← Джавами‘

Джавами‘ · id 7694

دروس للشيخ مصطفى العدوي

مصطفى العدوي

Полный текст (802 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

مشروعية المشي والركوب في القدوم للحج وأثناء أداء مناسكه ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج:٢٧] الأذان: الإعلام. ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ [الحج:٢٧] أي: على أرجلهم. ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج:٢٧] الضامر: هو الجمل الذي أتى هزيلاً متعباً مرهقاً من طول وعناء ومشقة السفر، فالجمل أو الفرس إذا مشي هذه المسافات الطويلة ووصل إلى بيت الله الحرام من مسافات شاسعة أصبح ضعيفاً وضامراً وهزيلاً، فيقال: ضمر الشيء: إذا انكمش ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج:٢٧]. قوله : ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ [الحج:٢٧] فيه جواز الحج ماشيا ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [الحج:٢٧] فيه جواز الحج راكباً، وقد ركب النبي ﷺ ، وحمل بعض الصحابة حتى على إبل الصدقة، وكان ﵊ من عرفات إلى مزدلفة قد أردف الفضل بن عباس وأسامة بن زيد خلفه ﷺ ، فدل ذلك على أنه ﵊ كان راكباً، فلك أن تركب ولك أن تمشي، وإذا أرهقت أو أرهقت والدتك، أو أرهق أخوك أو أرهق أبوك فللمرهق أن يطوف بالبيت راكباً. اشتكت أم سلمة إلى رسول الله ﷺ فأمرها أن تطوف بالبيت راكبة، وليس هذا بناقص في الأجر، فإن العبد إذا مرض أو سافر كتب له من الأجر ما كان يعمل وهو صحيح مقيم، فلك أن تطوف إذا تعبت أو أرهقت وأنت محمول على الأكتاف، لحديث أم سلمة أن النبي ﷺ رخص لها أن تطوف بالبيت وهي راكبة، ولك أيضاً أن تسعى بين الصفا والمروة وأنت راكب. وإذا قدر عليك وجئت إلى عرفات بعد غروب الشمس فلا بأس بحجك أيضاً، فإن النبي ﷺ قال لـ عروة بن مضرس لما وصل إليه وقال: يا رسول الله! أكللت نفسي وأتعبت راحلتي، وما تركت حبلاً إلا وقفت عليه حتى أدرك معكم الصلاة بمزدلفة. صلاة الفجر فقال ﵊: (من صلى معنا الغداة بجمع) أي: الفجر بمزدلفة (وكان قبل ذلك وقف ساعة من ليل أو نهار بعرفات فقد أتم نسكه وقضى تفثه) أو كما قال ﵊، فإذا وقفت أي ساعة من ليل أو نهار بعرفات فحجك صحيح والحمد لله. قال الله سبحانه: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [الحج:٢٧] ففي ذلك جواز الحج راكباً وماشياً، وقد فعل النبي ﷺ كل ذلك. ومن مشى لعدم استطاعته الإنفاق على الركوب، فكما قال الرسول ﷺ لـ عائشة: (أجرك على قدر نصبك) وبالنسبة للنساء فقد قال الرسول ﷺ : (جهادكن الحج والعمرة) وذلك لما قالت عائشة رضي الله: (نرى الجهاد أفضل الأعمال أفلا نجاهد؟ قال: لكن جهاد لا قتال فيه حج مبرور) فالحج مشقة على النساء لكنه جهادهن كما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه. ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج:٢٧] والفج الطريق، ومنه قول الرسول ﷺ : (وكل فجاج منىً ومكة طريق ومنحر) يعني أن لك أن تذبح في أي مكان في منىً أو في مكة. ﴿يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج:٢٧] أي: طريق بعيد.

стр. 492

تفسير قوله تعالى: (ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله) ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج:٢٨] استدل بها العلماء على مشروعية التجارة في الموسم فإخواننا الذين يذهبون للحج ويتاجرون أيضاً لا بأس بتجارتهم في الحج لهذه الآية الكريمة ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج:٢٨] فإذا تاجرت في الحج فبعت واشتريت فلا بأس، ما لم يشب البيع والشراء كذب ولا غش ولا رفث، فالبيع المبرور من أطيب الأرزاق. قال الله سبحانه ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج:٢٨] الأيام المعلومات هي: العشر الأول من ذي الحجة، والأيام المعدودات في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة:٢٠٣] هي: الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجة، وتسمى أيام التشريق، قال فيها الرسول ﷺ : (أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله .

стр. 493

الكف عن الشعر والظفر لمن أراد أن يضحي أما الأيام المعلومات فهي: العشر الأول من ذي الحجة، وقد قال النبي ﷺ : (إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يضحي، فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئاً) فإذا كنت تريد أن تضحي في العيد فلا يشرع لك أن تأخذ من شعرك ولا من أظفارك شيئاً. هذا الامتناع يبدأ من دخول أول ليلة من ليالي ذي الحجة، (إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئاً). وهل هذا النهي للتنزيه أو للتحريم؟ ذهب كثير من أهل العلم إلى أنه للتنزيه، واستدل الإمام الشافعي رحمه الله تعالى على الجواز بأن أم المؤمنين عائشة قالت: (كنت أفتل قلائد النبي ﷺ فيرسل بها من المدينة إلى مكة ولا يحرم عليه شيء مما يحرم على المحرم) وهذه سنة ما رأينا أحداً أبداً من أهل بلادنا ولا سمعنا أنه فعلها، ما هي هذه السنة؟ يسن للموسر الذي لا يستطيع الحج أن يرسل هدياً إلى مكة. فقولها: (كنت أفتل قلائد النبي ﷺ بيدي ثم يرسل بها من المدينة إلى مكة ولا يحرم عليه شيء مما يحرم على المحرم)، استدل الإمام الشافعي رحمه تعالى بهذا الحديث من قولها: (لا يحرم عليه شيء مما يحرم على المحرم) أنه يحل له أن يأخذ من شعره وأظفاره، مع أنه سيضحي ﵊. لكن هذا الاستنباط الذي استنبطه الإمام الشافعي ليس صريحاً كتلكم الصراحة الموجودة في قوله ﵊: (إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئاً) هذا أصرح في النهي، ولكن الأمر عند كثير من أهل العلم على أن الكراهة للتنزيه، لأنه الأضحية ليست بواجبة من أصلها، إنما هي مستحبة على ما سيأتي بيانه إن شاء الله. وأما بالنسبة للسنة المهجورة فإنه يسن للموسر أن يرسل هدياً إلى مكة إن لم يذهب إلى الحج، أعني أنه إذا وسع الله عليك فأرسل هدياً أو هديين أو ثلاثة على قدر استطاعتك مع الذاهب إلى الحج، ليذبحها لك هناك وأنت مأجور ومثاب إن شاء الله، هذه سنة ثابتة عن رسول الله ﵊.

стр. 494

لا تصح الأضحية إلا إذا كانت من بهيمة الأنعام قال سبحانه: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج:٢٨] في هذا رد على ابن حزم الذي زعم أنه يجوز للرجل أن يضحي بديك، وورد أثر ضعيف الإسناد عن بلال ﵁ وهو الذي ركب عليه قول العامة: مؤذنٌ ضَحَّى بمؤذنٍ. وهذا لا يثبت عن بلال رضي الله تعالى عنه. قال الله سبحانه: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج:٢٨] والأنعام ثمانية قال الله سبحانه: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر:٦] وقال سبحانه في الآية الأخرى: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام:١٤٣] ﴿وَمِنَ الإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام:١٤٤] الآيات. فعلى ذلك يؤخذ أيضاً كما قدمنا أنه يجوز لك أن تضحي بالأنثى، لأنها داخلة في الأنعام، وسيأتي مزيد لذلك في باب الأضحية قريباً إن شاء الله. ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج:٢٨] أخذ العلماء من هذه الآية استحباب الأكل من الأضحية استحباب الأكل من دم التمتع أو من الهدي بصفة عامة؛ لأن الله قال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج:٢٨] وثبت أن النبي ﵊ لما نحر هديه وكانت مائة من الإبل، أمر بقطعة من كل واحدة منها فوضعها في قدر وأكل منها الرسول ﵊ وشرب من مرقها، فهذه السنة وهذه الآية فيها دليل على استحباب الأكل من الهدي. والذي يضع ماله في بنك كبنك الراجحي وغيره من البنوك، هو من باب التوكيل في الذبح وذلك جائز، لأن النبي ﵊ نحر ثلاثاً وستين، وأعطى علياً فنحر الباقي لرسول الله ﷺ . فالتوكيل في الهدي جائز، لكن الأفضل أن تذبح أنت بيديك إن استطعت وكنت تعرف، فإن النبي كان ينحر بيديه ﷺ ، ويستحب لك أن تأكل منها كذلك، فقد أكل منها رسول الله ﷺ ، لكن إن لم تستطع فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج:٢٩] قضاء التفث المراد به: إزالة الأوساخ التي علقت بالبدن، ويدخل فيه قص الأظفار وحلق الشعر ونتف الأبط وحلق العانة ونحو ذلك. ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج:٢٩] أي: التي كانوا قد نذروها من قبل، فمنهم من نذر أن يحج، ومنهم من نذر أن يذبح، ومنهم من نذر أن يطوف، ومنهم من نذر أن يصلي في الحرم، ومنهم من نذر أن يصلي أي صلاة كانت هناك ما دامت مباحة. ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٩] والعتيق هو القديم. كما قال ابن مسعود في بعض السور الطوال: إنهن من العتاق الأول، إنهن من تلادي، أي: من قديم حفظي.

стр. 495

تفسير قوله تعالى: (ذلك ومن يعظم حرمات الله) قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج:٣٠] الرقيب عليك في تعظيم حرمات الله هو الله سبحانه، فمن الذي يدري هل أنت أهديت أم لم تهد؟ هل رميت الجمرات أم لم ترم؟ هل عظمت حرمة مكة أم لم تعظمها؟ فلمكة حرمة. فعلى كل الحجيج أن ينتبهوا إلى هذه الحرمة، الذنوب في مكة تتضاعف، والله يقول في الحرم ككل، وللمعلومية الحرم يشمل مكة بكاملها ويشمل منى أيضاً، فمنى من الحرم، ويشمل أيضاً جزءً من مزدلفة، فكل هذه تنسحب عليها أحكام الحرم، والله يقول: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج:٢٥] قال الرسول ﷺ في شأن مكة: (لا يقطع شجرها، ولا يعضد شوكها، ولا تلتقط لقطتها). ومعنى: (ولا يقطع شجرها، ولا ينفر صيدها) أي: لا يجوز لك أن تفزع حمامة أمامك وتطيرها، ولا يجوز لك أن تقتل الصيد في الحرم، جرادة موجودة لا يجوز لك أن تقتلها حمامة موجودة لا يجوز لك أن تقتلها شجرة موجودة لا يجوز لك أن تقطع منها ورقة وتعبث بها، هكذا قال الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فلمكة حرمة يجب أن تراعى، لو وجدت أموالاً في الطريق، فإما أن تتركها، أو تأخذها وتسلمها للأمانات، ليس لك أن تلتقط لقطة مكة أبداً، ففيها تشديد من رسول الله ﷺ . والمدينة كمكة في هذا الشأن قال ﵊: (اللهم إن إبراهيم حرم مكة، وإني أحرم المدينة ما بين لابتيها كما حرم إبراهيم ﷺ مكة) الحديث. قال الله : ﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج:٣٠]. الرجس: يطلق على النجس، والأوثان نجسة، لكن ليست نجاسة حسية وإنما هي نجاسة معنوية. والزور: يطلق على الشرك، ويطلق على شهادات الزور، وهو عام، وقد علمتم أن الزور من أكبر الكبائر (ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت).

