Полный текст (802 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
حكم من أكل أو شرب ناسياً
السؤال
ما حكم من أكل أو شرب ناسياً في رمضان أو في صوم تطوع؟
الجواب
من أكل أو شرب ناسياً فإنما أطعمه الله وسقاه، كذا ورد عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أنه قال: (من أكل أو شرب ناسياً فإنما أطعمه الله وسقاه)، وهذا نص عام، يشمل صائم الفريضة والنافلة على السواء، وبالله تعالى التوفيق.
стр. 632
حكم صيام الصبيان
السؤال
هل يستحب لنا أن ندرب صبياننا على الصيام أم أن هذا فيه مشقةٌ عليهم؟
الجواب
يستحب لك أن تدرب أبناءك وبناتك الصغار على الصيام، وقد أحسن من قال: وينشأ ناشئ الفتيان منا على ما كان عوده أبوه وفي الصحيح عن الربيع بنت معوذ ﵂ قالت: (أرسل النبي ﷺ غداة عاشوراء إلى قرى الأمصار: من أصبح مفطراً فليتم بقية يومه، ومن أصبح صائماً فليصم، قالت: فكنا نصومه بعد، ونصوّم صبياننا ونجعل لهم اللعبة من العهن، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذاك حتى يكون عند الإفطار)، أي: أن الطفل كان يصوّم فيدرب على الصيام، فإذا جاع وبكى أعطوه لعبة من الصوف يلعب بها وينشغل بها حتى يؤذن المؤذن للمغرب فيفطرون ويفطر، وقد ورد أن عمر رضي الله تعالى عنه قال لرجل سكران في رمضان: (ويلك! كيف تفطر وصبياننا صيام؟!)، فضربه عمر ﵁.
فالشاهد: أن هذا الأثر يفيد أن الصبية كانوا يصومون زمن صحابة رسول الله ﷺ ، وفي عهد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
стр. 633
استحباب السحور للصائم
السؤال
هل يستحب للشخص أن يتسحر أم لا يستحب له ذلك؟
الجواب
نعم يستحب للشخص أن يتسحر، وذلك لقول النبي ﷺ : (تسحروا فإن في السحور بركة)، ويستحب له أن يؤخر ذلك السحور، بمعنى: أنه يجعل السحور قريباً من الفجر، وذلك لما أخرجه البخاري من حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: (كنت أتسحر في أهلي، ثم تكون سرعتي أن أدرك السجود مع رسول الله ﷺ ، وفي رواية: (أن أدرك السحور مع رسول الله ﷺ .
والرواية الأولى: (أن أدرك السجود)، عليها أكثر العلماء.
وكذلك ورد في هذا الباب من حديث زيد بن ثابت ﵁ قال: (تسحرنا مع النبي ﷺ ، ثم قام إلى الصلاة، قلت: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية)، أي: قدر ما يقرأ القارئ خمسين آية، فهذا يدل على تأخير السحور إلى قريب الفجر، وقد قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧]، وبالله التوفيق.
стр. 634
وقت إفطار الصائم
السؤال
هل يستحب لي أن أفطر إذا كنت صائماً بمجرد غروب الشمس، أم أن الأولى بي أن أنتظر حتى أتقين من أن الشمس قد غربت، وحتى تشتبك النجوم؟
الجواب
الأولى لك أن تعجل بالفطر إذا تأكدت من أن الشمس قد غربت، وذلك لقول رسول الله ﷺ في الحديث، الذي أخرجه البخاري وغيره: (لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر)، وكذا جاء عند البخاري من حديث عبد الله بن أبي أوفى رضي الله تعالى عنه قال: (كنت مع النبي ﷺ في سفر فصام حتى أمسى، ثم قال لرجل: انزل فاجدح لنا، قال: لئن انتظرت حتى تمسي، قال: انزل فاجدح لنا، إذا رأيت الليل أقبل من هاهنا فقد أفطر الصائم)، فأخذ من هذا تعجيل الفطر، وهو مستحب كما سمعتم، والله ﵎ أعلم.
стр. 635
وقت إمساك الصائم عن الأكل والشرب
السؤال
إذا أذن المؤذن للفجر وفي يدي لقمة فهل آكلها أم أنني أتوقف عن الطعام؟
الجواب
الذي عليه جمهور أهل العلم: أنك تتوقف عن الطعام مباشرةً إذا سمعت الأذان؛ لأن الله قال: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧]، ومن المعلوم أن المؤذن لا يؤذن إلا إذا رأى الخيط الأبيض؛ فهذا مستند الجمهور القائلين بأنك تتوقف عن الطعام.
بينما ذهب بعض العلماء إلى أنك تأكل؛ لحديث: (إذا أذن المؤذن وقد وضع أحدكم اللقمة على فيه فليأكلها)، إلا أن الجمهور ضعفوا هذا الحديث، وبالله تعالى التوفيق.
стр. 636
عدد ركعات قيام الليل في رمضان
السؤال
كم عدد ركعات قيام الليل في رمضان؟
الجواب
ورد عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: (ما زاد رسول الله ﷺ في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، كان يصلي أربعاً لا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي أربعة لا تسأل عن حسنهم وطولهن، ثم يوتر بثلاث)، فأخذ بعض علمائنا يرحمهم الله تعالى من هذا الحديث: أن صلاة الليل لا يزاد فيها على إحدى عشرة ركعة.
أما جمهور العلماء: فرأوا أن الأمر أوسع من ذلك، وذلك للآتي ذكره: وبين يدي ذكر أقوال العلماء وذكر استدلالاتهم ننبه على أمرٍ من الأهمية بمكان كبير، ألا وهو: أننا عند دراسة أي مسألة من مسائل الفقه نأخذ بكل الوارد فيها، ثم نصدر حكماً ينتظم جميع الوارد، ولا نبني على دليل واحدٍ ونترك باقي الاستدلالات، فحديث عائشة رضي الله تعالى عنها المذكور ثابت صحيح بلا شك، ولكن قد ورد عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها بسند صحيح أيضاً في الصحيح وغيره: (أن النبي ﷺ كان يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة)، وكذلك ورد عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما في الصحيح وغيره: (أن النبي ﷺ قام من الليل فصلى ركعتين، ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين، ثم أوتر)، فكان المجموع: ثلاث عشرة ركعة.
وكذلك ورد نحو هذا من حديث زيد بن خالد الجهني رضي الله تعالى عنه، وكذلك ورد في هذا الباب أن النبي ﷺ قال: (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة)، أي: توتر لك ما قد صليت، وكذلك ورد في هذا الباب أن النبي ﷺ قال: (من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة)، فكل هذه لا بد أن تؤخذ في الاعتبار.
وهذا القول له وجاهته وله استدلالاته: أن العبرة في قيام الليل ليست بعدد الركعات، إنما هي بزمن القيام لله، بمعنى: إذا صلى شخص إحدى عشرة ركعة في عشر دقائق، وصلى آخر أربع ركعات في ساعة كاملة بطمأنينة، قالوا: فالعبرة في زمن القيام، واستدلوا لذلك بأن الله قال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل:١ - ٤].
قالوا: فالتعويل هنا على الزمن وليس على عدد الركعات.
وكذلك قوله تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ [آل عمران:١١٣] أي: ساعات الليل، وكذلك قوله تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات:١٧]، وكذلك قول الرسول ﵊ وهو يصف أحب القيام إلى الله الذي هو قيام داود ﵊، فيقول: (كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه)، أي: أن النبي ﷺ فسر أحب القيام بأنه ثلث الليل، فهذا التفسير بناءً على الزمن ليس بناءً على عدد الركعات.
ولذا ذهب جماهير العلماء إلى أن صلاة الليل لم تؤقّت بتوقيت عدديٍ معين، بل للشخص أن يصلي كما يشاء من الليل؛ إذ ليست هناك ساعات من الليل نهى رسول الله ﷺ عن الصلاة فيها، فإذا قال قائلٌ: أنا سأصلي إحدى عشرة ركعة اتباعاً للعدد الوارد عن رسول الله، فنقول: قد ورد عن الرسول ﷺ ثلاث عشرة ركعة أيضاً، ثم نقول: إذا أردت أن توافق سنة النبي الكريم ﵊ -وهي خير السنن على الإطلاق- فانظرها كيف كانت، فقد كان يسجد السجدة كما في هذا الحديث التي ذكرته عائشة: (قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية)، فإذا كنت ستصلي منفرداً كما كان الرسول ﷺ يصلي في بيته منفرداً، وتطيق أن تسجد سجدة قدرها خمسين آية؛ فالأولى لك أن تصلي بهذه الطريقة في بيتك وحدك، أما إذا كنت إمام قوم وستصلي بهم تلك الصلاة التي صلاها الرسول ﷺ في بيته، فمن ثم ستشق على المصلين، وسينفض عنك الناس.
