← Джавами‘

Джавами‘ · id 7693

دروس للشيخ أبي إسحاق الحويني

أبو إسحق الحويني

Полный текст (1 719 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

عليكم هديا قاصدا الإسلام دين يسر لا دين عسر، فهو سهل في تشريعاته وأحكامه قال تعالى: ((يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)) كما أن الله قد رفع عنا الحرج في الدين فقال: ((َمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)). وقد جاء في السنة النبوية الكثير من الأحاديث التي تدعو إلى التبشير والتيسير، وتنهي عن التشديد والتنفير، ولكن الناس هم الذين يشددون على أنفسهم ظناً منهم أنهم بذلك إنما ينالون مزيداً من الأجر والثواب.

стр. 947

بيان أن الإسلام دين يسر إن الحمد لله نحمده تعالى، ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد. روى الإمام أحمد في مسنده والبخاري في صحيحه والسياق للمسند من حديث حصين بن عبد الرحمن ومغيرة بن مقسم الضبي عن مجاهد بن جبر عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: زوجني أبي امرأة من قريش ذات حسب، فلما دخلت علي جعلت لا أنحاش لها مما أجد بي من القوة في العبادة، فجاء عمرو بن العاص إلى كنته فسألها، كيف حال عبد الله معك؟ فقالت: عبد الله نعم العبد لربه من رجل لم يفتش لنا كنفاً ولم يعرف لنا فراشا، قال: فأقبل علي أبي فعزمني وعضني بلسانه، وقال: أنكحتك امرأة من قريش ذات حسب فعضلتها، ثم شكاني إلى رسول الله ﷺ ، فأرسل إلي رسول الله ﷺ فقال لي: (أتصوم النهار؟ قلت: نعم. قال: أتقوم الليل؟ قلت: نعم. قال: ولكني أصوم وأفطر، وأنام وأقوم، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني). قال حصين في حديثه: قال ﷺ : (إن لكل عمل شرة وفترة، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد هدي، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك). ثم قال له: (كيف تقرأ القرآن؟ قال: أقرأه كل يوم، قال: فاقرأ القرآن في شهر، قال: إني أجد بي من القوة أكثر من ذلك، قال: فاقرأ القرآن في عشرة أيام، قال: إني أجد بي قوة، قال: فاقرأ القرآن في ثلاث، ثم قال له: كيف تصوم، قال: أصوم كل يوم، قال: فصم ثلاثة أيام في الشهر، قال: إني أقدر، قال فلم يزل يرفعني حتى قال: صم يوماً وأفطر يوماً، هذا خير الصيام صيام أخي داود). قال مجاهد: فكان عبد الله بن عمرو لما كبر يصوم الأيام متتالية، ثم يفطر بعدد تلك الأيام، وكان يقرأ القرآن لا يوفي -يعني في اليوم الواحد- لكنه كان يقرأ ويدع غير أنه كان يوفي في كل سبعة أيام، كان يقرأ القرآن مرة، ويقول: يا ليتني قبلت رخصة رسول الله ﷺ ، غير أنه كره أن يدع شيئاً مات رسول الله ﷺ وهو يفعله. وجاء في صحيح البخاري قول النبي ﵊ لـ عبد الله بن عمرو بن العاص: (لعله أن تطول بك حياة) فندم عبد الله بن عمرو بن العاص أنه شدد على نفسه في أيام إقباله على العبادة. أيها الإخوة الكرام! إن أفضل ما يميز ديننا أنه دين سهل يسير، وقد نفى الله الحرج في الدين، فقال ﵎: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]. يقول علماء الأصول: النكرة في سياق النفي تفيد العموم، وهكذا في هذه الآية، فلفظة (حرج) نكرة، وجاءت في سياق منفي: ﴿مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]، فمعنى هذا أنه لا يوجد أدنى حرج يذكر في دين الله ﵎، قوله (من) هي التبعيضية، كما لو قلت: أكلت من الرغيف، يعني: أكلت بعض الرغيف، أو شربت من الماء، يعني: شربت بعض الماء، فـ (من) هنا تبعيضية، فهذا الحرج المنفي نفياً كاملاً، مبعّض أيضاً، وهذا كله يؤكد أنه لا حرج ألبتة في دين الله ﵎. ومما يبين أن ديننا يسر: أن الله شرع الرخص، والرخصة لا تكون إلا لمزيد من التيسير، والرخصة معناها إسقاط جزء من العزيمة، وهذا كله يبين أن دين الله ﵎ يسر لكن الرخص لا تناط إلا بالطاعات، يعني لا يجوز أن يستمتع عاص بالرخصة، فإن الرخصة لا يستمتع بها إلا طائع، وإلا فالأصل أن الرجل المنحرف يشدد عليه، لا يرخص له، فلو افترضنا جدلاً أن رجلاً سافر سفر معصية، فلا يحل لهذا الرجل في سفر المعصية أن يقصر الصلاة، ولا يحل له أن يفطر في رمضان. وبهذا الأصل احتج شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ على أن الذاهب إلى قبر النبي ﷺ وقد شد الرحل إليه، لا يجوز له أن يقصر الصلاة، قال: لأن شد الرحل إلى القبر معصية، إنما المسنون هو أن يشد الرحل إلى مسجد النبي ﵊، كما قال ﷺ في الحديث المتفق عليه: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد). كذلك المرأة التي تحمل من سفاح، لا يحل لها أن تجهض حملها؛ لأنها عاصية، والعاصي لا يستمتع بالرخصة. لكن إذا حملت المرأة من زوجها، وقيل: إن صحتها لا تتحمل، وأن هناك خطورة حقيقية على حياة المرأة، فيكتب الطبيب هذا التقرير ولا يفتي، لأنه لا يجوز للطبيب أن يفتي المرأة بالإجهاض، فالمفتي بناءً على ما يقرأ يقول: نعم، يحل شرعاً للمرأة أن تجهض، فالمرأة التي تحمل من زوجها وعرض لها مثل هذا العارض يجوز لها أن تجهض الحمل، هذه رخصة لها. فإذا أضفت إلى ذلك أن فضيحة المرأة إذا حملت من سفاح أمر أراده الله ورسوله، تأكد أنه لا يجوز لها أن تجهض الحمل، نحن نعلم أن الأصل الستر على المسلم العاصي، فإذا زنى رجل بامرأة وكانا غير محصنين، فحكمهما كما يقول ﵎: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٢]، فهذا ضد الستر، لماذا؟ حتى تتم العظة وتتم العبرة، فإذا رأى الرجل فضيحة نظيره الذي ارتكس في هذه الفاحشة، وأن الناس يشهدون عذابه، فإنه يحذر أن يقع في مثل هذه المعصية. أما إذا كان الزاني محصناً فالحد الذي أجمع أهل العلم عليه: الرجم، وقد كان الرجم ثابتاً في كتاب الله ، ثم نسخت الآية ورفع لفظها، وهذا اللفظ رواه الحاكم في مستدركه، وكان لفظ الآية: (إذا زنى الشيخ والشيخة فارجموهما ألبتة بما قضيا من اللذة نكالاً من الله والله عزيز حكيم) ثم رفع لفظ هذه الآية وثبت الحكم بسنة النبي ﵊، فالرجل إذا زنى وهو محصن -يعني: متزوج- أو المرأة إذا زنت وهي محصنة -أي: متزوجة- فالحكم هو الرجم، فيحفر لكل واحد حفرة في الأرض ويدفن نصفه الأسفل، ثم يرجم بالحجارة في رأسه إلى أن يموت، قال تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٢]. فهذه الفضيحة جزء أرادها الله ، وليس فيها ستر على الإطلاق إذا تحقق أمر الزنا، ويتحقق إما بالاعتراف، وإما بظهور الحمل، وإما بأربعة شهداء، فهذه المرأة لا يحل لها أن تجهض حملها؛ لأنه لو جاز لها أن تجهضه فإنها ستمارس الفاحشة أكثر من مرة، لكن إذا علمت أنه لا سبيل إلى الإجهاض على الإطلاق، وأن المسألة فيها فضيحة وفيها قتل إلى آخره، فإنها ستمتنع من مقارفة هذا الجرم، فالرخص في دين الله ﵎ إنما شرعت للطائع ولم تشرع للعاصي، فوجود الرخص في ديننا أمر يدل على التيسير.

стр. 948

النهي عن وتكلف المشقة في دين الله ﵎ نفى الله ﵎ الغلو والمشقة في دينه ﵎، وهذا كله يدل على الرخصة. قال الرسول ﵊ لـ ابن عباس وهو بجمع مزدلفة، قال: (القط لي مثل حصى الخذف وإياكم والغلو) حصى الخذف يعني حصيات صغيرة. قال: (إياكم والغلو) يعني: لا تكبر حجم الحصاة مرة رأيت رجلاً جاء مندفعاً كالسهم يحمل حجراً كبيرة، ويقول: يا ابن كذا، وشتم شتمتين يؤاخذ عليها الشرع، فرجم بالحجر فوقعت في العمود فإذا بالحجر ترجع له ثانياً، فهذا الرجم غير محسوب له، طالما أنه ضرب الحجر في العمود ورجعت ثانياً، فعليه أن يعيد الرجم مرة أخرى، لأنه لابد أن تقع الحصى في الحوض. وترى هناك أناساً يضربون العمود بالنعل، فيظن أنه بذلك يضرب الشيطان، فسبحان الله! هذا الرجل الذي عنده غل على هذا الشيطان، نقول له: إن بداخلك شيطاناً يحتاج إلى الرجم كل يوم، الشيطان القابع داخلك والذي يدعوك للفواحش ويجعلك تؤخر الصلاة ولا تقوم بما يجب عليك من دين الله، هو هذا الشيطان الذي يستحق أن يرجم كل يوم. المشقة غير مقصودة على الإطلاق في دين الله ، قال الرسول ﵊ لـ عائشة ﵂: (أجرك على قدر نصبك)، فليس معنى هذا الحديث أنه كلما قصدت المشقة أجرت، لا. فمثلاً: أردت أن تحج وعندك إمكانية مادية أن تركب الطائرة، فقلت: سأركب سيارة قديمة كي تتعبني، ولكي أكون متعباً طوال الطريق، فيظل يسافر يومين أو ثلاثة أيام، وهو إنما فعل ذلك لظنه أن الأجر على قدر المشقة، فنقول له: لا. الرسول ﵊ أنكر على الذين يشقون على أنفسهم تقرباً إلى الله . أبو إسرائيل لما نذر أن يقف في الشمس وهو صائم، قال ﵊: (إن الله غني عن تعذيب هذا نفسه، مروه فليقف في الظل). ونذرت امرأة أن تحج ماشية، مع أن بإمكانها أن تركب، فقال لها رسول الله ﷺ : (إن الله غني عن تعذيب أختك نفسها، مرها فلتركب). إذاً: كون الشخص يقصد المشقة ليؤجر، فهذا ضيق عقل وقلة فهم، أما قوله ﷺ : (أجرك على قدر نصبك) فمعناه: أن المشقة إذا كانت ملازمة للعمل لا تنفك عنه ولا حيلة لك فيه، فهذه هي المشقة التي تؤجر عليها، فإذا لم تكن لك القدرة على السفر للحج فوق الطائرة، وإنما أقصى قدرتك أن تركب بعيراً، فركبت البعير لمدة شهر أو عشرين يوماً، فذهبت إلى هناك وجسمك في غاية التعب، فهذا هو معنى قوله ﷺ : (أجرك على قدر نصبك) لأن المشقة لا تنفك عن العمل، ولا حيلة لك في دفع هذه المشقة، أما أن يقصد شخص المشقة قصداً فهذا ليس من دين الله ﵎، وقد ضمن الله لنا أن هذا الدين ليس فيه أدنى حرج قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥].

стр. 949

الأمر بالشيء نهي عن ضده يقول الأصوليون: (الأمر بالشيء نهي عن ضده)، فإذا قلت لك مثلاً: أكرم ضيفك، فأنا نهيتك عن ضده، يعني: لا تهن ضيفك، فالأمر بالشيء نهي -لازم- عن ضده لأن الكلام له ظاهر وباطن، فظاهر الكلام اسمه: المنطوق، وباطن الكلام اسمه: المفهوم. ونحن نقصد مفهوم المخالفة، فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات:٦] فإن منطوق الكلام -أي: المعنى الذي من أجله وضع الكلام- إذا جاءك الفاسق بنبأ فلا تصدقه حتى تتأكد منه، وباطن الكلام: إذا جاءك العدل الصادق بنبأ فلا تتبين هذا المنطوق والمفهوم من الآية. كذلك قول النبي ﷺ : (لا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين)، فغير المحرمة تنتقب وتلبس القفازين؛ لأن الحكم إنما علق بالقيد الظاهر وهو الإحرام. فهذا ما يطلق عليه العلماء: مفهوم المخالفة، الذي هو معنى الكلام لا في محل النطق. لكن العمل بمفهوم المخالفة يشترط له: أن لا يكون الكلام خرج مخرج الغالب، فإذا خرج الكلام مخرج الغالب كان المفهوم ملغى، وبسبب الغفلة عن هذا المعنى، ألف أحدهم كتاباً سماه: تذكير الأصحاب بتحريم النقاب. فلما رد عليه الناس وسفهوه وقالوا: إنه جاهل، وعندما نشر الكتاب مرة أخرى توجع وقال: إنهم ما قرءوا الكتاب، ولو قرءوه لوجدوا أنني على حق. فهذا عجيب! لأن العنوان يدل على الحكم، فلو كان العنوان موهماً أو غير واضح، فله أن ينكر على الذين أنكروا عليه لكن الكتاب الذي ألفه لا يحتاج إلى قراءة؛ لأنه وضع الحكم في العنوان: تذكير الأصحاب بتحريم النقاب، فلو ألف أحد كتاباً -مثلاً- وسماه: غاية المنى بتحريم الزواج واستحباب الزنا، فهل نحتاج إلى قراءة الكتاب حتى نحكم على مؤلفه. وتوجد عناوين موهمة قد تعطيك عكس ما في الكتاب، وبعض الناس يعتبر هذا فناً، لكن هذا خطأ، فمثلاً: الشيخ أبو بكر الجزائري له كتاب اسمه: إلى التصوف يا عباد الله، فأي أحد يقرأ العنوان يقول: هذا يدعو إلى التصوف، لكن الكتاب هجوم على التصوف، فلماذا وضع هذا العنوان؟ قال: لأنني أريد أن يقرأ الكتاب المتصوفة أنفسهم، فالمتصوف عندما يرى عنوان الكتاب: (إلى التصوف يا عباد الله) يقول: هو هذا الذي أريده، فيأخذ الكتاب ويقرأه، فإذا به يفاجأ أن الكتاب يرد عليهم، فلربما تعجبه كلمة أو كلمتان فيرجع عن مذهبه المنحرف، فالكلام هذا فيه نظر؛ لأن العناوين أنساب الكتب، ولابد أن يكون العنوان مطابقاً لما في الكتاب. والسيوطي له رسالة اسمها: إسبال الكساء على النساء، فعند قراءتك لعنوان الكتاب تظن أنه يتكلم عن الحجاب واللباس والنقاب، مع أنه يتكلم عن المرأة هل ترى ربها في الآخرة أم لا؟ فما علاقة إسبال الكساء على النساء؟ قال: لأن الذين يقولون إن المرأة لا ترى الله يكون عليها إسبال فلا ترى الله. تشتري الكتاب على أساس أنه كتاب في اللباس والزينة، وإذا بك تفاجأ أن الموضوع مختلف تماماً. قال صاحب كتاب: تذكير الأصحاب بتحريم النقاب، بعد أن انتقده الناس على هذا العنوان قال: إن مفهوم المخالفة لا يعمل به؛ لأننا لو عملنا بمفهوم المخالفة فسنقع في عدد كثير من الإشكالات. قال: الإشكال الأول: في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران:١٣٠]، فلو أخذنا بمفهوم المخالفة، فإنه يجوز أن نأكل ضعفاً واحداً. الإشكال الثاني وهو: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧]، فمفهوم المخالفة: أنه يجوز الرفث والجدال والفسوق في غير الحج وبدأ يأخذ آيات وأحاديث على مثل هذه الوثيقة، كل هذا لأجل أن يرد على العلماء الذين احتجوا على النقاب بحديث النبي ﷺ : (لا تنتقب المرأة المحرمة، ولا تلبس قفازين) إذاً: ما هو الرد؟ نقول: إن الكلام إذا خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، فالعرب عندما كانوا يضعفون الربا نزل الكلام تنبيهاً على غالب ما يفعلون، وإلا فربنا قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٨]، (ما) من صيغ العموم تفيد القليل والكثير، لكن نزل هذا الكلام تنبيهاً على ما كان العرب يفعلونه. فمثلاً: الربيبة هل يجوز للرجل إذا دخل بأمها أن يتزوجها؟ مثلاً: امرأة زوجها مات وعندها بنت صغيرة، فأنت تقدمت وتزوجت هذه المرأة، فابنتها تكون ربيبة بالنسبة لك، يقول في آية المحرمات: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء:٢٣]، فإذا خطبت الأم ولم تدخل بها فإنه يجوز لك أن تطلقها وتتزوج ابنتها، لكن لو عقدت على البنت تحرم عليك الأم إلى يوم القيامة، والبنت لا تحرم عليك إلا إذا دخلت بالأم. قوله تعالى ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء:٢٣]، في حجوركم: الحجر يعني أنت الذي تربيها، فأنت عندما تزوجت الأم أتت بابنتها معها، فصارت البنت في حجرك. فإذا افترضنا أن هذه المرأة التي لها بنت قرر زوجها الأول أن يأخذ البنت ويربيها فإنها بهذا لن تكون في حجرك فالسؤال هو: هل يجوز أن تتزوجها؟ لأن الآية تقول: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء:٢٣] فيكون هذا القيد خرج مخرج الغالب، فمفهومه هدر. قولنا: (خرج مخرج الغالب) فإنه لما كانت العادة أن الأم تكون حاضنة لمثل هذه البنت، فتأخذها إلى بيت زوجها الجديد، بخلاف العكس، فكان هذا هو غالب فعل الناس، فنزل هذا القيد على الغالب من فعلهم، فهذا لا مفهوم له، لأن الكلام خرج مخرج الغالب. قال الله ﵎: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور:٣٣]، لا يأتي أحد ويقول: افرض أنهن لم يردن تحصناً فهل يجوز أن نكرههن على البغاء؟ نقول: لا؛ لأنه كان من غالب أمرهم أنهم كانوا يكرهون الفتيات على البغاء، فنزل الكلام منزل الغالب. ومنه قول النبي ﷺ : (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه) غير رمضان، قوله: (وزوجها شاهد) فلو سافر زوجها وقال لها: لا يحل لك أن تصومي أي صيام تطوع وأنا غائب، فهل تطيعه أم لا؟ نعم، تطيعه، لكن مفهوم المخالفة أنه يجوز لها أن تصوم وهو غائب؛ لأن كلمة (شاهد) خرجت مخرج الغالب؛ لأن الرجل إنما يحتاج إلى امرأته وهو شاهد، فلعل المرأة تستأنف الصوم -صيام التطوع- وهو يريدها فتكدر عليه، فالرسول ﵊ راعى المسألة هذه، لأن شهود الرجل فيه حاجة له، لكن غيابه ما فيه أية حاجة له من أمرأته، فيكون هذا القيد خرج مخرج الغالب، وإلا فلو نهاها وهو غائب لا يحل لها أن تصوم. والعلماء لا يختلفون أن دلالة المنطوق أقوى من دلالة المفهوم؛ لأن المنطوق هو الذي وضع لأجله الكلام ابتداءً، فلو تعارض منطوق ومفهوم، فإنه يقدم المنطوق؛ لأنه أقوى في الدلالة، فقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥] هذا منطوق فلو أنه لم يكمل الآية فإننا سنفهم أنه لا يريد بنا العسر بدلالة المفهوم، لكنه أتى بنفي العسر أيضاً بدلالة المنطوق، ليكون أقوى، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥] تأكيد، فهذا كله يدل على أن الله ﵎ لما شرع لنا هذا الدين أراد بنا اليسر.

стр. 950

الكلام على مسألة الأخذ بالأحوط هناك مسألة خطيرة، وهي مسألة: الأحوط الأحوط هذا يلتحق باليسر أو بالعسر؟ يلتحق بالعسر مثلاً: أتاك رجل وقال لك: أنا كهربائي وقد طلب مني صاحب مقهى أن أصلح له الكهرباء، وهذا المقهى تشرب فيه الشيشة ويلعبون فيه طاولة وكلها معاصٍ في معاصٍ؛ فهل يجوز لي أن أصلح لهم الكهرباء أم لا؟ هو لماذا سأل؛ لأن عمل الكهرباء حلال، واللعب هذا حرام، فحصل له شبهة، فجاء يسأل، فتقول له: الأحوط أنك لا تصلح لهم الكهرباء. فتكون بهذا قد ضيعت عليه صفقة عمل بسبب الأحوط. فالأحوط معناه: الأشد فالأشد. مثال آخر: ما يحكون عن أبي حنيفة ﵀ أنه جاء إليه رجل فأخبره أن شاه سرقت منه فذهب أبو حنيفة لرجل قصاب أو إلى -راعي غنم- يعرف أسنان الماشية فسأله: كم سنة تعيش الشاة؟ فقال له: أقصى مدة عشر سنين، فحرم أكل لحوم الشياة على نفسه عشر سنين، لماذا؟ قال: لأن السارق قد يكون باعها لجزار فلعلي أشتري من ذلك الجزار فأكون قد أكلت حراماً، لكن الأحوط لي أن أمتنع عن أكل لحم الشاة عشر سنين فلا شك أنه أخذ بالأحوط، فالأحوط هنا معناه الأشد المفتي عندما يستخدم كلمة الأحوط فإنه يضيق على الناس، ويضيع اليسر في دين الله، الذي تكفل الله لنا أن يكون يسيراً، فإذا كان المفتي ممن يأخذون بالأحوط، فإنما هو من الجهلة أصحاب البضاعة القليلة. يقول سفيان الثوري رحمه لله: إنما الدين الرخصة من ثقة، أما التشديد فيحسنه كل أحد. يعني مثلاً: إنسان ليس عنده علم ولا ترجيح، فعندما تسأله يقول لك: يا أخي! الأحوط أنك تترك وتستريح؛ لأنه عاجز عن تحقيق المناط. في قرن من القرون كانت الحرب على أشدها بين الشافعية والحنفية، فقد كانا أكثر المذاهب تناحراً؛ لأن أكثر سواد المسلمين إما أحناف وإما شافعية، والأحناف أكثر؛ لأن أكثر بلاد العجم أحناف، ثم الشافعية، ثم المالكية، ثم الحنابلة، فكانت الحنفية والشافعية في شجار دائم، فيحكى أن رجلاً شافعياً تصدر للإفتاء -وأنتم تعلمون أن المذهب الشافعي فيه مذهب قديم ومذهب جديد- فكان عندما يسأله أحد يقول: للشافعي فيه قولان -الذي يحكي هذه الحكاية شخص حنفي، وأنا لا أستبعد أن تكون مكذوبة أو موضوعة- فقال أحد الأذكياء له -وهذا الذكي لابد أن يكون حنفياً- فقال له: أفي الله شك؟ فقال ذلك الرجل: للشافعي فيه قولان المفتي عليه أن يفتي بالراجح، وله أن يتورع في نفسه إلى أقصى حد، فإذا أراد أن يمتنع عن أكل اللحم فهو حر في نفسه، لكن لا يجوز له أن يحرم على غيره لاحتمال أن يكون اللحم مسروقاً ويبتدئ ينظر له هذا التنظير، وعليه فورع المتقين لا يثبت حكماً. يبقى الأصل بالنسبة للإفتاء: أن يتحقق الرجل من الدليل، فإذا لم يستطع أن يرجح فعندنا الأدلة القاضية باليسر ورفع الحرج وهي أدلة محكمة غير منسوخة، والنبي ﵊ كان إذا خير بين أمرين اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً، هذا أصل عندنا، فإذا لم تستطع تحقيق المناط وعرض عليك أمران، وليس فيهما إثم -هذا شرط- ليس فيهما إثم فعليك بالأيسر، لأن هذا هو المناسب للأدلة العامة بنفي الحرج عن دين الله ﵎.

