← Джавами‘

Джавами‘ · id 7694

دروس للشيخ مصطفى العدوي

مصطفى العدوي

Полный текст (802 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

حكم مس المرأة ذكر طفلها وهي متوضئة السؤال هل مس المرأة ذكر طفلها ينقض وضوءها؟ الجواب مس المرأة ذكر طفلها لا ينقض وضوءها إذ لم يرد دليل صريح في ذلك، والطفل يختلف عن الرجل الكبير، وأيضاً قد كانت النسوة على عهد النبي ﷺ يحملن الأطفال ويغسلن الأطفال وينظفن الأطفال، فلم يرد في حديث واحد أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر امرأة مست ذكر طفلها أن تتوضأ من مس هذا الذكر. والله ﵎ أعلم.

стр. 457

حكم مس المرأة دبرها وهي متوضئة السؤال هل مس المرأة دبرها ينقض وضوءها؟ الجواب لا ينقض الوضوء إذ لا دليل على ذلك، وإنما تغسل يديها لما عساه أن يكون قد لحقها من الأذى. والله ﵎ أعلم.

стр. 458

حكم مس المرأة للمتوضئ السؤال هل مس الرجل للمرأة -ولا أعني بالمس الجماع هاهنا، إنما أعني المصافحة والقبلة ونحو ذلك- هل هذا المس ينقض وضوء الرجل؟ وهل ينقض وضوء المرأة؟ الجواب الله قال في كتابه الكريم: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء:٤٣] اختلف أهل العلم على قولين في تأويل قوله تعالى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء:٤٣]: فذهب فريق منهم إلى أن الملامسة هاهنا المراد بها الجماع، وحجتهم أن إطلاق المس في كتاب الله أغلبه منزل على الجماع، فمن ذلك قول الله ﵎: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة:٢٣٧] فالمس هنا المراد به الجماع، وكذا قوله تعالى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء:٤٣] فقد اختار ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن المراد به الجماع، وكذا قول الله : ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة:٣] في آية الظهار فالمراد به الجماع. وعليه فإن بعض أهل العلم منهم: الحبر الكريم عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما رأى أن مس المرأة بما دون الجماع لا ينقض وضوء الرجل، وأيضاً هو لا ينقض وضوء المرأة. بينما ذهب فريق آخر من أهل العلم، منهم: عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه وآخرون من أهل العلم إلى أن مس المرأة ينقض وضوء الرجل، وحملوا قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة:٣] على عمومه. أما وجهة ترجيح القول الأول: قول عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما؛ فبسبب ما أخرجه مسلم رضي الله تعالى عنه من حديث عائشة ﵂ قالت: (فقدت رسول الله ﷺ ليلة من الفراش فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد وهما منصوبتان وهو يقول: اللهم! إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك) فالشاهد منه: قول أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها: (فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدميه) فلو كان مسح عائشة ﵂ لبطن قدم النبي ﷺ ناقضاً لخرج النبي ﷺ من صلاته، وفي البخاري ومسلم أيضاً من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (كنت أنام بين يدي رسول الله ﷺ ورجلاي في قبلته فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي، فإذا قام بسطتهما) فإذا كان المس ينقض الوضوء على عمومه لخرج النبي ﷺ من صلاته. والذي يظهر ويترجح بالأدلة والله تعالى أعلم أن مس المرأة لا ينقض الوضوء، ما لم يكن جماعاً، وهذا القول قول عبد الله بن عباس ﵄، وهو الحافظ الكريم الذي دعا له رسول الله ﷺ بالفقه في الدين وتعلم التأويل. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: قد كان المسلمون دائماً يلمسون نساءهم، وما نقل مسلم واحد عن النبي ﷺ أنه أمر أحداً بالوضوء من مس النساء، والله ﵎ أعلم، وهذا أيضاً رأي الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى. هذا وقد ورد في هذا الباب حديث فيه: (أن النبي ﷺ كان يقبل نساءه ثم يخرج إلى الصلاة ولا يتوضأ)، وهذا الحديث ضعيف لا يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وفيما ذكرنا كفاية.

стр. 459

حكم غسل الجمعة بالنسبة للمرأة السؤال سائل يسأل عن غسل الجمعة: هل يجب على المرأة أن تغتسل يوم الجمعة؟ الجواب المرأة لا يجب عليها أن تغتسل يوم الجمعة؛ وذلك لأن الغسل عند أكثر العلماء إنما هو للصلاة، والمرأة لا يجب عليها أن تشهد الجمعة، فلما لم تجب عليها صلاة الجمعة لم يجب عليها الغسل ليوم الجمعة. والله تعالى أعلم. ولكن يبقى سؤال: هل يستحب لها ذلك، أم أنه لا يستحب؟ فنقول وبالله التوفيق: نعم يستحب لها ذلك، فالله ﵎ يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢]، ورسوله محمد ﷺ يقول -كما في الحديث الذي أخرجه البخاري، من حديث أبي هريرة ﵁: (حق لله على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يوماً يغسل فيه رأسه وجسده). والله ﵎ أعلم.

стр. 460

حكم بول الغلام والجارية السؤال ما حكم بول الغلام والجارية؟ الجواب بول الغلام الذي لم يأكل الطعام يرش موضعه، أما الجارية: سواء أكلت الطعام أم لم تأكل الطعام فبولها يغسل موضعه، وبالله ﵎ التوفيق. ومما يدل على ذلك ما أخرجه أبو داود رحمه الله تعالى، من حديث أبي السمح ﵁، قال: (كنت أخدم النبي ﷺ ، فكان إذا أراد أن يغتسل قال: ولني قفاك، فأوليه قفاي فأستره به، فأتي بـ حسن أو حسين رضي الله تعالى عنهما، فبال على صدره، فجئت أغسله فقال: يغسل من بول الجارية ويرش من بول الغلام) والله تعالى أعلم.

стр. 461

حكم ذيل المرأة الذي أصابه الأذى السؤال ما الحكم في ذيل المرأة يصيبه الأذى؟ الجواب قبل الجواب عن هذا السؤال: فنحب أن ندفع شبهة قد وقعت فيها أخوات كثيرات في فهمهن لحديث رسول الله ﷺ : (يرخينه شبراً -ثم لما قالت النساء-: يا رسول الله! إذن تنكشف صدور أقدامهن، فقال: يرخينه ذراعاً ولا يزدن على ذلك) اللفتة التي أحببنا النظر إليها، من أين يقاس الشبر؟ أو من أين يقاس الذراع؟ فبعض الفضليات ترى أن الشبر أو الذراع يقاس من الكعب إلى أسفل! وهذا الفهم ليس بصحيح، ولو كان ذلك ما قالت النساء: إذن تنكشف صدور أقدامهن، وإنما القياس يكون من منتصف الساق أي: من منتصف المسافة بين الركبة إلى الكعبين، فهذا هو الذي عليه كثير من أهل العلم. فلنرجع من ثم إلى سؤالنا عن الحكم في ذيل المرأة يصيبه الأذى، فإن المرأة تمشي وثوبها طويل يجر على الأرض فيصيبه الأذى أحياناً، فجواب هذا السؤال: أن المرأة إذا وطأت المكان القذر ثم وطأت الأرض اليابسة النظيفة فإن اليابسة النظيفة تطهر ما أصاب الثوب من المكان القذر؛ وذلك لما أخرجه أبو داود من حديث أم سلمة ﵂ زوج النبي ﷺ : (أن امرأة سألتها قالت: إني أطيل ذيلي وأمشي في المكان القذر؟ فقالت أم سلمة ﵂: قال رسول الله ﷺ : يطهره ما بعده) هذا إذا كان المكان القذر يابساً لا يعلق منه بالثوب شيء، أما إذا كان رطباً فيلزم حينئذٍ الغسل، وقد نقل الخطابي عن مالك رحمه الله تعالى قوله: إن الأرض يطهر بعضها بعضاً إنما هو أن يطأ الأرض القذرة، ثم يطأ الأرض اليابسة النظيفة، فإن بعضها يطهر بعضاً، فأما النجاسة مثل: البول يصيب الثوب أو بعض الجسد فإن ذلك لا يطهره إلا الغسل. ونقل الخطابي عن الشافعي ﵀ في هذا المعنى أيضاً: إنما هو فيما جر على ما كان يابساً لا يعلق بالثوب منه شيء، فأما إذا جر على رطب فلا يطهر إلا بالغسل. ثم قال الخطابي: وهذا إجماع الأمة.

стр. 462

حكم سقوط اللبن من ثدي المرأة عليها السؤال سائل يسأل عن لبن الرضاعة يسقط على الأم من ثديها أثناء إرضاعها لطفلها، هل يلزم غسله؟ الجواب هذا اللبن ليس بنجس، ومن ثم لا يلزم غسله، وكانت النسوة على عهد رسول الله ﷺ يرضعن أطفالهن، ولم يرد أي دليل أن النبي ﷺ أمر امرأة أن تغسل لبنها الذي سقط على ثوبها، أو الذي سقط من فم ولدها، والله ﵎ أعلم.

