← Джавами‘

Джавами‘ · id 7694

دروس للشيخ مصطفى العدوي

مصطفى العدوي

Полный текст (802 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

أباطيل الشيعة أخبر النبي ﵊ بافتراق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، وقد نتج عن هذا الافتراق ظهور طائفة من أخبث الطوائف وأشدها على أمة الإسلام ألا وهي الشيعة، ومن أبرز عقائدهم التي يخالفون بها عموم أمة الإسلام: الرجعة والتقية ومهديهم المنتظر ونحو ذلك، ولابد على المسلم أن يطلع على شيء من عقائد هذه الطائفة وأباطيلها حتى يكون على بينة.

стр. 2

أباطيل الشيعة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد الأمين، وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين. وبعد: فإن نبينا محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم خرج ذات ليلة على أصحابه فوجدهم قد صلوا المغرب منتظرين لصلاة العشاء، فقال ﷺ لهم: (ما زلتم هاهنا؟ قالوا: ما زلنا هاهنا يا رسول الله! قال: ما زلتم هاهنا؟ قالوا: ما زلنا هاهنا يا رسول الله! قال: ما زلتم هاهنا؟ قالوا: ما زلنا هاهنا يا رسول الله! فنظر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى السماء وإلى النجوم التي فيها وقال: النجوم أمنة السماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما توعد). وأخبر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن أمته ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة، فقال ﷺ : (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة)، ولابد أن يعرف المسلم هذه الفرق، كما ورد عن أمير المؤمنين عمر أنه قال: (تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهلية)، فإذا نشأ في المسلمين من لا يعرف الجاهلية حكم على المسلمين بالكفر وبالضلال، نتيجة أنه لم يعلم أمور الجاهلية التي كانت فيها، بل تجد كثيراً من الناس قد يصحب فرقة من تلك الفرق التي في حديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة)، يصحبون هذه الفرق على أنها بعض العاملين للإسلام، برزوا في جانب وقصروا في جانب آخر! وهذا الفهم فهم رديء، وستتضح الآن أنواع الفرق التي تعددت في الإسلام، والتي ينسحب عليها حديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بجلاء، حتى يُقرّ الحق في مكانه، ويحكم على كلٍ بما يستحق. * نظرة تاريخية في افتراق أمة محمد ﷺ : الأمر على ما أخبر رسول الله ﷺ ، فافترقت أمته بعد موته ﷺ مباشرة، اختلفت أمته بعض الاختلافات الطفيفة، ثم بدأت هذه الاختلافات في الازدياد والاتساع، إلى أن خرج بعض أمة محمد ﷺ من دائرة الإسلام إلى دائرة الكفر -والعياذ بالله- بعد أن مات رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقبل أن يدفن نشأ بعض الخلاف بين الصحابة، أين ندفن رسول الله ﷺ ؟ وكيف نغسل رسول الله ﷺ ؟ هل نجرده كما نجرد موتانا أو نغسله من فوق الثياب؟ فأصابتهم سِنَةٌ فغسلوه من فوق الثياب بعد أن سمعوا المنادي ينادي بذلك، ثم قالوا: أين ندفن رسول الله؟ فاختلفوا، فجاء أبو بكر وحسم مادة النزاع وقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إنه لم يدفن نبي إلا حيث قبض)، ودفن رسول الله ﷺ في مكانه الذي قبض فيه. وبعد دفن رسول الله ﷺ حصل خلاف بين أصحابه على الأمير الذي سيؤمّر عليهم، وعلى الخليفة الذي سيستخلف عليهم، إلى أن انتهى الأمر في سقيفة بني ساعدة بتأمير أبي بكر الصديق واستخلافه خليفة عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ثم جاء خلاف آخر بين بعض الصحابة، وهو الخلاف في ميراث رسول الله ﷺ ، من سيرث رسول الله ﷺ ؟ وهل لبناته ميراث منه؟ فجاءت فاطمة تطالب بميراثها من رسول الله، وقال أبو بكر: (إني سمعت رسول الله يقول: إنا معشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا فهو صدقة)، فتخاصمت سيدة نساء أهل الجنة مع سيد شيوخ أهل الجنة، فاطمة مع أبي بكر ﵄، وماتت على ذلك بعد ستة أشهر من وفاة أبيها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ثم جاء بعد ذلك المرتدون فمنعوا الزكاة، وهذا أكبر من الخلافات المتقدمة، وقالوا: قد كنا نعطي المال لمحمد، فمات محمد فلا زكاة، فبدأت حروب الردة، وتخللت حروب الردة -التي شملت مانعي الزكاة والمرتدين- ادعاءات بالنبوة، فادعى مسيلمة الكذاب أنه نبي مرسل من عند الله، وأطلق على نفسه رحمان اليمامة، حتى تسلط عليه أصحاب رسول الله وشردوه وقتلوه، قتله وحشي بن حرب، ورجل آخر من الأنصار. ثم جاء أيضاً طليحة الأسدي وادعى النبوة أيضاً، فأُرسل إليه خالد بن الوليد، ففر من خالد بعد هزيمته إلى الشام، ثم بعد ذلك أسلم وحسن إسلامه، وكان يقاتل كأشد القتال مع أصحاب رسول الله ﷺ في مغازيهم ضد الفرس وضد الروم. ثم حفظ الله أمة محمد ﵊ بـ عمر بن الخطاب ﵁، فدفع الله به الخلاف، ثم قتل عمر بعد سنوات من استخلافه، فولي عثمان الخلافة، فازدادت أمور المؤمنين سوءاً، وازدادت الخلافات واتسعت رقعتها، وأدى هذا الخلاف إلى مصرع ومقتل أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁، وهو يتلو كتاب الله ، ذبح بأيدي أقوام يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله! وبدأت الفرق في الانتشار، فظهرت فرقة الخوارج التي قال رسول الله ﷺ في أصلها لما جاءه رجل فقال له: يا محمد! اعدل، فوالله! إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله! فقال رسول الله ﷺ : (إنه يخرج من ضئضئ هذا أقوامٌ تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية). ثم جاءت فرقة القدرية التي نفت القدر، فقالوا: لا قدر، ليس هناك شيء مقدر. ثم ظهرت فرقة الشيعة، ومنهم فرقة السبئية على وجه الخصوص، والذي نحن بصدده اليوم هو الحديث عن فرقة الشيعة على وجه الإجمال، فشرح أحوالهم يطول، وبدعهم تميت القلب، ولكنه شيء أردنا تبيينه إحقاقاً للحق وإظهاراً لباطل المبطلين كما قال الله : ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام:٥٥]. * أصول فرق الشيعة إجمالاً: فرقة الشيعة تنقسم إلى أربع فرق على وجه الإجمال، تنقسم إلى: الزيدية، وإلى الكيسانية، وإلى الإمامية، وإلى الغلاة أو الغالية، وهي أكفرهم على الإطلاق وسيأتي سبب ذلك. أخفهم فرقة الزيدية، وفرقة الزيدية انقسمت إلى ثلاث فرق: الجارودية، والسليمانية، والبترية، هذه ثلاث فرق من فرق الزيدية، ثم انقسمت الكيسانية إلى فرقتين: فرقة تقول في محمد بن علي بن أبي طالب الذي هو محمد ابن الحنفية إنه حي يرزق بجبل يسمى جبل رضوى، عن يمينه نمر، وعن يساره أسد، تحدثه الملائكة ليلاً ونهاراً، لا يموت ولن يموت، حتى ينزل فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد أن مُلأت ظلماً وجوراً. والفرقة الثانية من الكيسانية قالوا: إن محمد بن علي بن أبي طالب كان إماماً في عصره، ولكنه قد مات، وهو الذي كان يستحق الإمامة. أما فرقة الإمامية فتنقسم إلى خمس عشرة فرقة، منها: الإثنا عشرية التي عليها إيران الآن، ومنها الموسوية، ومنها الشيطانية اتباع رجل يدعى بشيطان الطاق، وكان ينكر كثيراً من آيات الله ، ومنها الكاملية، ومنها الناووسية، ومنها الباقرية، والمحمدية، إلى إكمال خمس عشرة فرقة، هذه هي فرق الإمامية. أما الغلاة فأخرجهم عدد كبير من العلماء من دائرة المسلمين، فلا يعدون في الفرق، ولا يبعد عن هؤلاء المتقدمين أن يكون بعضهم خارجاً عن طوائف أهل الإسلام.

стр. 3

فرقة الشيعة وسنورد الآن إن شاء الله على وجه الإجمال معتقدات هذه الفرق على وجه الإجمال؛ لأن تخصيص كل فرقة بشرح يحتاج إلى محاضرة كاملة لشرح أقوالها، ولكنا سنتعرض بمشيئة الله للأصول العامة لهذه الفرق أو لبعضها.

стр. 4

الرد على دعاة التقريب بين أهل السنة والشيعة فأي تخريف أبعد من هذا التخريف؟ وأي حق مع فرق تطعن في أصحاب رسول الله؟ قد يقول قائل: هيا بنا نتعاون مع الشيعة كي ننصر الإسلام، كيف تتعاون مع رجل يكفر أبا بكر الصديق، ويكفر عمر بن الخطاب؟ إذا حدثته عن أبي هريرة قال لك: كذاب، أسقط لك حديث رسول الله ﵊، وأسقط لك كتاب ربك ، فكيف تلتئم مع مثل هذا الذي لا يوقر رباً ولا يوقر رسولاً ولا يوقر كتاب الله ولا يوقر صحابياً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم!! من يرضى أن يسمع من يسب أبا بكر الصديق؟ هل يرضي مسلم أن يؤتى بتفسير ابن كثير ويرمى على الأرض ويقال: هذا ابن كثير لا يفهم شيئاً، اتركوا ابن كثير وابن قليل؟ هل يرضي مسلم أن يسمع هذا الكلام يا عباد الله؟! ويضع يده في يد شيعي بغيض يطعن في أصحاب رسول الله! كيف تكون بجانبه وقد طعن في سلفك الصالح، أبي بكر وعمر وعثمان وسائر أصحاب رسول الله باستثناء خمسة أو ما يقاربهم؟ الله قال في كتابه الكريم: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر:١٠] أي: أن حال المؤمن الذي جاء من بعد الصحابة أنه دائماً يقول: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر:١٠]، فيأتي شيعي بغيض ويطعن فيهم ويلعنهم ويكفرهم، كيف نتعاون -يا عبد الله- مع من يخالف كتاب الله ويكذبه صراحة؟ هل هذا البغيض خير لك من الصديق أبي بكر؟: (إن من أحب قوماً حشر معهم) كما قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال الله : ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح:١٨]، فهل سيسخط عليهم بعد أن رضي عنهم؟ وهل سيخون أبو بكر بعد تزكية الله له؟ هل ورد لنا أن أبا بكر قد خان -يا عباد الله- بعد أن ﵁؟! قال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠]، ألم يكن أبو بكر من السابقين الأولين يا عباد الله؟! ألم يكن عمر من السابقين الأولين؟ ألم يعطِ أبو بكر ماله كله لرسول الله؟ ألم يهاجر أبو بكر من بلده مع رسول الله ﷺ تاركاً بيته؟ وفيه يقول المصطفى ﵊: (لو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً)، ويبكي أبو بكر لما سمع مقالة رسول الله مستشعراً فراق رسول الله ﷺ . كيف بك يا عبد الله! تسمع طعناً في صحابي كـ عمر الذي فتح الله على يديه الفتوحات، ودخل الناس على يديه في دين الله أفواجاً، ويأتي بغيض سخيف يثني على أبي لؤلؤة المجوسي قاتل عمر بن الخطاب ويوقره ويقول: إنه بطل من الأبطال؛ لأنه قتل عمر بن الخطاب؟ كيف تضع يدك في يد زنديق مثل هذا الزنديق يا عبد الله؟! فالولاء والحب والبغض يجب أن يكون في الله: (فإن من أحب قوماً حشر معهم)، من أحب رسول الله ﵊ وأصحاب رسول الله ﵊ حشر معهم، ومن أحب المجوس، من أحب أبا لؤلؤة المجوسي، ومن أحب أتباع الزيغ والضلال حشر معهم يا عباد الله!، فاتقوا الله ربكم، وذبوا عن أعراض أصحاب نبيكم كما تذبون عن أعراض آبائكم وأعراض أجدادكم، قولوا: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ [الحشر:١٠]، قولوا: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨]، ﵃ أجمعين وحشرنا الله مع صحابة نبيه الكريم ﵊، حشرنا الله معهم جميعاً في أعلى جنة الخلد، وقاتل الله الشيعة الملحدين الذين يذمون أصحاب النبي الأمين عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.