стр. 496

أفضلية الحلق على التقصير عند التحلل ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢]. والتقوى: هناك تظهر واضحة في شخص خُيّر بين الحلق والتقصير، فيجد شعره جميلاً يقول: لو أحلق سيكون شكلي قبيحاً، وآخر يبادر بالطاعة وصدره منشرح جداً أنه سيضحي بهذا الشعر ويزيله لله سبحانه، ويغنم بحديث النبي ﷺ (رحم الله المحلقين. قالوا: والمقصرين يا رسول الله. قال: رحم الله المحلقين. قالوا: والمقصرين يا رسول الله. قال: رحم الله المحلقين. قالوا: والمقصرين يا رسول الله. قال: والمقصرين) في الرابعة جبراً لخاطرهم، والله قدم الحلق في كتابه الكريم. وتجد الناس عند التحلل على صنفين: - صنف منهم مقبل على الله ويؤدي العمل على ما يريده منه ربه سبحانه فيبادر بالحلق واختيار الأفضل تماماً. - وقسم يكتفي بإزالة جزء من الشعر بمقص، وهذا لا يجزئ إنما الذي يجزئ تعميم الشعر إما بالحلق وإما بالتقصير، إلا في حق النساء فقط، فيقصصن من شعورهن قدر أنملة، كما ورد عن الصحابيات رضي الله تعالى عنهن. أيضاً تجد تقوى الله ظاهرة عند قوم أثناء الذبيحة، فالبعض يشتري أرخص ذبيحة يأتي بها كي يذبحها، والثاني يذهب فيأخذ أحسن ذبيحة ويتقرب بها إلى الله ، ويعلم أن ما يفعله من خير فلن يكفره والله عليم بالمتقين، ويعلم أن من يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره.

стр. 497

عظم ذنب من أشرك بالله في حرم الله ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ﴾ [الحج:٣١]: حنفاء عن الشرك مائلين إلى الله، فمعنى: (حنفاء): مائلين عن الشرك. والحنيف: هو المائل. وجاء المثل عند العرب: والله لولا حنف في رجله ما كان في صبيانكم من مثله، تعني رجله معوجة قليلاً لكنه ذكي ولبيب، فالأطفال يسخرون منه، والنساء يسخرن منه فقالت امرأته: والله لولا حنف في رجله ما كان في صبيانكم من مثله. فالشاهد أن الحنيف: هو المائل عن الشرك المتجه إلى التوحيد. ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ [الحج:٣١] وخاصة في مواسم الحج، فإنه لا يليق بك أن تتجه لغير الله، وعجباً من قوم يقولون: مدد يا بدوي. ويذهبون للحج، يقولون: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، وهم يشركون بالله، ويتخذون البدوي معيناً وممداً لهم، وبعضهم يقول: مدد يا حسين، لذلك تكررت الآيات التي تنهى عن الشرك في ثنايا أبواب الحج. فكذاب أشر الذي يقول: لبيك لا شريك لك لبيك، وفي نفس الوقت يقول: مدد يا بدوي ومدد يا حسن ومدد يا حسين ويا حسين اشف لي ولدي إلى غير ذلك، هل كان الخليل إبراهيم يقول: يا بدوي اشف لي ولدي، كلا بل قال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ [الشعراء:٨٠ - ٨١]. ومصير المشرك ما ذكره الله تعالى: ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣١] كما قال الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما في المسند بإسناد صحيح من حديث البراء بن عازب ﵁، وذكر احتضار العبد الكافر، (تنزل إليه ملائكة سود الوجوه، يأتونه ويأخذون روحه ويصعدون بها إلى السماء، ويخرج منها كأنتن ريح جيفة عرفت على وجه الأرض، فلا يمرون بملأ من أهل السماء إلا قالوا: ما هذه الروح الخبيثة، فيقولون: روح فلان ابن فلان. بأقبح أسمائه، فيصعدون بها إلى السماء الدنيا فيستفتحون، فلا تفتح له أبواب السماء، فتسقط تلك الروح من السماء إلى الأرض السابعة السفلى، ثم تلا ﵊: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣١]). ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢] وشعائر الله بصفة عامة هي: أعمال الدين الظاهرة كما قدمنا، فرمي الجمار من شعائر الله، والصلاة من شعائر الله، واللحية من شعائر الله، والسعي بين الصفا والمروة من شعائر الله، والطواف بالبيت من شعائر الله، وكل أعلام الدين الظاهرة تكون من شعائر الله، والنحر من شعائر الله، والذبح من شعائر الله، والحلق من شعائر الله، والتقصير من شعائر الله.

стр. 498

تفسير قوله تعالى: (ذلك ومن يعظم شعائر الله) قال الله في كتابه الكريم: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ * لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ * وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج:٣٢ - ٣٤] والمنسك لأهل الإسلام، قال كثير من العلماء: إنه الذبح الذي يذبح بمكة أو بمنى. ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا﴾ [الحج:٣٤] أيضاً قوله سبحانه عن قريب ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ﴾ [الحج:٣٠] وقوله : ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الحج:٣١] وقوله : ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الحج:٣٤] كلها تمنع من اتخاذ الشريك لله في هذا المنسك الذي هو الحج، فلا ينبغي لك أبداً أن تأتي كبير الشرك ولا صغيره. فلا تذهب إلى منىً أو إلى عرفات وتلتقط صورة لنفسك، أو تلتقط المرأة صورة مع رجل، وترجع ترائي بها الناس، أن حججت أنا وفلان وفلان، فالحج لابد أن تخلص فيه الأعمال كلها لله ، فغير لائق بالحاج على الإطلاق أن يذهب فيتصور على الصخرات في عرفات في مكان يباهي الله الملائكة بالحجيج ويقول: انظروا إلى عبادي هؤلاء أتوني شعثاً غبراً، أشهدكم أني قد غفرت لهم، فلا يليق بك أن تجمع بين كبيرة التصوير، وبين الرياء الذي هو أحد ضروب الشرك، والذي هو الشرك الأصغر كما قال الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال الله : ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ * لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ * وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ [الحج:٣٢ - ٣٤] الطائعون الخائفين الوجلين الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم أي خافت قلوبهم وارتعدت قلوبهم ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ * الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج:٣٤ - ٣٦] البدن: هي الإبل. ومن العلماء من يطلقها على الإبل والبقر ويقول: البدنة يدخل في تعريفها الناقة ويدخل في تعريفها أيضاً البقرة، لكن استظهر كثير من العلماء أن البدنة خاصة بالناقة أو الجمل؛ لأن النبي ﷺ قال: (من راح في الساعة الأولى يوم الجمعة فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة).

стр. 499

تفسير قوله تعالى: (والبدن جعلناها لكم) ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج:٣٦] أي: عند نحرها حين تنحر وهي صواف، أي: قائمة معقولة الرجل اليسرى، تقف على ثلاث أرجل والرجل اليسرى يضم ساقها منها إلى فخذها وتنحر، أي: تطعن في منطقة اتصال الرقبة بسائر الجسم، فهذه هي صفة نحر البدن. ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج:٣٦] أي: قائمة معقولة الرجل اليسرى. ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج:٣٦] وجبت أي: سقطت جنوبها على الأرض. ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الحج:٣٦] كم يَطْعم منها ذابحها؟ وكم يُطْعِم منها الفقراء والمساكين؟ لم يرد في هذا تحديد عن رسول الله ﷺ ، بل الأمر على التوسعة والإباحة، وأما تقسيمها إلى ثلاث أجزاء فليس فيه خبر ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا﴾ [الحج:٣٧] لن ينال الله شيء من هذه اللحوم ولا من هذه الدماء، إنما ليعلم من منكم التقي ومن منكم المعظم لحرمات الله، ومن منكم الموقر لحرمات الله، وكذلك قال: ﴿وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الحج:٣٧]. ولأن الحاج يشرع له أيضاً إن كان مستطيعاً أن يضحي، فالأضحية لا تسقط بالسفر، وهي بصفة عامة مشروعة للمقيمين أو للمسافرين. أما الهدي فالأمر فيه أيسر؛ لأن الله قال في شأن الهدي: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:١٩٦]، لكن الأضاحي لها شروط لابد أن تفعل، ولابد أن تراعى هذه الشروط، وإلا كانت ذبيحتك أو شاتك شاة لحم كما قال الرسول ﷺ ، وهنا تكمل فائدة العلم بسنة الرسول ﵊، فقد تذهب وتشتري بقرة وتشتري جملاً وتشتري كبشاً وتضحي وليس لك ثواب المضحي أبداً، فعليك أن تتعلم ما هي شروط الأضحية التي تجزئ عنك. وقد ورد أن صحابياً جاء يخبر النبي ﵊ أنه ضحى، لكن الرسول ﵊ قال له: (شاتك شاة لحم) أي: ليس لك فيها أجر المضحي، فعليك أن تتعلم ما هي الشروط اللازمة في الأضاحي حتى تفعل أعمالك وتكون على بينة. هذا والأضحية مشروعة ومستحبة عند جماهير العلماء، وشاهدها من كتاب الله قول الله جل ذكره: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:٢] قال جمهور المفسرين: أي: صل لربك وانحر لربك، فكما لا تصلي إلا لربك فلا تنحر إلا لَهُ، والمراد بالنحر هنا الذبح بعد الصلاة، فهذا دليل مشروعيتها من الكتاب العزيز. ومن السنة (ضحى النبي ﷺ بكبشين أقرنين أملحين موجوئين) والأملح: هو الأسود المختلط بالبياض، والذي غلب بياضه على سواده، لكن يجوز لك أن تضحي بأي لون من الألوان، ومن أهل العلم من قال: الأملح: هو الأبيض بصفة عامة.