стр. 463

حكم المذي الذي يخرج من المرأة عند الملاعبة وصفته السؤال ما حكم المذي الذي يخرج من المرأة عند ملاعبة زوجها لها؟ وما صفة هذا المذي؟ الجواب المذي الذي يخرج من المرأة عند ملاعبة زوجها ينقض الوضوء، فيجب على المرأة أن تتوضأ منه إذا أرادت الصلاة، وهناك إجماع من أهل العلم على ذلك، أما من سنة رسول الله ﷺ ، فالدليل على ذلك حديث علي ﵁ حيث قال: (كنت رجلاً مذاءً -أي: كثير المذي- فأمرت رجلاً أن يسأل النبي ﷺ لمكان ابنته، قال: توضأ واغسل ذكرك) فلهذا الحديث مع الإجماع المنقول مع قول رسول الله ﷺ : (النساء شقائق الرجال) يجب على المرأة إذا خرج منها هذا المذي أن تتوضأ. هذا ونلفت النظر هنا إلى شيء عارض: ألا وهو قول علي رضي الله تعالى عنه: (كنت رجلاً مذاءً فاستحييت أن أسأل رسول الله ﷺ لمكان ابنته) ذكر بعض الفضلاء من أهل الفقه: أنه يكره للرجل أن يتحدث عن شئون الجماع أمام محارم امرأته، لما في ذلك من خدش لحيائهم، وهذا استنباط حسن وجيد، وأدب ينبغي أن نتأدب به. أما عن صفة المذي: فقد قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: المذي ماء رقيق لزج يخرج عند شهوة لا بدفق ولا يعقبه فتور، وربما لا يحس بخروجه، ويكون ذلك للرجل والمرأة، وهو في النساء أكثر منه في الرجال. والله أعلم. أما الحافظ ابن حجر فقال: هو ماء أبيض رقيق لزج يخرج عند الملاعبة أو تذكر الجماع أو إرادة الجماع، وقد لا يحس بخروجه. وكإيضاح لما ذكره العالمان الجليلان: النووي، وابن حجر أقول وبالله التوفيق: إن هذا المذي يكاد يشبه الصمغ الذي نستعمله في لصق ورقة بورقة أخرى. والله ﵎ أعلم.

стр. 464

حكم الرطوبة التي تخرج من فرج المرأة السؤال سائلة تسأل عن رطوبة فرج المرأة: هل الرطوبة التي تخرج من فرج المرأة نجسة، أم طاهرة؟ الجواب ابتداءً لم أقف على دليل صريح صحيح يدل على أن رطوبة فرج المرأة نجسة، أما ما أخرجه البخاري رحمه الله تعالى من حديث عثمان ﵁ أنه سأل النبي ﷺ عن الرجل يجامع امرأته ولم يمن، قال: (يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ويغسل ذكره) فليس بصريح في أن غسل الذكر إنما هو للإفرازات التي تخرج من المرأة، ولكنه يحتمل أن يكون إنما أمر بغسل الذكر نتيجة المذي الذي خرج منه، كما أمر النبي ﷺ المقداد لما سأله عن المذي فقال: (توضأ واغسل ذكرك) فعلى هذا لما لم يرد دليل صحيح صريح يثبت أن رطوبة فرج المرأة نجسة بقينا مع الأصل، ألا وهو أنها طاهرة، وهذا قول عدد كبير من أهل العلم؛ نقله عنهم الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه: المجموع، وهو كتاب يمثل الفقه الشافعي، وينقل مؤلفه عدداً من آراء المذاهب فيه. والله تعالى أعلم. أما بالنسبة لحكم هذه الإفرازات التي تخرج من فرج المرأة، فهل هي ناقضة للوضوء، أو ليست بناقضة للوضوء؟ فأيضاً لم يرد دليل صحيح صريح عن رسول الله ﷺ يفيد أنها تنقض الوضوء، فلما لم يرد دليل صحيح صريح على أن تلك الإفرازات التي تخرج من النسوة الحوامل أكثر ما تخرج، وتخرج من غيرهن من النسوة عند عطاس على سبيل المثال، وليس مخرجها من مخرج البول، فليس هناك دليل صريح صحيح يفيد أنها تنقض الوضوء، هذا على وجه الإجمال وقد قال بذلك عدد من أهل العلم، وكمزيد تفصيل فإن هذه المسألة لها أهميتها فنقول ابتداءً: إنه عند التنازع يلزم الرد إلى كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلا والسلام، وإذا كان ثمة إجماعات نقلت، فالله ﵎ يقول: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف:٣]، ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء:٥٩] هذا ابتداءً. ثم هناك تنبيه آخر ألا وهو: أن قول القائل: بأن كل ما خرج من السبيلين ينقض الوضوء، ليس بحديث عن رسول الله ﷺ ، ولم ينعقد عليه أيضاً إجماع الأمة، وإنما أخذ هذا القول من جملة أدلة وردت وبينت أن كثيراً مما خرج من السبيلين ينقض، أما كحديث عن رسول الله ﵊ فليس هذا بحديث عن النبي ﷺ ، صحيح أن أغلب ما خرج من السبيلين ينقض كالريح، والغائط، ودم الحيض، ودم النفاس، وكذلك المني، والمذي، كل ذلك ينقض الوضوء وهناك أدلة تدل على نقضه للوضوء. لكن ثم أمور أخر كدم الاستحاضة، والاستحاضة غير الحيض كما هو معلوم، الاستحاضة: عرق انقطع فنزف دماً، وهذا يختلف عن دم الحيض -الذي يأتي المرأة في زمن من الشهر- في لونه وفي قدره وفي زمانه، فدم الاستحاضة كانت من النسوة على عهد رسول الله ﷺ من تعتكف وهي مستحاضة، فربما وضعت الإناء تحتها وهي تصلي. على ذلك نعود فنقول: ليس هناك دليل صريح عن رسولنا محمد ﵊، يفيد أن الإفرازات التي تخرج من فرج المرأة تنقض الوضوء، فلما لم يرد لنا هذا الدليل بقينا مع الأصل، ونحترز فنقول: إن الإفرازات تختلف عن المذي، فالمذي شيء والإفرازات شيء آخر، المذي: هو الذي يخرج من المرأة عند ملاعبة زوجها، فيخرج ولا تشعر المرأة أن شهوتها قد انقضت، إنما يخرج سائل يشبه الصمغ على ما فصلنا وذكرنا من أقوال العلماء، والله تعالى أعلم. وبالنسبة للإفرازات، هل هي ناقضة للوضوء، أم ليست بناقضة للوضوء؟ فالقول فيها ليس بقول واحد، إنما ذكرت ما ترجح لي، فإن كنت مصيباً فمن الله سبحانه الصواب، وإن كنت مخطئاً فمن نفسي ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان من ذلك. والله تعالى أعلم.

стр. 465

حكم الغسل على المرأة عند الاحتلام السؤال هل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ الجواب نعم، يجب عليها الغسل بالإجماع إذا خرج منها المني، سواء كان هذا الخروج في منامها أو في يقظتها، فإذا رأت المرأة أنها تجامع ولم تر الماء فلا غسل عليها، أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما، من حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: (جاءت أم سليم امرأة أبي طلحة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله: إن الله لا يستحيي من الحق، هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ قال رسول الله ﷺ : نعم؛ إذا رأت الماء)، وعند مسلم من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: (سألت امرأة رسول الله ﷺ عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل في منامه؟ فقال: إذا كان منها ما يكون من الرجل فلتغتسل) قال النووي رحمه الله تعالى: أجمع العلماء على وجوب الغسل بخروج المني، ولا فرق عندنا بين خروجه بجماع أو احتلام أو استمناء أو نظر أو بغير سبب، سواء خرج بشهوة أم بغيرها، وسواء تلذذ بخروجه أم لا. والله ﵎ أعلم.

стр. 466

حكم من جامعها زوجها ثم خرج منها مني زوجها بعد اغتسالها السؤال ما الحكم في امرأة جامعها زوجها ثم اغتسلت، ثم خرج منها مني زوجها بعد أن اغتسلت؟ الجواب أكثر أهل العلم ذهبوا إلى أن المرأة لا غسل عليها إذا جامعها زوجها ثم اغتسلت ثم خرج منها مني الزوج بعد الغسل، أي: أن المرأة إذا جامعها الزوج واغتسلت، ثم خرج منها مني الزوج بعد الغسل فلا يجب عليها أن تغتسل مرة ثانية، ولكنها تتوضأ فقط. والله ﵎ أعلم.

стр. 467

حكم جماع الرجل للمرأة إذا لم ينزلا السؤال سائل يسأل عن رجل جامع زوجته فلم يمن، ولم تنزل هي الأخرى، هل عليهما الغسل؟ الجواب إذا جامع الرجل زوجته فأنزل أو لم ينزل فقد وجب عليهما الغسل؛ مادامت حشفة ذكره قد دخلت في العضو منها؛ وذلك لحديث رسول الله ﷺ : (إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل) أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وفي صحيح مسلم من حديث عائشة ﵂ قالت: (سأل رجل رسول الله ﷺ عن الرجل يجامع أهله ثم يكسل، هل عليهما الغسل؟ وعائشة رضي الله تعالى عنها جالسة، فقال رسول الله ﷺ : إني لأفعل ذلك أنا وهذه ثم نغتسل). وفي الباب أيضاً عند مسلم من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه قال: اختلف في ذلك رهط من المهاجرين والأنصار، فقال الأنصاريون: لا يجب الغسل إلا من الدفق أو الماء -يعنون: المني-، فقال المهاجرون: بل إذا خالط فقد وجب الغسل، يعني: إذا جامع الرجل زوجته فقد وجب الغسل سواء أنزلا أم لم ينزلا، أو أنزل أحدهما أو لم ينزل. فقال أبو موسى ﵁ لما سمع هذا الاختلاف: فأنا أشفيكم من ذلك، قال: فقمت فاستأذنت على عائشة ﵂ فأذنت لي، فقلت لها: يا أم المؤمنين! إني أريد أن أسألك عن شيء وأنا أستحييك، فقالت: لا تستحيي أن تسألني عما كنت سائلاً عنه أمك التي ولدتك، فإنما أنا أمك، قلت: فما يوجب الغسل؟ قالت: على الخبير سقطت، قال رسول الله ﷺ : (إذا جلس بين شعبها الأربع ومس الختان الختان فقد وجب الغسل). فعليه إذا جامع الرجل زوجته ولم ينزل ولم تنزل هي الأخرى فقد وجب على كل واحد منهما الغسل، هذا على رأي أهل العلم. وقد ورد في الباب ما قد يوهم ظاهره خلاف ذلك: ألا وهو حديث النبي ﵊: (إنما الماء من الماء) أي: أن الماء لا يجب إلا بخروج المني، وهذا الحديث عند جمهور أهل العلم منسوخ، وكذلك ورد في الباب من حديث زيد بن خالد أنه سأل عثمان ﵁ قال: (أرأيت إذا جامع الرجل امرأته فلم يمن؟ قال عثمان: يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ويغسل ذكره) قال عثمان: سمعته من رسول الله ﷺ ، فسألت عن ذلك علياً والزبير وطلحة وأُبياً فأمروه بذلك، هذا الحديث أيضاً منسوخ عند جماهير العلماء بالأحاديث التي تقدمت. وكذلك من المنسوخ أيضاً في هذا الباب: حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه: (أن رسول الله ﷺ أرسل إلى رجل من الأنصار فجاء ورأسه يقطر، قال النبي ﷺ : لعلنا أعجلناك. قال: إذا أعجلت أو قُحطت فعليك الوضوء) وهذا أيضاً منسوخ كما بينا، وقوله ﷺ : (لعلنا أعجلناك) معناه والله أعلم: لعلك كنت تجامع زوجتك، فلما أرسلنا إليك قمت متعجلاً ولم تقض حاجتك، ولم تقض زوجتك حاجتها، أي: لم يحصل إنزال منك ولا منها، فقال: نعم، يا رسول الله! قال: (إذا أعجلت أو قحطت فعليك الوضوء) أي: إذا أعجلت أو قحطت عن زوجتك ولم تكن قضيت حاجتك فعليك بالوضوء، لكن هذا منسوخ كما بيناه. والله تعالى أعلم. هذا وقد ورد عن أبي بن كعب ﵁، وعن أمير المؤمنين عثمان ﵁ أنهما تراجعا عن قولهما وذهبا إلى رأي الجمهور، فأوجبا الغسل بالتقاء الختانين ولو لم يكن مع هذا الالتقاء إنزال. ثم نقول: إن عائشة رضي الله تعالى عنها أعلم بهذا من غيرها، فهي زوجة رسول الله، علمها بهذه المسائل الخاصة عائشة رضي الله تعالى عنها أوسع وأدق من علم غيرها. والله تعالى أعلم. فعليه فالقول الذي عليه جماهير أهل العلم: أن الجماع يوجب الغسل ولو لم يكن معه إنزال، ولكن هنا أيضاً تنبيه هام ينبغي أن نلفت النظر إليه، ألا وهو المتمثل في السؤال التالي:

