← Джавами‘

Джавами‘ · id 7694

دروس للشيخ مصطفى العدوي

مصطفى العدوي

Полный текст (802 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

أسباب فضيلة العشر والعمل المطلوب فيها وتأتي فضيلة هذه العشر لأنها: أولاً: في الأشهر الحرم، فذو الحجة من الأشهر الحرم. ثم هي الأيام المعلومات ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج:٢٨]. ثم فيها حديث الرسول: (ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا أن يخرج أحدكم بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء). ثم فيها يوم عرفة أفضل يوم، ثم فيها يوم الحج الأكبر، وأنتم على مشارفه، فلنكثر ذكر الله . من كان له حزب من الاستغفار فليكثر منه، كان النبي ﷺ يستغفر الله في اليوم مائة مرة، فمن كان له حزب من الاستغفار فليكثر منه، ومن كان له حزب من التلاوة فليكثر منه، ومن كان له حزب من قيام الليل فليكثر منه. وهل يصوم الرجل؟ أو لا يصوم؟ تقدمت الإجابة على مثل هذا بما حاصله أن للعلماء قولين، أو أن في الباب حديثين: أحدهما حديث عائشة: (ما رأيت النبي ﷺ صائماً العشر قط). والثاني: حديث هنيدة بن خالد واختلف عليه، فرواه مرة عن امرأته عن بعض أزواج النبي، ومرة عن أمه عن بعض أزواج النبي ﷺ ، ومرة عن حفصة كل رواياته فيها: (كان النبي ﷺ يصوم التسع الأول من ذي الحجة). فبعض العلماء يقول: المثبت مقدم على النافي، أو أنه ﵊ كان يصومها سنوات، ولا يصومها سنوات أخرى. وقول آخر من الأقوال: إنها تندرج -أي صيامها- تحت الأعمال الصالحة في حديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام) وكما أسلفنا أن ابن عمر وأبا هريرة ورد عنهما من طريق معلقة عند البخاري كانا يخرجان إلى السوق فيكبران ويكبر الناس بتكبيرهما. كذلك هل يشرع الإكثار من الصدقات في هذه الأيام؟ من رأى تعميم القول في تفسير العمل الصالح قال: ينبغي أن يكثر من التصدق في هذه الأيام، فالصدقة محمودة على كل حال كما ورد ذلك في الكتاب العزيز، وفي سنة النبي ﷺ . وكذلك هل يدخل الإصلاح بين الناس في هذه الأعمال الصالحة؟ قال بذلك كثيرون من أهل العلم.

стр. 667

الأسئلة

стр. 668

فتاة نصرانية أسلمت وتخاف من بطش أهلها ما تفعل السؤال يقول الأخ جزاه الله خيراً: فتاة نصرانية أسلمت وتخشى بطش أهلها إذا أعلنت وأشهرت إسلامها، فماذا تفعل لكي تقيم شعائر الإسلام وفرائضه وسننه، وما واجبنا نحوها حيث إنها تدرس معنا. الجواب تصلي خفية، قال عدد من الصحابة حتى أصبح الرجل منا لا يصلي إلا في بيته سراً، وذلك أيام الحجاج، فتصلي سراً، إن لم تستطع الصلاة سراً صلت ولو بالإيماء، إن لم تستطع الصلاة ولو بالإيماء صلت وهي نائمة، فتومئ إيماءً وهي نائمة، فتتقي الله ما استطاعت إذا أرادت أن تصلي.

стр. 669

فضل الحج فضل الله سبحانه بعض الأيام على بعض، وللأشهر الحرم زيادة فضل ومزية، فقد فرض الحج في شهر ذي الحجة الحرام، والحج هو الركن العظيم الذي افترضه الله على عباده، وشرع لهم مناسكه، وباهى بالحجيج ملائكته، وأشهدهم أنه قد غفر لحجيج بيته الحرام إلى غير ذلك من الفضائل الكثيرة لهذا الركن العظيم.

стр. 670

فضل الأشهر الحرم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد: معشر الإخوة: لا يخفى عليكم أن الله سبحانه اختص بعض الأيام وبعض الأشهر بفضائل لم يختص بها أياماً وشهوراً أخر، فمن هذه الأيام والشهور التي اختصها الله سبحانه هذه الأشهر التي نحن فيها الآن، وهي الأشهر الحرم، وسميت كذلك ما لها من حرمة، وحرمتها ثابتة في كتاب الله وفي سنة رسول الله ﵊، فلا ينبغي أن نقترف فيها الآثام، ولا أن نرتكب فيها المعاصي، قال الله جل ذكره: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة:٣٦]، وقال النبي ﵊ في تحديد هذه الأشهر الحرم: (ثلاث متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، وشهر الله المحرم، ورجب مضر) أي: رجب قبيلة مضر، إذ كانت قبيلة مضر مع كفرها تحافظ على حرمته، ولا تقدم فيه ولا تؤخر، قال: (ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان). فجدير بكم أن توقروا ما وقره الله وما وقره رسول الله ﷺ ؟ ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ قال العلماء: الذنب فيها أعظم من الذنب في غيرها؛ لأن الله نهى عن الظلم فيها نهياً خاصاً بعد النهي العام، فظلم النفس محرم على الدوام على مدار العام، لكن زيادة الاهتمام وزيادة النهي عن الظلم في هذه الشهور تفيد أن لهذه الشهور منقبة وميزة خاصة.

стр. 671

فريضة الحج وفضلها ومن خير ما يفعله المسلم في هذه الأشهر الحج إلى بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلاً، وهو من خير ما تنفق فيه الأموال، وتضيع فيه الأثمان، ويبذل فيه الجهد، ومن ثم كان فريق من السلف كـ ابن المبارك ﵀ يحج عاماً ويجاهد في سبيل الله عاماً آخر. ومن لم يحج وهو في سعة فعليه أن يتذكر أن هذا الترك للفريضة قد يئول به إلى الكفر، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٩٧]، (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ) أي: دين على الناس لربهم، وقال ﵊: (بني الإسلام على خمس -وذكر منها- وحج بيت الله لمن استطاع إليه سبيلاً)، وقال ﵊: (يا أيها الناس! إن الله كتب عليكم الحج فحجوا، فقام سراقة بن مالك فقال: يا رسول الله! أفي كل عام؟ قال: لو قلت: نعم، لوجبت، ولو وجبت ما استطعتم، ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم). فالشاهد: أن لله عليكم معشر المسلمين والمسلمات فريضة كفريضة الصلاة والصوم يجب أن تؤدى ألا وهي فريضة الحج، وقد ذهب جمهور العلماء: إلى أن هذه الفريضة تجب على الفور لمن استطاعها. بينما ذهب الشافعي ﵀ إلى أنها على التراخي، لكن الجمهور وهم الأكثر عدداً قالوا: إن وجوبها على الفور لمن استطاع للآية الكريمة ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٧]. وفضلاً عما في الحج من تأدية فريضة الله علينا، ففيه كذلك عظيم الأجر وجميل المثوبة، وفيه كذلك عظيم الكفارات لكبائر الإثم ولعظام الفواحش، قال النبي ﵊: (الحج يهدم ما قبله) وقال ﵊: (العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما ما اجتنبت الكبائر، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة) وقال ﵊: (من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه) وقال ﵊: (تابعوا بين الحج والعمرة؛ فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد) وقال صلوات الله وسلامه عليه: (ثلاثة كلهم ضامن على الله -وفي رواية: كلهم في ضمان من الله : رجل خرج من بيته إلى المسجد كي يصلي، ورجل خرج غازياً في سبيل الله، ورجل خرج حاجاً) فالذي خرج إلى الحج فهو في ضمان الله، إن مات فهو إلى رحمة الله يبعث يوم القيامة ملبياً، وهنيئاً لمن مات وهو يحج؛ إذ يحشر يوم القيامة قائلاً: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، ومرحباً بها من موتة، يقوم الشخص لربه يوم بعثه وهو محرم يقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك فنعمت السعادة للعبد يوم لقاء الله إذ يلاقي ربه بتلك الهيئة. فيا معشر الأخوة! لا تضنوا بالأموال ولا تبخلوا عن إنفاقها في هذا الباب من أبواب الخير، فالشيطان يأتي يبخلك ويزهدك ويخوفك الفقر، قال تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦٨] وربنا يقول: ﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ:٣٩] قد تقف بعرفات ترفع يديك إلى مولاك وخالقك وبارئك: يا رب! اصرف عني كل سوء ومكروه، فيصرف الله أوبئة وأمراضاً كانت ستحل بك أو ببنيك فالله لا يخلف الميعاد، ومن أصدق من الله قيلا؟! ومن أحسن من الله حديثا؟! معشر المسلمين! لا تبخلوا على أنفسكم بفريضة من فرائض الله، ولا تحرموا أنفسكم مواقف يتنزل فيها ربكم إلى سماء الدنيا فيباهي بكم ملائكته قائلاً: (انظروا إلى عبادي هؤلاء أتوني شعثاً غبراً أشهدكم أني قد غفرت لهم) فلا تبخل عن نفسك يا من وسع الله عليه! ولا تبخل عن نفسك يا من قدر عليه رزقه، فعليك بدعاء الله؛ فإن العبد إذا أخلص النية كتب له من الأجر ما يعمل وهو غني سوي، قال النبي ﵊: (إن بالمدينة لأقواماً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا شاركوكم الأجر حبسهم العذر) فإن لم تغنموا الحج فلا يفوتنكم الدعاء بإثبات الأجر فربكم واسع العطاء، كريم جواد، . اللهم يا ربنا! يا فاطر السموات والأرض! ويا مبدع السموات والأرض! أقر أعيننا يوم لقائك بالنظر إلى وجهك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة. اللهم يا ربنا! أسكنا مع نبينا محمد عليه أفضل صلاة وأتم تسليم في الفردوس، واسقنا من حوضه شربة لا نظمأ بعدها أبداً. اللهم يسر لنا الحج عامنا هذا والأعوام القادمة يا رب العالمين! وأثبت الأجر لمن حرم الذهاب يا كريم! يا من لا تنفد خزائنه! يا رب العالمين! اللهم انصر الإسلام وأهله وأذل الشرك والمشركين، وأنزل اللهم رحمتك على أمواتنا وأموات المسلمين، أفسح اللهم لهم في قبورهم، ونور اللهم لهم فيها يا رب العالمين! واجعلها خير منازل، واجعل ممساهم وصباحهم دائماً في جنات النعيم، واشف اللهم أمراضنا وأمراض المسلمين. وصلى اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

