Полный текст (802 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
صور من فساد المجتمع ووسائل علاجها
فنحن يوماً بعد يوم في هذه الأيام نرى أقواماً لا خلاق لهم إذا تزوج أحدهم أو زوج بنته -وقد ابتلوا بفقر- يقترضون الأموال، ويأتون بالفرق فرق الشر والفساد، فيستأجرون الزينة والساقطين من أصحاب الفرق فرق الغناء والفساد والشر كي يحييوا ليلة فرحهم بالشر والفساد والفسق والمجون، وكثير من إخواننا يقف موقف الناظر، والواجب أن يقف موقف المنكر بقلبه، وهي أضعف مراتب الإيمان كما قال الرسول ﵊، وإذا جاء شخص يتكلم وينكر بلسانه خشي من مغبة الإنكار باللسان، وإذا تجرأ وجاء ينكر خشي من مغبة الإنكار باليد من الحكومة التي لا تولي أمر دينها أدنى اهتمام في هذه الأيام، بل تحارب في كثير من الأيام المتمسكين بأمر الله، وإذا جاءت محاضرة ترهق غاية الإرهاق ليصرح لها من الدولة، أما موطن شر وفساد وفسق ومجون ودعارة فلا يحتاج إلى أدنى تصريح، فجدير بإخواننا أن يحافظوا على دينهم، والذي نقوله لهم أن يقوم بعض إخواننا بتقديم شكاوى للشرطة.
قبل حدوث هذه البلايا، ولا يبال بحق جاره أمام حق الله، فيقدم الشكوى بأن هذه الأمور تغوي أبناءنا وتنشر الفساد فيهم، وهكذا يقدم واحد تلو الآخر شكاويهم حتى نخفف من الشر والفساد، ولا زال هناك من رجال الشرطة من أهل الصلاح من لا بأس بهم يتتبعون مواطن الشر ومواطن الفساد، ويحتاجون إلى من يعرفهم، فإذا وصلت منك شكوى في هذا الشر والفساد، وعللت شكواك ولو بعلة دنيوية، كأن تقول: أولادي في الامتحانات.
أو: رأسي يؤلمني.
أو نحو ذلك، فالمهم أن تهتم بهذا الأمر أيما اهتمام.
فجدير بنا -معشر الإخوة- أن نسلك السبل القويمة بالتي هي أحسن لتترك هذه الشرور فنحفظ أبناءنا وبناتنا، وإن ابنك الصغير الذي يذهب وينظر إلى المرأة التي ترقص، وينظر إلى الرجل الذي يحتضنها لعله أن يفعل هذا بأخته، والسبب أنه رأى ذلك في الحرس الفلاني، أو الشاشة الفلانية، أو الفلم الفلاني.
فعليك -يا عبد الله- أن تكون حكيماً في إنكار المنكر، وتزكي الصلاح الكامن في رجال الشرطة الذين فيهم بقايا من صلاح حتى يتحركوا لإزالة هذه المنكرات، وأنت مأجور، ورب العزة يقول: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١ - ٣] فإذا كان لك جار له بنت سافلة تمشي بوضع مزرٍ مخزٍ فذكر والدها بما أوجبه الله عليه، فليس هناك أي عاقل يقر بحال من الأحوال أن تخرج فتاة متبذلة على هذا النحو المزري.
وقد تجد في أيام الاختبارات -ولا عجب- أن الأب يوقظ ابنه مبكراً، ويوقظ ابنته مبكرة للاختبار، ويقوم الأب بنفسه يعمل الشاي للبنت وللابن، لكي يذهب إلى الاختبار وعقله موزون، ولا يبالي بأن الولد ترك صلاة الفجر، كما قال رب العزة -وصدق فهو أصدق القائلين- ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ [القيامة:٢٠ - ٢١] وكما قال: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ [الإنسان:٢٧].
فالرجل يجلس منبسطاً فرحاً وهو يرى ولده مقبلاً على كتب المدرسة، ويرى ابنته مقبلة على كتب المدرسة، ويجلس في خدمتهما، وتجلس الأم على قدم وساق لخدمة الولد ولخدمة البنت كي لا تذهب عن الولد فتأخذه نومة فيخسر في دنياه بزعمها، ولا تبالي هل فتح الولد مرة كتاب الله وتلا ما فيه، وهل جاء هذا الولد يوماً وقال: يا أبي ما معنى هذه الآية، وما معنى قول الله كذا، وما معنى قول رسول الله ﷺ كذا.
فجهل الآباء جعلهم لا يبالون بشيء من ذلك، ولم يعودوا يبالون هل صلى أولادهم أم لم يصلوا.
فيا عباد الله: الآخرة آتية، قال تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الدخان:٤٠]، ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا﴾ [النبأ:١٧]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾ [الأنعام:١٥ - ١٦] اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبساً علينا فنضل، واجعلنا للمتقين إماماً، اللهم! أصلحنا وأصلح بنا، وأصلح بناتنا وأبناءنا وأزواجنا ونساءنا يا رب العالمين، اللهم! احفظنا جميعاً بحفظك، واكلأنا جميعاً برحمتك، واقذف في قلوبنا إيماناً -ياربنا- تقر به أعيننا، وترضى به عنا، وارحم -اللهم- موتانا وموتى المسلمين، ونور لهم في قبورهم، وافسح لهم فيها، وصل اللهم وبارك على نبينا محمد.
стр. 72
شفاء القلوب
إن القلب ليصدأ كما يصدأ الحديد، بسبب الغفلة والإعراض عن الله ، وعلاجه ذكر الله .
وإن القلب ليصاب بأمراض تحجزه عن طاعة الله ورسوله وحب الخير للمسلمين، وعلاج هذه الأمراض لا يكون إلا بالالتزام بكتاب ربنا وسنة نبينا، والسير على منهج الأئمة من الصحابة والتابعين.
стр. 73
معنى قوله تعالى: (إلا من أتى الله بقلب سليم)
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد الأمين، وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين.
وبعد: موضوعنا اليوم بمشيئة الله ﵎ موضوع يتعلق بالقلوب التي هي أصل الخير والشر كما قال رسول الله ﷺ في حديث النعمان بن بشير المتفق عليه: (ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب) فإذا أصيب أحدكم -عافنا الله وإياكم- بمرض في قلبه بحث عن أعلم أهل الطب بطب القلوب، ولكن ثَم للقلوب مرض آخر هو الذي يسبب النكسات والابتلاءات في الدنيا والآخرة، وقليل من العباد من ينتبه له ويتفطن، للقلوب أمراض غير تلك المعهودة التي تبادرون بعلاجها عند أطباء القلوب الحذّاق، وقليل منكم من ينتبه لقلبه ويصلحه، ولا يخفى عليكم أن الذي ينفع يوم القيامة هو القلب السليم، فإن الخليل إبراهيم ﷺ الذي جاء ربه بقلب سليم دعا ربه فقال: ﴿وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ [الشعراء:٨٧] (لا تخزني): لا تذلني ولا تهني -يا رب- يوم يبعثون! ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩] سليم مِن ماذا؟ فريق من أهل العلم يقول: سليم من الشرك.
وفريق منهم يقول: سليم من الشك، أي: يوقن أن لقاء الله حق، وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن محمداً ﷺ حق.
القول الثالث: سليم من الغل والأحقاد، قلب سليم لا يحمل غلاً لأحد من المسلمين.
القول الرابع: سليم من الحقد والكبر.
القول الخامس: أن سليم بمعنى لديغ، والعرب تطلق على اللديغ (سليم) تفاؤلاً، كما في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ الذي أخرجه البخاري ومسلم، قال: (مررنا بقوم مع بعض أصحاب النبي ﷺ ، فسألنا هؤلاء القوم القرى -أي: حق الضيف الذي يكرم به- فأبوا أن يكرمونا، فلدغ سيدهم، فجاءوا إلينا وقالوا: إن سيد هذا الوادي سليم) أي: لديغ، فيطلقون السليم على اللديغ تفاؤلاً بالشفاء، فمن العلماء من قال: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٩] أي: لديغ من مخافة الله ، فمخافة الله تسربت إليه، فكأنها لدغته.
القول السادس في تأويل قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٩] أي: سليم لم يصب بالقسوة.
القول السابع: سليم من الران، فلم ترن عليه ذنوب، ولم يختم عليه بأختام، ولم يقفل عليه بأقفال، فللقلوب أقفال تقفل عليها فلا يصل الخير إليها، قال سبحانه: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤] فهناك قلوب عليها أقفال، صفتها يعلمها الله، لا يتسرب إلى تلك القلوب التي عليها أقفال شيء من الخير، وقلوب أخر عليها ختم، وقلوب أخر مطبوع عليها، وقلوب جمعت بين هذه المصائب كلها، هي في نفسها ميتة، وعليها ختم وطبع، وعليها ران، وعليها أقفال، فجمعت بين هذه البلايا كلها.
والذي استظهره عدد من العلماء أن معنى قوله تعالى: (سليم) يحمل على كل هذه المعاني.
وعلى قدر سلامة قلبك في الآخرة يكون قربك من الله، على قدر قربك من الخير، وعلى قدر مرضك ومرض قلبك في الآخرة على قدر قربك من الشر عياذاً بالله من ذلك، فيوم القيامة يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم:٣٧] كما لا يخفى عليكم، آتاه الله الإمامة ﵊ بأمور، ليس خبط عشواء، الإمامة تنال بالبذل والفداء والتضحية، فابتلاه الله في جسده بأن ألقي في النار وهو صابر محتسب ﷺ ، أمر بالختان وهو ابن ثمانين سنة، فجاء بالقدوم -الآلة المعروفة- ليقطع بها ذكره دون (بنج) ولا شيء، وهو ابن ثمانين سنة! أمر بذبح ولده فامتثل وأخذ ولده كي يذبحه، أمر بلقاء الجبابرة والصدع بالحق عندهم فقال للذي تجبر وتكبر: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة:٢٥٨]؛ فلذلك قال الله : ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة:١٢٤] وفَّى بهن، فلما أتمهن قال الله له: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ فآتاه الله الإمامة، ومع أن الله آتاه الإمامة لكن لم ينتفع قلب أبيه القذر بإمامة إبراهيم ﷺ ، فإبراهيم قال: ﴿وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ [الشعراء:٨٧].
أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما بالأسانيد إلى رسول الله ﷺ قال: (يلقى إبراهيم ﷺ آزر يوم القيامة، وعلى وجه آزر قترة وغبرة -عليه غبار فهو وجه كالح مظلم- فيقول إبراهيم ﷺ : يا أبت! ألم أقل لك لا تعصني؟ فيقول له أبوه: أما اليوم فلن أعصيك أبدا، فيقول إبراهيم ﷺ : يا رب! يا رب! ألم تعدني أنك لا تخزني يوم يبعثون؟ وأي خزيٍ أخزى من أبي الأبعد! فيقال: يا إبراهيم! انظر إلى تحت رجليك، فينظر إبراهيم ﷺ إلى رجليه) فماذا يرى؟ (يرى أن أباه قد تحول إلى ذيخ ملتطخ) والذيخ: هو ذكر الضباع، أبوه تحول إلى ضبع ملتصق بوساخته وقذارته، ملتصق بالبراز عافانا الله وإياكم، ملتصق بالعذرة! (ويؤخذ بقوائمه فيلقى في النار)، فالقلب الذي ينفع يوم القيامة هو القلب السليم، ليس القلب الملوث بالشرك، فيوم القيامة لا ينفع مال ولا بنون ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٩] فالقلب السليم ينفع صاحبه في الآخرة، وينفع صاحبه في الدنيا، يقول النبي ﷺ في الحديث الذي لا يخفى عليكم: (إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وإلى أعمالكم)، (التقوى ها هنا! التقوى ها هنا! التقوى ها هنا! ويشير ثلاث مرار إلى صدره ﷺ ، في الدنيا كذلك القلب السليم ينفع، لما أسر بعض المشركين يوم بدر، وكان المسلمون يأخذون منهم الفداء فقال بعضهم: يا رسول اللهّ! إنا كنا مسلمين فكيف ندفع الفداء ونحن كنا مسلمين، وإنما أظهرنا الكفر خوفاً من الكفار؟! فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الأنفال:٧٠] إن كان في قلوب بعضكم خير -والله يعلم بالقلوب- فالله سوف يعوضكم عن هذا الفداء الذي افتديتم به أنفسكم، ﴿يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾، وإضافة إليه ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾، والله يوم الفتح أنزل السكينة في قلوب المؤمنين لما علم في قلوبهم، قال سبحانه: ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح:١٨]، فعلم الله ما في قلوب أصحاب نبيه ﷺ من الخير ﴿عَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا * وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً﴾ [الفتح:١٨ - ١٩].
فصلاح القلب عليه صلاح الدنيا والآخرة، وفساد القلب عليه فساد الدنيا والآخرة عياذاً بالله من ذلك، فجدير بنا أن نعرف الأمراض التي تعتري قلوبنا ونعالجها، وليس هناك طبيب أمهر يعالج قلبك -بعد الله من نفسك التي بين جنبيك، أنت تعرف مرضك وتعرف كيف تداويه بإذن الله تعالى، غاية ما يفعله أهل الذكر أنهم ينبهونك، ويصفون لك الدواء، والأمر بيدك -بعد الله سبحانه- إن شئت أطعت، وإن شئت رددت، ومرد ذلك كله إلى الله .
стр. 74
مرض الشرك وعلاجه
تعتري القلوب أمراض أعظمها مرض الشرك والرياء والعياذ بالله! مرض الشرك علاجه أن تقول كمسلم: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، يأتي مرض الرياء الذي خافه علينا رسول الله ﷺ جميعاً، وذكر أن هذا المرض من أصيب به سعرت به نار جهنم عياذاً بالله من ذلك، قال النبي ﷺ : (أخوف ما أخاف على أمتي الشرك الأصغر، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟! قال: الرياء) وفي صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: (أول من تسعر بهم النار يوم القيامة ثلاثة: رجل عالم أتي به فسئل: ماذا عملت في علمك؟! فيقول لله : يا رب! تعلمت فيك القرآن، وعلمته للناس، فيقال: كذبت، ولكنك تعلمت ليقال: عالم، فيؤخذ به فيلقى في النار) فأول الناس هؤلاء الثلاثة توقد بهم جنهم، كما تبدأ في إشعال النار بالكبريت! والثاني رجل مجاهد مراءٍ (أتي به فعدد الله نعمه عليه وقال له: ماذا عملت فيها؟! فقال: يا رب! قاتلت فيك وقتلت، فيقال: كلا، ولكنك قاتلت ليقال: جريء، فيؤخذ به فيلقى في النار) وهذا ذكره الإمام البخاري في باب: لا يقال: فلان شهيد.