стр. 468

حكم من مس بذكره فرج المرأة دون إيلاج ودون إنزال السؤال إذا مس ذكر الرجل فرج المرأة من الخارج، ولم يولج ولم ينزل، أي: لم يحدث غياب للذكر في الفرج، ولا غياب لما يسميه العلماء: المدورة، إنما هو مساس من الخارج دون إيلاج ولا إنزال، فهل هذا يستوجب غسلاً؟ الجواب لا يستوجب هذا غسلاً بالإجماع، فإذا مس ذكر الرجل فرج المرأة من الخارج، ولم يولج الحشفة في الفرج ولم ينزل فلا غسل عليهما، وقد نقل غير واحد من العلماء الإجماع على ذلك.

стр. 469

حكم من باشرها زوجها دون إيلاج فأنزل ولم تنزل وتسرب إلى فرجها السؤال إذا أصاب الرجل امرأته في غير الفرج فأنزل منيه خارج الفرج وهي لم تنزل منيها، فهل عليها غسل؟ الجواب لا يجب عليها غسل؛ وذلك لأن المرأة لم تنزل ولم يحصل التقاء للختانين، فمادامت لم تنزل المني ولم يحصل التقاء للختانين فلا يجب عليها الغسل. وقد صح عن إبراهيم النخعي أنه سئل عن الرجل يجامع امرأته في غير الفرج فينزل المني؟ قال: يغتسل هو ولا تغتسل هي، ولكن تغسل ما أصاب منها، أي: تغسل الموضع الذي جاء فيه مني الرجل، هذا يدل على أنه يرى رأياً في طاهرة المني غير ما يراه العلماء الآخرون. وصح عن الحسن البصري أنه سئل عن الرجل يصيب المرأة في غير فرجها؟ قال: إن هي أنزلت اغتسلت، وإن هي لم تنزل توضأت وغسلت ما أصاب من جسدها من ماء الرجل. والله تعالى أعلم. أيضاً قد يرد سؤال هنا: إذا جامع الرجل امرأته بين فخذيها، فتدفق هذا الماء منه فتسرب إلى الفرج بدون إيلاج، ولم تنزل منياً، فلا يجب عليها غسل عند جمهور العلماء، قال النووي في المجموع: إذا استدخلت المرأة المني في فرجها أو دبرها ثم خرج منها لم يلزمها الغسل، هذا هو الصواب الذي قطع به الجمهور. ليس معنى قول النووي: إذا أدخلت الماء في دبرها أنه يجوز الجماع في الدبر، فهذه كبيرة من أبشع الكبائر فلتنتبه له النسوة، فيحرم ثم يحرم الجماع في الدبر. والله تعالى أعلم.

стр. 470

حكم امتناع المرأة من زوجها إذا عدم الماء السؤال المرأة يطلبها زوجها للجماع وليس هناك ماء تغتسل به، هل لها أن تتعلل وتمتنع من الجماع بسبب عدم وجود ماء للغسل، أم أن هذا ليس لها؟ الجواب المرأة ليس لها أن تمنع نفسها من زوجها إذا دعاها لفراشه وإن لم يوجد الماء؛ وذلك لأن رسول الله ﷺ قال محذراً: (إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجيء لعنتها الملائكة حتى تصبح) فيلزمها أن تجيب زوجها، أما عن عدم وجود الماء فهنالك التيمم يقوم مقام الماء عند فقدانه، وعند كثير من العلماء: أن التيمم يرفع الحدث الأكبر أيضاً، فعلى المرأة أن تمتثل في هذا الباب. هذا وقد ورد عن عطاء يرحمه الله أنه قال: إذا طهرت الحائض فلم تجد ماءً تتيمم ويأتيها زوجها، هذا وثم آثار أخر في هذا الباب عن التابعين يرحمهم الله. والله أعلم.

стр. 471

حكم استعمال المرأة لمانع الحمل لغرض إتمام الرضاعة وغيره السؤال سائلة تسأل عن حكم استعمال المرأة لمانع من موانع الحمل أثناء فترة الرضاعة، وذلك حتى تتمكن من إتمام الحولين لإرضاع ولدها؟ الجواب إن الله ﵎ قال: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة:٢٣٣] فعلى ذلك: للمرأة أن تتناول وسيلة تمنعها من الحمل لإتمام الرضاعة، ما لم تكن هذه الوسيلة مضرة بجسمها قياساً على العزل، وقد صح عن جابر ﵁ أنه قال: (كنا نعزل والقرآن ينزل) ومعنى العزل: أن يجامع الرجل زوجته، فإذا أراد أن يقذف المني أخرج ذكره منها وقذف المني خارج الفرج، فقياساً على العزل يجوز استخدام وسيلة لإتمام الرضاعة. هذا ما لم تكن هذه الوسيلة مضرة بالجسم؛ وذلك لقول النبي ﷺ : (لا ضرر ولا ضرار). وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عن امرأة تضع معها دواءً وقت المجامعة، تمنع بذلك نفوذ المني في مجاري الحبل، هل ذلك جائز وحلال أم لا؟ وهل إذا بقي ذلك الدواء معها بعد الجماع ولم يخرج يجوز لها الصلاة والصوم بعد الغسل أم لا؟ فأجاب رحمه الله تعالى بما حاصله: أما صومها وصلاتها فصحيحة وإن كان ذلك الدواء في جوفها، وأما جواز ذلك ففيه نزاع بين العلماء، والأحوط أنه لا يفعل. والله ﵎ أعلم. أما بالنسبة للعزل أو لاستعمال وسيلة لغير هذه العلة المذكورة وهي إتمام الرضاعة، فالحكم فيها يختلف بالحامل على هذه الوسيلة، فإن كانت المرأة مريضة وشهد الأطباء الثقاة لها بأنها لا تتحمل الحمل، فحينئذ لا ضرر ولا ضرار، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، أما إذا تسرب إليها ما يتسرب إلى ضعاف الإيمان الذين يخشون من قلة الأرزاق فهذا يكره كراهية شديدة، يكره للمرأة أن تعزل أو أن تستعمل وسيلة لمنع الحمل؛ خوفاً من فوات الرزق كراهية شديدة جداً، بل إذا صاحبها هذا المعتقد فقد يصل الأمر معها إلى التحريم. أما ما يدعيه الناس من أن طفلين أفضل من ثلاثة أطفال، وأن ثلاثة أفضل من أربعة، فهذا يدفعه قول النبي ﵊: (تناكحوا تناسلوا فإني مباهٍ بكم الأمم)، والله يقول ممتناً على بني إسرائيل: ﴿وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ [الإسراء:٦]، ونبي الله نوح ﵊ يقول لقومه: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح:١٠ - ١٢]، ونبينا ﷺ يقول: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث -وذكر منها-: ولداً صالحاً يدعو له). وقد يرد سؤال آخر: ما الحكم فيما إذا فعلت المرأة ذلك؟ أي: أنها استعملت وسيلة لا لغرض إتمام الرضاع، ولا لضرر لحق بها، ولا لخوف من فوات الرزق، وإنما لاستمتاع زوجها بها؟ فالجواب والله أعلم بالصواب: أن ذلك يكره لها؛ لأن الشخص كونه يرزق بالولد أولى من استمتاعه بامرأته؛ ولأن النبي ﷺ قال: (تكاثروا فإني مباهٍ بكم الأمم)، لكن إن فعلت المرأة ذلك، واستعملت وسيلة كي يستمتع بها زوجها لم يحرم، لكن الأولى الإكثار من الذرية. والله أعلم.

стр. 472

حكم من نام مع زوجته في فراش واحد قبل أن تغتسل وهو متطهر السؤال إذا جامع الرجل أهله ثم اغتسل ولم تغتسل، هل يجوز له أن ينام معها في فراش واحد ويحتضنها؟ الجواب لا بأس بذلك، فلم يرد عن رسول الله ﷺ شيء يمنع ذلك، وقد قال سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى: يباشرها وليس عليه وضوء، والمراد بذلك: أنه إن مسها ليس عليه وضوء. والله ﵎ أعلم. وعلى هذا الذي ذكرناه أكثر أهل العلم، أي: أن الرجل إذا جامع زوجته ثم اغتسل وما زالت على جنابة لم تغتسل فيجوز له أن يستدفئ بها وينام معها في الفراش. والله تعالى أعلم.