стр. 672

فقه التعامل بين المسلمين [١] ما من شك أن كل مسلم لابد له من مخالطة إخوانه المسلمين، والاحتكاك بهم، وعليه فلابد من وجود ضوابط تحكم علاقة المسلم بأخيه المسلم في حدود الشرع يأخذ كل ذي حق حقه، وتسود أخوة الإيمان عموم المؤمنين.

стр. 673

فقه التعامل مع المسلمين بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبيه وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فمحاضرتنا في هذه الليلة إن شاء الله موضوعها: جزء من فقه التعامل بين المسلمين، ولا شك أن كلاً منا يريد أن تكون له وجاهة في الدنيا والآخرة. وقد أثنى الله على بعض أنبيائه عليهم الصلاة والسلام بالوجاهة وهو عيسى ﷺ ، فقال عنه: ﴿وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [آل عمران:٤٥]، ودعا الخليل إبراهيم ﷺ ربه أن يجعل له لسان صدق في الآخرين، فقال: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ﴾ [الشعراء:٨٤]. فلا شك أن كلاً منا يريد أن تكون له وجاهة في الدنيا بين الناس، ووجاهة في الآخرة يوم يقوم الأشهاد، وهذا وذاك يتأتى باتباع كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ والفقه فيهما، فكم من حامل علم وليس بفقيه كما ورد عن رسول الله ﷺ : (رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه)، فنقف وقفات مع بعض الآيات من كتاب الله، الأحاديث من سنة رسول الله ﷺ ، ونقتبس منها بعض الأخلاق التي تصلحنا بإذن الله في تعاملاتنا مع إخواننا.

стр. 674

مراقبة الله والإخلاص له الوقفة الأولى: أن علينا أن نبني تعاملاتنا مع الناس كلهم على أساس أصيل وثابت أُشير إليه في جملة من الآيات والأحاديث ألا وهو: تقوى الله سبحانه. فإذا أقبلنا نقبل لله، وإذا أدبرنا ندبر لله، وإذا أعطينا نعطي لله، وإذا منعنا نمنع لله، وإذا خاصمنا نخاصم لله، وإذا حاكمنا نحاكم لله. قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان)، وقال صلوات الله وسلامه عليه: (من أرضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس، ومن أسخط الناس برضا الله ﵁ وأرضى عنه الناس). فجدير بنا أن تكون كل تعاملاتنا مبنية على هذا الأصل الأصيل: مراقبة الله وتقواه، والإخلاص، وترك ما سواه، قال النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه ﵎: (من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه)، والأحاديث في هذا الباب كثيرة.

стр. 675

الأخوة في الله الوقفة الثانية: أن نبني تعاملاتنا مع المسلمين على أساس الأخوة في الله. فالمسلم أخو المسلم كما قال رسول الله ﷺ قال: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يسلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، بحسب امرئ منكم من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه)، وقال النبي ﷺ : (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر)، وقال النبي ﷺ : (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً) وقد ثبت هذا الأصل بجملة نصوص في كتاب الله: قال الله في كتابه الكريم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات:١٠]، وقال سبحانه: ﴿فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران:١٠٣]، وقال سبحانه في شأن رجل قتل رجلاً: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:١٧٨]. وقال النبي ﷺ مقرراً لهذا الأصل: (كونوا عباد الله إخواناً، هو سماكم المسلمين المؤمنين عباد الله)، وقال ﵊: (لا يأخذ أحدكم عصا أخيه جاداً ولا لاعباً)، وقال النبي ﷺ : (لا يبع بعضكم على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه). وقال الله سبحانه: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [الحجرات:١١] فجُعل المسلمون كلهم كالنفس الواحدة. أي: ولا يلمز بعضكم بعضاً. وقال سبحانه: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ [النور:٦١] أي: ليسلم بعضكم على بعض، وقال سبحانه: ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ [النور:١٢] أي: بإخوانهم. فكل هذه النصوص تعزز هذا الأصل -الأخوة في الإسلام- فيجب علينا أن نبني تعاملاتنا مع المسلمين على هذا الأصل. وإخواننا الملتحون جزاهم الله خيراً وعفا عنهم قصروا الأخوة على الملتحين فقط، وهذا خلل في المسيرة التي أطلقوا عليها اسم الصحوة، فيقولون: فلان أخ. أو ليس بأخ ويجعلون الميزان هو اللحية فقط، أو هذه أخت أو ليست بأخت ويجعلون الميزان هو النقاب والخمار فقط. صحيح أن إعفاء اللحية واجب، وأن النقاب على رأي كثير من أهل العلم واجب، لكن ليس معنى كون الشخص حلق لحيته وعصا ربه فيها أنه خرج من عداد المسلمين كلا. فالمسلم أخو المسلم كما قال رسول الله ﷺ . والمقصود من هذا: أننا عند تعاملاتنا مع المسلمين ينبغي أن نبني تعاملاتنا معهم على هذا الأصل: وأن أهل الإسلام بعضهم من بعض.