والثالث: (رجل آتاه الله من صنوف المال فتصدق، فأتي به يوم القيامة، فقيل له: ماذا عملت في المال؟ قال: يا رب! أنفقت في سبيلك وتصدقت، فيقال: لا، ولكنك تصدقت ليقال: هو محسن، وقد قيل فيؤخذ فيلقى في النار)، هؤلاء الثلاثة أول من تسعر بهم النار، أفعالهم التي فعلوها فعل خير، لكن قلوبهم ملوثة، لوثت بالرياء منهم عياذاً بالله، فأحبط الرياء أعمالهم، يأتي أقوام بكم هائل من الحسنات في الظاهر، لكنهم عملوها رياء الناس، فكما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾ [النساء:٣٨].
فمرض الرياء من أخطر الأمراض التي ترد على القلب، وكما سمعتم كان سبباً في إسعار النار وإيقادها بهؤلاء الثلاثة: العالم والمجاهد والمتصدق.
ما هو علاج مرض الرياء؟ الاستعاذة بالله من مرض الرياء، وقد ورد في علاجه حديث تكلم فيه، ألا وهو حديث أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ علمه فقال له: (قل: اللهم! إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئاً وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم)، والحديث منازع في تحسينه وتضعيفه، ومن حسنه حسنه لأنه في باب فضائل الأعمال، فهذا أحد أنواع علاج الرياء.
هناك علاجات أخرى أقوى وأعظم وهي: البعد عن الناس، ومراجعة النفس، والصلاة بالليل والناس نيام، فتعمد أن تبتعد عن الناس في ليلك، وتصلي في الليل حيث لا يراك إلا الله ، واجتهد بعد أن تتعوذ بالله من عين لا تدمع أن تذرف دمعات لله حيث لا يراك الناس، فالنبي ﷺ ذكر السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ومنهم: (ورجل ذكر الله خالياً) أي: بعيداً عن الناس، (ففاضت عيناه)، فتعمد -كي تكسر هذا المرض، وتبعده عن نفسك- أن تعمل الخيرات سراً، رسولنا ﷺ كان نائماً في لحاف عائشة ﵂ ذات ليلة، فنام ﷺ ، ونامت عائشة فانتظر رسول الله ﷺ حتى ظن أن عائشة قد نامت، فتسلل ﷺ وتركها نائمة وهي أقرب الناس إليه، زوجه، تسلل من الفراش، واتجه ﵊ إلى المقابر في البقيع في الليل حيث لا ضوء ولا يراه الناس، ولا يوجد كهرباء بل ظلام دامس، اتجه إلى البقيع حيث مقابر أصحابه الذي دفنوا في حياته ﷺ ، وهو يعرفهم فقال لهم: (السلام عليكم -أهل الديار- من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون) فسلم عليهم رسول الله ﷺ ودعا لهم ﵊ بما شاء الله أن يدعو، ثم انصرف، ولا يخفى عليكم أن عائشة تبعت رسول الله ﷺ ، وظنت عائشة أنه ذهب إلى بعض أزواجه كظن النساء الضعيف، فاتجهت بعده إلى المقابر، فرآها رسول الله ﷺ ، فأسرعت إلى البيت ثم اضطجعت في السرير، فلما جاء ورآها قال: (مالك يا عائشة حشيا رابية؟) أي: مالك أرى نفسك يعلو وينخفض، ثم قال: (لتخبريني أو ليخبرني اللطيف الخبير! قالت: مهما يكتم الناس يعلمه الله يا رسول الله! ثم قصت عليه الخبر، فقال: أتخافين أن يحيف الله عليك ورسوله؟! قالت: فلهدني في صدري لهدة أوجعتني) ﷺ ، فمن علاج مرض الرياء أن تصلي بالليل والناس نيام، تجتهد وتذهب تتصدق سراً، قال سبحانه: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [البقرة:٢٧١].
عليك أن تخلو بنفسك وتكثر من الاستغفار كما قال الخليل ﷺ : ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ [مريم:٤٨]، فلا تجعل كل أفعالك الخيرة ظاهرة أمام الناس، اجعل لنفسك قسطا من الخير لا يعلمه إلا الله ، اجعل لنفسك نصيباً من الخير لا يعلمه إلا خالقك ، تتقرب به إلى الله ، وقد قال ابن القيم ﵀: إن الصالحين كانوا يحرصون على كتمان أحوالهم مع الله إلا في الحالات التي تستدعي أن يتأسى بهم الناس، وأنشد ابن القيم رحمه الله تعالى في ذلك أبيات شعر، فقال: من سارروه فأبدى السر مجتهداً لم يأمنوه على الأسرار ما عاشا وأبعدوه فلم يظفر بقربهم وأبدلوه مكان الأنس إيحاشاً لا يأمنون مذيعاً بعض سرهم حاشا ودادهم من ذلكم حاشا حث رسول الله ﷺ ذات يوم على الصدقة، فقال: عمر في نفسه ولم يقل لأحد من الناس: (إن الرسول ﷺ حث الناس في هذه الليلة على الصدقة، ودائماً أبو بكر يسبقني فيتصدق، فلأتصدقنّ الليلة، فحمل نصف ماله ووضعه بين يدي رسول الله، فقال له: ما أبقيت لأهلك؟ قال: مثله، ثم جاء أبو بكر بماله كله فقال له رسول الله: ما أبقيت لأهلك؟ قال: أبقيت لهم الله ورسوله! فقال عمر: والله! لا أسابقك بعد اليوم أبداً يا أبا بكر).
إذا حصل لك نوع كرامة من الله فلا تحدث الناس على سبيل التعالي على أنك كريم عليهم، بل إذا حدثت تحدث بنعم الله عليك شاكراً لأنعمه .
стр. 75
مرض العجب وعلاجه
مرض الرياء أحد الأمراض التي تتسرب إلى القلب، ويلتحق به العجب فهو نظيره وسميه، فالعجب كذلك من أمراض القلب، ففي صحيح البخاري أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، ركب برذوناً -والبرذون هو البغل- فمشى البرذون وعمر فوقه، والبغل يمشي ويهز الذي فوقه، فيحدث له نوع من أنواع الاختيال، فلما ركب عمر البرذون ومشى به مدة نزل من فوقه، قالوا له: لماذا نزلت يا أمير المؤمنين؟! قال: (أبعدوه عني، والله! ما نزلت عنه حتى أنكرت نفسي)، يعني: نفسي كانت قبل أن أركبه طيبة خفيفة، فلما ركبته تسرب العجب إليها، وإذا بالناس حولي كأنهم لا شيء، هذا حاصل كلام أمير المؤمنين عمر.
وإخواننا الأثرياء يشعرون بذلك! فأصحاب الأموال الكثيرة إذا ركب أحدهم سيارة (مرسيدس) يحس أن الناس حوله صعاليك! ويبدأ يظلم، كما قال عمر: أنكرت نفسي كأنها نفس أخرى، لكن إذا ركب حماراً أو ركب دراجة أحس أنه واحد مثل الناس، فيمشي زيد بين الناس وهو متواضع كما يتواضع الناس.
لهذا عليك أن تبعد عن نفسك أسباب العجب إذا وجدت شيئاً يجلب لك العجب ويذكيه في نفسك، فاتركه لله ، وليس من باب التحريم، ولكن اتركه لله حتى يعوضك الله خيراً منه إيماناً تجد حلاوته في قلبك.
تجد إخواننا جالسين في المجالس، فيبدأ التعارف: من الأخ؟ يقول: أخوكم فلان، الثاني يقول: أخوكم فلان، فيأتي واحد غلبه الشيطان، ويقول: أخوكم الدكتور فلان، هو أهلك نفسه قبل أن يهلك غيره، إذا كان يقصد الدكتور من باب التعريف، فله نيته ولن يتسرب إن شاء الله شيء إلى قلبه، أما إذا قالها على سبيل التباهي في المجلس تتشبع نفسه بذلك الكبر، فيهلك نفسه؛ إذ قال رسول الله ﷺ : (يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر -أمثال النمل- يطؤهم الناس بأخفافهم) يأتي آخر: العقيد فلان! العميد فلان! أي عقيد وأي عميد وقد مات من هم خير منك آلاف المرات؟ أين أنت من ثمود الذين جابوا الصخر بالواد، ومن فرعون ذي الأوتاد، ومن عاد إرم، ومن غيرهم من الأمم؟ فمثل هذا يجلب الكبر إلى الناس، تخيل أنه لو قال كلمة مثل هذه، وآخر مثله طبيب قال: أخوكم في الله -بانكسار- فلان بن فلان، لا شك أن الثاني سيزيده الله تواضعاً ورفعة في الدارين ويحبه كل الجالسين، أما هذا الذي تعالى عليهم، فهل يقبل الجالسون تفاخره؟ ومن طبع البشر أنهم لا يحبون من تكبر عليهم وتجبر، ولكن يحبون من خفض لهم الجناح وألان لهم القول.
فمن أنواع العجب نوع كهذا، وعلاجه أن تكسر نفسك وتتواضع لله ، تتواضع لله في أوصاف الفقراء، وفي أوصاف الضعفاء فلعلهم عند الله خير منك، ولا يخفى عليكم في هذا الباب حديث أبي بكر ﵁ مع الأربعة الفقراء الغرباء، سلمان وصهيب وعمار وبلال، لما مر بهم أبو سفيان بن حرب عام الفتح، ورءوا أن أبا سفيان كان رئيساً للكفر، وكان يؤذي رسول الله ﷺ وما زال يمشي، ولم ينل من الأذى فقالوا الأربعة: والله! ما أخذت سيوف الله من عدو الله مأخذها - أي: فكان ينبغي أن يقتل مثل هذا الرجل- قال أبو بكر ﵁: أتقولون هذا لسيد قريش؟! ثم استدرك أبو بكر فذهب إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله! بلال وصهيب وسلمان وعمار قالوا: كذا، فقلت لهم: كذا، فماذا قال له الرسول ﷺ ؟ قال: (يا أبا بكر! هل أغضبت إخوانك يا أبا بكر! لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك ! فانطلق أبو بكر سيد شيوخ أهل الجنة إلى هؤلاء الأربعة، فقال: يا إخوتي! أغضبتكم؟ فقالوا: لا، يغفر الله لك).
فعلاج العجب التواضع، وخفض الجناح للمسلمين، ومجالسة المتواضعين، أما أن تجالس دائماً المتكبرين فستقتبس من أخلاقهم، ومن ثَم قال رسولنا محمد ﵊: (شر الطعام طعام الوليمة) هذا الحديث فقه، لماذا شر الطعام طعام الوليمة؟ قال: (يدعى إليها الأغنياء، ويترك الفقراء)، فلمّا دعي إليها الأغنياء، وكلهم أغنياء يحصل التباهي والتفاخر ويحصل استقلال، يعني: مهما قدمت للأغنياء تسخطوا ما جئت به، لكن قد تدعو إلى وليمة عملتها واحداً من الفقراء الضعفاء فيخرج من عندك وقد أكل أكلة عمره ما أكلها في حياته، فيدعو لك دعوة تستفيد منها، فمجالسة الصالحين تجعلك تقتبس من أخلاقهم، هم يؤثرون في الطباع؛ لذلك الرسول ﷺ يقول في شأن الجوار والمجالسات، بل حتى مجالسات الدواب: (الفخر والخيلاء في الفدادين أهل الإبل) والشاة أو الخروف دائماً تكون في الأرض، فيقول النبي ﷺ (والسكينة والوقار في أهل الغنم) (الفخر والخيلاء في أهل الفدادين أهل الإبل) فلما كانوا مع الأنعام المستكبرة اقتبسوا من أخلاقها، ومن مشى مع الغنم المتواضعة اقتبس من أخلاقها، ولذلك يقول الرسول ﷺ : (ما بعث الله من نبي إلا وقد رعى الغنم قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: وأنا رعيتها على قراريط لأهل مكة)، فلذلك الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أشد الناس تواضعا، وأرحم الناس بالناس عليهم الصلاة والسلام.
стр. 76
قسوة القلوب وعلاجها
تجد أقسى الناس قلوباً اليهود؛ لأنهم نقضوا العهود مع الله، فقال تعالى في شأن اليهود: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ [المائدة:١٣] في شأن اليهود ﴿لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ [المائدة:١٣] يمسكون بالمسلم أو غير المسلم فيضربونه، تصيح أو ما تصيح، ما في قلبه رحمة، أصبح القلب كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة:٧٤]، لا يلين أبداً، تتوقع أنك ستعتذر إليه يلين قلبه لك، هذا ممتنع عندهم تماماً، أما قلب المؤمن فكما قال النبي ﷺ : (قلب رقيق لكل ذي قربى ومسلم).
قسوة القلوب علاجها الاستغفار والوفاء بالعهود والمواثيق، فالاستغفار كما في حديث رسول الله ﷺ : (تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عوداً عوداً، فأيما قلب أشربها) أي: قبل هذه الفتن (نكت فيه نكتة سوداء، وأيما قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء حتى تصير القلوب على قلبين:) ينتهي الأمر إلى قلبين: (قلب أسود مرباداً كالكوز مجخياً) يعني: قلب مثل الكوز أسود من داخله ومقلوب، لا يستمسك بأي خير؛ لأنه مقلوب على وجهه، لا يوجد خير يثبت فيه، وآخر (أبيض كالصفا لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض) أو كما قال رسول الله ﷺ .
فالذنوب التي تتوارد عليك يومياً تحتاج منك إلى جهاد وغسيل لها، كما يذهب مريض الكلى إلى الغسيل الكلوي، وهكذا على مريض القلب وكلنا مرضى، نسأل الله أن يعافينا وإياكم! كلنا يذنب يومياً، على كل منا أن يصنع ما صنع رسول الله ﷺ في هذا الباب، قال النبي ﷺ كما في الصحيح (إنه ليغان على قلبي فأستغفر الله في اليوم مائة مرة) وفي رواية (إني أستغفر الله وأتوب إليه في اليوم سبعين مرة) وقال ابن عمر ﵄: (كنا نعد لرسول الله ﷺ في المجلس الواحد: رب اغفر لي وتب عليّ إنك أنت التواب الغفور، سبعين مرة) يقولها رسول الله ﷺ حتى يغسل ما على قلبه ﷺ ، فنحن أكثر ذنوباً ولا شك من نبينا وحبيبنا محمد ﷺ ، فنحتاج إلى استغفار، ولن يكلفك ذلك خمس دقائق ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ [النساء:١٤٧]؟ ماذا سيستفيد الرب من تعذيبك إن شكرت وآمنت؟! فعلى المسلم أن يكون ذكيا، وفطنا، يعرف من أين تأتي له الابتلاءات وكيف يرفعها، فالمصائب التي تحل عليك -يا عبد الله- من وجهين: إما أن تكون مصيبة تحل بك من أجل أنها ابتلاء من الله، يبتليك الله لينظر: هل تصبر فتثاب أو لا تصبر؟ والله أعلم.
وإما أن تأتيك مصيبة بسبب ذنوبك، فإذا كنت خفيفاً لا تشعر بأنك مذنب ومسرف على نفسك، وتشعر أنك مطيع لله، فالنفس أحياناً تكون نشيطة خفيفة من الذنوب والآثام، فإذا كنت في هذه الحال نشيطاً لا ترى أنك مذنب -وكلنا مذنب- خفيفاً من الذنوب والآثام، وأصبت بمصيبة، فعليك أن تعلم أن هذه المصيبة في الغالب ابتلاء من الله يختبر صبرك، فتصبر كما صبر أيوب إذ قال الله لما ابتلاه: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:٤٤] هذا نوع.