стр. 473

كيفية غسل المرأة من الجنابة السؤال سؤال مهم يتعلق بكيفية غسل المرأة من الجنابة؟ الجواب أما صورة اغتسال المرأة من الجنابة فتتلخص بالآتي: تبدأ المرأة بغسل فرجها غسلاً جيداً، ثم تغسل يديها بعد غسل فرجها غسلاً جيداً أيضاً، ثم تتوضأ وضوءها للصلاة، بمعنى: أنها تتمضمض وتستنثر أي: تدخل الماء في أنفها ثم تنثره، ثم تغسل وجهها ثلاثاً أو مرتين أو مرة، ثم تغسل يديها إلى المرفقين ثلاثاً أو مرتين أو مرة، فكل ذلك جائز، ثم تمسح على رأسها وتؤخر غسل رجليها، ثم بعد ذلك تغسل شقها الأيمن، ثم تغسل شقها الأيسر، ثم تصب الماء على سائر جسدها. ويستحب لها قبل بداية الغسل -أي: بعد الوضوء مباشرة- أن تدلك رأسها تدليكاً شديداً حتى يصل الماء إلى أصل رأسها، ثم تفعل ما ذكرناه من غسل شقها الأيمن، ثم تتبع الأيسر، ثم تتنحى فتغسل رجليها، وهذا الذي ذكرناه ليس عليها بواجب إنما هو مستحب، بمعنى: أن المرأة إذا دخلت تحت (الدش) مباشرة وعممت جسمها بالماء مع رأسها أجزأ ذلك عنها، أي: كفاها وأزال عنها جنابتها مادامت نوت رفع الجنابة بذلك؛ وهذا لأنه قد ورد عن رسول الله ﷺ : (أنه صلى فلما انقضت صلاته رأى رجلاً معتزلاً قال: ما لك يا فلان! لم تصل معنا؟ قال: يا رسول الله! أصابتني جنابة ولا ماء، فقال ﵊: إنما كان يكفيك التيمم، ثم لما جاء ماء إلى النبي ﷺ أعطاه ذنوباً من ماء -أي: دلواً من ماء- فقال: خذه فأفرغه على نفسك) ولم يأمره رسول الله ﷺ أن يتوضأ. فعلى هذا نقول: إن وضوء المرأة قبل غسلها من الجنابة ليس بواجب عليها، إنما هو مستحب إن فعلته أثابها الله وأعطاها على ذلك حسنات، وإن لم تفعله فليست بآثمة، وغسلها كاف ومجزئ مادامت عممت الرأس والجسم بالماء. هذا ولا يلزم أن تنقض المرأة ضفائرها عند غسلها من الجنابة؛ وذلك لما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أم سلمة ﵂ أنها قالت: (قلت: يا رسول الله! إني امرأة أشد ضفر رأسي فأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: لا؛ إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين)، ولحديث عائشة رضي الله تعالى عنها أيضاً الذي أخرجه مسلم في صحيحه: (أن عائشة بلغها أن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما يأمرالنساء إذا اغتسلن أن ينقضن رءوسهن -تعني: ينقضن ظفائر الرءوس- فقالت -وكانت رضي الله تعالى عنها شديدة الإنكار لمثل هذه المسائل على من خالفها- فقالت: يا عجباً لـ ابن عمرو هذا! يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رءوسهن! أفلا يأمرهن أن يحلقن رءوسهن! لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد ولا أزيد على أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات) تعني: أنها لم تكن تنقض ضفائر رأسها عند الاغتسال من الجنابة رضي الله تعالى عنها. فعلى ذلك: لغسل الجنابة سنن مستحبة، وإن لم تفعل هذه السنن وعممت الجسم كله بالماء مع الرأس والرجلين صح الاغتسال، ولا يلزم المرأة أن تفعل ما تفعله النسوة الموسوسات من إدخال الأصبع في المحل -أعني: في الفرج- عند الغسل أو الوضوء؛ إذ لم يرد عن رسول الله ﷺ دليل يلزم بذلك. والله تعالى أعلم.

стр. 474

كيفية غسل المرأة من المحيض السؤال سؤال عن الغسل من المحيض وكيفيته؟ الجواب انقضاء حيضة المرأة يعرف بأمرين: شيء يسمى: القصة البيضاء، تعرفه النساء يخرج من المرأة بعد انقضاء زمن الحيض، أو شيء آخر يسمونه: بالجفوف، ومعناه: أن تدخل المرأة قطنة في فرجها بعد انقضاء زمن الحيض فتخرج جافة، فيعرف انقضاء الحيض إما بالقصة البيضاء، وسيأتي لها تفصيل إن شاء الله في سؤال مستقل، أو بالجفوف، إذا رأت المرأة شيئاً من ذلك وجب عليها الغسل من المحيض، فتغسل فرجها غسلاً جيداً بالماء وبشيء مع الماء كالصابون على سبيل المثال، فقد كان على عهد رسول الله ﷺ يستعمل السدر، ففي زماننا يستعمل الصابون أو ما يقوم مقام الصابون (كالشامبوهات) ونحو ذلك، فتغسل المرأة فرجها غسلاً جيداً، ثم تتوضأ وضوءها للصلاة وتؤخر غسل رجليها، وتدلك رأسها دلكاً شديداً حتى يصل الماء إلى أصل رأسها، وإن كان الماء لا يصل إلا بنقض الضفائر في حالة الغسل من المحيض نقضتها؛ حتى تتأكد من وصول الماء إلى أصل رأسها. ثم بعد ذلك تغسل شقها الأيمن، ثم تغسل شقها الأيسر، ثم سائر الجسد، ويستحب لها أن تضع شيئاً من الطيب في مكان الدم الذي كان ينزل، فتطيب فخذيها وحول فرجها بمسك أو غيره؛ لأن النبي ﷺ قال للمرأة التي جاءت تسأله عن غسل المحيض: (خذي فرصة ممسكة -أي قطعة قطن أو قطعة قماش عليها مسك- فتتبعي بها أثر الدم)، ثم بعد ذلك تتنحى المرأة فتغسل رجليها. وهذا باختصار وصف غسل المرأة من المحيض، وهو كما بينا على الاستحباب، فلو دخلت المرأة تحت الدش وغسلت كل جسمها بالماء ونوت بذلك رفع الحيضة أجزأ ذلك عنها إذا وصل الماء إلى الجسم كله، ولكن إن فعلت سنة النبي ﷺ فهو أفضل لها لها عند الله سبحانه، وقد أثنى الله على المؤمنات والمؤمنين بقوله: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:١٨] والله تعالى أعلم.

стр. 475

حكم من اجتمع عليها موجبان للغسل السؤال إذا اجتمع على المرأة شيئان كل منهما يوجب الغسل، بمعنى: أن هذه المرأة جامعها زوجها، وقبل أن تغتسل من الجنابة حاضت، أو صورة أخرى: امرأة حائض لعب معها زوجها، وباشرها زوجها فيما دون الفرج أي: احتضنها وقبلها زوجها إلى أن وصل بها إلى أن أنزلت المني وهي حائض، فاجتمع الآن بها أمران: أولاً: أنها حائض. ثانياً: أنها أصبحت جنباً، فهل يلزمها أن تغتسل من الجنابة، أم أنه يجوز لها أن تترك الغسل من الجنابة، إلى أن تغتسل من الجنابة والحيض معاً؟ الجواب فريق من العلماء يقولون: تغتسل من الجنابة، ثم إذا أتى وقت انقضاء الحيض اغتسلت من الحيض، لكن أكثر العلماء على أنه لا يجب عليها أن تغتسل من الجنابة إذا كانت حائضاً، فإذا انقضت الحيضة اغتسلت غسلاً عاماً يجزئ عن الأمرين معاً؛ وذلك لأنهم قالوا: إن الغسل إنما هو لاستباحة الصلاة، وقد كان الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم يجامع نساءه، وكان يؤخر الغسل ﵊ أحياناً إلى أن يقوم من النوم، لكنه كان يتوضأ قبل أن ينام في مثل هذه الحالة، ويؤجل الغسل إلى الاستيقاظ. فعلى ذلك: إذا كانت المرأة حائضاً ولعب معها زوجها فأنزلت المني وهي حائض فإنه لا يجب عليها أن تغتسل من الجنابة وهي حائض، فإن أخرت الاغتسال حتى يكون مع غسلها من المحيض فلا بأس بذلك، وقد سئلت عائشة ﵂: (هل كان رسول الله ﷺ ينام قبل أن يغتسل، أم يغتسل قبل أن ينام -يعني: وهو جنب-؟ قالت: ربما فعل هذا، وربما فعل هذا) فقال السائل: الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة. وهذا كما بينا رأي كثير من أهل العلم: إذا اجتمع على المرأة غسلان أجزأ أن تغتسل عنهما غسلاً واحداً. والله أعلم.