ولذلك فإذا أردت أن توافق السنة فوافقها صفةً وعدداً، أما أن تصلي عشر ركعات أو إحدى عشرة ركعة في نصف ساعة وتظن أنك وافقت السنة، وتبدّع الذين يصلون ساعتين أو ثلاث ساعات، فهذا ليس عليه سلفك الصالح يرحمهم الله، وقد قال عطاء رحمه الله تعالى وهو من أجلة التابعين: (أدركت الناس يصلون ثلاثاً وعشرين ركعة).
هذا وقد ورد في هذا الباب: أن عمر ﵁ جمع الناس على أُبي بن كعب ﵁ على إحدى عشرة ركعة، وفي رواية: أنه جمعهم على أبي على ثلاث وعشرين ركعة، والجمع بين الروايتين ممكن، وقد ذهب إلى الجمع بين الروايتين الإمام البيهقي رحمه الله تعالى فقال: في رواية: أن عمر قال: (نعمت البدعة هذه والتي ينامون عنها أفضل) لما رأى الناس قد اجتمعوا على أُبي بن كعب ففهم من هذا أنهم كانوا يصلونها أول الليل، ثم رواية أخرى عن أبي أنهم كانوا ينصرفون عند بزوغ الفجر، فكانوا يصلون أحياناً في أول الليل، وأحياناً يصلون عند بزوغ الفجر، فلا يمتنع أن يكون أُبي صلى أحياناً بإحدى عشرة وأحياناً صلى بثلاث وعشرين ركعة.
وقد قال عدد من أهل العلم: إذا أطلت في القيام فقلل في عدد الركعات، وإذا خففت في القيام فزد في عدد الركعات حتى تصل إلى أحب القيام، وهو قيام داود الذي هو ثلث الليل، والله ﵎ أعلم.
стр. 637
الاعتكاف في المساجد الثلاثة
السؤال
حديث: (لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة)، هل هذا الخبر ثابت عن رسول الله ﷺ أم أنه ليس بثابت؟
الجواب
هذا الخبر لم يصح مرفوعاً إلى رسول الله ﷺ ، بل هو من قول حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه، وهو موقوف على حذيفة من قوله، ثم هو محمول على نفي أفضلية، فالمعنى: لا اعتكاف أفضل من الاعتكاف في المساجد الثلاثة، ويدل على هذا الحمل قول الله ﵎: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة:١٨٧].
وعلى هذا جماهير العلماء، فجماهير العلماء على جواز الاعتكاف في أي مسجد من المساجد خاصةً المساجد التي تقام فيها الجُمع، حتى لا يضطر المعتكف إلى الخروج لصلاة الجمعة في مسجد آخر، والله ﵎ أعلم.
стр. 638
بداية دخول المعتكف إلى معتكفه
السؤال
ما بداية وقت دخول المعتكف مُعتكفه؟
الجواب
من أراد الاعتكاف، فعليه أن يدخل المعتكف بعد غروب شمس يوم العشرين من رمضان، فعليه سيبيت ليلة الواحد والعشرين، ويستمر في المعتكف إلى أن يظهر هلالُ شوال، فإذا ظهر هلال شوال خرج من معتكفه، هذا هو قول جمهور العلماء في هذه المسألة، أما الوارد عن رسول الله ﷺ من: (أنه كان إذا صلى الفجر دخل معتكفه)، فهذا ليس المراد به ابتداء الاعتكاف، ولكن عند جمهور العلماء المراد به: وصف العمل اليومي لرسول الله ﷺ ، فكان كلما صلى الفجر دخل معتكفه صلوات ربي وسلامه عليه، وبالذي قلناه من بداية دخول المعتكف معتكفه يكون قد أتم اعتكاف عشر ليالٍ، وبالله التوفيق.
стр. 639
التحلل من مظالم العباد
أذكر نفسي وإخواني وأخواتي بين يدي هذا الشهر الكريم وفي أثنائه بالتحلل من المظالم، وهو إن كان الصائم الذي صام رمضان يغفر له ما تقدم من ذنبه إذا صامه إيماناً واحتساباُ، فثم ذنوب لا تكاد تغفر إلا إذا تحلل الشخص ممن ظلمهم، وهي المظالم المتعلقة بالعباد، قال رسول الله ﷺ : (يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين)، فالدين حق متعلق بالعباد، ولا يغفر حتى وإن مات الشخص شهيداً، وقال رسول الله ﷺ : (لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء)، وقال رسول الله ﷺ : (إذا خلص المؤمنون من النار حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار، فيتقاصون مظالم كانت بينهم في الدنيا)، ويقول النبي ﷺ : (من كان له عند أخيه مظلمة فليتحلل منه قبل أن لا يكون دينار ولا درهم).
فالله الله في حقوق العباد، خاصة في هذا الشهر الكريم، (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه)، ومن جميل المناسبات أن نذكر بأن الربع الذي وردت فيه آيات الصيام في كتاب الله ختمت بقوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٨٨]، أي: إذا كنا قد حرمنا عليكم الطعام والشراب أثناء النهار في رمضان، فكذلك لا تترك الطعام والشراب وتتجه إلى أكل أموال الناس بالباطل، فلا يليق بك أن تمتنع عن الطعام الذي هو سائر العام حلال، وإنما حرم في نهار رمضان، ثم تأكل المال بالباطل، فهو حرام في رمضان وفي غير رمضان.
فاتقوا الله أيها الإخوة في أنفسكم، واتقوا الله في إخوانكم المسلمين، (كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه)، وقد قال النبي ﷺ في خطبته في حجة الوداع: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد).
وأيتها الأخت الكريمة! لا يليق بكِ أن تبارزي الرب بالعصيان والتمرد على أمره في رمضان ولا في غير رمضان، فكيف يليق بك أن تتقلبي في نعم الله عليك، وبما أنعم عليك به من حسن منظر وجميل عقل، ثم تتمردين على أمره سبحانه، وهو القادر على أن يبدل النعم إلى نقم، والرخاء إلى شدة، واليسر إلى عسر، عافانا الله وإياكم من زوال نعمته وتحول عافيته، وفجاءة نقمته وجميع سخطه.
فالله الله في أنفسنا، لا نظلمها بجلب ما يضرها في دنياها وأخراها، واعلموا أيها المسلمون! أن الله لم يك مغيراً نعمة على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، فالله لا يزيل النعم عن القوم إلا إذا حولوا طاعتهم بالليل إلى معاصٍ، فحينئذٍ تسلب منهم النعم.
فها نحن في شهر رمضان يلجأ فيه التائبون والمنيبون إلى ربهم، فاجعلوها بداية طيبة للرجوع إلى الله، فربنا كان للأوابين غفوراً، جعلنا الله وإياكم من الأوابين، وتقبلنا الله وإياكم بقبول حسن.
وصل اللهم على نبينا محمد وسلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 640
فتنة النساء
تكاثرت الفتن وادلهمت، واجتاحتنا وسائل الإعلام الهدامة للفضيلة والعفة، وكان أكبر ما ركزت عليه تلك الأمواج العاتية الماجنة إفساد المرأة، فسعوا جادين لإخراجها؛ لتفسد في نفسها وتُفسد من حولها، وهذا يحتم علينا العودة إلى تعاليم ديننا الحنيف كي نجتنب تلك الفتن، وحجاب المرأة المسلمة وقرارها في بيتها خير حل للخروج من لجة هذه الفتن المدلهمة وكذلك ضبط علاقة الرجل بالمرأة وفق الضوابط الشرعية، والابتعاد عن وسائل الإعلام الهدامة للأخلاق والقيم والمبادئ.