مصائب أخرى تأتيك بذنوبك، قال سبحانه: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠]، فالمصيبة الأولى يلزمها صبر، والثانية يلزمها استغفار، فمن فوائد الاستغفار: أن الله يرفع عنك البلاء، ويبيض الله به قلبك.
стр. 77
اضطراب القلب سببه وعلاجه
القلوب كما لا يخفى عليكم لها نوع آخر من المرض وهو الاضطراب، قلب كثير الاضطراب، ما هو سبب هذا الاضطراب؟ أولاً: سبب الاضطراب أنك تفعل آثاماً أحياناً صريحة أنها آثام عندك، وأحياناً مشتبهة والرسول ﵊ يقول: (البر ما اطمأنت إليه النفس) أي: سكنت إليه النفس (والإثم ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطلع عليه الناس) فالإثم يجعل النفس لا تطمئن، ومعنى لا تطمئن أي: لا تسكن، ومعنى لا تسكن أي: تضطرب، فتسبب هذه الأشياء انفعالات على القلب، فتجد نفسك قلقاً غير مرتاح.
الرسول ﷺ يقول: (لقلب المرء أشد تقلباً من الماء في المرجل) يعني: الماء في القدر إذا وصل إلى درجة الغليان، بدأ يتقلب والفقاقيع تطلع وتنزل، فكذلك القلب يتقلب هذا التقلب الشديد؛ ولذلك قال ابن عمر: كان أكثر أيمان النبي ﷺ (لا ومقلب القلوب!) وكان يقول: (اللهم يا مقلب القلوب! ثبت قلبي على دينك، اللهم يا مصرف القلوب والأبصار! صرف قلبي إلى طاعتك) وإبراهيم الزكي الذي آتاه الله رشده يقول للمشركين: أنا لا أخاف من أصنامكم، ولا أخاف ما تشركون به إلا في حالة واحدة: (إلا أن يشاء ربي شيئاً) إلا أن يشاء ربي أن يقذف في قلبي الخوف من هذه الأصنام، فالقلوب قد تتبدل في لحظة واحدة عياذاً بالله؛ لأن الشخص منا لا يملك لنفسه شيئاً، ولا يملك قلبه، والله يقول: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٢٤] يعني: أنت لا تستطيع أن تتحكم في قلبك.
الرسول ﷺ لما عاتبته بعض أزواجه في حبه الزائد لـ خديجة وقد ماتت ماذا قال؟ قال: (إني رزقت حبها في قلبي) يعني: لا أستطيع أن أصرف هذا الحب عن قلبي، وقد قال عدد من العلماء: وفيه خبر عن المعصوم ﷺ أن المحبة التي في القلب من الله ، فلما كانت القلوب متقلبة لزمنا أن نطلب ما يثبتها على الإيمان، فأولوا الألباب يقولون: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران:٨] ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ﴾ أي: لا تمل ﴿قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران:٨].
فطلب الثبات للقلب علاج له من الاضطراب، وذكر الله تطمئن به القلوب كما قال الله سبحانه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ يعني: قلوب الذين آمنوا إذا حصل لها شيء من الاضطراب تطمئن بذكر الله، ومعنى تطمئن: تسكن، ويزول عنها خوفها وقلقها، ثم قال الله تعالى ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] أي: جدير بذكر الله أن يطمئن القلوب، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ ما المراد بذكر الله الذي تطمئن به القلوب؟ لأهل العلم قولان في المراد بذكر الله الذي به تطمئن القلوب: ففريق من أهل العلم يقول: إن المراد بذكر الله القرآن، فالشخص إذا كان مضطرباً وقرأ القرآن بتؤدة وتفقه سكن وذهب عنه الهم الذي يجد، ودليلهم على أن المراد بذكر الله هو القرآن قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، فقالوا: إن المراد بذكر الله الذي تطمئن به القلوب هو القرآن.
وفريق منهم يقول: إن المراد بذكر الله الحمد والتسبيح والتهليل والتكبير وسائر الأذكار المشروعة، والقول بالتعميم في هذه المواطن أولى، بمعنى أن المراد بذكر الله: القرآن وسائر الأذكار، فكلها تطمئن القلب، وتذهب الخوف والقلق، ومن ثَم لما رأى رسول الله ﷺ رجلين يستبان، وأحدهما انتفخت أوداجه وعلا صوته، واحمر وجهه، فقال ﵊: (إني أعلم كلمة لو قالها هذا لذهب عنه الذي يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم لذهب عنه الذي يجد) فالاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم ذكر لله ، ومعنى (أعوذ بالله) أي: أستجير بالله وألجأ إليه من الشيطان الرجيم، فذكر الله أحد المثبتات كما تذهب إلى الطبيب فتقول له: أعطني مقويات عامة للقلب، فيعطيك بعض الأدوية من أدوية الصيدليات.
فهناك مقويات عامة للقلب، إذا كنت تخاف وقلبك يرتعد من بعض الناس فذكر الله يثبتك في هذا الموطن، إذا خفت قوما قل: (حسبي الله ونعم الوكيل) وأكثر منها، ف ابن عباس يقول كما في البخاري: (((حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)) [آل عمران:١٧٣] قالها إبراهيم ﵇ لما ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ وأصحابه لما قال لهم الناس: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣]).
إذا أصبت بمصيبة كأن جاءك خبر موت أخيك أو أبيك القلب يقلق ويضطرب، والهم يزداد عليك، وهناك اضطراب زائد، فعلاجه ذكر الله، وصْفةٌ إلهية موجودة في المصحف: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٦ - ١٥٧] فذكر الله يقوي القلب، لا يقوي القلب فقط بل يقوي البدن كذلك، لا يخفى عليكم أن فاطمة أتت إلى رسول الله ﵊ تسأله خادماً وتريه أثر الرحى في أيديها، يدها تأثرت من الطحن، وتريد خادماً من رسول الله، قال لها الرسول ﷺ : (أولا أدلك على ما هو خير لك من خادم،) تسبحين ثلاثاً وثلاثين، وتحمدين ثلاثاً وثلاثين، وتكبرين ثلاثاً وثلاثين عند النوم (فهو خير لك من خادم) فأهل العلم يقولون: هذا مقو عام، يقوي الجسم ويجعل الشخص ينشط أكثر مما يفعله الخادم.
فذكر الله من أقوى المقويات للقلب والمثبتات لها في كل الأحوال وفي كل المواطن، إذا جئت إلى مكان وأنت فيه خائف، وذكرت الله اطمأن قلبك، وذهب عنك الخوف، لو قلت: (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق) اطمأن قلبك وذهب الخوف عنك، لو قمت من النوم وأنت منزعج غاية الانزعاج من الرؤيا المفزعة، وقلبك مضطرب ينبض مرعوب من الرؤيا المفزعة، علاجها في شيء يسير علمنا إياه رسولنا محمد ﷺ ، أرشدنا ألا نحدث بها، ولا نكلم بها أحداً، وأن نتفل عن يسارنا، وأن نتعوذ من شرها، فجاء ذكر الله في صورة التعوذ بالله من شرها، إذا كانت مفزعة فقم إلى الصلاة فإنها ذكر لله أيضاً كما قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه:١٤] قال أبو قتادة ﵁: كنت أرى الرؤيا أثقل عليّ من الجبل، فالشيطان يدخل من خلال حلم مفزع يرتبه لك ترتيباً في الرؤيا، ويوهمك أنك ستموت غدا يقيناً أو تصاب بحادث أو ابنك سيصاب بشلل ويرتب لك ترتيباً أنك ستدمر، ويعكر عليك حياتك كلها بسبب هذه الرؤيا المفزعة، ف أبو قتادة يقول: (كنت أرى الرؤيا أثقل عليّ من الجبل، فلما سمعت حديث رسول الله ﷺ سري عني ولم أعد أبالي) فيقول الذكر الذي علمه رسول الله ﷺ ، وقد تقدم أنها خمسة آداب: ١ - أن تتفل عن يسارك ثلاثاً.
٢ - أن تتعوذ بالله من شرها.
٣ - ألا تحدث بها أحداً.
٤ - أن تتحول عن جنبك الذي أنت عليه.
٥ - وإن كانت مزعجة قم فصل.
خمسة آداب ولن يضرك شيء بإذن الله، فبذكر الله تطمئن القلوب.
стр. 78
مرض الكبر والتعالي وعلاجه
من أمراض القلوب: الكبر والتعالي على الناس، وعلاجه كما سمعته: التواضع، وقد كانت الأمة تأتي إلى رسول الله ﷺ -كما في الصحاح- وتقول: إن لي إليك حاجة، وهو رسول الله ﷺ ! فتأخذ بيده وتمشي به في سكك المدينة حتى يقضي لها حاجتها، ويأتيه الرجل فيفزع منه، فيقول الرسول: (هون عليك إنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد بمكة)، يأتي الرجل من البادية إلى مدينة رسول الله ﵊ يسأل الناس عن الرسول وهو جالس في المسجد لا يعرفه أحد، فيسأل: أيكم محمد؟ من منكم محمد ﵊؟ على ماذا يدل قول الأعرابي للصحابة أيكم محمد؟ يدل على تواضع النبي ﷺ ، وهذا من تميزه، تعال انظر الآن إلى الضباط والشرطة، مستحيل أن يأكل جندي صغير مع عميد، مستحيل أن يحصل ذلك أبداً عندهم، وإذا أكل الجندي مع العميد صارت مصيبة كبرى تحل على المجتمع! جاء في الحديث عنه ﵊ أنه كان يرمي جمرة العقبة يقول الصحابي: (رأيت رسول الله ﷺ يرمي الجمرة لا ضرب ولا طرد، ولا إليك إليك) بخلاف ما عليه المسئولون هذه الأيام، فهذا كله يجلب تواضعاً ينعكس أثره على القلب، ونحن نسأل أصحاب المناصب أو ضباط الشرطة إذا خرج الضابط وهو لابس الزي العسكري عليه سيفين ونجمة أو سيف ونجمتين في رتبة (لواء) كيف يجد نفسه وهو لابس هذا الزي؟ وكيف يجد نفسه وهو لابس ثوباً أبيض مثلاً؟ هو نفسه يشعر بقلبه أنه متواضع عندما يلبس ثوباً أبيض ويمشي به، وعندما يلبس الزي الثاني ينتفش وكأنه لا يوجد أحد على وجه الأرض يوازيه! نسأل مدير الشركة: كيف حاله وهو جالس على كرسي الإدارة؟ وكيف حاله وهو ماشٍ في الشارع؟ وكيف أنت -يا عبد الله- وأنت راكب على الباص ذاهب إلى الجامعة؟ وكيف حالك إذا ركبت (تاكسي مخصوص)؟ قلبك يأتيه بعض الكبر وأنت في (التاكسي المخصوص)! وقلبك وأنت في الباص متواضع، ولا أقول إنه محرم أبدا والعياذ بالله! لا يمكن أن نصف شيئا بالتحريم، لكن الكلام على مسألة كيف تجد قلبك أنت؟! وهذا من باب معالجة القلوب يا عباد الله.
سمعتم أثر عمر وهو راكب على البرذون وقال: (والله! ما نزلت من عليه حتى أنكرت نفسي)، فتخيل وقس نفسك، جرب مرتين: اذهب مرة إلى الجامعة (بالتاكسي)، ومرة إلى الجامعة بالباص، ومرة إلى الجامعة مشياً، وانظر قلبك في هذه الأحوال الثلاثة كيف يكون؟ فهذا رسولنا محمد ﵊ يأتي الأعرابي يبحث عنه فيسأل: أيكم محمد؟ فيقولون: هو هذا الرجل الأبيض المتكئ، الرجل الذي تراه جالساً هو محمد ﷺ ! بكل بساطة وبلا تكلف ﵊، فمن علاج القلوب التواضع لله .
ومن علاجها سماع المواعظ وذكر الله، فالله يقول في سماع القرآن: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٣] تلين الجلود والقلوب إلى ذكر الله سبحانه.
قال العرباض بن سارية ﵁: (وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون)، فالشاهد: أن الموعظة أثرت في القلوب، فسماع الوعظ يؤثر في القلب.
أما سماع الأغاني فيقسي القلب عياذاً بالله! جرب -يا من تسمع الأغاني- اسمع مرة أغنية من الأغاني لبعض الممثلات أو المغنيات، ومرة اذهب واسمع القرآن كيف تجد القلب؟ تجد القلب يظلم عند سماع الأغاني، وتجده يخاف ويتسرب إليه الوجل إذا سمع كتاب الله ، فجدير بنا أن نحرص على مجالس الذكر؛ فإنها مجالس خير، ترقق القلوب، وعليك دائماً أن تقلل من الكلام بغير ذكر الله؛ فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله -كما قال فريق من أهل العلم- تقسي القلب، تبقى تهذي طوال اليوم في قيل وقال، وتجيب من هنا إلى هنا! فأي كلام ليس فيه فائدة يترك على القلب صدأ ووسخاً، ومسطر عليك، وكله له نكسات، فلا يخلو القيل والقال من الاغتياب، والاغتياب ذنب، فيؤثر هذا الذنب على قلبك سواداً كما سمعتم من حديث النبي ﷺ .
стр. 79
أثر المعاصي على القلب
وكثرة الضحك كذلك تؤثر على القلب، ليست الحياة هكذا ضحك كثير وكلام كثير، الإنسان إذا تحدث كثيراً، وكلمه الناس كثيراً في موضوعات شتى سيمتلئ القلب، والقلب له قدرة معينة فيمتلئ القلب من هذا العبث كله، وهذا الوسخ كله، ولا يجد لذكر الله مكاناً، كما قال القائل: أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى فوجد قلباً خالياً فتمكنا الشيء الذي يؤثر على القلب سيثبت فيه، فالشيء الذي يأتي على القلب أولاً يثبت فيه، فأقبل على كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، واتق اللغو والرفث والقراءة في المجلات الخليعة؛ فرب صورة عارية تنظر إليها في مجلة وأنت ذاهب تشتري من بقال فتجد مغبتها في قلبك، وتجد أثرها السيء في قلبك، وأنت جالس تذاكر أو تقرأ القرآن تعرض لك، يذكرك الشيطان صورة البنت التي رأيتها في المجلة، وصورة وجهها ورجليها على المجلة، وهذا شيء كلنا جربه فلذلك نحرص على أن نملأ قلوبنا بذكر الله، ونحرص على أن نملأ قلوبنا بسنة رسول الله ﷺ ، حتى لا يجد اللغو واللهو مكاناً ولا متسعاً في قلوبنا، إذا امتلأ قلبك بذكر الله وبسنة رسول الله صرف عنه السوء بمشيئة الله تعالى.