стр. 5

الشيعة وتأليه غير الله معتقدات هذه الفرق في ألوهية الله فيه دخن، فأكثر هذه الفرق وقع في الشرك بالله ! فغالبيتهم يدعو غير الله، وهذا لا يخفى على من ذهب إلى إيران أو رأى الإيرانيين وهم يطوفون بالبيت الحرام قائلين: يا علي! يا حسن! يا حسين! يا فاطمة! أثناء الطواف حول البيت العتيق، ولكن ليس هذا هو منتهى الكفر عندهم، فهناك فرقة وهي السبئية ألهت علي بن أبي طالب! حتى أن علياً لما بلغته مقالتهم جمعهم، فقالوا له: أنت هو، قال: وما هو؟ -كما يقولها بعض الصوفية الآن: هو هو- قال لهم: وما هو؟ قالوا: أنت الله!! فخد لهم الأخاديد وأشعل فيها النيران، ثم عرضهم على النار، فقالوا: الآن تأكدنا أنك أنت الله؛ لأن رسول الله قال: (لا يعذب بالنار إلا رب النار) فأنت رب النار! هذه الفرقة فرقة السبئية ألهوا علي بن أبي طالب وقال علي من ذلك: لما رأيت الأمر أمراً منكراً أججت ناري ودعوت قنبراً وفرقة ألهت رسول الله ﷺ ، وهي المحمدية، وفرقة ألهت آدم ﵊ وقالوا: إن الألوهية انتقلت من آدم إلى الأنبياء، فآدم إله، ونوح إله، وتسلسلت الألوهية إلى أن وصلت إلى محمد ﵊، وبعد أن مات انتقلت الألوهية إلى علي بن أبي طالب، ومنه إلى الحسن، ومن الحسن إلى الحسين، إلى أن انتهت إلى جعفر بن محمد الذي يطلقون عليه جعفر الصادق. وخرجت طائفة تسمى الخطابية بلا حياء من الله ولا من البشر، في جموع غفيرة في زمنهم، وملئوا شوارع الكوفة قائلين: لبيك جعفراً! لبيك جعفراً! مكان: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، فقالوا: لبيك جعفراً! لبيك جعفراً! فهذا قول ثالث عند الشيعة في أمر الألوهية، فريق يدعي أن علياً هو الإله، وفريق يدعي أن محمداً هو الإله، وفريق يدعي أن الألوهية تسلسلت من آدم ﵊ إلى الأنبياء إلى أن انتهت إلى جعفر بن محمد الذي هو جعفر الصادق بن محمد الباقر، وخرجوا ملبيين يقولون: لبيك جعفراً! لبيك جعفراً! وهؤلاء طائفة من الخطابية. وفريق آخر ادعوا ألوهيات أُخر، وقد ادعى النبوة من يسمى أبو منصور العجلي حيث قال: إنه صعد إلى الرب، وأن الرب مسح على رأسه، فنزل من عند الرب يحل للناس الحرام ويحرم عليهم الحلال، ويأمرهم بإتيان المحارم وتزوج الأخوات والأمهات والبنات، زاعماً أن ربه أمره بذلك، وأحل لهم الدم والميتة ولحم الخنزير، وإذا سُئل عن الدم في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة:٣] قال: إنها أسماء أشخاص! كان هذا الرجل يلقب بالكسف ويكنى بـ أبي منصور العجلي، وأتباعه يتلون قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور:٤٤]، ويتهكمون على من خالفهم ويقولون: هذا هو الكسف الذي سقط من السماء ليبشر الناس! وطوائف أُخر ادعت لها أرباباً غير الله ، كفرقة الكيسانية التي تبعت المختار بن أبي عبيد الثقفي الذي ادعى -أول ما خرج- نصرة آل بيت رسول الله ﷺ ، وأنه غاضب لظلم بني أمية لهم، فلما تبعه جمع غفير ادعى النبوة، فلما تبعه جمع غفير ادعى الإلهية! إلى أن قتل إلى غير رحمة الله ، لعنه الله.

стр. 6

الشيعة وعقيدة الرجعة ومن عقائد كثير منهم الرجعة، والرجعة تقتضي أن بعض أئمتهم سيرجع مرة ثانية، واختلفوا في هؤلاء الذين سيرجعون أحياء مرة ثانية وينتصرون من كل من ظلمهم قبل أن تقوم الساعة.

стр. 7

موقف الشيعة من الفقه وفقههم ليس مبنياً على أحاديث ثابتة مسندة عن رسول الله ﷺ ، بل مبنية على التخاريف، فقد زلت أقدامهم في الفقه، وزلات الأقدام في الفقه لا تقارن بجانب الزلات العقائدية، فأباحوا نكاح تسع نسوة لقوله تعالى: ﴿مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء:٣] فقالوا: إن الواو تقتضي الجمع، والواو لا تقتضي هنا الجمع؛ لأن رسول الله ﷺ أمر الرجل الذي كان متزوجاً بعشر نسوة بمفارقة ست وإبقاء أربع، وإن كان هذا الحديث عليه بعض الكلام إلا أن إجماع المسلمين من أهل السنة والجماعة عليه، ثم أيضاً في فقههم إباحة نكاح المتعة، كما قال القائل: ألا يا صاح فاخبرني بما قد جاء في المتعة ومن قال حلال هي كمن قد قال بالرجعة لها زوجان في طهرٍ وفي طهرٍ لها سبعة فالمرأة تقابل الرجل وترتضيه فيعطيها مالاً، كما يفعل هذا الآن سفلة العراق وسفلة لبنان وسفلة إيران، يلتقي الرجل بالمرأة فيزني بها ويعطيها دراهم معدودة، ويفتتح المحل بهذا في الصباح الباكر حتى يبارك له بزعمه في رزقه من أول نهاره، فهذه من عقائدهم، وقد حرم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم نكاح المتعة عام خيبر إلى الأبد. ومنهم طائفة الإسماعيلية، وهي إحدى طوائف الإمامية، وقد تقدم أن الإمامية خمس عشرة فرقة، والإسماعيلية فرقة منهم، ماذا تقول تلك الإسماعيلية؟ تقول بعض فرقها -وهم في اليمن قرب نجران-: إن الصلوات خمسين صلاة في اليوم والليلة؛ لأن الله افترضها كذلك، فعند كل فريضة عشر صلوات، وقبل أن تنتهي أنت من صلاة الظهر سيكون أحدهم قد صلى العشر الصلوات المكتوبة عليه بزعمه. وفرقة قالت: لا، ليست هي بخمس صلوات ولا بخمسين، إنها تسع عشرة صلاة في اليوم والليلة، وعلى ذلك يصلون تسع عشرة صلاة في اليوم والليلة، وكل هذه من الأباطيل والترهات. فضلاً عن ذلك افتراؤهم على أهل السنة والجماعة، إذ يقولون: إن من قال: آمين في الصلاة بطلت صلاته؛ لأن آمين عندهم كلام، والصلاة إذا تكلم فيها الشخص فقد بطلت صلاته، وإذا اُبتلي شيعي بأهل سنة بجواره وأحب أن يتقيهم وجاءت الصلاة وجاء التأمين فيها قال: آمِّينَ، مشدداً لها على أنها آية من قوله تعالى: ﴿وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة:٢] أي: ولا قاصدين البيت الحرام، ويقول فريق منهم: إن الضم يبطل الصلاة، والضم هو وضع اليد اليمنى على اليد اليسرى في الصلاة، وهذه ليست بشيءٍ بجانب الطامات الكبرى في مسائل العقائد، ومسائل دعاء غير الله، ومسائل تلك القباب والمشاهد التي فُعلت للخميني بعد موته، وكانت قبل الخميني تفعل لهم كي يطاف بها ويتبرك بها، ويترك بيت الله العتيق، ويترك توحيد الله ، فإذا طاف طائف منهم بالبيت دعا واستغاث بـ علي والحسن والحسين عند بيت الله الذي أمر الله أن ينقى ويطهر من الشرك كما قال الله : ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة:١٢٥]. ومنهم فرقة يقال لهم: المكارمة أو البهرة، يأتون من بلاد الهند الزائغة إلى بلاد اليمن، ويتعرى إمامهم تماماً، كما ولدته أمه، ويُحمل على عرش له ثمانية أرجل، ويحمله ثمانية، ويقبلونه في كل جزء في جسمه قائلين تاليين: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٧].

стр. 8

الشيعة وخرافة المهدي المنتظر وما موقفهم من المهدي المنتظر؟ اختلفوا فيه أيما اختلاف، وضلوا فيه أيما ضلال، وكفر بعضهم بعضاً غاية التكفير بسبب الخلاف في ذلكم المهدي المنتظر، فقالت فرقة من فرق الإمامية -ومنها الاثنا عشرية التي في إيران حالياً-: إن المهدي المنتظر هو محمد بن الحسن الذي ينتهي نسبه إلى علي بن أبي طالب ﵁، وقالوا: إن محمد بن الحسن هذا دخل السرداب، وسيخرج ليعيد العدل والقسط إلى البلاد وعلى العباد، بعد أن ملئت ظلماً وجوراً، وسينتصر من كل من آذى آل بيت رسول الله ﷺ ، وسيعيد ويحيي الذين ظلموا آل بيت رسول الله، فيمزق شملهم ويفرق جمعهم. ويقف على سردابه الإيرانيون الآن، يلطمون الخدود ويشقون الجيوب، رجالاً ونساءً وأطفالاً قائلين: يا محمد! يا مهدي! اخرج فقد ملئت الأرض ظلماً وجوراً، ويبكون وتسيل الدموع على خدودهم انتظاراً لهذا المهدي المنتظر، وفي الحقيقة أنه شخصية لا وجود لها من الأصل، لأن أبا هذه الشخصية المزعومة كان عقيماً، لا يولد له ولد، وأثبت ذلك العلويون الذين ينتهي نسبهم إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، فهم يسطرون أنسابهم أباً عن جدٍ إلى رسول الله، فسطروا في الحسن هذا أنه لم يولد له، ولكن لكي تبقى الإمامة ادعوا أن أمه -أم محمد - ولدت ولداً وأخبأته عن الناس، فاختفى في السرداب، وكانت الأموال تجمع له، فيأخذها الذين على أبواب السرداب، فاختلفوا فيما بينهم، فجاء رجل اسمه محمد بن نصير وأراد أن يكون هو محمد بن الحسن ليتقاضى الأموال، فرفضوا ذلك رفضاً شديداً، فانفصل هو بفرقة سماها النصيرة لرفضهم أن يكون هو الخليفة، وأن يكون هو البواب على السرداب، قالوا: وكان على السرداب رجل زيات، له دكان، فكان على الأموال التي تأتي للسرداب، فانشق هو عليهم وأنشأ فرقة أخرى تسمى النصيرة، وأصبح له أتباع ألهوه كما ألهت فرق الشيعة غيره. هذا هو موقفهم من المهدي، وتقدم أن فرقة منهم تقول: إنه محمد ابن الحنفية، وهو حي الآن بجبل رضوى، عن يمينه أسد وعن يساره نمر وتحدثه الملائكة، وفرقة قالت: إنه محمد بن الحسن الذي ينتهي نسبه إلى علي بن أبي طالب، وفرقة ثالثة قالوا: إن المهدي هو جعفر بن محمد الملقب بـ الصادق، وهو الذي سيأتي ويعيد للناس العدل.

стр. 9

موقف الشيعة من الحكومات المسلمة وما موقفهم من الحكومات المسلمة؟ ولسنا نعني بالحكومات المسلمة الموجودة الآن، إنما نعني بالحكومات المسلمة من عهد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى الآن. موقفهم من الحكومات المسلمة أنها لم تقم أي حكومة مسلمة من بعد رسول الله ﷺ إلى الآن، إلا السنوات اليسيرة التي تولى فيها علي بن أبي طالب خلافة المسلمين وإمارة المسلمين، أما خلافة أبي بكر فهي عندهم كذب واختلاس، وكذلك خلافة عمر، وكذلك خلافة عثمان، حتى يطعنون عن صلاح الدين الأيوبي الذي حرر الله به بلاد المسلمين من أدناس الصليبيين الكفرة، فيطعنون فيه؛ لأنه كان له صولات وجولات على الشيعة في عدة جوانب، فيلحقونه بأصحاب رسول الله، وينال منهم نفس اللعن الذي يناله أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فلا نبك على صلاح الدين إذا كانت الطامة أكبر من صلاح الدين، وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فهم في هذا سلكوا مسلكاً غلبوا فيه اليهود والنصارى، فاليهود إذا ذكرت لهم حبراً من أحبارهم، أو النصارى إذا ذكرت لهم حوارياً من حواريي عيسى وقروه وبجلوه، أما هؤلاء فطعنوا في أصحاب نبيهم الذين هاجروا وتبوءوا الدار والإيمان من قبلهم، الذين تصدقوا بكل أموالهم لله ، الذين آثروا الآخرة على الدنيا، وآثروا ما عند الله على الزوجات، وعلى البنات والبنين، وعلى الضيعات، وعلى سائر من في الأراض، آثروا إرضاء رب العالمين على كل أحد. فهذا موقف الشيعة من الحكومات، لا يقرون لأي حكومة بالإسلام إلا حكومة رسول الله ﵌، وبعد حكومة رسول الله حكومة علي بن أبي طالب. ومن ثم ناصبوا المسلمين العداء على مدار الزمان والمكان، فمنهم نصير الدين الطوسي، وليس نصيراً للدين بل نصير الشرك والإلحاد، كان يأتي بأبيات وقصائد للخليفة العباسي أثناء خلافته، ولما دخل هولاكو بلاد المسلمين كان في استقباله نصير الشرك والإلحاد الطوسي مع ابن العلقمي، ومع ابن أبي الحديد اليد اليمنى لـ ابن العلقمي الوزير الشيعي الباطني الخائن، الذي أسلم زمام الخلافة العباسية لـ هولاكو، وجاء هولاكو بمن معه من المغول والتتار فاكتسحوا بلاد المسلمين وذبحوا الأبناء، وذبحوا البنات، وذبحوا الرجال، كما يُفعل الآن -بل أشد- بالمسلمين في بلاد البوسنة والهرسك، كانت المرأة من المغول ومن التتار تأتي إلى عشرين رجل أو إلى خمسين رجل وتقول لهم: ناموا فينامون، وتقول لهم: ابقوا على حالكم، فيبقون، وتذهب وتأتي بالسكين فتذبحهم جميعاً عن آخرهم ولا يتحرك منهم متحرك، وكان السبب في هذا كله نصير الشرك والإلحاد الطوسي ذلك الشيعي مع ابن العلقمي الوزير الرافضي، الذي كان يتستر بمبدأ التقية، ويتظاهر بأنه محسن إلى بني العباس، وبجانبه أيضاً ابن أبي الحديد. هذه بعض مواقفهم المخزية في الإسلام والمسلمين، والحكومات المسلمة. كانوا يتسترون بمبدأ التقية، فإذا جاء العدو وتمكنوا من المسلمين مزقوا أهل السنة كل ممزق، وشتتوهم كل تشتيت، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