стр. 641
التحذير من محقرات الذنوب
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
وبعد: فإن من الأعمال أعمالاً يراها الشخص في عينه صغيرة وهي عند الله من الكبائر، فهذا أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه -كما في البخاري - يقول للتابعين الذين هم خير القرون بعد قرن رسول الله ﷺ : (إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر كنا نعدها على عهد رسول الله ﷺ من الموبقات).
أي: من المهلكات، وقال النبي ﷺ : (إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً يهوي بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب)، وقال الله : ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٥].
فهناك أمور تحسبها هينة في نظرك، ولكنها في نظر الله عظيمة وكبيرة من الكبائر، ولا يخفى عليكم حديث رسول الله ﷺ لما مر بقبرين فقال: (إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، ثم قال: بلى إنه كبير)، فكيف قال ﵊: (وما يعذبان في كبير) -ثم قال-: (بلى إنه كبير)، ثم فصّل فقال: (أما أحدهما فكان لا يستبرئ من بوله -أو لا يستنز من بوله كما في الرواية الأخرى- وأما الآخر فكان يمشي بين الناس بالنميمة)؟ يقول فريق من الشراح في قوله ﵊: (وما يعذبان في كبير) أي: وما يعذبان في شيء كبير في أنظاركم، ولكنه كبير عند الله ، ثم ذكر السبب وهو عدم الاستبراء من البول، والسعي بين الناس بالنميمة.
وقد يرى الشخص أشياءً يراها في نظره يسيرة، ولكنها تسجل عليه كبيرة، وتسوّد بها صحائفه يوم القيامة -والعياذ بالله- ولا يخفى عليكم أن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها لما قالت أمام رسول الله ﷺ : (يا رسول الله! حسبك من صفية كذا -تريد أنها قصيرة- قال لها النبي ﷺ : لقد قلتِ كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته).
ومما لا شك فيه أن مما يهوِّن الكبائر عندك، ويجعلها في عينك من الصغائر كثرة المخالطة لأهل الإجرام ولأهل الفسق ولأهل العصيان، فكثرة المجالسة لأهل الظلم وأهل الفسق وأهل العصيان، تهوِّن عليك الذنوب وتسهلها عليك، فترى المجرم يرتكب الكبيرة وأنت ترتكب الصغيرة فتهون عليك صغيرتك أمام كبيرة هذا الأثيم، حتى تجتمع عليك الصغائر فتهلكك كما قال الرسول ﷺ محذراً: (إياكم ومحقرات الذنوب، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه، كقوم نزلوا ببطن وادٍ فجاء هذا بعود، وجاء هذا بعود حتى جمعوا حطباً كثيراً فأنضجوا طعامهم) أو كما قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فتهون عليك الصغائر عند رؤيتك لمن يقترفون الكبائر، فالاختلاط يؤثر بلا شك في عقول الناس، وفي تفكيراتهم، وفي وزنهم للأشياء.
стр. 642
إفساد المرأة أبرز سمة لموجة التغريب
لما كثر الاختلاط الآن بين المسلمين والكفار، وأصبحت عادات أهل الكفر تنقل إلى بيوتنا من خلال أجهزة الإعلام الفاسدة التي يديرها اليهود وأتباعهم ومن سار على نهجهم، سهلت علينا المعاصي وسهلت علينا الكبائر، ونفعل المعصية ونفعل الكبيرة وتستهين بها أمام أمواج الإجرام القادمة إلينا من بلاد الكفر، فتنقل إلى بيوتنا وإلى دورنا عادات وتقاليد أهل الكفر، فنقتبس منها شيئاً فشيئاً ونحن لا نشعر، فمثلاً: هناك جرمٌ كبير لم يره رسول الله ﷺ وهو متفشٍ ومنتشر في بناتنا، قال رسول الله ﷺ : (صنفان من أمتي من أهل النار لم أرهما: نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رءوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا)، هذا الصنف الأثيم من النساء اللواتي ينتشرن في الشوارع في حال أسوأ من حال الجواري والإماء فيما مضى، حال هؤلاء الفتيات اللواتي يمشين متبرجات، لابسات أقصر الثياب، كاشفات عن شعورهن وعن سوقهن، ومتطيبات بأجمل الطيب، ويمشين على هذه الحال المزرية، قال رسول الله ﷺ -ولم ير هذا الصنف- في شأنهن ما سمعتموه: (صنفان من أمتي من أهل النار لم أرهما: نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رءوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا)، هذا صنف لم يره رسول الله ﷺ ، ولكنا رأيناه، وكثير منا أقره! ولم يعد يبالي بابنته التي تخرج على هذه الحال المخزية المزرية، التي تدل حالتها على دياثة أبيها وعلى دياثة أخيها الذي يقر الخبث في ابنته وفي أخته، فهو لا يشعر أنه اقتحم باباً عظيماً من أبواب الدياثة، وعدم الغيرة على النساء، ولكنه رأى القوم يفعلون ذلك ففعل مثل أفعال القوم.
فهذه كبائر ذكر النبي ﷺ عقوبتها في غير ما حديث، وذكرت عقوباتها في ثنايا آيات في كتاب الله وأحاديث لرسول الله ﷺ .
стр. 643
وجوب الحجاب للمرأة
ولما كانت فتنة النساء عظيمة داوم رسولنا محمد ﵊ على التحذير منها، فأردنا أن نلفت النظر إلى شيء منها؛ لأن نبينا كرر التحذير من هذه الفتنة مراراً وتكراراً.
إذ أن هناك أموراً تباح لنا مع النساء الأجنبيات اللواتي لسن لنا بمحارم، وأمور تحظر علينا، وأمور تلزم النساء في أنفسهن، فمن الأمور التي تلزم النساء في أنفسهن: الحجاب، كما أمرهن الله به، وكما أمرهن رسول الله ﷺ به، وكما كان فعل نسائه رضوان الله عليهن ونساء المؤمنين، يقول الله في كتابه الكريم منادياً نبيه محمداً ﵊: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٩]، فلم يعد الأمر قاصراً على أزواج رسول الله ﷺ وعلى بناته بل جاءت الآية عامة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٩]، وأقوى ما ورد في تفسير الإدناء تفسير لتابعي جليل هو عبيدة السلماني رحمه الله تعالى، فقد فسر الإدناء عملياً، فقام إلى جلباب متسع غطى به جميع جسمه وأبرز عينه اليسرى، هكذا فسر عبيدة رحمه الله تعالى هذا الإدناء بأن لبس جلباباً واسعاً غطى جميع الجسد من الرأس حتى القدم وأبرز العين اليسرى فقط، وهذا لم يعارض بقول آخر من أقوال التابعين في تفسير هذه الآية، وهو بسند صحيح.
وقال الله كذلك في كتابه الكريم: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب:٥٣]، وهذه الآية في سياق الخطاب لنساء النبي ﷺ ، وقد حاول البعض قصرها على نساء رسول الله ﵊، ورأى فريق آخر تعميم الحكم بها، وتعميم العمل بها، قال هذا الفريق الذي رأى التعميم: لأن الله قال في كتابه الكريم معللاً السؤال من وراء حجاب، قال: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٣]، وكما أن نساء النبي يحتجن إلى طهارة القلب فنساء المؤمنين من باب أولى كاحتياجهن إلى طهارة البدن.
وكذلك لأن الآية الكريمة الأخرى التي سمعتم آنفاً: ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب:٥٩] أفادت تعميم الحكم، ثم إن النبي ﷺ قال: (المرأة عورة)، فعمم ﵊ ولم يخص، وقد قالت أم المؤمنين عائشة ﵂ في حديث الإفك -لما تخلفت عن الركب وقدم إليها صفوان بن المعطل السلمي - قالت: فلما رأيته خمرت وجهي بجلبابي.
أي: غطيت وجهي بجلبابي.
وقالت أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنها: (كنا مع رسول الله ﷺ في الحج، فإذا حاذينا الركبان ورآنا الرجال أسدلت إحدانا جلبابها على وجهها، فإذا جاوزنا الرجال كشفت إحدانا الجلباب عن وجهها) وهذا في الحج.
وبهذه النصوص استدل فريق من أهل العلم على وجوب تغطية جميع بدن المرأة، الوجه وسائر الجسم.