فمن علاج القلوب أن تملأه بذكر الله، في قصة الواهبة نفسها، قال الصحابي: زوجنيها يا رسول الله! قال: (كم معك من القرآن؟ قال: كذا وكذا، قال: تحفظهن عن ظهر قلب؟ قال: نعم، قال: زوجتكها بما معك من القرآن)
стр. 80
البعد عن مواطن الريبة
هناك أمور أخر تكون سبباً في أذى الآخرين، عليك أن تتقيها، فمثلاً: لا تقف في موقف شبهات فيأتي الشيطان يقذف في قلب أخيك شراً تجاهك، فيقال: هذا الرجل وقف في هذا الموقف ينتظر فتاة ينتظر مخدرات ينتظر حشيشاً فيقذف في قلب الناس تجاهك شراً، ورسولنا خير معلم يعلمنا حتى تكون قلوبنا سليمة، فكان يمشي مع صفية يقلبها إلى منزلها في الليل لما جاءت تزوره في المعتكف، فراءه رجلان من الأنصار فأسرعا، فقال: (على رسلكما إنها صفية) فقالا: سبحان الله! يا رسول الله! يعني: كيف تظن أننا نظن بك أنك واقف مع امرأة أجنبية؟! قال ﵊: (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئاً)، فالشيطان يأتي ويقذف في قلبك شيئاً، فحتى تحافظ على قلوب إخوانك المسلمين عليك ألا تضع نفسك في مواقف الشبهات، فتجعل الشيطان يعان علينا، وحتى تحافظ المرأة على قلوب الرجال يقول تعالى: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ [الأحزاب:٣٢]، المرأة وهي تتحدث مع الرجل لا تخضع بالقول لكن تتكلم بطبيعتها، ولا ترقق، النساء في هذا على قسمين: منهن من تخضع بالقول.
ومنهن من تصرخ صراخاً، والوسطية مطلوبة في كل شيء، تتكلم المرأة كما كانت النسوة على عهد رسول الله يتكلمن، لم يرد أنهن تواطأن كلهن على وضع الأيدي على الفم أثناء الكلام، فلا تخضع بالقول، ولا تشدد على نفسها، كأن تضع شيئاً على فمها بل تتكلم كما تتكلم المرأة على طبيعتها بدون خضوع بالقول، وبدون تشديد على نفسها.
نساء النبي خير من تأسى بهن نساؤنا يقول الله تعالى لهن: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب:٣٢]، واعلم أن قلبك قد يظلم بسبب حديثك مع امرأة ترقق لك صوتها، وهي قد تكون دميمة جداً! فترقق لك صوتها حتى تقع في الحبال، فقلبك يظلم عياذاً بالله! قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ لماذا نسألهن من وراء حجاب؟ قال: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٣] هذا السؤال من وراء حجاب أطهر لقلوبكم يا رجال! وأطهر لقلوبكن يا نساء! هذا هو كلام الله، فما يأتي بعد ذلك واحد سمج سخيف الرأي يصافح المرأة ويضغط على يدها ويقول: الإيمان في القلب يا عم الشيخ! سماجات وسخافات أيها الإخوة! وختاماً: علينا جميعاً أن نفعل ما فعله رسولنا ﵊ سواء مع الناس أو مع أنفسنا، فكان هناك أقوام قلوبهم ضعيفة، إيمانهم ضعيف، فسموا على عهد رسول الله ﷺ : المؤلفة قلوبهم، قلوبهم تريد أن تخرج من الإسلام، فالرسول ﵊ كان يعطيهم العطية، حتى تسكن قلوبهم إلى الإسلام، مسلك حسن في تأليف القلوب البعيدة الشاردة عن الدين، كيف تؤلف القلوب البعيدة الشاردة عن الدين؟ تؤلفها بشيء من المال، بهدية تجلب المحبة في القلب.
وبالنسبة لأنفسنا نكثر من التعوذ من قلب لا يخشع، فرسولنا ﵊ كان يكثر من ذلك فيقول: (اللهم! إني أعوذ بك من قلب لا يخشع، وعلم لا ينفع، ونفس لا تشبع، ودعاء لا يسمع)، وكان يقول أيضاً: (اللهم! اجعل في قلبي نورا)، كان يسأل ربه أن يجعل في قلبه نورا (وفي لساني نوراً، وفي سمعي نوراً، وفي بصري نوراً، ومن أمامي نوراً، ومن خلفي نوراً)، وكان يطلب من الله أن يغسل قلبه، فالقلب أبيض في الأصل، أي: قلب المؤمن، فيأتي الذنب تلو الذنب فيسوده، وكلنا خطاء كما قال الرسول ﷺ (والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وجاء بقوم يذنبون) وقوله: (كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا مدرك ذلك لا محالة: العين تزني وزناها النظر، واليد تزني وزناها البطش) إلى آخر الحديث، فكل هذه الذنوب تسبب على القلب أوساخاً وسواداً، فرسولنا يقول معلما لنا: (اللهم! اغسل قلبي من الذنوب والخطايا)، اغسله من الذنوب والخطايا ليس بالنار، إنما (اغسل قلبي من الذنوب والخطايا بالماء والثلج والبرد، اللهم! نق قلبي من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس)، فعلمنا رسولنا ﷺ هذا الدعاء، حتى يأتي القلب يوم القيامة وهو أبيض سليم من الآفات التي تتسرب إليه.
стр. 81
مرض الغل والحسد وعلاجه
ومن الآفات التي تتسرب إلى القلب الغل للذين آمنوا عياذا بالله! الغل للذين آمنوا من أخطر الأمراض التي تعتري القلوب، وحسد أهل الإيمان من أخطر الأمراض التي تعتري القلوب، ولا يكتشفه إلا أنت، ليس هناك طبيب سيكتشف الغل الذي في قلبك، اذهب للأخ الفاضل الدكتور فاروق رضوان وقل له: انظر هل في قلبي غل أو لا يا دكتور؟ هل سيعرف أن في قلبك غل أو ليس فيه غل؟ من أخطر الأمراض في القلوب الغل للذين آمنوا، فعلاج الغل للذين آمنوا أن تدعو بما دعا به الصالحون قبلك: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر:١٠] هو مؤمن، وأنت تكره المؤمن! وما عملوا فيك شيئاً وأنت تكرههم وتتمنى لهم المصائب، وتحسدهم! فما علاج ذلك؟ علاج ذلك: أن تقوم مثلاً من الليل فتدعو للمؤمن وتقول: اللهم! وفقه، اللهم! ارحمه، اللهم! استر عليه، اللهم! بارك له، فيكون ذلك عذرك أمام الله، ويذهب الله بذلك ما في نفسك وما في قلبك من حسد، ثم هو من مصلحتك أنت، يعني: إذا كان في قلبك حسد لأخيك، أو غل لأخيك فقمت في صلاة الليل وقلت: اللهم! وفقه وبارك له في ماله، اللهم! ارزقه وبارك له في ذريته، في الحقيقة أنت تدعو لنفسك؛ لأن النبي ﷺ قال: (ما من مسلم يدعو لأخيه بظهر الغيب، إلا وعند رأسه ملك موكل يقول: آمين، ولك بمثله).
فأنت لن تخسر عندما تدعو لأخيك، قال تعالى: ﴿فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [محمد:٣٨] إذا بخلت بدعوة لأخيك وامتنعت عن الدعاء، فالأمر كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [محمد:٣٨]، ونهج المرسلين والمؤمنين دائماً أنهم لا يدعون الله بالمغفرة لهم فحسب، بل يقول نوح: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾، يدعو للجميع ﴿وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾ [نوح:٢٨] فحتى يذهب حقدك على إخوانك ادع الله لهم، واعلم أنك بحسدك لهم مرتكب كبيرة من الكبائر، فالحاسد مرتكب كبيرة، إذ أحببت لأخيك من قلبك أن تحل به مصيبة، أو أن يفتضح، فهاهي عقوبتك من الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النور:١٩].
فاسأل الله أن يغسل قلبك من الذنوب والخطايا، ويطهره بالماء والثلج والبرد، وتعوذ بالله دائماً من قلب لا يخشع، وعلم لا ينفع، ونفس لا تشبع، ودعاء لا يسمع، وأكثر من الذكر والاستغفار في طرقك وفي مجالسك، وفي عملك حتى يهدي الله قلبك، ورد المظالم إلى أهلها قبل أن تموت، فكل ذلك يرقق القلب، ويسلمه بإذن الله من الآفات التي تعتريه، وتأتي يوم القيامة بقلب سليم كما جاء الخليل إبراهيم ﷺ ربه كما قال الله: ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات:٨٤] رزقنا الله وإياكم جميعاً سلامة القلوب.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.
стр. 82
صلة الرحم
صلة الرحم فرض فرضه الله ، وحث عليه رسوله ﷺ ، وذكر أنه من الأسباب التي يبارك الله بها في عمر الإنسان، وصلة الأرحام لا تقتصر على من يصلون الرحم من جانبهم، وإنما تتأكد في حق من يقطعونها أيضاً، وقد توعد الله قاطع الرحم بالوعيد الشديد في الدنيا والآخرة.
стр. 83
فضيلة صلة الأرحام
باسم الله، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
وبعد: فمن الأوامر التي جاءت بها الشرائع كلها الأمر بصلة الأرحام، فهذا أمر متفق عليه بين الشرائع كلها، فلم تنسخ آية من الآيات التي وردت آمرة بصلة الأرحام، بل كلها آيات محكمات.
ولصلة الأرحام أثرها في التعامل مع الأقربين، فليس من وصل كمن قطع، وقد قال عدد من العلماء في شرحهم لحديث رسول الله ﷺ : (ألا إن آل بني فلان ليسوا بأوليائي، إنما أوليائي المتقون، لكن لهم رحم سأبلها ببلالها)، قالوا في شرح هذه المقولة الأخيرة: (سأبلها ببلالها): إن الرحم شُبهت بالجلد اليابس، فإذا بللت الجلد بالماء لانت في يديك، وسهل عليك ثنيها، وكذا الرحم؛ إذا وصلتهم سهل عليك أمرهم بإذن الله، فإذا كنت تسأل عنهم وتهدي إليهم وتتفقد أحوالهم، فإنهم حينئذٍ يحبونك ويقبلون منك قولك ويلينون في يديك، أما إذا كنت قاطعاً، ولست بواصل؛ فإن كلامك يذهب سدى ولا يلقى قبولاً عند أقاربك ولا عند أرحامك.
جاءت جملة من النصوص من كتاب ربنا ومن سنة نبينا محمد ﷺ تحث بل وتأمر بصلة الأرحام، قال الله ﵎ في كتابه الكريم: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ [الإسراء:٢٦] فذوو القربى -الذين لهم حق- هم الأرحام عموماً، وكذلك قال الله ﵎: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ [النساء:٣٦]، وهم الأرحام عموماً كما بينا، وقال الله ﵎ في كتابه الكريم: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى﴾ [البقرة:٨٣]، فلذوي القربى حق، وقال رسولنا محمد ﷺ : (من أحب أن ينسأ له في أثره، ويبسط له في رزقه فليصل رحمه) كذا قال رسولنا محمد ﷺ .
وكان صلوات الله وسلامه عليه في بداية أمره وبداية بعثته مع دعوته إلى التوحيد كان أيضاً يأمر بصلة الأرحام، فلما سأل هرقل أبا سفيان عن رسول الله ﷺ قائلاً له: بما يأمركم -يعني النبي ﷺ ؟ قال: (يأمرنا بالصلاة والصدقة والعفاف والصلة) يعني بذلك صلة الأرحام.
стр. 84
كيفية صلة الأرحام
هذا ولصلة الأرحام صور: فمن صلة الأرحام: زيارتهم في بيوتهم، وتفقد أحوالهم، وقد كان النبي ﷺ يزور ذوي رحمه، فقد كان النبي ﷺ يزور علياً وفاطمة رضي الله تعالى عنهما، وأحياناً كان النبي ﷺ يزور علياً ﵁ فقط، أو يزور فاطمة ﵂ فقط، وكان يزور أم هانئ، ويزور غيرها من ذوي الأرحام والقرابات، فلزيارة الرحم أثرها الطيب في توطيد العلاقات، وفي إنبات المحبة وإثباتها، وخاصة إذا صوحبت بهديةٍ، ولا يكن وصل الرحم فقط في زيارتهم، بل يمكنك الاطمئنان عليهم برسالةٍ كتابية أو شفهية أو بهاتف، وبعيادة مرضاهم، فكل ذلك -بإذن الله- ينبت المودة والمحبة، وإذا كان في ذهابك إلى الأرحام منكرٌ، كأن تكون ابنة العم متبرجة على سبيل المثال، وستحدث خلوة أو نظر، وهي لا تحل لك -أعني أن النظرة إليها لا تحل لك-، فتوصل الرحم بسبيل آخر، والموفق من وفقه الله، جعلنا الله وإياكم ممن وصلوا أرحامهم، وصل اللهم على نبينا محمد وسلم تسليماً.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 85
التحذير من قطع الرحم وبيان عاقبة القاطع
هذا وقد حذرنا ربنا ﵎ من قطع الأرحام في كتابه الكريم تحذيراً شديداً، فقال ربنا في كتابه الكريم: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٢ - ٢٣]، فقاطعو الرحم أصمهم ربنا وأعمى أبصارهم، ولذا فقد ورد عن علي بن الحسين رحمهما الله تعالى أنه أوصى ولده فقال: (يا بني! لا تصاحب قاطع الرحم، إني وجدته ملعوناً في كتاب الله في ثلاثة مواطن -أحدها الذي ذكرناه- والثاني في قول الله ﵎: ﴿وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [الرعد:٢٥]، والثالثة آية البقرة التي في آخرها: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [البقرة:٢٧]).
فقاطع الرحم ملعون، وقد قال النبي ﷺ : (لما خلق الله الخلق قامت الرحم فتعلقت بقوائم العرش -وفي رواية: فأخذت بحقو الرحمن- وقالت: يا رب! هذا مقام العائذ بك من القطيعة، فقال الله لها: أما ترضين أن أصل من وصلك، وأن أقطع من قطعك؟ قالت: بلى؛ يا رب! قال: فذلك لك)، فكأن الرحم هربت من قوم يريدون ذبحها، ويريدون قطعها، فاستجارت بمن؟ استجارت بالله، واستنجدت بالله، وتعلقت بقوائم العرش؛ فأنصفها الله بقوله: (أما ترضين أن أصل من وصلك، وأن أقطع من قطعك؟ قالت: بلى، قال: فذلك لك)، أي: لك -أيتها الرحم- أن أصل من وصلك، وأن أقطع من قطعك.
ولذا في الحديث أن الرحم تقول: (من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله)، وقد قال النبي ﷺ محذراً من قطع الرحم: (لا يدخل الجنة قاطع -وفي رواية: قاطع رحم-).
فقطاعو الرحم ملعونون، لعنهم الله ﵎ في كتابه الكريم، وبين رسولنا محمد ﷺ ما أعد الله لهم من العقوبة.