стр. 10

موقف الشيعة من السنة أما موقفهم من السنة فهم بعيدون غاية البعد عن سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإذا كان رسول الله ﷺ قال جملة أحاديث نقلها عنه أصحابه ﵃، نقلها الصديق أبو بكر، ونقلها أمير المؤمنين الفاروق عمر، ونقلها ذو النورين عثمان بن عفان، ونقلها أبو هريرة، ونقلتها عائشة، ونقلها غير هؤلاء من أفاضل الصحابة كـ ابن عمرو وابن عمر وغيرهم، وهم يكفرون هؤلاء الصحابة، إذا جئت تقول لهم: قال أبو هريرة يقولون: أبو هريرة كافر لا نقبل حديثه، فيردون سنة رسول الله من هذا المنطلق، إذا جئتهم بحديث يقول لك قائلهم: من الذي رواه؟ تقول له: أبو بكر ذلك الصديق الذي قال الله فيه: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠]، فالله أثبت في كتابه أن أبا بكر صاحب للنبي ﷺ ، فيقولون: هو كذاب كافر مختلس للخلافة على أمير المؤمنين، هذا موقفهم من سنة رسول الله. فإذا كان هذا هو موقفهم من الصحابة، فهذا تدمير لسنة رسول الله ﷺ جميعها؛ لأن الصحابة هم الذين نقلوا لنا سنة نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وليس هذا فحسب بل هم الذين نقلوا لنا القرآن، هم الذين جمعوا القرآن من الرقاق ومن الصحف ومن الجلود فأثبتوه ورسموه على هذا النحو الميسر، الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] فإن طعنوا في أصحاب رسول الله فقد طعنوا في كتاب الله، وطعنوا في سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ثم لما طعنوا في سنة رسول الله، بدءوا في افتراء أحاديث على رسول الله ﵊، وتقولوا أقاويل تؤيد باطلهم، مثل حديث: (أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق وهوى) فيقولون: إن أهل البيت كالسفينة لابد أن تركبها وإلا فإنك ستهلك، ويفترون على رسول الله ﵊ الكذب ويقولون: (لما خلق الله الجنة ماتت ميتة فأنشأ الله لها الحسن في ركن والحسين في ركن فثبتاها) ويقولون: قال رسول الله: (خلقت أنا وعلي بن أبي طالب وزكريا ويحيى من طينة واحدة وعجينة واحدة)، ويقولون عن علي بن أبي طالب: (أنا الصديق من أبى فقد كفر)، ويفترون عن النبي ﵊ أنه قال في علي: (علي خير البشر من أبى فقد كفر) أي: من حاول تفضيل أبا بكر أو عمر على علي بن أبي طالب فقد كفر عندهم، وخرج من دين الإسلام. هذا هو موقفهم من سنة رسول الله ﷺ ، ولله الحمد أن كتبهم غير مسندة، وليست متصلة الأسانيد إلى رسول الله، إنما يقول قائلهم: بلغنا عن أجدادنا، بلغنا عن آبائنا، من الذي أبلغهم؟ الله أعلم، لم يذكر، فهي كلها أكاذيب، وكلها بلاغات لا تثبت بحال عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

стр. 11

الشيعة وعقيدة التناسخ أما دعواهم في مسائل العقائد، فيقولون في العقائد جملة أقوال، فمن عقائدهم عقيدة التناسخ، وفحواها أن الأرواح تتناسخ، يعني: إذا مت أنت انتقلت روحك إلى غيرك، قد يكون هذا الغير إنسان، وقد يكون حيوان، وقد يكون كلب، وقد يكون خنزير، وقد يكون سمكة، وقد يكون دودة، فإذا مت أنت تحولت روحك وتناسخت إلى جسم وهيكل غيرك، ويبنون على ذلك ترهات باطلة، أنهم يأتون ببغل وبحمار وبعنزة، فيضربون البغل ضرباً مبرحاً، مؤلماً غاية الألم، ويأتون بحمار كذلك، ويضربونه غاية الضرب، ويأتون العنزة الصغيرة ويضربونها ضرباً قاسياً، لماذا تفعلون ذلك؟ يقولون: إن روح أبا بكر تناسخت في هذا، وروح عمر تناسخت في ذاك، وروح عائشة تناسخت في هذه العنزة، وما هو ذنب هذا الحمار، وذنب هذا البغل، وذنب هذه العنزة، الذين اخترتموهم من دون البغال ومن دون الحمير ومن دون العنز؟ ما ذنب هؤلاء؟ ومن الذي أدراكم أن روح هؤلاء تناسخت في هؤلاء؟ هذه العقيدة عقيدة التناسخ موجودة ومتأصلة عند كثير من فرق الشيعة.

стр. 12

الشيعة وعقيدة التقية تأتي عقيدة أخرى وهي عقيدة التقية، عقيدة التقية هذه فحواها أن الشخص يظهر ما لا يبطن، وأعملوها فراراً من البلاء الذي وقعوا فيه، والتعكير الذي عكر عليهم لما قالت فرقة منهم: إن أبا بكر اختلس الخلافة على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، قالوا: إن رسول الله أوصى بالخلافة من بعده لـ علي بن أبي طالب، وكذبوا في هذا الافتراء، ثم قالوا: إن أبا بكر اختلس الخلافة على علي، وإذا قلت لهم: لماذا سكت علي إذاً؟ قالوا: سكت علي تقية! وهذا أساس مذهب التقية! فرقة أخرى منهم لم ترض هذا المسلك، وقالت: كفر أبو بكر، وكفر عمر، وكفر عثمان، وكفر علي؛ لأنه أقرهم، ثم أسلم علي لما تولى الخلافة؛ لأنه قَبِلها وأخذ حقه، وأمضى ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فنشأت عقيدة التقية التي بها يظهرون ما لا يبطنون، ويستحلون الكذب نصرة لمذهبهم، فإذا رءوا رأياً وضعوا له أحاديث عن رسول الله، واختلقوا له الأكاذيب ويروونه، فعقيدة التقية من العقائد التي لا تجعل أحداً من أهل الإسلام يصدقهم، وإذا ووجهوا بها: أنكروا ذلك، كما فعل ذلك ابن العلقمي ونصير الشرك والإلحاد الطوسي على ما سيأتي في قصتهما إن شاء الله. ومن عقائدهم الزائغة أيضاً القول بفناء الجنة والنار، فيقولون: إن الجنة ستأتي عليها أزمنة وتنتهي هي وأهلها ومن فيها، وإن النار سيأتي عليها وقت تنتهي هي وأهلها ومن فيها!

стр. 13

موقف الشيعة من عقيدة الرؤية ومن عقائدهم الزائغة أيضاً، القول بعدم رؤية الله في الآخرة، فالكفار كما قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥]، أما المؤمنون فقد قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب، وسترون ربكم كما ترون الشمس في يوم صحو ليس دونها سحاب)، وقد قال الله : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣]، وقال جمهور المفسرين في تفسير قوله : ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]: إن الزيادة هي النظر إلى وجه الله يوم القيامة، فكانت هذه جملة من عقائدهم.

стр. 14

موقف الشيعة من صحابة رسول الله ﷺ وأما موقفهم من أصحاب رسول الله ﷺ ، فلم ينج منهم أحد من أصحاب رسول الله ﵊، فما بين كافر وفاسق وفاجر، فريق منهم يطلق على عدد كبير من الصحابة الكفر، وفريق يقولون: ليسوا بكفار بل هم فسقة، والفاسق هو المجرم، هذا موقفهم من صحابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ويدعون عليهم في صلاتهم، وفي كتب تشابه الكتب التي عند عامة المسلمين مثل: دلائل الخيرات، وإن كان دلائل الخيرات كتاب أكثره باطل بل جله بل كله باطل، ففي كتب الشيعة صلاة تسمى الصلاة العمرية أو اللعنية أو قريباً من هذا الاسم، يقولون: اللهم العن صنمي قريش، وجبتيهما، وطاغوتيهما، وابنتيهما، يقولون ذلك في أبي بكر وعمر وعائشة وحفصة أزواج رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، هذا موقفهم من أصحاب رسول الله. كفروا أبا بكر كما كفروا عثمان بن عفان، كما كفروا وانتهكوا عرض عمر بن الخطاب أيما انتهاك، فضلاً عن تكفير سائر الصحابة، كـ عمرو بن العاص، ومعاوية بن أبي سفيان وغيرهم من صحابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كان هذا موقفهم من أصحاب رسول الله، وما زال هذا هو موقفهم من أصحاب رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا.

стр. 15

موقف الشيعة من القرآن موقفهم من القرآن الكريم أنه محرف! وألف رجل اسمه الطبرسي -وهو من علماء الشيعة- كتاباً سماه: فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب، وأتى فيه بآيات وقال: إنه كان في القرآن آيات فحرفت، وقد زعم أن الله قال -وليس الله بل شيطانه-: (يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والنبي والولي اللذين بعثناهما إليكم يهديانكم إلى صراط مستقيم) يقصد علي بن أبي طالب ورسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقالوا أيضاً: إن سورة الانشراح كان فيها: (ألم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك وجعلنا علياً صهرك)، وخفي على هؤلاء الحمقاء المجانين أن سورة الانشراح نزلت بمكة قبل أن يتزوج علي بن أبي طالب ﵁ بـ فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم! فـ علي تزوج بـ فاطمة ﵂ في مدينة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وسورة الانشراح سورة مكية. فضلاً عن إثباتهم التحريف الباطل، وادعائهم الكاذب بتحريف القرآن، وتأويلهم آيات القرآن على حسب ما يريدون، فأولوا الجبت والطاغوت بـ أبي بكر وعمر ﵄، وأولوا البقرة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة:٦٧] بأن البقرة هي عائشة زوج رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهذا موقفهم من كتاب الله .

стр. 16

موقف الشيعة من الرسالات أما موقفهم من رسالات الله، فقد قالت فرقة منهم: بإيجاب النبوات بعد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقالوا: إن النبوة انتقلت لـ علي بن أبي طالب، ومنه إلى الحسن، ومنه إلى الحسين ﵃، ثم انتقلت إلى محمد ابن الحنفية، أي: أن النبوة في علي وفي أبنائه الثلاثة، وقالت فرقة منهم: بنبوة رجل يسمى بيان بن سمعان، وكان هذا الرجل المجرم مدعياً للنبوة ومتجلداً فيها، ومعه رجل آخر اسمه المغيرة بن سعيد، وقد أحرقهما خالد بن عبد الله القسري بالنار، فجاء المغيرة بن سعيد إلى النار، فتوجس منها، وجاء بيان بن سمعان فاحتضن النار بقوة، مظهراً التجلد والتثبت فأُحرق إلى غير رحمة الله، وسيده المغيرة بن سعيد جبن عن النار فأحرق بها رغم أنفه، فقال خالد القسري لا تباعهما: إنكم مجانين، كان الأولى أن تجعلوا الإمارة عليكم لـ بيان بن سمعان، وكانوا من حمقهم وخيبتهم وجهلهم يتلون قوله تعالى: (هذا بيان للناس ولينذروا به)، وينزلونها على نبيهم المزعوم! وجاء نبي آخر عندهم يسمى بـ عمير التبان، يقولون في عمير التبان: إنه كان إذا مسك التبن تحول له ذهباً، فعبدوه وألهوه من دون الله ، وكل فرقة ادعت نبياً يتبع من دون رسول الله ﷺ ، ويفسرون قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب:٤٠] بأنه زينة النبيين؛ لأن الخاتم هو ما يتزين به، ويوردون على ذلك شبهاً مثل حديث: (إن مثلي ومثل الأنبياء قبلي كاللبنة أو كجدار نظر الناس إلى حسنه فرءوا الجدار طيباً إلا موطن لبنة فأنا اللبنة) فيقولون: إن محمداً ﵊ هو خاتم النبيين أي: زينة النبيين، وليس معناه: أنه لا نبي بعده، وقد كذبوا الخبر الوارد عن رسول الله ﷺ : (إنه لا نبي بعدي)، وقوله أيضاً: (بعثت أنا والساعة كهاتين)، فهذه دعواهم في مسائل الرسالات.

стр. 17

موقف الشيعة من جبريل ﵇ ما موقف هذه الفرق الشيعية من الملائكة؟ لهم موقف خطير من ملائكة الرحمن، فهم يتهمون جبريل ﵊ أنه قد خان؛ لأنه نزل بالرسالة على محمد ﷺ ، وفي الأصل أنها كانت لـ علي، والتمست فرقة منهم له المعاذير، وقالت: إن جبريل معذور، وهذه الفرقة الأخيرة التي التمست لجبريل المعاذير سميت الغرابية، لماذا سميت الغرابية؟ لأنهم قالوا: إن محمداً كان أشبه بـ علي من الغراب بالغراب، فلذلك أخطأ جبريل وهو معذور، ولعنته سائر فرق الشيعة! وخفي على هؤلاء العميان -عميان البصر والبصيرة- أن رسول الله ﷺ عند نزول الرسالة عليه كان ابن أربعين سنة، وعلي صبي صغير ﵁، ورسول الله صلى عليه وسلم كان أبيض، وكان إلى الطول أقرب منه إلى القصر، أما علي بن أبي طالب فكان إلى القصر أقرب منه إلى الطول، ورسول الله كان له شعر، وعلي كان أصلع، ولم يكن له إلا شعرات في آخر رأسه ﵁، ورسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يكن أبجراً، وعلي بن أبي طالب كان أبجراً ﵁، أي: له كرش كما يسميه الناس، هذه صفات علي، فهل يخفى على جبريل الأمين ﷺ حتى يخطئ في النزول؟ ثم هل يقره ربه على هذا الخطأ؟ الله سبحانه وصفه بالأمين كما قال : ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٣ - ١٩٥]، فالفرقة الغرابية جاءوا يوجهون هذا القول فوقعوا في كفر آخر! فلم يلعنوا جبريل؛ لأنه أخطأ، والخطأ مرفوع ما دام الشخص مجتهداً، ووقعوا في كفر آخر وهو تكذيب آيات الله ، فهذا موقفهم من الملائكة.

стр. 18

الأسئلة وسنورد الآن إن شاء الله على وجه الإجمال معتقدات هذه الفرق على وجه الإجمال؛ لأن تخصيص كل فرقة بشرح يحتاج إلى محاضرة كاملة لشرح أقوالها، ولكنا سنتعرض بمشيئة الله للأصول العامة لهذه الفرق أو لبعضها.

