← Джавами‘

Джавами‘ · id 7694

دروس للشيخ مصطفى العدوي

مصطفى العدوي

Полный текст (802 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

صور الابتلاء وفي هذه الحياة الدنيا الكل مبتلى بالآخر، قال تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف:٣٢]، وقال سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ [الفرقان:٢٠]، فالكل مبتلى في هذه الحياة الدنيا، لا تكاد تنجو من ابتلاء إلا وقعت في ابتلاء آخر، مؤمناً كنت أو غير مؤمن، ورب العزة يبين لنا ذلك، يبين لنا أنه يختبرنا ويبتلينا، أحياناً إجمالاً وأحياناً صراحة في الشيء الذي أنت مقدم عليه، يقدم الحجيج على الحج في عهد الرسول ﵊ فيقول الله لهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة:٩٤] أي: يا من أحرمتم بالحج ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ [المائدة:٩٤]، ولما مرّ طالوت بالجنود قال لهم صراحة: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾ [البقرة:٢٤٩] أي: مختبركم بنهر، وأحياناً يأتي التنبيه بالابتلاء إجمالاً: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:٢ - ٣]، فيكون الشخص في فتنة كفتنة الفقر -والعياذ بالله من الفقر- فيكافح ويكافح إلى أن ينجو من فتنة الفقر، فيبتلى بفتنة أخرى في ولده، يأتيه ولد شقي غوي يكدر عليه حياته، فيسلم من فتنة الولد فيبتلى بفتنة في الزوجة، فيسلم من فتنة الزوجة فيبتلى بحادث في طريقه يدمر عليه سيارته، ويكون سبباً في خراب بيته، وفي تحطيم جسمه وإصابته، يعافى من ذلك، فيبتلى بجار من جيران السوء ينكد عليه معيشته، فيبتلى بالسراء ويبتلى بالغنى، وهذا من شر أنواع البلاء؛ لأنها تطغي ولأنها تنسي، كما قال سبحانه: ﴿كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق:٦ - ٧]، وكما قال سبحانه: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا﴾ [الإسراء:٨٣]، فيبدأ بالطغيان واحتقار العباد إلا من رحم الله ، كما قال : ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء:٣٥]، فهذه الحياة الدنيا كلها ابتلاء واختبار، ولا تظن أبداً أنك ما دمت معافى في البدن، معافى في المال، وسيماً في منظرك، في أبهة من الأبهات، لك منصب، ولك جاه، لا تظن أن هذا إكرام من الله لك، فلو كان هذا إكراماً من الله لك لما قال سليمان النبي الكريم الذي سخرت له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب، والشياطين كل بناء وغواص، وجاءه عرش ملكة سبأ واستقر عنده قبل أن يرتد إليه طرفه: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل:٤٠]، تبتلى بالفقر ليعلم الله هل تمتد يدك إلى الحرام أم تقنع بالحلال؟ تبتلى بالصحة والعافية ليُعلم هل تواسي أهل البلاء أم لا؟ وليُعلم كذلك هل تستعمل صحتك في طاعة الله ومرضاته أم أنك من الذين قال الله فيهم: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة:٢٠٥ - ٢٠٦]؟ يبتلي الله العباد بصنوف من الابتلاءات، تكون نائماً وقرير العين في البيت وإذا بطارق يطرق عليك الباب -ونعوذ بالله من طوارق الليل والنهار إلا طارقاً يطرق بخير يا رحمان- يقول لك: انزل؛ ابنك فُقئت عينه! انزل؛ أبوك أصيب بحادث! اخرج؛ أمك قد ماتت! ابتلاء من حيث لا تحتسب، كل هذا اختبار وابتلاء من الله سبحانه، فمن الناس من يعرف الحكمة من وراء ذلك فيقول كما قال سبحانه: (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٦ - ١٥٧]، وآخرون يقولون متحسرين متأسفين: ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [آل عمران:١٥٦]. فلابد -معشر الإخوة- أن نفقه الحكمة من خلقنا، والله! ليست كي نأكل ونشرب، ونتلذذ بالمطاعم وبالنساء على الفرش، ثم ماذا بعد ذلك ما الذي ينتظرنا؟ ينتظرنا قبر موحش مظلم -والعياذ بالله- نسأل الله أن يجعله علينا جميعاً روضة من رياض الجنان.

стр. 37

ابتلاء العباد [٢] إن الابتلاء سنة ماضية منذ أن خلق الله الخلق، به يعرف الصابر من الجازع، ويعرف الشاكر من الكافر، والله حين قدر البلاء على بعض عباده جعل لهم لقاء صبرهم ثواباً ومنزلة لا يبلغها غيرهم، فكان أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل.

стр. 38

التخويف من النار الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: معشر الإخوة: إننا نعيش في غفلة شديدة حتى عن كتاب ربنا الذي بين أيدينا، وقد حق على المسلمين شكوى رسول الله ﷺ كما قال الله سبحانه: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان:٣٠]، فالكثير منا وإن تلا هذا الكتاب العزيز لا يتدبر معانيه، ومن أعظم المعاني التي جاءت وسيقت في كتاب ربنا تلكم المعاني التي تذكرنا بما هو آتٍ، وأعظم ما هو آت هو النار، تلك النار التي خوف الله بها عباده، فلا يرقأ لأحد دمع، ولا يهدأ له بال كلما مر على آيات تصف هذه النار التي أعدت للكافرين، وأعدت أيضاً للعصاة المجرمين الآثمين، جمعت هذه النار كل صنوف العذاب، ذكر الله في كتابه صور الإذلال والتعذيب الموجودة في هذه النار، فذكر فيها طعاماً من أسوأ الأطعمة، وشراباً من أسوأ الأشربة، ومناماً هو أسوأ منام، ذكرت فيها صور الإذلال والامتهان لكل من عصى ربنا الرحيم الرحمن. كل ما يتوقع ويتصور من صور التعذيب موجود في هذه النار، ففي شأن طعام أهل النار يقول الله : ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ * لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ) [الغاشية:٦ - ٧]، ويقول سبحانه: (وَلا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ * لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ) [الحاقة:٣٦ - ٣٧] ويقول الله سبحانه: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا وَجَحِيمًا * وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾ [المزمل:١٢ - ١٣] وما معنى (طعاماً ذا غصة)؟ هو طعام ينشب في الحلوق كما يقول العامة: (لقمة وقفت في حلقي)، طعام ينشب في الحلوق ويتعلق بها، تأتي تبلعه فلا تستطيع، هذا شيء من صور طعام أهل النار. أما شرابهم: فكما قال الله سبحانه: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف:٢٩]، ماؤه من بخار الماء الشديد الحار، يحترق وجه الشخص -والعياذ بالله- قبل أن يصل الماء إلى الشفاه. وأما منامهم: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ) [الزمر:١٦]، ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف:٤١]. أما ثيابهم: فكما قال ربنا: ﴿قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ * كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الحج:١٩ - ٢٢]. أماكنهم التي يسكنونها أماكن ضيقة والعياذ بالله! وضيق الأماكن صورة من صور العذاب كما قال سبحانه: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ [الفرقان:١٣] أي: دعوا على أنفسهم بالهلاك، قال الله سبحانه: ﴿لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الفرقان:١٤]. أماكنهم التي يدخلونها عميقة، كان النبي ﷺ جالساً مع أصحابه فسمع وجبة -أي: صوتاً شديداً- فقال لأصحابه: (أتدرون ما هذا؟ هذا حجر ألقي في النار منذ سبعين خريفاً فلم يصل إلى قعرها إلا الآن) أماكن موحشة مظلمة! كذلك الرفقاء فيها رفقاء سوء، لا تجد عندهم أنس بحال من الأحوال، بل يلعن بعضهم البعض الآخر، ويلعنون من دخل فيها كما قال ربنا: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٨]، كل ما تتخيل من صور العذاب موجود في النار، تخشى في دنياك من الوحوش والحيات، لكن العاصي يوم القيامة -كما قال النبي ﷺ في شأن مانع الزكاة-: (يطارده شجاع أقرع) وهي: حية ضخمة وعظيمة سقط شعر رأسها من شدة السم الذي فيها، فيلاحق مانع الزكاة، ويقول له هذا الشجاع: أنا كنزك أنا مالك، ثم يطوقه برقبته كما قال تعالى: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [آل عمران:١٨٠]، ويقضم يده كما يقضم الفأر! ومن صور الامتهان في الدنيا أن تدوس على شخص برجلك، وفي الآخرة يقول سبحانه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الأَسْفَلِينَ﴾ [فصلت:٢٩]، وقال النبي ﷺ : (يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر يطؤهم الناس بأقدامهم)، ويقول ﵊: (من آتاه الله إبلاً فلم يؤد زكاتها بطح لها يوم القيامة بقاع قرقر) -أي: يوضع في قاع مستوٍ من الأرض- وتأتيه إبله أعظم ما كانت، تطؤه بأقدامها، وتنطحه، كلما مر عليه أخراها عاد عليه أولاها، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم ينظر بعد ذلك سبيله إلى الجنة أو إلى النار. ومن صور العذاب في الدنيا الكي بالنار، وفي الآخرة كذلك، قال النبي ﷺ : (من آتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته صفحت له صفائح من نار، يكوى بها وجهه وجبينه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة)، ثم ينظر سبيله إلى الجنة أو إلى النار، وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة:٣٤ - ٣٥]، كل صور العذاب -والعياذ بالله- التي تتخيلها واردة في نار جهنم مع الفارق بين نار الدنيا ونار الآخرة كما قال الرسول ﵌: (ناركم التي توقدون عليها جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم، قالوا: وإن كانت لكافية يا رسول الله! قال: إنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءاً) أو كما قال النبي ﵌. وهي نار مغلقة على أهلها، وهم في داخلها في عمد ممدة، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُوصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ [الهمزة:٨ - ٩]، وكما قال: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف:٢٩].

стр. 39

الحث على تدبر آيات الوعيد والنار أيها الإخوة الكرام: كتاب ربكم الذي بين أيديكم لا تخلو سورة من سوره في الغالب عن ذكر هذه النار؛ ولذلك أرسل الله نبيه محمداً ﷺ نذيراً ومخوفاً منها كما قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب:٤٥]، وقال له لما تدثر بالفراش: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر:١ - ٢] قم فخوف الناس مما يستقبلهم، قم خوف الناس من نار جهنم، ولذلك يقول ربنا في شأن نبينا محمد ﵊: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾ [الأنعام:١٥ - ١٦] فمن صرف عنه عذاب جنهم فقد ﵀، وتقول الملائكة: ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [غافر:٩]، ولذلك كان رسولنا محمد ﵊ دائم الاستعاذة بالله من النار في صلواته وبعد انقضاء صلواته وفي مجالسه وطرقاته، وهل لأحد من طاقة بهذه النار؟! جرب بنفسك مرة، وقف فقط بجانب القدر وهو يغلي وقرب منه وجهك وانظر ما الذي ستجده؟ يا عباد الله! اتقوا النار كما قال رسولكم محمد ﷺ ، أي: اجعلوا بينكم وبينها وقاية، اجعلوا بينكم وبين النار وقايات، حتى يقيكم الله من هذه النار، وأعظم هذه الوقايات -كما لا يخفى عليكم- توحيد الله ، فمن لم يوحد الله واتخذ شريكاً معه دخل النار بلا إشكال، وثَم وقايات أخر، وقايات يجعلها الشخص بين نفسه وبين النار، ومن هذه الوقايات الصدقة كما قال الرسول ﷺ : (ولو بشق تمرة) فإنها تحجبك عن النار، فإن لم تجد فكما قال الرسول ﵊: (فمن لم يجد فبكلمة طيبة). معشر الإخوة! اقرءوا كتاب ربكم قراءة الموقن المصدق بما أُعد، لا تقرءوه قراءة المجود له فحسب، بل اقرءوه قراءة المتدبر المصدق بوعده وبوعيده، المتفكر في آياته، اقرءوا قول الله : ﴿إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر:٧١ - ٧٢] اقرءوا هذه الآيات وتعقلوها، اقرءوا قول ربكم سبحانه: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [فصلت:٢١]، اقرءوا بتمعن قول ربكم واعقلوه: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ * وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُمْ مَا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام:٩٣ - ٩٤] اقرءوا وأيقنوا بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الأنفال:٥٠]، تخيل المجرم الأثيم وقت الاحتضار والملائكة تستقبله بالضرب على وجهه وعلى دبره قائلة له: (ذق عذاب الحريق). فيا معشر الإخوة! كتاب الله بين أيديكم، ولكن من هو العاقل المتدبر المتأمل؟ الفرق بينكم وبين أهل الكفر: أنكم أقررتم بهذا الكتاب وأيقنتم أنه من عند الله سبحانه، وأن نبيكم محمداً ﵊ لا ينطق عن الهوى، هذا الفارق بينكم وبين أهل الكفر، فما بالكم لا تقبلون على هذا الكتاب، ولا تقرءونه وتنظرون ماذا يريد منكم ربكم، وماذا ينتظركم في قبوركم وعند موتكم وعند بعثكم، لم لا تدبرون القرآن هذا التدبر؟ إن النبي ﵊ صح عنه أن قال: (يؤتى بأنعم أهل الدنيا يوم القيامة فيصبغ صبغة في النار ثم يقال له: يابن آدم! هل وجدت نعيماً في حياتك قط؟ فيقول: لا والله ياربي! ما وجدت نعيماً في حياتي قط)، صح هذا عن النبي ﷺ كما في الصحيحين وفي غيرهما. فجدير بكم أن تزهدوا عما في دنياكم الزائلة الفانية، فالموت يتخطف الناس من حولكم، سواءً كانوا أهل علم وصلاح، أو أهل فجور، كل يتخطف من حولكم، ويدفن بأيديكم، ويوارى أمام أعينكم، وقد قال الله سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد:٤١]، وقد قال فريق من أهل العلم في تأويل قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ أن ذلك يكون بقبض أهل العلم كما قال الرسول ﷺ : (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من قلوب العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رءوساً -أو رؤساء- جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا) وثم أقوال أخر منها: أن الناس يموتون من حولهم، وثم قول ثالث: أن البلاد الكافرة كانت تسلم وتدخل الإسلام على عهد رسول الله ﵊ فتنقص دائرة الكفر. فيا عباد الله: أقبلوا على كتاب الله، أقبلوا عليه إقبال العقلاء أهل الفهم الصحيح الثاقب، واسألوا ربكم العون والتوفيق، والله المستعان.