стр. 676

مستلزمات الأخوة الإيمانية وللأخوة في الله لوازم عديدة:

стр. 677

إنزال الناس منازلهم هنا أصل لابد من معرفته كي تنجح في التعامل مع الناس، ومع المسلمين على وجه الخصوص وتحقيق الأخوة، وهو معرفة أقدار الناس، ومعرفة من تخاطب، فللأمير طريقة في المخاطبة، وللمأمور طريقة، وللجليل طريقة في الخطاب، وللحقير طريقة، وللعالم طريقة عند مخاطبته والتعامل معه، وللجاهل طريقة عند التعامل معه، والغني له أسلوب في الخطاب، والفقير له أسلوب في الخطاب، فلابد من إنزال الناس منازلهم. دخل جعفر بن أبي طالب ﵁ على النجاشي لما جاء عمرو بن العاص إلى الحبشة يشكو مهاجرة الحبشة إلى النجاشي فقال: أيها الملك! إنك ملك والملوك لا يصلح عندها كثير الكلام. فانظر إلى هذا الفقه: (إنك ملك لا يصلح عند كثير الكلام). فالملك له مشاغله وله اهتماماته إذ هو يسوس دولة، ولأفرادها عمومها مشاكل، ولها أعداء، فلا يصلح أن يجلس وقتاً طويلاً مع شخص في جزئيات صغيرة، فقدم جعفر مقدمة ذكية تلم عن فهمه لأحوال الناس، فقال: أيها الملك! إنك ملك والملوك لا يصلح عندها كثير الكلام، فوضعنا كذا وكذا وكذا وشرح وضعه رضي الله تعالى عنه. أي: للملك طريقة في الخطاب. والجاهل كذلك إذا تكلم معك فعليك أن تعامله بطريقة أخرى. جاء عيينة بن حصن الفزاري إلى ابن أخيه الحر بن قيس وكان الحر من جلساء عمر وأهل مشورته وهو من حملة القرآن، وكان عمر ﵁ يدني منه حملة القرآن، ويقربهم ويجعلهم أهل الشورى وأهل المجالسة، فإذا نزلت به نازلة استشارهم إذ هو يعمل بحديث النبي ﷺ : (ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة، إلا كان له بطانتان: بطانة تأمره بالسوء وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالخير وتحضه عليه، والمعصوم من عصمه الله ﵎. وجدير بكل رجل من أصحاب المسؤوليات والوجهات والأموال أن يجعل بعض مستشاريه من حملة كتاب الله، وحملة سنة رسول الله وحملة العلم، ليستشيرهم في أموره حتى لا يندم بعد ذلك، ولذا كان عمر يدني الحر بن قيس منه، فقال عيينة بن حصن لابن أخيه الحر بن قيس: يا ابن أخي إن لك وجاهة عند هذا الأمير -يعني: عمر وكان عيينة بن حصن رجل من البدو الأعراب، بل من المؤلفة قلوبهم- فاستأذن لي بالدخول عليه، فجاء الحر بن قيس ﵁ ودخل على أمير المؤمنين عمر وقال: يستأذن عليك عمي عيينة بن حصن. فأذن عمر له، فلما دخل عيينة على عمر قال: يا ابن الخطاب -هكذا بجلافة الأعراب- إنك لا تعطينا الجزل، ولا تحكم بيننا بالعدل، فهمّ به عمر ليبطش به فتدخل الحر وقال: يا أمير المؤمنين! إن الله يقول: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩] وإن هذا من الجاهلين، فوالله ما تخطاها عمر ولا تعداها وسكت رضي الله تعالى عنه. والحمد لله رب العالمين.

стр. 678

التواصل وعدم الهجران من مستلزمات الأخوة: تحريم الهجران. فلا يحل لمسلم أن يهجر أخاه المسلم فوق ثلاث، فمع أن هنا تخاصم وشقاق لكن الأخوة ما زالت باقية (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث) (لا يحل) أي: يحرم (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهم الذي يبدأ بالسلام).

стр. 679

مراعاة الأحوال منها: مراعاة أحوال الإخوة: فإذا ما وجدت أخي غضبان أتقي ثورته وغضبه، وإذا غضبت أنا الآخر فلا أصدر قراراً في شأن إخواني. وهذه جزئية هامة لها أدلتها من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فإذا غضبت لا تصدر قراراً أثناء الغضب فإن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وقد أرشد الرسول ﵊ كما روي عنه من طريق عروة السعدي وإن كان الحديث فيه نوع كلام لكن لمعناه شواهد، (إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ). وفي صحيح البخاري من حديث سليمان بن صرد ﵁ قال: (رأى النبي ﷺ رجلين يستبان، أما أحدهما فقد علا صوته واحمر وجه وأنفه وانتفخت أوداجه، فقال ﵊: إني أعلم كلمة لو قالها هذا الرجل لذهب عنه الذي يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم لذهب عنه الذي يجد). إذاً: الشيطان يحضر عند الغضب ويحملك على أن تصدر قرارات طائشة في وقت الغضب، ومن ثم قال الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان) وذلك لأن الغضب نوع من أنوع الإغلاق التي يغلق على العقل وتجعل الشخص يتصرف في غير ما يريد، ويصدر قرارات لا يصدرها وقت تأنيه وتصبره. فلذلك إذا أردت أن تصدر قراراً فلا تصدره وأنت متعب مرهق أو وأنت غضبان، وتحضرنا في هذا واقعة رواها البخاري في صحيحه وهي واقعة قتل زيد بن حارثة وجعفر وعبد الله بن رواحة ﵄ (قتل الثلاثة ﵃ في مؤتة فوصل خبرهم إلى رسول الله ﷺ ، فجلس ﵊ حزيناً يعرف في وجهه الحزن -وفي بعض الروايات-: وعيناه تذرفان ﷺ ، فجاءه رجل وأم المؤمنين عائشة بجوار الرسول ﷺ فقال: يا رسول الله! إن نساء جعفر يبكين. فقال النبي ﷺ : اذهب إليهن فانههن عن البكاء. فذهب ورجع وقال: يا رسول الله! إن نساء جعفر يبكين وقد نهيتهن فلم ينتهين، قال: ارجع فانههن عن البكاء. فذهب ورجع وقال: يا رسول الله قد نهيتهن فلم ينتهين -ثلاث مرات-. فقال الرسول ﷺ : فاحثو في وجوههن التراب. فحينئذٍ قامت أم المؤمنين عائشة ﵂ فقالت: والله ما أنت بفاعل، ما تركت رسول الله ﷺ من العناء حتى قال لك الذي قال) رأت أم المؤمنين وهي الفقيهة العالمة ﵂ أن القرار صدر من رسول الله ﷺ بعد إلحاح الرجل عليه، حتى أرهق رسول الله فصدر منه هذا الكلام. والشاهد: أن النبي ﷺ سمع مقالة أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها، فما عاتبها ولا زجرها ﵊، ولا تعقبها، فدل فعله وإقراره لها على صدق ما قالته، ولو كان ما قالته أم المؤمنين خطأ لتعقبها رسول الله ﷺ ، إذ هو لا يسكت على الخطأ ولا يقره، فإن قيل: إن النبي ﷺ لا ينطق عن الهوى فلماذا قال مقالته الأولى: (اذهب فاحث في وجوههن التراب)؟ فالإجابة: إن الرسول ﷺ يفعل أموراً تعليماً لأمته ﷺ ، كما صنع في قصة عمر مع أبي هريرة حيث قال ﵊ لـ أبي هريرة: (يا أبا هريرة اخرج فبشر من قال لا إله إلا الله بالجنة. فخرج أبو هريرة يقول: من قال لا إله إلا الله دخل الجنة، فكان أول من التقى به عمر بن الخطاب ﵁، فسمع مقالة أبي هريرة ونقله عن رسول الله ﷺ : من قال لا إله إلا الله دخل الجنة. فضرب أبا هريرة ضربة أسقطته على الأرض على استه وقال: والله لا تحدث بهذا الحديث أحداً، فانطلق أبو هريرة إلى رسول الله ﷺ يشكوا إليه عمر، ودخل عمر على إثر أبي هريرة ﵁ فقال: يا رسول الله! إذاً يتكلوا. فقال الرسول ﷺ : إذاً يتكلوا، فأقر الرسول ﷺ عمر على مقالته) فهذا كان من باب التعليم. والمراد: أنك لا تضغط على شخص حتى يعطيك وعداً من الوعود ويخلف هذا الميعاد، ولا تضغط على شخص حتى يعدك وعداً فلا يفي لك بها، وإلا فأنت المتسبب في عدم الوفاء، بإرهاقك لأخيك المسلم. فيجدر بالشخص ألا يصدر قراراً في وقت غضب أو تعب، ويجدر بالمسلم كذلك ألا يكره ويحمل أخاه على أن يصدر قراراً في وقت تعبه وإرهاقه ولا يستطيع أن يفي له به، ولا يكثر من الإلحاح على إخوانه يحرجهم ويؤثمهم. وكذلك إذا كنت في سفر واعتراك التعب والإرهاق وخالطك الهمج والرعاع فلا تصدر قراراً في مثل هذا الوقت؛ لأنه يأتي على غير وجه صحيح. وفي الصحيح أن عمر بن الخطاب ﵁ خرج مع المسلمين في موسم الحج فسمع قائلاً يقول: لو مات عمر لفعلنا كذا وكذا. ولأمّرنا فلاناً وفلانا فوالله ما كانت إمره أبي بكر إلا فلتة أو خلسة، على غرة منا، فلما سمع عمر هذه المقالة آذته وآلمته جداً، فقام في الناس يقول قولاً ويلقي خطبة في الناس، فجاءه بعض كبار الصحابة فقالوا: قبل أن يخطب خطبته: يا أمير المؤمنين إنك في موسم الحج، والموسم يجمع العقلاء والرعاع، منهم من يفهم ومنهم من لا يفهم، ومنهم من يعقل ومنهم من لا يعقل، فنخشى يا أمير المؤمنين إن تكلمت بكلامك في مثل هذا الموقف فهم عنك على غير وجهه، وحمله العالم والجاهل، والقاصي والداني، وأهل الحضر وأهل البادية، ومن في قلبه خير ومن في قلبه غل، فيحرفون كلامك، ولكن يا أمير المؤمنين تريث، لا تتكلم في مثل هذا الموطن، ولكن ارجع إلى المدينة فإن بها أهل العلم وأهل الفقه من أصحاب محمد ﷺ ، فحدثهم حينئذٍ بما تريد ويفهمون عنك الذي تريد، فرأى أمير المؤمنين عمر أن الكلام له وجاهة، فأجل الحديث إلى أن رجع إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حتى لا يفهم كلامه على غير وجهه رضي الله تعالى عنه، فجدير بالمسلم أن ينظر إلى المواطن والمواقف والأشخاص.