стр. 951

نفي الحرج عن دين الله حرّج عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ على نفسه كثيراً، والرسول ﵊ من دينه ومن سنته أنه كان ييسر دائماً، كان عبد الله بن عمرو بن العاص من العباد، ففي صحيح ابن حبان يقول: جمعت القرآن على عهد رسول الله ﷺ فكنت أقوم به كل ليلة، هذا شيء عجيب مدهش، قال أحدهم: كان القرآن ما زال ينزل، قلت له: فليكن الذي نزل عشرون جزءاً، يعني أنه كان يقرأ كل ليلة عشرين جزءاً في قيام الليل. فهذه المعاهدة للنفس من ثمرتها: الأنس بالفعل، كما قال بعض السلف: عالجت قيام الليل سنة، واستمتعت به عشرين سنة، أول سنة هي سنة التعب والمجاهدة، فيظل في صراع دائم مع الشيطان إلى أن يتعود وتصير له ملكة، فيبدأ يشعر بلذة القيام، ويشعر بالراحة والرضا والأنس، فهذا هو الذي حصل لـ عبد الله بن عمرو بن العاص، فقد كان يشعر بالأنس والرضا والراحة عندما يصلي، فصار قيام الليل سجية بالنسبة له، لاسيما وقيام الليل أفضل الصلاة بعد الفريضة، وقد قال الرسول ﵊ مرة: (يا عبد الله! لا تكن كفلان كان يقوم الليل فتركه) فذمه على ترك قيام الليل، والإمام البخاري ﵀ بوب في صحيحه باب: أن قيام الليل ينجي من النار، وروى تحته قصة لطيفة جداً أو حديثاً ظريفاً لـ عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄، يقول عبد الله بن عمر: كنت شاباً عزباً أبيت في المسجد على عهد رسول الله ﷺ ، فكان الناس يرون رؤى فيقصونها على النبي ﵊، وكانت فيها بشارات، فقد جاء عبد الله بن سلام إلى النبي ﷺ وقال له: بينما أنا نائم رأيت حبلاً معلقاً في السماء وفي آخره حلقة، فأمسكت بتلك الحلقة ثم استيقظت من النوم وأنا ممسك بها، فقال: (عبد الله مستمسك بالعروة الوثقى) فجاءت البشارة من الرسول ﵊ بأنه مستمسك بالعروة الوثقى. وجاء آخر فقال: رأيت في المنام أني في روضة خضراء وفيها خيمة، وأنا قاعد فيها، فقال له: (أنت تموت على الإسلام) فكان عبد الله بن عمر بن الخطاب يتمنى أن يرى رؤيا، وقد تحققت أمنيته ولكنها كانت رؤيا مفزعة قال: رأيت ملكين يجراني إلى النار، فقال: وأنا أقول: أعوذ بالله من النار أعوذ بالله من النار، حتى أوقفوني على شفيرها، فإذا هي مطوية كالبئر -البئر يطلق على الحفرة المبني حولها، أما إذا لم يُبنَ حولها شيء فتسمى: قليباً- وإذا فيها أناس معلقون من أرجلهم عرفتهم -أو قال: عرفت بعضهم- قال: وأنا أقول: أعوذ بالله من النار، أعوذ بالله من النار، قال: فأخذني منهم ملك، وقال لي: لم ترع، أي لا تخف فاستحيا أن يقص هذه الرؤيا على النبي ﵊ فقصها على أخته حفصة أم المؤمنين، فقصتها حفصة على النبي ﷺ فجاءت البشرى، قال النبي ﵊: (عبد الله رجل صالح) وفي اللفظ الآخر قال: (نعم الرجل عبد الله لو كان يقوم من الليل)، قال راوي الحديث: فكان عبد الله لا ينام من الليل إلا قليلاً. وفي سنن النسائي حديث جميل يقول فيه الرسول ﵊: (إن الله ليضحك إلى عبد كان يسير مع أصحابه في رفقة فعرسوا -ضربوا خيامهم واستعدوا للنوم- وكان النوم أحب شيءٍ إليهم، فناموا فقام هو فتوضأ يتملق ربه بركعتين) يضحك الله لهذا الرجل، لأنه آثر القيام لله على النوم الذي هو أحب شيء فقام وتوضأ وصلى ركعتين، وصف قدميه بين يديه يتملق، أي: يتزلف ويتقرب من الله . فكان عبد الله بن عمرو بن العاص يقوم الليل ويقرأ ما جمعه من القرآن على عهد الرسول ﵊ فصار عنده ملكة.

стр. 952

بيان تواضع النبي ووجوب الاقتداء به وكان أبوه يريد أن يزوجه ولكن عبد الله لم تكن له رغبة في الزواج، ومع ذلك زوجه امرأة ذات حسب من قريش، قال عبد الله بن عمرو بن العاص: فلما أدخلوها علي. العادة أن الرجل هو الذي يدخل على المرأة لا العكس. أنا اخترت رواية الإمام أحمد وإن كانت رواية البخاري قريبة منها، لأن رواية أحمد فيها فوائد. يقول: فلما أدخلوها علي جعلت لا أنحاش لها -لا يريد أن يقترب منها ولا يراها- مما أجد بي من القوة في العبادة، لما أدخلوها عليه تركها وقام يصلي، فبدأ يصلي وترك زوجته دون أن يقربها أو يمسها. علم عمرو بن العاص ﵁ أن ابنه سيفعل هذا الشيء وأنه لن يلمسها، فذهب في الصباح الباكر وسأل كنته -الكنة: زوجة الابن- ما حال عبد الله معك؟ قالت: والله كخير الرجال، نعم العبد لربه، غير أنه لم يعرف لنا فراشاً ولم يفتش لنا كنفاً، انظر إلى المرأة وحيائها، فإنها لم تفضحه وإنما قالت: كخير البعولة؛ لأن العبد إذا كان مقبلاً على الله ﵎ وبمثل هذا الجد في العبادة فهو خير الناس، قالت: نعم العبد لربه، غيره أنه لم يعرف لنا فراشاً ولم يفتش لنا كنفاً، قال: فأقبل علي أبي فعزمني العزم -هو أشد اللوم- وعضني بلسانه، هل سمعت بلسان يعض؟ المقصود هنا هو: الشتم، وقال له: أنكحتك -يعني هو الذي زوجه غصباً عنه، لأنه ما كان يريد أن يتزوج- أنكحتك امرأة من قريش ذات حسب فعضلتها، أي: شققت عليها، ولم تقم بما يجب عليك نحو أهلك، فلما يئس منه قال: لا يوجد أحد سيحل لي المشكلة هذه غير الرسول ﵊، فذهب إلى النبي ﵊ وشكاه، قال: فذهب أبي إلى رسول الله ﷺ وشكاني، فأرسل إلي رسول الله ﷺ ، وفي رواية البخاري قال النبي ﷺ : (القني به)، يعني: رتب لي معه موعداً، قال: فجئت النبي ﷺ ، وفي الروايات الأخرى في الصحيح، قال: فجاءني رسول الله ﷺ بيتي، وهذه الرواية أبلغ في إظهار الأدب، ورحمة الرسول ﵊ بأصحابه، فالإنسان لا ينبل إلا إذا فعل ذلك، واليوم عندما نقول لأحد الدعاة المتصدرين للدعوة في سبيل الله : لا يضرك أن تذهب إلى الناس وتدعوهم، لا تنتظر حتى يأتيك الناس فإن الزمان تغير، فقال: أنا لا أذل العلم، ويقول: قال مالك: العلم لا يأتي ولكن يؤتى إليه نعم يا أخي! هذا كان أيام مالك، لكن نحن في زمان ضاع فيه العلم، فالمفروض أننا لا ننقل الكلام في زمان مالك إلى زماننا إذا تغير المقتضى. إن الذين تكلموا على أهل البدع، وقالوا: لا يجوز أن تتكلم مع مبتدع ولا أن تذهب وتتلطف معه، بل اضربه بنعلك، وابصق في وجهه، لماذا؟ قال: لأن الأئمة كانوا يقولون هذا، منهم: أحمد بن حنبل، وأيوب السختياني، وعمرو بن دينار، نعم يا أخي! عندما قال أحمد بن حنبل: إذا قابلت المبتدع فابصق عليه، لأنه كان هناك ألف رجل مثل أحمد بن حنبل، والسنة ظاهرة، والدين ظاهر، والمبتدع غريب، وكانوا يستعدون السلطان على المبتدع شعبة بن الحجاج رأى رجلاً يحدث بأحاديث كاذبة، قال: لو رجعت إلى التحديث بها لاستعديت عليك السلطان، فكان يذهب إلى السلطان ويقول له: هناك رجل يحدث أحاديث منكرة عن النبي ﵊ فيأخذه السلطان ويسجنه مباشرة. فهؤلاء كانوا الدولة وكانت لهم وكانوا متظاهرين وكثرة كاثرة. هذه الأيام الدولة لأهل البدع في كثير من الأماكن، فلو أننا تركنا نصيحتهم وتركناهم وما دعوناهم، فمن الذي سيبلغ لهم الكلمة؟ فلا ننقل الكلام الذي قاله مالك في أيام العز وأيام الجاه وأيام القوة ونستخدمه في أيام الضعف والهوان، لا. المقتضى تغير وكلام السلف على عيوننا ورءوسنا. سأل أحدهم شيخ الإسلام ابن تيمية: هل آية السيف نسخت آية الدعوة واللطف؟ فقال: لا. من كان ذا ضعف فليعمل بآية العفو، ومن كان ذا قوة فليعمل بآية السيف إنما الدعوة بالحسنى، فإذا كنت مستضعفاً وفي مكان ضعيف لا تستطيع أن تستخدم السيف استخدم ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [البقرة:١٠٩]، وإذا كنت ذا قوة استخدم آية السيف، والخوارج آفتهم كما قال ابن عمر: أتوا بآيات أنزلها الله في الكافرين فجعلوها في المسلمين، وهذا حاصل في هذه الأيام مثلاً: رجل قرأ حديثاً في أحد الكتب فأعجبه فقرر أن ينسخ منه ألف نسخة ويعلقه في المساجد، والحديث ضعيف، وهو ليس له علم بذلك ولا يعلم شيئاً اسمه ضعيف أو موضوع، فعندما قرأ أحدهم هذا الحديث قال: من الذي علق الحديث هذا؟ قالوا: هذا شخص أعجبه هذا الحديث، فطبعه وعلقه في المساجد فقال: ﴿فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٣٦] فالرجل ليس عنده فكرة عن الموضوع أصلاً، فيقوم يأتي بهذه الآية التي نزلت في الكافرين، وإلا كان المفروض أن يذهب إلى هذا الرجل الذي علق الحديث وينصحه ويخبره أن الحديث موضوع ولا يجوز نشره بين المسلمين. مسألة رعاية المقتضى مسألة مهمة في نقل الكلام. سفيان الثوري الرجل العابد الزاهد الذي خشي في آخر حياته أن يختم له بالسوء، لما بكى وهو يحتضر سأله يحيى القطان: أتبكي خشية ذنوبك؟ فتناول قشة على الأرض، وقال: (والله لذنوبي أهون علي من هذه إنما أخشى سوء الخاتمة) فهؤلاء الأئمة الكبار العباد الزهاد، كانت لهم أقوال، فنحن إذا أردنا أن ننقل أقوالهم فيجب أن نراعي المقتضى الذي قيل فيه، فصاحبنا عندما يقول: العلم لا يأتي ولكن يؤتى إليه فإنه بهذا سيضيع العلم؛ لأنه لن يأتيك أحد، فينبغي لك أن تذهب إلى هؤلاء وتعلمهم. ذهب الرسول ﵊ إلى عبد الله بن عمرو وطرق عليه الباب، لكي ينظر في المسألة؛ لأنه وقع ظلم على امرأة مسلمة. وفي كتاب سير أعلام النبلاء للإمام الذهبي ﵀، في ترجمة الشافعي، قال يونس بن عبد الأعلى -تلميذ الإمام الشافعي -: تناظرت مع الشافعي في مسألة واختلفنا، قال: فجاءني الشافعي إلى بيتي فطرق بابي، وقال لي: (ألا يستقيم أن نكون إخواناً وإن لم نتفق في مسألة؟!) أي: ما دام أن الخلاف في المسائل الفرعية وليس في الأصول. يقول الإمام الذهبي معلقاً على هذا: ما أكمل عقل هذا الإمام رحم الله الشيخ عبد الحميد كشك، فقد كانت له عادة جعلت كثيراً من الناس يتعلقون به، فقد كان يوم الخميس عنده يوم الفقراء، فكان يذهب إليهم ويجلس معهم في بيوتهم البسيطة، وكان لهذه الزيارات مفعول السحر، فقد كان يصلي وراءه أكثر من خمسين ألف مسلم، ومسجده الذي كان يصلي فيه كانت تغلق أبوابه يوم الجمعة الساعة التاسعة صباحاً لا موضع لقدم، حتى أن أحدهم يقف على الباب يمنع أي داخل والمسجد كان حوالى خمسة أدوار، والشوارع على بعد اثنين من الكيلو مترات كانت مليئة، وكان يخطب بتسعة وخمسين مكبر صوت، فتعلق الناس به لأنه كان متواضعاً، فكان يذهب للفقراء كل يوم خميس، وكان يمر على الفقراء ويقعد مع كل واحد ربع ساعة، فهذا شرف كبير لهذا الفقير، فإنه يشعر بالعز عندما يدخل عليه أحد الواعظين المشاهير ويشعر بأن له قيمة. كان الأعمش ﵀ يقرب الفقراء من مجلسه، وقال عيسى بن يونس: ما رأيت الأغنياء في مجلس أحقر منهم في مجلس الأعمش مع فقره وحاجته كان فقيراً ومحتاجاً، ومع ذلك كان الغني أذل في مجلسه، والفقير كان أقرب، يقوم الفقير وهو يشعر بالعز، ويشعر أن له قيمة في الدنيا فأنت عندما تذهب إلى الناس بنفسك فهذا خلق راقٍ جداً من أخلاق الدعاة إلى الله ، ونصر لدعوتك في نفس الوقت.

стр. 953

إرشاد النبي لعبد الله بن عمرو قال: فجاءني الرسول ﵊ في منزلي وقال: (يا عبد الله! بلغني أنك تصوم النهار؟ قال: نعم، وتقوم الليل؟ قال: نعم) فإذا كان كذلك فمتى ينام، ومتى يذهب للعمل، ومتى يأكل؟ الله هو الذي يزيل التعب عن البدن وليس كثرة النوم، فبعض الناس ينام الساعات الطويلة ثم يستيقظ من النوم وهو مرهق جداً، وقد كان بعض السلف يدعو فيقول: اللهم اكفنا من النوم باليسير. وكان بعضهم ينام قليلاً لكنه يستيقظ وهو نشيط، فما هو الدواء الذي يجعلك إذا نمت أن تقوم نشيطاً؟ الدواء هذا رواه الشيخان وهو: أن فاطمة ﵂ كانت تدق النوى حتى تورمت يداها فجاء أعبد من البحرين، فبلغ ذلك علي بن أبي طالب، فقال لـ فاطمة: اذهبي إلى أبيك فاستخدميه، فجاءت إلى أبيها تطلب خادماً، والبنت الوحيدة تكون عزيزة كثيراً على الأب، وإذا كان هناك أب يحب ابنته أقصى الحب فإنه لن يبلغ حب النبي ﷺ لـ فاطمة، ورضا فاطمة من رضا الله ، فقد قال رسول الله ﷺ : (فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها)، ومعروف أن إيذاء النبي ﷺ إيذاء لله ، وكان شديد الحب لها، فجاءته تستخدمه، وأرته يديها، فقال لها: (بنيتي! أفلا أدلك على خير من خادم؟) فما هو هذا الشيء الذي هو خير من خادم؟ قال: (إذا أويت إلى فراشك، فسبحي الله ثلاثاً وثلاثين، واحمديه ثلاثاً وثلاثين، وكبريه أربعاً وثلاثين، فذلك خير لك من خادم). كيف ذلك؟ لأنها عندما تقول هذه الأذكار فإن الله يزيل عنها التعب، فتقوم نشيطة، فيكفيها هذا عن الخادم، قوله: (خير من خادم) قيل: لأن الحاجة إلى الناس ذل حتى ولو كان عبدك، كونك تقول له: اعمل كذا. هذا ذل، فالعز في الاستغناء عن الناس. عبد الله بن عمرو رجل ذاكر وهو في معية الله ﵎، فإذا نام وأغفى فإنه كإغفاءة الطائر، فالله يذهب التعب عن بدنه ويستأنف العمل. فالرسول ﵊ أول ما رآه بهذا الجد، قال له عبارة مهددة، وهذا من الفقه الذي نتعلمه من الرسول ﵊، فلو جاءك شخص وهو خائف من النار ومن عذاب الله فلا تقرأ عليه آيات النار بل آيات الترغيب، لكن إذا جاءك وهو مستهين وليس مهتماً فاتل عليه آيات النار. مرة جاءني رجل كان في الأردن، غاب في الأردن عشر سنوات، فقال لي: أنا ما تركت ذنباً إلا ارتكبته واستكثرت، فقد شربت الخمر، وزنيت، وقتلت، وكذلك مارس هذه المعصية المرذولة بعد عودته لمدة سبع أو ثماني سنوات فقال لي: لي توبة؟ فسكت قليلاً، فأول ما سكت، قام فاقترب مني، وقال لي: ماذا يعني سكوتك؟ ليس لي توبة؟ فرأيت وجهه قد احمر وعيناه اغرورقتا بالدمع، فلو أني قرأت عليه آية من النار فإنه سيموت، فسكت ولم أتكلم، فرأيته قد توتر وبدأ جسمه يرتعد، لأنه ارتكب ذنوباً كثيرة وأراد أن يتوب، فرأيت علامات التوبة عليه، فعلمت أن هذا الرجل لو قرأت عليه آية من آيات النار سيموت، فقرأت الآية التي في سورة الزمر: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٥٣]، فبدأ الرجل يستريح شيئاً فشيئاً، وأنا أتكلم أريد كذلك أن أبين له خطورة الأمر الذي عمله لكي لا يستهين، فهذا الرجل لو قلت له: لا توبة لك، وتقول: لأنك سرقت وظلمت يا ظالم يا فاسق، فإنه ربما يموت فيها. الرسول ﷺ يعلم أن عبد الله بن عمرو يصوم النهار ويقوم الليل، الذي ترك المرأة في ليلة الزفاف ما ينفع معه إلا التهديد، فقال له: (لكني أصوم وأفطر، وأنام وأقوم، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني)، كلام قوي جداً، فمراجعة الرسول ﷺ لـ عبد الله بن عمرو تدل على أنه لا يريد أن يسمع الكلام فقط، وإنما يريد أن يظل على هذا الجد، فقال له: (من رغب عن سنتي فليس مني) فهذا تهديد. الرسول ﵊ لما رأى امرأة عثمان بن مظعون عند عائشة، فرآها رثة الثياب ذابلة، فقال: (يا عائشة! ما أبذ هيئة خويلة؟) ما الذي جعل هيئتها بهذه الرثاثة؟ قالت: يا رسول الله! إنها عند رجل يصوم النهار ويقوم الليل، فأهملت نفسها وأضاعتها، فأرسل لـ عثمان بن مظعون، قال: (يا عثمان! أرغبة عن سنتي؟ قال: يا رسول الله! بل سنتك أطلب، قال: فأنا أنام وأقوم، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني) يقول هذا الكلام القوي للصحابي لكي يوقفه؛ لأن عنده شغفاً وإقبالاً شديداً، فالذي عنده إقبال شديد لا يصده شيء هين، إنما يصده شيء قوي، (فمن رغب عن سنتي فليس مني) ثم قال له: (إن لكل عمل شرة وفترة). الشرة: هي شدة الإقبال، والفترة: هي الشعور بالفتور، وفي الفترة قد يتحول الشخص عن طريق السنة إلى طريق البدعة، وفي الفترة يشعر المرء بالخمول والملل، ويريد أن يعتزل ويقفل الباب على نفسه، فلا يريد أن يكلم أحداً ولا أن ينظر إلى أحد. ولذلك النبي ﷺ لما قال: (لكل عمل شرة وفترة، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد هدي، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك). دخل الرسول ﵊ على زينب فوجد حبلاً مربوطاً بين ساريتين فقال: ما هذا الحبل؟ فقيل له: هذا حبل زينب، تقوم الليل إلى أن تعجز قدماها عن حملها فتمسك بالحبل وتقرأ وتواصل الصلاة، نحن نذكر هذه الأحاديث للنساء، لأن العبادة والجد قليل في النساء، قالوا: وذلك بسبب الأولاد والزوج والمطبخ، وهذا الكلام غير صحيح، فالمرأة لابد أن تعمل لربها وأن يعينها زوجها على ذلك، فلابد أن يكون لها فترة تخلو فيها بالله ﵎، لكي تواصل الجد والعطاء، فـ زينب ﵂ من كثرة التعب تمسك بالحبل لكي تستريح، فقال ﵊: (حلوه، عليكم من العمل ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا) أي: إن الله لا يمل من إعطاء الثواب حتى نمل من العمل. قال الرسول ﷺ لـ عبد الله بن عمرو بن العاص: كيف تقرأ القرآن؟ قال: أقرأ القرآن كل ليلة؛ فقال له: اقرأ القرآن في شهر؟ قال له: إني أجد بي قوة، فقال: اقرأه في عشرة أيام، قال له: إني أجد بي قوة، قال: اقرأه في ثلاثة أيام، وفي الرواية الأخرى قال له: (فإن من قرأ القرآن في أقل من ثلاث لم يفقه). ثم قال له: كيف تصوم؟ قال: أصوم كل يوم. فقال: صم ثلاثة أيام من الشهر، قال له: أقدر، فجعل يرقى به إلى أن قال له: (صم صيام أخي داود، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، فذلك خير الصيام). كان عبد الله بن عمرو شاباً في تلك الأيام، وكثرة العبادة والقوة فيها إنما تكون في الشباب، كانت حفصة بنت سيرين تقول: (يا معشر الشباب! اعبدوا الله في الشباب فإني رأيت العبادة في الشباب). فالشاب يستطيع أن يتحمل الأشياء الشاقة، لكن من بلغ ثمانين سنة اشتكى من غير علة، فظهره يبدأ ينحني، ولا يستطيع أن يمشي إلا على عكاز، ويقعد على كرسي في صلاة الفرض. بعض الشباب عندما تقول: اعبد الله يقول لك: إن شاء الله لما أتقاعد على المعاش سأعبد ربنا وسأتفرغ للعبادة، لأني لن أذهب إلى دوام ولا إلى شغل ولا غيره، فأول ما يتقاعد على المعاش يقعد على القهوة، فتقول له: أنت كنت تقول: سأقعد أعبد ربنا، فيقول لك: أنا أشعر بملل وزهق، لماذا؟ قال: أنا طول عمري شغال، ما تعودت أقعد القعدة هذه. عبادة الله مع الوقت تصير عادة وملكة، فالذي تعود على الصلاة من صغره فإن الصلاة تكون عليه سهلة، أما لو كان مفرطاً في حدود الله منذ صغره فإذا أراد أن يعبد الله وهو كبير فإنه لا يستطيع فالعبادة في الشباب. فـ عبد الله بن عمرو بن العاص لم يعلم أنه عندما يشيخ ويكبر يعجز عن هذا الجد، فكان لا يستطيع أن يصوم يوماً ويفطر يوماً، ضعُف، فكيف كان يعمل؟ كان يفطر عشرة أيام من أجل أن يتقوى، وبعد ذلك يصوم عشرة أيام، لأنه لا يستطيع أن يصوم يوماً ويفطر يوماً، وإذا كان مثلاً يقرأ القرآن في ثلاث، فإنه كان يقرأ في اليوم عشرة أجزاء مثلاً، ولكن بعد أن كبر لم يعد يستطيع أن يقرأ كما كان يقرأ في شبابه فكان يقرأ المصحف في سبعة أيام، وكان يقسمه بين هذه السبعة الأيام حتى يكمله. وكان يقول: (يا ليتني قبلت رخصة رسول الله ﷺ ، لماذا لم يترك العمل ويستريح وعليكم هدياً قاصداً كره عبد الله بن عمرو بن العاص أن يقل عمله عما تركه عليه رسول الله ﷺ ، فلابد ألا يقل عمله حتى لا يلقى النبي ﷺ وقد قل عما تركه عليه، لكن عبد الله بن عمرو بن العاص ندم أنه لم يقبل الرخصة من النبي ﷺ . نسأل الله ﵎ أن ينفعنا بما علمنا، وأن يعلمنا ما جهلنا، وأن يجعل ما قلناه وما سمعناه زاداً إلى حسن المصير إليه، وعتاداً إلى يوم القدوم عليه، إنه بكل جميل كفيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين.

стр. 954

الحيل الحيل: جمع حيلة وهي القدرة على التصرف، وتنقسم إلى قسمين: حيل مذمومة وحيل محمودة؛ فالمذمومة هي التي يتوصل من خلالها إلى ما حرم الله بطريقة ماكرة، وأما المحمودة -وهي التي يسميها أهل العلم بالمعاريض- فضابطها أن يتحيل المرء بحيلة ليدفع عن نفسه ضرراً أو ليجلب بها نفعاً بغير أن يرتكب إثماً، فمن أحسن استخدام الألفاظ في المعاريض تجنب الحيلة المحرمة وبالتالي نجا من الكذب.