стр. 86
وجوب صلة الأرحام وإن كانوا غير مسلمين
الرحم توصل حتى وإن كانت كافرة، قال النبي ﷺ -كما تقدم-: (ألا إن آل بني فلان ليسوا بأوليائي، إنما أوليائي المتقون، لكن لهم رحم سأبلها ببلالها) أي: أصلها بصلتها، وأيضاً قال تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة:٨]، جاءت أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما إلى النبي ﷺ تقول: (يا رسول الله! إن أمي أتتني وهي راغبة وهي مشركة، أفأصل أمي يا رسول الله؟! قال النبي ﷺ : صلي أمك).
стр. 87
وصل الرحم وإن قطعت
الرحم وإن قُطعت توصل، قال النبي ﷺ : (ليس الواصل بالمكافئ، إنما الواصل الذي إذا قطعت رحمهُ وصلها)، معناه: إذا وصلك ابن عمك فوصلته كما وصلك، فلست بالواصل حق الوصل وتمام الوصل؛ لأنك حينئذٍ مكافئ، إنما الوصل تمام الوصل من إذا قطعت رحمهُ وصلها، وهذا كقول النبي ﷺ : (أتدرون من الرقوب فيكم؟ قالوا: الرقوب من لا يولد له يا رسول الله! قال: ولكن الرقوب من لم يقدم شيئاً من الولد)! وقد بينا أنه يجب وصل الرحم، حتى الرحم الكافرة.
قالت خديجة لرسول الله ﷺ ، ورضي الله عنها، لما جاءها من غار حراء قائلاً: (زملوني زملوني! لقد خشيت على نفسي، قالت: كلا؛ والله! لا يخزيك الله أبداً: إنك لتصل الرحم)، فاستبعدت أن يخزيه الله بسبب صلته للرحم.
وقال ابن الدغنة لـ أبي بكر، وقد رأى أبا بكر ﵁ خارج مكة: إلى أين تذهب يا أبا بكر؟! قال: أسيح في الأرض أعبد ربي ، فقد أخرجني قومي، قال له ابن الدغنة: والله! ما مثلك يخرج -يا أبا بكر - إنك لتصل الرحم، وتحمل الكلَّ.
فكذلك قال ابن الدغنة ما حاصله: أن الذي يصل الرحم لا ينبغي أبدا أن يخرج من دياره، ثم ضمه إليه وآواه إليه، رضي الله تعالى عن أبي بكر.
وإن اشتد عليك أقاربك فأيضاً عاملهم بالتي هي أحسن.
فقد جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: (يا رسول الله! إن لي رحماً أصلهم ويقطعونني، وأعطيهم ويمنعوني، وأعفو عنهم ويسيئون إليّ، وأحلم عنهم ويجهلون عليّ، أي: ما العمل مع هؤلاء يا رسول الله؟! فقال النبي ﷺ : لئن كنت كما قلت؛ فكأنما تسفهم الملّ -أي: الرماد الحار- ولم يزل معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك)، فعلينا بصلة الأرحام وإن قاطعونا، وعلينا بالإعطاء لهم وإن منعونا، وعلينا بالصبر عليهم وإن جهلوا علينا.
كل ذلك يلزم المتقين، لقول نبيهم محمد ﷺ : (ولكن لهم رحم، سأبلها ببلالها).
стр. 88
صفات وغرائز خلق الله وبعض أحكام الشتاء وزكاة النقدين
لقد جرت سنة الله سبحانه في الحياة الدنيا على المفاضلة بين الخلق في كل شيء، فلذلك ترى اختلافاً كثيراً بين مخلوقات الله كافة، وليس بين بني آدم فحسب، حتى إن التمايز والتفاضل يشمل الجان والملائكة والدواب والنباتات وغيرها، وهذا من حكمة الله وتدبيره.
стр. 89
سنة المفاضلة بين الخلق
الحمد لله الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له خلق كل شيء فقدره تقديراً، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله الله بالهدى ودين الحق وجعله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً، عليه أفضل صلاة وأتم تسليم، وعلى آله وأصحابه ﵃ أجمعين.
وبعد: فكما لا يخفى على كل لبيب أن الله خلق الدنيا للابتلاء وللاختبار، قال الله سبحانه: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك:٢]، لهذا خلقت الحياة الدنيا، وقال الله لنبيه محمد ﷺ إذ بعثه: (إني مبتليك ومبتلٍ بك)، فجرت سنة الله في هذه الحياة الدنيا وعلى هذه الحياة الدنيا أنها للابتلاء وللاختبار، وجرت سنة الله أيضاً على المفاضلة بين الخلق في كل شيء، وعلى المفاضلة بين كل الأشياء كذلك كما قال الله في كتابه الكريم: ﴿انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء:٢١]، وكما قال تعالى: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام:١٦٥]، وكما قال سبحانه: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف:٣٢]، فجرت سنة الله سبحانه على المفاضلات بين الخلق، فترى اختلافاً كثيراً بين الخلق، وليس بين بني آدم فحسب، بل بين الدواب وبين الأشجار والنباتات وبين الأسماك وبين الجان وبين الملائكة، وقد قدمنا لذلك نماذج مراراً، ولا بأس للتذكير ثانية: ﴿فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٥٥] وابتداءً فقد قال تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة:٢٩]، فكل ما في الأرض خلق لبني آدم، سواء للانتفاع به أو للاعتبار به والادكار، فإذا نظرنا في عالم الحيوانات سنرى تباينات لا يحصيها إلا خالقها ، فترى حيواناً يؤلف، وآخر شرساً لا يؤلف بحال من الأحوال، ترى شاة متواضعة منكسرة، وترى جملاً متعالياً متكبراً، وقد قال النبي ﷺ : (السكينة والوقار في أهل الغنم -قال العلماء: لاقتباسهم من أخلاقها- والكبر والخيلاء في الفدادين أهل الإبل) فأهل الإبل أهل كبر واختيال اقتبسوا أخلاقهم من صفات ما يعايشونه، وقد قال النبي ﷺ : (على ذروة سنام كل بعير شيطان)، وترى قطاً قد يؤلف، وترى نمراً لا يؤلف بحال من الأحوال، وترى أسداً كريماً عند افتراسه للفريسة لا يأكل منها إلا إذا قتلها، وترى نمراً دنيئاً يتلذذ بتمزيق الذبيحة وهي حية قبل أن تموت، ترى خنزيراً -عياذاً بالله- قد فقد غيرته ولا يبالي بعرضه، وترى ديكاً غيوراً شديد الغيرة على الدجاج التي معه ويقاتل من أجل الدجاج أشد القتال، وهذه سنة الله جرت في هذه البهائم والدواب، ترى نحلاً منظماً مرتباً في عمله، وترى فراشاً طائشاً ساعياً هاهنا وهاهنا بعضه يركب بعضاً، ترى جراداً منتشراً يمشي في أسراب، وترى فراشات تقذف بنفسها إلى النار، ولله الأمر من قبل ومن بعد، ترى حيواناً ذكياً كالقرد، وترى آخر ضعيف الرأي كالفيل، سنن لله سبحانه في الخلق من الدواب وغيرها حتى نعتبر وندكر بها.
والحيوانات فيها ما لا يحصيه إلا الله، فترى خفاشاً خلق من لحم ودم لا يرى في النهار ولا في الليل إلا ساعة واحدة بعد الفجر وساعة أخرى بعد غروب الشمس، وما سوى ذلك لا يرى فيه، ومن عجيب قدرة الله وعظيم صنعته فيه أن أنثاه تحيض، فمع أنه يحيض ويلد إلا أنه يطير، ومع طيرانه لا يبيض، وتراه يضحك ويبكي! فهذه سنن لله في الخلق، لعل معتبراً أن يعتبر ولعل مدكراً أن يدكر ترى حيَّة نصبت عداوتها لبني آدم، كما قال النبي ﷺ في شأن الحيات: (والله ما سالمناهن منذ حاربناهن) وكما قال تعالى في شأنهن أيضاً عند بعض المفسرين: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [البقرة:٣٦] قالوا: إن ضمير الجمع لبني آدم وللشيطان وللحيات، والله تعالى أعلم.
كذلك يمتد الأمر إلى النباتات: فترى نباتات كلها طيبة الطعم، وأخرى حامضة مرة لا تستساغ بحال من الأحوال، وترى نباتات أكلها يقوي البدن وأخرى تفتك بالأجسام، وترى نباتات كريمة ضربها النبي مثلاً للمؤمن فقال ﵊: (إن من الشجر شجرة مثلها مثل المؤمن) وهي النخلة، وترى أخرى قال النبي ﷺ فيها: (إنها من شجر اليهود) وهي الغرقد، سنة جرت لله في الخلق: ﴿صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد:٤].
أما الأسماك فشأنها أعجب من ذلك، وأما الجن فالجن أيضاً طرائق متعددة فمنهم الأبله، ومنهم الشيطان المارد، ومنهم الجاهل، ومنهم الغبي، ومنهم الذكي، كما قالوا عن أنفسهم: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ [الجن:١١].
стр. 90
المفاضلة بين بني آدم
وبنو آدم على هذا أيضاً، لم تختلف سنة الله فيهم، قال النبي ﷺ : (إن الله قبض قبضة من جميع الأرض فخلق منها آدم ﷺ فجاء بنوه الأحمر والأسود وبين ذلك، وجاء بنوه الطيب والخبيث وبين ذلك)، فترى من بني آدم أقواماً من ذوي القلوب اللينة الطيبة، وترى من بني آدم أقواماً من ذوي القلوب التي هي أشد من الحجارة قسوة، كما قال تعالى في شأن أقوام: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:٧٤]، وترى من بني آدم رجلاً كريماً في غاية الكرم، وآخر بخيلاً في غاية البخل، ترى من بني آدم رجلاً شجاعاً في غاية الشجاعة لا يبالي بحال من الأحوال، وترى من بني آدم رجلاً جباناً في غاية الجبن، ترى من بني آدم رجلاً ماكراً كمكر الثعالب بل أشد، وترى من بني آدم رجلاً ساذجاً لا ينم إلا عن سجية طيبة ولا يكاد يضمر شراً لأحد، وتراهم في الألوان على هذا النمط، فترى من بني آدم من هو من ذوي السواد الداكن الشديد، وترى الأبيض الأمهق، ترى من بني آدم رجلاً خفيف الدم تحبه وتستسيغه لأول وهلة تراه، وترى من بني آدم رجلاً ثقيلاً بغيظاً تكرهه من أول وهلة تراه، ترى من بني آدم أقواماً جبلت ألسنتهم على إخراج الكلمة الطيبة، وترى آخرين من بني آدم جبلت ألسنتهم على إخراج الكلام الخبيث، كما قال تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ [النور:٢٦]، ومن أمثل ما قيل في تفسيرها: الكلمات الطيبة تخرج من الطيبين، والكلمات الخبيثة تخرج من الخبيثين.
ترى من بني آدم رجالاً خيرين طيبين يسعون لإعمار بيوت الله بأموالهم وأجسامهم، وترى من بني آدم أقواماً مفسدين يمنعون مساجد الله أن يذكر فيها اسمه ويسعون في خرابها، ترى من بني آدم رجالاً يسعون لرعاية الأيتام والإنفاق عليهم، وترى من بني آدم من يأكل أموال اليتامى ظلماً، هذه سنن لله جرت في الخلق وجبل عليها الخلق، وإلا لما خلق الله النار، ولما فاضل بين الدرجات، ولما باعد بين الدركات، قال تعالى: ﴿انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء:٢١].
ترى حتى في خير القرون قرن النبي محمد ﵊ وصرفاً للنظر عن الجبابرة وأهل الكفر: كـ أبي جهل وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وأمية بن خلف، بغض النظر عن هؤلاء الكفرة الفجرة، فإنك إذا نظرت بين صفوف المسلمين وبين صفوف متبعي رسول الله في الظاهر رأيت أخلاقاً شتى، فترى رجلاً كريماً جواداً كـ عدي بن حاتم الطائي وكـ سعد بن عبادة وكـ جعفر بن أبي طالب الذي يقول فيه أبو هريرة: (ما رأيت رجلاً أكرم من جعفر بن أبي طالب بعد رسول الله ﷺ : كنا نذهب إليه يطعمنا ما عنده، فإذا لم يجد شيئاً يعصر القربة التي فيها السمن حتى يستخرج كل ما فيها، ثم يقطع لنا القربة حتى نلعق ما بداخلها، من شدة الجوع الذي أصابنا) ترى قوماً كهؤلاء الكرام، وفي المقابل ترى من هم أشحة، فقد قالت هند لرسول الله: (يا رسول الله! إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني وولدي) وهو زوجها، فمع سيادته لقومه إلا أنه يؤثر عنه البخل، وقد قال رسول الله ﷺ : (من سيدكم يا بني سلمة؟ قالوا: سيدنا الجد بن قيس على أنَّا نبخله يا رسول الله! ققال ﵊: وأي داء أدوى من البخل؟) ترى من أصحاب رسول الله من هو مشهور بالشجاعة العظمى كـ حمزة وعلي وخالد رضي الله تعالى عنهم، وترى من أثر عنه بعض الهلع في الغزوات كـ حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه، وفي الوقت ذاته تراه شاعراً كريماً جليلاً ينافح عن رسول الله ﵊، وقد تسربت إلى خير القرون قرن النبي ﷺ بعض الأمور التي لا ينفك عنها البشر، ومن رحمة الله بنا أنه بينها لنا بياناً شافياً وبين لنا طرق العلاج فيها حتى لا نفاجأ بأمور تحدث في أوساط الطيبين ومن ثم نستنكر سيرة الطيبين كلها، كلا؛ فرسولنا محمد ﵊ سيد ولد آدم وخير نبي وقد بعث في خير أمة أخرجت للناس، وأصحابه خير الناس رضي الله تعالى عنهم أجمعين، ولكنهم بشر لا ينفكون أبداً عن بشريتهم، فثبت أن من أصحاب النبي ﷺ من ارتكب فاحشة الزنا إذ هو بشر؛ ولكنه ندم وأقلع وأناب، فأتى إلى رسول الله ﵊ مضحياً بنفسه وبحياته كي يطهر نفسه ويوافي ربه وليس عليه إثم، فلا يخفى عليكم أمر ماعز إذ جاء إلى النبي ﵊ معترفاً بذنبه وبجريمته ويقول: (إن الأبعد قد زنى يا رسول الله!) فيأتي إلى الرسول من على اليمين فينصرف عنه الرسول إلى الشمال، فيستدير مع الرسول إلى الشمال ويقول: (إنه قد زنى يا رسول الله!) فينصرف الرسول عنه إلى الناحية الثالثة، فيأتي إلى الرسول من تلقاء وجهه ويقول: (إنه قد زنى يا رسول الله!) فيقول الرسول: (لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت)، حتى أقر الرجل بجريمته وجريرته فأقيم عليه الحد حد الرجم ومات إلى رحمة الله طاهراً من ذنبه، وترى آخر يمارس الزنا زمن الرسول ﵊ ويزني بنساء المجاهدين في سبيل الله، ويخرج النبي ﷺ في مغازيه فيرجع وإذا بقوم من أهل النفاق تخلفوا وعبثوا بنساء المسلمين الذين ذهبوا للجهاد، فيقول النبي ﷺ : (ما بالنا نخرج غزاة في سبيل الله فيتخلف أقوام نرجع وقد منح أحدهم الكثبة من اللبن للمرأة لفعل الفاحشة معها، له نبيب كنبيب التيس في نسائنا! من وجدته يفعل ذلك لأنكلن به)، فكان قوم من هذا الصنف زمن النبي ﵊، وكان قوم من أصحاب رسول الله ﵊ أعطاهم الله فضلاً كبيراً هائلاً في جانب، ولم يعطهم في جوانب أخر، فهذا أبو ذر الغفاري رضي الله تعالى عنه يقول النبي صلوات الله وسلامه عليه في شأنه: (ما أقلت الغبراء -أي: ما حملت الأرض- ولا أظلت الخضراء -أي: ما أظلت السماء- أصدق لهجة من أبي ذر)، ومع ذلك يقول له الرسول ﵊: (يا أبا ذر! إني أراك ضعيفاً فلا تتأمرن على اثنين، ولا تتولين مال يتيم) مع صدق لهجته، لكن هذا جانب لا يجيده أبو ذر رضي الله تعالى عنه، ويسأل أبو ذر رسول الله: كيف أفعل مع أمراء الظلم؟ فيرشده الرسول ﷺ إلى البعد عن الفتن، وإلى كسر سيفه إذا وجد قتالاً بين أهل الإسلام.