стр. 680

وجوب النصح لكل مسلم ومن مستلزمات الأخوة الإيمانية: النصح للمسلم وتوجيهه إلى الخير، وقد أخذ رسول الله ﷺ البيعة على بعض أصحابه بذلك. فهذا جرير بن عبد الله البجلي ﵁، وكان من الصحابة الذين آتاهم الله جمالاً، حتى كان بعض السلف يطلق عليه يوسف أمة محمد ﷺ ، وهو الذي يقول عن نفسه: (ما رآني النبي ﷺ إلا تبسم في وجهي) هذا الصحابي الجيل قال: (بايعت رسول الله ﷺ على السمع والطاعة والنصح لكل مسلم). ومن حق المسلم على أخيه: إذا استنصحه أن ينصح له، هكذا جاء في شريعة محمد ﷺ ، فإذا طلب منه العون أعانه، وقد ذكر الله القوم الذين يمنعون الماعون عن إخوانهم بالذم فقال في سورة سماها بسورة الماعون: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ [الماعون:١] إلى قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون:٦ - ٧] فالذين يمنعون الماعون عن إخوانهم المسلمين ذكروا بالذم في كتاب الله، والماعون: العارية التي تعار كالدلو والقدر ونحو ذلك. إذاً: للأخوة مستلزمات: هل تحب لسائر المسلمين ما تحبه لأخيه من أمك وأبيك بل ما تحبه لنفسك؟ هذا منطوق حديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وليس مفهومه: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، (كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه).

стр. 681

أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك منها: قول النبي ﵊: (لا يبع بعضكم على بيع أخيه ولا يخطب على خطبة أخيه) فكما أنك تحب أن تربح فتحب لأخيك الربح كذلك، وعليك أن تنصح وتبين له. قال ﵊: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن نصحا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما) وكما أنك تحب أن تستر إذا أخطأت فلتحب لإخوانك ذلك أيضاً. أما إذا أحببت لإخوانك الفضيحة فرب العزة يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [النور:١٩] ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: عذاب مؤلم موجع في الدنيا والآخرة ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النور:١٩]. هذه رموز وإشارات تكتشف بها نفسك يا عبد الله، فلن ينزل عليك وحي من السماء يقول لك: أنت على خير أو أنت محسن أو لست بمحسن، إنما هناك نصوص من كتاب الله طبقها على نفسك، فإن انطبقت عليك كنت من أهل الإيمان وإلا فراجع نفسك، وانظر إلى قلبك: هل أنت تحب لإخوانك المسلمين ما تحبه لنفسك، كما قال نبيك محمد ﷺ : (لا يؤمن أحدكم -أي: لا يكمل إيمان أحدكم- حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه). إن حل بك خير فأحببته لإخوانك مثلما تحبه لنفسك فأنت على خير، أما إن كنت تحب لنفسك الخير وتحب لإخوانك المصائب والشرور فأنت بعيد عن طريق أهل الإيمان، وعليك أن تلتمس الطرق التي توصلك إليه، وإذا أحببت لإخوانك الفضيحة وشعرت من قلبك بالسعادة للمصائب التي تحل بهم، كأن تشعر في نفسك بالسعادة لرسوب أخيك المسلم، أو لفشله في عمل من الأعمال، أو لكونه افتضح في الناس، أو لكونه ابتعد عن الخير فأنت على شر عظيم، وتذكر قول ربك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النور:١٩].

стр. 682

فقه التعامل بين المسلمين [٢] ينبغي على المسلم عند تعامله مع إخوانه أن يعلم أن أخاه أحد رجلين: محسن أو مسيء، وأن الله لم يكتب العصمة لأحد من خلقه بعد رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، ومن أكثر معاتبة الإخوان جاء اليوم الذي لا يبقى له فيه أخ أو صاحب.

стр. 683

ضوابط في فن التعامل

стр. 684

طيبة النفس في الأخذ والعطاء ومنها: ألا تأخذ شيئاً من أخيك عن غير طيب نفس منه، فلا يبارك لك فيه: أخرج البخاري من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه قال: (أتينا إلى رسول الله ﷺ نستحمله) أي: نطلب منه أن يحملنا للجهاد على إبل الصدقة أو على خيل نجاهد عليها في سبيل الله، وهو في معنى قوله تعالى: ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ﴾ [التوبة:٩٢]. الشاهد: (أتينا إلى رسول الله نستحمله فقال: والله لا أحملكم وما عندي ما أحملكم عليه، فانطلقنا، فأتي إلى رسول الله بخيل فدعانا وأعطانا خيولاً أو إبلاً نركب عليها للقتال فانصرفنا، فقلنا في طريقنا: استغفلنا رسول الله ﷺ يمينه) يعني: أخذنا من الرسول الخيل وكان قد أقسم أنه لا يبارك لنا في هذه الخيل فقالوا: (نرجع إلى رسول الله). الشاهد: أن الصحابة تورعوا عن أن يكونوا قد أخذوا شيئاً من رسول الله ﷺ على حين غفلة، أو على حين غرة، فكذلك لا تفعل مع إخوانك، فلا تستغفل أخاك حتى تأخذ منه حقاً ليس لك، أو شيئاً بغير طيب نفس منه. (فرجعوا إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله! إنك أقسمت ألا تحملنا ثم حملتنا. فقال ﵊: إني والله ما حملتكم والله حملكم، وإني والله لا أحلف يميناً فأرى غيرها خيراً منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير). فحينئذٍ تأكدوا أنهم لم يستغفلوا النبي ﷺ ، وكل هذا رجاء أن يبارك لهم في هذا العطاء، ولذلك نجد أن من أخذ شيئاً من أخيه بنفس غير طيبة، أو عن شك أو ريبة في طيبة نفسه بذلك الشيء، نجده في قلق دائم، ولا يبارك له في هذا الشيء والمقدر سيكون، ولا يظن أحدنا أن ملازمة الورع تنقص الرزق، فهذا خطأ بين، فلا يحمل أحدنا استبطاء الرزق على أن يستغفل الناس أو أن ينال الزرق بمعصية الله سبحانه. والحقيقة أيها الأحبة! أن الموضوع طويل ولكن نكتفي بهذا القدر، وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 685