стр. 476

أنواع وأقسام الدماء وصفاتها وحكمها السؤال سائلة تسأل عن أنواع الدماء التي تخرج من فرج المرأة؟ الجواب الدماء التي تخرج من فرج المرأة يقسمها كثير من العلماء إلى ثلاثة أقسام -ومن العلماء من يدخل قسماً رابعاً: أما النوع الأول من الدماء التي تخرج من فرج المرأة: فهو دم الحيض، وهو: دم قريب من السواد، غليظ كريه الرائحة، ينزل هذا الدم في أوقات معلومة لدى المرأة، وهي التي يسميها النساء: العادة الشهرية، فإذا نزل هذا الدم في زمن الحيض المعهود فإن المرأة تترك الصلاة وتترك الصيام، ولا يجوز لزوجها أن يقربها بجماع، فهذا بالنسبة لدم الحيض، والعلماء متفقون على أن دم الحيض دم نجس، والله تعالى أعلم، فهذا هو النوع الأول من أنواع الدماء. أما النوع الثاني فهو دم النفاس، وهو الذي يخرج من المرأة عقب الولادة، وحكمه حكم دم الحيض سواءً بسواء. أما الدم الثالث الذي يخرج من المرأة: فهو دم الاستحاضة، وحاصل القول في دم الاستحاضة: أنه دم يخرج من عرق قد انقطع، فيحدُثُ نزيف شديد من المرأة يستمر زمناً طويلاً مع بعض النساء قد يستمر سنوات، وقد يستمر شهوراً، وقد يستمر أياماً، يختلف في لونه عن لون دم الحيض، فهذا لونه أحمر قاني كسائر دماء الجروح، وأيضاً دم الاستحاضة مادام لم ينزل في زمن الدورة الشهرية، فلا يمنع المرأة من صلاة ولا يمنعها من صيام ولا يمنعها من جماع، فهذا بالنسبة لدم الاستحاضة. وهناك نوع رابع يذكره بعض العلماء ويسمونه: دم فساد، فينزل دم الفساد أحياناً في غير وقت الحيض، ولا يشبه لونه لون دم الحيض، وليس هو باستحاضة، فمن العلماء من يمثل له بقطرات دم تنزل من المرأة الحامل قبل الولادة. والله تعالى أعلم.

стр. 477

حكم صيام من طهرت من الحيض في الليل ولم تغتسل إلا بعد الفجر السؤال إذا كانت المرأة حائضاً لكنها قد رأت الطهر قبل طلوع الفجر هل يجوز لها أن تصوم ذلك اليوم، أم أنه لا يجوز لها أن تصوم؟ الجواب يجوز لها أن تصوم ذلك اليوم؛ لأن الصوم لا يستلزم الاغتسال، ومما يدل على ذلك: حديث عائشة ﵂، وكذا حديث أم سلمة ﵂: (أن رسول الله ﷺ كان يدركه الفجر وهو جنب، ثم يغتسل ويصوم)، وفي رواية: (وهو جنب من أهله، ثم يغتسل ويصوم). فعليه إذا كانت المرأة حائضاً ورأت الطهر في الليل، يفترض أنها تغتسل، لكنها إذا أخرت الغسل وأذن للفجر قبل أن تغتسل فإنه يجوز لها أن تنوي الصيام وتصوم. والله ﵎ أعلم.

стр. 478

دليل ترك المرأة للصلاة والصوم أثناء حيضها السؤال إحدى السائلات تسأل عن الدليل على أن الحائض تدع الصلاة والصيام؟ الجواب إن النبي ﷺ لما بين نقصان عقل المرأة ونقصان دينها، قامت امرأة تسأل وتقول: (وما نقصان ديننا يا رسول الله؟ قال: أليس إحداكن إذا حاضت لم تصل ولم تصم، قالت: بلى يا رسول الله، قال: فذلك من نقصان دينها) وقد انعقد الإجماع على ذلك، والله ﵎ أعلم.

стр. 479

جواز سجود المرأة الحائض سجدة التلاوة السؤال إذا سمعت المرأة الحائض آية فيها سجدة تلاوة، هل لها أن تسجد؟ الجواب ذهب فريق من أهل العلم إلى جواز ذلك، واستدل: (بأن رسول الله ﷺ تلا على أصحابه وعلى المشركين سورة النجم حتى بلغ قوله تعالى: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ * فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم:٢٩ - ٦٢] فسجد الجميع مع رسول الله ﷺ ، إلا رجلاً كافراً كان ضخماً لم يستطع السجود فأخذ كفاً من الحصى فسجد عليه) ووجه الدلالة: أنه يصعب أن يقال: إن الجميع كانوا على وضوء، فهذا وجه الاستدلال والله تعالى أعلم. بيد أن من العلماء من يمنع أيضاً، لكن هذا اختيارنا ألا وهو جواز سجدة التلاوة من المرأة الحائض، والله تعالى أعلم.

стр. 480

حكم دخول المرأة الحائض المسجد السؤال وهذا سؤال من الأهمية بمكان كبير ألا وهو: هل يجوز للحائض أن تدخل المسجد، أو لا يجوز لها ذلك؟ الجواب ذهب فريق من أهل العلم إلى أنه لا يجوز للمرأة الحائض أن تدخل، واستدلوا بجملة من الأدلة منها: ما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إني لا أحلُّ المسجد لجنب ولا لحائض)، وهذا الحديث لو ثبت عن رسول الله ﷺ لكان فاصلاً في المسألة فهو صريح الدلالة، إلا أنه لا يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فسنده ضعيف. الدليل الثاني الذي استدل به المانعون من دخول المرأة المسجد: هو قول الله ﵎: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء:٤٣] قالوا: والمراد بالصلاة هاهنا: مواضع الصلاة. أما الدليل الثالث: فهو أن رسول الله ﷺ كان يدني رأسه لـ عائشة ﵂ وهو في المسجد، فأنتم تعرفون أن غرف رسول الله كانت لها أبوب إلى المسجد، ورسول الله ﷺ كان يكون في المسجد فيدني رأسه لـ عائشة رضي الله تعالى عنها وهي في غرفتها، حتى ترجله وهي حائض، فقالوا: لو كان دخول الحائض المسجد جائزاً لدخلت عائشة رضي الله تعالى عنها المسجد، ورجلت رأس رسول الله ﷺ في المسجد. أما معنى ترجيل الشعر: فهو تمشيط الشعر، فكانت عائشة رضي الله تعالى عنها تمشط شعر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فليت النسوة يفعلن ذلك مع رجالهن، فهذه تكاد أن تكون سنة. أيضاً استدل المانعون بأن النبي ﷺ لما أمر بإخراج الحيض إلى صلاة العيد، قال ﷺ : (ويعتزل الحيض المصلى) فهذه أدلة المانعين من دخول الحائض المسجد. أما الذين جوزوا للمرأة الحائض أن تدخل المسجد فمن أدلتهم ما يلي: أولاً: قالوا: إنه لم يرد خبر صحيح صريح يمنع الحائض من دخول المسجد، قالوا: والخبر الصريح في ذلك: (إني لا أحل المسجد لجنب ولا لحائض) وهو ضعيف الإسناد. وأجابوا عن الآية الكريمة: ﴿وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء:٤٣] قال بعض المالكية: نحن نفرق بين الجنب والحائض من ناحية أن الجنب أمره بيده، فإذا منع من شيء قد يبادر إلى الاغتسال كي يفعل هذا الشيء، أما المرأة الحائض فلا يمكنها ذلك. الشيء الثاني الذي أجابوا به على ما ذكر: ذكروا من قوله ﷺ : (ويعتزل الحيض المصلى) قالوا: إن المراد بالمصلى: الصلاة؛ وذلك لأن النبي ﷺ لم يكن يصلي العيد في المسجد، إنما كان يصليه في الفضاء، فقالوا: إن قوله: (ويعتزل الحيض المصلى) أي: ويعتزل الحيض الصلاة. فأول ما استدل به المجيزون ألا وهو البراءة الأصلية، فقالوا: إن الوارد في هذا الباب الصحيح منه ليس بصريح، والصريح منه ليس بصحيح. وقالوا أيضاً: ومما يستدل به على جواز دخول الحائض المسجد: أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد -أي: كانت تجمع القمامة من المسجد- على عهد رسول الله ﷺ ، قالوا: ولم يرد أن النبي ﷺ أمرها أن تترك خدمة المسجد وقت حيضتها. الدليل الثالث الذي استدل به القائلون بجواز دخول الحائض المسجد مادام المسجد لم يتلوث: أن النبي ﷺ قال لـ عائشة -لما حاضت وكانت مع النبي ﷺ في الحج-: (افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت) قالوا: والحاج من النساء لها أن تدخل المسجد، ولكن لا تطوف؛ لأن الطواف بمثابة الصلاة مع الفروق الواردة في محلها. استدلوا أيضاً بأن النبي ﷺ قال: (إن المؤمن لا ينجس) فهذا دليل استدلوا به أيضاً. واستدلوا كذلك بأن عطاء بن يسار قال: رأيت رجالاً من أصحاب رسول الله ﷺ يجلسون في المسجد وهم مجنبون إذا توضئوا وضوء الصلاة، ومن ناحية الإسناد إسناده حسن. فهذه بعض استدلالات الفريقين، والذي يبدو والله أعلم: أن المانعين ليست لهم حجة قوية صريحة، والذي يبدو أن المسجد إذا أمن من التلوث فإنه يجوز للحائض دخوله، والله ﵎ أعلم. فنسأل الله أن يغفر لنا إذا كنا قد أخطأنا في هذه المسألة، والموفق لكل صواب هو الله .