стр. 955

الحيلة وأقسامها إن الحمد لله؛ نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. قال الله : ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ * فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص:١١ - ١٣]. لما وقع موسى ﵇ في يد فرعون، وهو كما وصفه الله : ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ﴾ [طه:٣٩]، وطار لب أم موسى لما علمت بذلك، فأرسلت أخته لتتبع أثره، وهذا معنى قوله تعالى: ((قُصِّيهِ))، وأصل القصص هو تتبع الأحداث، قال تعالى في قصة موسى والخضر: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف:٦٤]، أي: انثنيا راجعين على طريقهما الذي جاءا منه مرةً أخرى يقصان الخطا حتى يرجعا إلى الخضر؛ لأن ذلك بغيتهما. ((فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ)) أي: أبصرته من بعدٍ وهي تتابعه، وأهل فرعون لا يشعرون أنها أخته. ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص:١٢]، (مراضع): جمع مرضع، ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود:٥٦]. ((فَقَالَتْ)) أي: أخته التي تقص أخباره: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ [القصص:١٢]، احتج بهذه الآية بعض من رخص في الحيل؛ وذلك أن أخت موسى ﵇ احتالت ولم تظهر شخصيتها في هذا الموقف، بل قالت: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ [القصص:١٢]؛ كأنها لا تعرفه، فرخصوا في الحيل، وذكروا في ذلك جملةً من الأدلة منها هذا الدليل. فاعلم أيها المستغفر: أنه لا يخادع الله أحد إلا خدعه الله، كما قال عبد الله بن عمر: من يخدع الله يخدعه، ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء:١٤٢]، ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ﴾ [البقرة:٩] على الحقيقة. الحيل: جمع حيلة وهي القدرة على التصرف، والحيل تنقسم إلى قسمين: حيلة مذمومة، وحيلة محمودة.

стр. 956

ضابط الحيلة المذمومة وأمثلتها أما الحيلة المذمومة لأنها من جنس حيل اليهود، أن يحتال الشخص إلى ما يريد، إما بطريق مباحٍ إلى محرم، وإما بطريق محرم إلى محرم، فهذا كله حرام، وتشتد الحرمة إذا أخطأ الطريق إلى المراد، فكل من تحيل حيلةً ليحل ما حرم الله فهو من أتباع اليهود في ذلك، وقد ذكر الله ضرباً من حيل اليهود، فقال ﵎ في سورة الأعراف، وهو يقص علينا قصة بني إسرائيل مع الحيتان؛ وذلك أن الله لما حرم على بني إسرائيل صيد الحيتان يوم السبت -كما قال السدي وغيره- جاءوا إلى النهر العظيم وحفروا حفراً، وهذه الحفر فيها ماءٌ قليل بينها وبين النهر قناةٌ صغيرة، فكانت الحيتان تأتي يوم السبت بكثرة، حتى أنها كانت ترفع رءوسها من الماء، فإذا جاء يوم الأحد لزمت الحيتان قاع البحر، ولم يظهر حوتٌ واحد، فتحيلوا، فبدأ رجلٌ واحد منهم فحفر حفرة، وجعل بين الحفرة والنهر الكبير مسرباً، فإذا كان يوم السبت جاءت الحيتان فدخلت الحفرة، فإذا أرادت أن ترجع إلى النهر مرةً أخرى عجزت لقلة الماء في الحفرة، فيأتي يوم الأحد ويأخذ الحيتان. وفي روايةٍ أخرى: أن رجلاً من هؤلاء ذهب يوم السبت إلى حوت وختمه بخيط وربطه في وتد، فإذا جاء يوم الأحد لم يستطع هذا الحوت المختوم أن يفر، وأخذه ودخل بيته وشواه سراً، فظهرت رائحة الشواء، فشم الرائحة جاره فسأله ماذا فعلت؟ قال: فعلت كذا، فذهب فصنع مثل صنيعه، حتى فشت فيهم تلك الحيلة في صيد الحيتان. فانتصب أهل العلم لهم، ونهوهم أشد النهي عن ذلك، فقالوا لهم: إننا اصطدنا السمك يوم الأحد، فقالوا لهم: لا، لقد صدتموه يوم حفرتم له الحفر، فلما قام أهل العلم بوعظهم، ولم يمتثل هؤلاء لهم، قالوا: لا نساكنكم في قريةٍ واحدة، فإنه إذا نزل أمر الله أخذنا جميعاً، فبنوا جداراً في القرية بينهم، فصار المعتدون بالصيد المحرم في ناحية، وأهل الورع والمؤمنون في ناحيةٍ أخرى، وصار لكل ناحيةٍ باب، وفي يوم من الأيام فتح المؤمنون بابهم وخرجوا ولم يفتح الكافرون بابهم، وطالت المدة، فقال المؤمنون لبعضهم: إن لهذا شأناً فتسوروا الجدار، فإذا هم جميعاً قردة ينزو بعضهم على بعض، ففتحوا لهم الباب، فخروا في الأرض فلا يعرفون لهم سبيلا: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [الأعراف:١٦٦]. لنتأمل أيها الإخوة الكرام حقيقة هذه الحيلة التي احتالوها: إن حفر الحفرة أمرٌ مباح، لكنهم توصلوا بهذا الأمر المباح إلى تحليل ما حرم الله، لذلك يقول علماؤنا: الوسائل لها أحكام المقاصد، فإذا كان المقصد مباحاً، فلا بد أن تكون الوسيلة إليه مباحة أيضاً. رجلٌ أراد الغنى وهذا أمر مباح، فقطع الطريق على الناس؛ فهذه الوسيلة لجمع المال محرمة، إن الغاية عندنا معاشر المسلمين لا تبرر الوسيلة، فإن الوسائل لها أحكام المقاصد، فالمعتدون بالصيد المحرم تحيلوا بشيءٍ مباحٍ لتحليل ما حرم الله عليهم، وكما قال ﵊: (لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فأذابوها وجملوها وباعوها، وأكلوا أثمانها، وإن الله إذا حرم شيئاً حرم ثمنه)، والنبي ﵊ حرم ثمن الكلب، وحرم عسب الفحل، وحرم حلوان الكاهن، فلا يحل تعاطي هذه الأموال على الإطلاق؛ لكن اليهود لهم شأنٌ آخر، حرم الله عليهم الشحوم، فأذابوها، وجملوها، وباعوها واشتروا بأثمانها فاكهةً ولحماً حلالاً، وقالوا: إنا نأكل اللحم والفاكهة الحلال! فقال ﵊: (إن الله إذا حرم شيئاً حرم ثمنه). ومن جنس المحرمات التي لا يحل للمسلم تعاطيها والمعاملة بها: عسب الفحل -وهذا الفعل مشهور في الأرياف- رجل عنده فحل ذكر، ورجل آخر عنده أنثى يريد أن ينكحها، فيذهب بها إليه فينزو الفحل عليها، فمن أخذ على ذلك أجراً فهو حرام، بهذا النص: (نهى عن عسب الفحل، وعن ثمن الكلب)، ولا يحل لمسلمٍ أن يبيع كلباً أو يشتري كلباً إلا ما رُخِصَ فيه من كلب الحراسة ومن كلب الصيد، ولو أن رجلاً تحيل وأخذ حلوان الكاهن مثلاً واشترى به طعاماً حلالاً فأهل العلم يحكمون بحرمة هذا الطعام. وفي الصحيح: (أن غلاماً دعا أبا بكر ﵁ إلى طعام، فلما أكل أبو بكر قال له الغلام: أو تدري من أين هذا المال؟ قال: لا. قال: إني كنت تكهنت في الجاهلية لفلان فأعطاني هذا المال؛ فأدخل أبو بكر ﵁ إصبعه فيه فمه وتقيأ ما أكل) من الحرام، فالله إذا حرم شيئاً حرم ثمنه. كذلك من يسلك الطريق المباح من أجل ارتكاب المحرم؛ مثل السفر لقطع الطريق أو لشرب الخمر أو للزنا، فالسفر في ذاته حلال، لكن المقصد حرام فالسفر حرام؛ لأن هذا سيكون من جنس الحيل. والإمام البخاري ﵀ عقد كتاباً في صحيحه، أسماه (كتاب الحيل)، رد فيه على الذين أجازوا الحيل من الأحناف، ومعروف أن مذهب الأحناف هو أكثر المذاهب ترخصاً في الحيل، والعلماء الكبار عندهم لم يكونوا يرخصون في الحرام؛ لكن جاء من بعدهم من المتأخرين فتوسعوا غاية التوسع، فعقد الإمام البخاري هذا الكتاب، ورد به على بعض الأحناف ممن أجاز الحيلة في ذلك، فبدأ الكتاب بحديث النبي ﵊: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى)، فبوب عليه فقال: (باب ترك الحيل). مع أنه ليس في الحديث ترك، ولكن هذا من فقه الإمام البخاري ﵀: الأعمال بالنيات، أي: لك ما نويت، وهذا هو جماع الكتاب كله، ولذلك بدأ به، ثم قال: (بابٌ في الصلاة) وأورد فيه حديث أبي هريرة ﵁: (إن الله لا يقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حدثاً حتى يتوضأ)، فإن الوضوء أمانة، والذي يقوم لرب العالمين في الصف ولم يتوضأ لا يعرف الناس أنه لم يتوضأ، فإن الوضوء شيء خفي لا يدرك، فالذي يقف بين يدي الله وهو غير متوضئ بغير عذرٍ فقد أعظم في الخيانة. لقد رأيت في بعض مذكرات السفراء والدبلوماسيين، قال: لما دخل الرئيس السابق الكنيسة، وأراد أن يصلي تأسياً بـ عمر، وكان معه الوزراء والدبلوماسيون والسفراء، فأمر بإقامة الصلاة، فقام هؤلاء الفاسدون الدبلوماسيون يصلون بغير وضوء، ويعتذرون بقولهم: فوجئنا بالموضوع، وكنا في مكان قريب من الرئيس، ولا يوجد وقت حتى نذهب ونتوضأ ثم نعود، واستحيينا فصلينا بغير وضوء. هل اكتشف أحد أن هذا الواقف لم يتوضأ؟ لا. فالخيانة تدخل هنا، لذلك بدأ البخاري ﵀ بهذا الحديث أي: أن الحيلة في إسقاط الوضوء لا تنفع صاحبها. وقال البخاري أيضاً: (باب في الزكاة)، وأورد فيه كتاب أبي بكر ﵁ إلى أنس بن مالك وفي هذا الكتاب: (أن رسول الله ﷺ نهى عن جمع المتفرق وتفريق المجتمع خشية الصدقة) رجلٌ عنده رأس مال قد بلغ النصاب وزيادة، فأراد أن يفر من دفع الزكاة، فيقسم الأموال على أولاده، بحيث لا يصل نصيب كل ولد إلى النصاب، فهذا إنما فرق المال ليفر من الصدقة، فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه عاقب فاعل ذلك بأن أحل عقوبته وأخذ شطر ماله عزمةً من عزمات ربنا. فلا يحل أن يتحيل المسلم لتفريق ماله حتى يفر من أداء الزكاة الواجبة عليه، كذلك الرجل الذي عنده أراضٍ، فقبل أن يحول الحول يعرض الأراضي للبيع، وقد انطوى في ضميره أن يفر من الصدقة، فهذا لا يبارك له أبداً، وقد نهى النبي ﷺ عن ذلك. وقال البخاري: (باب في النكاح)، وذكر فيه حديث ابن عمر ﵄ (أن النبي ﷺ نهى عن نكاح الشغار)، قيل لـ نافع راوي الحديث، (ما الشغار؟ قال: أن ينكح الرجل ابنته لرجلٍ وينكح هو ابنته بلا صداق بينهما)، فمثلاً: رجلٌ ورجل آخر، لكل منهما بنت أو أخت أو امرأة هو وليها، فقال كل منهما للآخر: زوجني ابنتك وأنا أزوجك ابنتي بلا صداق، فالنبي ﵊ نهى عن هذا النكاح، وسماه شغاراً، يقال: شغر الكلب إذا رفع ساقه ليبول، وإنما سماه شغاراً؛ لأن الرجل رفع الصداق عن المرأة وحرمها من الصداق، وهذا لا يحل، وإذا تم النكاح بهذه الصورة فالعلماء يقولون: يبطل النكاح، ويكون للمرأة مهر المثل. إذاً: ما هي الحيلة في نكاح الشغار؟ الحيلة كالآتي: رجل موسر رغب أن يتزوج ابنة رجلٍ فقير، فرفض الفقير، فأغراه الغني وقال له: وأنا أنكحك ابنتي، فحينئذٍ سيوافق الفقير؛ لأنه سينكح ابنة هذا الغني، وبعد أن يتم العقد يقال للفقير: إن نكاح الشغار لا يحل، ويجب حينئذٍ صداق المثل، فهل الفقير يستطيع أن يدفع صداق المثل؟ -ومعنى صداق المثل: أن كل امرأة تقدر بقدرها، بنت الغني مهرها عالٍ، وبنت الفقير مهرها قليل، فلو أننا في وسط فقراء، وامرأة نُكحت نكاح شغار، فأردنا أن نمهرها بالمثل، فننظر إلى بنت عمها أو بنت خالها أو جارتها، أو ما هو مثيل بها من الطبقة ومن البيئة ومن الغنى والفقر- فعندما يعقد ويقال للفقير: إن هذا النكاح لا يحل، فيقول: ما الحل؟ فيقولون: أن تدفع مهر المثل، فيقول: لكن هذه بنت غني ومهرها كثير وأنا لا أستطيع أن أدفعه، أما الغني فيقول: أنا به زعيم؛ لأنها امرأة فقيرة وهو موسر، فيدفع مهر المثل ويأخذها بحيلة نكاح الشغار، وهذا لا يجوز، فكل حيلة تفضي إلى إسقاط ما أوجبه الله أو إلى تحليل ما حرمه الله ؛ فإنها حيلة محرمة.

стр. 957

ضابط المعاريض وأمثلتها الضرب الثاني من الحيل والذي احتج به أهل الحيل على حيلهم: ما يسميه أهل العلم بالمعاريض، واحتجوا فيه بقصة إبراهيم ﵇ لما قال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات:٨٩]، واحتجوا أيضاً بقصة يوسف ﵇ لما وضع صواع الملك في رحل أخيه، واحتجوا بقصة الملكين لما تسورا المحراب على داود وقالا: ﴿خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص:٢٢] ولم يكونا خصمين إنما تحيلا بذلك. ف الجواب أننا لا ننكر مثل هذا النوع من المعاريض والحيل، وإنما ننكر النوع الأول، يقول أهل العلم: إذا تحيل بحيلةٍ ليدفع عن نفسه ضراً، أو ليجلب لها نفعاً بغير أن يرتكب إثماً فهذا جائز مشروع، وقد يكون واجباً، وقد يكون مستحباً. فمن الواجب مثلاً: ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث كعب بن مالك ﵁ في قصته الطويلة لما تخلف عن غزوة تبوك، قال: (كان رسول الله ﷺ إذا أراد غزوة ورّى بغيرها)، أي: إذا كان سيسلك هذا الطريق يقول: سأسلك طريقاً آخر، والحرب خدعة، فهذا واجب. أما قصة إبراهيم ﵇ لما: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات:٨٨ - ٨٩]، فإنه توصل بهذا إلى تفريقهم حتى ينفرد بآلهتهم، ولما قطع رءوس الأصنام، قال: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ [الأنبياء:٦٣]، قال ﷺ عن هذا الذي فعله إبراهيم ﵇: (لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات كلهن في الله)، فخرج من ذلك أن يكون من الكذب الذي حرمه الله ، وإنما سماه كذباً؛ لأن ظاهره يخالف باطنه ولم يأخذ حكم الكذب، وهذا الذي يسميه أهل العلم بالمعاريض. كذلك في قصة يوسف ﵇، قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ [يوسف:٧٦] أي أن الله هو الذي أرشده إلى أن يفعل مثل ذلك، فهذه حيلة محمودة، ولو تأملت الألفاظ التي وردت في السورة لعلمت أنه بعيدٌ كل البعد عن الكذب، لما أمر يوسف ﵇ أن يوضع صواع الملك في رحل أخيه، نادوا وهم منصرفون: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ [يوسف:٧٠]، هل حدد المسروق، هل قال: إنكم لسارقون؟ لما ذكر السرقة أطلق ولم ينسب، ولما ذكر الفقد نسبه، قالوا: ﴿قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ * قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾ [يوسف:٧١ - ٧٢]، فعبروا بالفقدان، لكن لو قالوا: سرقوا صواع الملك لكان كذباً؛ لأنهم ما سرقوا، لذلك قالوا: ﴿نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾ [يوسف:٧٢]، ولما ذكر السرقة، لم يقل: إنكم لسارقو صواع الملك. وأصل مسألة المعاريض والحيل كلها مبنية على حسن استعمال الألفاظ، فمن أحسن استخدام اللفظ نجا من الحيلة المحرمة ومن الكذب، وفي بعض الأحاديث التي يحسنها بعض أهل العلم عن النبي ﷺ (إن لفي المعاريض مندوحة عن الكذب)، أي: من أحسن استخدام المعاريض لم يقع في الكذب. وها هو نبينا ﷺ (لما خرج فاراً من المشركين من مكة إلى المدينة هو وأبو بكر ﵁ -وكان أبو بكر رجلاً نساباً تاجراً معروفاً- فكان أبو بكر خلف النبي ﷺ ، فكلما قابلهما جماعةٌ من المشركين، يقولون: يا أبا بكر من هذا الذي معك؟ فيقول: هادٍ يهديني) فالنبي ﷺ هادٍ يهديه إلى طريق الصلاح والاستقامة؛ ولكن ظن المشركون السائلون: أنه هادٍ يهديه في الصحراء، اصطحبه معه ليدله على طرق الصحراء. ومثله ما ورد في بعض الأحاديث (أن النبي ﷺ لما خرج في غزوة بدر هو وأبو بكر، قابله جماعةٌ فقالوا: ممن أنتما؟ فقال: نحن من ماء -ويقصد: من ماء مهين- فقال بعضهم لبعض: أحياء اليمن كثيرة -ماء: اسم حي من أحياء اليمن - ونحن لا نعرف كل أحياء اليمن). ولما (قال النبي ﷺ لرجلٍ يمزح معه: إنا حاملوك على ولد ناقة -ولد الناقة صغير جداً- فقال الرجل: وما أفعل بولد ناقة؟ -يعني: أول ما يركبه سيبرك على الأرض- فقال النبي ﷺ : وهل تلد الإبل إلا النوق). وكذلك لما (قال النبي ﷺ لامرأةٍ: لا تدخل الجنة عجوز، فبكت المرأة وظنت أنها لا تدخل الجنة، فأعلمها رسول الله ﷺ : أن من يدخل الجنة لا يهرم، ولا يدركه الكبر، إنما كما قال الله : ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ [الواقعة:٣٧])، أي في سن واحدة، وقد ورد في بعض الأحاديث المتكلَّم فيها: (أن أسنان أهل الجنة تكون على ثلاث وثلاثين سنة) نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهلها. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم. الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فالمعاريض مبنية على حسن اختيار اللفظ، واحتجوا أيضاً بقصة أيوب ﵇ لما قال الله له: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ [ص:٤٤]، فقد ذكر العلماء أسباباً لحلف أيوب ﵇، فمن قائل: إن الشيطان تزيّ بزي طبيب، فقابلته امرأة أيوب ﵇ وهي لا تدري أنه الشيطان، فدعته إلى علاجه، فقال: نعم أعالجه لكن يقول كلمةً واحدة، وهي: أنني شفيته، قالت: نعم، فلما جاء أيوب ﵇ وعرفه أقسم أن يجلد امرأته مائة جلدة. ومن قائلٍ: إن امرأته باعت ضفائرها لحاجتها إلى النفقة، وكان أيوب ﵇ إذا أراد أن يقوم أخذ بضفائرها ويستعين بها، فأقسم إن عافاه الله أن يجلدها مائة جلدة. ومن قائلٍ: إن الشيطان قال لها: اذبحي غنمة صغيرة يعافيه الله، ففعلت فأقسم أن يضربها إلى آخر تلك الأقوال التي ذكرها أهل التفسير. لكن على فرض ثبوت أي واحدٍ منها، فإن المرأة كانت محسنةً مجدةً في الإحسان، فإذا سلمنا للتفسير الأول: فالشيطان تزيَّ بزي طبيب، فهي لم تقصد إلا علاج زوجها، والتفسير الثاني: أن الشيطان قال لها: اذبحي غنمة، فهي ما قصدت إلا علاج زوجها. والتفسير الثالث: أنها باعت ضفائرها وهذا أبلغ في الإحسان، فهي ما قصدت إلا الإحسان على أي حال وهو الحصول على مال للنفقة، فكانت المرأة محسنة على أي حال: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:٦٠]، لماذا تعاقب هذه المرأة الوفية التي ظلت مثابرةً مع زوجها بعد أن انفض عنه كل الناس غير رجلين كما في الحديث الصحيح الذي رواه ابن حبان وغيره، كانا يترددان عليه، ومعلوم أن المرأة أكثر الناس تأذياً إذا كان زوجها مريضاَ؛ لأنها تحمله وتساعده وتعاونه، فهي تحمل معه المرض والمشقة، وقد لبث أيوب ﵇ في مرضه ثمان عشرة سنة، وقد ورد في بعض القصص الإسرائيليات أن الدود كان يسري في بدنه، وهذه رواية إسرائيلية، فنحن لا نثبتها ولا نحتج بها؛ لكن مجموع القصص يدل على عظم البلاء الذي وقع فيه أيوب ﵇، فكذلك يقع البلاء عظيماً على المرافق الدائم له وهي زوجه، فإذا أخطأت في طلب وسيلة للعلاج أتضرب؟ لا. لذلك أمره الله ، فقال: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ [ص:٤٤]، حزمة صغيرة من عيدان الحشائش عددها مائة، ويضربها بتلك الحزمة مرة واحدة. وقد احتج الإمام الشافعي ﵀ بهذه الآية على أنه لو زنى رجل غير محصنٍ وهو لا يتحمل أن يجلد مائة جلدة فيجمع له مائة شمراخ ويضرب بها مرةً واحدة، واستدل بحديث رواه أبو داود في سننه بسند متكلم فيه عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن رجلٍ من أصحاب النبي ﷺ قال: (كان هناك رجل مريض وكان جلداً على عظم، فدخلت عليه جارية أحد الناس، فهشت إليه فوقع عليها، فدخل عليه أصحابه فأخبرهم، فأخبروا النبي ﷺ في ذلك وقالوا: يا رسول الله، والله لو حملناه لتفتقت عظامه هو جلدٌ على عظم، فأمر النبي ﷺ بمائة عثكول أو شمراخ وأمر أن يضرب ضربةً واحدة). فاحتج الشافعي ﵀ بهذا الحديث وهذه الآية على ضرب الزاني غير المحصن، إذا كان لا يطيق الجلد، وأبى الإمام مالك ذلك، وقال: لا يكون الضرب إلا الضرب المؤلم، لاسيما إذا كان في الحدود؛ لأن الحدود جوابر، وزواجر أيضاً، ولهم في ذلك تفاصيل؛ لكن الله هو الذي أفتى أيوب ﵇، فأين فعل أيوب ﵇ من فعل الحيل المحرمة؟! ينبغي أن نفرق بين الحيل المحرمة، التي يتحيل بها الناس إلى إسقاط الواجبات أو إلى تحليل المحرمات وبين المعاريض التي أباحها النبي ﷺ ، وذلك مبني على حسن استخدام الألفاظ. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين، اللهم اجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر، اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا، رب آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا، وكل ذلك عندنا.

стр. 958

مشروعية الخداع في الحرب إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. اللهم صل على محمدٍ وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد، وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد. رأس الموضوع بالنسبة للحيل المباحة، هو قوله ﵌: (الحرب خدعة)، دفع المظلمة أو تحصيل الحق فيه نوع من الحرب؛ دليل أن فيه خصومات، كلٌ يدفع بعضه بعضاً، فالرسول ﷺ لما قال: (الحرب خدعة)، بكسر الخاء وفتحها -وخَدعة أفصح كما يقول العلماء- أن المرء سيحتال ويقول قولاً غير الذي يبطنه، وهذا ما فعله النبي ﷺ حين أذن لبعض أصحابه بذلك.