الملاطفة وجبر الخاطر ومنها: الملاطفة في القول وجبر الخاطر: يوجد في شرعنا في تعاملنا مع الناس لكسب قلوبهم ما يسمى بجبر الخاطر، له أدلة من كتاب الله ومن سنة رسول الله ﷺ ، فمن أدلتها من الكتاب: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:٢٤١] فجبر خاطر المطلقة بالمتعة. ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [النساء:٨] يعني: الفقراء المساكين إذا حضروا تقسيم التركة فلا بأس أن يجبر خاطرهم بشيء من المال. ومن العلماء من قال: إن خاطر إبراهيم ﷺ جبر لما لم يؤمن به إلا القليل، فجبر الله خاطره بأن جعل كل الأنبياء الذين جاؤوا من بعده من ذريته ﵇، ﴿وَجَعَلَهَا﴾ [الزخرف:٢٨] أي: كلمة التوحيد ﴿كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف:٢٨]. وجبر خاطر الصديق يوسف ﷺ لما سجن واتهم بأن جعله عزيزاً على مصر، فجاء إخوته يقولون كما قال الله: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ [يوسف:٨٨]. فاجبر خاطر الناس ولو بكلمة طيبة، فهي في بعض الأحيان تقوم في مقام جبر الخاطر أفضل من آلاف الجنيهات، فالرسول ﷺ عندما قسم الغنائم، أعطى قوماً ضعفاء الإيمان وأكرمهم ﵊ غاية الكرم، ومنهم عيينة بن حصن أعطاه مائة من الإبل الأقرع بن حابس مائة من الإبل غيرهم وغيرهم من المنافقين أو ضعاف الإيمان، وممن أكرمهم: رجل اسمه عمرو بن تغلب كان جالساً ولم يأخذ من الغنيمة إلا الشيء اليسير جداً إن ذكر، فقال الرسول ﷺ : (والله إني أعطي قوماً وغيرهم أحب إلي منهم، أعطي قوماً وأكل قوماً إلى ما في قلوبهم من إيمان منهم عمرو بن تغلب، فكان عمرو يقول: والله هذه الكلمة لي من رسول الله أحب إليّ من حمر النعم) يعني: إذا أعطي عمرو بن تغلب مليون جمل لا تعدل عنده هذه الشهادة من رسول الله ﷺ . فالكلمة الطيبة تجبر الخاطر، أفضل من كثير من المال، ومن ثم قال تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦٣]. وهذه فضيلة باقية لـ عمرو بن تغلب إلى يوم القيامة، ندارسها نحن وحديثها في البخاري ويدارسها من بعدنا إلى يوم القيامة، وهي شهادة من رسول الله لـ عمرو بن تغلب رضي الله تعالى عنه، فالكلمة الطيبة صدقة كما الرسول ﷺ ، وتؤتي أكلها في الناس بإذن الله، ولكن المهتدي إليها من هداه الله، والله يقول: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ [الحج:٢٤] فسل الله أن يهديك لهذه الكلمات الطيبة. يقول الله : ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠] أي: العمل الصالح يرفع الكلم الطيب، تتكلم بكلام طيب وتتبعه بعمل صالح العمل الصالح يرفع الكلم الطيب إلى الله ، والله يقول: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [إبراهيم:٢٤ - ٢٥] وإن كان أكثر العلماء على تفسير الكلمة الطيبة بلا إله إلا الله. تخرج من اللسان، أصلها ثابت في القلب، وفرعها في السماء، تصعد ثمرتها إلى السماء وتتقبل، وتفتح لها أبواب السماء، لكن مع هذا القول بأنها لا إله إلا الله لا مانع من دخول غيرها معها، فقد قال الرسول ﵊: (الكلمة الطيبة صدقة) والآية عامة ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ [إبراهيم:٢٤] فلا إله إلا الله أفضل كلمة، ويلتحق بها عموم الكلم الطيب وإن كان دونها في الفضل. هذه بعض الملاحظات التي نريد أن ننبه عليها، والباب واسع، ولكن كلل أعمالك برحمة العباد والعفو عن الناس. وتحضرنا واقعة وإن لم يكن إسنادها صحيح ولكن نأخذ منها العبرة: ذكر عدد من المفسرين في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٤] أن رجلاً من التابعين كان عنده أضياف فأتته جاريته بمرق حار فمن ربكتها سقط منها المرق على الأرض فتغيض عليها سيدها، وقام ليلطمها. فقالت: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران:١٣٤] فسكت، فخشيت بعد ذلك أن يضربها فقالت: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٣٤] حتى تأخذ منه وعداً أنه لا يضربها فيما بعد، فقال: قد عفوت عنك. فقالت: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٤] قال: اذهبي فأنت حرة لوجه الله، وهكذا كان الناس وقافين عند كتاب الله . ومن هذه القصة نأخذ: فضل الفقه الذي كان سبب نجاة وعتق هذه الأمة ﵂ وعن سيدها. فجدير بنا معشر الإخوة أن نتخلق بخلق رسولنا صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأن نتبع سنته وأثره.