فكان من أصحاب رسول الله قوم برعوا في جانب غاية البراعة، ولم يبرعوا في جوانب أخر، سنة لله جرت في الخلق، وقال الرسول ﵊: (الناس كإبل المائة لا تكاد تجد فيها راحلة).
وقد كان هناك قوم يسعون إلى رسول الله ﵊ بقلوب طيبة يسألونه عن أبواب الخير كي يقوموا بها ويتنافسوا في ذلك أشد التنافس، وكان هناك قوم مفسدين يطعنون في المسلمين، وليس في المسلمين فحسب، بل يطعنون في الرسول نفسه، يشتمون الرسول ويقولون عنه وعن أصحابه: (ما نرى أصحابنا هؤلاء إلا أكذبنا ألسنة، وأوسعنا بطوناً، وأجبننا عند اللقاء) وكان قوم من أهل البخل والنفاق إذا رءوا محسناً تصدق بكثير قالوا: ما تصدق بالكثير إلا رياء، وإذا تصدق بقليل قالوا: إن الله غني عن درهمه! فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة:٧٩] بل لم يقف أمرهم على الطعن في الصحابة، بل طعنوا في رسول الله ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة:٥٨]، يطعن فيك -يا محمد- ويقول فيك: إنك تغل وتأخذ الصدقة لنفسك! فقال تعالى في كتابه الكريم مدافعاً عن نبيه: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران:١٦١]، أبداً لا ينبغي أن يكون من خلق الأنبياء أن أحدهم يغل، بل أشد وأنكى من ذلك: طعنوا في عرضه واتهموا امرأته بالزنا وهو سيد ولد آدم وهي الطيبة الطاهرة، وكل ذلك لم يعكر على مسيرة رسولنا ﵊، بل قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف:٩]، فكانت مسيرة النبي محمد ﵊ لا تخلو أبداً من ابتلاءات ولا من نكد، ومضت مسيرة رسول الله منذ أن بعثه الله إلى أن قبضه الله ، فمنذ أن بعثه الله وهو يلاقي عناء بعد عناء صلوات الله وسلامه عليه، وعند قبضه يقول لأصحابه: (هلموا أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده أبداً)، فيختلف الصحابة فيما بينهم، يقول العباس: (قربوا يكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده أبداً) ويقول عمر: (حسبنا كتاب الله، إن الرسول في سكرات الموت) فماذا يقول الرسول وهو ينازع ويئن؟ فللموت سكرات كما قال عليه الصلاة والسلام
стр. 91
ضرورة الامتثال لسنة النبي ﷺ ظاهراً وباطناً
ذكرنا هذا حتى لا يتصور أن إخواننا الملتحين ملائكة، فهم بشر تجري عليهم أحكام البشر كلها، وإن امتثلوا سنة الرسول ﵊ في لحيتهم فإن هناك أخلاقاً أخرى غير اللحية يجب أن تمتثل أيضاً عن رسول الله ﷺ ، إنه ثم أقوام جبلت ألسنتهم على الغيبة والطعن في الأعراض، ثم هداهم الله إلى سنة النبي في اللحية فالتحوا، ولكن مازالت باقية فيهم سنة الغيبة والطعن في الأعراض، فليس هذا بضائر لدين الله أبداً وليس بضائر لعموم سنة رسول الله فإن الله قال: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤]، لكن جدير بمن امتثل سنة رسول الله في الظاهر أن يمتثلها أيضاً باطناً، وأن يتأدب بأخلاق النبي حتى لا تزل قدم بعد ثبوتها، فكم من شخص أراد الاستقامة ورامها فإذا وجد شخصاً ملتحياً يطعن في إخوانه المسلمين يقول: هؤلاء بعضهم ينحر في بعض! إذا وجد أخاً ملتحياً يغش في بيعه وفي شرائه قال: هؤلاء سنيون! وينتكس ولا يصل الأمر عند تركه للحية بل يترك الصلاة ويطعن في المصلين كذلك، وقد علمنا من كتاب ربنا أن الله قال: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤]، وفي كتاب ربنا: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام:١٦٤] وقال الله سبحانه: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى * أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾ [النجم:٣٦ - ٤٠]، فيا من امتثلتم سنة نبيكم ﵊ في الظاهر التزموا أخلاق نبيكم كذلك، وتأدبوا بأخلاق النبي، ولا تظن أبداً أن السنة تكمن فقط في اللحية أو في الثوب، ماذا ينفعك امتثالك للسنة في أمر اللحية وأنت مغتاب للمسلمين والمسلمات؟ ماذا ينفعك امتثالك للسنة في أمر اللحية وقلبك أسود مظلم وأنت قاطع للأصحاب؟ إنه ثم أمور من أمور ديننا العظمى التي يجب أن تمتثل ولا يتخلى عنها، فالتخلي عنها يعتبر تخلياً عن ديننا.
فيا معشر الإخوة! التمسوا سنن نبيكم محمد ﵊، فأنتم تعلمون أن الخلق بينهم اختلافات طويلة، في الأخلاق وفي الأرزاق وفي الآداب وفي المعاملات وفي الذكاء وفي الغباء وفي الطول وفي القصر، فلتكن لنا مرجعية نرجع إليها لتحديد أي خلق نتخلق به ونقيس عليها الأمور، ولا مرجعية للمسلم إلا كتاب ربه وسنة نبيه محمد ﵊، فلزاماً علينا كمسلمين رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً أن نقف على أوامر الله وأوامر رسوله، ننظر بأي الأخلاق نتخلق؟ وبأي الآداب نتأدب؟ وهل نحن على الجادة وعلى الطريق المستقيم؟ أم نحن في طريق يردينا؟ فلزاماً أن ندرك ذلك ابتداءً وعموماً.
معذرة -معشر المسلمين- لما يصدر من بعض الملتحين من زلات، معذرة إلى الله وإلى شرع الله من خطأ المخطئين، بل من خطأ أنفسنا، فدين الله يؤخذ من كتاب الله ويؤخذ من سنة رسول الله، ويفترض أنه يؤخذ من أهل الامتثال للكتاب والسنة، ولكن إن صدر خلق مشين فإن الله قال: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام:١٦٤]، كما قد علمتم.
مسيرة نبيكم انظروها واقتبسوا من معينها، واقتبسوا من أخلاق نبيكم محمد ﵊ ترشدوا وتهتدوا، ولزاماً أن يرضى كل منكم بما قضاه الله له، وإلا إذا لم يرض بما قضاه الله له فسيقع فيما لا طاقة له به، وسيهلك، ولا نقول: ارض بالأخلاق الدنيئة! أبداً، فلا ينبغي أن يستمر أحد على أخلاقه الدنيئة، بل ثم أمور لا طاقة لك بها كأن تكون خلقت فقيراً، أو خلقت ضعيف الخلق، أو خلقت دنيئاً، فهذه أمور لا طاقة لك بها، فقد جرت سنة الله على الاختلاف، حتى الاختلاف الجبلي: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ [الروم:٢٢] أي: من آياته الدالة على كمال قدرته.
فمن آيات الله سبحانه: أن ترى هذا جميلاً في غاية الجمال، ترى امرأة عليها مسحة جمال كأنها قطعة قمر، وترى امرأة في غاية الدمامة تسرب إليها الشيب قبل المشيب، وتسرب إليها الانحناء قبل الكبر والهرم، فتتعجب من إرادة الله! ولكن كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ [الفرقان:٢٠]، فمثل هذه الأمور التي لا طاقة لك بها وإنما جبلت عليها على الشخص أن يكون راضياً بقضاء الله، فلا تقل أبداً: لماذا أضفى الله على هذا الشخص وجاهة ولم يضفها علي؟ لماذا وسع الله على هذا في الرزق؟ لماذا تفوق هذا الولد ولم يتفوق ولدي؟ كل هذه أمور قسمها الله، وهناك آباء يضربون أبناءهم ضرباً شديداً إذا أتى في الامتحان بـ (٩٠%)! لم تضربه يا أخي؟! يقول: كان يجب أن يأتي بـ (٩٥%)! يجب على من؟! إن النسيان واجب في حق بني آدم، فقد يذاكر الشخص الدرس غاية المذاكرة ثم ينساه، فهذا نبينا محمد قد نسي، قال ﵊: (يرحم الله فلاناً! لقد أذكرني آية كذا وكذا من سورة كذا وكذا كنت أنسيتها)، والناسي لا يعاتب أمام الله، فكيف تضرب ولدك وتقول له: لماذا أتيت بـ (٩٠%) وكان ينبغي أن تأتي بـ (٩٥%)؟! فأنت لا تملك أمر نفسك، وإن الله قادر على إذهاب عقلك فضلاً عن عقل ولدك، وإن الله قادر على أن ينسى ولدك كلما ذاكره في وقت هو في أشد الاحتياج إلى تذكره.
فيا معشر الإخوة! علينا أن نوطن أنفسنا على الرضا بقضاء الله وبقدره، فكم من شخص تقلد أرقى المناصب وضره -والله- منصبه؟! وكم من شخص جمع أكثر الأموال وضرته -والله- أمواله؟! ولا يخفى عليكم أن الذي تقلد أرقى المناصب زمن الخليل إبراهيم قال للخليل إبراهيم: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة:٢٥٨]، والذي تقلد أرقى المناصب زمن موسى ﵇ يقول: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨]، ويقول عن نبي مرسل كريم من أولي العزم من الرسل: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف:٥٢]، هكذا صنع به المنصب أن يقول هذه المقولة، وأما المال فلا يخفى عليكم أنه بلغ برجل أن قال: ﴿مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾ [الكهف:٣٥] ثم قال: (وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ [الكهف:٣٦]، هكذا حمله المال على الكفر والجحود إذ قال: (وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾، ثم تطاول على رب العباد فقال: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا﴾ [الكهف:٣٦]، هكذا حمل المال أهله وأصحابه، وحملت الوجاهة قوماً على الكفر والاعتراض على رسالة محمد إذ بعث فيهم النبي ﵊ فقالوا مقالتهم: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ * أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف:٣١ - ٣٢].
فيا عباد الله! افقهوا عن الله سبحانه أمره، وافقهوا عن الله فعله، وافقهوا عن الله تدبيره، وكونوا راضين بقضاء الله، إن الكبر والغرور والعجب والحقد حملت إبليس على الاستنكاف عن السجود لآدم، وإن الحقد والحسد حمل إخوة يوسف على قتل أخيهم يوسف، وعلى تخطئة أبيهم يعقوب.
فارضوا بقضاء ربكم، ووطنوا أنفسكم على اتباع سنة نبيكم محمد ﵊، واستغفروا ربكم إنه كان غفاراً.
стр. 92
بعض أحكام الشتاء
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: فبين يدي فصل الشتاء وفي ثناياه نذكر ببعض الأحكام الفقهية المتعلقة به: ابتداءً يقول النبي ﷺ : (اشتكت النار إلى ربها فقالت: يارب! أكل بعضي بعضاً، فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء، ونفس في الصيف، فأشد ما تجدون في الصيف من حرها، وأشد ما تجدون في الشتاء من بردها)، فعلى ذلك ينبغي أن نتذكر ما أعد الله للعصاة في النار إذ الله قال: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ * وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ [ص:٥٧ - ٥٨] (والحميم): ما بلغ أعلى درجات حرارته، (والغساق): ما انحط إلى أخفض درجات برودته، وأهل النار يتداول عليهم هذا النوع من العذاب: (حميم وغساق)، وإنك إذا شربت مشروباً ساخناً وأتبعته بماء بارد توشك أسنانك أن تقع، وأهل النار -عياذاً بالله منها- يذوقونه حميم وغساق، ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ [ص:٥٨]، أي: أصناف شتى من المتضادات ومن المتشابهات أيضاً.
وهذه بعض الأحكام الفقهية المتعلقة بالشتاء: يسن المسح على النعلين عند الوضوء إذا كنت لبست نعليك على طهارة، وتوقيت ذلك: يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليها للمسافر، وكذلك يسن لك إذا أنت لبست خفيك على طهارة أن تمسح عليها يوماً وليلة إذا كنت مقيماً، وثلاثة أيام بلياليها إذا كنت مسافراً، واليوم والليلة يعني: خمس صلوات، هذا وكما لا يخفى عليكم أن الخفين غير النعلين، فالخف: ما يغطى به الكعب، ولست أعني بالكعب العقب، إنما الكعب الذي أمر الله بغسله في الوضوء، فالخف: ما غطى الكعب، أما النعل: فما كان دون الكعب أو ما كان محاذياً له، فهناك ثلاثة أحكام بالنسبة للمسح: المسح على الخف، وهذا بالاتفاق، ويعتبره العلماء من معتقدات أهل السنة والجماعة، ومن معالم أهل السنة والجماعة، فيقول أهل السنة: ومعتقدنا جواز المسح على الخفين، فبالاتفاق يجوز المسح على الخفين بالتوقيت السالف ذكره.
أما المسح على النعلين التي هي دون الكعبين: ففيه نزاع بين العلماء، إلا أن الأحاديث تكاد أن ترتقي بمجموع طرقها إلى إثبات المسح على النعلين، وإن كان الأمر لا يخلو من نزاع في شأن النعلين، لكن جوز كثير من أهل العلم المسح على النعلين.
أما الجوربين: فالأحاديث التي وردت فيها عن رسول الله ﵊ أعلها العلماء الأولون، وقد أعلها عشرة من أهل العلم كما نقل عنهم النووي ﵀ في كتابه المجموع شرح المهذب، ولكن ومع إعلالها، وبعض النزاع الوارد في صحتها إلا أن الجمهور يقولون بالمسح على الجوربين، لورود ذلك عن أصحاب رسول الله ﵊، فقد صح عن طائفة من صحابة النبي الكريم صلى الله عليه وعلى آله وسلم المسح على الجوربين.