стр. 40

كل نفس ذائقة الموت الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد: معشر الإخوة: في كل يوم نشيع ميتاً، سواءً كان قريباً، أو حبيباً، أو حتى عدواً، وسواء كان عالماً، أو جاهلاً، نشيع صغيراً أو نشيع كبيراً، نشيع شاباً أو نشيع شيخاً، نشيع طفلاً رضيعاً أو نشيع عجوزاً شمطاء، والله كتب الآجال على العباد، وما أحد منا يدري متى أجله، فإن الله استأثر بهذا العلم عنده ، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان:٣٤]، والعقلاء منكم يفهمون ذلك، فمنا من كان يصلي معنا في الأسبوع الذي مضى، وهو الآن مع المقبورين، ولا ندري نحن عن أنفسنا هل نحن غداً في عداد الأحياء وفي عداد أهل الدنيا أم أننا من أهل القبور؟ الله أعلم بذلك كله، فإن الشخص ينام ولا يدري هل هو ممن قال الله فيهم: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الزمر:٤٢] ? معشر الإخوة: كل نفس ذائقة الموت كما أخبر ربنا ، والموت في نفسه مصيبة كما قال الله سبحانه: ﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ [المائدة:١٠٦]، وللموت سكرات، فرسولنا اعترته بعض هذه السكرات، وهو سيد ولد آدم ﵊، وهو الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقد حضرته سكرات الموت ويده في ركوة فيها ماء، فجعل يمسح رأسه وجبينه ويقول: (لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات)، هذا وهو نبينا محمد ﵊، وإن كان للموت سكرات، وإن كان لنزع الروح آلام، وإن كان الفراق يؤلم ويوجع ويحزن؛ لكن ثَم ما هو أعظم، وهو أن يموت العبد مفرطاً في حق الله، فليس كل ميت يبكى عليه، أما البكاء حق البكاء فهو على رجل مات مفرطاً في جنب الله، مضيعاً لحقوق الله، البكاء حق البكاء على رجل مات تاركاً للصلاة متوعداً بقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون:٤ - ٥]، متوعداً بقوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم:٥٩]، البكاء حق البكاء على امرأة ماتت متبرجة؛ يقول النبي ﷺ في شأن المتبرجات: (صنفان من أهل النار لم أرهما: نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها)، البكاء حق البقاء على رجل مات وهو آكل للربا، أو آكل لأموال الناس بالباطل، أو آكل لأموال اليتامى ظلماً، هذا الذي ينبغي أن تتصدع عليه الأكباد، ولذلك جاءت أم حارثة إلى رسول الله ﷺ -وكان حارثة قد قتل ببدر أصابه سهم غرب، لا يعرف راميه فقتله- وقالت: (يا رسول الله! أخبرني عن حارثة، أخبرني عن ولدي، فوالله! يا رسول الله! إن كان في الجنة صبرت واحتسبت، وإن كان غير ذلك ليرين الله ما أصنع) فإن كان غير ذلك حق لها أن تبكي عليه وأن تتوجع وأن تتألم، أما إن كان في الجنة فكما قال الرسول ﵊ لما نعى إلى أصحابه زيداً وجعفر وابن رواحة: (وما يسرهم أنهم عندنا)، وفي رواية: (وما يسرنا أنهم عندنا)، فهكذا قالت أم حارثة: (يا رسول الله! أخبرني عن حارثة إن كان في الجنة صبرت واحتسبت، وإن كان غير ذلك ليرين الله ما أصنع)، فقال لها رسول الله ﵊: (أوهبلت يا أم حارثة؟ إنها جنان، وإن ابنك قد أصاب الفردوس) فلها حينئذ أن يسكن حزنها، بل ولها أن تبتهج وتسر.

стр. 41

الاستعداد للموت فيا معشر الإخوة: من كان له قريب عزيز عليه فليذكره بتقوى الله، وليرده إلى طريق الله سبحانه، فوالله! مهما مات من إخوان فالحزن كل الحزن على من مات مفرطاً في جنب الله، فيقول يوم القيامة: ﴿يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزمر:٥٦ - ٥٧]، أو يقول حين يرى العذاب: ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الزمر:٥٨]، هذا هو الذي يبكى عليه، والعياذ بالله. فيا معشر الإخوة: قوا أنفسكم وإخوانكم من النار، واحذروا مما يقرب إليها من قول وعمل، فدنياكم مهما تكالبتم فيها ومهما تصارعتم فيها؛ فأمرها إلى قلٍ، وأمرها إلى زوال، وأمرها إلى فناء. فيا معشر الإخوة: أحسنوا العمل، وأخلصوا النوايا لله، وطهروا القلوب، واستعدوا للرحيل فقد أزف، فالغالب منكم مضى من عمره النصف على الأقل، وقد قال نبيكم محمد ﵊: (أعمار أمتي ما بين الستين والسبعين وقليل من يتجاوز ذلك)، أو كما قال ﵊، وماذا ينتظر أحدكم إلا ما قال الشاعر: يسر الفتى طول السلامة والبقا فكيف يرى طول السلامة يفعل يرد الفتى بعد اعتدال وصحة ينوء إذا ما رام القيام ويعمل وأحسن من ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ﴾ [يس:٦٨]، وقد كان نبيكم محمد يتعوذ بالله من أن يرد إلى أرذل العمر فصلوات الله وتسليماته عليه. فاعلموا أنكم على الغد القريب سيكون حالكم كحالهم، فمغلقة عليكم أبواب المقابر كما تغلقونها على الناس، ومغسلون ومكفنون ومصلىً عليكم كما تصلون على الناس. اللهم! انصر الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واختم لنا جميعاً بخاتمة خير أجمعين، يا رب العالمين! اللهم! ارحم علماء المسلمين يا رب العالمين! نور لهم في قبورهم، ووسع لهم فيها يا أرحم الراحمين! وخذ بنواصينا إلى الخير، واجعلنا من المتذكرين المعتبرين.

стр. 42

اتباع سنة الرسول ﷺ في السراء والضراء أرسل الله تعالى رسله لتبليغ شرعه، وأمر خلقه باتباعهم واقتفاء سنتهم، ولما أرسل الله محمداً ﷺ أمر أمته باتباع شرعه، ونهاهم عن مخالفته حتى ولو أدال عليهم الأمم، وجعل أصحاب نبيه ﵊ وعلماء الأمة سرجاً يهتدى بها كل هذا حتى لا يكون للناس حجة على الله.

стр. 43

الترغيب في تعلم السنة والسيرة النبوية بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. وبعد: إن سيرة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هي خير السير على الإطلاق، وكلامه ﷺ هو أحسن الكلام، وهديه هو خير الهدي، وحديثه أصدق الحديث صلوات الله وسلامه عليه، ومن ثَم أمر الله أصحاب نبيه ﷺ أن يخرجوا معه ويتفقهوا في دينهم منه، فقال الله جل ذكره: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة:١٢٢] أي: فهلا خرج من كل قبيلة فرقة مع رسول الله ﷺ في المغازي، تأتم به، وتتأسى به، وتتعلم منه، ثم ترجع إلى أهلها فتنذرهم وتحذرهم، (فلولا نفر) أي: فهلا خرج نافراً مع رسول الله في المغازي، ﴿مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾، فيحث الله أصحاب نبيه ﷺ على الخروج معه في مغازيه للتعلم منه ونقل هذا العلم إلى القبائل، أما وقد مات رسول الله ﷺ فلا نستطيع الخروج مع النبي ﷺ في مغازيه فلا يسعنا إلا اتباع سننه، والاطلاع على سيرته صلوات الله وسلامه عليه، وقد شاب السيرة كثيرٌ من الأحاديث الضعيفة والموضوعة التي لا تثبت، ولكن ثم قدر كبير كاف ووافٍ ثابت من الأحاديث عن رسول الله ﷺ وعن الصحابة، فضلاً عما في كتاب الله من بيان لهذه السير والمغازي. فلنتناول شيئاً من هذا الثابت من خلال كتاب ربنا سبحانه، ومن خلال سنة نبينا محمد ﷺ الثابتة الصحيحة، ففيها مدّكر ومعتبر.

стр. 44

سنة الابتلاء يقول الله مخاطباً أصحاب نبيه ﷺ ، والناس لهم تبع، وذلك عقب غزوة أحد: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٠ - ١٤١]، حزن أصحاب النبي ﷺ بعد الهم والغم الذي لحقهم وأصابهم في غزوة أحد، كيف يحدث هذا وهم مسلمون مؤمنون ومعهم سيد ولد آدم محمد ﷺ ؟ تنالهم الهزيمة وتلحقهم الجروح، يشج رأس نبيهم ﷺ ، وتكسر رباعيته -أي: السن التي في المقدمة-، ويقتل أحب رجل إليه وهو عمه حمزة، ويمثّل به، فتبقر بطنه، وتستخرج كبده وتلوكها هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان، ويمثّل بـ أنس بن النضر ويمزق جسمه، ولا يعرفه أحد إلا أخته وعرفته ببنانه، أي: بأطراف أصابعه. حزن أصحاب النبي ﷺ لذلك، وحزنوا لمقالة أبي سفيان: أعل هبل، فقال الله لهم مخففاً ومسرياً عنهم، ومعلماً لهم ولمن جاء من بعدهم: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ﴾ [آل عمران:١٤٠] قتل وجرح، ﴿فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ [آل عمران:١٤٠] وذلك يوم بدر، ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠]، سنة الله في الحياة أن الأيام دول، أنت اليوم منتصر وغداً مهزوم، أنت اليوم صحيح معافى تعزي الناس، وتشهد جنائزهم، وهم غداً معك يعزونك في مصابك، ويشهدون جنائزك، هذه حال الحياة الدنيا، الكافر والمؤمن فيها سواء، لم يقدر على الكفار دائماً بالهزيمة، ولم يقدر على المؤمنين دائماً بالنصر، بل الأيام دول كما أخبر الله جل ذكره، وقد سأل هرقل أبا سفيان عن حالهم مع رسول الله ﷺ : هل حاربتموه؟ قال: نعم. قال: كيف كانت الأيام بينكم وبينه؟ وكيف كانت الحروب؟ قال: الحروب بيننا وبينه دول، ننال منه مرة، وينال منا مرة. قال هرقل: وهكذا حال الرسل، يدال عليهم ثم تكون لهم العاقبة. فهذا هو شأن الحياة الدنيا، لا تبقى لشخص على وتيرة واحدة، ولو كان النصر دائماً حليفاً للمؤمنين لأورثهم طغياناً وكبراً واستغناء عن الله ، ولكن يكسروا ويدال عليهم مرة، ثم يعلو أمرهم وينتشر قولهم، هذه سنة الله في خلقه. يشترك الكفار وأهل الإيمان في مصائب الدنيا وفي حلاوتها قال الله جل ذكره: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي: فمتاع الحياة الدنيا يشترك فيه الكفار والمؤمنون: ﴿خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف:٣٢]، أي: لا يشارك المؤمنين فيها أحد يوم القيامة، فهكذا حال الحياة الدنيا.

стр. 45

صبر أتباع الرسل عند البلاء قال الله: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ * وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران:١٤٥ - ١٤٦]، (ربيون) في تفسيرها أقوال، أحدها: العلماء، والثاني: الألوف، وكأينٍ من نبي قاتل معه ألوف كثيرون، وعلماء كثيرون، وأبرار كثيرون، ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٤٦]، ما وهنوا وما ضعفوا في سبيل الله، بل احتسبوا ذلك عند الله، ليسوا كمن قال الله فيهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج:١١]، فمن الناس من يظهر تمسكاً بالكتاب والسنة ثم أمام أدنى ابتلاء يسقط ويولي الأدبار، نعوذ بالله من تولية الأدبار! أما الربيون فليسوا كذلك، ثبتهم الله، قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ [آل عمران:١٤٦]، إمامهم محمد ﷺ يبتلى فيصبر، تسيل يديه بالدماء فيقول لإصبعه والدم ينزف منها: (وهل أنت إلا إصبع دميت، وفي سبيل الله ما لقيت)، أما إخواننا الآن فليسوا كذلك: أخٌ يلتحي، فتأخذه الشرطة يوماً فلا يرجع إلا وهو منتكس! كأن الهموم استحوذت عليه -والعياذ بالله-، أي خورٍ أشد من هذا الخور؟ لم يضرب ولم يلطم ولم يؤذ فترك الجمعة والجماعات، وولى الأدبار من أجل شرطيّ قبض عليه في كمين لاتباعه لسنة النبي الأمين ﵊! الربانيون ليسوا كذلك، فالربانيون أو الربيون ما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا، فالله يحبهم، والله يحب الصابرين، فما كانوا قولهم -حتى تتأسوا بهم- إلا أن قالوا عند حلول المصائب ونزول البلايا ولقاء العدو: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ [آل عمران:١٤٧]، هكذا قالوا؛ علموا أن عدوهم ينتصر عليهم بسبب ذنوبهم، فطلبوا من الله المغفرة، قالوا: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٧]، طلبوا من الله المغفرة، لم يزكوا أنفسهم بل اعترفوا بإسرافهم على أنفسهم بالذنوب، وهذا حال المؤمن لا يزكي نفسه بل يتواضع ويخشى من صغار الذنوب، قالوا: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ فلا يثبت إلا من ثبته الله ﴿وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾. إذاً: قبل طلب النصر نطلب مغفرة الذنوب، هكذا ينبغي أن يكون العبد قبل طلب النصر والرزق يطلب مغفرة الذنوب، لا ترفع الأكف إلى الله وأنت ظالم ومعتد وآثم، لا ترفع أكف الضراعة إلى الله وقد لوثت نفسك بمظالم العباد، بل اطلب من الله غفران الذنوب والحط من الخطايا ثم سله الرزق والعافية: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٤٧ - ١٤٨].