стр. 500

شروط الأضحية الأضحية من السنن التي رغب فيها الشرع وحث عليها، فجدير بمن وسع الله عليه أن يتقرب إلى الله بهذا النسك، ولابد أن يعلم أن للأضحية شروطاً قد بينها النبي ﷺ ينبغي مراعاتها حتى يقبل هذا النسك.

стр. 501

فضيلة الأشهر الحرم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد: فإن أشهر الحرم قال الله فيها: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة:٣٦]، والأشهر الحرم فسرها نبينا محمد ﷺ بقوله: (ثلاث متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، وشهر الله المحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان)، فلا ينبغي أن نظلم في هذه الأشهر أنفسنا؛ فإن الإثم فيها أعظم من الإثم في غيرها، والذنب في هذه الأيام أعظم من الذنب في غيرها، دل على ذلك قوله تعالى في الآية السالفة الذكر، وقول الرسول ﵊ لأصحابه في مكة يوم النحر: (أتدرون أي شهر هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم -مع معرفتهم بالشهر- قال: أليس بذي الحجة؟ أليس بالشهر الحرام؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال: أي بلد هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: أليست البلدة؟ قالوا: بلى قال: أي يوم هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: أليس بيوم النحر؟ قالوا: بلى، فقال ﵊: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذه، ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد، ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد، ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد، ثم قال ﵊: ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب؛ فرب مبلغ أوعى من سامع) وقال ﵊: (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض) فلهذه الأشهر حرمة، فجدير بكل مسلم أن يحافظ على لسانه الذي طالما جال في الأعراض، وليحافظ على يده التي طالما امتدت إلى المآثم، وليحافظ على بصره الذي ذهب يمنة ويسرة طول العام، فليحافظ الشخص على سمعه، وعلى بصره، وعلى يديه ورجليه، وعلى قلبه في هذه الأشهر، فالذنب فيها أكبر والإثم فيها أعظم، وليحرص على عمل الخير من صدقة وصلة وبر وعيادة للمرضى وصيام وصلاة، إلى غير ذلك من أنواع البر في هذه الأيام، فالأجور فيها أعظم، كما أن الآثام فيها أعظم، فجدير بكل مسلم ألا يحرم نفسه من الخير في هذه الأيام.

стр. 502

الأضحية وشروطها في شهر ذي الحجة يكون الناس على مشارف يوم النحر الذي تجهز الأضاحي له، فجدير بكل من وسع الله عليه أن يبدأ في تجهيز أضحيته التي يقدر عليها، لكن بالشروط التي بينها رسولنا محمد ﵊، فقد قال ﵊: (لا تذبحوا إلا مسنة، إلا أن يعسر عليكم -أي: إذا أعسر عليكم- فاذبحوا جذعة من الضأن)، والحديث في صحيح مسلم، وإن كان بعض المعاصرين انتقدوه بما لا وجه له. والمسنة: هي الثني من كل شيء، فهي الثني من المعز، والثني من البقر، والثني من الإبل. أما الثني من المعز أو من الضأن فما بلغ سنة ودخل في الثانية. وأما الثني من البقر فما أتم سنتين ودخل في الثالثة. وأما الثني من الإبل فما بلغ خمس سنوات ودخل في السنة السادسة. وأما الجذع من الضأن الذي رخص فيه رسولنا محمد ﵊ لمن لم يجد المسنة فمن العلماء من قيده بسنة، ومنهم من قال: ستة أشهر فما زاد. فعلى ذلك لا يجوز لك أن تذبح بقرة أو ثوراً أضحيته وهو دون العامين، ولا يجوز لك أن تذبح جملاً دون خمس سنوات أضحية لك، ولا يجوز لك أن تذبح من المعز ما عمره أقل من السنة، فإنك إن فعلت فطعامك لحم وليس من النسك في شيء، إنما النسك أن يكون على ما وصف رسولنا محمد ﵊: (لا تذبحوا إلا مسنة)، وكما أسلفنا فالمسنة: هي الثني من كل شيء، فهذا قول محمد عليه أفضل صلاة وأتم تسليم. ويجب أن تتقى العوراء البين عورها، والعرجاء البين عرجها، والمريضة البين مرضها، والعيوب المشهورة الكبيرة التي يطبق الناس على أنها عيب، والكبيرة التي لا تنقي. أي: ضعيفة.

стр. 503

فضيلة الأضحية قال الله : ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:٢]، فكما أن الصلاة يتقرب العبد بها إلى ربه فكذلك النحر يتقرب به العبد إلى ربه، فإذا اشتريت لحماً وأكلت لحماً في هذا اليوم فلحمك إنما هو طعام ليس من النسك في شيء. ولذلك إذا جاء شخص يستفتي ويسأل ويقول: هل لي أن أشتري لحماً إن كان هذا اللحم الذي سأشتريه أكثر وأعظم من لحم الشاة التي تذبح عقيقة أو ستذبح أضحية نقول له: لحمك إنما هو طعام ليس لك فيه شيء إلا أجر الإطعام، وليس لك فيه أجر القربة إلى الله، فالذبح في حد ذاته قربه يتقرب بها العبد إلى ربه، وقد قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣] فالنسك هو الذبح على رأي جمهور أهل العلم، فيجب أن يكون الاستهلال لله، فإذا أهللت لله تثاب، كما أن الذي يهل لغير الله يأثم، فذات الذبح والتقرب به إلى الله فيه أجر، أما شراء اللحم فليس فيه كبير أجر، ولذلك ينصح إخواننا الذين لم يوسع الله سبحانه عليهم، والذين قدر الله عليهم في أرزاقهم أن يشتركوا سبعة في بقرة فيقتسمونها، فلهم في ذلك أجر أفضل من أجر الشراء من الجزار، فهذا هدي نبينا محمد ﵊. وجدير بنا أن نلفت النظر أيضاً إلى سنة أخرى لمن لم يوفقوا للحج، ولمن لم يستطيعوا الحج وحيل بينهم وبينه وثم أقارب أو جيران لهم سيحجون، وهذه سنة هجرت وأغفلت، وقد كان رسولنا محمد ﵊ يفعل ذلك عندما كان لا يحج، فقد حيل بينه وبين الحج ﵊ فقلد بدنه وأرسل هديه كي يذبح بمكة، فهذه سنة غفل عنها الناس، ألا وهي أن من لم يستطع الذهاب إلى الحج فله أن يعطي رجلاً يذبح عنه هدياً في مكة، وذلك لأن سوق الهدي الآن من المشقة بمكان، فتجوز حينئذٍ الوكالة فيه، فيجوز لرجل يريد التقرب إلى الله أن يعطي جاراً له من الحجيج ما يهدي به عنه، أو يوكله في الشراء والذبح عنه بمنى أو بمكة فكل فجاج منى ومكة منحر كما قال رسولنا محمد ﵊، فهذه سنة خفيت على كثيرين، ولا نكاد نرى من يفعلها إلا غبرات من النساء كبيرات السن اللواتي يرسلن ببعض الحبوب لحمام الحرم بزعمهن أن في هذا قربة إلى الله، ولهن ما نوين، لكن السنة في ذلك إرسال الهدي، وقد كان الرسول ﵊ في زمنه -إذا كان ذلك ميسراً- يشعر البدن ويقلد الهدي ويرسله مع الزائرين إلى مكة. ثم ليطلب المحروم من الحج من ربه سبحانه أن يكتب له ثواب هذا الحج، فالأعمال إن لم تنل بالأبدان تنال بالنيات، فقد قال النبي ﵊: (إن بالمدينة أقواماً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا شاركوكم الأجر، حبسهم العذر)، وقد قال الشاعر: يا قاصدين إلى البيت الحرام لقد سرتم جسوماً وسرنا نحن أرواحا إلى أن قال: فمن سار بروحه فقد راحا فتمنوا من ربكم أن يكتب لكم الأجور بكونكم حيل بينكم وبين ذلك، وقد قال نبينا محمد ﵊: (من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه) اللهم يا ربنا يا سميع الدعاء: احشرنا مع نبينا محمد سيد ولد آدم في أعلى جنة الخلد التي أعدت للمتقين، وارزقنا أخلاقاً كأخلاق نبينا محمد ﵊، واجعلنا يا ربنا في عداد المحسنين السابقين إلى الخيرات.

стр. 504

عام قد مضى لقد جعل الله تعالى الليل والنهار والشمس والقمر آيات لتذكر العباد بما هم صائرون إليه، ولم يجعل الله الدنيا نهاراً سرمداً أو ليلاً سرمداً لأمرين: أحدهما: لئلا يسأم العبد من هذا النمط الواحد، والأمر الثاني: للعظة والعبرة، وليتذكر الإنسان برحيل الليل والنهار انقضاء عمره وتصرم أيامه، ورحيله عن الدنيا ومفارقته لها، فالمرء ما هو إلا أيام، وإذا مضى بعضه أوشك أن يمضي كله.