стр. 686

معرفة أنه لا عصمة لأحد بعد النبي ﵊ ومنها: معرفة أنه لا معصوم بعد النبي ﵊: ولتعلم أيضاً أن الناس بشر يعتريهم ما يعتري البشر، أبوهم آدم أكملهم عقلاً كما في الحديث جحد فمن ثَم جحدت ذريته، كما قال الرسول ﷺ : (أبوهم آدم أشدهم حلماً نسي فنسيت ذريته). عصا فعصت ذريته، وهو من أكمل الخلق وأعقل الخلق وأحلم الخلق ﷺ ، فبنوه كذلك تصدر منهم هذه الأخطاء، فأحياناً يصدر منهم حب للنفس، فيغفر لهم في خضم فضائلهم، وفي ذلك قصص أخرجها البخاري وغيره: قال جابر بن عبد الله ﵄، قال رسول الله ﷺ : (اهتز العرش لموت سعد بن معاذ) وكان سعد بن معاذ سيداً للأوس وكان سعد بن عبادة سيداً للخزرج، وكان بين الحيين في الجاهلية ضغائن وحروب طاحنة. قال جابر مع أن جابر من الخزرج وسعد بن معاذ من الأوس، وكان الحيان يفتخران، حتى قال بعضهم: منا من حمته الدبر -يعني: النحل حمته من المشركين أن يقطعوا منه شيئاً- ومنا من اهتز له العرش. الشاهد: قول جابر وهو من الخزرج: اهتز العرش لموت سعد بن معاذ. فقيل لـ جابر: إن البراء يقول: إن الذي اهتز إنما هو السرير، يريد أن يؤول العرش بالسرير؛ لأن العرش يطلق عليه سرير، ﴿نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾ [النمل:٤١] العرش: هو سرير الملك. فهم هكذا رضي الله تعالى عنه، وقد يكون سمع الحديث لكن أحياناً كما يقول القائل: وعين الرضا عن كل عيب كليلة كما أن عين السخط تبدي المساويا فعندما يكون بينك وبين شخص عداوة فإنك تراه بمنظار آخر، يأتيك أبيض فتحسبه أسود، يأتيك مبتسماً فتقول: جاء يشتم ويسب. فالشاهد: أن قائلاً قال لـ جابر: إن البراء يقول: اهتز السرير. فقال جابر: لا قد اهتز العرش إنما كان بين هذين الحيين ضغائن. أي: كان بين الأوس والخزرج ضغائن ففسر العرش بالسرير. فالشاهد: أن البراء بشر التبس عليه الأمر، وجاء في الرواية: إن البراء يقول: إن ثبت عنه فهو من البشر يجري عليه ما يجري على البشر. أيضاً: أمنا عائشة لما رأت مدى حب الرسول ﷺ لـ خديجة، وقد كان ﵊ وفياً غاية الوفاء لـ خديجة، وكان يحبها حتى بعد موتها، وإذا جاءت أختها هالة تستأذن ذكرته نبرات صوتها بـ خديجة ﵂، فيرتاع لها الرسول ﷺ ، ويقول: (اللهم هالة)، وكانت عائشة ﵂ تغار من اهتمام الرسول ﵊ بهذه الزوجة، وإن كان قد ماتت، وعائشة لا تعرفها أصلاً بل إن فاطمة بنت الرسول بنت خديجة أكبر من أم المؤمنين عائشة ﵅ أجمعين، فـ عائشة تسمع رسول الله يقول: (اللهم هالة) قالت: (والله يا رسول الله ما غرت من امرأة قط كما غرت من خديجة، وإن كنت لم أرها)، لكثرة ما سمعت الرسول ﷺ يذكرها. حتى قالت: يا رسول الله! ما تذكر امرأة عجوز، ماتت في غابر الزمان قد أبدلك الله خير منها، فيقول ﵊: (إني رزقت حبها). عائشة ما رأتها ومع ذلك طعنت فيها بدون أن تراها رضي الله تعالى عنها، فأحياناً يعتري البشر في حب للنفس والانتصار لها ما يعتريهم. وكما حدث مع الرسول عندما قال: مروا أبا بكر فليصل بالناس، قالت عائشة لـ حفصة: قولي له أبو بكر رجل أسيف، إذا قام مقامك فلم يسمع الناس من البكاء، ولكن مر عمر فقال ﵊: (إنكن صواحب يوسف مروا أبا بكر فليصل بالناس). والشاهد: أن عائشة تقول عن نفسها: (والله ما كنت أبداً أريد ألا يؤم أبو بكر بالناس إلا لشيء، إني خشيت إذا وقف أبو بكر مكان رسول الله أن يتشاءم الناس بـ أبي بكر لكونه جاء بعد الرسول). فحاصل كلامها: أردت أن ألحق هذا التشاؤم بـ عمر لا بأبي؛ فأرادت عائشة أن تدفع هذا كله عن أبيها وتلصقه بـ عمر. وفي حادثة الإفك قال ﵊: (من يعذرني من رجل بلغني أنه قال في أهلي، والله ما علمت عن أهلي إلا خيراً فـ سعد بن معاذ قام فقال: أنا أعذرك منه يا رسول الله، إن كان من عندنا من الأوس قتلناه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا فقتلناه، فقام سعد بن عبادة وقال: والله لا تقتله ولا تقدر على ذلك، وإن كان من قبيلتك لم تحب أن يقتل، فيقوم أسيد بن حضير ويقول: والله لنقتلنه، إنك منافق، تجادل عن المنافقين)، فهذه هفوات تغتفر للبشر. - واقعة أخرى في هذا الصدد: كان هناك رجل يقال له: أبو السنابل بن بعكك صحابي من أصحاب رسول الله، وكان ﵁ قد تقدم لخطبة امرأة يقال لها سبيعة الأسلمية بعد أن مات زوجها، فأبت أن تتزوجه، وكانت سبيعة امرأة تتجمل للخطاب، قد اكتحلت واختضبت وتجملت للخطاب، لما رآها أبو السنابل متجملة وقد ردته قال: (ما لي أراك تجملت للخطاب؟ والله لا تحلين لأحد حتى يبلغ الكتاب أجلَه)، أي: حتى تنقضي أربعة أشهر وعشراً، وهذه عدة المتوفى عنها زوجها، ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة:٢٣٤] وسبيعة عدتها عدة الحامل تنقضي بوضع الحمل، فقال هذه الكلمة وهو الذي لم يلبث أن خطبها، (فحملت عليها ثيابها وانطلقت إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: إن أبا السنابل يقول: كذا وكذا يا رسول الله، قال: قد حللت حين وضعت، فاصنعي ما بدا لكِ) أي: بمجرد الوضع قد حللت للخطاب فتزوجي إن شئت. وهذا الحديث هو عمدة العلماء القائلين: بأن أولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن، حتى المتوفى عنها زوجها، وليس في المطلقات فحسب؛ لأن سبيعة كانت قد توفي عنها زوجها. فالحاصل: أنهم بشر يعتريهم ما يعتري البشر ويغفر لهم ما يغفر للبشر (والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر الله لهم). أيضاً عليك أن تعلم القاعدة المضطردة في كتاب الله (أن هناك فضل وهناك عدل)، فضل وعدل، تنزيل ذلك أو استنباطه من الآيات ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل:٩٠]، فالعدل جزاء السيئة بالسيئة، والإحسان العفو، ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥] كله عدل، ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة:٤٥] فضل وعفو، ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى:٤٠] عدل، ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ﴾ [الشورى:٤٠] عفو، ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ﴾ [الحج:٦٠] عدل ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ [الحج:٦٠] عفو وفضل. هناك عدل وهناك فضل، فيجوز لك أن تأخذ بالعدل، ويجوز لك أن تأخذ بالفضل، فليس معنى أني جئته في وقت من الأوقات فلم أعف. وطلبت بحقي أني ظالم. وفي صحيح البخاري أيضاً (أن الرسول ﷺ اجتمع عليه أهله في مرضه، فأرادوا أن يضعوا له اللد في فمه -دواء مر، يوضع في الفم رغم الأنف، فيفتح الفم بقوة ويصب فيه الدواء- فأشار إليهم الرسول ألا تفعلوا، فما التفتوا إلى إشارة الرسول بل قالوا: ما من مريض إلا وهو يكره الدواء- فوضعوا للرسول الدواء في فمه رغماً عنه). الشاهد: أنه لما أفاق قال: (لا يبقين أحد في البيت إلا لد وأنا أنظر). يعني: كل واحد في البيت كان يشاهد الموقف لابد أن يوضع اللدود في فمه أمام عيني، ﵊. وقال: (إلا العباس فإنه لم يشهدكم) فالرسول أراد أن يعاقب حتى لا تصبح الأمور دوماً مفتوحة لمن أراد أن يخالف، أو من أراد أن يظلم أو أي شيء من هذا الباب، وهذا تزكية لأمته ﷺ ، فليس معنى كونه أخذ بالعدل أنه ظلم ﷺ .