стр. 46

موت النبي ابتلاء عظيم قال الله في كتابه الكريم: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٠ - ١٤١]، إلى قوله: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ * وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٣ - ١٤٤]، وهذه الآية كانت إرهاصاً وتقدمة لموت رسول الله ﵊؛ فليستعد المسلمون لاستقبال موت رسولهم وحبيبهم ﷺ ، ولكن منهم من وعى الآية وعقلها وحفظها، ومنهم من لم يكد يتصور أن نبيه سوف يموت ﷺ ، مع توافر الآيات في هذا الباب، كقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠]، وكقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِينْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء:٣٤]، وكقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران:١٨٥]، مع توافر هذه الآيات لم يكد بعض الصحابة يتصور أن النبي ﷺ سوف يموت، فقدم الله ذكر ذلك في غزوة أحد تمهيداً لوفاة رسول الله ﷺ ، فليستعد المستعد وليتأهب المتأهب، قال الله جل ذكره: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ [آل عمران:١٤٤]، هذا شأنه: أنه بشر، لكنه رسول من عند الله: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾، أي: مضت من قبله الرسل، رسول كشأن سائر المرسلين، كإبراهيم، ونوح، وموسى، وعيسى، وإخوانه من المرسلين ليس بإله، ولا بملك، ولا من حملة العرش، بل هو رسولٌ قد خلت من قبله الرسل: ﴿أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٤]. هذه الآيات نزلت في غزوة أحد لما تفشى في الناس أن النبي ﷺ قد قتل، ولما قال أبو سفيان: (أفي القوم محمد؟ قال الرسول ﷺ : لا تجيبوه، ثم قال أبو سفيان: أفي القوم أبو بكر؟ قال: لا تجيبوه، ثم قال أبو سفيان: أفي القوم ابن الخطاب؟ قال الرسول ﷺ : لا تجيبوه، فحينئذ انتشى أبو سفيان وسعِد لأن هؤلاء قد قتلوا، ثم قال: يوم بيوم بدر، والحرب سجال، والأيام دول، كذا قال أبو سفيان، ثم استطرد قائلا: وفي القوم مُثلة -أي: مثلنا برجل وهو حمزة - لم آمر بها ولم تسوءني، ثم طفق قائلاً: أعل هبل، فـ عمر ما أطاق هذه الكلمات: فرد عليه قائلاً: أي عدو الله! قد أبقى الله لك ما يسوءك. انتشر بين الناس أن النبي ﷺ قتل، فحزن قومٌ لذلك أشد الحزن، وقال فريقٌ منهم: وما لنا في الحياة بعد موت نبينا ﵊؛ وتقدموا للقتال، وحزن آخرون واستكانوا، فعاتب ربنا الجميع فقال: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٤] ولما مات رسول الله ﷺ بعد ذلك في الأجل الذي كتبه الله له وحدده، أخبر عمر بموت الرسول ﷺ فما صدق أن الرسول قد مات، وذهب ينهر ويزجر من زعم أن النبي قد مات، وقال: إنه سيرجع ويقطع أيدي رجالاً وأرجلهم، وأبى أن يقر بموت رسول الله، والناس من حوله يلتفون؛ فجاء أبو بكر ذلكم البار الراشد العاقل الحافظ، فقال: أيها الرجل المتكلم! على رسلك، فالتف الناس حول أبي بكر، وتركوا عمر، فقال: أيها الناس! من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ثم تلا قوله: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٤]. فلا تعلق عبادتك على موت شخص أو حياته، أياً كان هذا الشخص، وأياً كانت منزلته وقدرهُ، فربك سبحانه حيٌ لا يموت، قريبٌ يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، يقترب منك ذراعاً إذا اقتربت منه شبراً، يقترب منك باعاً إذا اقتربت منه ذراعاً، يأتيك هرولة إذا أتيته تمشي، فكن على صلة بربك، وكن على ثقة به ، قال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٤٥]، فلماذا الحزن والهم؟ ولماذا النكد والجبن؟ ولماذا الخوف؟ فالأرزاق مقسومة، والآجال مقدرةٌ مضروبة.

стр. 47

ابتلاء الصحابة يوم أحد قال الله جل ذكره: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ * وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [آل عمران:١٤٢ - ١٤٣]، كان أصحاب رسولنا محمد ﷺ يتمنون الموت، والمراد بالموت هنا -كما قال فريق من المفسرين- الشهادة في سبيل الله، فجاء يوم أحد واتخذ الله فيه الشهداء؛ فمنهم من أطاق وأقدم وتحمل، ومنهم من تكاسل عن ذلك وقصر، بل ومنهم فرّ وولى الأدبار. فهذا أنس بن النضر رضي الله تعالى عنه غاب عن رسول الله ﷺ يوم بدر، وحزن حزناً شديداً لكونه غاب عن رسول الله ﵊، فقال: غبت عن رسول الله يوم بدر، وإن أشهدني الله مشهداً مع رسول الله ليرين الله ما أصنع، فكان يوم أحد، فتقدم، ولقي سعد بن معاذ الذي اهتز له عرش الرحمن لما مات، فقال له وقد احتدمت المعركة: يا سعد! تقدم وأقبل يا سعد! فوالله! إني أشم رائحة الجنة خلف أحد، قال سعد: فما استطعت أن أصنع الذي صنع! تقدم أنس بن النضر فتمزق جسمه عن آخره، تمزق وجهه وسائر بدنه بالسيوف وبالسهام، ولم يظهر أي شيء منه إلا أطراف الأصابع، حتى قال سعد بن معاذ: والله! ما استطعت أن أصنع الذي صنع! وفيه نزل قول الله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٣]. أما بعض الصحابة الأفاضل فولوا الأدبار، فـ عثمان ﵁ فر يوم أحد، لكن الله عفا عنهم كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران:١٥٥]، وسيأتي لها مزيد تأويل إن شاء الله.

стр. 48

حكمة الله في الابتلاء قال الله تعالى ذكره: ﴿وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾، ولكن فضلتم عليهم بشيء ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ﴾ [النساء:١٠٤]، فرجاؤكم يستلزم منكم صبراً وجهداً؛ فاصبروا على طاعة الله، وجاهدوا ابتغاء مرضات الله، هكذا الحياة الدنيا، تصاب -أيها المؤمن- مرة، والكافر كذلك هو الآخر يصاب مرة، هكذا تتداول الأيام بين الناس. ولكن شتانٌ بين مصيبة يصاب بها المؤمن فترتفع درجاته، ومصيبة يصاب بها الكافر أو الفاجر كمقدمة للعقوبات التي تنزل عليه من الله ، فعقوبات المؤمن كفارة له حتى الشوكة يشاكها، أما الكافر والفاسق فهي بشائر انتقام من رب العالمين من هذا الكافر وذاك الأثيم، قال سبحانه: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ﴾ فلا تحزنوا، ﴿فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾، يوم بدر، ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ [آل عمران:١٤٠]، فرب رجل لم يوصله عمل صالح إلى منازل من منازل الكرامة التي أعدها الله له في الجنان، قد تكون لك في الجنة درجة عالية رفيعة، وعملك الصالح قصر ولم يوصلك إليها؛ صلواتك قليلة، صدقاتك قليلة، حجك قليل، ذكرك قليل، ولكن كُتبت لك عند الله الحسنى، فحينئذ تبتلى بأنواع من الابتلاءات في بدنك وأهلك وأولادك حتى ترفع درجتك وتعلو منزلتك عند الله . قال الله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران:١٤٠]، وقد كان اتخذ الله شهداء كثير من أصحاب نبيه محمد ﷺ يوم أحد، ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ -ليبتلي الله أهل الإيمان- ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٠ - ١٤١]. ثم قال سبحانه: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٢]، أم حسبتم: أفظننتم أن تدخلوا الجنة ولم تبتلوا حتى يظهر منكم الكاذب في دعواه من الصادق؟ هذا ظن خاطئ، فمن ظن أن الحياة السعيدة تدوم له دائماً وأبداً، فقد أخطأ وخالف سنن الله ، فإن الله قال: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:٢]، فلا تظن هذا الظن أبداً، وتوقع البلاء في أي لحظة من السراء أو الضراء، فالابتلاءات تتشكل وتتنوع، ولا يفقهها ولا يعلمها إلا أولو الأبصار وأصحاب العقول، أما رأيت سليمان ﵇ لما رأى العرش مستقراً عنده: ﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل:٤٠]؟ هذا نوع بلاء، فغاية الإكرام تحمل غاية الابتلاء، وما يعقلها إلا العالمون.

стр. 49

قبض الله العلم من الأرض صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من قلوب العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رءوساً جهالاً -وفي رواية: رؤساء جهالاً- فسئلوا فأفتوا بغير علمٍ؛ فضلوا وأضلوا). قوله ﷺ : (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من قلوب العباد)، هذا قبل أشراط الساعة الكبرى، أما من أشراط الساعة الكبرى: أن ينتزع العلم من قلوب العباد، قال حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه: (يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب، فيسرى على كتاب الله في ليلة؛ فلا يبقى في الأرض منه آية، ويقول الشيخ الكبير كلمة واحدة علقت بذهنه من الدين: لا إله إلا الله، فيقول له ولده: يا أبت! ما هذه الكلمة التي تقولها، فيقول: يا بني! وجدنا آباءنا يقولونها فنحن نقولها)، هذا بين يدي الساعة، لكن قبل الأشراط الكبرى للساعة، العلم يقل، قال ﵊: (من أشراط الساعة أن يقل العلم، ويكثر الجهل).

стр. 50

السنة في قبر الموتى والعلماء وغيرهم ثم مات أقوامٌ معاصرون، ففي بلدنا هذا مات بعض أهل العلم، فالتف الناس حول جنازته كما هو وارد عن رسول الله، وفي الدعاء للأموات خير، والميت رحمه الله تعالى كان محسناً، ولكنه بشر من البشر، يجري عليه ما يجري على البشر، فقد قال الله عن نبيه ﷺ : ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠]، لكن نحن الذين جئنا بعد الأموات لا ينبغي أبداً أن نفتن بأي شخصٍ كائناً من كان؛ فعبادتنا لربنا هي الأصل، من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، وليس من الأموات أحد بمعصوم، فأقوال كل شخص يحكم عليها بموافقتها للكتاب والسنة أو بمخالفتها للكتاب والسنة، ولكن الذي أحزننا -ونسأل الله العوض والخير- أن يتخذ قبر الشيخ المتوفى رحمه الله تعالى بجوار المسجد، وتنشأ حوله مقصورة، وقد علمنا جميعاً حديث نبينا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم حين قال في مرض موته: (لا تجعلوا قبري عيداً، لا تجعلوا قبري عيداً)، وقال النبي ﷺ : (ألا إن من كان قبلكم اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد؛ فإني أنهاكم عن ذلك). معشر الإخوة: لنا شرعٌ يتبع مهما كان الميت، مات الشيخ محمد شعراوي رحمه الله تعالى، ونسأل الله أن يوسع له في قبره، وأن ينور له فيه، ولأمواتنا ولعموم المسلمين، آمين يا رب العالمين! ولكنه بشر، ملزم بشريعة رسول الله كما يلزم بها غيره، لكن عندما تفشى في أصحاب الوجاهات مخالفات للسنن، وفارقوا بها غيرهم؛ والناس يهتمون بأصحاب الوجاهات ويصلون عليهم صلاة الغائب، وصلاة الغائب لم تصلَّ إلا على من لم يصل عليه أصلاً، أما إذا مات شخص وصُلي عليه في بلدته أو مكانه فلا تشرع عليه صلاة الغائب، فنبينا ما ثبت عنه أنه صلى صلاة الغائب إلا على النجاشي، وكان النجاشي بأرض الحبشة، فمات بها وكان أهلها من الكفار، فصلى عليه النبي ﷺ قائلاً لأصحابه: (إن أخاً لكم قد مات بالحبشة، فصف أصحابه، وكبر بهم أربع تكبيرات)، أما حال الناس الآن: أنهم إذا مات شخصٌ له وجاهة صلوا عليه صلاة الغائب، وإذا مات مسلم آخر لم يصلوا عليه صلاة الغائب، فهذه التفرقة لا دليل عليها لا من كتاب ولا من سنة. مات الشيخ محمد متولي شعراوي ﵀، وجعلوا قبره مجاوراً للمسجد محاطاً بمقصورة؛ فنخشى غاية الخشية ألا يمر عام إلا وقد أُنشئ له مولد، وقد أقيمت حول قبره بدعة، ونبينا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم يوصي فيقول لـ علي: (لا تدع قبراً مشرفاً إلا سويته)، مشرفاً، أي: عالياً، إلا سويته. وعمر لما ذهب يستأذن عائشة أن يقبر بجوار رسول الله ﷺ ، أرسل ابن عمر وقال له: قل لها: إن عمر يستأذن أن يدفن بجوار صاحبيه، فإن أذنت فالحمد لله، وإن لم تأذن فردوني إلى مقابر المسلمين، فأذنت عائشة، وعثمان الخليفة البار الراشد دُفن في مقابر المسلمين، فما أخال ولا أظن أحداً أكثر منه غنى، عثمان من أهل الجنة، صاحب رسول الله، الحيي الكريم يدفن مع سائر المسلمين، وكذلك طلحة والزبير وسائر أصحاب النبي الأمين، رضي الله تعالى عنهم أجمعين. فالشاهد: أن الشيخ رحمه الله تعالى لا نعلم أبداً أنه أوصى أن يبنى له هذا القبر وأن يدفن فيه، ولا نعلم هل دفن فيه أم لا؟ بل يخبرنا إخواننا أنه جزاه الله خيراً دفن في مقابر المسلمين، لكن نخشى أن هذا البناء الموجود القائم الآن يحال إلى قبر، وأن ينتقل برفاته إليه، فيصبح عنده عيد من الأعياد المبتدعة، ومولد من الموالد المستقبحة المستهينة التي نهى عنها رسول الله ﷺ . ليس للشيخ ﵀ ذنبٌ فيما أحدثوه من بعده، فالعزير ليس له ذنبٌ مع الذين قالوا: عزير ابن الله، والمسيح ليس له ذنبٌ مع الذين قالوا: المسيح ابن الله، فإن الله قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠١]، وقال تعالى: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤]، أما نحن فيلزمنا اتباع سنة رسول الله ﵊، وندعوا للميت بالرحمة، ولا نفتن به، ولا نصرف عن ديننا بسببه، ولا نحدث في ديننا إحداثاً ونتحمل نحن آثامها وآثام من ارتكبها، لنا ديننا ولنا هدي نبينا محمد ﷺ ، فنحذر أيما تحذير من اتخاذ القبور مساجد، ومن المغالاة في حب الأشخاص حتى لا نفتن، ليس الشيخ محمد ﵀ بأفضل من الحسين سيد شباب أهل الجنة، ولا بأفضل من الحسن، ولكن له منا جميعاً أن نكثر من الدعاء له ولسائر الأموات أن يرحمهم الله سبحانه، وأن يفسح لهم في قبورهم وأن ينور لهم فيها، نسأل الله سبحانه أن يوسع لهم جميعاً في القبور، وأن ينور لهم فيها. ثم أيضاً أقواله كأقوال غيره من أهل العلم لا تؤخذ بالتسليم المطلق، بل هو قد أصاب في مسائل وأخطأ في أخرى، كما أصاب الصحابة في مسائل وأخطئوا، أقواله كأقوال غيره تعرض على الكتاب والسنة، فهما خير حكم، بل لا حكم غيرهما على الأقوال والأشخاص، فكلٌ يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر كما قال الإمام مالك ﵀، فيا عباد الله! الله الله! في سنة نبيكم محمد وفي اتباع الشرع، لا تحيدوا عنه ولا تنحرفوا عنه.