стр. 505

مشاهد من يوم القيامة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. وبعد: فإن الله بين لنا أمر الآخرة خير بيان، وصوره الله خير تصوير؛ حتى نعلم على ماذا سنقدم، وقد ذكّرنا ربنا بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر:١٨]، وذلك أيضاً حتى نتزود له بخير زاد، وقد قال تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة:١٩٧]، وقال في كتابه الكريم: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام:٢٧ - ٢٨]، ذكرنا الله ببعض مواقف الآخرة، فقال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾ [الأنعام:٢٧]، من هم هؤلاء المعنيون بقوله تعالى: ﴿إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾ [الأنعام:٢٧]؟ من العلماء من يقول: إنهم الكفار. ومنهم من يقول: إنهم أهل النفاق، لو ترى منظرهم إذ وقفوا على النار لرأيت منظراً بشعاً، لرأيت شيئاً مهولاً وهم وقوف على النار، وما المراد بوقوفهم على النار كذلك؟ من العلماء من قال: وقوفهم على النار وقوفهم على حافتها ينظرون إليها قبل أن يقتحموها. ومنهم من قال: وقوفهم على النار أثناء مرورهم على الصراط، فليس ثم جنة إلا بعد المرور على الصراط، فالكل يمر على الصراط كما قال النبي ﷺ ، وبجنبتي الصراط يقف الأنبياء والمرسلون يقولون: رب سلم سلم، فيمر الناس على الصراط كلهم مؤمنهم وكافرهم، أما الكافر فيسقط، والمؤمن ينجو. والصراط: هو جسر جهنم. ومن العلماء من قال: وقفوا على الصراط والنار تحتهم. ومنهم من قال: وقفوا على النار قبل اقتحامها، فماذا يقولون؟ ﴿فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام:٢٧]، ولو ترى إذ وقفوا على النار لرأيت مناظر لم تخطر لك على بال، وهذا المعنى أيضاً موجود في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام:٣٠] أي: إذا رأيت حالاً من الذلة والانكسار لا تتصور ولا تتخيل، فإذا وقف الشخص يكلم ربه، فكما قال نبينا محمد ﷺ : (ما منكم من أحد إلا وسيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر عن يمنيه فلا يرى إلا النار، وينظر عن شماله فلا يرى إلا النار، وينظر عن أمامه فلا يرى إلا ما قد قدم، فليتق أحدكم النار ولو بشق تمرة). فالنار تحيط بالشخص من كل الجوانب، إلا الذين ﵏ ، وهذا المعنى موجود أيضاً في قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾ [الأنعام:٩٣]، لو تصورت هذا المنظر، ماذا فيه؟ قال: ﴿وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ﴾ [الأنعام:٩٣] أي: بالضرب، يضربون المحتضر من الأمام ومن الخلف، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [الأنفال:٥٠]، لو رأيت هذا المنظر لعملت لذلك أعمالاً، وللذت إلى ربك ، ولرجعت إليه كل الرجوع: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [الأنفال:٥٠]، لو رأيت هذا المنظر لعملت لذلك أعمالاً، لانزعجت منه غاية الانزعاج، وهو كائن وإن كنت لا تراه، قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ﴾ [الأنعام:٢٧] إلى دنيانا ﴿وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام:٢٧]، قال تعالى: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنعام:٢٨]، ظهرت حقائقهم التي كانوا يخفونها، ظهر أيضاً وجه نفاقهم الذي كانوا ينافقون به، فقد كذبوا في الدنيا، وأضلوا الناس عن طريق الله ، فظهرت الحقائق يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق:٩]، ظهرت الحقائق على الألسنة، كما قال النبي ﷺ : (يقال للعبد يوم القيامة: عملت كذا وكذا، فيقول: ما عملت شيئاً، فيختم على فِيهِ، فتنطق أركانه بالذي صدر منه وأحدثه، فيقول لهن: سحقاً لكن وبعداً فعنكن كنت أناضل)، أي: عنكن كنت أدافع. وكذلك قال فريق من أهل العلم: يظهر للمستضعفين غِش السادة والكبراء، الذين كانوا يغشونهم، فالسادة والكبراء كانوا يعمون على الناس حقائق الأمور، فيظهرها الله يوم القيامة: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام:٢٨]، وهذا يبين إِحكام الكفر في هؤلاء الكفار، فبعد أن أطلعهم الله على النار، ورأوا ما فيها من صور العذاب، تمنوا أن يعودوا إلى الدنيا ليعملوا أعمالاً صالحة، ولكن قال ربنا مبيناً استحكام الكفر في هؤلاء: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام:٢٨]، أي: لو ردوا في دنياهم لقالوا: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [الأنعام:٢٩]، هذا قولهم في دنياهم ينكرون البعث، كما قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس:٧٨ - ٧٩]، قال الله سبحانه: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ * قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً﴾، فالساعة تأتي بغتة معشر الإخوة، وليس ثم تفريق بين شيخ ضاعن في السن، ولا بين شاب ولا بين طفل: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا﴾ أي: يا حسرة، تعالي وحلي، فهذا أوانك وهذا مقامك وهذا منزلك، ﴿قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾، تأتي يوم القيامة كل نفس تحمل أثقالاً وذنوباً على ظهورها (وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [الأنعام:٣١]، ألا بئست هذه الأحمال! ألا بئست هذه الأثقال! ألا بئست هذه الأوزار التي تُحمل على الظهور: ﴿أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾، ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ يا محمد! نحن نعرف ونسمع ونرى ما تصاب به من الأذى، نحن نعلم الذي يحل بك، وأن هذا يضايقك ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ * وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا﴾ أي: فلتكن لك فيهم أسوة حسنة ﴿فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ * وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ﴾ أي: شق عليك وعظم تكذيبهم ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ﴾ أي: فافعل ولن تستطيع، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأنعام:٣٥].

стр. 506

إنك لا تهدي من أحببت وقفةٌ مع هذه الآية الأخيرة: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأنعام:٣٥]، آيةٌ من الآيات التي تؤصل الإيمان بالقدر، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾. فلتعلم يا محمد! ولتعلموا يا عموم البشر! أن أمر الهداية ليس بموكول إليكم، إنما هو إلى الله سبحانه، وأن أمر القلوب ليس بموكول إليكم، إنما هو إلى الله ، فمن ثم لا تذهب أنفسكم حسرات على من أضلهم الله، وعلى من أغواهم الله ، فإن ذهاب النفس حسرات على المبتعدين عن طريق الله نوع من أنواع الجهل، ونوع من أنواع عدم العلم بالله، ونوعٌ من أنواع التخبط، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، قال الله لنوح ﵊ إذ أخذته الشفقة على ولده فقال وقد رأى ولده يغرق أمام عينيه قال: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود:٤٥ - ٤٧]، ففيه جواز الاستدارك بعد الدعاء، فإذا دعوت ربك بدعوة رأيت أن بها خللاً وأنها لا تجوز، جاز لك أن تضرب عنها، وأن تسأل ربك سبحانه عدم تحققها، ولذلك أدلة، فإذا دعت أمٌ على ولدها ثم ندمت، فتعقب ذلك بدعاء آخر ألا يستجيب الله دعوتها، فهذا إبراهيم الخليل دعا ربه بالمغفرة لأبيه ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة:١١٤]، ولما دعت الأم لولدها أن يكون مثل الفارس: (اللهم اجعل ابني مثل هذا، قال الولد: اللهم لا تجعلني مثله)، فيجوز لك أن تعقب الدعوة التي لم ترها سديدة بدعوةٍ أخرى. نرجع إلى ما كنا بصدده: ألا وهو أن أمر الهداية بيد الله سبحانه، وليس بأيدينا، قال تعالى: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٣]، وقال الله سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس:١٠٠]، فإذا علمت هذا فلا ينبغي أن تذهب نفسك حسرات على أحدٍ من الناس، لا على ولدٍ، ولا على زوجٍ، ولا على أخٍ، ولا على أب، ولا على صديق، فإنا وإن حزنا لعصيان من عصى، فينبغي ألا يتمادى بنا حزننا إلى أن نجهل، وأن نتدخل في أمر الله، فلعقولنا طاقة، وربنا هو الذي أحاط بكل شيء علماً، والله أعلم بالمهتدين، وأعلم بمن يستحق الغواية فيغوى، ويعلم من يستحق الهداية فيهديه سبحانه، فلا تذهب أنفسنا حسرات على ابتعاد من ابتعد، وعلى ردة من ارتد، وعلى شرود من شرد، فلله الأمر من قبل ولله الأمر من بعد، إننا قد نحكم على أمر من الأمور بحكم فيما ظهر لنا وبدا، ويكون في الأمر ووراء الأمر ما هو أعظم من ذلك، وما هو بخلاف ذلك.

стр. 507

إنما الأعمال بالخواتيم إن أصحاب النبي ﷺ رأوا رجلاً يقاتل معهم ضد الكفار أشد القتال، وظاهره أنه صحابي من صحابة رسول الله، رأوه يقاتل الكفار قتالا أشد القتال، فأعجبوا به أيما إعجاب، وجاء بعضهم إلى النبي ﵊ يقول: يا رسول الله! ما أجدى اليوم منا أحد كما أجدى فلان، فقال نبينا محمد ﵊: (هو من أهل النار)، فشق ذلك على الصحابة وكبر عليهم، فالرجل يقاتل والرجل يجاهد، والرجل شجاع وجريء، فتبعه أحد الصحابة فرآه يقاتل العدو أشد القتال، ثم ما لبث أن طُعن، فما صبر على الطعنة فوضع مقبض سيفه في الأرض وذبابه بين ثدييه، ثم تحامل عليه حتى قتل نفسه، فجاء الرجل إلى الرسول، فقال: يا رسول الله! الرجل الذي أخبرت أنه من أهل النار فعل كذا وكذا، فقال رسول الله ﷺ : (الله أكبر! أشهد أني رسول الله، إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها). لذلك معشر الإخوة! ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٩]، فاعلموا وأيقنوا أن المهتدي من هداه الله، وأن الغوي من أغوي، أغواه الله -والعياذ بالله-، ثم لا ينبغي أن تتحسر النفس على أحد، ولا أن تتقطع حسرات على أحد، قال تعالى لنبيه محمد ﵊: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأنعام:٣٥]، فالله قادر على هداية الخلق أجمعين، ولكن شاء الله وقدر أن يخلق الناس مختلفة طبائعهم، مختلفة أفكارهم، مختلفة أخلاقهم، فترى من الناس التقي الورع الذي يرى ذنبه وكأنه جبل يوشك أن يسقط عليه، وترى من الناس الغوي الفاجر الذي يقترف الكبائر، وكأنها ذباب وقع على وجهه فهشه فطار. ترى من الناس الرجل الوفي الكريم، والرجل الماكر اللئيم ترى من الناس الرجل الشحيح البخيل، والرجل السخي الكريم، خصالٌ أنعم الله بها على العباد، وخصالٌ تخلق بها أقوام من أهل الفجور، خصالٌ وخصال، وتأتي تخلص إنساناً من خصلة، فلا تستطيع بحال من الأحوال، تريد أن تجعل البخيل كريماً، فلا تستطيع معه بحال، وإن أعطاك شيئاً أو أعطى آخر شيئاً فهو أشق عليه من أن يقطع جزءٌ من جسمه. شخصٌ آخر تأتي تعلمه المزاح أو المداعبات وهو لا يفقه أنواع المزاح ولا أنواع المداعبات، ويقلب الفرح هماً ونكداً وغماً خصالٌ اختلف بها خلق الله، إذ جبلهم الله سبحانه جبلات، ولا تملك لهم شيئاً إلا إذا حولهم الله وإذا غيرهم الله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ * إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [الأنعام:٣٥ - ٣٦]، هكذا قال تعالى: ﴿وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ الموتى الذين تفرقت أجسادهم، وبليت أجسامهم، يبعثهم الله، ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾، فاعملوا للقاء الله، وانظروا ماذا قدمتم لغدٍ.

стр. 508

وصايا متفرقة في نهاية العام وما دام هذا العام قد انصرم فلننظر ماذا قدمنا في عام قد انقرض، في عام هذا ختامه؟ كم قمنا لله في ليل؟ كم تصدقنا من صدقة؟ كم أدينا من زكاة؟ هل اعتمرنا؟ هل حججنا؟ هل أصلحنا بين الناس؟ هل وصلنا الأرحام؟ فكل هذه أسئلة ينبغي أن يطرحها كل منا على نفسه، قبل أن يطرحها الله عليه ويسأله في يوم الدين: هل وصلت رحمك؟ كم صليت لله من ركعات؟ هل طهرت قلبك من غش المسلمين؟ فيجب علينا أن نراجع أنفسنا في ختام هذا العام الذي كاد أن ينصرم. انظروا إلى السيئات وقدموا لها توبةً واستغفاراً، وانظروا إلى الأرحام التي قد قطعت وعاهدوا الله على الوصل بعد هذا القطع الطويل، انظروا إلى الشح الذي قد صدر منكم، وعاهدوا الله على البذل وعلى العطاء، اعفوا عن الناس ليعفَو الله عنكم، فهو يحب الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس ويحب أهل الإحسان.