стр. 644
شروط حجاب المرأة المسلمة
وللباس المرأة شروط ذكرها العلماء في مواطنها، منها: أن يكون الثوب فضفاضاً متسعاً، لا كالذي تلبسه الفتيات الساقطات من البناطيل الضيقة، ومن اللبوسات الضيقة التي تحدد الجسم وتميزه، فهذا لبس الساقطات غير الصالحات، الداعيات بلبسهن إلى البغاء، والداعيات بلبسهن إلى الفاحشة -والعياذ بالله-، الفاتنات الرجال بصنيعهن الأثيم.
فمن شروط اللباس الشرعي: أن يكون فضفاضاً، وأن يكون واسعاً، وألا يكون لافتاً للأنظار، فلا يكون هذا الثوب ثوب شهرة، فثوب الشهرة وإن كان فضفاضاً يمنع؛ لأنه يجذب أنظار الرجال إليه، والمرأة منهية عن فعل ما يجذب أنظار الرجال إليها، ولذلك قال ربنا في كتابه الكريم: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١]، كانت بعض النساء تمشي وهي لابسة الخلخال فتضرب برجلها في الأخرى فيسمع صوت مشيها فيلتفت إليها الرجال فيرون منها شيئاً كالكعب وشيئاً من القدم، فنهيت المؤمنات الصالحات عن هذا الفعل لقوله تعالى: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١].
стр. 645
تجنب ما يؤدي إلى الإثارة
وكذلك نهى النبي ﷺ المرأة أن تخرج متطيبة من بيتها ولو إلى المسجد، فقال: (إذا شهدت إحداكن العشاء معنا فلا تمس طيباً، ولا بخوراً)؛ وذلك لأن الطيب يلفت الأنظار إليها، وكذلك قال ﵊: (أيما امرأة خرجت من بيتها متطيبة فمرت بالرجال ليجدوا ريحها فهي زانية)، هكذا قال ﵊، فكل ما يلفت النظر إلى المرأة يمنع، ويلحق بذلك رفع المرأة صوتها رفعاً زائداً فهذا يلفت نظر الرجال إليها، وقد قال النبي ﷺ : (من نابه شيء في صلاته فليسبح، فإنما التصفيق للنساء)، فمنع النبي ﷺ النساء من التسبيح في الصلاة لعلة وهي: ألا يشتغل بهن الرجال، فرفع بعض النساء والفتيات أصواتهن -بطريقة تلفت نظر الرجال إليهن، وتجعل الرجال يعرفون من المتكلمة- فعل مذموم وقبيح من النساء، ولا ينم عن كثير حياء، بل ينم عن قلة حياء، وبعدٍ عن سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
فالنساء يفترض فيهن أنهن جبلن على الحياء، هذا المفترض في شأن النساء، أما أن تناقش وتجادل وترفع صوتها فهذه أفعال قبيحة مذمومة تنافي الحياء المفترض في النساء، وإن كان ثمّ كلام مع النساء، فللكلام مع النساء ضوابط ذكرت ضمناً في قوله تعالى: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب:٣٢]، هذا خطاب من ربنا سبحانه إلى النساء، فكم من رجل تراه وديعاً رحيماً حليماً، ولكن بداخله قلب مريض -والعياذ بالله- فكلما حدثته أو خاطبته فوجد في قولها شيئاً من اللين في القول؛ ظن بها الظنون، وظن أنها تريد أن تمكنه من نفسها مباشرة، فعياذاً بالله من هذا الصنف المريض القلب الذي ذكره الله في كتابه بقوله: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب:٣٢]، ثم أرشد النساء جملة إلى قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب:٣٢].
ونحو هذا القول المعروف ذكره الله في كتابه الكريم في شأن اللواتي مات عنهن أزواجهن، قال تعالى: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ [البقرة:٢٣٥] أي: ستذكرونهن لشأن الزواج، ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [البقرة:٢٣٥]، فالقول المعروف أُمر به الرجل مع المرأة، فلا يجوز لك أن تتكلم بكلمة مع امرأة تفتنها بها، وكذلك المرأة لا يجوز لها أن تتكلم بكلمة مع رجل تطمعه فيها وتغريه بها، وكم من رجل يتدخل بين رجل وامرأة للإصلاح، ويحمل في ثنايا مقالاته شيئاً من الإفساد أو ما يؤدي إلى تخبيب المرأة على زوجها ناسياً أو متناسياً حديث النبي ﷺ : (ليس منا من خبب امرأة على زوجها)، فالذي يتدخل لتخبيب امرأة على زوجها ولإفسادها على زوجها، سواء بصورة مباشرة للطعن في الزوج أو الغمز به أو بصورة غير مباشرة بإظهار شيء من محاسنه أمام المرأة، فتكره المرأة زوجها لكونها لا ترى هذه المحاسن فيه، ففاعل ذلك أثيم وآثم ظالم -والعياذ بالله-.
стр. 646
تحريم الذرائع المؤدية إلى الزنا
جدير بنا -معشر الإخوة- أن نراجع مواقفنا أمام هذه الفتنة العظمى والطامة الكبرى، فتنة النساء التي حذر منها رسولنا محمد ﵊ أيما تحذير بقوله: (ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء)، وقوله: (فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت النساء)، ألا وسلوا ربكم أن يعصمكم من الفتن ما ظهر منها وما بطن.
стр. 647
تجنب وسائل الإعلام الهدامة
ثم جدير بكل أب غيور، وجدير بكل أب فخور أن يبعد التلفزيون عن بيته، وأن يمنع إدخال الأغاني الساقطة أو الهابطة إلى بيته، وأن يمنع أيضاً الفيديو، وكذا أجهزة الشر المستحدثة كأجهزة البث المباشر -الدشوش-، فآلات الفساد هذه الجدير به أن يصرفها عن بيته؛ فهي منابت سوء، ومدمرات تدمر البيوت، فبسببها قد ترى البيت ظاهره التماسك، ولكن الأم تخرج موترة، والأب يخرج موتراً، والبيت مدمر من داخله، أي دين يبيح لأجهزة الإعلام الفاسدة هذه أن تبث منظراً فيه رجلٌ يقبل امرأة؟! أي دين يقر هذا العمل؟! لا اليهودية ولا النصرانية ولا الإسلام يقر أن يأتي منتج مفسد يبث صورة لرجل يحتضن امرأة أو يقبلها.
هذا الفساد العريض والأفلام الساقطة التي يبثها هؤلاء الفاشلون المفسدون في الأرض، الذين قال الله سبحانه مبيناً حالهم: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٢٧].
هل تظن أن نبينا محمداً يرى هذه المناظر ويقرها في بيته؟! سواء كان فيلماً خبيثاً ماكراً أوغيره مما يراد من ورائه الدعارة وبث الشر والفساد؟! هل ترى الرسول يسكت على ذلك؟! أو هل ترى أصحاب نبينا محمد يقرون ذلك؟! كما أشرنا فالمعاشرة والمخالطة تهوّن المعاصي، وتسهلها على النفوس، ولكن إن كان هذا ينفع في الدنيا فلن ينفع في الآخرة، فرب العزة يقول: ﴿وَلَنْ يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف:٣٩]-والعياذ بالله-.
فجدير بكل أب غيور أن يحافظ على بيته من الأجهزة المدمرة، ولا يظن الخير أبداً في الأجهزة، فأي طفل لديه رائحة من الإسلام ومن تعاليم الإسلام لا يحتاج إلى من يفتيه في هذا الفيلم: أهو حرام أم حلال؟ لأن كل ذي فطرة سليمة يرفضه بشدة.
وقد بُنيت الأفلام في مصر على شيء باطل جملة وتفصيلاً ألا وهو العشق، وما أكثر ما يركزون على حب شاب لفتاة، وقد ينتهي هذا الحب إما بفاحشة، وإما بسرقة، وإما بقتل، وإما بخيانة، هذا هو مستوى الأفلام الهابطة في مصر، مع ما يعتريها من رقص وغناء ماجن وتهييج على الفواحش.
الحقيقة أنه ليس أحد من الناس يضربك حتى تدخل في بيتك تلفزيوناً، ولم يكرهك على أن تجعل فوق ظهر بيتك هذا الطبق الذي يُعد شعاراً ينمّ عن خبث ودياثة، وكذلك الفيديو وآلات الشهوات، فهل ضربك أحد؟ وهل أجبرك أحد حتى ترفع هذا الشعار على بيتك؟ إن الشيطان وأتباع الشيطان الذين سولوا لك سيتبرءون من فعلك يوم القيامة، ويقول إبليس: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [إبراهيم:٢٢].