стр. 51

قبض العلم بموت العلماء تقدم أن العلم يقبض بقبض العلماء، وفي الحقيقة أنه قد مضى من أمة محمد علماء أجلاء، خيرهم وأفضلهم على الإطلاق رسولنا محمد ﷺ ، فإن كان لنا معزى فعزاؤنا برسولنا محمد صلوات الله وسلامه عليه، سيد ولد آدم، فخير معلم هو ﵊، فمن أراد أن يتذكر مصيبته فليتعز بنبينا محمد ﷺ ، فقد جرى عليه ما يجري على البشر، حتى قالت ابنته فاطمة لـ أنس بعد أن أتى من دفنه ﵊: يا أنس! أطابت نفسك أن تحثو على رسول الله ﷺ التراب؟ ولكن ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب:٣٨]، مات بعد رسول الله ﷺ أصحابه، وهم خير قرن، وخير أمة أخرجت للناس، مات الصحابي الجليل أبي بن كعب الذي كان سيداً من السادات، وكان أعلم الناس بالقراءات كما قال عمر: (أقرؤنا أبيُّ، مات الحَبر ابن مسعود الذي قال عن نفسه: (والله! ما من آية في كتاب الله إلا وأنا أعلم أين أنزلت وفيمن أنزلت، فوالله! لو كنت أعلم أحداً أعلم بكتاب الله مني تبلغه المطايا لأتيه)، كل ذلك قال والصحابة لا يردون عليه بشيء، احتراماً لعلمه وتقديراً لقدره، حتى أن عمر نظر إليه وقال: (كنيف ملئ فقهاً رضي الله تعالى عنه). مات كذلك أعلم الصحابة بالفرائض: زيد بن ثابت العالم الجليل الذكي التقي، تعلم لغة قوم في خمسة عشر يوماً لما أمره رسوله ﷺ أن يتعلم السريانية، مات وذهب يشيع جنازته عبد الله بن عباس الذي كان في يوم من الأيام يأخذ بلجام الدابة ويبركها له، فيقول زيد بن ثابت: (يا ابن عم رسول الله! دع عنك لجام الدابة، فيقول: لا، هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا، وبعظمائنا وبكبرائنا، ويأخذ له بلجام الدابة ويبركها له)، فينزل زيد لـ ابن عباس ويقبل رأسه ويقول: (هكذا أمرنا أن نفعل بآل بيت رسول الله ﵊، تواضع متبادل من الطرفين، كل يعطي الآخر حقه الذي هو له، ولا يبخسه حقه، مات زيد بن ثابت وذهب ابن عباس يشيع جنازته؛ فدفن زيد وأهيل عليه التراب، فقال ابن عباس وهو ينظر إلى التراب الذي يهال عليه: إنا لله وإنا إليه راجعون، لقد دفن اليوم علمٌ كثير). ولما مات حذيفة بن اليمان صاحب سر رسول الله ﷺ ، الذي أعلمه رسول الله بأسماء أهل النفاق، كما في أحاديث الفتن، لما أدركته الوفاة التي كتبت على العباد، ما كان يزكي نفسه بأنه ليس من أهل النفاق، لا يزكيها ولا يثني عليها، وكذلك من حوله، ينظر إليهم حذيفة فيقول: (اللهم! إني أعوذ بك أن يكون ممساي في النار) هكذا يقول حذيفة تواضعاً منه ﵁ وأرضاه. إلى غير هؤلاء العلماء الكرام من التابعين كـ ابن المسيب وعروة وقتادة، ثم من بعدهم كـ مالك والشافعي وأحمد، وأبي حنيفة وغيرهم من العلماء، ثم غير هؤلاء كثير، جمٌ غفير: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ﴾ [الجمعة:٨]. كل هؤلاء الكرام لم يكونوا معصومين من الأخطاء، كلهم جهلوا مسائل وعلموا مسائل، ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٧٦]، كل الصحابة والتابعين وأتباع التابعين منهم من أفتى وأصاب في فتواه، ومنهم من أفتى فتاوى جانبت الصواب، أما نحن أهل الاتباع فلا يسعنا أن نتابع أحداً على مسألة أخطأ فيها أياً كان شأنه بعد ظهور الدليل من كتاب الله ومن سنة رسولنا محمد ﵊.

стр. 52

التحذير من إيواء أهل البدع والمحدثين ثم نذكركم بحديث لرسول الله صلوات الله وسلامه عليه؛ إذ قد خالفه الكثيرون إما جهلاً منهم وإما استخفافاً به، ألا وهو قول النبي ﷺ : (لعن الله من آوى محدثاً، لعن الله من غير منار الأرض)، أما تغيير منار الأرض، فتغيير العلامة التي تحدد حد الأرض التي لك ولصاحبك. أما الذي يعنينا هو حديث: (لعن الله من آوى محدثاً)، فكثير من الناس يؤجرون بيوتهم لأقوام لا أخلاق لهم ولا دين، فإذا رفع إيجار السكن أو الدكان، يؤجر له بصرف النظر عن دينه، فإذا أسكنت رجلاً فاسداً في بيتك أو امرأة من البغايا أو تاجرة للمخدرات، أو أسكنت رجلاً فاسقاً في البيت أو يبيع الدخان في محل لك، أو يتخذه مقهى أو ملهى من الملاهي المحرمة؛ فأنت آثم، ولا تبعد عن الذين آووا المحدثين، ولا عن اللعنة التي توعدك بها رسول الله محمد ﵊، كذلك الذين يئوون أصحاب الموالد، ويستقبلونهم، ويحيون البدع في بيوتهم، هؤلاء أيضاً ينسحب عليهم حديث رسول الله: (لعن الله من آوى محدثاً)، فجدير بكل صاحب بيت ومحل وعمل ألا يئوي إليه محدثاً من المحدثين، بل عليه أن يفكر أن الفاسد إذا سكن البيت، فأول من تصاب به أنت، وأول من تبتلى به ذراريك، لا تسكن في بيتك رجلاً قبيحاً غير محترم، لا تسكن في بيتك نساء كاسيات عاريات يفتنك وأبناءك، لا تسكن في البيت امرأة متبرجة تتبرج أمامك وأمام أبنائك، فكم من بلية حدثت بسبب هذا الاختلاط المزري! فيا عباد الله! اتقوا الله في أنفسكم، وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٨ - ٧٩]. اللهم! أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبساً علينا فنضل، واجعلنا للمتقين إماماً. اللهم! طهرنا من عيوبنا، وأعنا على إصلاح أخطائنا، واسترنا في حياتنا وبعد مماتنا وعند لقائك، يا رب العالمين! اللهم! صل وسلم وبارك على نبينا محمد أفضل صلاة وأتم تسليم، اللهم! ارحم أمواتنا وأموات المسلمين يا رب العالمين! وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 53

تحذير عباد الرحمن من همزات الشيطان الشيطان حريص على إدخال الأحزان إلى قلوب المؤمنين، وله في ذلك طرق كثيرة، وقد حذرنا الله ورسوله منها، ومن تلك الطرق الأحلام المفزعة، وهي مما لا يكاد يخلو منها أحد من عباد الله، وبناءً على هذا فإن للأحلام آداباً شرعية ينبغي العلم بها، ولتعبير الرؤيا أصول يحسن الإلمام بها.

стр. 54

التحذير من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. وبعد: إنَّ الله حذرنا في جملة آيات من كتابه من الشيطان، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر:٦]، وقال سبحانه: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف:٢٧]، ويقول سبحانه: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ [يس:٦٠ - ٦٢]، والنصوص في هذا الباب متظافرة ومتكاثرة ومتواردة.

стр. 55

طرق الشيطان لإدخال الأحزان إلى قلب المؤمن

стр. 56

التناجي من عمل الشيطان أن يدخل الهموم والأحزان إلى قلب المؤمن، وله في ذلك سُبل، وله في ذلك طرق، منها دعوته وتحريضه على التناجي، حيث يتناجى اثنان أمام الثالث، فيذهب الشيطان إلى الثالث ويشككه في إخوانه، ويجعل الريب يملأ قلبه، ومن ثم قال الله سبحانه: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المجادلة:١٠]، وقال النبي ﷺ : (إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس)، وفي رواية أخرى: (فإن ذلك يحزنه) أي: تناجي الاثنين يحزن الثالث، وقد وردت زيادة فيها ضعف في هذا الحديث وهي: (حتى يستأذناه). فالشيطان يدخل إلى قلب ابن آدم ويشوش عليه فكره من باب التناجي، وقد كان الناس يأتون إلى رسول الله فيتناجى بعضهم مع رسول الله فتذهب الظنون بالمسلمين، ويقولون في أنفسهم: لعله يخبر رسول الله أن هناك عدواً يريد أن يغزو المسلمين، ولعله ولعله، فالشيطان يدخل إلى ابن آدم من باب النجوى؛ ليقطع ما بينه وبين إخوانه من صلات، وليفسد ما بينه وبين إخوانه من محبة، فهذا باب التناجي، يدخل منه الشيطان ليحزن الذين آمنوا.

стр. 57

التخويف من الأعداء قال الله سبحانه: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ [آل عمران:١٧٥] أي: (يخوفكم بأوليائه) على رأي أكثر المفسرين. يخوف أولياءه على ظاهرها. فعلى التأويل الأول: يخوفكم من أوليائه، فتأتي تمتثل أمراً أو سنة من سنن رسول الله ﷺ فيلقي بك الشيطان هاهنا وهاهنا، ويجلب عليك بخيله ورجله، ويخوفك من كل شيء، والله قال في كتابه الكريم معلماً إيانا كيف نصنع في مثل هذا المقام: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران:١٧٣ - ١٧٤]. فإذا أتيت تفعل سنة من سنن رسول الله، أو تمتثل أمراً وحكماً لله فلا تظن أبداً أن الله سيخذلك، وأن الله سيتخلى عنك، فهذا من الظن السيئ بالله ، فلا تظن أبداً أنك إذا أقبلت على الله تخلى عنك، فهذا من الظن السيئ بالله، وقد قال ربنا سبحانه في الحديث القدسي: (من تقرب إليَّ شبراً تقربت منه ذراعاً، ومن تقرب إليَّ ذراعاً تقربت منه باعاً، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة)، فلا تظن أبداً بحال من الأحوال، أنك إذا أقبلت على الله تخلى الله عنك، وإن كانت الأمور في أوائلها وفي ظواهرها قد تلبس عليك، ولكن الله قال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ [الطلاق:٢ - ٣]، وقد قال سبحانه: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر:٣٦]، وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:١٧١ - ١٧٣]. فلا يذهب بك الشيطان بعيداً ويزين لك النجاة في معصية الله، كلا، فالدمار في معصية الله ، والهم والنكد في معصية الله ، وإن لاحت لك الأمور على وجه غير هذا الوجه، وإن ظهرت لك الأمور التي تحبها وتسر بها من وراء المعصية، فالأمر على عكس ذلك، وقد قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢١٦]، فكن على ثقة بالله سبحانه أنه ينصر من تولاه ومن وكل أمره إليه. فالتخويف من أعداء الله مسلك من مسالك الشيطان، يسلكه الشيطان لترهيبك وتخويفك من إقبالك على السنن وإقبالك على الدين، وقد قال النبي ﵊ فيما أخرجه النسائي بسند صحيح: (إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه، فقعد له بطريق الإسلام قال له: تسلم وتدع دينك ودين آبائك ودين أجدادك! فعصاه فأسلم، ثم قعد له بطريق الهجرة قال له: تهاجر وتدع أرضك وسماءك وأرض أبيك وأرض أجدادك! فعصاه فهاجر، ثم قعد له بطريق الجهاد قال له: تجاهد فتقتل فترمل المرأة وتتزوج من بعدك، وييتم الأطفال! فعصاه فجاهد، فمن فعل ذلك كان حقاً على الله أن يدخله الجنة)، أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

стр. 58

الرؤى والأحلام المفزعة ومن المداخل التي يدخل الشيطان بها للتشويش على أهل الإيمان الرؤى والأحلام المفزعة المزعجة، فهو يخوف من طريق هذه الرؤى، فيأتيك برؤيا قد سبكها وأتقنها، فلا تشك في صدقها من شدة سبكها وحسن صياغتها، حتى يشتت عليك فكرك، ويدمر عليك عقلك، ويجعلك دائماً قلقاً مضطرباً، ولكن قال رسول الله ﷺ : (الرؤيا ثلاث: منها رؤيا من الله، ومنها حديث للنفس، ومنها رؤيا تحزين وتخويف من الشيطان)، فيخوف الشيطان العباد بهذه الرؤى المزعجة، ولكن نبينا محمد ﵊ علمنا هدياً، وسن لنا سنناً لاتقاء هذه الرؤى المفزعة، حتى إن أبا قتادة ﵁ يقول -كما في الصحيحين-: كنت أرى الرؤيا تمرضني -أي: من شدة هولها وشدة مطالعها وثقلها- فسمعت النبي ﷺ يقول: (إذا رأى أحدكم ما يكره فليتعوذ بالله من شرها ولا يحدث بها أحداً فإنها لن تضره) فسري عني، وذهب عني الذي كنت أجد -أي: من هم هذه الرؤيا ومن ألم هذه الرؤيا.

стр. 59

أصول الرؤيا في الكتاب والسنة والرؤيا أُثبتت أصولها في كتاب الله، ولم يجد الملاحدة إلى الآن تأويلاً مقبولاً سائغاً عندهم للرؤى التي يرونها. فتتحقق كما رأوا، فأحدهم قد يرى رؤيا وتتحقق بعد عام، فيقف على تفسيراته المادية الإلحادية، قائلاً: كيف كان هذا؟ قد رأيت هذا من عام في نومي! فيحتار ولا يجد تأويلاً سائغاً مقبولاً على منهجه الإلحادي الشيوعي لتأويل الرؤى، فيقف تائهاً حيراناً استهوته الشياطين في الأرض. ولكن أهل الإسلام يعلمون أن الرؤى منها أشياء من الله يبشر الله بها أهل الإيمان، كما قال النبي ﵊ (لم يبق بعدي من المبشرات إلا الرؤيا الصالحة، يراها المؤمن أو تُرى له، وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثاً). وفي كتاب الله أن يوسف ﵇ رأى رؤيا فتحققت له بعد سنوات، ورأى الخليل إبراهيم أنه يذبح إسماعيل، فقال إبراهيم: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات:١٠٢]، ورأى رسولنا رؤيا، قال تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح:٢٧]، إلى غير ذلك، ورأى الملك -كما في سورة يوسف- رؤيا، ورأى السجينان اللذان كانا مع يوسف رؤيا، كما قال تعالى عنهما: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف:٣٦]، فهذه أصول الرؤيا في كتاب ربنا، وفي سنة نبينا ﵊.