стр. 959

قصة مقتل كعب بن الأشرف ومن ذلك ما رواه الإمام البخاري وغيره من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري قال: قال رسول الله ﵌: (من لـ كعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله). وضع الإمام البخاري هذا الحديث في (كتاب الجهاد)، وبوب عليه بقوله: (باب الكذب في الحرب)، ورواه بسياق أطول في (كتاب المغازي)، فقال ﵊: (من لـ كعب بن الأشرف؛ فإنه قد آذى الله ورسوله، فقال محمد بن مسلمة: أنا له. وكذلك قال أبو نائلة). فـ محمد بن مسلمة ابن أخت كعب، وورد في نفس الحديث في البخاري: أن كعب بن الأشرف قال: أهذا أخي أبو نائلة، وهو أخوه من الرضاعة. إذاً: اللذان كذبا من أجل قتل كعب بن الأشرف، أقرب الناس إليه، ابن أخته وأخوه من الرضاعة، فقال محمد بن مسلمة: أتأذن أن نقول له شيئاً، فكلمة (شيئاً) المقصود به الكذب، قال: نعم، قال: أتأذن أن نقول له: كذا وكذا ورد في بعض الطرق، أن نقدح في رأيك وفيما ذهبت إليه؟ قال: نعم. فجاء محمد بن مسلمة وأبو نائلة، فنادوا كعباً، فقالوا له: إن هذا الرجل قد أتعبنا، وإنه يطلب منا صدقة، فقال كعب: والله لتملنه -أي: إن هذا أول شيء يفعله وسيأخذ منكم زكاة كل مرة- وفي رواية خارج الصحيح فقال لهم: فما حملكم أن تتبعوه، فقالا له: حتى نعلم إلى ما يئول أمره، وقد جئناك نستلف وسقاً أو سقين من الشعير، فقال: ارهنوني نساءكم -انظر اللؤم يريد امرأة مقابل وسق! - كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب؟! فاغتر الرجل وقال: ارهنوني أبناءكم، قالوا: نرهنك أبناءنا فيسب أحدهم فيقال: رهن بوسق من شعير هذا عارٌ علينا، ولكن نرهنك اللأمة، وهي درع الحرب، وهذا هو الذكاء، فبادروه حتى لا يعرض عليهم عرض آخر، فيقول: ارهنوني آباءكم، وعرضوا عليه اللأمة حتى لا يساوره الشك فيقول: لماذا أحضروا معهم السلاح؟ فهم بهذا العرض يزيلون الشك الذي في نفسه وكأنهم يقولون: إنما أتينا بالسلاح لنرهنه- ثم ناداهُ أبو نائلة، وقال: يا كعب انزل وكان حديث عهد بعرس، فلما سمعت امرأة كعب صوت أبي نائلة قالت: إني أسمع صوتاً يقطر منه الدم، فقال كعب: إنه محمد بن مسلمة، ورضيعي أبو نائلة وإن الكريم إذا دُعي إلى طعنةٍ بليلٍ أجاب، فنزل والطيب ينفح منه، فقال محمد بن مسلمة: ما رأيت مثل هذا الطيب، فقال: عندي أجمل العرب وأعطرها، فقال محمد بن مسلمة: أتأذن لي أن أشم رأسك؟ فأذن له، فأمسك رأسه، ولما استمكن منه قال: دونكم عدو الله فاقتلوه، فقتلوه ورجعوا إلى النبي ﷺ فدعا لهم، وهذا إنما أخذوه بالحيلة.

стр. 960

قصة مقتل أبي رافع روى البخاري أيضاً في كتاب المغازي، من حديث البراء بن عازب ﵁، أن أبا رافع كان يقع في النبي ﷺ ويشبب به، ويشبب بنساء المسلمين، ومعنى يشبب: أي يصف العورات ويتغزل فيهن، فانتدب له النبي ﷺ عبد الله بن عتيك مع نفرٍ من أصحابه. وفي بعض طرق الحديث خارج البخاري قال: فشيعهم إلى بقيع الغرقد، وقال: اللهم انصرهم، وكان أبو رافع أكبر تاجر في الحجاز كلها، وكان عنده جماعة يسمرون معه، ففقدوا حماراً لهم، فقام العبيد يبحثون عن الحمار، قال: عبد الله بن عتيك: فتقنعتُ بردائي كأني أريق الماء، فرآه البواب، فقال: أيها الرجل إن كنت تريد أن تدخل فادخل الآن وإلا أغلقنا الباب -وكان يظن أنه من الحاشية الذين ذهبوا يبحثون عن الحمار- قال: فدخلت واختبأت، حتى إذا وضعوا المغاليق على وتد وانصرفوا أخذت المغاليق وصعدت، فإذا أبو رافع يسمر وعنده جماعة من التجار، حتى إذا خرجوا أغلقت عليه الباب -حتى إذا استغاث أبو رافع لا يغاث- قال: فدخلت فإذا البيت مُظلم، ولا أدري أين الرجل، فقلت: يا أبا رافع! قال: من، فاتجهت إلى الصوت فعاجلته بضربة لكنها لم تقض عليه، ثم أظهرت كأنني أغيثه، فقلت: مالك يا أبا رافع؟ قال: ويلٌ لأمك، ضربني رجل بالسيف، فجعلت السيف في بطنه ولم أتركه حتى سمعت صوت عظم الظهر، قال: فعلمت أنني قتلته، قال: وجعلت أخرج حتى وصلت إلى درج فنزلت على ساقي فكسرت فعصبتها بعمامة، وقفزت من على السور، وقلت لأصحابي: النجاة النجاة، ثم قلت: والله لا أمضي حتى أسمع الناعي، فلما صاح الديك قام الناعي، وقال: أنعي أبا رافع تاجر أهل الحجاز، قال: فذهبنا إلى النبي ﷺ فمسح ساقي فكأنني ما اشتكيتها قط. فالرسول ﵊ أباح لهم أن يستخدموا الحيلة في القتال والحرب، والكذب في الحرب واجب، وهو نوع من الحيلة، لقوله ﷺ : (ثلاث من الكذب لا نعدهن كذباً: كذب الرجل على امرأته، وكذب الرجل يصلح بين المتخاصمين، وكذب الرجل في الحرب). فإن قال قائل: من أين لك أن الكذب في الحرب واجب ولفظ الحديث بمفرده لا يدل على الوجوب؟ مع إن غاية ما في الحديث أنه ليس بكذب فقط؟ فيقال: يستدل على الوجوب بثبوت الحرام في الجهة المقابلة، فلو أسر رجلٌ في بلاد الحرب وكان عنده معلومات لو علمها العدو من شأنه أن يجهد المسلمين ويهلكهم لحرم عليه ذلك، فإذا حرم عليه ذلك وجب عليه الكتمان، ويستدل على صيغة الوجوب بثبوت الحرام في الجهة المقابلة، إذا علمنا أن هذا حرام يكون عكسه واجب. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد.

стр. 961

حيلة ابن عيينة على الوالي وهناك قصة فيها عبرة، استخدم الحيلة فيها الإمام العلم المفرد الكبير الذي لولاه ومالك -كما قال الشافعي - لضاع الحديث بالحجاز كلها، وهو الإمام الكبير أبو محمد سفيان بن عيينة ﵀، شيخ الشافعي وأحمد بن حنبل. والذي حصل أن الإمام الكبير وكيع بن الجراح حدّث بحديث في مكة فيه أن النبي ﷺ لما توفي انشغل المسلمون عنه ثلاثة أيام حتى ربا بطنه وانثنى إصبعه، والثابت أن الرسول ﷺ وهو ميت كأنه حي، لا يربو بطنه ولا يتأثر، ولذلك قال أبو بكر الصديق: (طبت حياً وميتاً)، وهذه من خصائص الأنبياء، أن الأرض لا تأكل أجسادهم ولا يتغيروا، فـ وكيع بن الجراح لما حدث بهذا الحديث قامت عليه القيامة، ووكيع كان كالشمس وضحاها والقمر إذا تلاها والنهار إذا جلاها في سماء الحديث، فلم يكن نكرة، كان يقرأ القرآن كل يوم، حتى أن الذهبي ﵀ لما ذكر ترجمة وكيع في كتابه النفيس (سير أعلام النبلاء) قال: هذه عبادةٌ يخضع لها؛ لكنها مفقودة من مثل هذا الإمام؛ لأن النبي ﷺ قال: (من قرأ القرآن في أقل من ثلاث لم يفقه). أول ما حدّث وكيع بهذا الحديث هاج عليه العوام، لأنه تحدث عن المحبوب الشريف الرسول ﵊، ووكيع لا يساوي شيئاً أمام رسول الله ونحن لا نحابي ولا نجامل. نعادي الذي عادى من الناس كلهم بحق ولو كان الحبيب المواسيا أي: لو أنه هو أحب حبيب ووقف الحبيب في خندق عدو رسول الله ﷺ فهو عدو؛ لأننا لا نعدل برسول الله ﷺ أحداً، هذه هي علامة الإيمان، والرسول ﵊ يقول: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما)، ووكيع ليس مكياً بل هو عراقي -أي: أنه ضيف- وعادةً عندما يرحل العالم الكبير ليدرّس في بلد آخر يرحل إليه الكل؛ لأنه ليس لهم طاقة أن يذهبوا إلى بلده، وقد كانوا يسكتون إذا ارتكب الإمام أمراً مباحاً حتى لو ارتكب ما ارتكب، كـ الأعمش عندما كان يضرب تلاميذه ويخيفهم بالكلب لم يعترض أحد، وكانوا يصبرون عليه، ولم يزهد أحد في حديث الأعمش؛ لأن هذا محتمل، لكن إذا كانت المسألة تتعلق بالنبي ﷺ فلا، ووصل السخط على وكيع منهم أن رفعوا أمره إلى الوالي، فعندما علم الوالي بهذه المسألة جن جنونه، وأخذ وكيع وحبسه وحكم عليه بالإعدام، ولم ينظروا في حجة وكيع. شيء ظاهره الإزراء بالنبي ﵊ لا يسكت أحد، انظر إلى هذا الموقف المشرق! وانظر إلى المواقف المخزية التي هي ظلمات بعضها فوق بعض، يستهزئ أصحاب الصحف والمجلات والكاركاتير بالله ورسوله، ويقوم سلمان رشدي يشتم الرسول ﵊ ويصف زوجته بالداعرة وحكامنا نيام، معهم فقط عيد العمال وعيد الشجرة وعيد الثورة وبقية الأعياد يتكلمون فيها عن الديمقراطية، أما عندما يشتم الرسول ﷺ وتتهم زوجته ينصتون ولا يتكلمون. فعلم سفيان بن عيينة وهو في المدينة بأن وكيع سيقتل، فسافر من المدينة إلى مكة، ودخل على الوالي، وقال: الله، الله هذا فقيه أهل العراق كيف تقتلونه؟ قال: أولم تسمع ما قال؟ قال: قد روي هذا الحديث حسناً فمن الذي رواه لـ سفيان؟ الذي رواه لـ وكيع. مفعول لما لم يسم فاعله وبعد ذلك خلصه من أيدي الحاكم. نسأل الله ﵎ أن يفقهنا وإياكم في ديننا، وأن يجعل ما سمعناه وما قلناه زاداً إلى حسن المصير إليه، وعتاداً إلى يوم القدوم عليه، إنه بكل جميل كفيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

стр. 962

من للإسلام في زمن الغربة [١] يتعرض الإسلام لحملات مسعورة بأقلام مرتدة تعمل لصالح أعداء الإسلام في كل زمان ومكان، وكان المرتدون قديماً يتسترون ويراوغون، أما اليوم فقد استأسدوا وتنمروا حين هان المسلمون، فصاروا ينفثون سمومهم علناً، ويدافع عنهم أمثالهم، ويتكالبون على الإسلام ليطفئوا نوره ((وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ))

стр. 963

أعداء الرسالة من المرتدين إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها الإخوة الكرام: حديثنا عن الاستضعاف سيطول؛ لأننا سنحاول وضع برنامج من الكتاب والسنة ومن خلال سورة القصص؛ للخروج من هذا الاستضعاف المهين، الذي ما شهد المسلمون قط في حياتهم، حتى مع مراحل الانحطاط الكبير ما شهدوا هذه المرحلة التي يمر بها المسلمون الآن. من لدن أبي بكر ﵁ هل مر المسلمون قط ولو ساعة من نهار بدون خلافة، حتى بدون ملكٍ عضوض يحكم فيه حاكمه بالكتاب والسنة؟ هل مر المسلمون بذلك قط؟ أبداً حتى مع مراحل الضعف المهين، والذي شهدها بعض المعمرين الآن في أواخر الدولة العثمانية، كان هناك سلطان للدين، ولم يتجرأ أحدٌ على الكتاب والسنة مثل ما تجرأ العلمانيون الآن. (العلمانيون) لفظٌ مضلل لأصل الكلمة، كلمة (علماني) ترجمتها الحرفية: لا ديني، هذه الترجمة الحرفية للكلمة، لكن لأنه لفظٌ بشع، أن تقول: لا ديني، لأنها تساوي (ملحد) فجملوا اللفظ، وقالوا: (علماني) نسبةً إلى العلم! وكذبوا، هو (لا ديني) وفعلاً مذهبه يؤدي إلى الكفر في النهاية.

стр. 964

الأمانة وتردي حال المسلمين اليوم إن التعامل مع الكتاب والسنة رصيده أمانة في قلب الرجل، كما قال النبي ﷺ -وهو من أشراط الساعة، ولعل زمنه هذا الزمان! - روى الإمام البخاري في صحيحه من حديث حذيفة بن اليمان ﵁، قال: (حدثنا النبي ﷺ حديثين: رأيت أحدهما، وأنا أنتظر الآخر: حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم علموا من الكتاب، ثم علموا من السنة) (جذر قلوب الرجال)، الجذر: هو الأصل، أي: قبل أن يتعلموا القرآن والسنة رزقوا الأمانة التي بها لا يحرفون الكتاب ولا السنة؛ لأن تحريف الكتاب والسنة خيانة تدل على أن هذا الرجل لا رصيد للأمانة في قلبه؛ بدلالة هذا الحديث، ثم حدثنا: أن الأمانة ترفع من قلوب الرجال، فيظل أثرها مثل الوكت) (الوكت): هو السواد في لون الجلد، مثل أي جرحٍ في جلدك، بعد أن يبرأ الجرح ترى أثره مسود اللون في جلدك. لما ارتفعت الأمانة من قلب هذا الصنف؛ تركت مكانها أثراً مثل الوكت (ثم ترفع الأمانة من قلوب الرجال فتترك أثراً مثل المجل - (والمَجْل) بفتح الميم وسكون الجيم- قال حذيفة -: هو كجمرٍ دحرجته على يديك فنفط فتراه منتبراً) لما تدحرج الجمر على هذا الجلد يحصل فقاقيع ماء تنبت عليه، هذا هو المجل (كجمرٍ دحرجته على يديك فنفط) (نفط): أي: انتفخ. (فتراه منتبراً): أي عالياً منتفخاً؛ لأنه مملوء ماءً، بعدما يزول هذا الماء يترك هذا أثراً، هذا هو أثر المجل (حتى يقال: إن في بني فلان رجلاً ما أعقله! ما أجلده! ما أظرفه! وليس في قلبه مثقال ذرةٍ من إيمان). ما معنى هذا التدرج في الوصف؟ مثل الوكت، ثم مثل المجل، المجل أوسع من الوكت، كأن الخرق اتسع على الراقع، (استسمنت ذا ورم)، أي: ظننته قوي العضلات، إذاً: المجل أعظم وأكثر اتساعاً من الوكت، ثم هو مع ذلك منتفخ، وهذا الانتفاخ ليس له أي رصيد من الإيمان، فكم من رجل يشار إليه بالبنان له منصب وجاه وليس في قلبه مثقال حبةٍ خردلٍ من إيمان، هذا معنى (منتبر). (نفط فتراه منتبراً) له منظر ولا مخبر له. إذاً: صيانة الكتاب والسنة، والوقوف عند حدود الله أمانة، وهذا هو معنى قول الله : ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ [الأحزاب:٧٢] (الأمانة): كلمة التوحيد بتكاليفها، هذه هي الأمانة، هل لها عين تطرف والارتداد كل يوم، كل يوم نرى المرتدين يطفحون بالكيل على صفحات الجرائد، ونحن مستضعفون لا حيلة لنا، صوتنا لا يصل لكن هناك حلٌ قوي، هو الذي لاذ به المستضعفون في كل زمان من أتباع الرسل: أن تنادي ربك، وأنت تظهر الضعف بين يديه، وأن تقول: لا حول ولا وقوة إلا بالله، هذا كان شعار أتباع الرسل؛ لأن أتباع الرسل جميعاً كانوا ضعفاء، هذه صفة أساسية لازمة لأتباع الرسل: ضعفاء، ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ [هود:٩١] ماذا قال شعيب؟ قال كلاماً مفهوماً، نفس التغابي الذي يعاملوننا به الآن فعله قومٌ شعيب معه، كما سنبسط ذلك إن شاء الله. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

стр. 965

ردة المدعو (نصر أبو زيد) محكمة النقد الأسبوع الماضي أخرجت الحكم على نصر أبو زيد، وحصلت على حيثيات الحكم من محكمة النقد في أربعة وثلاثين صفاً، وأتيت بأربع صفحات لأقرأها عليكم بعد الخطبة، وهؤلاء ليسوا متطرفين ولا يمتون لنا بصلة، إنما قضاة يتعاملون مع نص أمامهم. فهذا الذي ذكروه في هذه المذكرة من الكفر لو وزع على أمةٍ من المؤمنين لدخلوا النار جميعاً! ارتكبه رجلٌ واحد، ومع ذلك جرائد ومجلات تخرج وتدافع عن هذا الرجل. مجلة أسبوعية: الصفحة الثالثة، تنعي الأمة المسلمة بهذا الحكم بالارتداد على هذا المرتد، صفحة كاملة، لو أراد أحدنا أن ينشر فيها إعلاناً مدفوع الأجر لدفع خمسين ألف جنيه، هذه الصفحة خرجت سوداء، وفي أسفل الصفحة: (البقية في حريتكم) على وزن (البقية في حياتك)! لماذا؟ قال لك: لأنه يحكم في مصر على الناس بالارتداد، هذه حرية؟! فصارت حرية الكفر مشروعة، أو هكذا يريدونها، مع أن هذا المرتد ظهر منه استهزاء بالقرآن، والقول بأنه نتاج العقل البشري -هذا كلامه- والكفر بآيات السحر والجن في القرآن، ولمز الرسول ﵊ بأن المسلمين أعطوه قداسة حتى يكون مشرعاً إلى آخر هذه الموبقات. هذه هي الجهة التي حكمت أين جهة التنفيذ؟ هل هناك جهةٌ تنفذ الحكم في المرتد حتى يرتدع هؤلاء؟ لو قال رجلٌ: أنا كفرت بالله. فقال قائل: وأنا أقر مقالته أليس المقر حكمه حكم المبتدع؟ أليس يقتل بهذا الإقرار؟ وهذا الجيش من الصحفيين الذين دافعوا عن هذا المرتد، ألا يكون حكمهم هو حكم ذلك المرتد بدون أي قضية ترفع إلى القضاء؟ أليس هذا هو العدل: أن يقتل هؤلاء وأن يحكم عليهم جميعاً بأنهم مرتدون مثل المرتد الأول الذي يدافعون عنه؟! لكن هؤلاء في مأمن، السبب: أننا نحتاج في كل قضية أن نرفع دعوى. لو كفر الرجل، وحكمت عليه المحكمة بالكفر، فجاء رجلٌ فقال: وأنا أقول بمثل مقالته. لا يتعرضون له أبداً، لماذا؟ لأنه لابد من رفع قضية، وأن يجتمع القضاة مرةً أخرى، ويصدروا حكماً على هذا المعتد بالارتداد، وبعد ذلك يقتل إذا كان هناك جهة تنفيذية، أرأيتم مثل هذا العبث؟! لذلك كثر الذين يتهجمون على القرآن والسنة في أمتنا. نحن أُتينا من بابٍ خطيرٍ جسيمٍ ظل المسلمون يحترمونه ويقدسونه على مدار الأعوام، وعلى مدار الأجيال، حتى في عصور الانحطاط. ويرجون النصر على أعدائهم، والله الذي لا إله غيره لو أن شخصاً يعبد الحجر، ويعتقد أن الحجر يضر وينفع لانتصر على أمثال هؤلاء، وإن كانوا يقرءون القرآن!! يلعب بالقرآن بهذه الصورة، ويمتهن بهذه المهانة، وتصدر الجرائد كلها تدين القضاة أنهم وقفوا في خندق الإرهابيين، كلما نصروا قولاً يقوله الله ورسوله قالوا: إرهابيون، حتى لو كانوا ينصرونهم بالأمس.

стр. 966

صمت المسلمين تجاه تيار الردة هذه الحالة التي نعيش فيها الآن، حالة لم يمر المسلمون بها قط. إيهٍ يا عمر: لو سمعت بعض هذا الذي نمر به إذاً لشاب شعرك! والدعاة إلى الله يصرخون في الجماهير! اهتموا -يا أيها الناس- بإسلامكم، هو أولى من رغيف الخبز، لو رفعوا رغيف الخبز إلى جنية لثار الجماهير، ولأحرقت الأماكن العامة مثلما حصل سنة (١٩٧٦م)، حين زاد سعر الخبز ثلاثة قروش فقط، كانت الخسائر المبدئية خمسة عشر مليون جنيه، خسائر من حريق قطارات وحريق مستشفيات إلخ، وحين زاد سعر الكيلو السكر من ستة عشر قرشاً إلى أربعين قرشاً، وأرادوا رفع قيمة الخبز من نصف قرش إلى قرش؛ ثار الجماهير، وهذا الإسلام يمتهن في كل يوم، والقرآن يعتدى عليه في كل يوم ولا صريخ له، كأن هذه الجماهير لا تدين بالقرآن، ولا تقدسه، وإلا أين جهادكم؟ وأين نصركم؟ وأين اعتراضكم؟ هذه محكمة النقد -التي هي آخر المطاف، لا محكمة بعدها- حكمت بارتداد الرجل، وأن يفرق بينه وبين امرأته هل من جهةٍ تنفيذية؟ الرجل هرب وسافر إلى هولندا؟ ألا تعاملونه معاملة السعد والريان، السعد هرب وذهب إلى باريس، فاحتالوا عليه وضحكوا عليه، وأتوا به ووضعوه في السجن، طيب أرونا حياض الدين، اذهبوا إلى هولندا واضحكوا عليه أيضاً، وقولوا له: تعال وسندافع عنك، واقتلوه هل يفعلون؟ لن يفعلوا أبداً أبداً. (حرية الكفر) كما قلت لكم؟ أصول كلها دمرها، وأنا لا أدندن على هذا الرجل وحده؛ لأن خلفه أمة تتبعه في هذه الأصول، أعظم ما نعانيه: أننا لا نحس بجسامة المحنة التي نمر بها. آهٍ! لو شعر المستضعف أنه مستضعف، وأمسك بالكتاب والسنة؛ إذاً لانتصر، لكن هذا الصراخ الذي نصرخ به في كل مكان ليستيقظ الجماهير؛ ليعلموا أنهم في محنةٍ عظيمة لم يمر المسلمون بها قبل ذلك.