стр. 648
تحريم الخلوة بامرأة أجنبية
ومن سبل الوقاية من هذه الفتنة الكبرى التي حذرنا منها رسول الله ﷺ : اجتناب ما نهى عنه رسولنا محمد ﵊، فنحن جميعاً مأمورون بامتثال أمره ﵊ واجتناب نهيه صلوات الله وتسليماته عليه، فلا يحل لك في حال من الأحوال أن تخلو بامرأة أجنبية، قال النبي ﷺ : (إياكم والدخول على النساء، قال رجل: أفرأيت الحمو يا رسول الله؟! -أي: قريب الزوج كأخيه وابن عمه ونحو هؤلاء- قال: الحمو الموت)، فلا يجوز لك أن تدخل على امرأة أخيك في غياب أخيك، بل وصفك رسول الله -كما تقدم- بالموت، وقال ﵊ أيضاً: (لا يخلون رجل بامرأة، فإن ثالثهما الشيطان).
فإذا ذهبت إلى بيت مسلم من المسلمين ولم تجد الرجل في بيته انصرف راجعاً إلى بيتك، خيراً لك من أن تهان، وتعذب بعذاب الله يوم القيامة، فزلة قدم واحدة قد ترديك في جهنم، ولربما أوقعتك في الفاحشة -والعياذ بالله- فتصبح ملوماً من المحسورين، زلة قدم واحدة تزلها في هذا الباب وتقع في فاحشة الزنا -والعياذ بالله- تنكد عليك حياتك، وتقلب أمورك رأساً على عقب، وتكون سبباً في فقرك بعد غناك، وفي ذُلِّك بعد عزك، وفي امتهانك بعد إكرامك، بل وفي جلب النار لك، فإن النبي ﵊ رأى أناساً عراة رجالاً ونساء في مثل التنور يأتيهم لهب من أسفل منهم، فكلما جاءهم اللهب ضوضوا -أي: صرخوا- فسأل: من هؤلاء؟ قيل له: هؤلاء الزناة والزواني.
فزلة قدم واحدة تنكد عليك عيشك، وتدمر عليك حياتك، وتجعل الأمور مظلمة في وجهك، فاتق الدخول على النساء، وقد يسوّل لك الشيطان أنك مصلح، أو أنك منقذ للأسرة، ويزين لك الدخول بأية حجة ويستدرجك بأي عذر، فاتق الله في نفسك، واتق الله في أعراض المسلمين، والشيطان لا يكتفي بذلك، بل وأيضاً ينسج من حولك، فيذهب للناس وأنت داخل إلى البيت، ويقول لهم -موسوساً-: انظروا إلى هذا الخبيث، دخل بيت هذه المرأة، لماذا دخل؟ ولماذا يدخل كل يوم؟ فالشيطان يأتيك ويحملك على دخول البيوت، وفي الوقت نفسه يذهب إلى الناس ويقول لهم: هذا الرجل دخل بيت فلانة، ولا يدخله إلا لأنه يريد منها شيئاً، فيشوه صورتك أمام إخوانك، ولو أنك ابتعدت عن مواضع الرِّيَب لكان خيراً لك، وخير الهدي وأكمله هدي محمد ﷺ ، إذ قال ﵊ محذراً: (إياكم والدخول على النساء)، وقال: (لا يخلون رجل بامرأة فإن ثالثهما الشيطان).
стр. 649
تحريم مصافحة من ليست بمحرم
كذلك لا تزين لك نفسك أن تصافح امرأة أجنبية، ولا أن تمسها، ولا أن تحتك بها، فرسولنا محمد ﵊ يقول كما في البخاري: (إني لا أصافح النساء)، مع أنه ﵊ معصوم ويقول: (إني لا أصافح النساء، إن قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة)، وتقول أمنا عائشة رضي الله تعالى عنها: (والله! -تقسم على ذلك بالله- ما مست يد رسول الله ﷺ يد امرأة قط، إنما يقول: بايعتكن كلاماً)، أي: بلسانه، لم تمتد يده ﵊ لمصافحة امرأة قط.
وحذر رسولنا من ذلك فقال: (لأن يطعن أحدكم بمخيط من حديد في رأسه خير له من أن يمس امرأة لا تحل له)، فجدير بنا أن نلزم هدي نبينا ﵊ بترك الخلوة بالنساء، وترك مصافحة النساء، وترك السفر مع النساء الأجنبيات، فالنبي قال: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلا ومعها محرم)، هكذا قال نبينا محمد ﵊.
стр. 650
نصيحة لأولياء الأمور
نهيب بكل أب أن يكون غيوراً على أهل بيته، وأن يمتثل قول ربه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦].
جدير بكل أب غيور أن يراقب بناته عند خروجهن من البيوت إن كان ولا بد من الخروج، فالأولى للمرأة القرار في بيتها كما نبهنا على ذلك مراراً، فربنا سبحانه يقول في كتابه الكريم: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣]، والمرأتان الكريمتان قالتا: ﴿لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ [القصص:٢٣].
ونبينا ﵊ يقول: (أقرب ما تكون المرأة من ربها وهي في قعر بيتها)، ويقول نبينا محمد ﵊: (صلاة المرأة في بيتها خير من صلاتها في المسجد، وصلاتها في حجرتها خير من صلاتها في بيتها).
فوالله! ثم والله! إن شهادة ابنتك التي حصلت عليها -الدبلوم أوالبكالوريوس أو اللسانس- لن تقربها من الله سبحانه قيد شبر ولا قيد أنملة، إنما يقربها عملها الصالح وحسن عقيدتها في الله ، وإلا فأمة رسول الله ﷺ أمة أمية.
مرادنا من هذا كله المحافظة على البنات وألا يقعن في المحرمات، فإن كان خروجها ضرورياً فلتخرج المرأة متحجبة كما أمرها ربها سبحانه، وكما أمرها نبيها محمد ﵊، تخرج محترمة موقرة كما أرشدها نبينا محمد ﵊.
فيا معشر الإخوة: إنكم مسئولون عن رعاياكم كما قال نبيكم محمد: (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته)، وكما قال ﵊: (إنكم مسئولون عني، فماذا أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك بلغت وأديت ونصحت -فكررها رسول الله ثلاث مرار- إنكم مسئولون عني، فماذا أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك بلغت وأديت ونصحت، فرفع النبي ﵊ يده إلى السماء ثم صوبها إلى الأرض، وقال: اللهم فاشهد، اللهم فاشهد، اللهم فاشهد).
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه.
стр. 651
فضائل العشر الأوائل من ذي الحجة
من أعظم الأيام عند الله العشر الأول من ذي الحجة، فقد اجتمعت فيها فضائل الأعمال من صلاة وصيام وصدقة وحج، وقد شرع الله لمن لم يستطع الحج في هذه الأيام أن يكثر من الأعمال الصالحات، فقد فضل العمل الصالح في هذه الأيام على الجهاد في سبيل الله.
стр. 652
فضائل العشر الأول من ذي الحجة
باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
وبعد:
стр. 653
أقوال العلماء في العمل الصالح الذي قصده النبي ﵊ في الحديث
وما هو العمل الصالح الذي يفعل في هذه الأيام، والذي يستحب الإكثار منه؟ روى فريق من أهل العلم: أن العمل الصالح عام، فكل بر وكل خير وكل عمل يتقرب به إلى الله، يصلح أن يطلق عليه عمل صالح، فمن ثم يزاد منه ويكثر منه في هذه الأيام.
وقال آخرون: بل المراد بالعمل الصالح هنا ذكر الله ، ودليل ذلك أن النبي ﷺ لما ذكر الحديث فقال: (ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام، قالوا: ولا الجهاد؟ قال: ولا الجهاد) فدل هذا الحديث على التفريق بين الجهاد وبين العمل الصالح المراد جعله في هذه الأيام.
فالجهاد من الأعمال الصالحة لا شك، لكن هل هو المراد بحديث النبي ﷺ ؟ قال فريق: المراد بالعمل الصالح هنا الذكر على وجه الخصوص؛ لأن النبي سئل: ولا الجهاد؟ قال: ولا الجهاد.