стр. 60

الأدب مع الله في الألفاظ من آداب الحلم المزعج المفزع ما قال النبي ﷺ ابتداءً: (الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان)، وقد يقال: لماذا الحلم من الشيطان؟ و الجواب أن كل شيء مقدر من الله سبحانه، ولكن الشيطان سبب فقط، ومن هذا الباب أنه لا ينسب الشر إلى الله، بل ينسب الخير كله إليه، مع أن الكل من عند الله، لكن تأدباً مع الله لا ينسب الشر إليه، كما قال الخليل إبراهيم: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء:٧٨ - ٨٠]، فأتى بالإطعام وبالهداية وبالشفاء كلها منسوبة إلى الله سبحانه، لكن لما ذكر المرض قال: ((وَإِذَا مَرِضْتُ)) [الشعراء:٨٠] مع أن الأمراض أيضاً مقدرة، لكن يجب الأدب مع الله سبحانه، فقال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء:٨٠]. ومن هذا الباب قول الرسول ﵊: (لبيك وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك) مع أن المصائب مقدرة ومكتوبة ومسطرة. ومن هذا الباب قول الخضر لموسى -كما حكى الله تعالى عنه-: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف:٧٩] فنسب العيب إلى نفسه، وفي قصة الغلام قال: ﴿وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا * فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف:٨٠ - ٨١]، فكل خير ينسب إلى الله . فلتلزم -يا عبد الله- جانب الأدب مع الله في خطابك وفي كلامك، ولا تتخاطب مع ربك وتصفه بالأوصاف التي يوصف بها البشر، فلله جلال وعظمة وكمال ، فتحدث عن ربك بالذي في كتابه، وبالذي في سنة نبيه، قال ﵊: (الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان).

стр. 61

آداب الرؤيا للرؤيا السيئة أو المزعجة آداب، وهي ألاَّ تحدث بها أحداً، وتتعوذ بالله من شرها، وتتفل عن يسارك ثلاثاً، وتتحول عن جنبك الذي كنت عليه، وإذا كانت شديدة الإفزاع فلتقم ولنصل، وكل هذا ثابت عن رسول الله، فهي خمسة آداب: تعوذ بالله من شرها ومن شر الشيطان، واتفل عن يسارك ثلاثاً، ولا تحدث بها أحداً، وتحول عن جنبك الذي كنت عليه، وقم إلى الصلاة، فحينئذٍ لا تضرك كما أخبر رسولك محمد ﵊، وكما قال أبو قتادة: فلما علمت ذلك من رسول الله سري عني. وقد جاء رجل إلى رسول الله فقال: يا رسول الله: إني رأيت البارحة رؤيا، رأيت كأن رأسي قطع فتدحرج، فذهبت وراءه أتبعه، فجئت برأسي ووضعته في مكانه. فقال الرسول ﵊: (لا يخبرن أحدكم بتلاعب الشيطان به في منامه)؛ فهذا تلاعب من الشيطان بك وأنت نائم، فلا تخبر به الناس، ولا تضحك الناس عليك، ولا تشمت الناس بك، ولا تأتِ إلى رجل لا يعرف للرؤيا تعبيراً فيعبرها لك على وجه يكره. وقد حسن بعض العلماء -وإن كان في هذا نزاع- حديث: (الرؤيا لأول عابر) أي: على أول تعبير، ولأول معبر يعبرها، وصحح آخرون حديث: (الرؤيا على رجل طائر ما لم تُعبر، فإذا عُبرت فقد وقعت)، واستأنس بعضهم لهذا المعنى بما ورد في قصة يوسف مع السجينين في قوله تعالى: ﴿قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف:٣٦]، فقد أورد بعض المفسرين قولاً الله أعلم بصحته، وهو أنه لما فسرها تفسيراً مزعجاً في الوجه الذي قال فيه -كما حكى الله تعالى عنه-: ﴿فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ﴾ [يوسف:٤١] قال الرجل: إني كنت أتحالم. أي: أدعي أنني رأيت. فقال: ﴿قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ [يوسف:٤١]، والله أعلم بصحة ذلك. فالشاهد أنك لا تقص الرؤيا إلا على عالم، أو على ناصح، وإذا رأيت رؤيا تحبها فحدث بها من تحب فقط، لا تحدث بها شخصاً تكرهه فيحسدك عليها، ومن ثم قال يعقوب ليوسف ﵉ -كما حكى الله تعالى عنه-: ﴿يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يوسف:٥]، فلا ينبغي أن تقص الرؤيا على شخص -وإن كان مسلماً- إذا كان هذا الشخص يحسدك على ما أنت فيه من نعيم. وقد استدل الحسن البصري رحمه الله تعالى بقوله: ﴿فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ [يوسف:٥] على أن المؤمن قد يحسد، فقد قيل للحسن: يا حسن أيحسد المؤمن؟ قال: سبحان الله! ما أنساك لإخوة يوسف إذ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ، اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ. فتأدبوا -معشر الإخوة- بآداب الرؤيا، وهي تلكم الآداب الواردة عن رسول الله ﵊، وليحذر أحدكم أشد الحذر من الافتراء والكذب في الرؤيا، وأن يري عينيه ما لم تريا، قال النبي ﵊: (إن من أفرى الفراء -أي: من أكذب الكذب- أن يُري الرجل عينيه ما لم تريا)، أي: تقول: أنا رأيت رؤيا فيها كذا وكذا وأنت لم تر ذلك. وقال ﵊: (من تحلم بغير حلم كلف يوم القيامة أن يعقد بين شعيرتين وليس بفاعل) أي: الذي يقول: أنا رأيت كذا في الرؤيا، وهو كاذب في هذا الادعاء يكلف يوم القيامة أن يعقد بين شعيرتين (وليس بفاعل) أي: ولن يصير ذلك، فيعذب ويؤنب حتى يعقد، إلا أن يعفو الله عنه، كما يعفو عن أهل التوحيد، والله سبحانه أعلم. فجدير بك أن تكون صادقاً في حديثك، وصدق الحديث ينعكس على صدق الرؤيا، فإذا كنت صادقاً في الحديث كانت رؤياك حقاً، ولذلك الأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه، لما كانوا أصدق الناس كانت رؤياهم مثل فلق الصبح، وكانت رؤيا رسولنا محمد ﵊ تأتي كفلق الصبح، والخليل رأى رؤيا فتحققت كما تقدم.

стр. 62

أهمية تعبير الرؤى لا يقللن شخص من قيمة الرؤيا، فقد ثبت في البخاري ومسلم من حديث سمرة بن جندب أن النبي ﵊ كان إذا صلى الفجر سأل أصحابه: (هل رأى أحد منكم البارحة رؤيا؟) فيقصون عليه رؤاهم فيؤولها لهم رسول الله ﵊، وقال لهم ذات يوم: (هل رأى أحد منكم رؤيا البارحة فسكتوا؟ فقال: لكني رأيت الليلة عجباً)، فطفق ﵊ يقص عليهم رؤيا طويلة مفادها إيراد أنواع من العذاب لمرتكبي بعض الكبائر، ومن أمعن النظر فيها يجد أن كل من عصى الله بجارحة من الجوارح فتعذب تلك الجارحة منه، فإذا عصيت ربك بفمك عُذبت فيه، وإذا عصيت ربك بفرجك عُذبت فيه، وإذا عصيت ربك بعقلك وبرأسك عُذبت فيه، وهكذا. ففي هذا الحديث أن النبي ﵊ رأى رجلاً مستلقياً على قفاه وآخر معه صخرة، فيأتي بالصخرة ويضرب ها رأس هذا المستلقي فيتكسر الرأس، وتتكسر الصخرة، ثم يرجع هذا الضارب يجمع تلك الصخرة المتفتتة، فيجد الرأس قد التأم، فيكرر نفس العمل السابق، فيكسر الرأس وتتكسر الصخرة، فسأل النبي ﷺ : ما هذا الذي أرى؟ فقيل له: هذا الذي يأخذ القرآن فيرفضه، وينام عن الصلاة المكتوبة. فهذا جزاء الرافض لكتاب الله النائم عن الصلاة المفروضة. ثم مر ﵊ على قوم رجال ونساء في مثل التنور، يأتيهم لهب من أسفل منهم، فيحرق هذا اللهب فروجهم، فيُسمع لهم صياح، وتسمع لهم ضوضاء، فسأل: من هؤلاء؟ قال الملكان: هؤلاء الزناة والزواني من أمتك يا محمد. فانظر إلى هذا الذي استمتع بفرجه في الحرام، وإلى تلك البغي التي استمتعت بفرجها في الحرام كيف تطهر في الآخرة؟ نار ولهب تحرق تلك الفروج العاصية، فبعداً لشهوة دنيئة وقتها قصير ومنتهٍ في الحياة الدنيا، فهي لحظات تقضى فيها شهوة في الحرام، ودقائق معدودات، ويبقى على صاحبها النكد، وأي نكد؟ وكم زمانه؟ فرج يحترق، وجسم يتألم بلهب، فيسمع الصياح إلى أمد لا يعلمه إلا الله. فجدير بكل عاقل أن يفكر في هذه اللذة الفانية، التي لا تستغرق إلا لحظات وثوانٍ ودقائق، ثم بعدها عذاب أليم مؤلم موجع لا يزول، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [الفرقان:٦٨ - ٧٠]. فانظر إلى الفرج المستمتع بالحرام كيف يعذب، وانظر إلى الفم آكل الربا، فقد رآه الرسول ﷺ يسبح في نهر من دم، فيأتي متجهاً إلى الشاطئ وإذا برجل عند الشاطئ جمع أحجاراً كلما اقترب هذا السابح من الشاطئ فتح فمه فألقمه حجراً بقوة في فمه، فيرجع ثانية إلى وسط نهر الدم، ويُفعل به هكذا دائماً وأبداً إلى أن يشاء الله، فهذا الفم الذي طعم الربا من اللائق به أن يسبح في أنهار من دم، فيمتلئ دماً ويلقم أحجاراً، وهكذا مصير أكلة الربا. ورأى النبي ﷺ أيضاً في هذه الرؤيا الطويلة الكذابين على الله وعلى رسله وعلى أهل الإيمان، الذين يكذبون الكذبة فتنتقل في الآفاق، كالمذيعين الكذابين والصحفيين الكذابين الذين ينتشر كذبهم، فرأى النبي ﵊ كلوباً من حديد يوضع في فم الكذاب فيشرشر الفم إلى القفا، والأنف إلى القفا، ثم يتجه إلى الجانب الآخر فيُفعل به هكذا، فهؤلاء الذين يكذبون الكذبة تبلغ الآفاق. فجدير بكم أن تطهروا جوارحكم -معشر الإخوة- من كل معصية لله، ومن كل معصية لرسول الله ﵊. وباب الرؤى باب واسع وعريض وله فقه، ومن أراد التعبير فعليه الإلمام بأكبر قدر من سنة رسول الله ﷺ ، ثم معرفة أحوال الذين رأوا الرؤى، فيختلف تعبير الرؤى باختلاف من رآها، فقد تأول على وجه حسن إذا كان الشخص صالحاً، وقد تأول على غير ذلك بحسب حال الشخص.

стр. 63

أصول تعبير الرؤى لتعبير الرؤى أصول، وهناك مدلولات يستدل بها على الرؤى، فمن رأى -مثلاً- أنه قد كسي بالثياب فالثياب علامة ستر وعلامة دين، ومن رأى أنه يشرب لبناً فاللبن علم، ومن رأى أنه يشرب خمراً فليحذر وليفكر في نفسه؛ فالخمر غواية، ومن رأى أنه يركب سفينة فالسفينة نجاة، والعين الجارية للشخص يراها عمل صالح، ومن رأى حيات -كما قال كثير من العلماء- فهي أعداء؛ لقول الرسول ﵊: (ما سالمناهن منذ حاربناهن) وكذلك الجمال لقول النبي ﵊: (الإبل خلقت من الشياطين)، ومن نفخ شيئاً فطار فأمر هذا الشيء إلى ذهاب؛ لأن النبي ﵊ قال: (رأيتني ألبس سوارين من ذهب فنفختهما فطارا فأولتهما كذابين يخرجان من بعدي)، وهما الأسود العنسي صاحب صنعاء، ومسيلمة الكذاب صاحب اليمامة، فمن نفخ شيئاً فطار فأمر هذا الشيء إلى ذهاب، ومن رأى أن شيئاً حدث له في سيفه فكسر يحدث له في أقاربه، كما قال الرسول في شأن رؤياه يوم أحد. وثم مدلولات تعبر بها الرؤى، كالأسماء الصالحة في الرؤى مدلولاتها صالحة كذلك، قال النبي ﵊: (رأيت كأننا في دار عقبة بن رافع وأُتي لنا برطب من رطب ابن طاب فأولتها أن العاقبة لنا في الآخرة، وأن الرفعة لنا في الدنيا، وأن ديننا قد طاب)، فللأسماء الطيبة مدلولات في الرؤى، فهذا يحملنا على اختيار الأسماء الطيبة والأسماء الصالحة لأبنائنا، فهي فأل طيب في اليقظة وفي المنام كذلك.

стр. 64

أثر الجليس الصالح وجليس السوء لابد لكل إنسان من جليس، يمسح عنه دمعته إذا حزن، ويكشف كربه إذا ادلهمت به الخطوب، ويؤنس مجلسه، ويعينه على قضاء حوائجه، ومعايشة تصاريف الحياة، وأقرب جليس للإنسان هو الزوجة، فإن كانت صالحة أنشأت أسرة صالحة، وإن كانت غير ذلك فالعكس من ذلك، لذا لابد من الاهتمام بما يصلح شأن المرأة، والحذر من كل الوسائل المساهمة في إفسادها، ولن يكون ذلك إلا بالسير على هدي الكتاب والسنة على فهم سلف الأمة رضوان الله عليهم أجمعين.