стр. 967

الفرق بين المرتدين في القديم والحديث في كل عصر كان هناك من يعتدي على حياض القرآن، لكنه كان يستتر، وكان يستخدم عبارات موهمة؛ لأنه لو صرح لقتل. هذا أبو العلاء المعري -الشاعر المعروف الذي كفره الفقهاء- اعترض على حكم القرآن ببيتين من الشعر، ونحن نعلم قول النبي ﷺ : (لا قطع إلا في ربع دينار)، الدينار مائة درهم، إذاً: ربع دينار خمسة وعشرون درهماً، الدرهم تسعون فلساً تقريباً، يعني لو أن رجلاً سرق خمسة وعشرين جنيهاً تقطع يده. ونعلم أيضاً أنه لو اعتدى رجلٌ فقطع إصبع شخص آخر فإن الدية التي شرعها النبي ﵊ لهذا الإصبع الواحد عشرة جمال، والجمل بثلاثة آلاف أو أربعة آلاف، وإذا ضربتها في عشرة آلاف تصبح ثلاثين أو أربعين ألف جنيه، دية الإصبع، في حين أن هذه اليد التي تتألف من خمسة أصابع لو سرقت خمسة وعشرين جنيهاً تقطع كلها. فهذا الرجل لم يعجبه الحكم، فقال: يدٌ بخمس مئين عسجدٍ وديت ما بالها قطعت في ربع دينار تناقضٌ ما لنا إلا السكوت له وأن نعوذ بمولانا من النار فنسب أحكام الله ورسوله إلى التناقض، وقال: إذا أردت ألا تدخل جهنم قل: أعوذ بالله من النار فقط. ويدعي أن كلام ربنا متناقض! يقول: ولأنه إله لا تستطيع أن تراجعه فسلم حتى وإن كان فيها تناقض، وهذا الكلام كفر، فطلبه الفقهاء ليقتلوه فهرب، ورد عليه العلماء، ومن أبلغ المقالات التي ردت عليه قول القاضي عبد الوهاب المالكي ﵀: (لما كانت أمينة كانت ثمينة، فلما خانت هانت). ويهرب الرجل؛ لأن هناك من يطلبه. لو أن هؤلاء اللادينيين حقاً كانوا يعلمون أنه من اعتدى على حكم الكتاب والسنة قتل؛ ما وجد هذا الغثاء، ولا السيل الجارف من الإهانات للكتاب والسنة بدعوى الفكر، والحرية، هل هناك جهة تنفيذية تأتي بهذا المرتد لتجعله عبرة لمن يعتبر؟ لاسيما وقد أطبق علماء الأزهر جميعاً على ردة الرجل، مع حكم المحكمة على ردته أيبقى هذا الرجل له عينٌ تطرف ولو كان في آخر الأرض؟ وتشعر بحسرة عظيمة إذا علمت أن سلمان رشدي اعتدى على الرسول ﵊ صاحب الجناب العالي، واعتدى على زوجات النبي ﷺ واتهمهن بالدعارة والزنا! ومع ذلك لم توجد دولة إسلامية واحدة تسحب السفير من إنجلترا التي دافعت عن هذا المجرم. فإذا علمت ذلك فاعلم أن أعداءنا ما وصلوا إلى هذا طفرة، يفعل الفعل وينتظر ردة فعل، فإذا وجدوا رد الفعل قوياً تردد أن يفعل أخرى، لكن إذا وجد ردة الفعل ضعيفة جداً، لا يعدو أن يكون شجباً واستنكاراً فقط؛ أغراه ذلك بضربةٍ أقوى من الأولى. ما وصل أعداؤنا إلى هذا طفرة، رحل الاستعمار من بلادنا، لكنه ترك تلامذته وأذنابه يعبثون، أليس تلامذته هم الذين كتبوا لنا التاريخ في المدارس الإعدادية والثانوية، وهم الذين كتبوا لنا التاريخ في الجامعات؟ تلامذة المبشرين الذين كتبوا (مآثر الحملة الفرنسية) و (أضرار الحركة الوهابية) ويقولون -بكل تبجح-: الحملة الفرنسية لها مآثر! كانت حملةً صليبيةً تبشيرية ويقولون: لها مآثر! والدعوة الوهابية في بلاد الحجاز التي كان الهدف منها إعادة الدين نقياً كما كان على عهد النبي ﷺ يقال: (أضرار الحركة الوهابية) وتخرج حملة عسكرية من مصر بقيادة إبراهيم باشا لضرب الحركة الوهابية هناك! هذا هو التاريخ الذي درسوه لنا؛ فنشأ هذا الجيل مبتوت الصلة بتاريخه؛ لذلك لا يحس بالضربات المتلاحقة على الكتاب والسنة. إن الصحابة الكرام كان القرآن أعظم في قلوبهم من أن يتطرق إليه تأويلٌ مرجوح، لا أقول: باطل، بل أقول: مرجوح فقط، والتأويل المرجوح له وجه في القوة، لكنه أدنى من التأويل الآخر الراجح؛ لأنه كان أعظم.

стр. 968

جحود المجرمين لواضح البراهين الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الله : ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ * وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ * بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ [هود:٨٤ - ٨٦]. فهذا كلام واضح كالشمس، ركز فيه على كلمتين اثنتين: (اعبدوا الله ما لكم من إله غيره)، (أوفوا المكيال والميزان بالقسط) فعندما يأتي هؤلاء ويقولون: ﴿يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ [هود:٩١] مع هذا الوضوح، فهذا يدل على شيئين لا ثالث لهما: إما فاهم ويتغابى، وإما أصم لا يسمع، ولا أقصد بالصمم عطب هذه الحاسة، إن قوماً سمعوا كلام الله ، فقالوا: ﴿قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ [الأنفال:٣١] لأنه لو سمعوا سماع انتفاع ما قالوا هذا الكلام، اليهود الذين سمعوا كلام الله ، فقالوا: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ [البقرة:٩٣] أهؤلاء سمعوا؟ إن السماع الممدوح في القرآن هو سماع الانتفاع؛ إنما مجرد سماع هذه الجارحة، أن يسمع الكلام بأذنه؛ ما قصد القرآن ذلك، ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا﴾ [النور:٥١] حسناً: لو سمع وعصى، فهل هذا سمع؟ لا، هو عند الله كالأصم طالما أنه لم ينتفع بهذا السمع. ولذلك (لما نزلت خواتيم البقرة -كما رواه الإمام مسلم في صحيحه - ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٤]-ضاق الصحابة وقالوا: يا رسول الله! جاءت التي لا نستطيع (إن تبدوا أو تخفوا)! قد يمر بصدر الإنسان من الكفر ما الله به عليم، وقد يخطر بباله نوع من الشر ويتمنى أن يفعله، لكن لا يفعله، أفنحن مؤاخذون بذلك؟! - فجاء الصحابة وبركوا على الركب -والبروك إشارة إلى الذل- وقالوا: لا نستطيع، فقال النبي ﷺ : أتريدون أن تقولوا: سمعنا وعصينا؟ قولوا: سمعنا وأطعنا. فذلت بها ألسنتهم، فأنزل الله آية الرخصة التي بعدها ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة:٢٨٦]). فالسماع المحمود هو سماع الانتفاع، وليس مجرد سماع الجارحة، ولذلك فإن الصمم الوارد في القرآن إنما ورد لأناسٍ آذانهم سليمة؛ لكنهم عموا عن الحق فلا يسمعونه. فهذا البيان الواضح: ((اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ))، ﴿فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ﴾ [الأعراف:٨٥]، إما أنهم يتغابون في الخطاب، ويزعمون أنهم لا يفهمون؛ للتخلص من النص، وإما أنهم صم لا ينتفعون: ﴿يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ [هود:٩١]. واحد يقول: (ما نفقه كثيراً) هذا يدل على أنهم فقهوا قليلاً. نقول: إن هذه الآية تدل على أنهم ما فقهوا شيئاً؛ لأن علماء الأصول يقولون: النكرة في سياق النفي تفيد العموم، فقوله: (كثيراً) هذه النكرة منفية قبل ذلك بـ (ما النافية)، (ما نفقه كثيراً) إذاً هذا يدل على أنهم لم يفقهوا لا قليلاً ولا كثيراً مع هذا الوضوح.

стр. 969

سعار الردة لدى بعض الكتّاب هؤلاء يعاملوننا بتغابٍ، أحدهم نشر كتاباً، الجزء الأول منه سبعمائة صفحة، ويبشرنا بجزئين: الجزء الأول يقول: لا وجود لما يسمى بالسنة، وأتى بأحاديث في البخاري ومسلم ينتقدها، أتعرفون كيف ينتقد؟ جاء إلى حديث الإسراء والمعراج، وصف البراق، فقال: إنه دابة دون البغل وفوق الحمار، يقول: هذا الحديث مكذوب على رسول الله لا شك في ذلك. حسناً: ما هو الدليل؟ يقول: لأن هذا من وحي الصحراء، الذي افترى هذا الحديث رجل بدوي فلاح، دائماً يركب البغال والحمير، فلما افترى هذا جعل البراق بغلاً. أحاديث النبي ﵊ تنتقد هكذا! لو ورد في القرآن وصف للبراق، أو ورد في أحاديث أخرى وصف للبراق مخالف لهذا الوصف لقنا: لا بأس، لو جاء في القرآن أن البراق صورته صورة إنسان وله ذيل -مثلاً- أو أي شيء، وجاء رجلٌ فقال: دون البغل وفوق الحمار لقلنا: لا بأس؛ لكن رجل لمجرد أنه لم يهضم أن يكون البراق بغلاً فيقول: إن هذا كذب! إذا كان النقد بهذه الصورة فإن كلام الله سيتعرض للنقد. وآخر عندما يقرأ قول الله : ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ﴾ [آل عمران:١٣٣] فيقول: إذاً أين طولها؟ لما كان عرضها السماوات والأرض؟ كلام لا نتخيله!! إذاً كلام الله غير صادق. إذا تعاملنا مع نصوص الكتاب والسنة هكذا لم يبق في أيدينا حتى: قل هو الله أحد!! وينشر الرجل في منتهى الحرية وفي منتهى الأمان، آمن على نفسه أنه لن تطوله يدٌ أبداً.

стр. 970

سبيل الخروج من مرحلة الاستضعاف نحن نعاني من حالة عظيمة جسيمة، نحن ضعفاء لا قوة لنا إلا بالله، وأتباع الرسل دائماً ضعفاء، كما ورد في حديث ابن عباس في مطلع صحيح البخاري، لما حاور أبو سفيان هرقل عظيم الروم، قال هرقل لـ أبي سفيان -يسأله عن النبي ﷺ : كيف نسبه فيكم؟ فقال: هو فينا ذو نسب. قال: هل كنتم تتهمونه قبل ذلك؟ قال: لا. قال: هل كان من آبائه من ملك؟ قال: لا. قال: هل قال بقوله رجلٌ قبله؟ قال: لا. قال: اتبعه أشراف الناس أم ضعفاؤهم؟ قال: بل ضعفاؤهم. قال: يقلون أم يزيدون؟ قال: بل يزيدون. قال: هل يرتد أحدٌ منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قال: لا. هكذا وصف المستضعفين، وأن عددهم كل يوم في زيادة، مثلما هو حادث الآن، الرسم البياني للراجعين إلى الله كل يوم يزيد، ولا يرتد أحدٌ منهم إلى الخلف أبداً، إذا باشر الإيمان شغاف قلبه لا يرتد أحدٌ منهم سخطةً لدينه، حتى أن المؤلفة قلوبهم لما كان الواحد منهم يحسن إسلامه كان يرفض (سهم المؤلفة قلوبهم) رجل تعطيه حتى لا يكفر، فبعد أن يحسن إسلام الرجل كان يستنكف أن يأخذ هذا المال لماذا؟ يقول: أنا الآن أسلمت وجهي لله ، وما بي من حاجة أن يقال: أخذ المال حتى لا يكفر، ويراه عاراً عليه أن يأخذه، برغم أنه محتاج إليه! فهؤلاء لا يرتدون أبداً لماذا؟ يعتزون بإيمانهم، أرأيت إلى بني هاشم لما حاصرتهم قريش في الشعب ثلاث سنين، الحرب الاقتصادية حرب يلجأ إليها أعداؤنا في حال استضعافنا، أجاعوا بني هاشم، وقالوا: لا يقصد أحدٌ منهم ولا ينكحهم أبداً ثلاث سنوات، حصروهم حتى ألجئوهم إلى أكل الديدان والحشرات لماذا؟ حتى يتبرءوا من النبي ﷺ ويعلنوا هذا الرفض، ما خلصهم إلا الله بأن قال النبي ﷺ لعمه يوماً: (أما تعلم أن الله أرسل الأرضة -دابة الأرض، مثل السوس- فأكلت الشروط -لأن قريشاً كتبت ورقة وعلقتها في الكعبة- فأكلت كل شيءٍ إلا اسم الله) فـ أبو طالب أول ما سمع هذا الكلام ذهب إلى قريش، وقال: لو أخبرتكم أن الأرضة أكلت ورقة الشروط كلها، وما أبقت إلا اسم الله؛ تفكون هذا الحصار؟ قالوا: قد أعذرت وذهبوا إلى الورقة فوجدوا الأرضة قد أكلتها كلها فعلاً إلا اسم الله ؛ ففكوا الحصار. فاعلم أنك إذا رجعت إلى دينك ستحاصر دولياً ومحلياً، وعلى مستوى الفرد، ستنقل من وظيفتك المرموقة وتوضع في المخازن؛ ستسجن، وتمنع من علاواتك وترقياتك حرب اقتصادية، والأمة بمجموعها لو رجعت إلى الله لمنعوا صفقات القمح التي يمدوننا بها، لكن لا قوة لك إلا بالله، فاسمع إلى كلام الملك الصادق ، الذي لا يتطرق إلى كلامه شكٌ فضلاً عن كذب ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة:٢٨] طيب يا رب هؤلاء المشركون معهم المال ويعطوننا القمح. فقال: ((وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً)) أي: فقراً ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ﴾ [التوبة:٢٨]، مشركون يعطوننا المال والسلاح، فقال الله : ﴿وَلا تَهِنُوا﴾ [آل عمران:١٣٩]، ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:٢٨] * ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة:٢٩] هذه مرحلة أخرى، امنع ولا تكتفِ بالمنع، بل اهجرهم في عقر دارهم، وقاتلوهم لنشر دين الله ؛ يرفعكم الله . هذه لمحةٌ وطرفٌ مما نعانيه الآن، إنما قلت ذلك لأن أول درجات النجاح هو وضع الخطة المحكمة، سواءٌ في التقدم أو في رجوع القهقرى. أنت مستضعف، ونحن الآن نتكلم عن الاستضعاف من خلال سورة القصص، وكيف أن الله مكن لبني إسرائيل بعدما كانوا مستضعفين؟ ماذا فعل بنو إسرائيل حتى مكن الله لهم؟ لكن كانت هذه مقدمة ضرورية؛ لبيان حالنا ووضعنا، ومدى الضعف الذي نعانيه، حتى إذا حدونا قلوب المستضعفين وهم في طريقهم إلى الله؛ قالوا: لبيك، بل وألف (لبيك). اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين، اللهم اجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر، اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن.

стр. 971

سبل النجاة إن دين الله هو الصراط المستقيم وهدي النبيين، وما من نبي إلا ودعا إلى دين الله وحذر العباد مغبة المخالفة لرسم نهج الحق وطريق النجاة. ولقد ابتلى الله عباده فيما ابتلاهم بدعاة على أبواب جهنم من أجابهم قذفوه فيها، وقد ابتكروا لذلك مذاهب وفرقاً تختلف إحداها عن غيرها في تفاصليها ومناهجها، ولكنها جميعاً تلتقي عند نهاية واحدة ألا وهي غواية العباد وصرفهم عن الدين القويم. فعلى العبد الناصح لنفسه تنكب هذه الطرق كلها والسير في طريق الله الذي رسمه لنا نبينا ﷺ وصحابته الكرام؛ لأنه سبيل النجاة.

стр. 972

الافتراق سنة ماضية إن الحمد لله تعالى نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. فقد صح عن النبي ﵌ في غير ما حديثٍ أنه قال: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، وتفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، قالوا: من هي يا رسول الله! قال: ما أنا عليه اليوم وأصحابي)، فكان على العاقل أن يبحث عن هذا الطريق الوحيد للنجاة؛ طريق في وسط ثلاثٍ وسبعين طريقاً، فالأمر إذاً مشكل، ليت الأمر يتوقف على طريقين، أو ثلاثة، أو أربعة، فيمكن للإنسان عندها أن يميز، لكن أن تكون ثلاثاً وسبعين طريقاً والنجاة من طريقٍ واحد، فيكون الأمر مشكلاً جداً؛ هذا الطريق الواحد هو الذي تطلبه من الله ، سبع عشرة مرة في اليوم، اهدنا الصراط المستقيم، وهو الذي عناه الله ﵎ بقوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام:١٥٣]، فالطريق الوحيد سماه الله صراطاً، والطرق الكثيرة سماها سبلاً؛ لأن الصراط أقوم، ولفظة السبل يظهر منها أثر المنفعة، كما قال ﷺ : (على كل سبيل شيطانٌ يدعو إليه)، فيمكن أن يحقق سبيل من هذه السبل، جاهاً، أو سلطاناً، أو مالاً، أو متعة؛ فهذه كلها سبل، لكنها قصيرة وهامشية لا قيمة لها، إنما طريق الله طويل جداً لكنه مستقيم؛ فالطريق إذا كان متعرجاً تحتاج إلى علامات إرشاد، أن أمامك منحنى أو أنك ستتجه باتجاه اليمين، وبدون هذه الإشارات يضل الإنسان، أما لو كان الطريق مستقيماً فلو أن الماشي كان أعمى لا ينحرف عن مشيته فإنه يصل، فطريق الله طويل نعم، لكنه مستقيم، ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣]، فهذا الطريق الوحيد أليس أوْلى أن تبحث عنه أكثر من بحثك عن لقمة الخبز في بلاد الكفر، أليس هو أولى أن تسأل عنه الليل والنهار كل من تلقى من أهل العلم، ما النجاة؟ وأين هذا الطريق، وما علامته؟ اعلم أيها الكريم! أنك لست أذكى ممن ضل، ولست أشد عبادة منه؛ الخوارج الذين خرجوا على الصحابة، تُرى هل أنت أذكى منهم؟ الجواب لا. بل هم أذكى بكثير؛ المعتزلة وسائر الفرق الثلاث والسبعين كان رءوسها من أذكياء العالم، هذا عمرو بن عبيد كان المأمون إذا رآه أنشد قائلاً: كلكم طالب صيد كلكم يمشي رويد غير عمرو بن عبيد وذلك بسبب زهده، أما من سواه فأول ما يجيء أحدهم عند أمير المؤمنين يريد يصطاد صرة من المال، فيدخل يتكلم أي كلام فيه مداهنة. كلكم طالب صيد كلكم يمشي رويد رويد: هو المشي البطيء، وعادة لا يمشي مشيةً بطيئةً إلا رجل له مأرب، إنما الرجل الذي لا يلوي على شيء تجده جاداً وسريعاً في مشيته، إنما الذي يمشي رويداً ويتلفت يمنةً ويسرة فإنما له مآرب. كلكم طالب صيد كلكم يمشي رويد غير عمرو بن عبيد وعمرو بن عبيد كان من أذكياء العالم، ومع ذلك ضل، فكيف ضل هذا وأنت اهتديت، ولست مثله في ذكائه، ولست مثله في عبادته، الرسول ﵊ وهو يقسم غنائم حنين جاءه ذو الخويصرة وقال: (يا محمد اعدل فإنك لم تعدل، قال: ويلك! ومن أحق أهل الأرض أن يعدل إذا لم أعدل أنا؟! فأراد خالد بن الوليد أن يضرب عنقه، فقال: دعه فإن له أصحاباً) وفي الرواية الأخرى قال: (دعه فإنه يخرج من ضئضئ هذا -أي: من أصله- أقوامٌ يحقر أحدكم صلاته إلى صلاتهم، وصيامه إلى صيامهم، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد) تعرفون قتل عاد؟ لما أراد الله معاقبتهم استأصلهم فصاروا كجذع نخلٍ منقعر -أي: قتلهم قتلاً ذريعاً- ولم يرحمهم. الرسول ﵊ يصف وينعت هؤلاء الأقوام للعباد الزهاد، الأكابر السادة، لـ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وأبي عبيدة بن الجراح، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن عمر، وابن مسعود، أليس هؤلاء هم الصحابة الذين يضرب بهم المثل في الجد في العبادة؟ عبد الله بن عمرو بن العاص قال: (جمعت القرآن على عهد النبي ﷺ ، فذهبت إلى النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله! افرضه عليَّ -افرض عليَّ أن أقوم بالقرآن كل ليلة- فأبى، قال: لعله أن تكون بك حياة) وقد طالت به حياة، وكان يقول: (يا ليتني قبلت رخصة رسول الله ﷺ ، لكنه كره أن يقل في العمل عما تركه عليه النبي ﵊. وهذا عبد الله بن عمرو بن العاص قصته مشهورة؛ فقد تزوج امرأته وفي ليلة الزفاف تركها وأقام الليل، قال: لشدة ما كنت أجده من العبادة، فكان عنده حب لقيام الليل، وهذا الحب أفسد عليه ليلة الزفاف، وكان أبوه عمرو بن العاص يعلم منه هذه الخصلة، فتخوف أن يكون قام ليلته تلك وترك المرأة، فجاء في الصباح وسأل زوجة ابنه ماذا فعل عبد الله؟ قالت: نعم العبد لربه لم يطأ لنا فراشاً ولم يفتش لنا كنفاً، قال: فجاءني أبي فعزمني وعضني بلسانه وقال: أنكحتك امرأة ذات حسب من قريش فأعضلتها، وجعل يقول له: كذا وكذا، وشكاه إلى الرسول ﵊، وكان من قصته ما تعلمون. إذاً: عندما يقوم عبد الله بن عمرو بن العاص الليل كله، ويقول النبي ﷺ له: (يا عبد الله! كيف تصوم النهار؟ يقول: أصوم الدهر كله)، يصوم كل يوم، فالرسول ﵊ كأنه يقول: يا عبد الله! أنت ومن على شاكلتك سيأتي زمان ينبغ فيه رجال يصلون صلاةً، فتقوم أنت وتحتقر صلاتك أمام صلاتهم وتقول: هل أنا أصلي؟ إنما هذا لعب بجانب صلاة أولئك الناس، وحين ينظر إلى صيامه -رغم أنه يصوم كل يوم- يحتقر صيامه إلى صيام هؤلاء، وكل ليلة يصلي إلى الفجر ومع ذلك يحتقر صلاته إلى صلاة هؤلاء. كيف تكون عبادتهم إذاً؟ منتهى الجد في الصلاة، ومنتهى الجد في الصيام، ومنتهى الجد في قراءة القرآن، ومع ذلك يقول الرسول ﵊: (يخرجون من الدين كما يخرج السهم) ما نفعته صلاته في تثبيت أقدامه على الطريق الحق، ولا نفعه صيامه في تثبيت أقدامه على الطريق الحق، كلما رأى مبتدعاً يلوح برايةٍ تبعه، أفأنت أشد عبادةً من هؤلاء؟ إذاً لماذا ضلوا؟ قلت لك: إن الأمر شائك وصعب، وحري بك أن تبحث عنه في وسط ثلاث وسبعين طريقاً، تفتش عن هذا الطريق الوحيد للنجاة، المسلم العاقل لا يفتر الليل والنهار، يسأل: كيف النجاة؟ وهو أولى من زيادة الدخل، كل ما شئت؛ فما زاد عن حاجتك إلى المجاري، والبس ما شئت إلى بِلى، وهذا كل ما يبحث الناس عنه، وما قطعوا أرحامهم ولا سافروا إلى بلاد الكفر إلا من أجل المال، وإشباع شهوتي البطن والفرج، الرسول ﵊ حين يقول: (افترقت الأمة على ثلاثٍ وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة) فصعب عليك المسألة. والرسول ﵊ لم يترك البيان، وما ترك لنا شيئاً مشكلاً ليس له حل، قال: (تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها) ونحن لا نعلم أبداً طريقاً ليلها كنهارها إلا هذه الطريق. إذاً لا تقل: أنا مشيت بالليل فضللت؛ لأن الليل كالنهار، قال أبو ذر وقد أبصر طائراً في السماء: (ما من طائرٍ يقلب جناحيه في السماء إلا عندنا منه علم)، وقال الله ممتناً: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣] فمن أين أوتينا؟ أوتينا من الجهل، وقلة المبالاة بالبحث عن الطريق الوحيد وسط كل هذه الطرق، ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ [الأنعام:١٥٣] هذا هو الطريق الوحيد، إن العبد لا يصدر إلا من طريقين: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص:٥٠]، هذان هما الطريقان، إما هواه أو الهدى من الله ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ [الكهف:٢٨]، هذا الطريق الأول، ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [الكهف:٢٨] وهذا الطريق الثاني، ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَ

стр. 973

التحاكم إلى القوانين الوضعية إذن هذه الآيات كلها تدور على أن العبد يصدر إما عن وحيٍ وإما عن هوى، (ما أنا عليه اليوم وأصحابي) فإذا لم يتبع العبد الوحي فما ثم إلا الهوى، أهل البدع برغم ذكائهم وبرغم جدهم وعبادتهم ضلوا؛ لأنهم خالفوا أهل الحق في منهج التلقي وفي طريقة الاستدلال؛ هذا هو سبب ضلالهم، منهج التلقي كما في الآيات التي تلوناها: الوحي، فلا تصدر إلا عن وحي، عن قرآنٍ وسنة، هذا أعذر لك حتى لو زلت بك القدم وضاق عقلك عن فهم الآية عذرت، قلت يا ربِّ! اجتهدت في طلب الحق من هذه الآية فلم أصب، هذا بخلاف الذي يعبد على غير وحيٍ. ولذلك العلماء قالوا بالنسبة للقانون الوضعي الذي تسير عليه الدولة الآن في المحاكم، وفي الجنايات، وفي العقوبات، وفي القصاص، كل القوانين التي في المحاكم الآن ضلال مبين، وهي على خلاف الشرع، ما بقي لنا من ديننا في المحاكم إلا قانون الأحوال الشخصية وقد بدلوه أو بدلوا أكثره، ففيما يتعلق بالمرأة يريدون الإجهاز على البقية الباقية من القانون، الذي هو في الأساس منتقى من مذهب أبي حنيفة، وحتى لو كان ما في هذا القانون قولاً مرجوحاً في مذهب أبي حنيفة فهو خيرٌ من القانون الفرنسي، ومع ذلك فهم يزحفون على البقية الباقية من قانون الأحوال الشخصية. فلو جاء رجلٌ فقضى بالقانون الوضعي في قضية ما، فأصاب حكم الله فهو مأزورٌ غير مأجور، ولو حكم بشرع الله وأخطأ فهو مأجورٌ غير مأزور، فما الفرق؟ الفرق أن هذا الرجل الأول اعتمد في الأصل على غير ما أنزل الله، أصاب الحق أو لم يصب لا قيمة لذلك، إنما من لطف الله بنا أن الرجل إذا أفرغ وسعه في طلب الحق واعتمد على الأدلة الشرعية وأخطأ فإنه يصيب أجراً واحداً كما قال ﵊: (إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجرٌ واحد، وإذا اجتهد فأصاب فله أجران) أي: أجر الاجتهاد وأجر إصابة الحق، والأول له أجر الاجتهاد فقط، إذاً برغم أنه أخطأ إلا أنه يؤجر أجراً واحداً، أما الأول فبالرغم من أنه أصاب حكم الله ، لكنه مأزور؛ بسبب أنه لم يعتمد على الوحي قرآناً وسنة، وهذا هو الأصل؛ لأن الحكم ليس له إلا وجهان فقط: إما وحيٌ وإما هوى.