فإذا أطلقنا العمل الصالح كان الجهاد داخلاً فيه، فيضم إلى كونه جهاداً أنه في الأيام العشر، وأيد هؤلاء أيضاً قولهم: بأن البخاري قد أخرج معلقاً عن ابن عمر وأبي هريرة ﵃ أنهما كانا يخرجان إلى الأسواق في العشر الأول من ذي الحجة فيكبران في الأسواق ويكبر الناس بتكبيرهما، فهذان الدليلان أو الوجهان رجحا قول من قال: إن المراد بالعمل الصالح هنا الذكر، وثم أقوال أخرى.
стр. 654
ما ورد في فضلها من الكتاب والسنة
فإننا إن شاء الله سنتحدث عن بعض الأعمال التي تعمل في هذه الأيام، فهي خير أيام في العام، وقد أقسم الله بها في كتابه الكريم فقال: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ [الفجر:١ - ٣]، فالليالي العشر هي هذه الليالي، ليالي العشر الأول من ذي الحجة، وهي الأيام المعلومات التي ذكرها الله في كتابه الكريم فقال: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج:٢٨].
فالأيام المعلومات هي العشر الأول من ذي الحجة، والأيام المعدودات هي أيام التشريق الثلاثة الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجة.
فالشاهد: أن هذه الأيام التي نحن في صددها الآن، هي خير أيام في العام على الإطلاق، وفيها يوم هو خير يوم في العام وهو يوم عرفة، جاء فضلها في الكتاب والسنة.
ففي حديث النبي ﷺ : (ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله يا رسول الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا أن يخرج أحدكم بنفسه وماله ولم يرجع من ذلك بشيء).
стр. 655
فضائل ذكر الله
ولا شك أن الذكر جاءت قد جملة من الأدلة التي تدل على استحبابه بصفة عامة، وفي هذه الأيام على وجه الخصوص، فمن فضل الذكر ما ذكر في كتاب الله سبحانه ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٣٥] وما أخرجه مسلم في صحيحه (أن النبي ﷺ كان في سفر، فمروا على جبل يقال له: جمدان فقال: سيروا هذا جمدان سبق المفردون، قالوا: ومن المفردون يا رسول الله؟ قال: الذاكرون الله كثيراً والذاكرات).
وقد ورد حديث آخر في مستدرك الحاكم بسند ظاهره الصحة وإن كان فيه نزاع، أن النبي ﷺ قال: (أولا أدلكم على خير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق؟ (قالوا: بلى يا رسول الله.
قال: ذكر الله).
ويكفي في فضل الذكر أن نبي الله موسى ﷺ سأل ربه أن يعينه بأخيه هارون، فقال: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا * إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا﴾ [طه:٣٣ - ٣٥] فالعلة هنا ذكرها نبي الله موسى ﵊ قال: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا * إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا﴾ [طه:٣٣ - ٣٥].
ويكفي أن زكريا ﵇ مع كونه منع من الكلام كدليل على أن امرأته حملت، لكنه لم يمنع من الذكر، قال الله : على لسان زكريا ﴿رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ [آل عمران:٤١] أي: علامة على حمل زوجتي ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران:٤١] ومع هذا الامتناع ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ﴾ [آل عمران:٤١].
стр. 656
محبة الله لمن أكثر ذكره
ومن ذكر الله أحبه الله، قال النبي ﷺ : (إن لله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، وأن يشرب الشربة فيحمده عليها) فالله يرضى عنك إذا أكلت فقلت: الحمد لله، أو شربت فقلت: الحمد لله، وكذلك إلحاقاً إذا نمت فقلت: الحمد لله، (الحمد لله الذي كفانا وآوانا، فكم من لا كافي له ولا مؤوي).
ويرضى عنك إذا قمت من نومك فقلت: (الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور)، ويرضى عنك إذا ركبت فسبحت فقلت: (سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون) فغيرك محروم وأنت مرزوق.
стр. 657
ذكر الله تكثير لحسنات العبد عند الله
الرسول ﵊ لما جاءه فقراء المهاجرين وأخبروه بقولهم: (ذهب أهل الدثور بالأجور، وبالدرجات العلى والنعيم المقيم) ودلهم على الذكر؛ سمع الأغنياء بالذي تعلمه الفقراء من رسول الله ﷺ فصنعوا كصنيعهم، فجاء الفقراء مرة أخرى إلى رسول الله فماذا قال الرسول؟ قال: (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) .
وقال النبي ﵊: (نعم المال الصالح للعبد الصالح) وقال النبي ﵊ كذلك: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها).
الشاهد: أن الغني الشاكر محمود على كل حال، وليس المقام مقام تفصيل وتفضيل بين الغني الشاكر أو الفقير الصابر، ولكن المراد أن الغني الشاكر محمود على كل حال، فليكن حالك هكذا دائماً، يدور بين الشكر عند النعماء، وبين الصبر والرضا بالقضاء عند الضراء.
بذكر الله تنزل السكينة وتحف الملائكة وتغشى الرحمة، الملائكة تنزل على الذاكرين الله والذاكرات، وعلى التالين لكتاب الله، السكينة تغشاهم كذلك، الرحمات تتنزل عليهم كذلك، وفضلاً عن ذلك فإن، الرب يذكرهم.
стр. 658
ذكر الله حط للخطايا والذنوب
وذكر الله أيضاً مكفر للخطايا، قال ﵊: (من قال: سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حطت خطاياه، وإن كانت مثل زبد البحر) وفي رواية (ولم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلا أحد قال مثلما قال أو زاد عليه).
وانظر إلى أصحاب الرسول لما أتوا إليه صلوات الله وسلامه عليه فقالوا: (يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور، وبالدرجات العلا، وبالنعيم المقيم.
قال: وكيف ذلك؟ قالوا: يا رسول الله يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضل مال يتصدقون به، قال ﵊: أَوَلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه أدركتم به من قبلكم! وسبقتم من بعدكم! ولم يأت أحد بمثل ما جئتم به، قالوا: بلى يا رسول الله.
قال: تسبحون وتحمدون وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين) وقال ﵊: (معقبات لا يخيب قائلهن: ثلاث وثلاثون تسبيحة، وثلاث وثلاثون تحميدة، وثلاث وثلاثون تكبيرة دبر كل صلاة).
فللذكر فضل عميم وثواب جزيل وهذا الذي ذكرناه طرف من هذا الفضل.
والذكر به يرطب اللسان، قال النبي ﷺ : (لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله فاللسان يترطب بالذكر، والقلب يهدأ بالذكر، والجسم يصح بالذكر.
جرب وواظب على قراءة الأذكار، وقراءة (قل هو الله أحد)، و (قل أعوذ برب الناس) و (قل أعوذ بربك الفلق)، وتعوذ بالله من الشيطان الرجيم عند الغضب؛ ستجد أن الذكر راحة للبدن، راحة للفؤاد، راحة للسان، ذكر الله يجنبك اغتياب المسلمين والمسلمات، فإذا أتعبت عضلة اللسان في الذكر، كلت عن المعاصي، وكلت عن القيل والقال، ونظرت إلى المغتاب الذي يغتاب الناس أمامك واحتقرته، بل وأشفقت عليه لجهله وغفلته عن ذكر الله.
جرب وأقبل على الذكر وانظر إلى الناس من حولك كل يخوض في القيل والقال، فوالله إنك ستشفق عليهم وترثي لحالهم، اشتغال بكل ما يغضب الله ، من تجريح واغتياب المسلمين والمسلمات، فهم في ضياع وإبطال وأنت في بناء وتشييد، أنت تذكر الله فتشيد لنفسك القصور، وتدخر لنفسك الكنوز، وهم في القيل والقال المكروه والمحرم، فيهدمون بيوتاً قد شيدوها، ويدمرون أعمدة قد أسسوها، والموفق من وفقه الله .
ولذلك يحثنا رسولنا ﷺ بل ويحث أحد العلماء والفضلاء، وأعلم الناس بالحلال والحرام، وهو معاذ بن جبل فيقول له: (والله يا معاذ إني أحبك) يقسم له الرسول على ذلك، ثم الوصية تأتي من حبيب لحبيبه فيقول له: (يا معاذ لا تدعن دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك).