стр. 19

حديث الكساء السؤال ما حال حديث: الكساء؟ الجواب الحديث ثابت أن رسول الله ﷺ : أخذ علياً وفاطمة والحسن والحسين وطرح عليهم الكساء، وهو حديث الكساء المشهور، وقال: (اللهم إن هؤلاء أهلي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً)، ولكن لا يمنع أن يدخل فيهم غيرهم، فإن الله قال: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٢ - ٣٣] فدخل نساء رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في معنى الآل، وقال ﵊: (إنا آل محمد لا نأكل الصدقة)، فآل رسول الله منهم الحسن ومنهم الحسين ومنهم علي ومنهم فاطمة ومنهم أزواجه، ومنهم بنو العباس وغيرهم ممن حرمت عليهم الصدقة. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 20

ابتلاء الأنبياء إن للابتلاء حكماً وفوائد كثيرة جداً، فهو يكفر الذنوب، ويرفع الدرجات، وتنال به الإمامة في الدين وتنال به محبة الله سبحانه. وإن من أشد الناس بلاءً الأنبياء، فإن من نظر في سيرهم وما لاقوا من الابتلاءات وما كانوا عليه من صبر يدرك استحقاقهم لهذه المنزلة التي بلغهم الله إياها.

стр. 21

حِكم الابتلاء إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. ثم أما بعد: فإن محبة الله ﵎ تتمكّن من القلوب وتنمو وتربو وتزداد بالاطلاع على كتاب الله ، وبالنظر إلى سنن الله ﵎ في خلقه، وبالنظر إلى الحكم والغايات المترتبة على هذا القضاء والقدر. يقول الله في كتابه الكريم: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [المؤمنون:٧٥]، أفادت الآية الكريمة المباركة -وكتاب الله كله كريم ومبارك، وصحفه كلها مطهرة- أن الله إذا عافى الناس في أبدانهم وعافاهم في أموالهم وذرياتهم تمادوا في الغي، واستمروا في الظلم والعتو والفجور، ولكن يكسر العبد حتى تقف مسيرته الفاجرة إلى فجوره، يمرض حتى تنقطع آماله في اغتراف المآثم والجرائم، فيبتلى العبد لوقف مسيرة الطغيان التي هو فيها سائر. وفي الحديث عن رسول الله ﷺ ، الذي أخرجه الإمام أحمد وغيره من حديث محمود بن لبيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله ليحمي عبده من الدنيا وهو يحبه كما تحمون مريضكم من الطعام والشراب وأنتم تحبونه)، فكما أن مريضك يتطلع إلى الطعام الشهي وإلى الشراب الهني، وأنت تعرف ذلك تمام المعرفة، لكن تمنعه من طعامه، وتمنعه من شرابه، ليس كراهية له، إنما محبة له وحفاظاً عليه، كذا ربكم سبحانه يحمي عبده من الدنيا وهو يحبه حتى لا يقع هذا العبد فيما حرّم الله ﵎، وفيما نهى عنه، وفي الحديث عن رسولكم محمد ﷺ : (إذا أحب الله قوماً ابتلاهم، فمن صبر فله الصبر، ومن جزع فله الجزع)، وكلكم قد علم أن مزيد النعم تحمل على مزيدٍ من الطغيان، وأن الابتلاءات ترد العبد إلى ربه رداً جميلاً. أما كون النعم تحمل على الطغيان فقد تضافرت بذلك الآيات والأحاديث، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى:٢٧]، وقال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق:٦ - ٧]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا﴾ [الإسراء:٨٣]، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [الزمر:٨]، فجرت سنة الله في الخلق على أنهم إذا أمدوا بالعافية والمال والجاه والولد بدءوا في الطغيان والتطاول على الخلق، فيبتليهم الله بالبلايا، بلاءً تلو بلاء؛ لإرجاعهم إلى طريقه. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ [الأعراف:٩٤]، لماذا أخذناهم بالبأساء والضراء؟ قال تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾ [الأعراف:٩٤] أي: لعل أكف الضراعة منهم ترتفع إلى الله تسأله وترجوه وترغب إليه وتلجأ. وقال تعالى أيضاً في كتابه الكريم: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ [المؤمنون:٧٦]، فيفترض أن العذاب والبلاء يحدثان استكانة لله رب العالمين. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ [الأعراف:١٣٠] أي: بسنوات الشدة ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف:١٣٠]. وكذلك قال النبي ﷺ في شأن كفار قريش: (اللهم أعني عليهم بسنين كسني يوسف)، ذلك حتى يرجعوا إلى دينهم. فاستفيد من ذلك كله أن من أجلِّ مقاصد البلاء وأعظمها أن يرجع الشخص إلى دينه، فأستفيد -أنا وأنت أيها المسلم- من البلاء أن نستكين لربنا، وأن نرجع إليه، وأن نغنم من هذا البلاء رجعة وأوبة إلى الله ﵎، وكذا نغنم استغفاراً.

стр. 22

تكفير الذنوب والخطايا ورفع الدرجات فالحكم والغايات من وراء الابتلاءات والمحن كثيرة جداً، لا يعلم أمدها ولا مداها إلا الله ﵎، فمن أجل مقاصد تلك الابتلاءات التي تحل بنا: - أن نخرج منها وقد تحاتت عنا الذنوب والخطايا كما يتحات ورق الشجر. قال نبيكم محمد ﷺ : (ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بذلك من خطاياه)، وفي رواية: (إلا تحاتت عنه خطاياه -أي: تساقطت عنه خطاياه- كما يتحات ورق الشجر). ولما نزل على رسولكم محمد ﵊ قوله تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ [النساء:١٢٣] بلغت من الصحابة مبلغاً شديداً فشكوا إلى النبي ﵊ ما أصابهم من الهم وقالوا: (أينا لم يعمل سوءاً يا رسول الله؟ قال ﵊: أبشروا وسددوا وقاربوا ففي كل ما يصاب به المسلم كفارة لذنوبه). وفي الحديث الآخر: أن النبي ﵊ قال لـ أبي بكر ﵁ لما شكا بشكوة مماثلة: (يا أبا بكر ألست تنصب؟ ألست تتعب؟ ألست تصيبك اللأواء؟) أي: أن كل ذلك تكفر به الخطايا وتمحى به الذنوب. ولا يخفى عليكم أن نبيكم محمداً ﵊ كان يُبتلى ابتلاءً أضعاف أضعاف ما يبتلى به غيره، دخل عليه ابن مسعود ﵁ وقد وعك وعكة شديدة فقال: (أراك -يا رسول الله- يضاعف عليك البلاء، أذلك بأن لك أجرين؟ قال: أجل، إنا معشر الأنبياء يضاعف لنا الأجر كما يضاعف لنا البلاء). وتعلمون كذلك أن رسولكم ﵊ دخل على امرأة يقال لها أم السائب وهي تشتكي الحمى وترجف ويرجف جسمها فقال لها: (مالك يا - أم السائب - تزفزفين؟ قالت: يا رسول الله! الحمى لا بارك الله فيها. فقال ﵊: لا تسبي الحمى)، وأخذ منه: أن الأمراض لا تسب فإنها كفارات، (لا تسبي الحمى فإنها تذهب بخطايا بني آدم كما يذهب الكير بخبث الحديد). إذاً: استفدنا من قوله ﵊: (لا تسبي الحمى) أننا لا نسب عموم الأمراض؛ لأنها تمحو خطايا بني آدم، فالذي يطلقه الأطباء على مرض السرطان -عافانا الله وإياكم منه- إنه مرض خبيث، لا ينبغي أن يطلق هذا الإطلاق؛ وذلك لأن السرطان شأنه كشأن غيره، بل شأنه لشدته أعظم من شأن غيره في محو الخطايا وإزالة الذنوب. فينبغي أن ندقق -أيها الإخوة- في الاصطلاحات التي نطلقها حتى لا تتضمن وصفاً لشيء بعكس ما هو فيه، وحتى لا تتضمن اعتراضاً على قضائه وقدره. إن نبيكم محمداً ﵊ أتته أمة سوداء تشكو إليه ما مسها من الضر، كي يدعو الله لها، قائلة: (يا رسول الله! إني أصرع -يصيبها الصرع- فادع الله لي، فقال ﵊: إن شئت دعوت الله فشفاك، وإن شئت صبرتي ولكٍ الجنة. قالت: أصبر يا رسول الله! ولكن ادع الله لي ألا أتكشف) أي: لا تنكشف سوءتي أثناء صرعي، فدعا الله لها ألا تتكشف، فكانت تصرع ولكن ببركة دعوة رسول الله لا تتشكف، فكان الحبر الكريم عبد الله بن عباس ﵄ إذا رآها وقد تعلقت بأستار الكعبة تدعو ربها سائلة راجية مستغفرة يقول: (من سره أن ينظر إلى امرأة من أهل الجنة، فلينظر إلى هذه الأمة السوداء المتعلقة بأستار الكعبة) ويقص ابن عباس ﵄ على المسلمين خبرها. أيها الإخوة: قد عاد نبيكم محمد ﵊ مريضاً أعرابياً، وكما لا يخفى عليكم فالأعراب جمعوا مع جفاء القلوب جهلاً بالشريعة وأحكامها (فذهب النبي ﵊ إلى الأعرابي يزوره ويعوده، فوجده قد حم حمة شديدة، فقال النبي مصبراً ومواسياً: لا بأس، طهور إن شاء الله، فقال الأعرابي: طهور؟ -أي: تقول لي: طهور- بل حمى تفور، على شيخ كبير، تزيره القبور، فقال ﵊: فنعم إذاً) أي: أن الأمر إذاً كما اخترت لنفسك، فما دمت اخترت لنفسك ألا تكون الحمى كفارة، وألا تكون الحمى تطهيراً من الذنوب فكما اخترت لنفسك. ويذكر الشراح بإسناد يحرر: أن الرجل ما مرت به ليلتان إلا ومات، وذلك لحلول أجله، ثم إنه لم يقبل دعوة النبي ﵊، وهكذا دوماً مصير من لم يستسلم لدعوة النبي له، كما حدث نظيره لرجل يقال له: حزن وهو جد سعيد بن المسيب بن حزن فقد أتى النبي ﵊ فقال له: (ما اسمك؟ قال: اسمي حزن يا رسول الله! قال: بل أنت سهل، قال: لا أغير اسماً سمانيه أبي يا رسول الله!) قال سعيد بن المسيب ﵀: (فما زالت الحزونة فينا) أي: أن الحزن لازمهم على الدوام. أيها الإخوة: لقد قال ﵊ في شأن مرض شديد يحل بالأبدان ألا وهو مرض الطاعون: (الطاعون شهادة لكل مسلم)، وكذا في المبطون إذ قال: (شهداء أمتي خمسة: المطعون -أي: الذي أصابه الطاعون- والمبطون، والغريق، والحريق، وصاحب الهدم). وقال أيضاً: (والمرأة تموت بجمع) أي: التي تموت في نفاسها شهيدة كذلك، كذا قال رسولنا محمد ﵊. وفي الحديث: (يختصم الشهداء والمتوفون على فرشهم في قتلى الطاعون -كل يريد أن يأخذ الذين ماتوا من الطاعون إلى صفه يوم القيامة- يقول الشهداء: يا ربنا! أشبهت دماؤهم دماءنا، ويقول المتوفون على فرشهم: يا ربنا! ماتوا على فرشهم كما متنا على فرشنا، فيقول الله تعالى: انظروا إلى دمائهم، إن أشبهت دماؤهم دماء المتوفين على فرشهم فهم منهم، وإن أشبهت دماؤهم دماء الشهداء فهم منهم، فيجدون دماءهم قد أشبهت دماء الشهداء فيلحقون بهم) فضلاً من الله ونعمة منه ﵎. أيها الإخوة: لقد قال ﵊ فيما يرويه عن ربه ﵎: (من ابتليته بحبيبتيه -أي: بفقدان عينيه- فصبر عوضته خيراً منهما الجنة). أيها الإخوة: إن الدرجات ترفع بالابتلاءات، فكم من شخص منَّا له عند الله منزلة علية! لا يبلغها بعمله، لا يبلغها بصلاته ولا بصيامه ولا بقيامه، لكن يبلغها بالصبر في الفتن، يبلغها بالهم والحزن، يبلغها بابتلاء في ولد، وبابتلاء من جار شرير مفسد بالصبر عليه، فتبلغ بهذه إلى المراتب التي لم ترفعك إليها صلاتك ولم يرفعك إليها صومك، ولم يرفعك إليها كبير عمل قدمت، لكن تبلغها بالصبر على البلاء. إن الفتاة التي تقدم بها السن، ولم ترزق بزوج صالح تقر به عينها، ترتفع درجتها بصبرها على قضاء الله، وعلى قدر الله، وتلك التي تزوجت ولم تنجب لعلها ترتفع كذلك بصبرها عند الله درجات، وعساها وقد حرمت الولد أن تمد يديها لربها سائلة إياه الولد.