стр. 974

أسباب الوصول إلى طريق النجاة إن أول سبيل وأنت تفتش عن الطريق الحق وسط هذا الكم من الطرق أن تبحث عما كان عليه الأصحاب في زمن الرسول ﵊ عبادةً وعقيدة، كانوا أقل الناس تكلفاً، سمة التكلف غير موجودة فيهم أبداً، حتى الورع بالرغم من أنه يحمل العبد على التكلف بترك المباح، فترك المباح تكلف، فمثلاً لو افترضنا جدلاً أن رجلاً جاء يطعم عند رجل آخر فقال: هذا الدجاج أذبحته أنت بنفسك؟ قال: لا. لكنه مذبوح في بيتي، قال: من الذي ذبحه؟ وهل من ذبحه يصلي؟ الرجل يسأل كل هذه الأسئلة بقصد ألا يأكل لحماً ذبحه رجلٌ لا يصلي، فهذا ورع أو داخلٌ في جملة الورع، لا يريد أن يطعم شيئاً فيه شبهة، ومع ذلك يلوح عليه أثر التكلف؛ لأنه مخالف لسائر الأدلة التي تبين لنا أن الأصل في ديننا اليسر، وما لم يأتك لا تتعنى البحث عنه، فتضيق على نفسك. شخص يدخل الأسواق -ومعلوم أن كثيراً من أموال الأسواق سرقة وغصب، وأن كثيراً من المحلات قائمة على قروض ربوية من البنوك- فلو دخل رجلٌ محلاً تجارياً فسأل صاحب المحل: أتقترض من البنوك؟ أتجري المبايعات على الحل، أو تقع في المبايعات المحرمة. كان ذلك تنطعاً، وهو يضيق على نفسه دائرة الحلال، إنما لو دخل واشترى فما على المحسنين من سبيل، ولا يقال له: لِمَ لم تسأل؟ لكن لو سأل وعرف، ثم احتاج بعد ذلك فاضطر إلى الشراء يلام، ويقال له: فتشت وتعنيت ولم يطلب منك، برغم أن التفتيش هذا داخل في دائرة الورع ولو في الجملة. فالصحابة حتى في ورعهم لا يلوح عليهم هذا التكلف، وقلما وجدنا صحابياً يسأل مثل هذه الأسئلة، لكن ورعهم عليه نور وهالة، لأن هذا يتماشى مع فطرهم، ليس عندهم تكلف في الأصل. فأنت في أول بحثك حتى لا تتوه اطلب سير الصحابة، واقرأ تراجمهم، وانظر كيف كانوا يركعون ويسجدون، كيف كانوا يذكرون الله ، ثم انظر في سير التابعين، وكيف تأسوا بهؤلاء الصحابة حتى تتدرج إلى العلماء المتبوعين، الأئمة الكبار كـ أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد والأوزاعي وإسحاق بن راهويه، كل هؤلاء السادة عندما تقرأ سيرهم وتمشي على طريقهم ولو تقلدهم في بعض ما تقرأ، لا تقرأ إزجاءً للفراغ، فمثلاً روي أن الإمام أحمد ﵀ أصيب بوجع فدخل عليه بعض أصحابه، وهو يئن من المرض، فقال الإمام أحمد له: حدثنا -وأحمد هو أحمد والذي يحدثه لا يبلغ في علمه نصف أحمد - فقال: حدثنا فلان عن فلان، عن طاوس أنه كان يكره الأنين في المرض، قال: فما أنَّ أحمد بعدها، فـ طاوس تابعي وأي حجة في كلام التابعي أو في فعل التابعي إنما الحجة في كلام الله ورسوله، والتأسي يكون بالصحابة، لكن الإمام أحمد بن حنبل لا يجهل قدر طاوس، وكانوا إذا رأوا كلمة الحكمة تخرج من أي فمٍ وصادفت عندهم موضعاً يتبعونها، ولما سئل بعد ذلك عن أنين المريض قال: أكرهه؛ لأن طاوس كان يكرهه، فالإنسان يتأسى بمن سبقه من أهل العلم. ذكر الإمام أحمد ما وقع له في المحنة فقال: وجلدت في يوم الإثنين وكنت صائماً ثلاثمائة جلدة حتى أغمي عليَّ عدة مرات -أي كان يفيق ويضرب ويغمى عليه- قال: فجاءني رجل لا أعرفه، وقال: يا أحمد! اصبر، قال: فكلما جلدت ذكرت الرجل وكلمته وتجلدت. فمن هذا الرجل؟ وما قيمته؟ لا نعرف له رسماً ولا اسماً ومع ذلك صار إماماً لـ أحمد، قال: يا أحمد: اصبر، والأمر بالصبر، جاء في آيات وأحاديث كثيرة، لكن كان يتأسى. فأول ما ينظر الإنسان إلى هدي الصحابة، وكيف كانوا يوجهون التابعين، يحاول أن ينفذ ولو جزءاً مما قرأ، فحين يسمع هذا الكلام يقول: أنا سأكون مثل الإمام أحمد، إذا مرضت فلن أئن، فهو في هذه الحال قد تأسى. ومن المرضى من يعد مريضاً متعباً، ومنهم من يعد مريضاً مريحاً، فالمريض المتعب، أول ما تدخل عليه يجأر بالشكوى، وقد أتي له بالأطباء، وبذل معه كل ما يستطيعه البشر، ومع ذلك فهو يئن، فلا يستطيع القائم عليه أن ينام هو الآخر، بسبب هذا المريض الذي يكثر من الشكوى، وهناك مريض مريح، إذا دخلت عليه قال: الحمد لله لا تشغل نفسك بي، ويقول هذا الكلام وهو يتوجع، فتصور لو أن هذا المريض ترك الأنين لأراح من حوله ولتمكنوا من الاشتغال بأعمالهم دون إشغال فكرهم بحال مريضهم. فالإنسان إذا قرأ مثل هذا وتأسى يكون له في ذلك منافع، لكن أيضاً لابد من النظر فيمن يتأسى، فلا يتأسى إلا بمثل طاوس بن كيسان ﵀، فضلاً عن الصحابة الكبار، ومنهم الصحابي الكبير جرير بن عبد الله البجلي، حين أرسل غلامه إلى السوق ليشتري فرساً وكان الغلام ذكياً وحاذقاً (والتجارة شطارة) واستطاع أن يشتري فرساً من رجل بثلاثمائة درهم وكانت فرساً قوية، وجاء جذلان فرحان، وجاء معه صاحب الفرس إلى جرير لينقده الثمن، فـ جرير بن عبد الله نظر إلى الفرس وقال: بكم اشتريت هذا؟ قال: بثلاثمائة درهم، قال: يا صاحب الفرس إن فرسك تساوي أربعمائة، قال له الرجل: بعتك: قال: تساوي خمسمائة، ستمائة إلى أن وصل إلى ثمانمائة، وفي كل ذلك يقول الرجل: بعتك، فارتفع السعر من ثلاثمائة درهم إلى ثمانمائة درهم، يعني: بلغ الفرق خمسمائة درهم، وهو ما يساوي قيمة فرسين، وجرير بن عبد الله هو الذي سيدفع، فلما أعطاه الثمانمائة درهم وخرج الرجل -صاحب الفرس- بقي الغلام مذهولاً، قال لـ جرير: ما هذا الذي صنعت، قال: (إني بايعت رسول الله ﷺ على النصح لكل مسلم)، هذا هو النصح، فرسه تساوي ثمانمائة، لماذا تنقص في السعر؟ فانظر إلى حفظ العهد، ولذلك سادوا. أنت تنقص سعر السلعة وتكسب خمسمائة درهم وتذهب تصرفها عند الطبيب، آه لو قدرها العبد تقديراً صحيحاً، لأدرك أنه يخسر بهذه الطريقة، والدراهم التي يخسرها في المبايعات كلها بسبب الذنوب لو يدري، لو كان عاقلاً لدفع المال صدقة اتقاء المعصية وشؤمها، وهو الرابح على أية حال، لكنه قصير النظر، لا يدري ما تحت شراك نعله، لذلك خسارته متوالية وهو لا يدري، والعجيب أنه يخطئ في نفس الموضع أكثر من مرة ولا ينتبه؛ كأنه أعمى لا يرى، إنما الهدى هدى الله، لذلك قال جرير: (بايعت رسول الله ﷺ على النصح) ولو دفعت خمسمائة درهم زيادة خير لك من أن تخسر ذمة الله ورسوله بثمنٍ بخس، فلا تنقض عهد المبايعة بخمسمائة درهم، بل أوف بالعهد، وأعط الخمسمائة درهم وأنت الرابح، هكذا كان التزام السلف، إذا سمعوا الأمر لم يتجاوزوه ولو كان مُراً. أبو قتادة ﵁ جلس مع النبي ﷺ ، فسمعه يقول: (لا يمسن أحدكم ذكره بيمينه) قال: فما مسست ذكري بيميني قط، وصحابي شهد بيعة الرضوان، قال: (والله ما مسست ذكري بيمني مذ بايعت) حتى تظل هذه اليد آخر عهدها بيعة الرضوان، وقد يشق عليه الأمر، وقد يكون في موضع يحتاج أن يمس ذكره بيمينه في الاستنجاء، ومع ذلك لا يفعل، وما ذاك إلا لحفظ العهد، وكل النصوص في القرآن والسنة عبارة عن عهود ومواثيق متروكة لك، فلا تخسر ذمة الله ورسوله، وعظِّم الأمر أن تتركه، وعظِّم النهي أن تأتيه؛ يكون أسلم لك، فهذه هي بداية الطريق، وشياطين الإنس والجن على جنباته يتقاذفونك حتى لا تضع قدميك على هذا الطريق.

стр. 975

دور الإعلام المضلل في الصد عن طريق النجاة الإعلام المضلل الآن، سواءً كان مرئياً أو مسموعاً أو مقروءاً، كل ذلك صد عن هذا الطريق الوحيد، الذي فيه النجاة، فأنت يا أخي ليس لك معين، وإن وجد المعينون على سلوك هذا الطريق فهم أقل من القليل. وقد كانوا إذا عدوا قليلاً فقد صاروا أقل من القليل أما آن لك أن تدرك حجم المحنة التي تمر بها، أنت في محنةٍ فعلاً؛ محنة حقيقة، والأَمَر من عدم سلوك الطريق، عدم إحساس العبد بأنه مبتلى، وهذا أشد من البلاء، يعني لو أصيب الرجل بمرض يسير وكابر وقال: أنا لست بمريض، فقيل له: إن بوادر المرض ظاهرة عليك، فقال: لا. أنا صحيح معافى، وأبى أن يأخذ الدواء، أليس من الجائز أن يقتله هذا المرض اليسير (إذا كان عدوك نملة فلا تنم له). لا تنم لعدوك لو كان نملة، فمن الجائز أن يموت العبد بهذا المرض اليسير لأنه كابر، وقد يصاب العبد بمرضٍ عضال ويلتمس له العلاج ويبرأ. إذاً عدم تسليم العبد بالمرض أشد عليه من المرض ولو كان فتاكاً، وعدم إحساس العبد أنه في محنة في وسط هذه التيارات، وعلى كل سبيل شيطانٌ يدعو إليه، وأهل البدع عندهم إمكانيات، ولهم دول، ولهم مجلات. وعلى سبيل المثال فإن تقي الدين صاحب الفاكهة -يسمونه تقي الدين، من باب تسمية الشيء بغير اسمه الحقيقي- هو رئيس المجلس الصوفي العالمي، عندما جاء إلى هنا آخر مرة قبل خمس سنوات أو ست سنوات قدم عدة ملايين، على صورة إعانة والقصد منها نشر الصوفية، فالفكر الصوفي هذا هو التنويم المغناطيسي، يجعل منك بطلاً مجاناً، لا تريق دماً ولا تقول كلمة حق، ولا تقوم الليل، ولا تصوم النهار وأنت في جنات عدنٍ، المطلوب منك أن تأكل الديك وبعدها تقوم تهضم، ويكون زاد الداعية الأحاديث الضعيفة والموضوعة والمكذوبة، لا أعلم على وجه الأرض أكثر كذباً على الله ورسوله من هؤلاء الصوفية. يأتي أحدهم ويقول لك: (الرسول ﵊ أكل ثم جاء رجلٌ فأنشد: (لسعت حية الهوى كبدي)، فجعل يتمايل إلى أن سقط برده من على كتفيه)، يعني من كثرة الوجد والعشق تمايل حتى سقطت البردة من على كتفيه، هذا هو زاد الصوفية، طبعاً الكلام هذا مختلط بقليل شرك، وزندقة -نسأل الله السلامة- فيؤتى بالملايين وتنفق لنشر مثل هذه العقائد، إن الصوفية هم الذين أدخلوا الحملة الفرنسية، والجبرتي الذي يعتبر مؤرخ العصر أرخ لهذه العملية، اقرأ تاريخ الجبرتي وانظر كيف دخل الفرنسيون إلى مصر، فالصوفية هي أفيون الشعوب ومع ذلك ينفق عليها الملايين ولو تساءلنا عن الجماعة التي تحج وتعتمر منهم كل سنة من أين يأتون بالمال، وأين رأس مالهم، فلا تكاد تجد إجابة. ومع ذلك لو جيء رجل من أهل الحق ووجد عنده بعض الكتب، لاتهم بأنه يتلقى تمويلاً خارجياً! ولو ركب سيارة لقيل له: من أين لك هذا؟! وإذا وجد عنده قطعة أرض قيل: الأموال آتية من إيران. رغم أننا أعداء إيران، ونحن لا نحبهم ونبغضهم ونقر أنهم مبتدعة، ومع ذلك نتهم بأن تمويلنا آتٍ من إيران، وهو من المفارقات العجيبة. وذات مرة دخل عليَّ رجل ونظر في كتاب عندي -الكتاب مطبوع في بيروت ومن المعلوم أن لبنان تعد معقلاً للطباعة في الدنيا- وقال: وجاء لك هذا الكتاب من بيروت، ومع ذلك فالواقع يقول أنه ليس في أيدينا شيء، وليس عندنا إمكانات على الإطلاق إلا هذا الوهج من الحق الذي نقوله. فأنت حين تبحث عن الطريق الوحيد اعلم أن أهل البدع معهم إمكانات كثيرة جداً، وأنت ليس عندك إمكانات، ويا ليتهم تركوك تمضي وحدك، إنما يجتالونك، ويضعون العراقيل في سبيلك، فأنت في محنةٍ حقاً، فلابد أن تقدر للأمر عدته؛ حتى لا تفاجأ وينصرف عزمك عن مواصلة السير على طريق الله الطويل المستقيم. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

стр. 976

مخالفة أهل البدع لأهل السنة في منهجي التلقي والاستدلال الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن، والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. إن الفرق انقسمت إلى ثلاث وسبعين فرقة واحدة فقط في الجنة، واثنتين وسبعين في النار، وهم أهل البدع، وهم يخالفوننا في منهج التلقي، ويخالفوننا في منهج الاستدلال، ولهم مخالفات أخرى جسيمة كثيرة، لكن هذان الأمران هما أبرز ما عندهم، وكل ما يجيء بعد ذلك، فرعٌ عنهما. وقلنا: إن منهج التلقي لا يكون إلا من طريقٍ واحد، وهذا فيه رد صريح على الصوفية؛ الذين يقولون: إن الطرق إلى الله بعدد أنفاس البشر، والرسول ﵊ في خطبة الحاجة التي كان يخطبها دائماً، كان يقول: (وخير الهدي هدي محمد)، إذاً: فليس هناك إلا طريقٌ واحد، ومع ذلك يأتي من يقول لك: عدد الطرق بعدد أنفاس البشر، أنفاس البشر لا تحصى، مئات الملايين من الطرق، لذلك كلما هووا شيئاً جعلوه ديناً؛ بسبب هذه المقالة، حتى وصل الأمر ببعض رءوسهم أيام ابن الجوزي إلى ترك الصلاة، لماذا؟ لأنهم أيضاً يخالفوننا في منهج الاستدلال، القرآن لا يستطيع أحد اللعب فيه ولا إدخال ما ليس منه فيه، ولا إخراج شيء من القرآن؛ لأن القرآن محفوظ بحفظ الله ، ولو وكله إلينا لضيعناه، كما فعل اليهود والنصارى، لما جعل حفظ التوراة والإنجيل إليهم حرفوه، والنفس البشرية واحدة. وهم الآن يلعبون بآيات الله عن طريق تحريف المعاني، بعدما عجزوا عن تحريف اللفظ، ولو ترك الله الحفظ لنا لحرفوه أيضاً بعدما هانت عليهم الآيات فحرفوا المعاني ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، فاللفظ محفوظ، لكن من أولئك من يأتي ويلعب بالمعنى، فذكر ابن الجوزي ﵀ قال: وبعض أكابرهم هنا لا يصلي، فلما سئل عن ذلك، قال: إن الله يقول: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩] وأنا قد جاءني اليقين. فمعنى الآية في فهم هذا المخذول: أي إذا وصلك اليقين كف عن عبادة ربك؛ لأن لفظ (حتى) حرفٌ لانتهاء الغاية. كما لو قلت لك: ذاكر حتى تمل، أو صم حتى تضعف، أو كل حتى تشبع، (حتى) حرفٌ لانتهاء الغاية، فتكون وصلت إلى نهايتك في الشبع، وفي التعب، وفي الملل، فاعبد ربك حتى يأتيك اليقين، فإذا وصلك اليقين فكف عن عبادة ربك؛ لأن اليقين هو الغاية. قال ابن الجوزي: ويقول: وصلت وصدق. إنما إلى سقر؛ لأن الرسول ﵊ وهو أسدّ الناس طريقةً وأعظمهم يقيناً ما علمناه ترك الصلاة ولا ترك الصيام، فيكون هذا اتهام للرسول ﵊ أنه مات ولم يصله اليقين. والقائل بهذا حاله كالمستجير من الرمضاء بالنار، أراد أن يجد لنفسه عذراً سائغاً، فاتهم رسول الله ﷺ أنه لم يصله اليقين. ومنهج التلقي هو قرآن وسنة، لكن لابد أن يكون بفهم السلف الصالح أصحاب هذا الطريق الوحيد، (ما أنا عليه اليوم وأصحابي). وكما قال مالك ﵀: ما لم يكن يومئذٍ ديناً فلا يكون اليوم ديناً. هم أوْلى بالدين وعاينوه غضاً طرياً، وسألوا عنه صاحبه، وأدرى الناس بمراد الله ورسوله، فهم أولى بالاتباع. فمنهج التلقي ينبغي أن يكون محصوراً في الطريق الواحد؛ طريق القرآن والسنة، وبما أن النص قد وصلنا فيبقى النظر في هذا النص وما دلالاته؟ وماذا يريد الله منا بهذا؟ فخالفنا أهل البدع أيضاً في منهج الاستدلال ومنهج الفهم من النصوص، مثلما خالفونا في الأول. فـ إبراهيم النظام وهو أحد أكابر المعتزلة ينكر حديث انشقاق القمر، ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر:١]، فهو يقول: القرآن حق وانشق القمر في القيامة، حين تصير السماء واهية وتنكدر النجوم وتصير الجبال كالعهن ينشق القمر، وينكر أن يكون القمر قد انشق في مكة، ويزعم قائلاً: إن القمر لا ينشق لـ ابن مسعود وحده. فنقول لهذا الجاهل: ليس ابن مسعود فقط هو الذي روى هذا الحديث، رواه أمة من الصحابة. لكنه جاهل بالحديث، جاهل بطريقة نقل السنة؛ لأنه أخذ طريقاً من الثلاثة والسبعين غير الطريق المنجي، لذلك فهم جهله، لا يعرفون شيئاً عن هدي الصحابة ولا عن سمتهم ولا دلهم، فيقول: القمر آية من الآيات العظيمة فهل يعقل أن يكون الناس كلهم نائمين وابن مسعود رأى القمر وحده؟!! وهذه آية لو رآها أهل الشرك لضلت أعناقهم لها خاضعين، فكيف لم يسلموا؟ فينكر النصوص ويهدم بمعول الباطل نصوص الحق؛ لأنه جاهل ومعادٍ، وقد رأى انشقاق القمر الكثير من الناس، كالقوافل التي كانت تمشي بالليل، رأت القمر فلقتين، فلقة هنا، وفلقة هنا.

