى والموصوف بها جل وعلا، ودعاء الله بأسمائه، واستجداؤه بكامل صفاته لهو من أوفق أسباب إجابة الدعوات وتفريج الكربات.

стр. 1016

التفكر في أسماء الله تعالى وصفاته إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد. وبعد: فهذه دعوة إلى محبة الله ﵎ بالنظر في أسمائه وصفاته، كل اسم من الأسماء الحسنى له معنى خاص ومعنى عام يلتئم مع بقية الأسماء، وكلما تدبر المرء طائفة من أسماء الله التي تحمل معنى الجلال، مثل: الحي، والقيوم، والعظيم كل هذه تؤدي معنى الجلال على تفاوت بينها في المعنى، فكلما جمع المرء طائفة من الأسماء التي تختلف في المعنى العام سهل عليه أن يتدبر أسماء الله ، ثم ينظر في الكون ليرى أثر هذه الأسماء، ولا يعرف كيف يصل إلا إذا تدبر القصص وتدبر القرآن والسنة. قصة الخشبة فيها تدبر معنى الكفالة، فأنت تعلم أنك عندما تعمل توكيلاً رسمياً لإنسان فهو قائم مقامك، وهذا شيء متعارف عليه عند الناس جميعاً. فأنت عندما تقرأ اسم الله (الوكيل) فهو يقوي قلبك على العطاء، وقصة الخشبة عندما حكيتها في الإمارات أثرت جداً في رجل سمعها لأول مرة، وأثرت فيه كلمة واحدة في الحديث، والكلمة هذه وردت في رواية في صحيح ابن حبان، وإن كان الحديث رواه البخاري وانفرد دون مسلم. عندما التمس الرجل مركباً وذهب إلى صاحبه بألف دينار أخرى بعدما رمى الألف دينار الأولى في البحر في الخشبة قال له: هل أرسلت إليَّ شيئاً؟ قال: هذا أول مركب. قال: ارجع فقد أدى عنك وكيلك) هذه القصة كان لها أكبر الأثر، كأنها غزت قلبه: (ارجع فقد أدى عنك وكيلك)! والوكالة هذه إنما نقولها في باب العهد، إذا تعاهدنا على شيء. إياك أن تجعل الله كفيلاً ووكيلاً وتخونه احذر! لو تحققت بأسماء الله قوي قلبك وعلمت أنه لن يضيعك، والرجل لما جاء وقال: (اعطني ألف دينار. قال له: ائتني بشهيد، قال: كفى بالله شهيداً، فأعطاه الألف دينار)؛ لأنه قلبك يقوى بوكالة الله، لاسيما إذا كان الحال لا يدل على ذلك. وبعد ذلك لما حان موعد الوفاء جعل الرجل يسأل عن صاحبه، لأنه تأخر عليه، وكان من المفروض أن يأتيه في الموعد، فمر يوم ويومان وثلاثة والرجل لم يأت، فرفع رأسه إلى السماء وقال: (ربي إني أعطيت بك فأخلف عليَّ) خدعني بك، وكان يقول لي: كفى بالله شهيداً وكفيلاً ووكيلاً، وأنا لأنني أحبك وأعظمك قبلت بشهادتك، فأخلف عليَّ؛ لأن المال ذهب وانتهى، فأساء الظن بصاحبه. والآخر لما رمى بالخشبة في البحر قال: (يا رب! جعلتك كفيلاً ووكيلاً، أنا قلت له: كفى بالله وكيلاً، كفى بالله شهيداً، وأنت وكيلي في هذه المسألة، فخذ هذا المال) فوثق بوكالة الله، ولو وكَّل إنساناً غداراً خائناً فإنه سيبيعه ويبيع أملاكه، ولا يمكن أن إنساناً آنس غدراً من إنسان أن يعمل له توكيلاً أبداً، لكن لما قال: (جعلتك كفيلاً ووكيلاً) والرجل تحقق بمعنى الوكالة، قال الآخر: فأنا كذلك لست أقل منه، جعلتك كفيلاً ووكيلاً، فأوصل هذا الدين إلى صاحبه، فتحقق هو بمعنى الوكيل، والوكيل بمعنى: الشهيد.