стр. 23

استخراج جوانب من العبودية إن الابتلاءات والمحن تستخرج منك جوانب من جوانب العبودية، لا تفعلها وقت رخائك ووقت يسارك، وإن الابتلاءات والمحن تستخرج منك دعوات مباركات كما استخرجت من زكريا ﵇ وهو يمد يديه إلى السماء: ﴿رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ [الأنبياء:٨٩] وهو يدعو ويقول: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [آل عمران:٣٨]. إن هذه الابتلاءات تستخرج منك دعوات لا تستشعر لها طعماً ولا تذوق لها حلاوة إلا عند البلاء. تستخرج منك دعوة كتلك التي دعا بها أيوب ﵇: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٣]، وكالتي دعا بها نوح ﵇: ﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر:١٠] كلها دعوات لا تخرج بإخلاص وبشدة إخلاص إلا مع عظيم الألم وشدة البلاء، فتستخرج أنواعاً من العبودية كالخضوع لله، وكالإخبات إليه، وكحسن التضرع واللجوء، وهذه لا تستخرج في وقت الرخاء واليسار. إن الابتلاءات تستخرج منك ما كان مكنوناً، إنها أحياناً تذرف من أقوام الدمع وترقق منهم القلب، فلا تكاد تشعر بنعم الله عليك إلا إذا حرمت هذه النعم، فلا تكاد تشعر بنعمة البصر إلا إذا ابتليت برمد، فإذا ابتليت برمد، أو بدمع لا ينقطع، أو بغشاوة على العين، شعرت بنعمة الله على سلامة البصر، وبنعمة الله إذ عافاك في البصر. أيها الإخوة: لا يشعر أحدكم بمعنى قول الله ﵎: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾ [الإنسان:٢٨] إلا إذا ابتلي بسلس البول، بلعاب يسيل ولا ينقطع، أو بنخام ونخاعات تنزل من الأنف ﴿وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾ [الإنسان:٢٨] معناها: قوينا عضلات التحكم فيهم، فعضلات التحكم في الفم شدها الله وقواها، وكذلك في الأنف، وفي العين، وفي الأذن، وفي القبل والدبر، فلا تشعر بهذه الآية إلا إذا ابتليت بسلس للبول، لا يستطيع له الأطباء علاجاً، إلا إذا ابتليت بإسهال مستمر لا تستطيع التحكم فيه، إلا إذا ابتليت بصديد ينزل من الإذن لا تستطيع أن تتحكم فيه، فتشعر حينئذٍ بنعم الله ﵎ عليك ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾ [الإنسان:٢٨]، فالابتلاءات كما أن ترق بها القلوب بإذن الله، وبها تشكر نعم الله ﵎ على العبد. إن مصائب حلت لصحابة رسول الله ﵊، بل وبرسولنا محمد ﵊ وكان من ورائها حكم وغايات لا يعلم مداها إلا الله.

стр. 24

الحكمة من ابتلاء النبي ﵊ والصحابة إن مصائب حلت لصحابة رسول الله ﵊، بل وبرسولنا محمد ﵊ وكان من ورائها حكم وغايات لا يعلم مداها إلا الله.

стр. 25

صور من ابتلاء الصحابة الكرام وهذا أبو بكر الصديق يبتلى بالمرتدين، ويبتلى بالطاعنين فيه من الروافض وقاتل الله الروافض الذين يقولون عن أبي بكر: إنه سرق ميراث رسول الله، وهو الذي قد تصدق بكل ماله لنصرة هذا الدين؛ لكن يبتلى من شراذم الروافض بأنه أكل ميراث فاطمة بنت رسول الله، وهو البار الصادق الخليفة العادل الراشد رضي الله تعالى عنه، وهو سيد شيوخ أهل الجنة. ويبتلى الفاروق عمر بالقتل وهو في صلاة الفجر، ولا يرعوي القاتل على حرمة لله، بل يقتل رجلاً عادلاً وهو يصلي صلاة الفجر، ويطعنه بخنجر وهو في صلاة الفجر، فأي فجور أشد من هذا الفجور، يقتل مسلماً وهو يصلي الفجر بخنجر مسموم، وتتحقق رؤيا عمر التي رآها قبيل وفاته: (رأيت كأن ديكاً أتاني فنقرني ثلاث نقرات)، فلما طعن الثلاث طعنات تلا عمر قول الله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب:٣٨]. فمهما احترزت -يا ابن آدم- لابد وأن يأتيك قدر الله ﵎ الذي قدر لك. وهذا أمير المؤمنين الخليفة الراشد عثمان بن عفان الحيي الذي تستحي منه الملائكة، الذي زوجه الرسول بابنتيه، يقتل قتلة بشعة، وهو يتلو كتاب ربه، فتسيل الدماء وتنزف وهو يتلو كتاب ربه، ولا يلوي قاتلوه على ذكرى ذكروا بها، فإنه ذكر الخوارج أمام أصحاب النبي وقال: أناشدكم الله يا أصحاب محمد! هل تعلمون أن الرسول قال: (من حفر بئر رومة فله الجنة) فحفرتها من خالص مالي، وجعلت دلائي فيها كدلاء المسلمين؟ أتشهدون لي بذلك يا أصحاب محمد؟ قالوا: نشهد لك بذلك، ثم يقول: يا أصحاب محمد! أتشهدون أن رسول الله قال: (من جهز جيش العسرة فله الجنة) فجهزته جميعاً من خالص مالي؟ قالوا: نشهد لك بذلك يا أمير المؤمنين! فقال: فبم يقتلونني؟ فبم يقتلونني؟ ثم يقول عثمان: والله! ما مسست ذكري بيميني منذ أسلمت، ولكن لا يلوي أهل البدعة على أحد، فقتلوه وهو يتلو كتاب ربه كما قال الشاعر: تمنى كتاب الله أول ليله وفي آخره لاقته حمام المقادر وهذا الخليفة الراشد علي أمير المؤمنين ﵁، ابن عم رسول الله، وزوج ابنته، يبتلى بخوارج فجرة عاثوا فساداً في الأرض، ابتلي بمكفرين كفروه، وهو أول من أسلم من الصبيان، بمكفرين كفروه وهو المبارز يوم بدر، بمكفرين كفروه وهو الذي نام في فراش النبي محمد ﵊ ليلة الهجرة، بمكفرين كفروه وهو والد سيدي شباب أهل الجنة. ابتلي بخروجهم عليه، وقتلهم له وهو خارج لصلاة الفجر رضي الله تعالى عنه، فقتله خارجي ويفرح بقتله أشد الفرح، فلم يقتله ويحزن، بل يقتله وهو سعيد لأنه قتل علياً المبشر بالجنة، وهو أول من يجلس للخصومة بين يدي الرحمن ! ولا يقف الأمر عنده، بل ولداه سيدا شباب أهل الجنة حسن وحسين ﵄، اللذان قال فيهما النبي: (هما ريحانتاي من الدنيا) أما الحسن فيذكرون أنه مات مسموماً، فالله أعلم بذلك وبمن سمه، وأما الحسين ابن بنت رسول الله فيحجب عن الماء حتى لا يشرب، والماء يشرب منه الكلب، ويشرب منه الكافر، ويشرب منه اليهودي والزنديق، وابن بنت رسول الله سيد شباب أهل الجنة مع أخيه ينظر إلى الماء وهو في أشد العطش ويحرم منه! ويأتي الآتي فيقطع رأس الحسين ويضعه في طست، ويذهب به إلى أمير غشوم ظالم يعبث بالسيف فيه، وبين الأسنان، ويطعن في حسن الحسين رضي الله تعالى عنه. أيها الإخوة: لقد ذهب بصر عبد الله بن عباس الذي كان يقرأ به كتاب ربه، ويلتمس أفضل التأويلات فيه، لقد ذهب هذا البصر الذي كان يطلع به على سنة رسول الله ﵊، ومع ذلك صبر واحتسب ﵁، كما ذهب بصر العالم الصحابي الجليل جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه، وهم كرام كرام رضي الله تعالى عنهم، ومع هذا ابتلوا ابتلاءات شديدة. وهذا عبد الله بن الزبير أول مولود ولد في الإسلام بمدينة رسول الله يقتل، بل ويصلب على مشارف مكة التي كرمها الله، وخالته هذه زوجة رسول الله. أيها الإخوة: إن الابتلاءات تحل بأهل الإسلام كما تحل بغيرهم، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء:١٠٤]، فنحن كمسلمين نرجو من الله الجنة، فينبغي أن نقدم مزيد صبر على البلاء، وينبغي أن نقدم مزيد احتساب للأجر فإنا نرجو من الله ما لا يرجوه غيرنا. وإن كانت الابتلاءات لازمة إلا أن سؤال العافية لازم أيضاً، قال ﵊: (إن السعيد لمن جنب الفتن، ولمن ابتلي فصبر فواها) ولقد كانت أكثر دعوة يدعو بها نبينا محمد: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار). فاللهم! ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. اللهم! جنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم! جنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم! عافنا في أبداننا وفي أسماعنا وفي أبصارنا، واجعل ذلك الوارث منا يا رب العالمين! اللهم! عافنا في أزواجنا وذرياتنا، وأصلح لنا الأزواج والذريات، وأصلح لنا النيات يا رب العالمين! اللهم! مسكنا بالعروة الوثقى حتى نلقاك، اللهم! ثبتنا على كلمتي الإيمان والهدى حتى نلقاك. اللهم! من أراد بالإسلام والمسلمين خيراً فوفقه لكل خير، ومن أراد بهم شراً فعليك به، فإنه لا يعظم عليك أخذه يا رب العالمين! اللهم! ول على المسلمين خيارهم، واصرف عنهم شرارهم يا رب العالمين! ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا. اللهم! اشف مرضانا ومرضى المسلمين، وارحم موتانا وموتى المسلمين، واقضِ الدين عنا وعن المدينين، وفك أسرانا وأسرى المسلمين، وعليك بكل جبار عنيد، وبكل باغ مريد يا رب العالمين! اللهم صلِ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.

стр. 26

صور من ابتلاء الأنبياء الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد: لقد سمعتم -أيها الإخوة- طرفاً مما ابتلي به من كان قبلنا، ولسنا جميعاً ببدع من الخلق، بل نحن خلق كسائر خلق الله ﵎، نبتلى كالذين ابتلاهم الله ﵎، وتتنوع علينا الخطوب وتتنوع علينا الابتلاءات كما تنوعت على من كان قبلنا، وقد قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:٢ - ٣] وقد قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد:٣١]، إن المستقرئ للتاريخ عموماً وكذا المستقرئ لكتاب الله يرى ما حل بالذين كانوا من قبلنا، وهذا عرض سريع جداً للإصابات والابتلاءات التي ابتلي بها من كانوا قبلنا: فأبونا آدم ﵇ فضلاً عن طرده من الجنة يبتلى بابتلاء آخر شديد وشاق عليه أيما مشقة، يبتلى بأن يقتل ولده الطالح الشرير المفسد ولده الصالح، فتخيل إذا حل بك -يا عبد الله- هذا البلاء، إذا كان لك ولدان أحدهما صالح في غاية من الصلاح، وبار بك وتقي، والآخر شرير مفسد، فيتسلط الشرير المفسد على الصالح فيقتله، كيف سيكون الأمر؟! إن رحماً قطعت، إن دماءً سفكت، إن هموماً شربت، إن أحزاناً حلت، إن نيراناً أعدت، وإن جناناً كذلك أعدت، فماذا يصنع آدم ﵇ أمام هذا الابتلاء الشديد المر القاسي؟ ولده الطالح يتسلط على الولد الصالح المذكر بالله ويقتله قتلة شديدة بشعة، أبوك آدم يبتلى بهذا ﵊. كذلك نوح ﵇ فضلاً عن تكذيب قومه له، يرمونه بالجنون! ويزداد الرمي يوماً بعد يوم، يصنع السفينة على البر فيزداد رميهم له بالجنون، يقولون: انظروا هذا الذي كان يزعم أنه نبي، فدل على جنونه عندهم أنه يصنع سفينة على البر، والسفن تصنع في البحار، وتزداد السخرية وهو يحمل فيها من كلٍ زوجين اثنين، كيف بهم وهم يرونه يجمع قطاً وقطة، جدياً وعنزة، ديكاً ودجاجة، ويضعها على السفينة وهي على البر؟! إن السخرية منه قد ازدادت وازدادت؛ ولكن الله يعلم والبشر لا يعلمون، وابتلي فضلاً عن تلك السخرية والتكذيب بولدٍ عاق وبولد كافر، يدعوه نوح: ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾ [هود:٤٢] فيقول الغبي: ﴿سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود:٤٣]، فيبتلى ﵇ بموت ولده أمام عينيه على الكفر -والعياذ بالله- فموت الولد أمر مقدر على الجميع؛ لكن موته على الكفر أمر شاق على من يعلم عن الله أوامره ومن يعقل عن الله شرعه. كذلك يبتلى بزوجة مؤذية شريرة تدل الكفار على من آمن فيسومونهم سوء العذاب. أنتقل إلى الخليل الذي وفى، يبتلى خليل الرحمن بجبار عنيد، بحاكم ظالم مبير يقول له: أنا أحيي وأميت، ويدعي أن الإلهية له، يبتلى به فيصبر إبراهيم على البلاء ولا يجبن ولا يتراجع، بل يقول له بقوة وبصراحة وجرأة بلا مداهمة ومماراة: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة:٢٥٨]، ثم يقول: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:٢٥٨]، فكلمة الحق أمام هذا الطاغية الجائر لم تعجل بأجل إبراهيم ﵇، ويبتلى بنار أعدها له المجرمون وأشعلوها، وهم لا يمزحون ولا يداعبون ولا يهددون، بل قذفوه فيها وهو صابر محتسب يقول: حسبنا الله ونعم الوكيل. يبتلى كذلك في البدن فيؤمر بالختان، وهو في الثمانين سنة ولا يتردد، فيأتي بالقدوم -آلة النجار- فيقطع من نفسه الجلدة صابراً محتسباً لأمر الله، ويبتلى في ولده: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات:١٠٢] فيجيب الابن البار ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾ [الصافات:١٠٢ - ١٠٣] أي: استسلما ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات:١٠٣] طرحه على وجهه وأتى بالسكين، فحينئذٍ نزل الفرج ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات:١٠٤ - ١٠٧]. أنتقل إلى الكليم الكريم موسى ﵊، ابتلاء تلو ابتلاء، من الجبابرة فرعون وهامان وقارون الكذاب، ومن بني إسرائيل، وقد ذكر في الموقوفات أن قارون أعد خطة للنيل من موسى ﵇، فأوعز إلى امرأة بغي من البغايا بعد أن أعطاها ألفين من الدراهم أن تقذف موسى بالزنا، فبينا موسى يخطب في بني إسرائيل قام قارون قائلاً: يا نبي الله! ما عقوبة من زنى وهو محصن؟ قال: عقوبته الرجم، قال: يا كليم الله! ما عقوبة من زنى وهو محصن؟ فقال: عقوبته الرجم، ثلاثاً، قارون يؤكد ويستثبت من الفتيا، فقال للمرأة: قومي فتكلمي. فقامت وقذفت موسى أمام الملأ بالفاحشة وهو كليم الرحمن، فقال موسى: أناشدك بالذي أنزل التوراة أهذا قد حدث؟ قالت: أما وقد ناشدتني فوالله! ما حدث هذا، ولا شيء من هذا، بل قارون أعطاني من المال كذا وكذا. في ذلك وفي غيره أيضاً يقول تعالى: ﴿لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب:٦٩]، فتهم تقذف للأبرياء، وأعراض تنتهك، وهم عليها صابرون، والله ينجيهم ويبرئ ساحتهم. أما عيسى روح الله وكلمته التي ألقاها إلى مريم، فهو الآخر يقذف من شراذم اليهود بأنه ولد زنا، وتتهم الصديقة الكريمة العفيفة المحصنة مريم ﵍ بأنه زنى بها يوسف النجار الذي كان يدخل عليها المحراب، وهي الصديقة الكريمة التي أحصنت فرجها، فيمكن الله لعيسى شفاء المرضى بإذنه ، من الأمراض المستعصية، يبرئ الأكمه والأبرص، بل ويحيي الموتى بإذن الله؛ ولكن يتهمونه بأنه ساحر ﵊. أما نبيكم محمد ﷺ فصنوف البلاء عليه تعددت، منذ ولد يتيماً تعددت وتنوعت، فنشأ يتيماً ثم ماتت أمه، فأصبح يتيم الأبوين، ثم يبدأ في رعي الغنم ﵊، ثم يعمل أجيراً عند خديجة بنت خويلد قبل تزوجها، ثم تمر به الأمور أمراً تلو أمر، فيؤذى في بلده، ويخرج منها وينظر إلى تلال مكة وجبالها وهو مهاجر والدمع ينحدر من عينيه قائلاً: والله! يا مكة! إنك لأحب بلاد الله إلى الله، وأحب بلاد الله إليّ، ولولا أن قومك أخرجوني منك ما خرجت، ثم تتوالى عليه الابتلاءات في المدينة من يهود، ومن أهل نفاق، ويرى رؤى مزعجة لما سيحل بأمته، ثم يموت ويلقى ربه صلوات ربي وسلامه عليه، كما مات غيره من الرسل، فيبتلى المسلمون بذلك وتتنوع الابتلاءات.