стр. 65

أثر الجليس الصالح وجليس السوء إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. إن للجليس تأثيراً على جليسه أيما تأثير، فلذلك قال النبي ﷺ في الحديث المتفق على صحته: (إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء كمثل حامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحاً نتنة -وفي رواية- ريحاً خبيثة). فهذا مثل ضربه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم للجليس الصالح وللجليس السوء، وحسّن بعض العلماء حديث النبي ﷺ : (المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل)، وقال الله في كتابه الكريم: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام:٦٨]، وقال سبحانه: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء:١٤٠]، وقال ﵊ كذلك: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلسن في مائدة يدار عليها الخمر)، فهذه النصوص وغيرها من النصوص تضبط لنا أصدقاءنا ومن نجالس، وتضبط لنا مجالسنا كذلك، فليس للمسلم أن يصادق من يشاء، ولا أن يجالس من يريد، ولا أن يقعد حيث أراد، بل في مجلسك أنت منضبط فيه بأمر الله، فليس لك -يا مسلم- أن تجالس من تشاء، وإنما هذا للكفار الذين انسلخوا من الأديان واعتبروه -بزعمهم- ديمقراطية، أما نحن -أهل الإسلام- فمقيدون بأمر الله لنا، فليس لنا أن نجلس مع كل شخص، وليس لنا أن نخوض في كل قول، وليس لنا أن نغشى كل مجلس، بل غشياننا للمجالس واختيارنا للأصدقاء كما أمرنا ربنا ، وذلك أن الجليس يؤثر في جليسه، فإما أن يقربه من الله سبحانه، وإما أن يبعده عن الدين، فإن الذكرى لأهل الإيمان تنفعهم، وإنك إذا رأيت أقواماً صالحين اقتبست من أخلاقهم وعاداتهم، وإذا جالست أقواماً أشراراً علق بذهنك قولهم، وأخذت من سجاياهم وطبائعهم الخبيثة، فلذلك ضُبطنا في مجالسنا وضُبطنا في أصدقائنا، حتى إن كانت هذه الصداقات مع أقرب الأقربين وهو على انحراف عن كتاب الله يترك ولا يبالى به.

стр. 66

الزوجة أعظم جليس إن خليل الرحمن إبراهيم ﷺ ذهب إلى تركته بنفسه يتفقد أحوالها، ويتفقد أحوال إسماعيل ﵇، فوجد امرأة غير حامدة لله سبحانه، ولا شاكرة لنعمائه، فأوصى ولده أن يغيّر عتبة بابه وأن يطلقها، وذلك لأن للمرأة تأثير في زوجها، ومن ثم جاءت بعض وجوه التأويل في تأويل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن:١٤]، وكذلك جاء قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ) [آل عمران:١٤]، وجاءت أقوال بعض المفسرين في تفسير فتنة النساء المذكورة في حديث النبي ﵊: (ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء)، وهي أن فتنة النساء ليست كامنة في الإعجاب بهن والوقوع في الفاحشة معهن فقط، ولكن ثم أوجه أخر للإفتتان عظيمة قد يفتن الشخص بزوجته بسببها، أو تفتن المرأة بزوجها بسببها. وهذا يجرنا إلى تناول آيات الأحزاب بشيء من الشرح والتفسير والتأويل، يقول الله سبحانه في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٨ - ٢٩]، فهذه الآيات لها سبب نزول، فإن نساء النبي ﷺ -وهن خير النساء- سألنه النفقة، واستقللن العطاء الذي يأخذنه من رسول الله ﷺ ، فطلبن مزيداً من النفقة من رسول الله ﵊، وورد أن بعضهن قلن: لو كنا عند رجل آخر لكسينا الحرير، وللبسنا الذهب الوفير إلى غير ذلك، فحزن النبي من ذلك حزناً شديداً ﵊، وفي بعض الروايات أنه اعتزلهن شهراً ﷺ ، فذهب إليه أبو بكر وعمر ﵄، فدخلا على رسول الله ﷺ فوجداه واجماً حزيناً ساكتاً ﵊ ونساؤه حوله، فأراد عمر أن يدخل السرور على رسول الله ﵊ فقال: (لو رأيتني -يا رسول الله- وقد سألت بنت خارجة -يعني زوجته- النفقة، فقمت إليها يا رسول الله فوجأت عنقها -أي: ضربتها في عنقها وطعنتها في عنقها- فقال أبو بكر مثل ذلك، فقال الرسول ﷺ : هن حولي فيما ترى يسألنني النفقة)، فقام أبو بكر إلى عائشة ليطعنها في عنقها، وقال لها: تسألين النبي ﷺ ما ليس عنده! وقال عمر لـ حفصة مثل ذلك، وقام أبو بكر وعمر ليضرب كل منهما ابنته، فمنعهما النبي ﷺ ، ونزلت آية التخيير: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٨]، وذلك أن المرأة قد تطلب من زوجها شيئاً فوق طاقته فيضطر الشخص -وهذا ليس في حق رسولنا محمد فهو معصوم ﵊، ولكن الآيات تنزل عليه وهي عامة- فيضطر أن يمد يده إلى الحرام لإشباع رغبة زوجته، فنزلت آية التخيير، فبدأ رسول الله ﷺ بـ عائشة فقال لها: (يا عائشة إني عارض عليك امراً فلا عليك ألا تعجلي حتى تستأذني أبويك)، ثم تلا عليها آية التحريم فقالت: يا رسول الله: أفي هذا أستأمر أبوي؟ فإني أختار الله ورسوله والدار الآخرة، ولكن -يا رسول الله- لا تخبر أحداً من نسائك أني اخترت الله ورسوله والدار الآخرة فقال ﵊: (إن الله لم يبعثني معنتاً ولا متعنتاً، ولكن بعثني معلماً، لا تسألني امرأة منهن عن اختيارك إلا أخبرتها بالذي اخترتيه)، ثم مر النبي على سائر نسائه فاخترن مثل ما اختارت عائشة رضي الله تعالى عنها. فالإبقاء أحياناً على امرأة دينها ضعيف ورخيص قد يجعل زوجها معها في عذاب الله ، فيدخلهما في ارتكاب المحاذير وارتكاب المحرمات، فحينئذ لا يجالس رجل امرأة أصرت على هذا الحال من الحياة الذي لا يبالي معه بأكل المال من الحلال وأكله من الحرام. فنزلت آية التخيير على رسول الله ﷺ ، إلا أن أزواجه ﵅ كن محسنات فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة، قال الله في هذه الآيات الكريمات: ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا * يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب:٢٩ - ٣٠]، فلمنزلتهن وشرفهن عظمت الذنوب في حقهن، وقوله تعالى: (بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ): قال بعض العلماء: منها سوء الخلق والنشوز. فكل ما علت مرتبة الشخص عظمت منه الذنوب، واستقبحت منه أشد من غيره. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب:٣١]، والقنوت هنا: الطاعة. قال تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب:٣٢] (لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ) أي: في المنزلة والشرف لا يضاهيكن أحد من النساء، وإذا كان هذا قيل لنساء نبينا محمد ﵊ ورضي الله عنهن وهن قد سألن النبي النفقة واستكثرنه النفقة فلأن يصدر ذلك من بعض نساء زماننا فهو وارد. والله أعلم.

стр. 67

خطورة تفشي التبرج في المجتمع قد آل الأمر بنساء زماننا إلى ما هو أبشع، فإن النبي ﷺ بعث في أمة مشركة تشرك بالله، ومع ذلك يقول: (صنفان من أمتي من أهل النار لم أرهما: نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها) الحديث، فمع أن الأمة التي بعث فيها الرسول ﵊ كانت مشركة لكن لم يعهد منها هذا التبذل وهذا التعري المزري الذي تفعله المتفحشات من النساء؛ حيث يرتدين البناطيل اللاصقة بالأجساد، فهي أمور لم يرها رسولنا محمد ﵌، وتنظر إلى بعض الفتيات -مع أن آباءهن مسلمون وأمهاتهن مسلمات- يمشين ببناطيل وردت من بلد الكفر تجسد العورات، وتظهر الخفي -والعياذ بالله-، ولا يستحين ومعهن آباؤهن وأمهاتهن، كأن الغيرة قد انعدمت في قلوب آبائهن وأصبح كل منهم ديوثاً لا يغار على عرضه. فالرجل يحكم عليه بما يصدر منه، وبما يصدر من أهل بيته كذلك، فإذا رؤيت فتاة تخرج بهذه الصورة المزرية فليُعلم أن أباها فيه شيء من الدياثة، وفيه انعدام غيرة وقلة إيمان -والعياذ بالله-؛ لأن الرجل يفترض فيه أنه مسئول عن أهل بيته لقول الله تعالى: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم:٦]، ولقول النبي ﵊: (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته)، فإذا جئت تزن الأشخاص فتصف شخصاً من الناس بأنه طيب وفي أحسن حال مع أنه ترك ابنته تخرج متبذلة ساقطة على هذا النحو المزري فأي طيب هذا؟ إنما الطيب الذي يمتثل أمر الله وأمر رسول الله ﵊. قال الله سبحانه: ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣]، فنهاهن الله عن المنكر، ثم أمرهن بالمعروف فقال: ﴿وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٣].

стр. 68

وسائل القرآن لسد أبواب الفتنة قال تعالى: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ [الأحزاب:٣٢]، أي: في خطابكن مع الرجال. ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ أفادت الآية الكريمة أن من الرجال رجالاً في قلوبهم مرض، فثم رجال في قلوبهم صلاح، وآخرون في قلوبهم مرض، وآخرون امتلأت قلوبهم إيماناً، وآخرون امتلأت قلوبهم فجوراً وإثماً، وفئة من اصحاب النبي محمد ﵊ قال الله فيهم: ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح:١٨]، وفئة أخرى قال الله فيها: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب:٦٠]، فطائفة من الرجال قلوبها صالحة نقية صافية، وفئة أخرى من الرجال في قلوبها مرض، فإن تكلمت المرأة أي كلمة حملوها على محامل السوء، فتتكلم معهم المرأة ونيتها طيبة فيحملون مقالتها ما لم تحمله، فيظن أنها تريد منهم الفاحشة -والعياذ بالله-، فكل يؤول على ما استقر في قلبه -والعياذ بالله-، ولذلك قال الله لنساء نبيه ﵅: ((فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا)) [الأحزاب:٣٢]، فهكذا ينبغي أن تكون المرأة، جزلة جادة في خطابها إذا احتاجت إلى خطاب مع الرجل، كما قال سبحانه: ﴿وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [البقرة:٢٣٥]، وكما قالت المرأتان بأسلوب جزل قوي: ﴿لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ [القصص:٢٣]، فهكذا تكون الكلمات التي تصدر من الطيبات، فدائماً تصدر أفواههن كلمات طيبات تقطع أطماع الطامعين فيهن. قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٣] أي: لا تكثرن الخروج إلا للحاجات. فالأصل القرار في البيت، فتجلس في بيتها، ولا تخرج لمزاحمة الموظفين، ولا تخرج للتبذل في المواصلات والاحتكاك بالرجال، ولا تخرج إلا إذا دعتها الضرورة للخروج، وقال الرسول ﵊: (المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان، وأقرب ما تكون المرأة من ربها وهي في قعر بيتها)، فمن كانت عنده امرأة موظفة لا حاجة له في خروجها إلا الطمع في المال فبقاؤها في بيتها خير له وخير لها في دنياهما وأخراهما، قال الله في كتابه الكريم: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾، فلا يغرنك أن بنت فلان في الجامعة، ولا أن بنت فلان في الدبلوم، ولا أن بنت فلان في وظيفة كذا وكذا، فهؤلاء يشابهن الإماء في أعمالهن، أما الموقرات المحترمات اللواتي لا حاجة لهن إلى الخروج فأصل مجلسهن في بيتهن، قال النبي ﷺ : (صلاة المرأة في بيتها خير من صلاتها في المسجد، وصلاتها في حجرتها خير من صلاتها في بيتها، وصلاتها في مخدعها خير من صلاتها في حجرتها)، فالمرأة الوقورة مجلسها بيتها، والصالحات قلن: ﴿لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ [القصص:٢٣]. فالناس يقومون بما قومهم به ربهم سبحانه، فلا تقوم الفتاة المتبذلة بأنها في جامعة كذا، وقد خرجت متبذلة متبرجة مزاحمة للناس، ولا توقرها بكونها تدرس في الجامعة، فلن تغني عنها الجامعة من الله شيئاً، قال الله : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣] وقد روي عن ابن عباس ﵄ أن الجاهلية الأولى كانت بين إدريس ونوح ﵉، فكان هناك رجال يسكنون الجبال ومعهم نساؤهم، ورجال يسكنون السهل ومعهم نساؤهم، فكان نساء الجبل فيهن دمامة، ورجال الجبل فيهم صباحة وجمال، وعلى العكس من ذلك كان الأمر في السهل، فحصل احتلاط بين رجال الجبل ونساء السهل، وانعكست الأمور وتفشت الفواحش -والعياذ بالله-، وهذا روي عن ابن عباس، وليس عن رسولنا محمد ﵊. فرب العزة سبحانه قال: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣]، فمن صورها أن المرأة كانت تخرج تسافح الرجال -والعياذ بالله- وتختلط بهم.

стр. 69

اهتمام الكتاب والسنة بالأسرة المسلمة قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٣]. في الآية الكريمة منقبة كبرى لأزواج رسول الله ﷺ ولعموم أهل بيته، أما الآيات فظاهرها أنها نزلت في آل بيت رسول الله، فظاهرها -كما قلنا- أنها نزلت في أزواج رسول الله، وآل بيته داخلون في الآية، فلما نزلت هذه الآيات: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ دعا النبي ﵊ علياً ﵁ وفاطمة وحسناً وحسيناً ﵃ أجمعين، ووضع عليهم جميعاً كساءه وقال: (اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً)، فجاءت أم سلمة وقالت: وأنا معهم يا رسول الله! قال: (أنت من أهل بيتي) فدخل علي والحسن والحسين وأمهما فاطمة في هذا النص الكريم. وقد بين رسولنا محمد ﵊ طرفاً من حق أهل بيته وأوصى بهم، قال ﵊: (إني تارك فيكم الثقلين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما أبداً: كتاب الله وأهل بيتي. أذكركم الله في أهل بيتي. أذكركم الله في أهل بيتي. أذكركم الله في أهل بيتي)، فهذا في أهل بيت رسول الله المتبعين لسنة رسول الله ﷺ ، أما رجال زعموا أنهم من أهل بيت رسولنا محمد ﵊، وطفقوا يجمعون أموال الصدقات، ويأكلون أموال الصدقات تحت دعوى أنهم من أهل بيت الرسول، وقد علموا أن النبي ﵊ قال: (إنا -آل محمد- لا نأكل الصدقة إنما هي أوساخ الناس)، ووجد الرسول ﵊ يوماً في فم الحسن تمرة من تمر الصدقة فقال له -وهو طفل ﵁: (كخ كخ! أما علمت أنا -آل محمد- لا نأكل الصدقة)، فاستخرجها الرسول ﵊ من فيه. قال الله سبحانه: ((إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)) [الأحزاب:٣٣]، ثم قال الله لهن: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٤]، فهذا حث لنساء النبي ﵊ على بث العلم الشرعي المتمثل في كتاب الله وسنة رسول الله ﵊، فالذي يتلى في بيوت أزواج رسول الله هو كتاب الله، والحكمة التي هي سنة رسول الله ﷺ ، فهذا أمر للنساء أن يشاركن الرجال -حيث لا فتنة- في تبليغ كتاب الله وسنه نبيه محمد ﵊، وجدير بالنساء اللواتي آتاهن الله علماً أن يبثثنه في النساء إذا احتاجت النساء إلى ذلك، أو للرجال إذا لم يكن في الأمر فتنة، فقد قال ربنا سبحانه في نساء نبينا: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٣]. قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٤].