стр. 977

اعتماد أهل البدع على المناهج الفلسفية للصد عن المنهج الحق إن من المبايعات الربوية التي يرعاها اليهود ودخلت بلاد المسلمين عن طريق البنوك، أن يقال لك: أنت تأخذ قرضاً لخمسة وأربعين يوماً، في اليوم الأول بخمسة قروش، وفي الثاني بعشرة قروش، وفي الثالث بأحد عشر قرشاً، وفي الرابع بأحد عشر قرشاً ونصف، وفي الأسبوع الثاني بخمسة وعشرين، فإن سألت عن أساس هذه المعاملة قال لك: هذا هو شغلنا وهذا هو نظامنا. فتقول له: ولكنكم تعسرون على الخلق، وكثير منهم سيموتون تحت الأرجل، قال لك: هذا ليس مهماً، نحن نريد أن نسيطر على قرارات الدول المستضعفة التي تعيش على هامش الحياة، وندخل في ميزانيتها، فنأتي لمن يزرعون القمح ونقول لهم: لماذا تزرعون قمحاً وتتعبون، ازرعوا عنباً، ونحن سنأخذه منكم بالعملة الصعبة، يعني العنب في بلدنا -وهذا الكلام على لسان ذاك الأخرق- يقول لك: العنب في بلدنا مثلاً يعطي اثنين جنيه ونصف، أنت ازرع العنب وأنا سآخذه منك بعشرة جنيهات، فالغافل يفرح، ويقول: أنا أبيع العنب بعشرة جنيه، وأشتري القمح الرخيص واستفيد بهامش الربح، فإذا زرع الأرض عنباً وجوافة، وجعل كل المسطحات الزراعية جوافة وعنباً حتى يصير المكسب سهلاً، ولا يستطيع أحد أن يتنازل عن مستوى حياته الجديد، ولسان حاله يقول: إنه في آخر السنة بعد قضاء كل مستلزماتي يتبقى لي عشرة أو خمسة عشر ألف جنيه، أصلح بها من حالي، وأنا الآن غير مستعد أن أنزل عن هذا المستوى، فإذا وصلت إلى هذا المستوى، قيل لك: العنب كثر عندنا والقمح قل. فنقول: ما الحل أنا لا أستطيع الاستغناء عن رغيف الخبز، فيقال لك: إذاً لا داعي لأن تبعث لنا عنباً، وسنحاول أن نعطيك القمح بقدر المستطاع، فيبدأ عندها التنبه إلى خطورة ترك زراعة القمح، ولكن بعد أن تكون القوى الاقتصادية العالمية قد أطبقت قبضتها على اقتصاد البلد. وإذا قلت لهذه القوى الاقتصادية: الناس في الصومال المسلمة يموتون من الجوع، وأنتم ترمون القمح والبر والشعير واللبن في المحيط، قالوا: حفاظاً على الأسعار، وهذا نظام اقتصادي عالمي. أهل البدع فعلوا مثلما فعل هؤلاء، فيأتي أحدهم ويقول: إن أصحاب الحق عندهم سهام قوية جداً، وإلزامات خطيرة، وكي أهرب منهم وأتقي ضربتهم أقوم بوضع أصل مخترع من عندي، وحين يقول لي أحدهم: قال الله أقول له: أين المطلق؟ وأين المقيد؟ وأين الخاص؟ وأين العام؟ وأتوهه، وأقول له: لابد من فهم كذا، والمقدمة المنطقية الفلسفية وأتوهه، وإذا كثرت التفاصيل تاه الأصل والمراد. ولذلك فإن قصص القرآن يجتنب الخوض في التفاصيل: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ [الكهف:٢٥]، كيف عاشوا وما حكايتهم، ولو جاءت التفاصيل: فقيل: وأشرقت الشمس، وهبت الريح، وغربت الشمس، ونبح الكلب، وعندما يصل إلى المهم في القصة يكون دماغك قد امتلأ بتفاصيل لا قيمة لها، ومن المعروف أنه إذا كثرت التفاصيل ضاع العقل وتاه، فهذا الذي صنعه أهل البدع، ولعلنا نبسط شيئاً يسيراً من ذلك بعد الصلاة. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم. اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين. اللهم اجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر. اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

стр. 978

اعتماد أهل البدع منهج التشنيع على المحدثين للطعن في منهج أهل السنة السلفيون لهم مِنَّة في أعناق جميع المسلمين؛ لأنهم أصحاب المواجهة ضد الثنتين والسبعين فرقة، في اثنتين وسبعين جبهة مفتوحة ضد الطائفة المنصورة، صاحبة الطريق الوحيد، وقد ظهر ذلك في حياة الإمام أحمد بن حنبل، وفي حياة شيخ الإسلام ابن تيمية. لذلك فالتشغيب قائم على قدمٍ وساق ضد هذه الطائفة؛ لأنهم هم الذين يفضحون هؤلاء المبتدعة، ويغزونهم في عقر دارهم، ولا يجد المعتزلة لها عدواً مثل السلفيين، ولا يجد الأشاعرة لهم عدواً مثل السلفيين؛ لأن من عادة أهل البدع أنهم يداهنون أهل الباطل؛ ليسلكوا مذهبهم، لا مانع عند المبتدع أن يرى الرجل على طامة من الطامات فيدعه، يقول لك: دعه يهلك، المهم أننا نتخذه جسراً ونمر عليه. أما أصحاب الطريق الواحد؛ الطريق الوحيد الذي تكلمنا عليه: (ما أنا عليه وأصحابي)، يرى أن هذا من الغش، لذلك فإن لهم في كل وادٍ معركة، وشيخ الإسلام ابن تيمية حامل لواء الدعوة السلفية المباركة في القرن الثامن الهجري، كتبه كلها عبارة عن جولات حربية مع المخالفين في الأصول وفي مسائل الإيمان، وفي التوحيد، والأسماء والصفات، بل وحتى مع المخالفين في المسائل الفقهية الجزئية مثل الطهارة والصلاة والزكاة والحدود والديات وغيرها. كل هذا سببه ماذا؟ أننا نستقي من الوحي، وأن مصدر التلقي عندنا مخالف لمصدر التلقي عند المبتدعة، ومصدر الاستدلال عندنا مختلف عن مصادر الاستدلال عند المبتدعة. نبتت نابتة في القرن الثالث الهجري في العراق أزرت على المحدثين وأظهرتهم في ثياب النقص والجهل وأنهم لا يعرفون الفقه، ولعلكم تعلمون أن الذي يغلب على طابع المحدثين هو التمذهب بمذهب السلف، وأسعد الناس بنهج هذا الطريق الوحيد هم المحدثون؛ لأن المحدث كل حياته: حدثنا فلان عن فلان عن فلان، فهو مثل القطار طريقه محدد لا يستطيع أن يخرج عنه، وكلما تسأله عن مسألة يقول لك: أخبرني فلان عن فلان عن فلان، ولابد أن يصل إلى صحابي أو إلى تابعي أو يصل إلى الرسول ﵊. وهذا المعنى الذي عبر عنه سفيان الثوري ﵀ حين قال: (الحديث درج والرأي مرج)، والمرج: مفرد مروج وهي السهول الواسعة الفيحاء، والدرج هو السُلَّم، قال: (الحديث درج والرأي مرج) أي: الحديث درج مثل سكة القطار، فإذا أردت الكلام في المسألة الفلانية لابد أن يكون عندك حديث للرسول ﷺ ، أو قول لصحابي، أو قول لتابعي، أو قول لعالم، المهم لابد أن ترجع إلى أحد، أما الرأي فهو مرج حيث تعمل عقلك في المسألة حتى تصل إلى رأي، فالمرج: هو المكان الواسع الفسيح، فإذا كنت على الدرج -أي كنت على السُلَّم- فاحذر أن تزل قدمك فتندق عنقك، لأن فلتة الرِجل عن السُلِّم ثمنها غال، فما معنى ذلك؟ معناه: إذا أفلت من الدليل فإن ذلك ثمنه غال، أما إذا كنت في المرج فسر حيث شئت، فالمحدثون أشهر من مشى على هذا الطريق وأبرزهم. فطلعت نابتة في القرن الثالث الهجري يتهمون أهل الحديث بالجمود، وأن حياة المحدث محصورة في: حدثنا وأخبرنا، لكن أول ما يأتي الفقه يسكت، وفي أحد مجالس هؤلاء قال أحدهم: مساكين أصحاب الحديث، لا يعرفون شيئاً في الفقه، قال الحسن بن عمر الهسنجاني -راوي هذه الرواية-: وكانت بي علة وكنت في أواخر الناس فزحفت إليه ثم قلت له: اختلف أصحاب النبي ﷺ في الجراحات فماذا قال علي، وماذا قال عمر، وماذا قال ابن مسعود؟ فسكت، قال له: واختلفوا في الأرش -دية الأصابع- فماذا قال عبد الله بن عمر، وماذا قال ابن مسعود، وماذا قال عثمان؟ فسكت. فجعل يعطيه مسائل من هذا النمط، واختلفوا في كذا، فماذا قال فلان، وماذا قال علان، والرجل صامت، ثم قال له: تعيب عليهم شيئاً لا يحسنونه بزعمك، وأنت لا تعرفه؟! فحين تظهر مثل هذه النابتة، ويأتي من يتكلم في أصل الدين من أهل العلم، يقال له: أنت لا تفهم في الفقه، دع الفقه لأهله، ثم يدعوه للمناظرة ويقول: هيا بنا ندخل ميدان المبارزة، فإذا قال المحدث: قال رسول الله ﷺ : (من بدل دينه فاقتلوه)، يرد عليه قائلاً: لا. هذا الحديث لابد أن نفهمه على ضوء الآية، ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:٦]، فالرجل حر، يدين كما يشاء، وهذا دليل من القرآن وهذا دليل من السنة وإذا حصل تعارض يقدم القرآن على السنة، وبهذا يكون قد لبس في هذه المسألة، وبجانب هذه الكلمتين يرفع صوته بالصياح، ولا يترك لك مجالاً للكلام، وإذا به يخرج وهو ينفض يديه قائلاً: هؤلاء لا يفهمون شيئاً، وأغلب العوام ينطبق عليهم القول القائل: (أول سارٍ غره قمر) فالعوام لا تحقيق عندهم، ولا يسمعون إلا للصوت المرتفع، فهذه طبيعة عند العوام، ويظل ذاك الداعية الناصح يحاول عرض بضاعته في أي مكان، إلا أنه يلقى صدوداً من الناس، لماذا؟ لأنه لم يفهم شيئاً في الفقه -بزعمهم-. فهذه من الأشياء التي تترس بها أهل البدع ضد ضربات أهل الحق، ولذلك لابد لصاحب الحق أن يكون طويل النفس. سألني أحدهم مرة فقال: لماذا تزيد كراهة الناس للعالم المقاتل؟ وضرب مثالاً بالإمام عبد الله بن المبارك، والإمام أحمد بن حنبل. عبد الله بن المبارك إمام مجاهد، زاهد عابد، هذا الرجل حين تقرأ سيرته تشعر أنه ليس في الدنيا مثله، فقد كان شامة في عصره كان جواداً، وكان تاجراً ناجحاً جداً، فكان عبد الله ينفق على ستة من أعلام عصره، وكان ينفق عليهم من حر ماله، وكان يقول: (لولا هؤلاء ما اتجرت) يعني: كان يتاجر خصيصاً حتى ينفق على هؤلاء الستة الذين لو بصق الرجل منهم بصقة فتقاسمناها لخرج كل من في المسجد علماء فكان عبد الله ينفق على سفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة، وإسماعيل بن علية، والفضيل بن عياض، وكان يخصص لهم الرواتب أول كل شهر، ومرة جاءه رجل متسول، فأعطاه عشرة دراهم، فقال له رجل: إنه لا يأكل إلا الشوى -مثل ما نقول نحن: هذا الرجل معه فلوس وهو أغنى منك- أي كأنه يقول: يا إمام تعطيه عشرة دراهم، وهو لا يأكل اللحمة إلا مشوية على الفحم، قال: آلله؟ قال: آلله! قال: إذاً هو يحتاج إلى أكل، فلا تكفيه عشرة دراهم، فأرسل له بمائة درهم. فكان يرى أن النفقة في الله، وليس عنده فرق أأخذها من يستحق أو من لا يستحق، بينما نحن عندنا شح في هذه المسألة، ونتذرع بحجة أن هذا لا يستحق، حتى وإن كان لا يستحق فأنت لا تعامله، يعني: ضع الصدقة في يدي ودعها تذهب إلى غير مكانها، ألست مأجوراً؟! ألست أنت تعامل الله ؟ فكان عبد الله بن المبارك لا فرق عنده فيمن يأخذ الصدقة أيأكل لحماً أو غير ذلك؛ لأنه رجل يضع الصدقة ويعلم أنه يعامل الله . ذهب ابن المبارك ذات مرة إلى الحج هو وغلامه وكان معهم أكل معفن فرموه في المزبلة، وبينما هو جالس إذ رأى بنتاً صغيرة ذهبت وأخذت الكيس الذي رموه في المزبلة ودخلت بيتها بسرعة، وجاء أخوها ووجد طائراً ميتاً فأخذه ودخل مسرعاً، فلفت نظره المنظر، فذهب وطرق الباب عليهم وقال: ما الحكاية؟ قالت البنت: والله ما لنا نفقة منذ ثلاثة أيام، وقد حلت لنا الميتة، فقال لغلامه: كم معك من المال، قال: معي أربعون ديناراً، قال: هات خمسة وثلاثين، وأعطاها للولد والبنت وقال: خمسة دراهم تكفينا للرجوع إلى البلد مرةً أخرى، هذا أفضل من حجنا هذا العام، فقد كان رجلاً فقيهاً، بالإضافة إلى أنه مجاهد، يضرب به المثل، أول ما يذكر المجاهدون إذا عبد الله بن المبارك على رأسهم، كأنه مرابط على الحدود، وكان في غزوة من الغزوات فأبلى فيها بلاءً عظيماً، ولما جاءوا يقسمون الغنائم تركهم وانصرف، فلما سئل عن ذلك أجاب بأنه لم يأت للمغانم وإنما جاء للجهاد أما الغنائم فيتركها للناس. أما من ناحية الحديث والفقه فكان ثبتاً وإماماً كبيراً، -وأنا حين أتحدث عن عبد الله بن المبارك فإنما أتحدث عنه حديث المحب المتيم، فلو قرأت سيرة عبد الله بن المبارك لعذرتني، رغم تقصيري في حقه لأن الموضع ليس موضع شرح سيرة عبد الله، لكن الحديث ذو شجون، والواحد إذا أحب أحداً أطال الحديث عنه. فصاحبنا يقول لي يوم أمس: لماذا عبد الله بن المبارك لم يكن له خصوم يكرهونه بخلاف أحمد بن حنبل؟ قلت: لأن أحمد بن حنبل كان مقاتلاً يدك الحصون، وجاء وقت دك حصون المبتدعة، ونحن نسلم أنه لو كان عبد الله بن المبارك موجوداً في زمن أحمد بن حنبل لكان فعل مثلما فعل أحمد إن شاء الله، فالذي يهاجم ليس كالرجل الساكن، فالساكن لا خصوم له، إنما الرجل الذي يناوئ هذا ويناقش هذا ويدك معقل هذا المبتدع، لابد من أن تجد له خصوماً بصفة مستمرة، وكلما كثر خصوم الرجل في الحق دل ذلك على نباهته، وعلى علمه وذكائه، وهذا مستقى من قول النبي ﵊: (كذلك نحن معاشر الأنبياء نبتلى ثم تكون العاقبة لنا، وأشد الناس بلاءً الأنبياء، فالصالحون ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى المرء على قدر دينه) فأهل البدع لهم أصول يضعونها ليتخلصوا بها من دلالات النصوص، وعفا الله عن أبي الحسن الكرخي -أحد أصحاب أبي حنيفة ﵀ كان يقول: كل آيةٍ وحديثٍ يخالف ما عليه أصحابنا فهو مؤول أو منسوخ. يعني كلام أصحابه هو الأصل، وكلام الله ورسوله هو الفرع، أي: إذا حصل التعارض يكون كلام الله إما منسوخاً أو يحمل على غير ظاهره، فهل هذا من تعظيم النصوص؟! إن تعظيم النص أن يكون كلام الله ورسوله هو الأصل، كما قال

стр. 979

فرار بعض أهل البدع من تشبيه الله بخلقه حملهم على نفي الصفات بالكلية إن الدعاوى التي يطلقها أهل البدع إنما يتخذون منها متاريس يضعونها كعراقيل، والأدهى والأمر أنهم وضعوا متاريس ضخمة جداً في مقابل نصوص الوحي في العقيدة، وكلٌ منهم يطلب التنزيه، لكنهم يطلبون ما لا يدرك بالعقل، فالقمر وهو مخلوق، لو قلت لك: صف لي سطح القمر، وصف لي حجارة القمر، وصف لي جسمه، وصف لي هذه الأجرام التي تدور بسرعةٍ مذهلة، وهي تعد بالمليارات، فلن تستطيع؛ لأن العقل لا يستطيع أن يصف إلا ما وقع تحت الحواس، التي تعد البوابات للعقل، فما غاب عن أي حاسة من الحواس الخمس لا يستطيع العقل وصفه، والرسول ﵊ أشار إلى ذلك، لما ذكر الجنة فقال: (فيها ما لا عينٌ رأت -فتستطيع أن تصفه- ولا أذنٌ سمعت)، إن أكثر حاستين يعمل بهما الإنسان ويستخدمهما العقل السمع والبصر، وبعد ذلك قال لك حتى لا تبحث كثيراً: (ولا خطر على قلب بشر)، انظر إلى نفسك حين تجلس للتأمل وتطلق العنان لخيالك فإنك لا تستطيع أن تصف ما في الجنة وهي مخلوقة، فهل تستطيع أن تصف الله؟!! فأهل البدع وقعوا في هذا الأمر فقالوا: نحن نطلب تنزيه الله عن النقص، وإذا قرأت عليه قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠]، قال لك: لو كان لله يد لكانت مثل أيدينا، والله ليس كمثله أحد، إذاً ليس له يد، وأنا أنزه الله، فتقول له: ثبت أن الله له يد، فيقول: أنت مجسم، وأنت ضال؛ لأنك تثبت لله يداً، ومعنى أن له يداً أنك تشبه الله بخلقه، فأنا أولى بالحق منك؛ لأنني منزهٌ وأنت مجسم. فإن قلنا له: إذا كان مطلبك إثبات التنزيه لله فما هو رأيك في الصحابة؟ ترى أنهم ماتوا وقد نزهوا الله، أو ضلوا عن التنزيه؟ فليس له عندها إلا أن يقول: إنهم نزهوا الله، فتقول: هلم ننظر إلى سيرتهم، وإلى فهمهم فما ثبت عنهم نعض عليه بالنواجذ، وما لم يثبت عنهم نرميه في البحر. وأي طالب للحق لن يرد هذا الكلام، ولا يتصور أن الصحابة الذين نقلوا لنا الدين ماتوا على ضلال ولم يعرفوا الله، والمتصور أن هؤلاء الذين نقلوا لنا هذه الأدلة التي نحتج بها الآن هم أفهم لها منا، أو على الأقل فهمهم كفهمنا فلماذا، لا نطلب طريقة هؤلاء الصحابة؟!! وقد رد ابن قتيبة ﵀ على هؤلاء برد جميل، يقول: أنتم نفيتم أن لله يداً، فما هي اليد عندكم؟ يقولون: اليد بمعنى النعمة، كما تقول: فلانٌ له عليَّ يدٌ وله عليَّ أيادٍ، فلان صاحب الأيادي البيضاء، ففلان له عليَّ يد أي: ليس بمعنى أنه يضع يده عليَّ، بل هي بمعنى: له عليَّ نعمة وجميل. فـ ابن قتيبة ﵀ رد عليهم بقوله: اليد التي هي بمعنى النعمة، تفرد في كلام العرب وتجمع، إلا أنها لا تثنى، فتقول: فلانٌ له عليَّ يد (بالمفرد) وله عليَّ أيادٍ (بالجمع)، ولا تقول فلانٌ له عليَّ يدان (بالمثنى). وقد جاء في كتاب الله قوله : ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ﴾ [المائدة:٦٤] فجاءت بالمثنى فدل على أن المقصود هنا اليد على الحقيقة، وليس المقصود بها النعمة، ولا المقصود بها القوة، كما في قوله: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠]، فهذا يكون بمعنى التأييد والقوة والعون وغيرها من هذه الأشياء. فنقول: هل يضر ونحن نسلم أن الله ليس كمثله شيء أن يكون له يدٌ ليس كمثلها شيء؟ الجواب لا يضر، فلماذا لا تتبنى هذا القول، وفيه إثباتٌ للنص؟ إذا كان هناك قولان، قولٌ إذا تبنيته أهدرت النص وألغيته، وقولٌ إذا تبنيته أبقيت النص، فلا خلاف عند الكل أن القول الثاني أولى، لماذا؟ لأنك أبقيت النص وقلت قولاً لا يصادمه لاسيما وأنا معترفٌ أنا والخصم أن الله ﵎ له حياة، وأنا أيضاً لي حياة ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥]، ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء:٣٠]، فهذه (حي) والأخرى: (الحي)، إذاً أنا حيٌ لأني أتكلم، وأحرك جوارحي، فهل تسلم أن لله حياة؟ نعم. وتسلم أن لي حياة؟ نعم. وهل حياتي كحياته؟ لا. فلماذا لم تنف الحياة عنه بما أنك أثبتها لي، فعندها لن يستطيع الرد. ولو قلنا أنك أثبت له حياة تليق بجلاله، وأثبت لي حياة تليق بي، فلماذا لا تقول: وله يدٌ تليق بجلاله كحياته، وأنت لك يدٌ تليق بك كحياتك؟ ولماذا لا تقول: له إصبع وله قدم وتثبت سائر ما أثبته الله لنفسه، وما أثبته رسوله ﷺ له في إطار ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]؟ فانظر ما أحلى هذا الكلام، مثل الماء لا يصادم فطرة ولا يتعب عقلاً، أما صاحب البدعة فإنه يدور بك في متاهات أقواله وفي النهاية ترى أنك ذاهب إلى سراب بقيعة، لكن الكلام الذي قلته الآن هو كلام الصحابة والتابعين، وهو الكلام الذي إذا سمعه أي إنسان فإنه لا يرده، فإننا نثبت ما أثبته الله لنفسه وننفي عنه ما نفاه عن نفسه، فقد نفى المثلية وأثبت الصفة، فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] في النفي ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] في الإثبات، فيكون نفى المثلية وأثبت السمع والبصر، فماذا نفهم من هذا؟ أنه (سميع) وليس كمثله سمعٌ، (بصير) وليس كمثله بصر، وكذلك له يدٌ ليس كمثلها شيء، وهكذا. لكن يأتي من يرد هذا الكلام فيقول: مَنْ مِن الصحابة قال بهذا القول؟ نقول له: هذا البخاري ومسلم رويا حديث أبي سعيد الخدري: (يوم يكشف الله عن ساقه)، يقول لك: هل روى هذا الحديث أحد غير أبي سعيد الخدري؟ وفيه نسبة الساق إلى الله هكذا بالضمير الصريح؟ لا. أليس من الجائز أن يهم أبو سعيد؟ نعم جائز. لكن التجويز العقلي لا ينبغي أن يعكر على الواقع الفعلي، فالذهن قد يتصور أشياء في الخارج لا وجود لها، مع إمكان حدوثها، أتسلم لي أن الله قادرٌ على أن يخلق رجلاً بمائة ألف رأس، في كل رأس مائة ألف فم، في كل فم مائة ألف لسان، كل لسان يتكلم بمائة ألف لغة؟ فهل تنكر هذا؟ أما أن نقول: إن الله خلق واحداً من خلقه بهذه الصورة فهذا هو ما يخالف الواقع الفعلي. فالتجويز العقلي شيء، والواقع الفعلي شيء آخر، أليس من الجائز أن يمشي رجلٌ على الماء، أليس من الجائز أن يسير رجلٌ في الهواء، لكن هل وقع أن رجلاً مشى في الهواء، لا. مع أن القدرة صالحة، فقدرة الله ليس لها آخر، ولكن ما وقع. فأنت تقول: هل الصحابي معصوم من الخطأ؟ أقول لك: لا. لكن أنا أقول لك: هو ليس معصوماً نعم، لكن هل أخطأ؟ فأثبت أنه أخطأ، فالتجويز العقلي ليس لنا اعتراض عليه، لكن لا ينبغي أن تهدر الدليل بالتجويز العقلي، أئمتك الذين تأخذ الهدى عنهم، هل يمكن أن يخطئوا؟ نعم يمكن ذلك. فلماذا أخذت عنهم الدين، وأخذت عنهم الكلام مع إمكان أن يخطئوا؟ فلذلك نقول: أبو سعيد الخدري ﵁ روى الحديث، وأنت تسأل: هل أبو سعيد معصوم؟ أقول لك: لا. من الجائز أن يخطئ أبو سعيد الخدري لكن أقول لك بدوري: أثبت أنه أخطأ بإثبات واقعي. وذلك بأن تأتي بصحابي آخر روى ضد ما روى، فتقول: أنا استدل برواية عمر بن الخطاب على خطأ أبي سعيد الخدري، حينئذٍ أنا أول القائلين بهذا ولا أنازعك، لكن كلامٌ ليس عليه دليلٌ أن صاحبه أخطأ، لماذا ترده؟ يقول: لأن الخبر الواحد لا تثبت به عقيدة، والعقيدة لا تثبت إلا بالتواتر. فنقول: إن معاذ بن جبل أرسله الرسول ﵊ إلى اليمن لوحده، وقال: (إنك تأتي قوماً أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله)، فهل هذه عقيدة أو لا؟ فلو أن أهل اليمن قالوا له: يا معاذ! لن نؤمن لك، فماذا يكون الحكم الشرعي في حقهم؟ كفرة أم لا؟ بإجماع العلماء هم كفرة، فهل نكفرهم بواحد؟ إذا ثبت عليهم التكفير بخبر الواحد دل على أن خبر الواحد حجة ملزمة قطعية؛ لأن التكفير لا يكون إلا بالقطعي، كما أن إثبات الإيمان لا يكون إلا بالقطعي، فالتفسير لا يكون إلا بالقطعي. وبما أنهم كفروا بخبر الواحد، فدل ذلك على أن خبر الواحد قطعي. فلا يتمكن أهل البدع من رد هذه الأدلة. وعلماء المسلمين مثل ابن القيم وغيره أفاضوا في مثل هذه المسألة في كتاب الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة، وكان حين يناقش شبهاتهم يقول: كسر الصنم الأول، كناية عن أن الجهمية لهم أصنام، وهي عبارة عن المتاريس والشبهات التي يضعونها أمامنا، فجاء ابن القيم وكسر الصنم الأول من ثمانين وجهاً، ١، ٢، ٣، ٤، ٥، ٦، إلى ٨٠، حتى إذا ما أبطلوا وجهاً رد عليهم بالثاني، ثم الثالث والرابع، والخامس، حتى يأتي على بنيانهم من القواعد، وعندما تقرأ الصواعق المرسلة تعجب كثيراً من قدرة علماء المسلمين على نحت الأدلة من الصخر، وكيف اهتدوا إلى مثل هذه الاستدلالات التي هي من وراء وراء الكلمات. ومن الأصنام التي يحتج بها المبتدعة (المجاز).