ومن العلماء من يشترط في الجوارب شروطاً من ناحية السماكة ومنهم من لا يشترط، وأما الخبر عن رسول الله فليس ثم خبر يحدد شروطه، فمدار الاشتراطات على أقوال للفقهاء، والأظهر أن ما يطلق عليه جورب عموماً يمسح عليه، والله ﵎ أعلم.
هذه ثلاثة أحكام بالنسبة للمسح.
تأتي مسألة متفرعة من هذا وهي: إذا توضأ شخص ولبس جوربيه أو لبس خفيه على طهارة ثم بعد ذلك خلع الجوربين أو الخفين هل ينتقض الوضوء أم لا؟ أو شخص توضأ وغسل رجليه ثم لبس الجوربين على طهارة، ثم بعد ذلك نقض الوضوء فتوضأ ومسح على الجوربين، ثم بعد ذلك خلع الجوربين، فهل ينتقض الوضوء، أو هل يلزمه غسل الرجلين أم لا؟ هذه المسألة محل اختلاف بين العلماء: فمن العلماء من يقول: ينتقض الوضوء بخلعه للجوربين وعليه أن يعيد.
وثم آخرون قاسوا ذلك على حلق الشعر، قالوا: كما أن المتوضئ إذا مسح على شعره ثم حلق الشعر لا ينتقض وضوءه فليكن كذلك الجورب، فهذان وجهان لأهل العلم في هذه المسألة.
ننتقل إلى مسألة: في المطر، أمر النبي أن يقول المنادي في اليوم المطير: (صلوا في رحالكم، صلوا في رحالكم)، حتى يرخص للقوم في الصلاة في بيوتهم، (فصلوا في رحالكم) ورد من حديث ابن عباس أنها بعد: حي على الفلاح، وورد من حديث ابن عمر أنها مكان (حي على الصلاة، حي على الصلاة)، فهذا يحمل على التنوع، فإن قال أحد مكان حي على الصلاة: (صلوا في رحالكم) جاز ذلك، وإن قال أحد بعد حي على الفلاح: (صلوا في رحالكم) جاز له ذلك، فالمراد بالرحال: البيوت، فهكذا يكون هناك ترخيص في التخلف حتى عن الجماعة إذا قال المؤذن: (صلوا في رحالكم)، أما إذا لم يقلها المؤذن فليس ثم وجه للتخلف عن الجماعة، وقد قال النبي: (هل تسمع النداء؟ قال: نعم.
قال: فأجب، أو لا أجد لك رخصة).
стр. 93
أحكام زكاة النقدين
معشر الإخوة! ننبه على أمر عارض على وجه السرعة -ونعتذر للإطالة- وهو ما يتعلق بنصاب الزكوات: بالنسبة لنصاب الذهب، نصاب الذهب هو: عشرون مثقالاً، وهذا رأي جمهور العلماء، والمثقال هو الدينار، والذي عليه الجمهور أنه الدينار الذي صكه عبدالملك بن مروان، وقال البعض: إنه لم يتغير في جاهلية ولا إسلام، فالدينار وزنه مترجماً بالجرامات كما ترجمه فريق من أهل الاختصاص في هذا الصدد: أربعة جرامات وربع، فعلى هذا تكون العشرون مثقالاً، أي: العشرون ديناراً تعادل خمسة وثمانين جراماً من الذهب، فنصاب الذهب: خمسة وثمانون جراماً، لكن هذا من الذهب الخام، أي: الخالص الصافي، وكما لا يخفى عليكم أن الذهب كي يستعمل ويشكل تشكيلاً جيداً تضاف إليه بعض سبائك النحاس حتى يلين ويسهل في التشكيل، فكلما ازدادت نسبة الإضافات من النحاس كلما سهل تشكيله، فيضعون نسبة من النحاس حتى يخفض الذهب إلى عيار واحد وعشرين من أربعة وعشرين، فالذهب الذي مع أكثر الناس عياره واحد وعشرون، فإذا ترجمنا الخمسة والثمانين جراماً من الذهب الصافي الخام -كما يسمونه- إلى الذهب الذي هو عيار واحد وعشرين كانت النسبة تقريباً سبعة وتسعين جراماً، وما يعادل (١٥% أو ٢٠%)، أي: سبعة وتسعين جراماً واثنين من عشرة على وجه التقريب، فهذا نصاب الذهب الذي هو واحد وعشرون جراماً، فالقول الذي يقوله كثير من الناس: إن نصاب الذهب خمسة وثمانون جراماً صحيح؛ ولكن هذا من الذهب الخام الخالص الصافي، أما الذهب عيار واحد وعشرين فتضرب في النسبة: أربعة وعشرين على واحد وعشرين، أعني: تضرب الخمسة وثمانين جراماً في النسبة أربعة وعشرين على واحد وعشرين؛ فينتج تقريباً سبعة وتسعين واثنين من عشرة، وهذا نصاب الذهب، أما إذا نزلت للذهب الذي هو عيار ثمانية عشر فهذا قد أضيفت إليه نسبة نحاس أكثر فتضرب في النسبة: في أربعة وعشرين على ثمانية عشر، فينتج لك النصاب من الذهب الذي هو عيار ثمانية عشر.
أما نصاب الفضة: فهو خمس أواق، والنبي يقول: (ليس فيما دون خمس أواق صدقة) وترجمتها بالجرامات: ما يعادل خمسمائة وخمسة وتسعين جراماً من الفضة، فعلى ذلك إذا جئنا نقيس الزكوات على التي معنا بالنسبة للزكوات زمن الرسول، فقد كان الذي عنده ذهب يخرج ذهباً بنصاب الذهب، والذي عنده فضة يخرج فضة، لكن أمر العملة الورقية الموجودة الآن أمر نازل بالمسلمين حيث لم يكن في زمن الرسول، فعلى أي شيء نقيس؟ البعض يقول: نقيس على نصاب الذهب إذا كان الذهب رصيداً للعملة الورقية، أما الآن وقد ألغي في كثير من الدول الذهب كرصيد للعملة الورقية فبقي الأمر قائماً، فإذا قست على نصاب الفضة فإن جرام الفضة سعره يقارب سبعين قرشاً، فعلى ذلك سيكون: خمسمائة وخمسة وتسعين في سبعين قرشاً تعادل أربعمائة وعشرين جنيهاً على وجه التقريب، فسيكون الذي زاد معه المبلغ على هذا القدر سيزكي إذا بنى على نصاب الفضة، أما إذا بنى على نصاب الذهب فعلى القدر الذي سمعتموه.
فالذي عنده ذهب يزكي على نصاب الذهب، والذي عنده فضة يزكي على نصاب الفضة، والذي عنده عملة ورقية هو بالخيار، وإن كان الأنفع له في دينه أن يزكي على نصاب الفضة؛ لكونه أنفع للفقير، هذا والله أعلم.
اللهم! أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبساً علينا فنضل، واجعلنا للمتقين إماماً.
اللهم! أقر أعيننا بالنظر إلى وجهك يوم نلقاك، اللهم! أقر أعيننا بالنظر إلى وجهك يوم نلقاك، اللهم! أقر أعيننا بالنظر إلى وجهك يوم نلقاك، واسقنا من حوض نبيك محمد شربة لا نظمأ بعدها أبداً.
ربنا لا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا واغفر لنا وارحمنا فأنت خير الراحمين! اللهم! وحد بين قلوب المسلمين وبين صفوفهم، اللهم! وحد بين قلوبهم وبين صفوفهم وانصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين! اللهم! زلزل أقدام اليهود وأهل الشرك والنصارى يا رب العالمين! اللهم! من كاد للإسلام وأهله فخذه أخذة واحدة أخذة عزيز مقتدر، ومن عمل وسعى لرفعة راية الإسلام والمسلمين فأيده بتأييدك وانصره بنصرك واحفظه من بين يديه ومن خلفه إنك سميع الدعاء مجيب السائلين.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله.
стр. 94
صيانة الأعراض
إن من أجل المقاصد التي جاءت بها الشرائع السماوية بعد الأمر بتوحيد الله صيانة الأعراض، وقد أطبقت جميع الديانات السماوية على حرمة جريمة الزنا، وجاء في شريعتنا تحريم هذه الفاحشة، وسدت كل الذرائع التي تؤدي إليها، ومن ذلك تحريم النظر إلى النساء، وتحريم سماع الغناء، وتحريم التبرج والسفور، وتحريم الخلوة بالمرأة، وغير ذلك.
стр. 95
اتفاق الشرائع السماوية على تحريم الفواحش
بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهديه الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
وبعد: فإن من أجل المقاصد التي جاءت بها الشرائع بعد الأمر بتوحيد الله صيانة الأعراض، ومن ثم قال الله في كتابه الكريم: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٣]، فاتفقت الشرائع كلها على تحريم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وكان من أبشع هذه الفواحش فاحشة الزنا، جاء التحذير منها أيما تحذير، قال الله سبحانه: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:٣٢]، وقال الله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون:٥ - ٧]، وقال سبحانه: ﴿وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [الفرقان:٦٨ - ٧٠]، وقال سبحانه: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٢ - ٣]، وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (ورأيت رجالاً ونساءً عراة على مثل التنور يأتيهم لهب من تحتهم فيحرق فروجهم، فقلت: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الزناة والزواني يا محمد!)، هذا شيء من عقوبتهم ذكر على لسان نبينا محمد ﷺ ، يبين مدى الألم الذي يلحق بهذه الفروج، التي استمتعت بالحرام، وتلذذت بالفحش والعياذ بالله!
стр. 96
تحريم الوسائل المؤدية إلى الزنا
فحرم الله الزنا، ولم يرد في أي شريعة من الشرائع التي نزلت من عند الله سبحانه شيء يبيح الزنا بحال من الأحوال، لا في الإسلام، ولا في اليهودية، ولا في النصرانية، ولا في أي شرع نزل من عند الله، بل اتفقت الشرائع كلها على تحريمه، ومن ثم جاء في شريعتنا مزيد من الاحتياطات.
стр. 97
حرمة خضوع النساء بالقول
كذلك من السبل الموصلة إلى هذه الفاحشة الكبرى، خضوع النساء بالقول، ورب العزة يقول في كتابه الكريم: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب:٣٢] فالنسوة اللواتي يخضعن بالقول، ويرققن القول للرجال الأجانب مرتكبات للمآثم، ومرتكبات للحرام، فثم رجال في قلوبهم مرض إذا رقت المرأة في قولها له ظن أنها تريد منه الفاحشة قولاً واحداً، ولا يفكر فيما سوى ذلك، ومن ثم نهى الله سبحانه النساء عن الخضوع بالقول فقال: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب:٣٢]، وقال سبحانه: ﴿وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [البقرة:٢٣٥] فلا ينبغي لامرأة أن تخضع بقولها في الهاتف، ولا في حديثها مع الرجال الأجانب، فإن ذلك يدعو إلى الفاحشة ويزينها، ولكن كما قال القائل أيضاً: وما عجب أن النساء ترجلت ولكن تأنيث الرجال عُجابُ فثم رجل يتحدث في الهاتف أو مع الناس بأسلوب جافٍ وقوي، فإذا تحدث مع النساء خضع لهن بالقول كما تفعل النسوة، فيقع في حبائله نساء كثيرات يفتن بهن ويفتن به، فكل ذلك من السبل الداعية إلى هذه الرذيلة، وإلى هذه الفاحشة، فاحشة الزنا والعياذ بالله!
стр. 98
حرمة سماع الغناء
ومن السبل الموصلة إلى هذه الفاحشة سبيل الاستماع إلى الغناء المصحوب بالمعازف الذي يهيج الكامن ويثير الشر، قال النبي ﷺ : (ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف)، فكل أغنية مصحوبة بالموسيقى أو بالمعازف حرام، فالمعازف حرام لما سمعتموه من نبيكم محمد ﵊، وكذلك تلك الأغاني التي لم تصحب بالمعازف، ولكنها تزين الفحش وترغب في الفجور، كتلك الأغاني الساقطة الهابطة، التي تقول فيها امرأة: خذني بحنانك خذني، ونحو هذه الأغاني الهابطة الساقطة، التي لا تنم إلا عن فحش، ولا تدفع إلا إلى شر، فالاستماع إلى ذلك فيه نشر للفساد، والله يقول في كتابه الكريم: ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة:٢٠٥].
стр. 99
حرمة التبرج والسفور
وكذلك من السبل الموصلة إلى هذه الفاحشة، التبرج المزري الذي يُفعل الآن، تخرج النساء كاسيات عاريات، كأنه خفي عليهن قول نبينا محمد ﵊: (صنفان من أمتي من أهل النار لم أرهما، نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات، رءوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا)، فهذا التبرج المزري الذي نهى عنه ربنا في قوله: ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣] من أعظم الدوافع إلى الشر، ومن أعظم الدوافع إلى الفساد، كيف يفعل هذا الشاب الممتلئ رجولة وفحولة إذا رأى امرأة تسير في الطريق بهذه المناظر القبيحة؟ كيف يفعل الشاب إذا نظر إلى فلم مؤداة كعموم الأفلام الهابطة الدعوة إلى الرذيلة ومضمونه قصة حب أو عشق تئول إلى زنا والعياذ بالله؟ كيف يفعل هذا الشاب إذا رجع إلى بيته ووجد أمامه في البيت أخته المتبرجة هي الأخرى؟ ألا يئول ذلك إلى فعل الفواحش حتى مع المحارم والعياذ بالله؟! إن التبرج نهى عنه ربنا ونهى عنه نبينا محمد ﵊ أيما نهي، بل قال نبينا ﵊ حاثاً على ستر المرأة لجميع بدنها، قال ﵊: (المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان، وأقرب ما تكون المرأة من ربها وهي في قعر بيتها)، ومن ثم جاءت نصوص نبيكم محمد ﵊ تحث المرأة على القرار في البيت، إذ هي بخروجها تطمع الشريرين فيها، وتتسبب في الغواية بها: (صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد، وصلاتها في حجرتها أفضل من صلاتها في بيتها، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في حجرتها).
وكذلك لا يخفى عليكم أن المرأتين اعتذرتا إلى موسى لما سألهما فقال لهما: ﴿مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ [القصص:٢٣] أي: إنما ألجأتنا الضرورة إلى أن نخرج من بيوتنا وإلى أن نسقي الأنعام فأبونا شيخ كبير، فلم تكلن الفضليات يخرجن إلا للضرورات، وعند الحاجات، وعند الملمات، فالقرار في البيت من أفضل الوسائل للابتعاد عن جريمة الزنا، وعن الافتتان بالنساء، فإن الفتنة بالنساء من أعظم الفتن على الإطلاق، إذ قال ربنا: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [آل عمران:١٤] فصدرت الشهوات بالنساء، وقال النبي ﵊: (فاتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء)، وكذلك قال ﵊: (ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء)، فهذه سبل ذكرنا بها نبينا محمد ﵊، وحذرنا من كل سبيل يدعو إلى الوقوع في هذه الفاحشة.