стр. 70

مسئولية رب الأسرة أمام الله نقول للمسلمين: علموا نساءكم كتاب ربكم وسنة نبيكم ﵊، فهذا الذي ينفعكم في دنياكم وفي أخراكم. فقد أقبل علينا هذا الزمن بما فيه من شر وفساد، وعري وتبرج، وأذكركم بحديث نبيكم محمد ﵊ علكم تعقلونه، وعلكم تفهمونه، قال النبي محمد ﷺ : (مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وأصاب بعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا أرادوا أن يستقوا -أو: أن يشربوا- مروا على من فوقهم، فآذوا من فوقهم بمرورهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً -أي: نقرب المسافة ولا نصعد إلى أعلى-، فلو تركوهم -أي: لو تركهم الذين هم أعلى السفينة- وما أرادوا لغرقوا جميعاً، ولو أخذوا على أيديهم لنجوا ونجوا جميعاً)، فالمنكرات التي من حولنا إذا لم ننكرها نحن وصلت إلى بيوتنا، ووصلت إلى بناتنا، ووصلت إلى أزواجنا، فالبنت المتبرجة إذا لم تنهها عن المنكر وتُذَّكر والديها بالحكمة واللين والاحترام ستتعلم منها ابنتك، وستجيء ابنتك تطلب منك أن تكون مثل بنت فلان؛ لما رأته من حالها، والولد الذي يشرب ويتناول المخدرات إذا تركته وهو ولد جارك، وهو بعيد عن المسجد أوشك ولدك أن يتعلم منه، وأن ينقل إليك بلاياه، أما إذا أخذت على يد السفهاء حفظك الله سبحانه بما حفظت به أولاد المسلمين، وبما حفظت به بنات المسلمين، وارتد عملك الطيب عليك.

стр. 71

صور من فساد المجتمع ووسائل علاجها فنحن يوماً بعد يوم في هذه الأيام نرى أقواماً لا خلاق لهم إذا تزوج أحدهم أو زوج بنته -وقد ابتلوا بفقر- يقترضون الأموال، ويأتون بالفرق فرق الشر والفساد، فيستأجرون الزينة والساقطين من أصحاب الفرق فرق الغناء والفساد والشر كي يحييوا ليلة فرحهم بالشر والفساد والفسق والمجون، وكثير من إخواننا يقف موقف الناظر، والواجب أن يقف موقف المنكر بقلبه، وهي أضعف مراتب الإيمان كما قال الرسول ﵊، وإذا جاء شخص يتكلم وينكر بلسانه خشي من مغبة الإنكار باللسان، وإذا تجرأ وجاء ينكر خشي من مغبة الإنكار باليد من الحكومة التي لا تولي أمر دينها أدنى اهتمام في هذه الأيام، بل تحارب في كثير من الأيام المتمسكين بأمر الله، وإذا جاءت محاضرة ترهق غاية الإرهاق ليصرح لها من الدولة، أما موطن شر وفساد وفسق ومجون ودعارة فلا يحتاج إلى أدنى تصريح، فجدير بإخواننا أن يحافظوا على دينهم، والذي نقوله لهم أن يقوم بعض إخواننا بتقديم شكاوى للشرطة. قبل حدوث هذه البلايا، ولا يبال بحق جاره أمام حق الله، فيقدم الشكوى بأن هذه الأمور تغوي أبناءنا وتنشر الفساد فيهم، وهكذا يقدم واحد تلو الآخر شكاويهم حتى نخفف من الشر والفساد، ولا زال هناك من رجال الشرطة من أهل الصلاح من لا بأس بهم يتتبعون مواطن الشر ومواطن الفساد، ويحتاجون إلى من يعرفهم، فإذا وصلت منك شكوى في هذا الشر والفساد، وعللت شكواك ولو بعلة دنيوية، كأن تقول: أولادي في الامتحانات. أو: رأسي يؤلمني. أو نحو ذلك، فالمهم أن تهتم بهذا الأمر أيما اهتمام. فجدير بنا -معشر الإخوة- أن نسلك السبل القويمة بالتي هي أحسن لتترك هذه الشرور فنحفظ أبناءنا وبناتنا، وإن ابنك الصغير الذي يذهب وينظر إلى المرأة التي ترقص، وينظر إلى الرجل الذي يحتضنها لعله أن يفعل هذا بأخته، والسبب أنه رأى ذلك في الحرس الفلاني، أو الشاشة الفلانية، أو الفلم الفلاني. فعليك -يا عبد الله- أن تكون حكيماً في إنكار المنكر، وتزكي الصلاح الكامن في رجال الشرطة الذين فيهم بقايا من صلاح حتى يتحركوا لإزالة هذه المنكرات، وأنت مأجور، ورب العزة يقول: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١ - ٣] فإذا كان لك جار له بنت سافلة تمشي بوضع مزرٍ مخزٍ فذكر والدها بما أوجبه الله عليه، فليس هناك أي عاقل يقر بحال من الأحوال أن تخرج فتاة متبذلة على هذا النحو المزري. وقد تجد في أيام الاختبارات -ولا عجب- أن الأب يوقظ ابنه مبكراً، ويوقظ ابنته مبكرة للاختبار، ويقوم الأب بنفسه يعمل الشاي للبنت وللابن، لكي يذهب إلى الاختبار وعقله موزون، ولا يبالي بأن الولد ترك صلاة الفجر، كما قال رب العزة -وصدق فهو أصدق القائلين- ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ [القيامة:٢٠ - ٢١] وكما قال: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ [الإنسان:٢٧]. فالرجل يجلس منبسطاً فرحاً وهو يرى ولده مقبلاً على كتب المدرسة، ويرى ابنته مقبلة على كتب المدرسة، ويجلس في خدمتهما، وتجلس الأم على قدم وساق لخدمة الولد ولخدمة البنت كي لا تذهب عن الولد فتأخذه نومة فيخسر في دنياه بزعمها، ولا تبالي هل فتح الولد مرة كتاب الله وتلا ما فيه، وهل جاء هذا الولد يوماً وقال: يا أبي ما معنى هذه الآية، وما معنى قول الله كذا، وما معنى قول رسول الله ﷺ كذا. فجهل الآباء جعلهم لا يبالون بشيء من ذلك، ولم يعودوا يبالون هل صلى أولادهم أم لم يصلوا. فيا عباد الله: الآخرة آتية، قال تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الدخان:٤٠]، ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا﴾ [النبأ:١٧]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾ [الأنعام:١٥ - ١٦] اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبساً علينا فنضل، واجعلنا للمتقين إماماً، اللهم! أصلحنا وأصلح بنا، وأصلح بناتنا وأبناءنا وأزواجنا ونساءنا يا رب العالمين، اللهم! احفظنا جميعاً بحفظك، واكلأنا جميعاً برحمتك، واقذف في قلوبنا إيماناً -ياربنا- تقر به أعيننا، وترضى به عنا، وارحم -اللهم- موتانا وموتى المسلمين، ونور لهم في قبورهم، وافسح لهم فيها، وصل اللهم وبارك على نبينا محمد.

стр. 72

شفاء القلوب إن القلب ليصدأ كما يصدأ الحديد، بسبب الغفلة والإعراض عن الله ، وعلاجه ذكر الله . وإن القلب ليصاب بأمراض تحجزه عن طاعة الله ورسوله وحب الخير للمسلمين، وعلاج هذه الأمراض لا يكون إلا بالالتزام بكتاب ربنا وسنة نبينا، والسير على منهج الأئمة من الصحابة والتابعين.

стр. 73

معنى قوله تعالى: (إلا من أتى الله بقلب سليم) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد الأمين، وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين. وبعد: موضوعنا اليوم بمشيئة الله ﵎ موضوع يتعلق بالقلوب التي هي أصل الخير والشر كما قال رسول الله ﷺ في حديث النعمان بن بشير المتفق عليه: (ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب) فإذا أصيب أحدكم -عافنا الله وإياكم- بمرض في قلبه بحث عن أعلم أهل الطب بطب القلوب، ولكن ثَم للقلوب مرض آخر هو الذي يسبب النكسات والابتلاءات في الدنيا والآخرة، وقليل من العباد من ينتبه له ويتفطن، للقلوب أمراض غير تلك المعهودة التي تبادرون بعلاجها عند أطباء القلوب الحذّاق، وقليل منكم من ينتبه لقلبه ويصلحه، ولا يخفى عليكم أن الذي ينفع يوم القيامة هو القلب السليم، فإن الخليل إبراهيم ﷺ الذي جاء ربه بقلب سليم دعا ربه فقال: ﴿وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ [الشعراء:٨٧] (لا تخزني): لا تذلني ولا تهني -يا رب- يوم يبعثون! ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩] سليم مِن ماذا؟ فريق من أهل العلم يقول: سليم من الشرك. وفريق منهم يقول: سليم من الشك، أي: يوقن أن لقاء الله حق، وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن محمداً ﷺ حق. القول الثالث: سليم من الغل والأحقاد، قلب سليم لا يحمل غلاً لأحد من المسلمين. القول الرابع: سليم من الحقد والكبر. القول الخامس: أن سليم بمعنى لديغ، والعرب تطلق على اللديغ (سليم) تفاؤلاً، كما في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ الذي أخرجه البخاري ومسلم، قال: (مررنا بقوم مع بعض أصحاب النبي ﷺ ، فسألنا هؤلاء القوم القرى -أي: حق الضيف الذي يكرم به- فأبوا أن يكرمونا، فلدغ سيدهم، فجاءوا إلينا وقالوا: إن سيد هذا الوادي سليم) أي: لديغ، فيطلقون السليم على اللديغ تفاؤلاً بالشفاء، فمن العلماء من قال: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٩] أي: لديغ من مخافة الله ، فمخافة الله تسربت إليه، فكأنها لدغته. القول السادس في تأويل قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٩] أي: سليم لم يصب بالقسوة. القول السابع: سليم من الران، فلم ترن عليه ذنوب، ولم يختم عليه بأختام، ولم يقفل عليه بأقفال، فللقلوب أقفال تقفل عليها فلا يصل الخير إليها، قال سبحانه: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤] فهناك قلوب عليها أقفال، صفتها يعلمها الله، لا يتسرب إلى تلك القلوب التي عليها أقفال شيء من الخير، وقلوب أخر عليها ختم، وقلوب أخر مطبوع عليها، وقلوب جمعت بين هذه المصائب كلها، هي في نفسها ميتة، وعليها ختم وطبع، وعليها ران، وعليها أقفال، فجمعت بين هذه البلايا كلها. والذي استظهره عدد من العلماء أن معنى قوله تعالى: (سليم) يحمل على كل هذه المعاني. وعلى قدر سلامة قلبك في الآخرة يكون قربك من الله، على قدر قربك من الخير، وعلى قدر مرضك ومرض قلبك في الآخرة على قدر قربك من الشر عياذاً بالله من ذلك، فيوم القيامة يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٩]. وقال الله تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم:٣٧] كما لا يخفى عليكم، آتاه الله الإمامة ﵊ بأمور، ليس خبط عشواء، الإمامة تنال بالبذل والفداء والتضحية، فابتلاه الله في جسده بأن ألقي في النار وهو صابر محتسب ﷺ ، أمر بالختان وهو ابن ثمانين سنة، فجاء بالقدوم -الآلة المعروفة- ليقطع بها ذكره دون (بنج) ولا شيء، وهو ابن ثمانين سنة! أمر بذبح ولده فامتثل وأخذ ولده كي يذبحه، أمر بلقاء الجبابرة والصدع بالحق عندهم فقال للذي تجبر وتكبر: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة:٢٥٨]؛ فلذلك قال الله : ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة:١٢٤] وفَّى بهن، فلما أتمهن قال الله له: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ فآتاه الله الإمامة، ومع أن الله آتاه الإمامة لكن لم ينتفع قلب أبيه القذر بإمامة إبراهيم ﷺ ، فإبراهيم قال: ﴿وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ [الشعراء:٨٧]. أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما بالأسانيد إلى رسول الله ﷺ قال: (يلقى إبراهيم ﷺ آزر يوم القيامة، وعلى وجه آزر قترة وغبرة -عليه غبار فهو وجه كالح مظلم- فيقول إبراهيم ﷺ : يا أبت! ألم أقل لك لا تعصني؟ فيقول له أبوه: أما اليوم فلن أعصيك أبدا، فيقول إبراهيم ﷺ : يا رب! يا رب! ألم تعدني أنك لا تخزني يوم يبعثون؟ وأي خزيٍ أخزى من أبي الأبعد! فيقال: يا إبراهيم! انظر إلى تحت رجليك، فينظر إبراهيم ﷺ إلى رجليه) فماذا يرى؟ (يرى أن أباه قد تحول إلى ذيخ ملتطخ) والذيخ: هو ذكر الضباع، أبوه تحول إلى ضبع ملتصق بوساخته وقذارته، ملتصق بالبراز عافانا الله وإياكم، ملتصق بالعذرة! (ويؤخذ بقوائمه فيلقى في النار)، فالقلب الذي ينفع يوم القيامة هو القلب السليم، ليس القلب الملوث بالشرك، فيوم القيامة لا ينفع مال ولا بنون ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٩] فالقلب السليم ينفع صاحبه في الآخرة، وينفع صاحبه في الدنيا، يقول النبي ﷺ في الحديث الذي لا يخفى عليكم: (إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وإلى أعمالكم)، (التقوى ها هنا! التقوى ها هنا! التقوى ها هنا! ويشير ثلاث مرار إلى صدره ﷺ ، في الدنيا كذلك القلب السليم ينفع، لما أسر بعض المشركين يوم بدر، وكان المسلمون يأخذون منهم الفداء فقال بعضهم: يا رسول اللهّ! إنا كنا مسلمين فكيف ندفع الفداء ونحن كنا مسلمين، وإنما أظهرنا الكفر خوفاً من الكفار؟! فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الأنفال:٧٠] إن كان في قلوب بعضكم خير -والله يعلم بالقلوب- فالله سوف يعوضكم عن هذا الفداء الذي افتديتم به أنفسكم، ﴿يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾، وإضافة إليه ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾، والله يوم الفتح أنزل السكينة في قلوب المؤمنين لما علم في قلوبهم، قال سبحانه: ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح:١٨]، فعلم الله ما في قلوب أصحاب نبيه ﷺ من الخير ﴿عَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا * وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً﴾ [الفتح:١٨ - ١٩]. فصلاح القلب عليه صلاح الدنيا والآخرة، وفساد القلب عليه فساد الدنيا والآخرة عياذاً بالله من ذلك، فجدير بنا أن نعرف الأمراض التي تعتري قلوبنا ونعالجها، وليس هناك طبيب أمهر يعالج قلبك -بعد الله من نفسك التي بين جنبيك، أنت تعرف مرضك وتعرف كيف تداويه بإذن الله تعالى، غاية ما يفعله أهل الذكر أنهم ينبهونك، ويصفون لك الدواء، والأمر بيدك -بعد الله سبحانه- إن شئت أطعت، وإن شئت رددت، ومرد ذلك كله إلى الله .