стр. 509

الإكثار من الدعاء بالثبات حتى الممات وقد كان نبينا محمد ﷺ يكثر من الدعاء فيقول: (اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك)، وكان أهل الإيمان يقولون: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران:٨]، فيا عباد الله! سلوا الله الثبات على الإيمان حتى الممات، وسلوا الله التوفيق للعمل الصالح، فالموفق من وفقه الله، والمسدد من سدده الله، ثم سلوا الله سبحانه لأنفسكم ولعموم المؤمنين المغفرة من الذنوب، فعمموا في دعواتكم بعد التخصيص، خصوا أنفسكم، وخصوا أهليكم بالدعاء، ثم عمموا الدعاء لسائر المؤمنين والمؤمنات كما كان الأنبياء يفعلون، قال نوح: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾ [نوح:٢٨]، فبدأ بنفسه: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ ثم بوالديه ﴿وَلِوَالِدَيَّ﴾، ثم بأصدقائه: أتباعه وأقاربه: ﴿وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا﴾، ثم عمم فقال: ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾. وهكذا أيضاً ملائكة الرحمن يقولون كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [غافر:٧]، ثم يقولون: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُم﴾ [غافر:٨] وليسوا هم فقط، بل ﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [غافر:٨]، وكذلك يأمر ربنا نبيه ﵊ فيقول: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد:١٩]، وكذلك يقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠]. فإذا دعوت بدعوة فعمم بعد التخصيص، ففي تعميمك دعاءٌ بظاهر الغيب لإخوانك، والنبي ﷺ يقول: (ما من مسلم يدعو لأخيه بظهر الغيب إلا وعنده ملكٌ موكل يقول: آمين ولك بمثل)، فإذا سألت الله أن يصرف عنك المرض، وعن أبنائك وعن إخوانك، فسل الله أن يصرفه عن عموم المؤمنين، وإذا سألت الله أن يفرج عنك الكرب، فسل الله أن يفرج أيضاً عن كل مكروب من المسلمين، وهكذا فاغنم أنت أجر الدعاء بظهر الغيب، ويقيض الله سبحانه لك بعد موتك، بل وفي حياتك من يدعو لك بظهر الغيب، كما دعوت أنت لأهل الإسلام، واستغفروا لذنوبكم، ولذنوب المسلمين والمسلمات، استغفروا الله لأنفسكم، ولآبائكم ولأمهاتكم، فماذا عساه أن يغنم منك أبوك بعد موتك، إلا مقولة منك: اللهم اغفر لأبي، اللهم اغفر لي ولوالدي. فيا عبد الله! عمم بعد التخصيص، اللهم اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم، ربنا اغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات يا رب العالمين! اللهم ارحم أمواتنا وأموات المسلمين يا رب العالمين، ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حلمته على الذين من قبلنا، ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به، واعف عنا واغفر لنا وارحمنا، أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين. اللهم خذ بيد كل ضال من شباب المسلمين، وفتيات المسلمين، ورجال المسلمين، ونساء المسلمين يا رب العالمين! خذ بأيدينا وأيديهم جميعاً إلى البر والتقوى، ووفقنا لما ترضى من العمل. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 510

رحيل العام يذكر برحيلنا من الدنيا عباد الله! كما انقضى عامكم فستنقضي أعماركم، كما انقضت أيامكم ستنقضي دنياكم، وحينئذٍ تنظر نفسٌ ما قدمت لغد، وحينئذٍ تندم على التفريط في جنب الله، قائلة: ﴿يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ [الزمر:٥٦] قائلة: ﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزمر:٥٧]، فقفوا مع أنفسكم وقفات وراجعوها وحاسبوها أشد الحساب حاسبوها على النظرات، حاسبوها على الصلوات، حاسبوها وسلوها كم قمت أيتها النفس في عامك المنصرم من ليلة تتقربين فيها إلى الله؟ كم تجافت الجنوب عن المضاجع؟ سلوا النفس أسئلة وحاسبوها حساباً، قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله، قبل أن يأتي يوم تقول فيه الأنفس: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام:٢٧]، قبل أن يأتي هذا اليوم وأمركم بأيديكم، فحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واستغفروا ربكم إنه كان غفاراً.

стр. 511

وجوب التوبة من جميع الذنوب والمعاصي احفظوا هذه الجوارح، فأنتم ستسألون عنها يوم القيامة، يقول الله: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦]، فأنت مسئولٌ عن سمعك وعن بصرك وعن فؤادك كذلك، فسوف تسأل عن سمعك، فقد قال النبي ﵊: (من تسمع إلى قوم وهم له كارهون صُبّ في أذنيه الآنك يوم القيامة)، والآنك: هو الرصاص المنصهر، والبصر أنت مسئولٌ عنه كذلك، ومن ثم جاءت أوامر الله لنا بغض البصر، قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ قل يا محمد، لمن تبعك وصدقك، فأتباعك هم محل الخطاب، وهم الذين يندفعون للتذكير، ماذا تقول لهم؟ ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ هكذا أمر الله نبيه أن يأمرنا بهذا الأمر، ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى﴾ أي: أطهر لهم، ﴿ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور:٣٠]، هكذا أمر الله نبيه محمداً أن يأمرنا بغض البصر، وقال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٩]، وخائنة الأعين: هي النظرة الحرام إلى المرأة أو الأمرد وإن لم يعلمها البشر، فإن ربك سبحانه يعملها، وقد سئل النبي ﵊ عن نظر الفجاءة، فقال: (اصرف بصرك)، وقال: (إنما جعل الاستئذان من أجل البصر)، وفي حديث في إسناده نوع كلام علي بن أبي طالب وقد حسنه فريق من أهل العلم: (يا علي! لا تتبع النظر النظرة، فإنما لك الأولى، وليست لك الآخرة)، أي: النظرة التي تصدر منك عفواً لست بمؤاخذ عليها، إنما النظرة التي تتعمدها فأنت عليها محاسب ومسئولٌ أمام الله، وقد أحسن الشاعر إذ قال: كل الحوادث مبداها من النظر ومعظم النار من مستصغر الشرر كم من نظرة فتكت في قلب صاحبها فتك السهام بلا قوس ولا وتر وقال الآخر: يا رامياً بسهام اللحظ مجتهدا أنت القتيل بما ترمي فلا تصب وقال أيضاً: ترجو الشفاء بأحداق بها عطب فهل سمعت ببرء جاء من عطب

стр. 512

تحريم النظر إلى ما حرم الله وعواقبه فلا تتصور وأنت تنظر إلى المحرم أن هذه النظرة ستريح قلبك؛ بل ستدمره، وستفتك به أيما فتك، قد يزينها لك الشيطان، فتنظر راجياً الراحة بنظرة محرمة، والأمر على العكس مما تصورت وتوهمت، فالنظرة المحرمة تفتك بقلبك، وتعصف به، وتدمره. فيا عباد الله! أيها المؤمنون! أيتها المؤمنات! هذا أمر الله لنا جميعا: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور:٣٠]، أيها المؤمنون! قال الله سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب:٥٣]، لماذا السؤال؟ حتى لا ترى ببصرك وجه امرأةٍ وجسم امرأة فتفتن به: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٣]، وقال تعالى أيضاً: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور:٣١]، ولماذا قُدّم الأمر بغض البصر على الأمر بحفظ الفرج مع أن حفظ الفرج أعظم من غض البصر؟ قال العلماء: لأن البصر بريد للزنا -والعياذ بالله- فجدير بكل مسلم أن يمتثل أمر ربه، وقد قال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ [النور:٣١]، توبوا إلى الله من هذا الذنب الذي لا يكاد أن يفارقه أحد. معشر الإخوة! ما زلتم في الأشهر الحرم لم تنقض ولم تنصرم، وإن كاد ذو الحجة أن ينقضي، فأنتم على مشارف شهر الله المحرم، الذي قال فيه النبي ﵊: (أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم)، فوطنوا أنفسكم، بالإكثار من الصوم في هذا الشهر الكريم، ولا تستصغروا أوامر ربكم، فإن ربكم يجازيكم على عملكم خير الجزاء، يأتي لكم بالموسم تلو الموسم حتى تغنموا الخيرات، وحتى تخرجوا من دنياكم بسلامٍ وأمان، سالمين آمنين مطمئنين، حتى لا تتخذوا حياتكم ودينكم لعباً ولهواً، تأتيكم مواسم الخير وكي يغتنمها العقلاء كي يغتنمها الفضلاء، موسم بعد موسم، فيوافوا ربهم بأعمال بر وأعمال خير، تكون سبباً في نجاتهم وفي مرورهم على الصراط آمنين إلى جنات النعيم. فأنتم على مشارف شهر الله المحرم فاغتنموه بالصيام وبأعمال البر فيه، ويا عباد الله! كما أن الأعوام تنقضي فالدنيا ستنقضي كذلك، فأكثروا من عمل الخيرات وتزودوا بخير زاد، وهو زاد التقوى، وسلوا الله أن يرحمكم وأن يسددكم، فالمسدد من سدده الله، وسلوا الله دائماً أن يثبت قلوبكم على الإيمان، فالمثبت من ثبته الله.

стр. 513

عام هجري جديد ذكرى هجرة الحبيب ﵊ لها مدلولات في حياة الفرد المسلم، والجماعة المسلمة، ولابد من أخذ العبر والدروس من هذا الحدث الذي غير مجرى التاريخ، للاستفادة منها في واقعنا الحاضر الذي لن يصلح إلا بما صلح به شأن أول هذه الأمة.

стр. 514

التذكير بالتوبة والاستغفار بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. وبعد: فقد ختم بالأمس معشر الإخوة عام قد مضى وانصرم، وبدأنا اليوم في عام جديد، وكما قال الشاعر: تمر بنا الأيام تترى وإنما نساق إلى الآجال والعين تنظر فليس بعائد ذاك الشباب الذي مضى وليس بزائل هذا المشيب المكدر وكما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت:٦٤]، مضى هذا العام وانصرم، وفقدنا فيه من فقدنا من إخواننا والأعزة علينا، ومن المصلين معنا ومن غير المصلين كذلك قد ماتوا، ولا ندري هل يأتي علينا عام جديد أم نكون قد وسدنا التراب؟ فالله الله في أعمالكم، قال نبيكم محمد ﷺ : (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة، والفراغ). من المعلوم معشر الإخوة أن الأعمال عند خواتيمها يراعى فيها الله، وابتداءً فالأعمال لا تخلو من خير أو شر، فالخير يرجى له القبول، والشر يستلزم الاستغفار، عامكم قد مضى وانصرم، وقد حوى ما حوى من حسنات أو سيئات، فالحسنات يرجى لها القبول، فما ندري هل تقبلها الله ، أما أنها تلف وتلقى في وجه صاحبها كما يلقى الثوب الخَلِق.