стр. 481

حكم الذكر وقراءة القرآن للمرأة الحائض السؤال هل يجوز للحائض أن تذكر الله، وأن تقرأ القرآن؟ الجواب نعم يجوز لها ذلك؛ وذلك لأن رسول الله ﷺ قال لـ عائشة ﵂ لما حاضت: (افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت) والحاج يستحب له أن يلبي، وأن يحمد الله، وأن يكبره وأن يهلله، وأن يقرأ القرآن، فعلى ذلك: يجوز للحائض أن تفعل ذلك. ثم أيضاً صح عن عائشة ﵂ أنها قالت: (كان رسول الله ﷺ يذكر الله على كل أحيانه) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه. والمانعون لم يمنعوا من الذكر إنما منعوا من تلاوة القرآن، واستدلوا بحديث علي ﵁ وفيه: (أن النبي ﷺ كان يقضي حاجته، ثم يخرج فيقرأ القرآن ويأكل معنا اللحم، ولا يحجبه من القرآن شيء إلا الجنابة) وهذا الحديث لو صح لالتزمنا العمل به، لكنه ضعيف الإسناد ولا يثبت عن رسول الله ﷺ ، ونحوه حديث جابر بن عبد الله ﵄، وحديث عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: (لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئاً من القرآن) وهذا الخبر لو ثبت لكان فاصلاً، لكنها أخبار ضعيفة لا تثبت عن رسول الله ﷺ . ثم هناك فرق بين قراءة القرآن ومس المصحف، وقد ذهب أكثر العلماء إلى منع المرأة من مس المصحف، واستدلوا بدليلين: الدليل الأول: قول الله ﵎: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٩]. الدليل الثاني: ما ورد عن رسول الله ﷺ من قول: (لا يمس القرآن إلا طاهر) فهذان الدليلان استدل بهما كثير جداً من أهل العلم على منع الحائض من مس المصحف، وعارض في ذلك آخرون كـ أبي محمد ابن حزم رحمه الله تعالى؛ فجوز للمرأة مس المصحف، وأجيب على الاستدلال بالآية على النحو التالي: قالوا -أعني: الذين جوزوا للحائض أن تمس المصحف-: إن الله قال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٧ - ٧٩] قالوا: فقوله تعالى: (لا يمسه) عائد على الكتاب المكنون، والمطهرون هم: الملائكة، قالوا: ومما يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس:١٣ - ١٦] والسفرة هم: الملائكة، قالوا: فالكتاب المكنون هو المعني بقوله تعالى: (لا يمسه) والمطهرون هم: الملائكة. وأجاب المجيزون لمس المصحف على حديث: (لا يمس القرآن إلا طاهر): بأن هذا الحديث لا يثبت عن رسول الله ﷺ من كل الطرق، هذا وجه جوازه، ولكن من باب الاحتياط نقول: إذا أرادت المرأة أن تمس المصحف فلتمسه بقفاز وهذا أبعد عن النزاع. والله ﵎ أعلم.

стр. 482

سبب نزول قوله تعالى: (ويسألونك عن المحيض) السؤال سائلة من الأخوات الفضليات تسأل عن سبب نزول قول الله ﵎: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة:٢٢٢] وعن معنى الآية الكريمة؟ الجواب إن سبب نزول هذه الآية الكريمة ما أخرجه الإمام مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها -أي: لم يجلسوا للأكل معها- ولم يجامعوهن في البيوت، فكانت اليهود إذا حاضت المرأة أخرجوها من البيت، فسأل الصحابة النبي ﷺ عن ذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة:٢٢٢] فقال رسول الله ﷺ : (اصنعوا كل شيء إلا النكاح) فأصبح المحذور هو النكاح. قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ﴾ [البقرة:٢٢٢] المراد بالاعتزال: اعتزال الجماع في الفرج؛ لقول الرسول ﷺ : (اصنعوا كل شيء إلا النكاح) فبلغ ذلك اليهود فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئاً إلا خالفنا فيه. أي: أن محمداً ﵊ كلما سمع أننا نفعل شيئاً خالفنا وفعل شيئاً آخر. فجاءه أسيد بن حضير وعباد بن بشر وهما صحابيان جليلان فقالا: (يا رسول الله! إن اليهود يقولون كذا وكذا فلا نجامعهن في البيوت فتغير وجه رسول الله ﷺ يعني: أنه لم يرض أبداً بالكلام الذي جاء به أسيد بن حضير وعباد بن بشر رضي الله تعالى عنهما. والمعنى: أن الرسول ﷺ جعل الذي حرم فقط من المرأة الحائض هو الجماع بالفرج، أما ما سوى ذلك من مساكنتهن في البيوت، ومن المباشرة فيما دون الفرج، فكل ذلك جائز وكل ذلك قد ثبت عليه الأدلة، فالمراد بالاعتزال: اعتزال النكاح في الفرج وعلى هذا كثير من أهل العلم؛ وذلك لقول النبي ﷺ : (اصنعوا كل شيء إلا النكاح)، ولحديث بعض أزواج النبي ﷺ قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا أراد من الحائض شيئاً -أي أن يستمتع منها بشيء- ألقى على فرجها شيئاً) أي: جعل هذا الشيء على الفرج كالحائل بينه وبين الإيلاج، ويستمتع بما فوق هذا الشيء الذي وضع على الفرج، أي: أنه يستمتع بكل شيء من زوجته إلا الإيلاج في الفرج. وأيضاً ورد في هذا عند ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى بسند صحيح، عن عائشة رضي الله تعالى عنها: جاءها مسروق فدخل عليها فقال: السلام على النبي وعلى أهل بيته، فقالت عائشة: أبو عائشة؟ -أي: أنت أبو عائشة، فـ مسروق له بنت اسمها: عائشة - مرحباً، فأذنوا له فدخل فقال: إني أريد أن أسألك عن شيء وأنا أستحي، فقالت: إنما أنا أمك -تعني أن الله قال: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب:٦] وأنت ابني، فقال: ما للرجل من امرأته وهي حائض؟ قالت: له كل شيء إلا الفرج. ثم إن عائشة رضي الله تعالى عنها من أعلم النساء بذلك؛ إذ هي زوجة رسول الله ﷺ ، ومثل هذه المسألة الدقيقة هي أعلم بها بلا شك من غيرها. هذا ومن العلماء من قال: إن المراد من قوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾: اعتزال ما بين السرة إلى الركبة، قالوا: فيجوز للرجل أن يفعل أي شيء مع امرأته إلا في المنطقة ما بين السرة إلى الركبة، قالوا: والدليل على هذا: ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث ميمونة أم المؤمنين ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يباشر امرأة من نسائه أمرها فاتزرت وهي حائض). أجاب الأولون على ذلك: بأن هذا يفعل أحياناً، وما ذكر أولاً من وضع شيء على الفرج فقط يفعل أحياناً، أو من خيف عليه أن يقع في المحذور، فله حينئذ أن يأمر امرأته أن تضع شيئاً من سرتها إلى ركبتها تأتزر به؛ حتى لا يقع في جماع المرأة وهي حائض. والله ﵎ أعلم. أيضاً استدلوا على ذلك: بأن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (كنت أغتسل أنا والنبي ﷺ من إناء واحد كلانا جنب، وكان يأمرني فأتز فيباشرني وأنا حائض)، وأيضاً صح عن رسول الله ﷺ أنه سئل: (ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ قال: لك ما فوق الإزار) وهذا لا اختلاف بينه وبين القول؟ فوجه الجمع كما قدمناه. والله ﵎ أعلم.

стр. 483

حكم جماع المرأة التي طهرت من الحيض قبل اغتسالها السؤال إذا رأت المرأة الطهر من المحيض وعلامة الطهر تتمثل في: القصة البيضاء، أو الجفوف، القصة البيضاء تعرفها النساء: وهي سائل أبيض ينزل من المرأة عقب انقضاء مدة الحيض، أو الجفوف: هو وضع قطنة في الفرج فتخرج جافة بعد انقضاء زمن الحيض، فإذا رأت المرأة الطهر الذي يرى بالقصة البيضاء أو بالجفوف ولم تغتسل، هل لزوجها أن يجامعها قبل أن تغتسل؟ الجواب هذا سؤال حسن جوابه: لا يجوز لزوجها أن يجامعها إذا رأت الطهر إلا إذا اغتسلت، والدليل على ذلك: أن الله ﵎ قال في كتابه الكريم: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة:٢٢٢] أي: يرين الطهر ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ [البقرة:٢٢٢] أي: فإذا اغتسلن ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٢٢]، وعلى هذا جمهور أهل العلم، وأعني بقولي جمهور أهل العلم: أكثر أهل العلم، فأكثر العلماء على أنه لا يجوز للرجل أن يجامع زوجته إذا رأت الطهر إلا إذا اغتسلت بعد رؤية الطهر، أما إذا لم تجد الماء فلها أن تتيمم شأنها شأن مريد الصلاة وفاقد الماء. والله أعلم. أيضاً سؤال يطرح لكن لإخواننا الذين تزوجوا بكتابيات -يهوديات أو نصرانيات- وهن باقيات على دينهن، وهذا الزواج جائز؛ لأن الله قال: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة:٥] أي: العفيفات، فإذا تزوج شخص بكتابية وهي باقية على دينها، هل يجوز له أن يجامعها إذا طهرت من المحيض ولم تغتسل؟ فأيضاً أكثر العلماء على المنع؛ لأن الله قال: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ [البقرة:٢٢٢] أي: فإذا اغتسلن ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٢٢] والله ﵎ أعلم.

стр. 484

عدم جواز طاعة المرأة لزوجها في الحرام السؤال هذا سؤال ينم عن محاولة خاطئة من رجل لاستحلال ما حرم الله! فسائلة تسأل تقول: زوجها يطلب منها الجماع وهي حائض، ويأمرها بالسمع والطاعة ويذكرها بحديث النبي ﷺ في شأن الزوج: (انظري فإنما هو جنتك أو نارك) يعني: إذا أطعت الزوج دخلت الجنة، وإذا عصيته دخلت النار، فهل تطيعه؟ الجواب أن الحديث ابتداءً حديث صحيح ثابت عن رسول الله، لكن هذا حق أريد به باطل، فطاعته إنما هي بالمعروف كما قال ﷺ ، فلا يجوز لامرأة أن تطيع زوجها فيما فيه معصية الله، إذا طلب منها زوجها الجماع وهي حائض فلا تطعه؛ لأن الله قال: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة:٢٢٢] فلا تطع الزوج إذا دعاها للجماع وهي حائض، ولا تطعه إذا دعاها للوطء في الدبر، فإن هذا من الكبائر، وقد قال النبي ﷺ : (إنما الطاعة في المعروف)، وقال صلوات الله وسلامه عليه: (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، قيل: كيف ننصره ظالماً يا رسول الله؟! قال: تمنعه من الظلم) وهذا الذي يحاول أن يظلم نفسه وأن يواقع زوجته وهي حائض يمنع من ظلمه، فلا يجوز للمرأة أن تطيعه في هذا ولا في أية معصية، والله ﵎ أعلم.