стр. 687

إقالة ذوي الهيئات عثراتهم ومنها: إقالة ذوي الهيئات عثراتهم: ومن ذلك ما ورد في قصة حاطب بن أبي بلتعة رضي الله تعالى عنه، فقد كان من جلساء رسول الله ﵊ وممن شهد بدراً، بل ذكر بعض العلماء: أنه كان من مستشاري رسول الله ﷺ ، يستشيره الرسول ﷺ في أموره بل وفي أمور المسلمين، فخطط الرسول يوماً لغزو مكة، وأطلع حاطباً على هذا السر، فأرسل حاطب رسالة سرية مع امرأة من المشركين إلى مشركي قريش خلاصتها: إن النبي ﷺ يريد غزوكم فخذوا حذركم -رسالة بهذه الصورة من حاطب إلى هؤلاء المشركين، والرسول ﷺ يستأمنه على هذا السر- فأطلع الله نبيه على هذه الرسالة، وأعلمه إياها، فجاء الرسول واستدعى ثلاثة: علياً والمقداد والزبير وقال لهم: انطلقوا حتى تأتوا مكاناً يقال له: روضة خاخ، وستجدون هناك ضعينة -مسافرة- معها رسالة من حاطب إلى المشركين، فأتوني بالرسالة. قال علي: (فانطلقنا تعادى بنا خيولنا، حتى التقينا بالمرأة فقلنا لها: أخرجي الكتاب الذي معك. قالت: ما عندي كتاب. ففتشوها ودققوا التفتيش فما وجدوا شيئاً، فهموا بالانصراف، فقال علي: ما كذب رسول الله ﷺ لتخرجن الكتاب أو لنجردن الثياب. فلما رأت المرأة الجدّ في قول علي أهوت إلى حجيزتها فاستخرجت الرسالة وسلمتها لـ علي، فانطلقوا بها إلى رسول الله ﷺ فإذا بها: من حاطب إلى فلان وفلان من المشركين وقرئت الرسالة على رسول الله ﵊ وكان عمر جالساً بجوار الرسول ﷺ ، ورأى أن هذا الأمر جريمة كبرى، بل خيانة لرسول الله ﵊، وخيانة لأهل الإسلام، وكشفاً لسر من أسرار المسلمين للكفار، فأرسل الرسول إلى حاطب فجيء به، فقال عمر: يا رسول الله! دعني أضرب عنق هذا المنافق، إنه رجل خان الله وخان رسوله وخان المؤمنين). ولكن رسول الله -الرسول الأسوة- جاء يخاطب -المتهم- يسمع منه. وقد قال بعض العلماء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص:٢٤] عقب قوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾ [ص:٢١ - ٢٢] ثم بدأ أحدهم في بث الشكوى: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي﴾ [ص:٢٣] أي: غلبني ﴿فِي الْخِطَابِ﴾ [ص:٢٣] اشتكى ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص:٢٣] فأصدر داود الحكم مباشرة وقال: ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾ [ص:٢٤]. قال العلماء في تفسيرها وهو أولى الأقوال والله أعلم: إن داود استغفر ربه وخر راكعاً وأناب؛ لأنه لم يسمع قول الخصم الآخر بل حكم للخصم الأول دون سماع ما عند الخصم الآخر. الشاهد: أن الرسول ﷺ قال لـ حاطب: (يا حاطب!! ما حملك على ما صنعت؟ قال حاطب ﵁: والله يا رسول الله!! ما كفرت بالله، بل أنا رجل مؤمن أحب الله وأحب رسول الله ﷺ ، ولكني يا رسول الله!! نظرت إلى نفسي وإلى أصحابك، فرأيت أصحابك يا رسول الله كل منهم له قريب في مكة، يدفع الله بهذا القريب عن أهله وماله الذي تركه بمكة، وأنا ليس لي أقارب في مكة يا رسول الله، فأردت أن أصنع معروفاً وجميلاً في المشركين حتى يحافظوا على أهلي وأموالي بمكة. وهذا من إيمانه رضوان الله عليه: فقد وكل الأمر إلى الله فقال: يدفع الله بها عن أهلي ومالي يا رسول الله، فكل أصحابك له أهل يدفع الله بهم عنه. فانفعل عمر أيضاً وقال: دعني أضرب عنق هذا الرجل يا رسول الله، منافق خان الله وخان رسوله وخان المؤمنين، فقال ﵊: إنه قد صدقكم، فلا تقولوا له إلا خيراً، وما يدريك يا عمر لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: يا أهل بدر اعملوا ما شئتم فإني قد غفرت لكم)، وكان عمر ﵁ يعرف قدر نفسه فبكى عمر ودمعت عيناه وقال: الله ورسوله أعلم. إذاً: الرجل زلت قدمه زلة خطيرة لكن له سابقة خير، فقد شهد بدر فلا تذهب السيئة بعموم الحسنات، فلابد من تذكر أفعال البر التي عملها من وقع في خطأ، فلا تدفع أفعال البر نتيجة سيئة واحدة اقترفت وإن كانت كبيرة من الكبائر، فهي لا تنزع عن المسلم لباس الأخوة الإيمانية. ومثلاً: قذف المحصنات الغافلات المؤمنات كبيرة من أكبر الكبائر: أن تأتي إلى امرأة غافلة مؤمنة محصنة عفيفة، فتقول: فلانة زنت. كبيرة من أكبر الكبائر، فكيف إذا تعدت هذه الكبيرة إلى قذف امرأة رسول الله ﵊، ويقول القائل: عائشة فعلت كذا وكذا وكذا مع فلان، فهي كبيرة ضم إلى كونها كبيرة أنها طعن في عرض رسول الله ﵊. ومع هذا كله نزل تكذيب هذا القائل ليس من عندي ولا من عندك بل تكذيبه من الله، ومع ذلك كله أيضاً يقول الله لـ أبي بكر: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾ [النور:٢٢] فعند وزن الناس بأعمالهم عليك أن تزن بميزان عدل وميزان قسط، فلا تزن بميزان جور وميزان هوى والعياذ بالله. عليك أن تدرك هذه المفاهيم جيداً ولا تكن أبداً يوماً عوناً للشيطان على إخوانك، فإن غلب الشيطان أخاك ثم جاء تائباً فافتح له صدرك لتقبل منه العذر. ما حديث شارب الخمر بخفي عنكم: رجل يجلد لشرب الخمر ثم يذهب ويؤتى به ويجلد مراراً، حتى قال بعض الصحابة: (لعنك الله ما أكثر ما يؤتى بك، فيقول الرسول ﷺ : لا تكونوا عوناً للشيطان على أخيكم، إنه والله ما علمته إلا يحب الله ورسوله). إذاً: قد يذنب الشخص، لكن هذا الذنب لا ينزع عنه حب الله وحب رسوله ﷺ ، فإذا جاء أخوك معتذراً فلا تسد أبواب الاعتذار أمامه بل افتح له الباب، وقل له: يا أخي كلنا نذنب. غفر الله لي ولك، ستر الله عليّ وستر الله عليك، ووفقني الله وإياك، واستر عليه وساعده، واقبل منه الاعتذار حتى يصلح حاله، أما أن تغلق في وجهه الأبواب فما عساه أن يجني من وراء موقفك هذا، إلا أن يشرد عنك بل ويشرد عن الدين. إذاً: إذا وجدت في مسلم من المسلمين خطأ وفيه مناقب فعليك أن تثني عليه بما تعلم من المناقب التي فيه، ثم تذكِّره عرضاً بالخطأ، وهذه طريقة مضطردة في كتاب الله، الله ، فقد ذكّر نبيه داود ﷺ فقال: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء:٧٨ - ٧٩] يعني: الولد وحتى يحفظ عرض داود أيضاً قال تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء:٧٩] يعني: داود عنده فهم أيضاً فلا تظن غير ذلك. لذلك قال: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء:٧٩]. وقال الله سبحانه أيضاً في شأن يعقوب لما قال لبنيه: ﴿وَقَالَ يَا بَنِيَ لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [يوسف:٦٧] إلى قوله: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [يوسف:٦٨] ولكنه بين السبب فقال: ﴿إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾ [يوسف:٦٨] وحتى لا يأتي شخص ويقول يعقوب لا يفهم قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٦٨]. فإذا أردت أن تنتقد فانتقد وأظهر المحاسن التي في أخيك المسلم، كأن تقول لمن بدرت منه بادرة سيئة: أنت مخك نظيف وعقلك ناضج، لكن هذه فلتة فلتت منك فارجع إلى نظافة العقل، وآرائك السديدة التي نسمعها منك دائماً. إذاً: لا تجعل الخطأ يأتي على كل المحاسن، فهذا نوع من أنواع الظلم -والعياذ بالله- بل افتح للناس باب التوبة وباب الرجوع إلى الله وسهله عليهم، وعرّف الناس بربهم وخالقهم وعلمهم أن الله رحيم حليم يغفر الذنوب جميعاً.