стр. 27

الصبر على البلاء سبب لمحبة الله أيها الإخوة! اصبروا على الابتلاءات تحظوا بمحبة ربكم، إن الله يحب الصابرين، إن الله مع الصابرين، ﴿أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٧]. - فمن مقاصد الابتلاء نيل محبة الله بعد نيل الإمامة، ألم تروا أن أيوب ﵇ نال درجة علية وشهادة سامية بصبره على البلاء؟ قال تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:٤٤]، ثلاث شهادات لو نال واحدة منها شخص منا ما وسعته الدنيا بأسرها، قال: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:٤٤]. هل نال الصديق يوسف درجة الصديقية إلا بالصبر على ما حل به من البلاء؟! هل نال نوح درجة العبد الشكور إلا بصبره على البلاء؟! وإبراهيم الذي وفى هل نال درجة الإمامة إلا بصبره على البلاء ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:١٢٤]؟! الشاهد: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة:١٢٤] أي: بأوامر ونواهٍ، فقام بهن وصبر، فقال الله له: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة:١٢٤] فالإمامة تنال بالصبر محبة الله تنال بالصبر معية الله تنال بالصبر الدرجات ترفع بالابتلاءات والصبر عليها. جعلنا الله وإياكم من الصابرين، استغفروا ربكم إنه كان غفاراً.

стр. 28

حادثة الإفك وما يستفاد منها من الحكم والغايات أيها الإخوة: إن الابتلاءات تفرز حكماً لم نكن ندركها إلا بهذه الابتلاءات، فلقد أفرز حادث الإفك الأليم حكماً وغايات لا يأتي عليها الحصر، ذكر العلماء منها مائة فائدة، منها: - إحسان الظن بأهل الإسلام ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ * لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور:١٢ - ١٣]. فليست كل شائعة يطعن بها في عرض وينال بها من مسلم تصدق؛ كلا، بل يلزمنا الظن الحسن بإخواننا أهل الإسلام ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ [النور:١٢] وكما قال تعالى في شأن هذا الحادث ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النور:١١]، إن الصديقة بنت الصديق نالت إمامة بسبب هذا الحادث. - وكذا الابتلاءات تنال بها الإمامة ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤]، إن الصديقة عائشة نزل في شأنها قرآن يتلى في المحاريب ويحفظ في الصدور، ويدرس في الكتاتيب، وفوق ذلك هو ثابت بين دفتي المصحف إلى أن يأتي أمر الله، ثابت ثناء الله عليها وتبرئتها في هذا الكتاب العزيز: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النور:١١]، وكذا ثابت في شأنها ﴿َالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ [النور:٢٦] كله ثناء على عائشة. - استفيد من هذا الحادث رغم مرارته إقالة عثرة ذوي العثرات وذوي الهيئات، إذ أن الله ﵎ قال: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٢٢]، فالصبر الصبر.

стр. 29

غزوة أحد وما فيها من ابتلاء وما يستفاد منها ابتلي النبي ﵊ بالذي ابتلي به يوم أحد، ولم يكن أمراً عند المسلمين متوقعاً، فلم يكن متوقعاً عند أهل الإيمان الذين أقروا لله بالوحدانية ولنبيه بالرسالة أن يدال عليهم أهل الكفر، وأن يغلبهم يوماً ما أهل الكفر، لكن قدر الله وما شاء فعل، ابتلي المسلمون -ببعض ما قدمت أيديهم- بأن يدال عليهم عدوهم، ابتلي المسلمون يوم أحد بقتل أفاضل كرام، فقتل حمزة عم رسول الله، الشجاع المقدام الذي هو أسد الله بوصف رسول الله له، وتأتي امرأة آنذاك شريرة مفسدة كافرة بسكين فتبقر بطنه وتستخرج الكبد تلوكها بلسانها، وتجدع من حمزة الأنف، تقطع الأنف بالسكين، وتقطع أعضاءه وتمثل به تمثيلاً شديداً، وحمزة هو من؟ حمزة عم رسول الله ﵊. ولا يقف الأمر على ذلك، بل رأس النبي الكريم ﵊ شج، ونزف منه الدماء، وتأتي فاطمة ﵍ بماء تغسل به الرأس الكريم لإزالة أثر الدماء فلا يزداد الدم إلا انصباباً من رسولنا محمد، ولا يسكن الدم، حتى تأتي بحصير وتحرقه وتأخذ رماده وتسد به جرح النبي ﵊. وليس هذا فحسب بل تكسر رباعيته وهو الصادق المصدوق سيد الناس يوم القيامة، فسيد ولد آدم، تكسر رباعيته ﵊! ولا يقف الأمر عند هذا بل يقف كافر عند ذاك فيقول متطاولاً ظالماً باغياً: (اعل هبل). أي: صنم هبل ارتفع يا هبل، ارتفع يا هبل فقد ارتفعت، كذا يزعم، ويقول: (لنا العزى -أي: لهم الصنم العزى- ولا عزى لكم). كل ذلك يفعل في خير القرون مع خير الرسل مع سيد ولد آدم، وسيتعجب أهل الإسلام فيقولون: أنّى هذا؟! كيف يحدث هذا؟! كيف يكون هذا؟! كيف يدال أهل الشرك وأهل الظلم على المسلمين؟! من أي وجه أتانا هذا؟! فيقول تعالى: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٥]، أنتم الذين تسببتم لأنفسكم، بمعصية بعضكم للنبي ﵊. فيستفاد من ذلك درس، وهو أن المعاصي لها شؤم -والعياذ بالله- حتى مع خير القرون، إنها تسبب البلاء، إنها تسلط عليك العدو الباغي الأثيم، إنها تحرم الأرزاق كما حرم آدم سكن الجنة بسببها، وكما كشف عنه ستره وغطاؤه، وانكشفت عورته وطفق يستر نفسه بورق من ورق الجنة بسبب معصيته إلى أن تاب الله عليه. لقد تلقى المسلمون دروساً من غزوة أحد، فعلينا أن نستفيد منها نحن ونتعلم، والأمر كما قال هرقل وقد سأل أبا سفيان بن حرب عن نبينا محمد قبل أن يسلم أبو سفيان بن حرب قال له: هل حاربتم هذا الرجل؟ قال: نعم حاربناه، قال: كيف كان قتالكم إياه؟ قال: الأيام بيننا دول والحرب بيننا سجال، ينال منا وننال منه، قال هرقل -وكان كافراً لكنه كان حكيماً-: وهكذا الرسل تبتلى ثم تكون لها العاقبة. إذاً: لقد تلقى المسلمون من غزوة أحد دروساً نافعة جداً، فرغم ما مسهم من الأذى وما أصابهم من القرح، من الله عليهم بمنن لا يأتي عليها الحصر من وراء هذه الغزوة المباركة، فقد علموا أنه لابد من إعداد العدة للكفار، عدة إيمانية وعدة كذلك من العتاد، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران:١٢١].

стр. 30

ابتلاء العباد [١] جعل الله ﵎ الحياة الدنيا دار ابتلاء واختبار، فمن العباد من يبتلى بالضراء، ومنهم من يبتلى بالسراء، فمن صبر في الضراء وشكر في السراء فاز وربح، ومن كان غير ذلك خاب وخسر. ومن نظر إلى أحوال أهل البلاء فحري به أن يشكر نعمة الله عليه بالعافية.

стр. 31

الدنيا دار ابتلاء الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداًَ عبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. وبعد: فقد شاء الله أن يجعل هذه الحياة الدنيا دار ابتلاء واختبار؛ ولذلك خلق خلقه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان:٢]، وكما قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك:٢]، وقال سبحانه: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقّ﴾ [المؤمنون:١١٥ - ١١٦] أي: تعالى الله عن العبث، فهو الملك الحق: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٦]، وقال سبحانه كذلك: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى﴾ [القيامة:٣٦ - ٣٧]، فلذلك معشر الإخوة: خلق الله خلقه للابتلاء وللاختبار، حتى سيدنا ونبينا محمد ﵊، قال الله له كما في الحديث القدسي عند مسلم: (إن الله قال لنبيه محمد ﵊: وإني مبتليك ومبتلٍ بك) هكذا قال الله سبحانه -في الحديث القدسي- لنبيه محمد عليه أفضل صلاة وأتم تسليم. فهذه هي الحياة الدنيا كلها وما عليها ابتلاء، وكلها وما عليها اختبار، حسن الحسن، وجمال الجميل، وثراء الغني، وفقر الفقير، وصحة الصحيح، ومرض المريض، كل ذلك ابتلاء، قال الله سبحانه: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف:٧]، ثم قال مبيناً مآلها بعد ذلك: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف:٨]، وقال الله سبحانه محذراً من هذه الفتنة: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه:١٣١] (أزواجاً منهم) أي: أصنافاً من الكفار.

стр. 32

الإحسان إلى أهل البلاء انظروا إلى من حولكم من أهل البلاء، وتفكروا في أحوالهم، ولا تنسوا شكر نعم الله عليكم، ولا تنسوا مواسات إخوانكم الذين ابتلاهم الله سبحانه، أمدكم الله بنعمة الأمن في بيوتكم، ونعمة المطعم والمشرب، ولكن ثَم مسلمون في أنحاء العالم وبقاع الأرض مشتتون ومشردون ليس لهم مأوى يأوون إليه، فعليك أن تحمد الله إذا آويت إلى فراشك عند نومك، وتقول ما علمك نبيك محمد ﵊ مستشعراً نعمة الله عليك: (الحمد لله الذي كفانا وآوانا)، حقاً كم ممن لا كافي له ولا مؤوي؟ إخوانكم في بلاد العالم من المسلمين يشردون ويشتتون ويفارقون الأهل والديار والأموال والأولاد، يتركون كل ذلك فراراً بدينهم، وفراراً بأنفسهم من أعداء الله سبحانه، وأنتم تطالعون ذلك في الصحف، فإخوانكم في بلاد كوسوفا يشتتون ويشردون ويطردون، تاركين الأهل والأولاد والأثاث والمتاع فراراً بدينهم ثم فراراً بأنفسهم من العدو النصراني الصليبي الحاقد، يشتتون أيما تشتيت، وتبقر بطون النساء، ويذبح الأولاد، كالذي كان يصنع على عهد فرعون الأثيم، وآخر شيء وصلني في نشرة من إخواننا هنالك: رجل وزوجته وابنته التي تدرس هنالك، قتل زوجها وهي تبلغ من العمر ثمانية وعشرين عاماً وهي حامل، فجاء هؤلاء الكفرة الصرب الظالمون إلى هذا البيت، وأمروهم بالخروج منه، وقالوا: بعد أن تدفعوا عن كل رأس منكم مائة -من عملتهم- فدفعوا عن كل شخص منهم مائة، فقالوا: وأين مائة الجنين؟ فقالوا: هذه المائة للجنين، فقالوا: إننا نأخذ على الذكر مائة وعلى الأنثى مائتين، فقالوا: هذه المائة التي معنا لكونه ذكراً إن شاء الله، فقالوا لرب البيت: إن لم يكن ذكراً شنقت، وفعلاً أتوا بالمشنقة، ووضعوا رقبته فيها، والكرسي تحت رجليه، فقالوا: غاية ما نفعل بك إذا كنت كاذباً أن نسحب الكرسي من تحت رجليك! وجاءوا إلى المرأة الحامل وبقروا بطنها وهي حية بلا رحمة ولا شفقة، فاستخرجوا المولود فكان ذكراً، ففكوا المشنقة من عنق الرجل، وذبحوا المولود، وتركوا الوالدة ينزف دمها حتى ماتت! هذه أفعال بشعة تفعل بإخوانكم من أهل الإسلام. فضلاً عن إخراجهم من ديارهم وهم مئات الألوف، فاحمدوا الله الذي أطعمكم من جوع، والذي آمنكم من خوف، وهذه النعمة لا يستشعرها الناس إلا إذا سلبت منهم، استعيذوا بالله من قهر الرجال، فأي قهر لرجل يذبح ولده بين يديه؟ أي قهر يحدث لك أن ترى رجلاً يفعل بامرأتك الفاحشة؟ يهتك عرض ابنتك أمام عينيك، ورأسك يداس بالأقدام وبالنعال، أي قهر للرجال أشد من هذا القهر يا عباد الله؟! فاحمدوا الله على نعمة الأمن التي تعتبر ابتلاء من الله، وشاركوا إخوانكم الذين ابتلاهم الله بمثل هذه البلايا بالدعاء، أو بالمال، فشاركوا إخوانكم بشيء من التبرعات بكفالة يتيم هنالك، أو سد جوع جائع هنالك، أو كسوة عارٍ، حتى يزكي الله قلبك ومالك، وتستشعر أنك تشارك إخوانك ولو بالشيء اليسير، استشعاراً لإخوة الإسلام التي تربطك بهؤلاء الأعاجم، لا يربطك بهم نسب، ولا يربطك بهم حسب، بل ولا تربطك بهم لغة، فلغتهم غير لغتك، ليس بينك وبينهم إلا أخوة الدين والإسلام. يا عباد الله! استشعروا برباط الإسلام الذي يربطكم بإخوانكم، فليتبرع لهم متبرع ولو بعشرة قروش، فإن النبي قال: (اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة)، وأمكم عائشة ﵂ جاءتها امرأة معها ابنتان تسألها، فدخلت عائشة ﵂ إلى البيت فما وجدت شيئاً غير تمرة، فأخرجتها وسلمتها للمرأة، فشقتها المرأة بين ابنتيها نصفين، فأخبرت عائشة ﵂ رسول الله ﷺ بذلك، فقال ﵊: (من ابتلي بشيء من هذه البنات فصبر عليهن، كن له ستراً من النار يوم القيامة)، فيا معشر الإخوة عليكم بالدعاء لإخوانكم، وعليكم بالتبرع لإخوانكم، والحمد لله على كل حال. اللهم! انصر الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، اللهم! أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، اللهم! خذ بأيدينا ونواصينا إلى البر والتقوى، اللهم! عليك بالصرب الظالمين وبكل باغٍ معتد أثيم يارب العالمين، اللهم! انصر الإسلام والمسلمين، وأيدهم بنصرك وبتأييدك يا سميع الدعاء يا مجيب السائلين، وكلل اللهم مساعينا جميعاً بالتوفيق، وتقبلها بقبول حسن, واجمعنا جميعاً مع نبينا محمد ﷺ في أعلى جناتك، جنات الخلد التي أعدت للمتقين.