стр. 485

جواز نوم الحائض مع زوجها في لحاف واحد السؤال سائلة تسأل: هل يجوز لها وهي حائض أن تنام مع زوجها في لحاف واحد؟ الجواب نعم ذلك جائز ولا مانع منه، وقد قالت أم سلمة ﵂: (بينما أنا مضطجعة مع النبي ﷺ في خميصة إذ حضت، فانسللت -أي: جاءتني الحيضة فتسللت وخرجت- من تحت اللحاف فأخذت ثياب حيضتي، فقال: أنفست؟ -يعني: أحضت، والحيض يطلق عليه نفاس- قلت: نعم، فدعاني فاضطجعت معه في الخميلة). فمن ثم قال العلماء يرحمهم الله تعالى: لا تكره مضاجعة الحائض، ولا تكره قبلة الحائض، ولا يكره وضع يدها في شيء من المائعات، يعني: لا تمنع الحائض من الطبيخ، ولا تمنع من غسل ثياب، ولا تمنع من وضع يدها في ماء، ولا تمنع من أي شيء، فإن هذا المنع من عمل اليهود المتشددين المتنطعين، فهذه أمور أحدثوها وابتدعوها في الأديان، وليست في كتاب الله وليست في سنة رسول الله ﷺ .

стр. 486

حكم تغسيل الحائض لامرأة ميتة السؤال كثير من النسوة يسألن: هل يجوز للمرأة الحائض أن تغسل امرأة قد ماتت؟ الجواب لا مانع من ذلك، ولم يرد عن رسول الله ﷺ دليل يمنع من ذلك. والله أعلم، وصل اللهم على نبينا محمد وسلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 487

شرح آيات الحج من سورة الحج تضمنت آيات سورة الحج بعضاً من أحكام وأمور الحج التي ينبغي التنبه لها، كخطورة الشرك بالله في تلك البقاع، ومشروعية الإكثار من الطواف، ومشروعية المشي والركوب في الحج، ومشروعية البيع والشراء في الحج، ومشروعية الإمساك عن الشعر والأظفار عند دخول العشر لمن أراد أن يضحي، وحكم التضحية من غير بهيمة الأنعام، وبعض الأحكام التي تخص مكة، بالإضافة إلى بعض أحكام الأضحية.

стр. 488

تفسير قوله تعالى: (وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت) باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد: فسنتناول تتمة موضوع الحج حتى تتكامل أحكامه إن شاء الله، وكذلك نتناول ما يتعلق بالأضاحي، وبأحكام العشر الأول من ذي الحجة. والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله. يقول الله في كتابه الكريم: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ * وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج:٢٦ - ٢٨]. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ [الحج:٢٦] أي: هيأناه له ﵊، وجعلناه له متبوأً ومنزلاً.

стр. 489

وجه المناسبة بين قوله: (وإذ بوأنا) وقوله: (أن لا تشرك بي شيئاً) فإن قال قائل: ما هي مناسبة قوله تعالى: ﴿أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾ [الحج:٢٦] مع قوله سبحانه: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ [الحج:٢٦]؟ المناسبة -والله أعلم- أن كثيراً من الناس يشركون في بيوت الله ، كما هو حادث الآن، ولذلك قال الله جل ذكره: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن:١٨]، فكما هو واضح في عموم المساجد أن كل مسجد به قبر يشرك فيه بالله ، كقبر التاج البدوي وقبر الحسين وغيرهما من القبور. وكان الأمر أشد من ذلك قبل بعثة النبي ﷺ ، فكان أهل الشرك قد جعلوا حول الكعبة ثلاثمائة وستين صنماً، إلى أن جاء النبي ﷺ فاتحاً مكة، فرأى هذه الأصنام الثلاثمائة والستين، ورأى أيضاً صورة إبراهيم وإسماعيل في الكعبة وهما يستقسمان بالأزلام. والاستقسام بالأزلام معناه: أن يأتي الشخص بثلاثة أقداح إذا أراد أن يفعل شيئاً، قدح مكتوب عليه افعل، وقدح مكتوب عليه لا تفعل، وقدح أبيض، ثم يديرها دورة فيجعل سهماً، إذا وقف السهم عند القدح الذي عليه افعل فعل، وإن وقف على القدح الذي عليه لا تفعل، لم يفعل، وإن وقف على القدح الذي هو أبيض، يعيد الدورة من جديد. فالشاهد: أن المساجد أشرك فيها بالله فجاء الاحتراز: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحج:٢٦] الأمر بالتطهير عام: طهره من النجاسات، وطهره من الأوساخ، وطهره من القاذورات، وهناك تطهير أعظم من هذا التطهير، وهي التطهير من الأوثان، والتطهير من الشرك. ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ [البقرة:١٢٥]، فيؤخذ من هذه الآية فضل الموظف والعامل على نظافة المسجد، فالموظف والعامل على نظافة المسجد سلفه خير البرية إبراهيم ﷺ . فقد جاء رجل إلى رسول الله ﷺ وقال: (يا خير البرية. فقال النبي ﷺ : ذاك إبراهيم ﵇، فإذا كان سلفك يا من تنظف المسجد هو إبراهيم وإسماعيل ﵉، فلا معنى لاستنكافك عن هذه الأعمال الكريمة عند الله سبحانه، فرب مهنة يستنزلها الناس ويستقبحونها وصاحبها عند الله في منزلة سامية عالية، ورب مهنة يستعظمها الناس في دنياهم وهي مهنة رديئة ملعون صاحبها، فالمؤذن في المسجد مهنة يستقبحها الناس الآن ويحتقرون المؤذن. والرسول ﵊ يقول: (المؤذنون أطول الناس أعناقاً يوم القيامة)، ويقول ﵊: (إن المؤذن يشهد له ما سمعه من إنس أو جن أو حجر أو مدر)، وقال ﵊: (لا يسمع مدى صوت المؤذن إنس ولا جن ولا شجر ولا حجر إلا شهد له يوم القيامة) فيأتي المؤذن يوم القيامة وجيهاً طويل العنق. وعلى العكس من ذلك مثلاً مدير بنك ربوي، فإن الرسول يقول في شأن المرابين: (لعن الله آكل الربا وكاتبه ومؤكله وشاهديه).

стр. 490

مشروعية الإكثار من الطواف قول الله تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحج:٢٦] بالنسبة للطواف بالبيت يسن ويشرع للحاج وللمعتمر أن يكثر من الطواف بالبيت بعد طواف الفرض، أو بعد طواف النسك الذي تلبس به، فإذا حججت أو اعتمرت فلك أيضاً بعد أن تعمل أعمال الحج، أو في أثناء أعمال الحج أن تذهب وتطوف بالبيت الحرام، وتكثر من الطواف، تطوف كل مرة سبعة أشواط وتصلي ركعتين خلف مقام إبراهيم، فمن كان متمتعاً وتحلل فلا بأس له أن يطوف أثناء تاحلله وذلك أجر وثواب عند الله سبحانه، فتكثر من الطواف بثيابك المعتادة. وقد ورد في بعض الطرق أن النبي ﷺ كان ينزل في أيام التشريق من منىً إلى مكة كي يطوف بالبيت ليلاً ثم يرجع ﵊، فيسن لك قدر الاستطاعة أن تكثر من الطواف بالبيت بعد أن تؤدي أعمال النسك التي عملتها، وهذه سنة هجرها الكثيرون، لكن رسول الله ﷺ كان يكثر من فعلها. وقد قال النبي ﵊: (يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحداً طاف بالبيت وصلى في أي ساعة شاء من ليل أو نهار) فأخذ العلماء من هذا الحديث جواز الطواف وصلاة ركعتين في أوقات الكراهة فضلاً عن أوقات الإباحة. ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ﴾ [الحج:٢٦] أي: والمصلين ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج:٢٦]. ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ [الحج:٢٧] أذن أي: ناد. والكلام لإبراهيم ﷺ أي: نادِ يا إبراهيم في الناس أن هلموا وأقبلوا إلى الحج، قال المفسرون: ففعل إبراهيم ﷺ ما أمر به، ولم يكن هناك من يسمع فنادى: يا أيها الناس! إن الله كتب عليكم الحج فحجوا، فكل الناس إلى أن ينزل عيسى ابن مريم يقول: لبيك اللهم لبيك. أي: إجابة لك يا الله بعد إجابة إذ دعوتنا إلى حج بيت الله الحرام، فعلى ذلك قول القائل: لبيك اللهم لبيك. كلمة: اللهم. معناها: يا الله، أي: سمعنا لك وأجبنا داعيك أجبنا، تكرير يفيد التأكيد.