والذكر سبب في بركة الرزق، لما ذهب رسول الله ﷺ إلى جابر كي يقضي عنه ديون أبيه، وكان لديه ثمار بستانٍ له لكنها لا تبلغ عشر الدين قال لهم: (اقبلوا ما عنده، قالوا: ما نقبل إلا حقنا وافياً.
فلما كان الغد دخل ﵊ ودعا وبرك، فقضى جابر كل الديون التي عليه، وبقي الثمر كأن شيئاً لم يؤخذ منه).
كذلك أم سليم تأتي بطعام في برمة، فجاء الرسول بمن معه من المسجد -ما يقارب الثمانين رجلاً- دخلوا والبرمة لا تكفي خمسة منهم، فدخل الرسول وبرك ودعا، فهذا الدعاء وهذا الذكر لله كان سبباً في تكثير الطعام، ومن ثم حث الرسول على الذكر عند بداية الأكل، فإذا سميت الله بورك لك في الرزق، وبورك لك في الولد، وبورك لك في الأكل، وإذا شاركك الشيطان في مطعمك، وشاركك الشيطان في ولدك، وشاركك الشيطان في بيتك، وشاركك الشيطان في جماعك؛ محقت بركة ذلك كله، فذكر الله يدفع عنك كل هذا الوباء والعياذ بالله.
стр. 659
ذكر الله جالب للأرزاق
أما جلب ذكر الله للأرزاق فإن الدعاء من ذكر الله ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠] والاستغفار من ذكر الله قال نوح: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح:١٠ - ١٢].
فضلاً عن الأجر الأخروي المدخر للذاكر، قال النبي ﷺ : (لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة) فقال النبي ﷺ : (لأن أقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس).
стр. 660
ذكر الله حصن من الشيطان الرجيم
وذكر النبي ﷺ (أن المؤذن إذا أذن أدبر الشيطان وله ضراط) وذكر النبي ﷺ : (أن المؤمن إذا سجد -والسجود فيه ذكر لله- ولى الشيطان وهو يبكي) وذكر النبي ﷺ : (أن الرجل إذا سقط من على دابته فقال: باسم الله تصاغر الشيطان حتى يكون مثل الذباب).
ولذلك ذكر العلماء أن شيطان المؤمن دائماً نحيل، لا يكاد يرفع رأسه إلا وضرب بسياط التسبيح والتهليل والاستغفار والتكبير وسائر أنواع الذكر، أما شيطان الكافر فعات متمرد، متطاول عليه يؤزه ويدفعه إلى المعاصي دفعاً، كما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مريم:٨٣] أي: تدفعهم إلى المعاصي دفعاً.
ولذلك أوصانا الله بالذكر لدفع شر الشياطين فقال: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون:٩٧ - ٩٨].
стр. 661
ذكر الله شفاء من السقم
وقد كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يتداوى بالذكر ﵊، يشتكي فينفث في يديه بالمعوذات، ويمسح رأسه وسائر جسده ﷺ ، ويفعل ذلك ثلاث مرات ﵊، وكان يداوي بها أيضاً، فكان يرقي حسناً أو حسيناً ويقول: (باسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك، ومن شر كل نفس وعين حاسد الله يشفيك).
فالرسول كان يداوي بالأذكار، والله قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٧ - ٥٨] فذكر الله كما أسلفت تطمئن به القلوب وتقوى الأبدان، بل وبه تدفع الأمراض التي حلت بالأبدان، ألا ترون أن أبا سعيد الخدري ﵁ رقى اللديغ الذي لدغته الحية بفاتحة الكتاب، فشفى الله اللديغ بإذن الله، هذا اللديغ الذي يحتاج الآن عند الأطباء كافة إلى ما يقارب العشرين حقنة، فشفاه الله بفاتحة الكتاب.
فذكر الله له تأثير على القلوب وعلى الأبدان، وهو طارد للشيطان، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة) وقال ﵊: (إذا دخل أحدكم البيت فقال: باسم الله، قال الشيطان: لا مبيت لكم اليوم، فإذا ذكر الله عند طعامه قال الشيطان: لا مبيت لكم الليلة ولا عشاء، فإذا دخل فلم يذكر الله عند طعامه، ولا عند دخوله قال الشيطان أدركتم المبيت والعشاء).
стр. 662
ذكر الله قوة للبدن
كذلك بذكر الله تقوى الأبدان، وذلك أنه جاء في حديث رسول الله ﷺ لـ فاطمة: (أولا أدلك على ما هو خير لك من خادم) لما أتته تسأله وقد أثرت الرحى في يديها، (تسبحين وتحمدين وتكبرين دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، فهو خير لك من خادم).
وقد قال تعالى أيضاً في شأن المستغفرين ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [هود:٣] وفي الآية الأخرى ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ [هود:٥٢] فذكر الله فيه قوة للبدن، ومن المعلوم حتى عند الأطباء أن الصدر إذا كان منشرحاً، والنفس إذا كانت منشرحة، قوي الجسم على مكافحة الأمراض، بل وهضم الرجل الطعام الذي يأكله، وإذا كانت النفس مغتمة غير منشرحة، فقد تأكل اللقمة فلا تهضم، ولا تشتهي الطعام أصلاً، فذكر الله سبحانه يريحك.
стр. 663
ذكر الله طمأنينة للقلوب
وذكر الله سبحانه طمأنينة للقلب وقوة في الأبدان وعافية في الأجسام، ذكر الله طمأنينة للقلب وللفؤاد، وراحة للأبدان والأجساد، ودفع للوساوس والشياطين.
به تستدر الأرزاق، وبه تدفع البليات، وبه تحط الخطايا والسيئات، به ترتفع الدرجات، ذكر الله به تطمأن القلوب، قال الله : ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨].
فالقلب المضطرب الخائف يسكن ويطمئن إذا ذكر الله ، ها هم أصحاب نبينا محمد ﷺ ورضي الله عنهم، خرجوا من غزوة أحد وبهم ما بهم من القتل والجراح، شج رأس نبيهم ﷺ فأتاهم آت يخوفهم من عدوهم ويقول لهم: إن أبا سفيان قد استدار لاستئصالكم ومحو آثاركم واستباحة مدينتكم، فماذا قالوا أمام هذا التخويف وأمام هذا الإرجاف، وأمام هذا التهويل، قالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، فحكى الله مقالتهم في كتابه ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران:١٧٣ - ١٧٤].
هذا الخليل إبراهيم ﷺ يؤخذ ليلقى في النار، وهو ثابت صابر مطمئن القلب يقول: حسبي الله ونعم الوكيل، فكفاه الله شر عدوه.
وهذا غلام آخر صغير في أيدي الجبابرة والظلمة أخذوه ليلقوه من أعلى شاهق أو يرجع عن دينه، أو ليلقوه في وسط اليم وهو يقول: اللهم اكفنيهم بما شئت، فيكفيه الله إياهم بما شاء، فبذكر الله تطمئن القلوب، قد تقوم فزعاً من نومك لرؤيا مزعجة، أزعجتك وأقلقت عليك مضجعك، تقوم وأنت مضطرب حزين مهموم من هذه الرؤيا، ولكن إذا ذكرت الله متعوذاً به من شرها واتبعت الوارد عن رسول الله فلن تضرك بإذن الله ويذهب عنك ما بك.
قال أبو قتادة ﵁: كنت أرى الرؤيا أشق عليّ من الجبال، فلما سمعت حديث النبي ﷺ سري عني.
يقصد (الحلم من الشيطان والرؤيا من الله، فإذا رأى أحدكم ما يكره فليتفل عن يساره ثلاثاً، وليتعوذ بالله من شرها، ولا يحدث بها أحداً، فإنها لن تضره بإذن الله).
وكذلك قد تكون متشككاً في أحد إخوانك، لكن إذا أقسم لك بالله اطمئن قلبك وذهبت عنك الوساوس، ما دام قد أقسم لك بالله سبحانه، فبذكر الله يطمئن القلب الخائف، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد:٢٨].
стр. 664
المقصد من العبادات إقامة ذكر الله
ويكفي في الذكر أيضاً أن العبادات شرعت لذكر الله، قال الله سبحانه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه:١٤] قال المفسرون: أقم الصلاة لتذكرني فيها، فقال النبي ﵊: (إنما جعل الطواف بالبيت ورمي الجمار والسعي بين الصفا والمروة لذكر الله .