стр. 515

الإكثار من الاستغفار كان أهل الفضل والصلاح يعملون أعمالاً صالحة ويسألون الله قبولها، فها هو الخليل إبراهيم ﵇ مع ولده إسماعيل يرفعان القواعد من البيت ويقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة:١٢٧]، يبنيان الكعبة، وأي بناء أفضل من بناء الكعبة؟ يرفعان القواعد من البيت ومع رفعهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة:١٢٧]. ونبينا محمد ﷺ ، يذبح متقرباً إلى الله بذبيحته وبأضحيته ويقول مع ذبحه: (باسم الله، اللهم تقبل من محمد، ومن آل محمد، ومن أمة محمد)، بل وأهل الإيمان عموماً كما قال تعالى: (الَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون:٦٠] وفي حديث حسنه بعض أهل العلم الفضلاء، أن عائشة سألت النبي صلى الله عيه وسلم عن قوله تعالى: ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون:٦٠] قالت: (يا رسول الله! هذه الآية في قوم يسرقون ويزنون ويخافون العقاب؟ قال: لا يا بنت الصديق، إنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف ألا يقبل منه). فلزاماً علينا معشر الإخوة، أن نسأل الله أن يتقبل منا كل عمل صالح، فقد تكون الأعمال قد شيبت بالرياء، والرياء يدمرها، قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣] وقال سبحانه في الحديث القدسي: (من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه)، وقال نبينا محمد ﵊: (يقول الله ﵎ إذا جاء الناس بأعمالهم يوم القيامة: اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم من جزاء؟) فتذهب الأعمال سدى ويذهب الجهد سدى، قال تعالى في شأن أقوام: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف:١٠٣ - ١٠٤]. فكم من مجاهد تسعر به النار أول من تسعر! وكم من متصدق تسعر به النار أول من تسعر! وكم من عالم وطالب للعلم تسعر بهم النار أول ما تسعر -والعياذ بالله- كل ذلك إذا ابتغي بالعمل غير وجه الله . فلزاماً أن تسألوا ربكم ﵎ القبول، قبول الصلوات، قبول الزكوات، قبول الأعمال، فإن الله قال: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٢٧]، وأمام ركام السيئات، وجبال الخطايا لابد وأن تقدموا لها استغفاراً يليق بها. ولا يزكي أحدنا نفسه؛ لأن من شأن أهل الفضل والصلاح احتقار النفس في ذات الله والاستغفار، فإذا كان الأنبياء هذه حالهم، آدم ﵇ وزوجه يقولان: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣] ونوح أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض يقول: ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود:٤٧]، وإبراهيم ﵊ يقول: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء:٨٢]، وموسى الكليم يقول: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ [القصص:١٦]، وداود ﵇: ﴿وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص:٢٤]، وسليمان: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص:٣٥]. نبينا ﷺ يقول عن نفسه: (إنه يغان على قلبي فأستغفر الله في اليوم مائة مرة)، وفي حديث آخر: (يا أيها الناس توبوا إلى الله واستغفروه فإني أستغفر الله في اليوم مائة مرة) ثم يعلم أصحابه ذلك، يقول أبو بكر: يا رسول الله علمني دعاءً أدعو به في صلاتي، قال النبي ﵊ لهذا الصديق: (يا أبا بكر قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم). ثم إن ربكم يناشدكم جميعاً أن ترجعوا إليه: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١] ثم إن الله يذكرنا فيقول: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء:٦٤] ويقول في آية ترق لها القلوب: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء:٢٧] ويقول أيضاً: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:١٩٩]. فيا معشر الإخوة! استجيبوا لربكم إذ أمركم بالاستغفار، إذ ينزل إلى السماء الدنيا إذا كان الثلث الأخير من الليل فيقول: (هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من سائل فأعطيه؟ هل من داعٍ فأجيبه؟) ماذا بعد ذلك؟ ماذا تريدون من ربكم سبحانه، الكريم الحليم الغفور الرحيم؟ وينادي في الثلث الأخير: من ذا الذي يستغفرني فأغفر له؟ من ذا الذي يسألني فأعطيه؟ من ذا الذي يدعوني فأجيبه؟

стр. 516

دعوة إلى التوبة وعدم القنوط من رحمة الله فيا معشر الإخوة! قدموا استغفاراً طويلاً لأعمالكم، ولا تيئسن أحد من رحمة الله مهما قدم وأسرف، قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣] وقال الخليل إبراهيم ﷺ : ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر:٥٦]، وقال حفيده يعقوب ﵇: ﴿إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧]، فلا تيئسوا أبداً من رحمة الله، مهما قدمتم، فللتوبة باب مفتوح لا يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها كما قال النبي ﵊. واعلموا أن ربكم يفرح برجوعكم إليه كما قال ﵊ وأقسم على ذلك: (والله لله أفرح بتوبة عبده من رجل كانت معه راحلته في أرض فلاة، عليها زاده وطعامه وشرابه، فأضل راحلته وعليها الزاد والطعام والشراب فبحث عنها فلم يجدها، فلما يئس من رجوعها، نام مستسلماً للموت، واضعاً خده على يده، ينتظر الموت، فأفاق من نومه فإذا براحلته عند رأسه، فقال من شدة فرحه: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح) فربنا أفرح برجوع عبده إليه من هذا الذي أضل راحلته ثم وجدها. فلا ييئسن أحد من رحمة الله، ولا يقنطن أحد من رحمة الله، قال الشيطان لله : (وعزتك يا ربي لا أبرح أغوي العباد مادامت الأرواح فيهم، قال تعالى: وعزتي لا أبراح أغفر لهم ما استغفروني). فلا ينبغي أن تقنط ولا أن تيئس أبداً من رحمة الله، ولا أن تقنط غيرك ولا أن تُيئسه من رحمة الله، قال رسول الله ﷺ : (كان في بني إسرائيل رجلان متآخان، وكان أحدهما مسرفاً على نفسه والآخر عابداً، فكان العابد لا يرى المسرف على ذنب إلا ويذكره: اتق الله، دع ما تصنع، لا يحل لك، وفي يوم قال له هذه المقولة وقد رآه على ذنب، فقال المسرف على نفسه: يا هذا خل بيني وبين ربي ، أبعثت عليَّ رقيباً؟ فقال هذا العابد والله لا يغفر الله لك، قال تعالى: من ذا الذي يتألى عليَّ أن لا أغفر لفلان، اذهب فقد غفرت له وأحبطت عملك) فحبط عمل العابد إذ تألى على الله وأقسم أن الله لا يغفر لفلان. بل والنبي ﷺ قال له ربه: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران:١٢٨]. فلا تقنطوا أحداً من رحمة الله، ولا يخفى على أحد حديث قاتل التسعة والتسعين، سأل عن أعلم أهل الأرض، فدُل على راهب فأتاه، وقال له: إنه قتل تسعة وتسعين نفساً، فهل له من توبة؟ قال: لا، فقتله فأتم به المائة، وهذا من سوء الفقه، من خطأ العبادة بلا علم وبلا فقه، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض، فدُل على عالم فأتاه، قال له: إني قتلت مائة نفس، فهل لي من توبة؟ قال: سبحان الله، ومن الذي يحول بينك وبينها؟ ولكن اترك أرضك -أرض السوء- واذهب إلى أرض كذا وكذا، ففيها قوم من أهل الصلاح يعبدون الله فاعبد الله معهم، ففعل ما أُمر به، ولكن مات في نصف الطريق. فحضرته ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فاختصموا في أمره، قالت ملائكة الرحمة: رجل أقبل بقلبه إلى الله تائباً، قالت ملائكة العذاب: رجل قتل مائة نفس ولم يعمل خيراً، فاختصموا فيه، فأوحى الله إليهم أن يتحاكموا إلى أول من مر بهم، فأرسل الله إليهم ملكاً، فقال: قيسوا ما بين الأرضين، فإلى أيتهما كان أقرب فهو من أهلها، فقاسوا ما بين الأرضين، وكان من قدرة الله أن الرجل نأى بصدره إلى أرض أهل الصلاح قيد شبر، فوجدوه أقرب إلى أرض الصلاح بشبر، فتلقته ملائكة الرحمة. فلا ينبغي أن ييئس أحدٌ من رحمة الله، ولا أن يُيئس شخصاً من رحمة الله، في الصحيح أن الصحابي الملقب بـ حمار، هذا الصحابي كان يكثر من شرب الخمر، فيؤتى به فيجلد، ثم يعود فيؤتى به فيجلد، حتى قال بعض الصحابة: لعنك الله ما أكثر ما يؤتى بك، قال ﵊: (لا تلعنوه فإنه ما علمت يحب الله ورسوله) وفي بعض الروايات: (لا تكونوا عوناً للشيطان على إخوانكم).

стр. 517

الحذر من مكر الله فيا معشر الإخوة! لا تيئسوا من رحمة الله، ولا تقنطوا أحداً من رحمة الله، وفي ذات الوقت لا تستهينوا بمحارم الله، فقد يظن ظان أنه بإسلامه يغفر له كل شيء، ورب العزة يقول: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الحجر:٤٩] ﴿وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ﴾ [الحجر:٥٠] ويقول: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [غافر:٣]. وفي حديث النبي ﵊: (دخلت امرأة النار في هرة حبستها لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت) وفي الحديث الآخر: (أن رجلاً كان يخدم النبي ﷺ ، فخرج مع النبي في غزوة من الغزوات، فأتاه سهم فقتله، فقال الصحابة: هنيئاً له الشهادة في سبيل الله، قال ﵊: (كلا والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من المغانم لتشتعل عليه ناراً). فكما أن الشخص لا ييئس من رحمة الله، فعليه أيضاً ألا يغتر بسعة عفو الله ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٩] ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأنعام:١٥] هكذا قال ربنا في كتابه الكريم، ولسنا بخير من أصحاب نبينا محمد ﵊، فلما عصوا نبيهم يوم أحد، حل بهم من البلاء والنكد ما لا يخفى: شج رأس نبيهم محمد ﵊، وكسرت رباعيته ﵊، وقتل عمه حمزة، وبقرت بطنه واستخرجت الكبد ولاكتها امرأة بأسنانها. لسنا بخير من نبي الله يونس، كان داعياً إلى الله ﵊، وكان نبياً كريماً يدعو إلى ربه ﵎، فلم يجبه قومه، فخرج من البلدة مغاضباً عن غير أمر الله له، قال تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧] وفي الآية الأخرى: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ [الذاريات:٤٠] وفي الثالثة: ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات:١٤٣] * ﴿لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات:١٤٤]. وأبونا آدم قبل كل هذا، ما الذي أخرجه من الجنة؟ ما الذي تسبب في نزع اللباس عنه، بعد أن كان مكسواً ومستوراً، وبعد أن كان منعماً في الجنة يأتيه من كل صنوف النعيم فيها؟ ما الذي كان سبباً في تعريته، ونزع اللباس والثياب عنه، وعن زوجته كما قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف:٢٧]؟ ما الذي تسبب في هذا العري حتى جعل آدم على عورته ورقاً من أوراق الجنة؟ إنه ذنب عصى فيه ربه، ألا وهو: ﴿لا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة:٣٥]، فاقترب منها آدم وزوجته ﵉.