стр. 491

مشروعية المشي والركوب في القدوم للحج وأثناء أداء مناسكه ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج:٢٧] الأذان: الإعلام. ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ [الحج:٢٧] أي: على أرجلهم. ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج:٢٧] الضامر: هو الجمل الذي أتى هزيلاً متعباً مرهقاً من طول وعناء ومشقة السفر، فالجمل أو الفرس إذا مشي هذه المسافات الطويلة ووصل إلى بيت الله الحرام من مسافات شاسعة أصبح ضعيفاً وضامراً وهزيلاً، فيقال: ضمر الشيء: إذا انكمش ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج:٢٧]. قوله : ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ [الحج:٢٧] فيه جواز الحج ماشيا ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [الحج:٢٧] فيه جواز الحج راكباً، وقد ركب النبي ﷺ ، وحمل بعض الصحابة حتى على إبل الصدقة، وكان ﵊ من عرفات إلى مزدلفة قد أردف الفضل بن عباس وأسامة بن زيد خلفه ﷺ ، فدل ذلك على أنه ﵊ كان راكباً، فلك أن تركب ولك أن تمشي، وإذا أرهقت أو أرهقت والدتك، أو أرهق أخوك أو أرهق أبوك فللمرهق أن يطوف بالبيت راكباً. اشتكت أم سلمة إلى رسول الله ﷺ فأمرها أن تطوف بالبيت راكبة، وليس هذا بناقص في الأجر، فإن العبد إذا مرض أو سافر كتب له من الأجر ما كان يعمل وهو صحيح مقيم، فلك أن تطوف إذا تعبت أو أرهقت وأنت محمول على الأكتاف، لحديث أم سلمة أن النبي ﷺ رخص لها أن تطوف بالبيت وهي راكبة، ولك أيضاً أن تسعى بين الصفا والمروة وأنت راكب. وإذا قدر عليك وجئت إلى عرفات بعد غروب الشمس فلا بأس بحجك أيضاً، فإن النبي ﷺ قال لـ عروة بن مضرس لما وصل إليه وقال: يا رسول الله! أكللت نفسي وأتعبت راحلتي، وما تركت حبلاً إلا وقفت عليه حتى أدرك معكم الصلاة بمزدلفة. صلاة الفجر فقال ﵊: (من صلى معنا الغداة بجمع) أي: الفجر بمزدلفة (وكان قبل ذلك وقف ساعة من ليل أو نهار بعرفات فقد أتم نسكه وقضى تفثه) أو كما قال ﵊، فإذا وقفت أي ساعة من ليل أو نهار بعرفات فحجك صحيح والحمد لله. قال الله سبحانه: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [الحج:٢٧] ففي ذلك جواز الحج راكباً وماشياً، وقد فعل النبي ﷺ كل ذلك. ومن مشى لعدم استطاعته الإنفاق على الركوب، فكما قال الرسول ﷺ لـ عائشة: (أجرك على قدر نصبك) وبالنسبة للنساء فقد قال الرسول ﷺ : (جهادكن الحج والعمرة) وذلك لما قالت عائشة رضي الله: (نرى الجهاد أفضل الأعمال أفلا نجاهد؟ قال: لكن جهاد لا قتال فيه حج مبرور) فالحج مشقة على النساء لكنه جهادهن كما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه. ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج:٢٧] والفج الطريق، ومنه قول الرسول ﷺ : (وكل فجاج منىً ومكة طريق ومنحر) يعني أن لك أن تذبح في أي مكان في منىً أو في مكة. ﴿يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج:٢٧] أي: طريق بعيد.

стр. 492

تفسير قوله تعالى: (ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله) ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج:٢٨] استدل بها العلماء على مشروعية التجارة في الموسم فإخواننا الذين يذهبون للحج ويتاجرون أيضاً لا بأس بتجارتهم في الحج لهذه الآية الكريمة ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج:٢٨] فإذا تاجرت في الحج فبعت واشتريت فلا بأس، ما لم يشب البيع والشراء كذب ولا غش ولا رفث، فالبيع المبرور من أطيب الأرزاق. قال الله سبحانه ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج:٢٨] الأيام المعلومات هي: العشر الأول من ذي الحجة، والأيام المعدودات في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة:٢٠٣] هي: الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجة، وتسمى أيام التشريق، قال فيها الرسول ﷺ : (أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله .

стр. 493

الكف عن الشعر والظفر لمن أراد أن يضحي أما الأيام المعلومات فهي: العشر الأول من ذي الحجة، وقد قال النبي ﷺ : (إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يضحي، فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئاً) فإذا كنت تريد أن تضحي في العيد فلا يشرع لك أن تأخذ من شعرك ولا من أظفارك شيئاً. هذا الامتناع يبدأ من دخول أول ليلة من ليالي ذي الحجة، (إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئاً). وهل هذا النهي للتنزيه أو للتحريم؟ ذهب كثير من أهل العلم إلى أنه للتنزيه، واستدل الإمام الشافعي رحمه الله تعالى على الجواز بأن أم المؤمنين عائشة قالت: (كنت أفتل قلائد النبي ﷺ فيرسل بها من المدينة إلى مكة ولا يحرم عليه شيء مما يحرم على المحرم) وهذه سنة ما رأينا أحداً أبداً من أهل بلادنا ولا سمعنا أنه فعلها، ما هي هذه السنة؟ يسن للموسر الذي لا يستطيع الحج أن يرسل هدياً إلى مكة. فقولها: (كنت أفتل قلائد النبي ﷺ بيدي ثم يرسل بها من المدينة إلى مكة ولا يحرم عليه شيء مما يحرم على المحرم)، استدل الإمام الشافعي رحمه تعالى بهذا الحديث من قولها: (لا يحرم عليه شيء مما يحرم على المحرم) أنه يحل له أن يأخذ من شعره وأظفاره، مع أنه سيضحي ﵊. لكن هذا الاستنباط الذي استنبطه الإمام الشافعي ليس صريحاً كتلكم الصراحة الموجودة في قوله ﵊: (إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئاً) هذا أصرح في النهي، ولكن الأمر عند كثير من أهل العلم على أن الكراهة للتنزيه، لأنه الأضحية ليست بواجبة من أصلها، إنما هي مستحبة على ما سيأتي بيانه إن شاء الله. وأما بالنسبة للسنة المهجورة فإنه يسن للموسر أن يرسل هدياً إلى مكة إن لم يذهب إلى الحج، أعني أنه إذا وسع الله عليك فأرسل هدياً أو هديين أو ثلاثة على قدر استطاعتك مع الذاهب إلى الحج، ليذبحها لك هناك وأنت مأجور ومثاب إن شاء الله، هذه سنة ثابتة عن رسول الله ﵊.

стр. 494

لا تصح الأضحية إلا إذا كانت من بهيمة الأنعام قال سبحانه: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج:٢٨] في هذا رد على ابن حزم الذي زعم أنه يجوز للرجل أن يضحي بديك، وورد أثر ضعيف الإسناد عن بلال ﵁ وهو الذي ركب عليه قول العامة: مؤذنٌ ضَحَّى بمؤذنٍ. وهذا لا يثبت عن بلال رضي الله تعالى عنه. قال الله سبحانه: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج:٢٨] والأنعام ثمانية قال الله سبحانه: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر:٦] وقال سبحانه في الآية الأخرى: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام:١٤٣] ﴿وَمِنَ الإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام:١٤٤] الآيات. فعلى ذلك يؤخذ أيضاً كما قدمنا أنه يجوز لك أن تضحي بالأنثى، لأنها داخلة في الأنعام، وسيأتي مزيد لذلك في باب الأضحية قريباً إن شاء الله. ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج:٢٨] أخذ العلماء من هذه الآية استحباب الأكل من الأضحية استحباب الأكل من دم التمتع أو من الهدي بصفة عامة؛ لأن الله قال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج:٢٨] وثبت أن النبي ﵊ لما نحر هديه وكانت مائة من الإبل، أمر بقطعة من كل واحدة منها فوضعها في قدر وأكل منها الرسول ﵊ وشرب من مرقها، فهذه السنة وهذه الآية فيها دليل على استحباب الأكل من الهدي. والذي يضع ماله في بنك كبنك الراجحي وغيره من البنوك، هو من باب التوكيل في الذبح وذلك جائز، لأن النبي ﵊ نحر ثلاثاً وستين، وأعطى علياً فنحر الباقي لرسول الله ﷺ . فالتوكيل في الهدي جائز، لكن الأفضل أن تذبح أنت بيديك إن استطعت وكنت تعرف، فإن النبي كان ينحر بيديه ﷺ ، ويستحب لك أن تأكل منها كذلك، فقد أكل منها رسول الله ﷺ ، لكن إن لم تستطع فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج:٢٩] قضاء التفث المراد به: إزالة الأوساخ التي علقت بالبدن، ويدخل فيه قص الأظفار وحلق الشعر ونتف الأبط وحلق العانة ونحو ذلك. ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج:٢٩] أي: التي كانوا قد نذروها من قبل، فمنهم من نذر أن يحج، ومنهم من نذر أن يذبح، ومنهم من نذر أن يطوف، ومنهم من نذر أن يصلي في الحرم، ومنهم من نذر أن يصلي أي صلاة كانت هناك ما دامت مباحة. ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٩] والعتيق هو القديم. كما قال ابن مسعود في بعض السور الطوال: إنهن من العتاق الأول، إنهن من تلادي، أي: من قديم حفظي.

стр. 495

تفسير قوله تعالى: (ذلك ومن يعظم حرمات الله) قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج:٣٠] الرقيب عليك في تعظيم حرمات الله هو الله سبحانه، فمن الذي يدري هل أنت أهديت أم لم تهد؟ هل رميت الجمرات أم لم ترم؟ هل عظمت حرمة مكة أم لم تعظمها؟ فلمكة حرمة. فعلى كل الحجيج أن ينتبهوا إلى هذه الحرمة، الذنوب في مكة تتضاعف، والله يقول في الحرم ككل، وللمعلومية الحرم يشمل مكة بكاملها ويشمل منى أيضاً، فمنى من الحرم، ويشمل أيضاً جزءً من مزدلفة، فكل هذه تنسحب عليها أحكام الحرم، والله يقول: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج:٢٥] قال الرسول ﷺ في شأن مكة: (لا يقطع شجرها، ولا يعضد شوكها، ولا تلتقط لقطتها). ومعنى: (ولا يقطع شجرها، ولا ينفر صيدها) أي: لا يجوز لك أن تفزع حمامة أمامك وتطيرها، ولا يجوز لك أن تقتل الصيد في الحرم، جرادة موجودة لا يجوز لك أن تقتلها حمامة موجودة لا يجوز لك أن تقتلها شجرة موجودة لا يجوز لك أن تقطع منها ورقة وتعبث بها، هكذا قال الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فلمكة حرمة يجب أن تراعى، لو وجدت أموالاً في الطريق، فإما أن تتركها، أو تأخذها وتسلمها للأمانات، ليس لك أن تلتقط لقطة مكة أبداً، ففيها تشديد من رسول الله ﷺ . والمدينة كمكة في هذا الشأن قال ﵊: (اللهم إن إبراهيم حرم مكة، وإني أحرم المدينة ما بين لابتيها كما حرم إبراهيم ﷺ مكة) الحديث. قال الله : ﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج:٣٠]. الرجس: يطلق على النجس، والأوثان نجسة، لكن ليست نجاسة حسية وإنما هي نجاسة معنوية. والزور: يطلق على الشرك، ويطلق على شهادات الزور، وهو عام، وقد علمتم أن الزور من أكبر الكبائر (ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت).
следующие страницы →