стр. 74

مرض الشرك وعلاجه تعتري القلوب أمراض أعظمها مرض الشرك والرياء والعياذ بالله! مرض الشرك علاجه أن تقول كمسلم: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، يأتي مرض الرياء الذي خافه علينا رسول الله ﷺ جميعاً، وذكر أن هذا المرض من أصيب به سعرت به نار جهنم عياذاً بالله من ذلك، قال النبي ﷺ : (أخوف ما أخاف على أمتي الشرك الأصغر، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟! قال: الرياء) وفي صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: (أول من تسعر بهم النار يوم القيامة ثلاثة: رجل عالم أتي به فسئل: ماذا عملت في علمك؟! فيقول لله : يا رب! تعلمت فيك القرآن، وعلمته للناس، فيقال: كذبت، ولكنك تعلمت ليقال: عالم، فيؤخذ به فيلقى في النار) فأول الناس هؤلاء الثلاثة توقد بهم جنهم، كما تبدأ في إشعال النار بالكبريت! والثاني رجل مجاهد مراءٍ (أتي به فعدد الله نعمه عليه وقال له: ماذا عملت فيها؟! فقال: يا رب! قاتلت فيك وقتلت، فيقال: كلا، ولكنك قاتلت ليقال: جريء، فيؤخذ به فيلقى في النار) وهذا ذكره الإمام البخاري في باب: لا يقال: فلان شهيد. والثالث: (رجل آتاه الله من صنوف المال فتصدق، فأتي به يوم القيامة، فقيل له: ماذا عملت في المال؟ قال: يا رب! أنفقت في سبيلك وتصدقت، فيقال: لا، ولكنك تصدقت ليقال: هو محسن، وقد قيل فيؤخذ فيلقى في النار)، هؤلاء الثلاثة أول من تسعر بهم النار، أفعالهم التي فعلوها فعل خير، لكن قلوبهم ملوثة، لوثت بالرياء منهم عياذاً بالله، فأحبط الرياء أعمالهم، يأتي أقوام بكم هائل من الحسنات في الظاهر، لكنهم عملوها رياء الناس، فكما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾ [النساء:٣٨]. فمرض الرياء من أخطر الأمراض التي ترد على القلب، وكما سمعتم كان سبباً في إسعار النار وإيقادها بهؤلاء الثلاثة: العالم والمجاهد والمتصدق. ما هو علاج مرض الرياء؟ الاستعاذة بالله من مرض الرياء، وقد ورد في علاجه حديث تكلم فيه، ألا وهو حديث أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ علمه فقال له: (قل: اللهم! إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئاً وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم)، والحديث منازع في تحسينه وتضعيفه، ومن حسنه حسنه لأنه في باب فضائل الأعمال، فهذا أحد أنواع علاج الرياء. هناك علاجات أخرى أقوى وأعظم وهي: البعد عن الناس، ومراجعة النفس، والصلاة بالليل والناس نيام، فتعمد أن تبتعد عن الناس في ليلك، وتصلي في الليل حيث لا يراك إلا الله ، واجتهد بعد أن تتعوذ بالله من عين لا تدمع أن تذرف دمعات لله حيث لا يراك الناس، فالنبي ﷺ ذكر السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ومنهم: (ورجل ذكر الله خالياً) أي: بعيداً عن الناس، (ففاضت عيناه)، فتعمد -كي تكسر هذا المرض، وتبعده عن نفسك- أن تعمل الخيرات سراً، رسولنا ﷺ كان نائماً في لحاف عائشة ﵂ ذات ليلة، فنام ﷺ ، ونامت عائشة فانتظر رسول الله ﷺ حتى ظن أن عائشة قد نامت، فتسلل ﷺ وتركها نائمة وهي أقرب الناس إليه، زوجه، تسلل من الفراش، واتجه ﵊ إلى المقابر في البقيع في الليل حيث لا ضوء ولا يراه الناس، ولا يوجد كهرباء بل ظلام دامس، اتجه إلى البقيع حيث مقابر أصحابه الذي دفنوا في حياته ﷺ ، وهو يعرفهم فقال لهم: (السلام عليكم -أهل الديار- من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون) فسلم عليهم رسول الله ﷺ ودعا لهم ﵊ بما شاء الله أن يدعو، ثم انصرف، ولا يخفى عليكم أن عائشة تبعت رسول الله ﷺ ، وظنت عائشة أنه ذهب إلى بعض أزواجه كظن النساء الضعيف، فاتجهت بعده إلى المقابر، فرآها رسول الله ﷺ ، فأسرعت إلى البيت ثم اضطجعت في السرير، فلما جاء ورآها قال: (مالك يا عائشة حشيا رابية؟) أي: مالك أرى نفسك يعلو وينخفض، ثم قال: (لتخبريني أو ليخبرني اللطيف الخبير! قالت: مهما يكتم الناس يعلمه الله يا رسول الله! ثم قصت عليه الخبر، فقال: أتخافين أن يحيف الله عليك ورسوله؟! قالت: فلهدني في صدري لهدة أوجعتني) ﷺ ، فمن علاج مرض الرياء أن تصلي بالليل والناس نيام، تجتهد وتذهب تتصدق سراً، قال سبحانه: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [البقرة:٢٧١]. عليك أن تخلو بنفسك وتكثر من الاستغفار كما قال الخليل ﷺ : ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ [مريم:٤٨]، فلا تجعل كل أفعالك الخيرة ظاهرة أمام الناس، اجعل لنفسك قسطا من الخير لا يعلمه إلا الله ، اجعل لنفسك نصيباً من الخير لا يعلمه إلا خالقك ، تتقرب به إلى الله ، وقد قال ابن القيم ﵀: إن الصالحين كانوا يحرصون على كتمان أحوالهم مع الله إلا في الحالات التي تستدعي أن يتأسى بهم الناس، وأنشد ابن القيم رحمه الله تعالى في ذلك أبيات شعر، فقال: من سارروه فأبدى السر مجتهداً لم يأمنوه على الأسرار ما عاشا وأبعدوه فلم يظفر بقربهم وأبدلوه مكان الأنس إيحاشاً لا يأمنون مذيعاً بعض سرهم حاشا ودادهم من ذلكم حاشا حث رسول الله ﷺ ذات يوم على الصدقة، فقال: عمر في نفسه ولم يقل لأحد من الناس: (إن الرسول ﷺ حث الناس في هذه الليلة على الصدقة، ودائماً أبو بكر يسبقني فيتصدق، فلأتصدقنّ الليلة، فحمل نصف ماله ووضعه بين يدي رسول الله، فقال له: ما أبقيت لأهلك؟ قال: مثله، ثم جاء أبو بكر بماله كله فقال له رسول الله: ما أبقيت لأهلك؟ قال: أبقيت لهم الله ورسوله! فقال عمر: والله! لا أسابقك بعد اليوم أبداً يا أبا بكر). إذا حصل لك نوع كرامة من الله فلا تحدث الناس على سبيل التعالي على أنك كريم عليهم، بل إذا حدثت تحدث بنعم الله عليك شاكراً لأنعمه .

стр. 75

مرض العجب وعلاجه مرض الرياء أحد الأمراض التي تتسرب إلى القلب، ويلتحق به العجب فهو نظيره وسميه، فالعجب كذلك من أمراض القلب، ففي صحيح البخاري أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، ركب برذوناً -والبرذون هو البغل- فمشى البرذون وعمر فوقه، والبغل يمشي ويهز الذي فوقه، فيحدث له نوع من أنواع الاختيال، فلما ركب عمر البرذون ومشى به مدة نزل من فوقه، قالوا له: لماذا نزلت يا أمير المؤمنين؟! قال: (أبعدوه عني، والله! ما نزلت عنه حتى أنكرت نفسي)، يعني: نفسي كانت قبل أن أركبه طيبة خفيفة، فلما ركبته تسرب العجب إليها، وإذا بالناس حولي كأنهم لا شيء، هذا حاصل كلام أمير المؤمنين عمر. وإخواننا الأثرياء يشعرون بذلك! فأصحاب الأموال الكثيرة إذا ركب أحدهم سيارة (مرسيدس) يحس أن الناس حوله صعاليك! ويبدأ يظلم، كما قال عمر: أنكرت نفسي كأنها نفس أخرى، لكن إذا ركب حماراً أو ركب دراجة أحس أنه واحد مثل الناس، فيمشي زيد بين الناس وهو متواضع كما يتواضع الناس. لهذا عليك أن تبعد عن نفسك أسباب العجب إذا وجدت شيئاً يجلب لك العجب ويذكيه في نفسك، فاتركه لله ، وليس من باب التحريم، ولكن اتركه لله حتى يعوضك الله خيراً منه إيماناً تجد حلاوته في قلبك. تجد إخواننا جالسين في المجالس، فيبدأ التعارف: من الأخ؟ يقول: أخوكم فلان، الثاني يقول: أخوكم فلان، فيأتي واحد غلبه الشيطان، ويقول: أخوكم الدكتور فلان، هو أهلك نفسه قبل أن يهلك غيره، إذا كان يقصد الدكتور من باب التعريف، فله نيته ولن يتسرب إن شاء الله شيء إلى قلبه، أما إذا قالها على سبيل التباهي في المجلس تتشبع نفسه بذلك الكبر، فيهلك نفسه؛ إذ قال رسول الله ﷺ : (يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر -أمثال النمل- يطؤهم الناس بأخفافهم) يأتي آخر: العقيد فلان! العميد فلان! أي عقيد وأي عميد وقد مات من هم خير منك آلاف المرات؟ أين أنت من ثمود الذين جابوا الصخر بالواد، ومن فرعون ذي الأوتاد، ومن عاد إرم، ومن غيرهم من الأمم؟ فمثل هذا يجلب الكبر إلى الناس، تخيل أنه لو قال كلمة مثل هذه، وآخر مثله طبيب قال: أخوكم في الله -بانكسار- فلان بن فلان، لا شك أن الثاني سيزيده الله تواضعاً ورفعة في الدارين ويحبه كل الجالسين، أما هذا الذي تعالى عليهم، فهل يقبل الجالسون تفاخره؟ ومن طبع البشر أنهم لا يحبون من تكبر عليهم وتجبر، ولكن يحبون من خفض لهم الجناح وألان لهم القول. فمن أنواع العجب نوع كهذا، وعلاجه أن تكسر نفسك وتتواضع لله ، تتواضع لله في أوصاف الفقراء، وفي أوصاف الضعفاء فلعلهم عند الله خير منك، ولا يخفى عليكم في هذا الباب حديث أبي بكر ﵁ مع الأربعة الفقراء الغرباء، سلمان وصهيب وعمار وبلال، لما مر بهم أبو سفيان بن حرب عام الفتح، ورءوا أن أبا سفيان كان رئيساً للكفر، وكان يؤذي رسول الله ﷺ وما زال يمشي، ولم ينل من الأذى فقالوا الأربعة: والله! ما أخذت سيوف الله من عدو الله مأخذها - أي: فكان ينبغي أن يقتل مثل هذا الرجل- قال أبو بكر ﵁: أتقولون هذا لسيد قريش؟! ثم استدرك أبو بكر فذهب إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله! بلال وصهيب وسلمان وعمار قالوا: كذا، فقلت لهم: كذا، فماذا قال له الرسول ﷺ ؟ قال: (يا أبا بكر! هل أغضبت إخوانك يا أبا بكر! لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك ! فانطلق أبو بكر سيد شيوخ أهل الجنة إلى هؤلاء الأربعة، فقال: يا إخوتي! أغضبتكم؟ فقالوا: لا، يغفر الله لك). فعلاج العجب التواضع، وخفض الجناح للمسلمين، ومجالسة المتواضعين، أما أن تجالس دائماً المتكبرين فستقتبس من أخلاقهم، ومن ثَم قال رسولنا محمد ﵊: (شر الطعام طعام الوليمة) هذا الحديث فقه، لماذا شر الطعام طعام الوليمة؟ قال: (يدعى إليها الأغنياء، ويترك الفقراء)، فلمّا دعي إليها الأغنياء، وكلهم أغنياء يحصل التباهي والتفاخر ويحصل استقلال، يعني: مهما قدمت للأغنياء تسخطوا ما جئت به، لكن قد تدعو إلى وليمة عملتها واحداً من الفقراء الضعفاء فيخرج من عندك وقد أكل أكلة عمره ما أكلها في حياته، فيدعو لك دعوة تستفيد منها، فمجالسة الصالحين تجعلك تقتبس من أخلاقهم، هم يؤثرون في الطباع؛ لذلك الرسول ﷺ يقول في شأن الجوار والمجالسات، بل حتى مجالسات الدواب: (الفخر والخيلاء في الفدادين أهل الإبل) والشاة أو الخروف دائماً تكون في الأرض، فيقول النبي ﷺ (والسكينة والوقار في أهل الغنم) (الفخر والخيلاء في أهل الفدادين أهل الإبل) فلما كانوا مع الأنعام المستكبرة اقتبسوا من أخلاقها، ومن مشى مع الغنم المتواضعة اقتبس من أخلاقها، ولذلك يقول الرسول ﷺ : (ما بعث الله من نبي إلا وقد رعى الغنم قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: وأنا رعيتها على قراريط لأهل مكة)، فلذلك الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أشد الناس تواضعا، وأرحم الناس بالناس عليهم الصلاة والسلام.
следующие страницы →