стр. 518

المعاصي سبب زوال النعم فتأكدوا وأيقنوا يا أولي الألباب، أن الذي يبدل النعم ويحيلها إلى نقم هو العصيان والتمرد عن أمر الله، قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا * فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا﴾ [الطلاق:٨ - ٩]، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَي أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ * ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سبأ:١٥ - ١٧]. وغير هؤلاء: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا * وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا * وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا * وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ [الفرقان:٣٧ - ٤٠]. وغير هؤلاء: ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ * فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت:٣٩ - ٤٠]. فاعقلوا هذه المعاني معشر الإخوة، قدموا استغفاراً وتوبة وإنابة، ولا تنسوا التحلل من المظالم، فالمظالم لا يكفيها الاستغفار بل لابد وأن تؤدى إلى أهلها، (لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء)، ويقول ﵊: (من كانت له عند أخيه مظلمة فليتحلل منه اليوم قبل ألا يكون دينار ولا درهم، إنما هي الحسنات والسيئات). ويقول ﵊: (إذا خلص المؤمنون من النار حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار، فيتقاصون مظالم كانت بينهم في الدنيا).

стр. 519

ذكرى هجرة المصطفى ﵊ هاجر النبي ﷺ من مكة في مثل هذا اليوم، بعد أن لقي من البلاء ما لقي، وبعد أن ناله من العذاب ما قد ناله ﷺ ، وقبل ذلك كان الأذى قد امتد إلى أصحابه وبلغ بهم مبلغاً شديداً، فأذن لهم بالهجرة، فاتجه بعضهم إلى الحبشة. وكان ممن اتجه إلى الحبشة بعد الأذى الشديد الذي لا يطاق ولا يكاد يصبر عليه، جعفر بن أبي طالب وعثمان بن عفان ﵃، في طائفة كبيرة من أصحاب النبي ﵊.

стр. 520

الإعداد للهجرة ثم إن النبي ﵊ كان قد قال لأصحابه: (إني أُريت دار هجرتكم، وإنها أرض ذات نخل وأراها اليمامة أو هجر) هجر: التي هي الآن في بلاد السعودية، فما كانت اليمامة ولا هجر بل كانت المدينة، ثم إن الصحابة بدءوا في الهجرة إليها واحداً تلو الآخر، وأراد أبو بكر أن يهاجر وأن يسبق النبي ﵊، فطلب منه النبي المكث والصبر، قال: (أترجو يا رسول الله أن تهاجر فأكون صاحباً لك؟ قال: نعم). ثم إن النبي أتى أبا بكر وكان أبو بكر قد أعد راحلتين راحلة له وراحلة لرسول الله ﷺ ، وعلفهما أربعة أشهر استعداداً للهجرة، ولمشوارها الطويل، فجاء النبي إلى أبي بكر في الظهيرة. قالت عائشة: يا أبي قد جاء رسول الله ﵊ في وقت لم يأتنا فيه، جاءنا في الظهيرة، فقال: ما أتى به إلا أمر قد حدث، فجاء النبي وقال: (قد أُذن لي في الهجرة، قال: الصحبة يا رسول الله، قال: الصحبة يا أبا بكر! فقال: عندي راحلتان خذ إحداهما يا رسول الله! قال ﵊ -وهو العفيف المتعفف-: بالثمن) فاشتراها النبي من أبي بكر رضي الله تعالى عنه.

стр. 521

قريش تحاول قتل رسول الله قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠]. تمالأ أهل الشرك في تلك الليلة على الفتك برسول الله ﵊ واتفقوا على ذلك، فكان أن علياً نام في فراش رسول الله ﵊ في تلك الليلة، ثم إن النبي خرج مع أبي بكر ﵁، وصلاة الله وسلامه على النبي الأمين، وجاء المشركون أمام بيت الرسول ﷺ يرقبونه طول الليل، وعلي يتصنع لهم ويتقلب في الفراش، يوهمهم أنه رسول الله ﷺ ، أما النبي فخرج مع أبي بكر حتى بلغا غار ثورٍ، فباتا فيه ثلاثة أيام، وكان يرعى عليهما غلام لـ أبي بكر، فيأتيهما في الليل بالغنم يسقيهما من ألبانها، وكان محمد بن أبي بكر ﵁ يتفقد أحوال القوم بمكة وينقل أخبارهم إلى رسول الله، أما أسماء -ذات النطاقين- فكانت تربط الطعام بجزء من نطاقها ولذلك سميت ذات النطاقين، وتجهز للرسول ولـ أبي بكر سفرة الطعام وترسلها إليهم. فأصبح الصباح ودخل أهل الشرك على علي وهو نائم للفتك به ظناً أنه رسول الله، فإذا به علي، فسُقط في أيديهم: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠]. أما رسول الله ﵊ وأبو بكر ﵁، فاستأجرا رجلاً كافراً هادياً خريتاً عارفاً بالطرق، فجاءهما هذا الرجل وانطلق بهما في طريق الساحل متجهاً إلى مدينة رسول الله ﷺ ، ورصد المشركون الجوائز لمن يأتي برأس رسول الله وأبي بكر حياً أو ميتاً، وجعلوا مائة من الإبل لمن أتى بالرسول، ومائة أخرى لمن أتى بـ أبي بكر، ثم ضاعفوا الأعطيات لمن أتى بهما.

стр. 522

في غار ثور وقبل ذلك وصل المشركون إلى باب غار ثور، والنبي فيه هو وأبو بكر، وأبو بكر يقول: يا رسول الله لو نظر أحدهم تحت رجليه لأبصرنا، والنبي يقول: (يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما) وفي ذلك يقول تعالى: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠]. أنجى الله نبيه وخرج مسافراً إلى المدينة في أيام طويلة، فلقيه الزبير في الطريق، وكان الزبير راجعاً من الشام بتجارات فيها الثياب البيض، فكسا النبي ثوباً أبيض، وكسا أبا بكر ثوباً أبيض، واتجه الرسول وصاحبه إلى المدينة، كلما سأل سائل أبا بكر - أبو بكر شخص يُعرف والرسول شاب لا يُعرف، مع أن الرسول أكبر سناً من أبي بكر - فكلما سأل سائل أبا بكر: من هذا الذي معك يا أبا بكر؟ قال: هذا هادٍ يهديني السبيل.

стр. 523

النبي ﷺ يصل إلى المدينة علم أهل المدينة بمقدم رسول الله ﵊، وكانوا يخرجون لانتظاره عند الحرة كل يوم، لا يرجعهم إلى بيوتهم إلا حر الشمس، ثم إن أهل المدينة رجعوا ذات يوم من حر الشمس، وكان رجل من اليهود قد صعد على نخلة من نخيل المدينة يتابع الحدث، فرأى النبي وأبا بكر قادمين، فنادى بأعلى صوته: يا أهل المدينة هذا جدكم الذي تنتظرون قد وصل، فخرجوا إليه جميعاً مسرعين، أغلبهم لا يعرفه يظنه أبا بكر، فلما رأوا أبا بكر يقبل على خدمته، يأتيه من الأمام ومن الخلف يحرسه، علموا أنه رسول الله ﷺ ، فأقبلوا إليه والتفوا عليه يقبلونه، مستبشرين بقدومه، وأضاءت المدينة يوم أن دخلها النبي ﵊، وإن لم يكن الضوء حقيقة، لكن أضاءت كما يقول بعض أصحاب النبي ﵊، وأظلمت يوم وفاته ﵊، أظلمت في وجوه أقوام وأضاءت في وجوه أقوام. دخل النبي والكل يأخذ بزمام ناقته، ونبينا يقول: (دعوها فإنها مأمورة) ثم نزلت ناقته عند بني النجار، وهذا بأمر الله ﵎، ثم شرع النبي في بناء المسجد. هذا باختصار شيء من هجرة النبي ﵊، ذلكم النبي الكريم، الذي ترك الأرض والديار وخرج من مكة وعيناه تذرفان الدمع، وهو يقف على جبل وينظر إلى بلاده، ينظر إلى مكة وإلى دياره في مكة ويقول: (والله إنكِ أحب بلاد الله إلى الله وأحب بلاد الله إليَّ، ولولا أن قومكِ أخرجوني منكِ ما خرجت). وقبل نبيكم محمد هاجر الأنبياء كذلك،: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ [العنكبوت:٢٦] ﴿قَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات:٩٩]، فكما قال ربكم جل وعلا: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ * كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت:٥٦ - ٥٧]. فاذكروا معشر الإخوة! نبيكم محمداً ﵊، واذكروا أنكم دخلتم في عام جديد، فاسألوا الله التوفيق لصالح الأقوال، ولصالح الأعمال، ولصالح النوايا كذلك، دخلتم في شهر الله محرم، وأفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، فأكثروا من الصيام في هذا الشهر الكريم، فما زلتم في الأشهر الحرم، ومحرم منها فلا تظلموا أنفسكم، ولا تظلموا إخوانكم، وبادروا إلى الخيرات، واستبقوها، وأكثروا من الدعاء لإخوانكم ولأخواتكم المؤمنين والمؤمنات، أكثروا من الاستغفار لكل من سبقكم بإحسان من أهل الإيمان، بل وللمسيئين من أهل الإيمان، ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠]. اللهم يا ولي الإسلام وأهله، ثبتنا على الإسلام والإيمان حتى نلقاك، اللهم يا ولي الإسلام وأهله انصر المجاهدين في سبيلك في كل مكان، وارفع رايتهم فوق كل الرايات، اللهم اشف مرضانا ومرضى المسلمين، وأرحم موتانا وموتى المسلمين، واقض الدين عن المدينين، وفك أسرى المسلمين. وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 524