стр. 1017

تحت كل محنة بشرى [٢] إن التفاف الساق عند الموت -المذكور في القرآن- هو تعثر السير إلى الله، وليس هو الالتفاف الحسي، ومذهب أهل السنة هو اتباع الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح، أما التفسير الإشاري ونحوه فهذا من آثار الصوفية والرافضة. كما أن الإرجاء هو تأخير العمل عن الإيمان، والصحيح أن يقال: العمل جزء من الإيمان ولا يقال: هو شرطه.

стр. 1018

معنى التفاف الساق عند الموت قال الله : ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * =٦٠٠٥٥٧٧>وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * الجواب =٦٠٠٥٥٧٨> وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * الجواب =٦٠٠٥٥٧٩> وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ [القيامة:٢٦ - ٣٠]. السؤال هل كل ميت تلتف ساقاه؟ الجواب لا، وإن التفت ساقا ميت فهذا قليل. ومعنى التفاف الساق في الآية يظهر بتأمل الآيات وما بعدها، فقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾ أي: الروح، ((بلغت التراقي)) يعني: على وشك الخروج. ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾: يعني هل هناك راق يرقيه من هذا الخطب الفادح أو طبيب يشفيه؟ وبعض العلماء فسر الآية ﴿مَنْ رَاقٍ﴾ أي: من الملك الذي يرقى بروحه؟ ولكن التفسير الأول أقوى؛ لأن الميت إذا مات فهناك ملائكة موكلون بأن يرتفعوا بروحه، ولا حاجة لأن يقول أحد لأحد: من الذي يرتفع ومن الذي يحمله؟ إنما ﴿مَنْ رَاقٍ﴾ يعني: هل من راق يرقيه أو طبيب يدفع عنه العلة. ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ لو أن أحداً أراد أن يمشي فالتفت ساقاه فإنه لا يستطيع أن يمشي، ولهذا بعدها مباشرة قال: ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾، وهو لا يستطيع المشي، فهو ذاهب إلى الله، لكن هو ذاهب إلى الله كمن التفت ساقاه فلا يستطيع أن يمشي، ولذلك في آخر هذا كله قال: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [القيامة:٣١ - ٣٢] ومصداق هذا في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: (إذا حمل الرجال الجنازة الفاجرة على أعناقهم صاحت بصوت يسمعه الخلائق إلا الثقلين -الإنس والجن-: يا ويحها! أين تذهبون بها؟!) لما تعاين من عذاب الله ﵎ فهذا متعثر الأقدام، متعثر السير إلى الله كمن التفت ساقاه وهو يمشي، ومع ذلك لابد أن يساق، سواء استطاع أن يمشي أولم يستطع فهو يساق، ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾

стр. 1019

بيان مذهب أهل السنة ودعوتهم السؤال يقول: ما هو مذهبكم؟ وما هي دعوتكم التي تدعون الناس إليها؟ الجواب إننا جميعاً نتكلم عن الإسلام، وكلنا يدل الناس على الله، لكن هناك بعض الناس يدل الناس على غير الله: إما بجهل وحسن نية وإما بعمد. مثلاً: الحادي إذا لم يكن عليماً بطرق الصحراء كانت دلالته للقافلة مصيبة! ولو أن رجلاً غريباً في بلد، وأنت أيضاً غريب، فسألك أين محطة القطار؟ فأشرت عليه بخلاف الصواب، فسيذهب إلى حيث أشرت إليه ويفوته القطار فقصدت أن تدله فأصبته! حقيقة دعوتنا التي ندعو الناس إليها، ومذهبنا الذي ندين الله به، يرتكز على أصل وهدف: الأصل: هو كتاب الله ، وسنة رسوله ﷺ ، على فهم السلف الصالح. وهدفنا: تعبيد الناس لربهم؛ حتى يكون الدين كله لله، دقيقه وجليله، كبيره وصغيره. كتاب الله وسنة النبي ﷺ لا يختلف عليهما أحد من المسلمين حتى أهل البدع، فهم أيضاً يقولون: كتاب الله وسنة الرسول؛ لأن أي رجل يقول أنا أنبذ الكتاب وراء ظهري؛ كافر، وكذلك لو قال: أنا أنبذ السنة وراء ظهري؛ كافر، فكلهم يقولون: الكتاب والسنة، لكننا نزيد القيد الثالث الذي نتميز به عن جميع طوائف المسلمين، وهو: بفهم السلف الصالح، لا نخرج عن إجماعهم ولا مجموعهم، إذا اجتمع الصحابة على فعل شيء أو على عمل شيء لا نخرج عنه، وإذا لم يحصل لنا منهم إجماع لم نخرج عن مجموعهم، فلا نتبنى قولاً لم يقل به واحد منهم، بل إذا قال واحد منا قولاً لابد أن يكون مسبوقاً من واحد منهم، فنحن أسرى للإجماع أو للمجموع. وإذا ظهر في عصرنا شيءٌ من النوازل لم يكن موجوداً عندهم اهتدينا بمجموعهم أو إجماعهم، مثل مسألة نقل الأعضاء، هذه مسألة جديدة حديثة، وليس للسلف فيها قول واضح صريح، لكن إذا أردنا أن نفتي في مثل هذه النازلة فإننا نصير إلى القول بإرشاد منهم بأن ننظر في كلامهم في قضية مماثلة أو شبيهة، والعلة فيها تشابه العلة أو تساوي العلة في النازلة الجديدة التي نبحث لها عن حكم. فنحن حتى في القياس أو في الوقائع الجديدة لا نخرج أيضاً عن مجموعهم ولا إجماعهم.

стр. 1020

الكتاب والسنة محفوظان من التحريف فلعبوا بكتاب الله كثيراً، لكن عزاءنا أن لفظ الكتاب محفوظ، لا يستطيع أحد أن يحرفه، ويستطيع الإنسان بمعرفة كلام الصحابة، ومعرفة اللغة العربية، ومعرفة مقاصد الشريعة أن يصل إلى التفسير الحق. وأيضاً عبث هؤلاء في السنة ولعبوا بلفظها ومعناها! ولكن قيض الله لحفظ سنته جهابذة من الرجال، أفنى بعضهم أعمارهم في ضبط لفظة واحدة. ومن تلبيس هؤلاء العابثين أنهم يقولون: حاشا الرسول أن يخون الله، ولكن من دون الرسول ليس بمعصوم، يمكن أن يغلط، فـ أبو هريرة ليس بمعصوم، ويجوز أن يغلط، وإذا جاز على الصحابي أن يغلط جاز على التابعي أن يغلط، وإذا جاز على التابعي أن يغلط جاز على تابعه أن يغلط وهكذا. فينفون الحديث برمته ويتهمون الرواة الثقات العدول. ونحن لو فتحنا هذا الباب ولم نضع له ضابطاً لن ننتفع بكلام الله؛ لأن السنة مبيِّنة لكتاب الله، وإذا ضاع المبيِّن لم يُنتفع بالمجمل. فمثلاً قوله: ﴿أَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [الأنعام:٧٢]، إذا لم يكن عندنا فهم للركوع والسجود وقراءة القرآن، لا نستطيع أن نقيم الصلاة بمجرد الأمر، ﴿أَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ فإذا ضاع البيان ضاع الانتفاع بالقرآن لأجل هذا أدرك علماء الحديث المهمة الخطيرة لحفظ السنة، فوضعوا لها من الضوابط ما لم يخطر على بال بشر في الأمم كلها، والله هو الذي هدى المسلمين إلى وضع هذه الضوابط.
следующие страницы →