стр. 100
حرمة الخلوة بالمرأة الأجنبية
ومن السبل الداعية إلى هذه الفاحشة والميسرة لها، الخلوة بالنساء الأجنبيات اللواتي لسن بمحارم، قال النبي ﷺ : (إياكم والدخول على النساء، قال رجل: أفرأيت الحمو يا رسول الله -أي: قريب الزوج-؟ قال: الحمو الموت) هكذا قال النبي ﵊، فالذين يتساهلون ويدخلون إخوانهم على زوجاتهم، والذين يتساهلون ويدخلون أبناء عمومتهم على نسائهم، عليهم أن يستمعوا إلى المذكور في حديث النبي ﵊: (الحمو الموت)، فلا تتساهل -يا عبد الله- في إدخال رجل أجنبي بيتك، وتمكنه من زوجتك، وإن كان هذا الرجل قريباً لك، وإن كان هذا الرجل في ظنك تقياً، فإن رجالاً في زمن نبيكم محمد -وهو أفضل الأزمان- دخلوا على نساء فصدرت منهم الفواحش، جاء رجل إلى النبي محمد ﵊ -كما في البخاري - وقال: (يا رسول الله إن ابني كان عسيفاً عند هذا الرجل -أي: أجيراً عنده- فزنى بامرأته) حدث هذا على عهد نبينا محمد، رجل أجير عند آخر زنى بامرأته.
وقد يقع مثل ذلك الآن مع أقوام قلت غيرتهم، يدخلون المدرس الخصوصي البيت في غياب الرجال، فيدخل يعبث بالبنات، ويعبث بالنساء في غياب الرجل، وهذه خلوة محرمة، وكذلك لا يمكن طبيب من الخلوة بالمرأة، فالطبيب رجل والمرأة مرأة، وكذلك قد يتخذ الطبيب ممرضة في عيادته، ويدخلها على الرجال، أو هو نفسه يخلو بها، فكم من بلية حدثت بسبب هذه اللقاءات بين الرجال وبين النساء، فلم يبح الله لطبيب أن يخلو بممرضة، ولا لمدرس أن يخلو بطالبة، ولا لسائق أن يخلو بربة بيت ولا بامرأة، ولا لرجل أن يخلو بخادمة في بيته، ولا لمدير أن يخلو بسكرتيرة، كل هذا محرم، قال النبي ﵊: (ألا لا يخلون رجل بامرأة فإن ثالثهما الشيطان).
فجدير بك -يا عبد الله- أن تحرص على نفسك غاية الحرص من هذه الفتنة، فجريمة واحدة من هذه الجرائم، وفعلة واحدة تنكد عليك دنياك، وتنكد عليك أُخراك، قال النبي ﵊ قال: (وما فعل قوم الفاحشة إلا ظهرت فيهم الأوجاع التي لم تكن في الأمم من قبلهم) فالحذر الحذر -أيها الناس- من هذه الفتنة الكبرى، ومن مقدماتها، قال تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:٣٢].
стр. 101
حرمة سفر المرأة بدون محرم
نهى النبي ﵊ المرأة عن السفر بدون محرم، لماذا نهى النبي ﷺ المرأة عن السفر بلا محرم؟ منعاً من وقوعها في هذه الفاحشة، فالمرأة بجبلتها ناقصة الدين، وناقصة العقل، تخدع من المكرة، فمن ثم قال ﵊: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلا ومعها محرم).
стр. 102
حرمة تطيب المرأة عند خروجها
وكذلك نهى النبي ﵊ المرأة عن التطيب عند خروجها، حتى لا تجذب إليها أنظار الرجال، قال ﵊: (أيما امرأة خرجت من بيتها متطيبة فمرت بقوم ليجدوا ريحها فهي زانية)، والزنا مراتب كما لا يخفى عليكم، قال ﵊: (أيما امرأة شهدت معنا العشاء الآخرة، فلا تمسن طيباً، ولا تمسن بخوراً) كل ذلك حتى لا تجذب إليها الرجال، وقال تعالى: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١].
стр. 103
التفريق بين الأولاد في المضاجع
وأمر نبيكم محمد ﵊ كذلك بالتفريق في المضاجع داخل البيوت، فلا تترك ابنتك المراهقة الشابة متبذلة في ثيابها أمام إخوانها الذين قد امتلئوا فحولة، وتتركهم ينامون في فراش واحد، قال النبي ﵊: (علموا أولادكم الصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع)، هكذا أدبكم نبيكم محمد عليه أفضل صلاة وأتم تسليم، فالتمسوا سنته، واقتفوا أثره، واهتدوا بهديه، عسى الله سبحانه أن يلحقكم به في أعلى جنة الخلد التي أُعدت للمتقين.
стр. 104
حرمة النظر إلى النساء
جاء في شريعتنا تحريم كل سبيل يؤدي إلى هذه الفاحشة، سدت كل الذرائع التي توصل إلى هذه الفاحشة، ابتداءً من النظر إذ قال ربنا سبحانه: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور:٣٠ - ٣١]، فجاء تحريم النظر المحرم الذي يئول بصاحبه إلى هذه الفاحشة، وسواء كان النظر إلى أجساد العاريات، أو كان النظر إلى المجلات الساقطة الهابطة التي تنشر صور العرايا من النساء، مهيجة للناس على فعل الفواحش كما قال ربنا: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٢٧].
فالنظر إلى الصور العارية في المجلات، وكذلك إلى المناظر العارية في أجهزة الإعلام من تلفاز وإنترنت وفيديوهات كل ذلك محرم، النظر إلى المناظر العارية المهيجة للشهوات والمعينة على الفسق والفجور كل ذلك محرم وممنوع، وكذلك ما يفعله شرار الشباب الفساق الذين يتجولون على المحلات التي تبيع ملابس النساء الداخلية، فينظرون إلى قمصان النساء ويتغزلون فيها، فكل ذلك من النظر المحرم، إذ كان يثير الشهوات ويشجع عليها، وكذلك النظر إلى المردان الذي يئول إلى فعل الفواحش بهم ومعهم، كل ذلك حرمه جمهور العلماء؛ صيانة للإنسان، ودرءاً لهذه الفتنة العظمى والبلية الكبرى بلية الزنا، التي تفسد على الشخص حياته وتنكد عليه معيشته.
فأول سبيل يؤدي إلى الفاحشة النظر، ولذا حرمه الله سبحانه بالآيات التي سمعتم، وقد سُئل نبيكم محمد ﵊ عن نظر الفجأة، فقال ﷺ : (اصرف بصرك)، وأخرج الطبراني بإسناد فيه كلام أن النبي ﵊ قال: (النظرة سهم مسموم من سهام إبليس من تركها مخافة الله أبدله الله إيماناً يجد حلاوته في قلبه)، فهذا السبيل الأول، وهو النظر المحرم، وقد حرمه الله علينا درءاً لهذه الفتنة، ودرءاً لهذه البلية.
стр. 105
وسائل الوقاية من فاحشة الزنا
فمن السبل الواقية من هذه الفاحشة الكبرى، بل من أعظم السبل على الإطلاق للوقاية منها:
стр. 106
مراقبة الله
مراقبة الله ، وقد قال ربكم سبحانه: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٩] فراقبوا الله، واعلموا وأنتم تنظرون هذه النظرات المحرمة أن الله سبحانه يعلم خائنة الأعين، ويعلم كذلك ما تكنه الصدور وما تعلن، فرأس الأمر مراقبة الله سبحانه، والخوف من عقابه جل وعلا، هذا رأس النجاة.
стр. 107
الزواج
ثم إن هناك سبيلاً آخر علمنا إياه وذكرنا به نبينا محمد ﵊، قال ﵊: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء)، وكذلك عليك بالاستعفاف قال الله سبحانه: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٣]، فرغبنا نبينا في الزواج دفعاً لهذه الفتنة العظمى، فإذا لم تجد من المال ما تتزوج به بكراً فتزوج ولو بثيب، امرأة مات عنها زوجها وترك لها أطفالاً وبُنيات صغيرات، عندها أثاث، وعندها بيت، لا تسأل إلا بعلاً يسترها، فتقدم لمثل هذه وتعفف بها، فإن نبيك محمداً ﵊ سيد ولد آدم تزوج أول ما تزوج خديجة بنت خويلد ﵂، وهي تكبره بخمسة عشر عاماً وهي ثيب، وكانت من أحب نسائه إليه، ولما كان يكثر من ذكرها عاتبته عائشة في ذلك غيرة، فقال ﵊ (إني رُزقت حبها) مع أنها كانت ثيباً وأكبر منه سناً.
فإذا لم تستطع أن تتزوج ببكر فتزوج بثيب وتعفف بها، واكفل أيتامها، قال النبي ﵊: (أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة، وفرق بين أصبعيه)، وكذلك قال: (الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، أو كالصائم الذي لا يفطر، وكالقائم الذي لا يفتر) هكذا قال ﵊، لا تنتظر سنة كاملة متأخراً عن الزواج من أجل أن تجهز غرفة للسفرة، كل -يا عبد الله- على الأرض، وعجل بالبناء قبل سنة، كل على الأرض ولا يلزمك أن تؤجل عاماً من أجل أن تشتري بعض الكراسي وسفرة تأكل عليها، فكن عاقلاً وكن ذكياً في صنعك.
كذلك لا تنتظر عامين آخرين حتى تجهز غرفة نوم كبرى، ولكن نم على الميسور، وإذا وسع الله عليك فوسع على نفسك، ووسع على أهل بيتك، فنبيك محمد كان ينام على الحصير حتى يؤثر الحصير في جنبه، إن نبي الله موسى ﵇ آجر نفسه ثمانية أعوام، بل أتم أكمل الأجلين وأفضل الأجلين عشر سنوات أجيراً من أجل عفة فرجه، صلى الله عليه وعلى نبينا وسلم.
فبادروا إلى التعفف يا عباد الله! فيا دعاة الإسلام! كونوا من ذوي الغيرة على الأعراض، وكونوا من ذوي الغيرة على النساء، لا يسمح أحدكم لامرأته ولا لابنته أن تخرج مختلطة تزاحم في المواصلات، متبرجة ينظر إليها القاصي والداني، يا دعاة الإصلاح! من منكم يرضى أن تزني أخته؟ من منكم يرضى أن ينظر الشباب الشرير المفسد إلى أخته نظرة بها أذى وبها مكروه؟ فعفوا عن نساء الناس تعف نساؤكم، ويعف الأجانب عن بناتكم.
стр. 108
التحذير من مكر العابثين بالأعراض
أيها العباد! أيها المسلمون! في هذه الأزمان صار الذئاب يفترسون الفتاة، ولا يرضون بافتراسها مرة، بل مرات ومرات متعددة، تكثر شكاوى النساء التائبات، فتيات كن غاويات في بعض أزمانهن، فعبث بهن عابث، وارتكب معهن الفاحشة مرتكب، ثم صورها على هذه الحال، وسجل كلامها وهي على تلك الحال من الفحش، ثم لما تابت إذا هو يطاردها وإذا هو يهددها، إما أن تمكنه ثانية من نفسها وإلا نشر الأشرطة، ونشر الصور، ونشر المناظر التي جرت بينه وبينها، فتذعن المرأة وتنتكس مرات ومرات والمعصومات من عصمهن الله.
فجدير بكل فتاة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تتقي الله في نفسها، وأن تحذر أشد الحذر من هؤلاء الذئاب الذي لا يرقبون فيها إلاً ولا ذمة، جدير بكم أن تحذروا أخواتكم ونسائكم من هؤلاء الذئاب، الذئاب الذين يتلطفون في الحديث في الهواتف، كأنهم الحملان، يتلطفون في الحديث مع النساء في الهواتف إلى أن يوقعوا النساء في الحبائل والأشراك، ثم بعد ذلك لا يرقبون في الفتاة إلاً ولا ذمة.
стр. 109
مسئولية أولياء الأمور تجاه نسائهم وبناتهم
فيا عباد الله! اتقوا الله في أنفسكم، اتقوا الله في بناتكم، ما معنى أن تخرج ابنتك قد لبست فستاناً وحسرته من المنتصف حتى قارب عورتها؟ ما معنى هذا إلا الدعوة إلى الفحش، ما معنى أن تخرج ابنتك وقد لبست ملابس ضيقة؟! ولم تكتف بضيقها بل شقتها من أسفل كي يرى الناس عورتها والعياذ بالله، فمن منكم يرضى لابنته أن تكون هكذا؟ إن أهل الشر والفساد سُئلوا سؤالاً: لماذا تصممون الأزياء مفتوحة من الخلف ولا تصممونها مفتوحة من الأمام؟ ليس السؤال سؤال إنكار إنما السؤال سؤال استفسار، قالوا: إنهم جربوا شق الثوب من الخلف فوجدوه أكثر إثارة من شق الثوب من الأمام، فلذلك شقوا ثوب المرأة من الخلف.
وصنعوا عطوراً خاصة بالنساء كي تجذب الرجال إليهن، وصدق الهل إذ يقول: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٢٧].
فإذا كان هناك دعاة للشر، فكونوا من أئمة الخير ومن الدعاة إليه، وإذا كان ثم دعاة إلى الفحش وإلى الرذائل، فهذه سنة لله جرت في الخلق أن يكون من العباد دعاة للشر والفساد، وفي المقابل دعاة للعفة والطهر والطهارة قال ربنا سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن:٢]، فأهل الشر يريدون بكم وبنسائكم الشر، ولا يبرحون من نشر شرهم، ومن نشر فسادهم، بل يعكفون آناء الليل وأطراف النهار للتحضير لإفسادكم، ولإفساد نسائكم، ولنشر الدعارة والفسق والفجور.
فكونوا -يا عباد الله- من ذوي الشهامات، ومن ذوي الكرامات، ومن ذوي الغيرة على أنفسكم وعلى بناتكم، ولكم جميعاً لقاء عند الله سبحانه يحاسبكم على ما قصرتم وعلى ما فرطتم، فقبل أن يأتي يوم تقول فيه نفس: ﴿يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزمر:٥٦ - ٥٧] قبل هذا فانتبهوا لأنفسكم وانتبهوا لبناتكم، (فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته).
لا تترك ابنتك تقرأ المسرحيات، ولا تقرأ الصحف الداعية إلى الفسق وإلى الفجور، لا تترك ابنتك ساعات الليل والنهار تنظر إلى الأفلام الخليعة المهيجة للفواحش، لا تترك ابنتك مع خاطبها الذي خطبها ولم يعقد عليها بعد.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 110
صفات عباد الرحمن
لعباد الرحمن صفات بينها الله في كتابه العزيز، فهم يتعاملون مع ربهم بحفظ حدوده وطاعة أوامره، كما يتعاملون مع عباد الله بالتواضع ولين الجانب، ولا يقترفون ما يذهب بحقوق العباد من شهادة زور وغيرها، وإذا أتوا معصية أو إثماً فسرعان ما يرجعون ويتوبون إلى الله ، وقد وعد الله من اتصف بهذه الصفات بالغرفات في جنات النعيم.
следующие страницы →