стр. 33

الحث على التوبة لمن لم يصبر عند البلاء الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد: معشر الإخوة: كم ابتلينا واختبرنا فرسبنا في الابتلاءات والاختبارات! كم منا من شخص ابتلي فلم يقل ما يرضي الله ، ولكن رب العزة فتح باب التوبة للتائبين، فتح باباً لا يغلق لمن أراد أن يتوب، قال النبي ﷺ : (إن للتوبة باباً مفتوحاً لا يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها) وقال النبي ﵊: (إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل)، فجدير بكل من رسب في هذا الاختبار، أو لم يقم بشكر نعمة أنعم الله بها عليه أن يرجع إلى الله، أن يرجع إلى الله مستغفراً أواهاً منيباً، فالله يحث كل مذنب أن يرجع إليه، قال تعالى -وانظر إلى هذه الآية الطيبة الكريمة ذات المعاني العظيمة، التي عدها بعض أهل العلم من أرجى الآيات في كتاب الله-: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمِ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء:١١٠]، فأي آية في الحسن بعد هذه الكلمات؟ فيا معشر الإخوة: أحبوا ربكم كما يحبكم ربكم، ربكم سبحانه يحبكم ويصلي عليكم ليخرجكم من الظلمات إلى النور، فاشكروه واحمدوه واستغفروه، وتدبروا آياته، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب:٤١ - ٤٢]، ثم قال بعدها في الآية التي تلتها: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٣]، فكأن معنى الآية -والله أعلم-: كما أن الله سبحانه وهو في السماء مستوٍ على العرش، يصلي عليكم، وملائكته يصلون عليكم ليخرجكم من الظلمات إلى النور فبالمقابل اذكروه ذكراً كثيراً وسبحوه بكرة وأصيلاً، فإنه بالمؤمنين رحيماً. فجدير بكم -معشرة الإخوة- أن تقابلوا نعم الله بالشكر، وتقابلوا ابتلاءات الله أياً كانت أنواعها بالصبر؛ ليجد ربكم سبحانه الواحد منكم صابراً من أهل الفضل والصلاح: ﴿نَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:٤٤]، فكل من ابتلي بالضراء عليه أن يكون في عداد الصابرين، وكل من ابتلي بالسراء عليه أن يكون من الشاكرين.

стр. 34

الحكمة من الابتلاء فيا معشر الإخوة: ليكن أحدكم فطناً لما يدور حوله، ولما يحل به ولما هو فيه، فوالله! قد تبتلى وأنت لا تشعر، تخرج من بيتك آمناً مطمئناً، تأكل وتشرب وأنت في أمن وفي رغد من العيش، وهذا في نفسه فتنة، الأمن فتنة ستسأل عنها يوم القيامة، ومن ثم قال تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش:٣ - ٤]، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت:٦٧] أي: هلا قاموا بشكر نعمة الأمن؛ فالناس يتخطفون من حولهم! هلا قاموا بشكر نعمة الصحة والعافية، والناس مرضى يتوجعون من حولهم! هلا قاموا بشكر نعمة الغنى؛ والناس يتضورون جوعاً من حولهم. قال رسولنا محمد ﵊ وقد ذهب إلى بيت رجل من الأنصار هو وأبو بكر وعمر، فقرب لهم ماءً ورطباً فأكل النبي وصاحباه وشربوا، ثم قال (والذي نفسي بيده! -أقسم الرسول والحديث ثابت وصحيح- لتسألن عن نعيم هذا اليوم)، فهذا ابتلاء ولكنك لا تشعر به. يا عبد الله! يا من آتاك الله منصباً! اعلم أن في المنصب ابتلاء لك، فلا تزدرِ من هم تحت يديك، يا من أصيب بالفقر! اعلم أن في الفقر ابتلاء لك فكن من الصابرين، وللابتلاءات حكم فاعلمها واغتنم الخير منها، قال تعالى: ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾ [الأنعام:٤٣] أي: هلا تضرع هؤلاء المبتلون فمدوا أيديهم ورفعوها إلى السماء، فجدير بكل من ابتلي أن يرفع يد الضراعة إلى الله سائلاً إياه بكشف الضر، وكذلك قال ربنا سبحانه حاثّاً لنا على الصبر عند البلاء -في شأن أيوب ﵇: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:٤٤]، فليجد الله كل من ابتلاه منا صابراً فلنصبر على ما ابتلانا الله به، قد تبتلى بجار من جيران السوء، قد تبتلى بحاكم ظالم، قد تبتلى بمفسد في الريف، فلتصبر على كل أنواع البلاء كلها، واسأل الله العون والسداد، وفقنا الله وإياكم لما يحبه ويرضاه، وثبتنا على الحق وإياكم، واستغفروا ربكم إنه كان غفاراً.

стр. 35

ابتلاء الأنبياء والرسل معشر الإخوة: لسنا بدعاً من الخلق، فقد ابتلي آباؤنا من قبلنا؛ ابتلي أبونا آدم ﷺ ، ولكن قدر الله وما شاء فعل، ابتلي آدم بشجرة -وهذا أمر الله وقضاؤه- فأخرج من الجنة، قال الله له ولزوجه: ﴿كُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف:١٩]، ولكن جاءه إبليس الغوي ليغويه، ويقول له: ﴿يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى﴾ [طه:١٢٠]، وأيضاً أقسم له بالله على ذلك كما قال تعالى: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف:٢١]، فأنزلهما عن رتبة الطاعة بخداع، فلما عصيا أمر ربهما نزع عنهما ستره كما قال تعالى في كتابه الكريم: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا) [الأعراف:٢٧]، وهكذا تفعل المعاصي تعري بعد ستر -والعياذ بالله- قال تعالى: ﴿يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾ [الأعراف:٢٧] ظهرت العورات وانكشفت بسبب المعصية، ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف:٢٢] حتى يسترا عوراتها، نعوذ بالله من الفضائح! ثم تاب الله عليهما. ثم جاء ابنا آدم وابتلي أحدهما بالآخر فقتله. وجاء نوح فابتلي بوصف قومه له بالكذب، وهو الصالح العاقل النبي الكريم الحليم الرشيد ﷺ ، نوح العاقل الكريم أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض يتهم بأنه كذاب وبأنه مجنون، ومن أشق أنواع الابتلاء أن تبتلى بابن يقول عنك: إنك كذاب، أو بأب يقول عنك: إنك كذاب، أو بجيران كذلك، وأنت الصادق النزيه، فابتلي نوح ﵇ بهذا النوع من أنواع الابتلاء، وهو أشق أنواع الابتلاء على النفس، كما قالت عائشة: (يا رسول الله! هل أتى عليك يوم هو أشد من يوم أحد؟ -تعني: أشد عليك من هذا اليوم الذي شج فيه رأسك، وكسرت فيه رباعيتك، وبقر فيه بطن عمك حمزة فاستخرجت كبده فلاكته امرأة- قال: نعم يا عائشة! لقد لقيت من قومك ما لقيت وكان أشد ذلك علي أنني خرجت يوماً أعرض نفسي على عبد ياليل بن عبد كلال فكذبني وردني)، فكان هذا أشق على رسول الله ﵊ من شج رأسه، ذهب إلى رجل يدعوه إلى الله، ويبين له طريق الخير والشر، فيقول له: ارجع فأنت كذاب، ابتلي نوح بهذا النوع من هذا البلاء. أما الخليل إبراهيم ﵇ فتعددت بلاياه، ابتلي بالعقم وعدم الإنجاب، ابتلي بلقاء الجبابرة، ابتلي بعد ذلك بالولد حيث رزق به، ثم أمر بذبح الولد، كما قال ربنا: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات:١٠٦ - ١٠٧]. وابتلي موسى وقال الله في شأنه: ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ [طه:٤٠]. وابتلي سليمان ﵇، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ [ص:٣٤]، وقبله أبوه داود قال تعالى: ﴿وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ * فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص:٢٤ - ٢٥].

стр. 36

صور الابتلاء وفي هذه الحياة الدنيا الكل مبتلى بالآخر، قال تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف:٣٢]، وقال سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ [الفرقان:٢٠]، فالكل مبتلى في هذه الحياة الدنيا، لا تكاد تنجو من ابتلاء إلا وقعت في ابتلاء آخر، مؤمناً كنت أو غير مؤمن، ورب العزة يبين لنا ذلك، يبين لنا أنه يختبرنا ويبتلينا، أحياناً إجمالاً وأحياناً صراحة في الشيء الذي أنت مقدم عليه، يقدم الحجيج على الحج في عهد الرسول ﵊ فيقول الله لهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة:٩٤] أي: يا من أحرمتم بالحج ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ [المائدة:٩٤]، ولما مرّ طالوت بالجنود قال لهم صراحة: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾ [البقرة:٢٤٩] أي: مختبركم بنهر، وأحياناً يأتي التنبيه بالابتلاء إجمالاً: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:٢ - ٣]، فيكون الشخص في فتنة كفتنة الفقر -والعياذ بالله من الفقر- فيكافح ويكافح إلى أن ينجو من فتنة الفقر، فيبتلى بفتنة أخرى في ولده، يأتيه ولد شقي غوي يكدر عليه حياته، فيسلم من فتنة الولد فيبتلى بفتنة في الزوجة، فيسلم من فتنة الزوجة فيبتلى بحادث في طريقه يدمر عليه سيارته، ويكون سبباً في خراب بيته، وفي تحطيم جسمه وإصابته، يعافى من ذلك، فيبتلى بجار من جيران السوء ينكد عليه معيشته، فيبتلى بالسراء ويبتلى بالغنى، وهذا من شر أنواع البلاء؛ لأنها تطغي ولأنها تنسي، كما قال سبحانه: ﴿كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق:٦ - ٧]، وكما قال سبحانه: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا﴾ [الإسراء:٨٣]، فيبدأ بالطغيان واحتقار العباد إلا من رحم الله ، كما قال : ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء:٣٥]، فهذه الحياة الدنيا كلها ابتلاء واختبار، ولا تظن أبداً أنك ما دمت معافى في البدن، معافى في المال، وسيماً في منظرك، في أبهة من الأبهات، لك منصب، ولك جاه، لا تظن أن هذا إكرام من الله لك، فلو كان هذا إكراماً من الله لك لما قال سليمان النبي الكريم الذي سخرت له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب، والشياطين كل بناء وغواص، وجاءه عرش ملكة سبأ واستقر عنده قبل أن يرتد إليه طرفه: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل:٤٠]، تبتلى بالفقر ليعلم الله هل تمتد يدك إلى الحرام أم تقنع بالحلال؟ تبتلى بالصحة والعافية ليُعلم هل تواسي أهل البلاء أم لا؟ وليُعلم كذلك هل تستعمل صحتك في طاعة الله ومرضاته أم أنك من الذين قال الله فيهم: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة:٢٠٥ - ٢٠٦]؟ يبتلي الله العباد بصنوف من الابتلاءات، تكون نائماً وقرير العين في البيت وإذا بطارق يطرق عليك الباب -ونعوذ بالله من طوارق الليل والنهار إلا طارقاً يطرق بخير يا رحمان- يقول لك: انزل؛ ابنك فُقئت عينه! انزل؛ أبوك أصيب بحادث! اخرج؛ أمك قد ماتت! ابتلاء من حيث لا تحتسب، كل هذا اختبار وابتلاء من الله سبحانه، فمن الناس من يعرف الحكمة من وراء ذلك فيقول كما قال سبحانه: (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٦ - ١٥٧]، وآخرون يقولون متحسرين متأسفين: ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [آل عمران:١٥٦]. فلابد -معشر الإخوة- أن نفقه الحكمة من خلقنا، والله! ليست كي نأكل ونشرب، ونتلذذ بالمطاعم وبالنساء على الفرش، ثم ماذا بعد ذلك ما الذي ينتظرنا؟ ينتظرنا قبر موحش مظلم -والعياذ بالله- نسأل الله أن يجعله علينا جميعاً روضة من رياض الجنان.