стр. 980

حرص أهل البدع على إبعاد أهل السنة عن منهجهم الحق فالمقصود أن أهل البدع ما تركوا طريق أهل الحق سالماً إنما وضعوا المتاريس فيه، وفي نفس الوقت فتحوا الطريق إليهم على مصراعيها، فينظر الناظر إلى طريقهم فإذا به يظهر في منتهى السهولة، وحين ينظر إلى طريق أهل الحق يرى العوائق والصعوبات فيظن الخير في اتباع الطريق السهل. وهذا يذكرنا بحال أصحاب الأحزاب الدينية الذين يقولون: نحن ندخل مجلس الشعب، وبعد أن ندخل يحلها حلال، وندخل مع حزب العمل مرة، وندخل مع حزب الأحرار مرة، وأول ما ندخل نلعب عليهم، فيدخل ويقول لك: الانتخابات واجبة، ويدخل في الانتخابات، فإذا قلت لهم: كيف تدخلون مع حزب الوفد، بينما شعاره يقول: لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة، أي: يقول: الدين في المساجد، وإنما أول ما تطلع خارج باب المسجد يحكمك القانون، لكن طول ما أنت في المسجد فسأترك لك البخاري ومسلم، وسأترك لك القرآن وتفاسيره، فإذا خرجت فسأمسكك بالقانون، وهذا معنى: لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين، فكيف بحزب علماني يقول بفصل الدين عن الدولة بمنتهى الصراحة، تذهب لتلتحق به وتعمل تحت مظلته؟ فيقول: أنا سأمسك المعارضة وأخليها إسلامية!! (مثل السمك المذبوح على الطريقة الإسلامية)!! فنقول له: ماذا تظن نفسك؟ ألا تعلم أنهم ما أجازوا التعددية الحزبية إلا بعدما أمنوا أنفسهم مائة في المائة؛ لأن من المعروف أن كل حزب يريد الحكم، فهل تتصور أن يترك لك خرم إبرة لكي تدخل منه للحكم، هذا بعيد عنك، لقد سد عليك كل الطرق، وسماها دستوراً، وسماها قرارات، ولجنة الأحزاب تعطي كل حزب يرغب في الانخراط في العمل السياسي لوائح معينة فإن وافق عليها أعطي تصريحاً بمزاولة العمل السياسي، ومتى ما خرج عن هذه اللوائح التي وافق عليها ابتداء، لوح له أولئك بهذه اللوائح، فإما أن يعود إليها وإما أن يسحب منه التصريح، فلا يكون أمامه إلا الانصياع والقبول بكل ما يملى عليه على أصل أن يأتي يوم من الأيام فيتمكن فيه من الإصلاح الذي يرجوه، فيبقى طول حياته ماشياً على الخط الذي هم عملوه، وهذا الخط يوصل إلى المحيط. فهو يدخل في أهل البدع، لكن هل يا ترى إذا بقي على هذا المسلك إلى النهاية هل سيجد طريقاً؟ لن يجد إلا المحيطات، وقد يجد طريقاً جانبياً يفتحه له أهل البدع بعدما يكون قد تعبت أنفاسه، وبعد ذلك يغرونه بالمناصب والامتيازات، كما حصل في أول الصحوة، فالصحوة حين بدأت في الجامعات سنة (٧٤ و٧٥م)، كانت هذه الصحوة التي عمت الجامعات آنذاك سلفية، وكانت منشورات الجماعة الإسلامية آنذاك تحمل هذه السمة، فتجدها تنقل من كتب ابن القيم وابن تيمية والألباني، والشيخ ابن باز، فكانت صحوة سلفية مائة بالمائة، أما بعد سنة (٧٧، ٧٨م) بدأت الأحزاب السياسية تدخل وأخذوا الشباب، ووضعوهم في القمة، فقالوا لأحدهم: أنت تأتي رئيساً للكتلة الفلانية، وأنت تأتي رئيساً للكتلة العلانية، وكانت المؤتمرات في ذلك الزمان يحضرها ألوف مؤلفة، فتصور عندما يكون الشاب في سن العشرين ويجلس بجوار المجاهد الكبير فلان الفلاني، ويقال: وفضيلة الشيخ فلان الفلاني، الآن سيقدم لنا كلمة، وفلان الفلاني الذي كان بالأمس القريب يسمع مع الجماهير، إذا به اليوم من القادة، والكل يشير إليه، ولم يكن قد ظهر آنذاك الجماعات المختلطة كما هو حاصل اليوم، فتجد الجماعة الواحدة تحمل الفكر السلفي على التبليغي على غير ذلك، أما من قبل فلم يوجد إلا العاطفة الجياشة للإسلام. فكل ما نحظى به الآن جماعات مشرذمة كانت فيما سبق تحمل رصيداً كبيراً من العمل الإسلامي، فكان الواحد من أولئك الشباب من واحد وعشرين سنة، لما يرى نفسه أصبح في هذا الموقع المبهر البراق لا يستطيع الرجوع، فخطفوهم بهذه الطريقة، حتى صار منهم من يعادي ما كان يعتقد أول مرة، وهذا بسبب الرياسة. فأهل البدع لا تسلم لهم أبداً، فهم كالثعابين ناعمة الملمس لكن القضاء المبرم في لدغتها، ولذلك فإن الطريق الوحيد في وسط الثنتين والسبعين سبيلاً يحتاج منك إلى تفتيش، والأمر جد ليس بالهزل، هذا طريق ناح فيه نوح، وأضجع للذبح إسماعيل، وألقي في النيران إبراهيم، وزاد مقداراً على البكاء داود ﵇، ومشى وسار مع الوحي عيسى، وقاسى الضر أيوب، وعالج أنواع البلاء محمد ﷺ ، تزهو أنت باللهو واللعب؟!! هذا طريق كله دماء وأشلاء، لذلك ينبغي أن تعد العدة حتى لا يصرفك عن مواصلة السير ما تجده من مصاعب هذا الطريق، لكن عاقبته الجنة، قال ﷺ : (ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة). أسأل الله ﵎ أن يجمعنا وإياكم فيها، وأن يسددنا ويسدد أقوالنا، ويسدد أفعالنا، وأن يأخذ بأيدينا ونواصينا إلى الخير. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم. والحمد لله رب العالمين.

стр. 981

العزلة الشرعية العزلة أمر شرعي وسنة نبوية، فقد شرع الله لعباده المؤمنين اعتزال أقوامهم إذا وجدوا منهم الإصرار على الكفر، والتمادي في الصدود، وقد ضرب الله لنا مثلاً وأسوة بقصة إبراهيم ﵇، وهذه العزلة لها مواطن وأحوال تستلزمها؛ استنطبت أحكامها من نصوص الكتاب والسنة وعلى وفق ما سار عليه سلف الأمة.

стр. 982

الأسباب الداعية إلى عدم العزلة إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها الإخوة الكرام! من آثار البراءة من أعداء الله : الهِجْرة، والهَجْر، والعُزْلة، وقد تكلمنا باختصار عن الهجرة والهجر، ونتكلم اليوم عن العزلة، وهو موضوع شائك؛ إذ يحصل فيه توهمات نظراً لخطأ المعطيات. العزلة أمر شرعي، وهو سنة للأنبياء، وأول من اعتزل: إبراهيم ﵇، لما دعا قومه ولم يستجيبوا له، قال: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ [مريم:٤٨]، لكنه اعتزل يوم أدى ما عليه فلم يجد نتيجةً فخاف على نفسه. إن الرجل التاجر إذا أنفق من رأس ماله، ينبغي له أن يعيد النظر في تجارته، فنفقته ينبغي أن تكون من ربحه، لا يأكل من رأس ماله، فإذا رأى أنه يأكل رأس ماله، فعليه أن يعيد النظر، رجلٌ دعا الناس إلى الله ، فآذوه، حتى خشي على نفسه منهم، فحينئذٍ وجب عليه أن يحفظ نفسه، وهذا هو حد العزلة الشرعية، وإلا فالأصل عدم العزلة. من الذي يقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذا اعتزل الناس؟ من الذين يقفون على الثغور ويحاربون الكافرين إذا اعتزل الناس؟ من الذي يبين الباطل، الذي هو كالنهر الهادر في الجرائد والمجلات إذا اعتزل الدعاة إلى الله خشية الأذى؟ في كل يوم سخافات تكتب في الجرائد والمجلات، لقد اعتقد بعض الناس وبكل أسف ممن كنت أتصور أنه رجل عاقل رشيد، اعتقد وحزن على موت البغي الداعرة وتصور أنهم قتلوها؛ لأنها أسلمت واحتارت وقد كانت حامل في شهرين، فكأن المسلم إذا زنا بكافرة يبقى الزنا حلال؟! ما هذا الخبث الجاري والمشكلة الكبيرة أن كثيراً من الناس ليس لديه من العلم ولا أبجديات الإسلام ما يرد هذا الخبث، موضوعات تافهة، لكن عند الذين يعلمون أبجديات دينهم، لكن هناك أناس لا يعرفون شيئاً. في هذا الوقت وهذه المعمعة: خرج علينا خبران متناقضان أشد التناقض يبعثان على الأسى والحزن، الخبران في صحيفة المسلمون. الخبر الأول: ملياردير فلسطيني عرض أن يشتري حطام سيارة المرأة البغي التي في الحادث، بعشرين مليون دولار، وصفوا حطام السيارة أنها مثل علبة وطأت بالأقدام، فعملوا معه لقاء وحديثاً، أنت رجل فلسطيني، على الأقل تتضامن مع الجياع العراة الذين لا يجدون مساكن، فكيف تشتري حطام سيارة بعشرين مليون دولار!!، قال: يا أستاذ! أنا رجل تاجر! وهذه المعاني التي تبحث عنها، ليست عندي، أنا رجل تاجر، أشتري حطام السيارة بعشرين مليون دولار وسأبيعها بمأتي مليون دولار! يقول: أنا رجل تصرفت من الناحية التجارية، مسألة العواطف التي تبحث عنها، هذه ليست عندي. وفي ذات الصحيفة: ملياردير يهودي يعرض على حكام السعودية أن يبيعوا له أرضاً بمكة بأي ثمن، لكي ينشئ معبداً هناك، ويعرض ما يشاءون من الأرقام التي تخطر على بالهم، فانظر إليهم وانظر إلينا، انظر إلى هؤلاء كيف يفكرون، وانظر إلى هذا كيف يفكر؟ اليهود في العالم: خمسة عشر مليون يهودي، معهم التكنولوجيا والزراعة والإعلام والأموال والسياحة، يملكون الدنيا كلها؛ لأن أغنياء اليهود وظفوا أموالهم لخدمة اليهود، حتى أصبحوا الآن لا يتحكمون في انتخابات الرئاسة البرنامجية فقط، بل يتحكمون في انتخابات معظم الدول الهامة في العالم، وهم الذين يضعون التقارير وهم الذين يرشحون الوزراء، وهم الذين يرشحون رؤساء الجمهوريات، بما لديهم من مخطط رهيب، عندهم تغلغل كامل في الأنظمة، ومن يقرأ كتاب: (بورتوكولات حكماء صهيون) يعلم صدق ما أقول، الكتاب هذا له أكثر من مائة سنة وكأنهم يتكلمون عن الواقع الآن، وكل شيءٍ خططوا له كان. إذاً: ليست المسألة عرض قضايا تافهة، بعض الناس قد يقول: أنت تتكلم في قضايا ليست ذات بال ولا مهمة، نحن نريد القضايا الخطيرة! أقول: لا. من جرب الناس تجربتي، قال مثل قولي، ولقد صدق القائل: (إذا كان عدوك نملة فلا تنم له)، (ومعظم النار من مستصغر الشرر). كنا نظن أن هذه المسائل تافهة ولا تؤثر في العوام وإذا بها تؤثر فيهم فعلاً، ويعادون كثيراً من النصوص الثابتة، لا أذهب بك بعيداً، فهذا أحد الدعاة الكبار نشر كتاباً يتكلم فيه عن الزهد في الدنيا، وأحاديث الزهد في الدنيا موجودة في الصحيحين والسنن، فأتى بكتاب الترغيب والترهيب للحافظ المنذري، وأتى بالأحاديث التي ترغب في الزهد بالدنيا، وقال: آفاتنا من انتشار مثل هذه الأحاديث وهي أحاديث في الصحيحين، أجمع العلماء على صحتها. قال: هل نحن طلقنا الدنيا وتزوجها الكافر، وعندما نزهد في الدنيا، المال يكون مع من؟ فهالني أن يكون هذا الداعية لا يفهم معنى أحاديث الزهد، هذا فهم مغلوط، لم يقل الله ولا رسوله ﷺ : لا يكون عندكم مال ولا تكونوا أغنياء، إنما أحاديث الزهد في الدنيا بمعنى زهد القلب، ولو كانت الدنيا بما فيها لها قيمة لجمعها النبي ﷺ ولحض عليها، وقد كان ﷺ يقول: (اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً)، فكان معه العشاء وليس عنده إفطار، لأن العبد إذا لم يجد فليس له ملجأ ولا منجى إلا إلى الله ، فدائماً يلهث: يا رب، يا رب، مثل الولد الذي يحتاج ويقول: يا أبت، يا أبت، يا أبت، لذلك قل الشكر في بيوت الأغنياء، تجد الرصيد عنده في البنك والشيكات موجودة، والثلاجة موجودة، والمحفظة مليئة، لماذا يقول: يا رب؟ متى يقول: يا رب؟ لا يقولها إلا إذا تورط، لكن فيما عدا ذلك لا يقولها. فالفقراء زكى عملهم؛ لأنهم أكثر الناس ذكراً لله بسبب الحاجة المستمرة. الزهد في الدنيا الوارد في الأحاديث معناها زهد القلب، وليس زهد اليد، إنما رغب الله ورسوله ﷺ في حيازة المال باليد فقط، بل إن النبي ﷺ لما ذكر طبقات الناس، وأنهم جميعاً لا يخرجون عن طبقات أربع؛ جعل صاحب المال العالم أعلاهم، فقال ﷺ ، كما في حديث أبي كبشة الأنماري ﵁: (إنما الدنيا لأربعة نفر: رجلٌ آتاه الله علماً ومالاً فهو يتقي الله فيه، يصل به رحمه، ويرعى لله فيه حقه، فهذا بأفضل المنازل، ورجلٌ آتاه الله علماً ولم يؤته مالاً، فهو يقول: لو أن لي كفلان، لعملت بعمله، فهو ونيته، فهما في الأجر سواء، ورجلٌ آتاه الله مالاً ولم يؤته علماً، فهو يخبط في ماله، لا يتقي الله فيه ولا يصل به رحمه، ولا يرعى لله فيه حقه؛ فهذا بأخبث المنازل، ورجلٌ لم يؤته الله مالاً ولا علماً، فهو يقول: لو أن لي كفلان، لعملت بعمله، فهو ونيته، فهما في الوزر سواء)، فكل رجلٌ منا لا يخرج عن نمط هؤلاء الأربعة: عالمٌ غني، ثم عالمٌ فقير، ثم غني جاهل، ثم فقير جاهل، وأفضلهم جميعاً العالم الغني؛ لأن تعدي الخير بخلتين أفضل من تعديه بخلة واحدة، إذا كان عالماً ينفع الناس بعلمه ثم يسد بطون الجياع، هذا أفضل من واحد يعلم فقط، والنبي ﷺ قال: (لا حسد إلا في اثنتين: رجلٌ آتاه الله الحكمةَ، فهو يعلمها الناس، ورجلٌ آتاه الله مالاً، فسلطه على هلكته في الحق). وأنت تلاحظ في الحديثين أن المال لا يبدأ بذكره استقلالاً إنما يأتي تبعاً، ففي الحديث الأول قال: (آتاه الله علماً ومالاً)، وفي الآخر: (آتاه الله الحكمة؛ فهو يقضي بها، وآتاه الله مالاً؛ فسلطه على هلكته في الحق) دليل على أن المال بغير علم مذموم. الولد الذي كنا نتكلم عنه، لديه طائرة خاصة، وعنده سبعون سيارة من أحدث سيارات العالم، فماذا فعل بالمال؟ يذهب إلى باريس ليتعشى فقط، يركب الطائرة ليذهب ليأكل السمك ويرجع، هذا الذي معه مال فقط، ليس عنده علم يعصمه، ولذلك كان الرجل الثالث بأخبث المنازل كلها: (ورجلٌ آتاه الله مالاً ولم يؤته علماً، فهو يخبط في ماله ولا يرعى لله فيه حقاً، ولا يصل رحمه). إذاً: المال وحده ليس ممدوحاً، فعندما نقرأ أحاديث الزهد في الدنيا، لا بد أن نعلم أن الزهد الوارد هو زهد القلب، وإلا فالنبي ﵊ قال لـ عمرو بن العاص: (يا عمرو إني أريد أن أرسلك إلى غزاة كذا)، قائد سرية، قائد جيش، كتيبة (لتغنم مالاً، فقال: يا رسول الله! ما على هذا اتبعتك) أنا ما اتبعتك لأحرز المال، فقال له: (يا عمرو! نعم المال الصالح للرجل الصالح). ذلك هو الرجل الذي يتقي الله ولديه مال ينفقه لبيوت أناس يأكلون بجانبه، فنعم المال الصالح للرجل الصالح، فعندما يأتي رجل كبير له منصب في الناس والدعوة ويقول: لا ينبغي أن نعرض أحاديث الزهد في الدنيا على الناس!! هذا فهم مغلوط لمعنى الزهد، وإلا فإن تج

стр. 983

مشروعية العزلة في بعض الأحوال أيها الإخوة الكرام! العزلة تشرع في ثلاثة أحوال:

стр. 984

وجود الفرد لوحده مع الخوف على النفس الحالة الثالثة التي توجب الاعتزال، أن تكون فرداً لا معين لك، وبين هذه والتي قبلها عموم وخصوص، ففي هذه الحالة تعتزل إذا خفت على نفسك، أما دون هذا فإن العزلة لا تشرع، حتى نقيم دين الله ﵎، قال الله : ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:١٠٤]، وجاء هذا الفعل مضارعاً مؤكداً باللام، ونحن نعرف أن من صفات الفعل المضارع الاستمرار، والنبي ﷺ لما قال: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده)، فإذا شرعنا العزلة للناس جميعاً وكل واحد يعتزل؛ فمن الذي يقوم بهذه الشعيرة العظيمة. كل عالم عندما تقرأ ترجمته تجد عنواناً مشتركاً في تراجم العلماء الربانيين، التراجم الجانبية: اسمه كنيته مولده شيوخه تلاميذه ورعه وزهده تقشفه، طلبه للعلم؛ ثم تجد محنته. هذا العنوان الجانبي (محنته) تجده في تراجم العلماء الربانيين. ما معنى المحنة؟ أليس فيها مواجهة، هو إذا اعتزل وحده وتفرد ما يمتحن، إنما يمتحن لأنه أمر ونهى: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان:١٧]، فدلنا ذلك على أن من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر لا بد أن يصيبه أذى، لذلك قال: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [لقمان:١٧]. نسأل الله ﵎ أن يعلمنا وإياكم ما جهلنا، وأن ينفعنا بما علمنا، اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين. اللهم اجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر، اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا، ربنا آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا، وكل ذلك عندنا.

стр. 985

كثرة المخالفين وقوة شوكتهم الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن، والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. هناك كلمة حكيمة قالها العلماء، لها صلة بموضوع الاعتزال، يقول العلماء: (لو سكت من لا يعلم لقل الخلاف)، الجدل الذي يحصل بين الأقران، ويتكلم أغلبهم بلا علمٍ سابق فضلاً عن عقيدة راسخة، هذا ذمه رسول الله ﷺ لما نهى عن الأغلوطات، ونهى عن عُضل المسائل، فهذا أحد وجوه العزلة، ليس المقصود أن تكون هناك فتنة فيها سيوف ودماء تعتزل، لا. كل مسألةٍ لم تعتقدها وليس عندك فيها علم سابق تعتقده ديناً اعتزله، لا أقول: اعتزله فقط، إنما أقول: تعلمه، لكن لا تجادل. الحالة الثانية في الاعتزال: أن تضعف وتقل مئونتك في عرض الحق الذي عندك؛ بسبب كثرة المخالفين وقوة شوكتهم، وهذا أيضاً يدخل في حكمة الدعوة. بلد فيه مبتدعة كثيرون، فالصوفية مثلاً يقدسون الأولياء وينذرون لهم، وأنت فرد وحدك بدأت تدعو إلى التوحيد، واستجاب الناس لك، ورأيت ثمرة غراسك، فليس من المصلحة ولا الحكمة أن تتصدى لذم القبور وأن تقف في مواجهتهم علانيةً؛ لأنه ليس هناك أية مصلحة في كسرك، بقاؤك أفضل من تدميرك. العز بن عبد السلام وهو يتكلم في القواعد الكلية في باب المصلحة، قال: إذا وقعت حربٌ بين المسلمين وأعدائهم ولم يحصل نكاية وجب الانهزام. أي: إذا لم يحصل منا نكاية في العدو بأن كسرناهم وغلبناهم، وغلب على ظننا أننا إذا دخلنا الحرب غلبنا وجب أن ننهزم لعدونا، ثم علل ذلك قائلاً: لأنه إذا لم يحصل نكاية كسرت شوكة المسلمين، وذهبت بيضتهم مع عدم وجود مصلحة في ضياع النفس إذ ضاع الدين. والضرورات الخمس التي نزل الإسلام بكل نصوصه لحفظها: أولها: الدين. ثانيها: النفس. فنحن في حربنا مع عدونا إنما نحارب لتكون كلمة الله هي العليا، ليست حرب استرداد أرض، ولا حرب غزو النسل، أو من أجل أن نوسع الرقعة التي معنا أبداً. ما شرع الحرب في الإسلام إلا لإعلاء كلمة الله دفعاً أو طلباً، جهاد الدفع إذا هجم عليك عدو، فتدفع عن نفسك، لتحفظ بلدك ودينك ومواطنيك. أما جهاد الطلب: فأنت الذي تطلب العدو، تبعث رسلاً، أريد أن أدعو إلى الله عندكم، قالوا: لا. قلنا لهم: إما أن تخلوا بيننا وبين دعوة الناس ولا تحجروا عليهم وإما قاتلناكم، والله إذا رضوا بجز الغلاصم، ولكز الأراقم والبلاء المتلاطم المتراكم، فهم وما أرادوا ندخل عليهم، وإذا رضوا وقالوا: تفضلوا ادخلوا وادعوا، فإذا دخلنا، فمن أسلم منهم صار منا، ومن لا، فعليه أن يدفع الجزية وهو صاغر، مشروع الجهاد كله إنما قام لأجل هذا. وترك الجهاد مهلكة للذين لا يجاهدون، قال الله : ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥] ذهب أسلم بن عمران إلى أبي أيوب الأنصاري، فسأله عن قوله تعالى:: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥] هو الجهاد؟ قال: لا. وهناك قصة استدعت أن أبا أيوب الأنصاري يقول التفسير الصحيح لهذه الآية، فقد وقع حصار بين المسلمين والروم وبينما هم محاصرون إذ خرج صف عظيم من الروم، فخرج صف من المسلمين للالتقاء بهم، وحصل الاشتباك، فأحد المسلمين دخل في وسط المشركين وجعل يضرب هذا وذاك، وأحدث نوعاً من الاضطراب في صفوف المشركين، فجعل الناس يقولون: سبحان الله! ألقى بيده إلى التهلكة، فحينئذٍ خطبهم أبو أيوب الأنصاري وقال: أيها الناس! إنكم تضعون الآية في غير موضعها، إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، لما أعز الله دينه وكثر ناصروه، قلنا بيننا وبين أنفسنا سراً دون رسول الله ﷺ : إذ قد أعز الله دينه وكثر ناصروه، فلنصلح أموالنا التي تلفت، كل واحد منا له تجارة وزراعة، وبسبب الجهاد المستمر، تلفت الزراعة وتوقفت حركة التجارة، قال: فنزل قول الله : ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥]، فكانت التهلكة: ترك الجهاد. إذاً: مسألة المصلحة والمفسدة مهمة في تحديد معنى الاعتزال، فأنا في بلد، أدعو ووجدت لدعوتي صدى، وبدأ الناس يستجيبون، فلنكن مثل رسول الله ﷺ لم يكسر الأصنام يوم دخل مكة، بل كانت رايات البغايا على البيوت ترفرف وهو يمر، وكانت الأصنام في جوف الكعبة وهو يطوف، ومع ذلك سكت؛ لأنه ليس هناك مصلحة في استباحة بيضة المستضعفين، فإذا وجدنا أننا لا نستطيع إقامة الدين في وسط هؤلاء؛ دعونا من استجابوا لنا، فإن وجدنا أننا لا نستطيع ولا يوجد لنا رصيد في هذا البلد، وخشيت على نفسي التلف، إما بالأذى وإما بالركون إليهم حينئذٍ نعتزل. وهذا ينطبق عليه قصة أصحاب الكهف: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الكهف:١٦]، فاعتزلوا هؤلاء؛ لأنهم لا يقدرون على تغيير مجتمع فيه أباطرة، وهم مجموعة من الفتية الصغار الذين لا يقدرون على ذلك.
следующие страницы →