وكذلك الأضاحي والذبح قال تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج:٣٤].
فالعبادات شرعت كي يذكر الله فيها، ويكثر من ذكره فيها، ويكفي أيضاً من فضل الذكر والذاكرين أن الله يذكرك إذا ذكرته، قال الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة:١٥٢] فتخيل أنك تذكر الله في ملأ، فالله يذكرك في ملأ خير من هذا الملأ.
فالله يذكرك إذا ذكرته (أنا مع عبدي إذا هو ذكرني وتحركت بي شفتاه، لو ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ولو ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملئه).
стр. 665
أعظم الذكر كتاب الله
من ذكر الله الذي فلا ينبغي أن يغفل: تلاوة كتابه هو أفضل الكلام، كما قال الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لكل حرف منه حسنة، والحسنة بعشرة أمثالها) (ألم) ثلاثون حسنة، وبعد ذلك يضاعف الله لمن يشاء.
بتلاوة كتاب الله وبحفظه ترتفع درجاتك، قال النبي ﵊: (يقال لصاحب القرآن يوم القيامة: اقرأ وارتق ورتل، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها) هكذا قال الرسول ﷺ .
يرفع الله بالقرآن أقواماً ويضع به آخرين، كما قال الرسول ﷺ ، فمن حفظه وعمل به رفعه الله درجات في الدنيا وفي الآخرة.
(ولى أمير المؤمنين عمر رجلاً على مكة، فجاء الرجل إلى المدينة فقال له عمر: من خلفت بعدك على مكة قال: خلفت عليها ابن أبزى قال: كيف تخلف عليها مولى من الموالي؟) أي: ليس من أصل العرب بل هو مولى، إما أنه كان عبداً فأعتق، وإما أنه أسلم هو أو أحد أجداده على يد أحد العرب، (قال: يا أمير المؤمنين إنه قارئ لكتاب الله.
قال: صدقت! إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله يرفع بهذا القرآن أقواماً ويضع به آخرين).
تلاوتك لكتاب الله تشفع لك يوم القيامة، (يأتي القرآن يوم القيامة شفيعاً لأصحابه تقدمه سورة البقرة وسورة آل عمران كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صواف تحاجان عن صاحبهما أمام الله فتخيل هذا الموقف، البقرة وآل عمران تأتيان تضللان وتدافعان عنك، تقولان: يا رب هذا عبد كان يقرؤنا، كان يقوم بنا في صلاة الليل، كان يحفظنا بالنهار، فتدافعان عن حاملهما أمام الله .
فعليك بتلاوة كتاب الله ولا تكن ممن قيل فيهم: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان:٣٠]، فمن هجران القرآن هجران التلاوة، وهجران العمل، وهجران التدبر، وهو على أقسام كما ذكر ذلك العلماء، فيكثر من قراءة كلام الله خاصة في هذه الأيام العشر، وكذلك الذكر عموماً.
стр. 666
أسباب فضيلة العشر والعمل المطلوب فيها
وتأتي فضيلة هذه العشر لأنها: أولاً: في الأشهر الحرم، فذو الحجة من الأشهر الحرم.
ثم هي الأيام المعلومات ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج:٢٨].
ثم فيها حديث الرسول: (ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا أن يخرج أحدكم بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء).
ثم فيها يوم عرفة أفضل يوم، ثم فيها يوم الحج الأكبر، وأنتم على مشارفه، فلنكثر ذكر الله .
من كان له حزب من الاستغفار فليكثر منه، كان النبي ﷺ يستغفر الله في اليوم مائة مرة، فمن كان له حزب من الاستغفار فليكثر منه، ومن كان له حزب من التلاوة فليكثر منه، ومن كان له حزب من قيام الليل فليكثر منه.
وهل يصوم الرجل؟ أو لا يصوم؟ تقدمت الإجابة على مثل هذا بما حاصله أن للعلماء قولين، أو أن في الباب حديثين: أحدهما حديث عائشة: (ما رأيت النبي ﷺ صائماً العشر قط).
والثاني: حديث هنيدة بن خالد واختلف عليه، فرواه مرة عن امرأته عن بعض أزواج النبي، ومرة عن أمه عن بعض أزواج النبي ﷺ ، ومرة عن حفصة كل رواياته فيها: (كان النبي ﷺ يصوم التسع الأول من ذي الحجة).
فبعض العلماء يقول: المثبت مقدم على النافي، أو أنه ﵊ كان يصومها سنوات، ولا يصومها سنوات أخرى.
وقول آخر من الأقوال: إنها تندرج -أي صيامها- تحت الأعمال الصالحة في حديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام) وكما أسلفنا أن ابن عمر وأبا هريرة ورد عنهما من طريق معلقة عند البخاري كانا يخرجان إلى السوق فيكبران ويكبر الناس بتكبيرهما.
كذلك هل يشرع الإكثار من الصدقات في هذه الأيام؟ من رأى تعميم القول في تفسير العمل الصالح قال: ينبغي أن يكثر من التصدق في هذه الأيام، فالصدقة محمودة على كل حال كما ورد ذلك في الكتاب العزيز، وفي سنة النبي ﷺ .
وكذلك هل يدخل الإصلاح بين الناس في هذه الأعمال الصالحة؟ قال بذلك كثيرون من أهل العلم.
стр. 667
الأسئلة
стр. 668
فتاة نصرانية أسلمت وتخاف من بطش أهلها ما تفعل
السؤال
يقول الأخ جزاه الله خيراً: فتاة نصرانية أسلمت وتخشى بطش أهلها إذا أعلنت وأشهرت إسلامها، فماذا تفعل لكي تقيم شعائر الإسلام وفرائضه وسننه، وما واجبنا نحوها حيث إنها تدرس معنا.
الجواب
تصلي خفية، قال عدد من الصحابة حتى أصبح الرجل منا لا يصلي إلا في بيته سراً، وذلك أيام الحجاج، فتصلي سراً، إن لم تستطع الصلاة سراً صلت ولو بالإيماء، إن لم تستطع الصلاة ولو بالإيماء صلت وهي نائمة، فتومئ إيماءً وهي نائمة، فتتقي الله ما استطاعت إذا أرادت أن تصلي.
стр. 669
فضل الحج
فضل الله سبحانه بعض الأيام على بعض، وللأشهر الحرم زيادة فضل ومزية، فقد فرض الحج في شهر ذي الحجة الحرام، والحج هو الركن العظيم الذي افترضه الله على عباده، وشرع لهم مناسكه، وباهى بالحجيج ملائكته، وأشهدهم أنه قد غفر لحجيج بيته الحرام إلى غير ذلك من الفضائل الكثيرة لهذا الركن العظيم.
стр. 670
فضل الأشهر الحرم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد: معشر الإخوة: لا يخفى عليكم أن الله سبحانه اختص بعض الأيام وبعض الأشهر بفضائل لم يختص بها أياماً وشهوراً أخر، فمن هذه الأيام والشهور التي اختصها الله سبحانه هذه الأشهر التي نحن فيها الآن، وهي الأشهر الحرم، وسميت كذلك ما لها من حرمة، وحرمتها ثابتة في كتاب الله وفي سنة رسول الله ﵊، فلا ينبغي أن نقترف فيها الآثام، ولا أن نرتكب فيها المعاصي، قال الله جل ذكره: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة:٣٦]، وقال النبي ﵊ في تحديد هذه الأشهر الحرم: (ثلاث متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، وشهر الله المحرم، ورجب مضر) أي: رجب قبيلة مضر، إذ كانت قبيلة مضر مع كفرها تحافظ على حرمته، ولا تقدم فيه ولا تؤخر، قال: (ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان).
فجدير بكم أن توقروا ما وقره الله وما وقره رسول الله ﷺ ؟ ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ قال العلماء: الذنب فيها أعظم من الذنب في غيرها؛ لأن الله نهى عن الظلم فيها نهياً خاصاً بعد النهي العام، فظلم النفس محرم على الدوام على مدار العام، لكن زيادة الاهتمام وزيادة النهي عن الظلم في هذه الشهور تفيد أن لهذه الشهور منقبة وميزة خاصة.
следующие страницы →