стр. 37

ابتلاء العباد [٢] إن الابتلاء سنة ماضية منذ أن خلق الله الخلق، به يعرف الصابر من الجازع، ويعرف الشاكر من الكافر، والله حين قدر البلاء على بعض عباده جعل لهم لقاء صبرهم ثواباً ومنزلة لا يبلغها غيرهم، فكان أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل.

стр. 38

التخويف من النار الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: معشر الإخوة: إننا نعيش في غفلة شديدة حتى عن كتاب ربنا الذي بين أيدينا، وقد حق على المسلمين شكوى رسول الله ﷺ كما قال الله سبحانه: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان:٣٠]، فالكثير منا وإن تلا هذا الكتاب العزيز لا يتدبر معانيه، ومن أعظم المعاني التي جاءت وسيقت في كتاب ربنا تلكم المعاني التي تذكرنا بما هو آتٍ، وأعظم ما هو آت هو النار، تلك النار التي خوف الله بها عباده، فلا يرقأ لأحد دمع، ولا يهدأ له بال كلما مر على آيات تصف هذه النار التي أعدت للكافرين، وأعدت أيضاً للعصاة المجرمين الآثمين، جمعت هذه النار كل صنوف العذاب، ذكر الله في كتابه صور الإذلال والتعذيب الموجودة في هذه النار، فذكر فيها طعاماً من أسوأ الأطعمة، وشراباً من أسوأ الأشربة، ومناماً هو أسوأ منام، ذكرت فيها صور الإذلال والامتهان لكل من عصى ربنا الرحيم الرحمن. كل ما يتوقع ويتصور من صور التعذيب موجود في هذه النار، ففي شأن طعام أهل النار يقول الله : ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ * لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ) [الغاشية:٦ - ٧]، ويقول سبحانه: (وَلا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ * لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ) [الحاقة:٣٦ - ٣٧] ويقول الله سبحانه: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا وَجَحِيمًا * وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾ [المزمل:١٢ - ١٣] وما معنى (طعاماً ذا غصة)؟ هو طعام ينشب في الحلوق كما يقول العامة: (لقمة وقفت في حلقي)، طعام ينشب في الحلوق ويتعلق بها، تأتي تبلعه فلا تستطيع، هذا شيء من صور طعام أهل النار. أما شرابهم: فكما قال الله سبحانه: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف:٢٩]، ماؤه من بخار الماء الشديد الحار، يحترق وجه الشخص -والعياذ بالله- قبل أن يصل الماء إلى الشفاه. وأما منامهم: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ) [الزمر:١٦]، ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف:٤١]. أما ثيابهم: فكما قال ربنا: ﴿قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ * كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الحج:١٩ - ٢٢]. أماكنهم التي يسكنونها أماكن ضيقة والعياذ بالله! وضيق الأماكن صورة من صور العذاب كما قال سبحانه: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ [الفرقان:١٣] أي: دعوا على أنفسهم بالهلاك، قال الله سبحانه: ﴿لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الفرقان:١٤]. أماكنهم التي يدخلونها عميقة، كان النبي ﷺ جالساً مع أصحابه فسمع وجبة -أي: صوتاً شديداً- فقال لأصحابه: (أتدرون ما هذا؟ هذا حجر ألقي في النار منذ سبعين خريفاً فلم يصل إلى قعرها إلا الآن) أماكن موحشة مظلمة! كذلك الرفقاء فيها رفقاء سوء، لا تجد عندهم أنس بحال من الأحوال، بل يلعن بعضهم البعض الآخر، ويلعنون من دخل فيها كما قال ربنا: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٨]، كل ما تتخيل من صور العذاب موجود في النار، تخشى في دنياك من الوحوش والحيات، لكن العاصي يوم القيامة -كما قال النبي ﷺ في شأن مانع الزكاة-: (يطارده شجاع أقرع) وهي: حية ضخمة وعظيمة سقط شعر رأسها من شدة السم الذي فيها، فيلاحق مانع الزكاة، ويقول له هذا الشجاع: أنا كنزك أنا مالك، ثم يطوقه برقبته كما قال تعالى: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [آل عمران:١٨٠]، ويقضم يده كما يقضم الفأر! ومن صور الامتهان في الدنيا أن تدوس على شخص برجلك، وفي الآخرة يقول سبحانه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الأَسْفَلِينَ﴾ [فصلت:٢٩]، وقال النبي ﷺ : (يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر يطؤهم الناس بأقدامهم)، ويقول ﵊: (من آتاه الله إبلاً فلم يؤد زكاتها بطح لها يوم القيامة بقاع قرقر) -أي: يوضع في قاع مستوٍ من الأرض- وتأتيه إبله أعظم ما كانت، تطؤه بأقدامها، وتنطحه، كلما مر عليه أخراها عاد عليه أولاها، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم ينظر بعد ذلك سبيله إلى الجنة أو إلى النار. ومن صور العذاب في الدنيا الكي بالنار، وفي الآخرة كذلك، قال النبي ﷺ : (من آتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته صفحت له صفائح من نار، يكوى بها وجهه وجبينه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة)، ثم ينظر سبيله إلى الجنة أو إلى النار، وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة:٣٤ - ٣٥]، كل صور العذاب -والعياذ بالله- التي تتخيلها واردة في نار جهنم مع الفارق بين نار الدنيا ونار الآخرة كما قال الرسول ﵌: (ناركم التي توقدون عليها جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم، قالوا: وإن كانت لكافية يا رسول الله! قال: إنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءاً) أو كما قال النبي ﵌. وهي نار مغلقة على أهلها، وهم في داخلها في عمد ممدة، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُوصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ [الهمزة:٨ - ٩]، وكما قال: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف:٢٩].

стр. 39

الحث على تدبر آيات الوعيد والنار أيها الإخوة الكرام: كتاب ربكم الذي بين أيديكم لا تخلو سورة من سوره في الغالب عن ذكر هذه النار؛ ولذلك أرسل الله نبيه محمداً ﷺ نذيراً ومخوفاً منها كما قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب:٤٥]، وقال له لما تدثر بالفراش: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر:١ - ٢] قم فخوف الناس مما يستقبلهم، قم خوف الناس من نار جهنم، ولذلك يقول ربنا في شأن نبينا محمد ﵊: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾ [الأنعام:١٥ - ١٦] فمن صرف عنه عذاب جنهم فقد ﵀، وتقول الملائكة: ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [غافر:٩]، ولذلك كان رسولنا محمد ﵊ دائم الاستعاذة بالله من النار في صلواته وبعد انقضاء صلواته وفي مجالسه وطرقاته، وهل لأحد من طاقة بهذه النار؟! جرب بنفسك مرة، وقف فقط بجانب القدر وهو يغلي وقرب منه وجهك وانظر ما الذي ستجده؟ يا عباد الله! اتقوا النار كما قال رسولكم محمد ﷺ ، أي: اجعلوا بينكم وبينها وقاية، اجعلوا بينكم وبين النار وقايات، حتى يقيكم الله من هذه النار، وأعظم هذه الوقايات -كما لا يخفى عليكم- توحيد الله ، فمن لم يوحد الله واتخذ شريكاً معه دخل النار بلا إشكال، وثَم وقايات أخر، وقايات يجعلها الشخص بين نفسه وبين النار، ومن هذه الوقايات الصدقة كما قال الرسول ﷺ : (ولو بشق تمرة) فإنها تحجبك عن النار، فإن لم تجد فكما قال الرسول ﵊: (فمن لم يجد فبكلمة طيبة). معشر الإخوة! اقرءوا كتاب ربكم قراءة الموقن المصدق بما أُعد، لا تقرءوه قراءة المجود له فحسب، بل اقرءوه قراءة المتدبر المصدق بوعده وبوعيده، المتفكر في آياته، اقرءوا قول الله : ﴿إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر:٧١ - ٧٢] اقرءوا هذه الآيات وتعقلوها، اقرءوا قول ربكم سبحانه: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [فصلت:٢١]، اقرءوا بتمعن قول ربكم واعقلوه: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ * وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُمْ مَا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام:٩٣ - ٩٤] اقرءوا وأيقنوا بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الأنفال:٥٠]، تخيل المجرم الأثيم وقت الاحتضار والملائكة تستقبله بالضرب على وجهه وعلى دبره قائلة له: (ذق عذاب الحريق). فيا معشر الإخوة! كتاب الله بين أيديكم، ولكن من هو العاقل المتدبر المتأمل؟ الفرق بينكم وبين أهل الكفر: أنكم أقررتم بهذا الكتاب وأيقنتم أنه من عند الله سبحانه، وأن نبيكم محمداً ﵊ لا ينطق عن الهوى، هذا الفارق بينكم وبين أهل الكفر، فما بالكم لا تقبلون على هذا الكتاب، ولا تقرءونه وتنظرون ماذا يريد منكم ربكم، وماذا ينتظركم في قبوركم وعند موتكم وعند بعثكم، لم لا تدبرون القرآن هذا التدبر؟ إن النبي ﵊ صح عنه أن قال: (يؤتى بأنعم أهل الدنيا يوم القيامة فيصبغ صبغة في النار ثم يقال له: يابن آدم! هل وجدت نعيماً في حياتك قط؟ فيقول: لا والله ياربي! ما وجدت نعيماً في حياتي قط)، صح هذا عن النبي ﷺ كما في الصحيحين وفي غيرهما. فجدير بكم أن تزهدوا عما في دنياكم الزائلة الفانية، فالموت يتخطف الناس من حولكم، سواءً كانوا أهل علم وصلاح، أو أهل فجور، كل يتخطف من حولكم، ويدفن بأيديكم، ويوارى أمام أعينكم، وقد قال الله سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد:٤١]، وقد قال فريق من أهل العلم في تأويل قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ أن ذلك يكون بقبض أهل العلم كما قال الرسول ﷺ : (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من قلوب العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رءوساً -أو رؤساء- جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا) وثم أقوال أخر منها: أن الناس يموتون من حولهم، وثم قول ثالث: أن البلاد الكافرة كانت تسلم وتدخل الإسلام على عهد رسول الله ﵊ فتنقص دائرة الكفر. فيا عباد الله: أقبلوا على كتاب الله، أقبلوا عليه إقبال العقلاء أهل الفهم الصحيح الثاقب، واسألوا ربكم العون والتوفيق، والله المستعان.

стр. 40

كل نفس ذائقة الموت الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد: معشر الإخوة: في كل يوم نشيع ميتاً، سواءً كان قريباً، أو حبيباً، أو حتى عدواً، وسواء كان عالماً، أو جاهلاً، نشيع صغيراً أو نشيع كبيراً، نشيع شاباً أو نشيع شيخاً، نشيع طفلاً رضيعاً أو نشيع عجوزاً شمطاء، والله كتب الآجال على العباد، وما أحد منا يدري متى أجله، فإن الله استأثر بهذا العلم عنده ، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان:٣٤]، والعقلاء منكم يفهمون ذلك، فمنا من كان يصلي معنا في الأسبوع الذي مضى، وهو الآن مع المقبورين، ولا ندري نحن عن أنفسنا هل نحن غداً في عداد الأحياء وفي عداد أهل الدنيا أم أننا من أهل القبور؟ الله أعلم بذلك كله، فإن الشخص ينام ولا يدري هل هو ممن قال الله فيهم: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الزمر:٤٢] ? معشر الإخوة: كل نفس ذائقة الموت كما أخبر ربنا ، والموت في نفسه مصيبة كما قال الله سبحانه: ﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ [المائدة:١٠٦]، وللموت سكرات، فرسولنا اعترته بعض هذه السكرات، وهو سيد ولد آدم ﵊، وهو الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقد حضرته سكرات الموت ويده في ركوة فيها ماء، فجعل يمسح رأسه وجبينه ويقول: (لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات)، هذا وهو نبينا محمد ﵊، وإن كان للموت سكرات، وإن كان لنزع الروح آلام، وإن كان الفراق يؤلم ويوجع ويحزن؛ لكن ثَم ما هو أعظم، وهو أن يموت العبد مفرطاً في حق الله، فليس كل ميت يبكى عليه، أما البكاء حق البكاء فهو على رجل مات مفرطاً في جنب الله، مضيعاً لحقوق الله، البكاء حق البكاء على رجل مات تاركاً للصلاة متوعداً بقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون:٤ - ٥]، متوعداً بقوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم:٥٩]، البكاء حق البكاء على امرأة ماتت متبرجة؛ يقول النبي ﷺ في شأن المتبرجات: (صنفان من أهل النار لم أرهما: نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها)، البكاء حق البقاء على رجل مات وهو آكل للربا، أو آكل لأموال الناس بالباطل، أو آكل لأموال اليتامى ظلماً، هذا الذي ينبغي أن تتصدع عليه الأكباد، ولذلك جاءت أم حارثة إلى رسول الله ﷺ -وكان حارثة قد قتل ببدر أصابه سهم غرب، لا يعرف راميه فقتله- وقالت: (يا رسول الله! أخبرني عن حارثة، أخبرني عن ولدي، فوالله! يا رسول الله! إن كان في الجنة صبرت واحتسبت، وإن كان غير ذلك ليرين الله ما أصنع) فإن كان غير ذلك حق لها أن تبكي عليه وأن تتوجع وأن تتألم، أما إن كان في الجنة فكما قال الرسول ﵊ لما نعى إلى أصحابه زيداً وجعفر وابن رواحة: (وما يسرهم أنهم عندنا)، وفي رواية: (وما يسرنا أنهم عندنا)، فهكذا قالت أم حارثة: (يا رسول الله! أخبرني عن حارثة إن كان في الجنة صبرت واحتسبت، وإن كان غير ذلك ليرين الله ما أصنع)، فقال لها رسول الله ﵊: (أوهبلت يا أم حارثة؟ إنها جنان، وإن ابنك قد أصاب الفردوس) فلها حينئذ أن يسكن حزنها، بل ولها أن تبتهج وتسر.
следующие страницы →