أبو بكر وأذى قريش له حتى إن الأمر اشتد بـ أبي بكر الصديق هو الآخر، فخرج من داره في مكة مهاجراً ﵁، فلقيه رجل يقال له ابن الدغنة كما قالت عائشة: ما عقلت أبواي إلا وهما يدينان الدين، أي: وهما على الإسلام، وكان قلما يمر علينا يوم إلا وأتى إلينا النبي ﷺ بكرة وعشياً صباحاً ومساءً. ثم إنه بدا لـ أبي بكر أن يهاجر، بعد أن بلغ به الأذى واشتد، فخرج من مكة فلقيه ابن الدغنة، وكان سيداً من سادات قومه فسأله: إلى أين يا أبا بكر؟ قال أبو بكر: أخرج من بلدي أسيح في الأرض أعبد ربي ، لقد أخرجني قومي، قال له ابن الدغنة: والله يا أبا بكر لا تخرج منها، فإن مثلك لا يخرج يا أبا بكر، إنك رجل تصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق، فأنا لك جار يا أبا بكر، فانزل إلى جواري. فوافق أبو بكر على هذا العرض، ورجع به ابن الدغنة إلى قريش، ومر بالملأ من قريش وقال: يا معشر قريش، كيف تخرجون رجلاً يصل الرحم، ويحمل الكل، ويكسب المعدوم، ويعين على نوائب الحق؟ والله إن مثل هذا الرجل لا يُخرج، وقال: إني أنزلته في جواري، فقالوا له: لك ذلك، لكن لنا شرط أن يبقى أبو بكر في بيته يقرأ القرآن كما يشاء ويصلي كما يشاء، ولا يسمعنا القرآن، ولا يسمع نساءنا، ولا يسمع أبناءنا، فوافق أبو بكر على أن يقرأ القرآن في بيته، وعلى أن يصلي في بيته. ثم مضى على هذا زمن، ثم بدا له أن يبني في فناء داره مسجداً، ففعل، فكان يصلي فيه، وكان رجلاً رقيق القلب، لا يملك الدمع، فكان إذا قرأ القرآن بكى وذرفت عيناه الدمع، فالتفت حوله نساء قريش، وأبناء قريش ينظرون إلى صلاته، ويعجبون منه، فخشي القرشيون على أولادهم ونسائهم أن يؤمنوا لقراءة أبي بكر، فذهبوا إلى ابن الدغنة، قائلين له: إنا كرهنا أن نخفرك في رجل قد أجرته، فإما أن يترك أبو بكر قراءته، وإما أن يرد إليك جوارك، فإنا نخشى أن نؤذيه وهو في جوارك، فجاءه ابن الدغنة وقال: يا أبا بكر قد علمت ما عاهدت عليه قريش، فإما أن تقرأ في البيت ولا تعلن، فليس القرشيون بمقرين لك الاستعلاء، وأكره أن يتحدث الناس أني أخفرت في رجل قد أجرته، وإما أن ترد إليَّ جواري، قال أبو بكر: بل أرد إليك جوارك وأرضى بجوار الله ، فلقي من الأذى ما لقي.

стр. 525

عن اللغو معرضون خطر اللسان عظيم، فقد يلقى الإنسان في جهنم والعياذ بالله بسبب كلمة يقولها، وربما يكب على وجهه في جهنم بسبب ما حصده لسانه، فليس هناك أحوج إلى طول حبس من اللسان حتى تكتب السلامة للعبد يوم يلقى الله.

стр. 526

النهي عن اللغو الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد: فيقول الله في شأن أهل الإيمان: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون:١ - ٣]، ويقول الله في شأنهم كذلك: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص:٥٥]، ويقول تعالى أيضاً: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان:٧٢]. فأهل الإيمان لا يقفون عند اللغو، بل يهجرونه ويتقونه، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً، وإن من أبغضكم إلي وأبعدكم مني مجلساً يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيقهون)، يقول الترمذي رحمه الله تعالى: والثرثار: كثير الكلام، ويقول النبي ﷺ : (إن الله كره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال)، وقال النبي صلوات الله وسلامه عليه كذلك: (وهل يكب الناس على وجوههم في النار إلا حصاد ألسنتهم)، ويقول صلوات الله وسلامه عليه: (إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يهوي بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب)، فصلوات ربي وسلامه على هذا النبي الكريم. فعلى المسلم أن يقلل الكلام قدر الاستطاعة، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت)، وقال النبي ﷺ : (من صمت نجا)، قال بعض الشراح لحديث النبي ﷺ : (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت): إن استوى عندك الوجهان في الكلام ولم تدر أفي الكلام خير أم ليس فيه خير لزمك الإمساك؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (فليقل خيراً أو ليصمت). وأيضاً فليعلم أن الكلمات تسطر، وأن الكلمات تكتب، قال الله ﵎: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨] أي قول يسطر ويكتب، حتى المزاح يكتب، حتى الأنين يكتب. لقد كان الإمام أحمد رحمه الله تعالى في مرض موته يئن منه أنيناً فقيل له: يا إمام! إن طاوساً يقول: إن الأنين يكتب، يعني لقول الله ﵎ في كتابه الكريم: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨] فيقول الراوي: فما أنّ الإمام أحمد رحمه الله تعالى حتى مات. ورب العزة يقول في كتابه الكريم: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩]. ويقول الله : ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ * وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ [القمر:٥٢ - ٥٣]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار:١٠ - ١٢]. فالكلمات تكتب، فلأن تأتي صحائف أعمالك يوم القيامة نقية بيضاء مسطّر فيها ذكر الله خير لك من أن تأتي صحائفك قد ملئت باللغو واللغط، واغتياب المسلمين والمسلمات.

стр. 527

كثرة الكلام تذهب البهاء والوقار كثرة الكلام تذهب البهاء، وتذهب الوقار، فيمكنك أن تجلس صامتاً وتنظر إلى العابثين أمامك الذين يخوضون ويذهبون، ويثني بعضهم على نفسه غاية الثناء، ويمدح نفسه غاية المدح، وأنت جالس صامت تتعجب من صنيعه، وتقيم أخلاقه بناءً على ما تسمع منه. كثرة الكلام تزري بالأشخاص، كثرة الكلام بغير ذكر الله تذهب بالبهاء وبالوقار، فإن كان لزاماً من كلام فليكن كلامك بذكر الله ﵎، وليكن كلامك فيه ذكرٌ لله ﵎، وفيه صلاة وسلام على النبي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقلة الكلام تدعو إلى الاهتمام بكلامك والاستماع إليه، ومن ثم كان عبد الله بن مسعود ﵁ يعظ الناس كل خميس، فقال له قائل: يا أبا عبد الرحمن! وددت أنك حدثتنا كل يوم، فقال عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه: (إني أكره أن أملكم، وإنما أتخولكم بالموعظة كما كان رسول الله ﷺ يتخولنا بالموعظة كراهية السآمة علينا). هذا وقد قال الله ﵎: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:١١٤]. ونبينا محمد ﵊ كان يتكلم كلاماً لو عده العاد لأحصاه، فكانت كلمات النبي ﷺ كلمات معدودة لو تتبعها الذي يعدها لأحصاها من في النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ينبغي أن نقلل الكلام قدر الاستطاعة لما سمعناه من أمر لله وأمر للنبي محمد ﷺ ، فكثرة الكلام كما بينا يكرهها الله ﵎؛ إذ الله يكره لنا القيل والقال، وكثرة الكلام التي بها يعد الشخص من الثرثارين، وتبعدنا عن مجلس نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

стр. 528

ترك الكلام إذا لم تكن فيه فائدة تتأكد قلة الكلام إذا لم يكن في الكلام فائدة، فإذا لم يكن في الكلام فائدة فليمنع الكلام حينئذٍ، هذه مريم ﵍ لما أتت قومها بعيسى ﵇ تحمله، وهي تدرك أن القوم لن يصدقوها إذا تكلمت؛ لأن عندهم لا يتصور أن امرأة تلد بلا زواج ولا بغاء، لكن الله على كل شيء قدير، فعند ذلك قال الله لها: ﴿فَإِمَّا تَرَيْنَ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ [مريم:٢٦]، فإذا كان الكلام لن يجدي فلا داعي للكلام حينئذٍ. وهؤلاء الفتية أصحاب الكهف العقلاء المسددون الموفقون، لما قاموا من نومتهم التي ناموها، ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف:١٩]، فتدخل أحدهم قائلاً: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾ [الكهف:١٩] أي: لا داعي لمواصلة الكلام في اللبث الذي لبثناه ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف:١٩]. وهذا نبينا محمد ﷺ يقول له ربه ﵎: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف:٢٢]. فإذا لم يكن في الكلام فائدة فليمنع الكلام حينئذٍ، أما إذا كان الكلام بغير علم فحينئذٍ يقع الشخص في الحرام، فالله قال في كتابه الكريم: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦] وقال الله لنبيه محمد ﵊: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥]. فيؤمر الشخص بالإمساك عن الكلام إذا لم يكن عنده علم بما يتكلم به، ويؤمر بالإمساك عن الكلام إذا لم يكن في الكلام فائدة، فهذا إبراهيم ﷺ يجادل الملائكة، فيقول الله له: ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ [هود:٧٦]. وتقدم على مسامعكم -معشر الإخوة- قول نبيكم محمد ﷺ : (من صمت نجا)، فكثيراً ما تكون النجاة في الصمت، وكثيراً ما تكون النجاة في السكوت، إلا إذا كان ثم مقامٌ ستضيع فيه الحقوق فيلزمك حينئذٍ أن تتكلم بالحق الذي علمت، ولا تكتم الحق إذ الله قال: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة:٢٨٣] ويجدر بي أن أذكر بحديثين لنبينا محمد ﷺ : أولهما: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يأتي أقوام يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، ويظهر فيهم السمن) فهذا حديث في ذم الذي يشهد دون أن تطلب منه الشهادة. وثم حديثٌ آخر: (خير الشهداء الذي يأتي بالشهادة قبل أن تطلب منه)، كيف الجمع بين الحديثين؟ إذا كانت الحقوق ستضيع للخوف من ذي سلطة وذي بأس فحينئذٍ (خير الشهداء الذي يأتي بالشهادة قبل أن تطلب منه)، أما إذا كانت الشهادات بالمجاملات فحينئذٍ: قوله: (يشهدون ولا يستشهدون) يتنزل على أمثال هؤلاء. وفقنا الله وإياكم لحفظ ألسنتنا، وصلى اللهم على نبينا محمد وسلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 529

فتاوى الحج والعمرة

стр. 530

مقدمة بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد: قد صح عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)، فعلامة الخير للعبد أن يوفق للفقه بالدين، وقد قال الله في كتابه الكريم: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك:٢]، وحسن العمل يتأتى بموافقة سنة رسول الله ﷺ ، ومن شرع في عبادة من العبادات فعليه أن يتفقه فيها، وأن يعلم ما له وما عليه تجاه هذه العبادة. وهذه جملة من الأسئلة المتعلقة بأعمال الحج والعمرة، نستعين بالله تعالى للإجابة عليها، والله ولي التوفيق:
следующие страницы →