стр. 688

مراعاة مراتب الناس وأحوالهم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين. وبعد: فإن التعامل بين المسلمين فن من الفنون التي ينبغي أن يعتنى بها. وهناك لوازم وضوابط لنجاح التعامل بين الناس: منها: مراعاة مراتبهم وأحوالهم، فمراعاة أحوال الناس ومراتبهم من أسباب النجاح في التعاملات مع الناس، فكم من شخص يتحمل منك الكلمات الشديدة، وثم أشخاص لا يتحملون منك نظرة غضب فقط فضلاً عن الكلمات النابية الشديدة، فمن ثم كان لزاماً عليك أن تتعامل مع الناس بحسب أحوالهم. ونذكر في ذلك واقعتين واقعتان حدثتا لـ أبي بكر الصديق ﵁: أما الواقعة الأولى فحدثت لـ أبي بكر مع عمر، وعمر وهو رجل من فضلاء الصحابة ﵁، له قبيلته وقدره في قريش. وأما الثانية فحدثت لـ أبي بكر مع بلال وسلمان وصهيب وهم من الفقراء الذين ليست لهم قبائل في مكة ولا في المدينة. ولتنظر كيف تعامل أبو بكر مع هذا؟ وكيف تعامل مع هؤلاء؟ ولتنظر ما هو تعقيب رسول الله ﷺ على هذه التصرفات؟ أولاً: كان بين أبي بكر وعمر ﵄ شيء فقال أبو بكر عن نفسه: وكنت أنا أظلم. يعني: أنا الذي كنت مخطأ في حق عمر ﵃، وكل الناس تخطئ. قال: (أخطأت في حق عمر فذهبت إلى عمر ﵁ أعتذر إليه من خطئي، فلم يقبل عمر العذر، فذهب أبو بكر حزيناً إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله! قد كان بيني وبين عمر بن الخطاب ﵁ شيء، وأنا والله يا رسول الله كنت أظلم، فذهبت فاعتذرت إليه فلم يقبل عذري. فغضب الرسول ﷺ غضباً شديداً. ثم إن عمر أيضاً أحس بخطئه فكيف يأتي أبو بكر يعتذر إليه ولا يقبل عذره؟ فانطلق مسرعاً إلى بيت أبي بكر ﵁، فقالوا له: إن أبا بكر ذهب إلى رسول الله ﷺ ، فانطلق مسرعاً إلى رسول الله ﷺ ، والرسول جالس مع أصحابه وأبو بكر بجواره، فلما رأى الرسول ﷺ عمر، قام مغضباً في وجهه غاية الغضب، وقال: هل أنت تارك لي صاحبي يا ابن الخطاب؟ صدقني إذ كذبتموني، وأعطاني إذ منعتموني، فوالله لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً ولكن خلة الإسلام أفضل. لا يبقين في المسجد خوخة إلا سدت إلا خوخة أبي بكر؛ واستمر ﵊ في لوم عمر ﵁ وتأنيبه)، وأبو بكر يقول: (أنا أظلم يا رسول الله). ورد في بعض الروايات خارج الصحيح (استغفر لي يا رسول الله، وإذا لم تستغفر لي من يستغفر لي يا رسول الله). ثانياً: أبو بكر مع بلال وسلمان وصهيب وهم من الفقراء: (مر أبو سفيان على سلمان وصهيب وبلال فقال سلمان وصهيب وبلال: والله ما أخذت سيوف الله من عدو الله مأخذها عام الفتح) أي: كان ينبغي أن يقتل هذا الرجل المؤذي الذي كان يؤذي رسول الله، (فقال أبو بكر: أتقولون هذا لسيد قريش؟ ثم انطلق أبو بكر إلى الرسول ﷺ فقال: يا رسول الله! صدر من سلمان وبلال وصهيب كذا وكذا. فقال الرسول ﷺ لـ أبي بكر -الذي كان ينتصر له في موقفه مع عمر لكن مع هؤلاء الضعفاء ماذا قال؟ - قال: أأغضبتهم يا أبا بكر؟ لأن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك . فانطلق أبو بكر سريعاً إلى إخوته وقال: أغضبتكم يا إخوتاه؟ قالوا: غفر الله لك يا أخانا). إذاً: أحوال الناس تختلف، الضعيف والمسكين خاطره يكسر بكلمة، بل بنظرة، لكن الآخر الصلب يتحمل إذ هو يستطيع الدفاع عن نفسه، ولذلك كان التعامل مع الأيتام يحتاج إلى دقة ورقة، والتعامل مع الكبار البالغون، غير التعامل مع الصغار والأيتام. فلابد أن تفهم هذه الطرق في التعامل مع الناس، من الذي أمامك؟ ما هو قدر تحمله لك، هل هو كبير السن يحتاج إلى توقير؟ أو شاب مثلك يحتاج إلى أن تتعامل معه معاملة الند للند؟ أم هو أصغر منك فيحتاج إلى أن ترحمه؟ أو هو امرأة ضعيفة العقل تحتاج إلى تطييب الخاطر؟ أو هو سفيه يحتاج إلى المداراة كما قال الرسول ﷺ لما رأى رجلاً مقبلاً فقال: (بئس أخو العشيرة)، فلما قدم ألان له ﷺ القول، مع أن الرجل سيء وبذيء الأخلاق. وقد ألان له الرسول ﷺ القول، ليس عن جبن من رسول الله ﷺ ، ولا رياء أبداً، بل دفعاً لسفهه وطيشه، في نفس الوقت الذي يقول فيه ﵊ فيه: (بئس أخو العشيرة). فتراه ﷺ يشتد على الأفاضل من أصحابه، كالثلاثة الذين خلفوا، جاءوا واعتذروا إلى الرسول وقالوا: (تخلفنا يا رسول الله وليس لنا عذر)، ومنهم هلال بن أمية وهو بدري -شهد بدراً مع رسول الله ﷺ ومع ذلك هجرهم الرسول ﵊ خمسين ليلة. فأحياناً يعتذر إليك شخص وتشدد في قبول اعتذاره، ويعتذر شخص آخر اعتذاراً واحداً وتقبل منه العذر.

стр. 689

فقه تربية الأولاد [١] خير ما يربى عليه الأبناء كتاب ربهم ، وسنة نبيهم ﷺ ، ويتحمل المسئولية في ذلك الآباء، فلو أنهم ساروا على هذا النهج، واختاروا المرأة الصالحة، واعتنوا بتربية أولادهم التربية الروحية اعتناءهم بتربيتهم الجسدية؛ لما فسدت المجتمعات، ولعاش أفراد الأسراة وفق منهج إسلامي قويم.

стр. 690

التربية على ضوء الكتاب والسنة الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد: فحديثنا هو عن فقه تربية الأولاد على ضوء ما ورد في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا على ضوء ما ورد في كتب علم النفس والفلسفة، فخير الهدي -دائماً وأبداً- هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ثم إن الله قال في كتابه الكريم: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨]، وقال عن نفسه: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤]، فالذي خلقنا وخلق أطفالنا وأولادنا وبناتنا هو الله ؛ فتشريعه خير تشريع، وهدي نبيه خير هدي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فجدير بنا إذاً أن نتلمس خطى رسولنا محمد ﷺ ، ونتلمس أوامره وآدابه ونطبقها مع أبنائنا حتى يسلم لنا أبناؤنا، لذلك فإن حديثنا عن تربية الأولاد ليس عن تجربة شخصية، فالتجارب الشخصية تختلف من شخص إلى آخر، وليس عن حكاية سُطِّرت فالحكايات ما أكثرها، ولكن من خلال نصوص من كتاب ربنا، ومن سنة نبينا محمد ﵊، ثم من أقوال أهل العلم من سلفنا الصالح ﵏ الذين هم أصحاب النبي ﷺ ، ثم التابعون، ثم أتباع التابعين، فهؤلاء هم خير القرون، كما قال النبي ﷺ (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم).

стр. 691

التضرع إلى الله والدعاء بصلاح الذرية أيها الأحبة: ابتداءً فليعلم أن الهادي هو الله ، وهذا شيء مقرر ومسلّم به، قال الله : ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة:١٣]، وقال الله سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [يونس:١٠٠]، وقال سبحانه: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النحل:٩٣]، فأمر الهداية بالدرجة الأولى موكول إلى الله ، والشقاوة أو السعادة مكتوبة على العبد وهو في بطن أمه، كما ذكر النبي ﷺ في حديث ابن مسعود وغيره: (إن الملك يأتي فيؤمر بأربع: بكتب أجله، ورزقه، وعمله، وشقي أو سعيد)، كل ذلك مقدر على العبد وهو في بطن أمه، وقال النبي ﷺ : (الغلام الذي قتله الخضر طُبع كافراً)، فيجب أن يعلم أن المهتدي هو من هداه الله . ويجب علينا أن نتجه إلى ربنا نسأله إصلاح الذرية، كما هو حال أهل الإيمان، فهم دائماً يقولون: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان:٧٤] وقرة الأعين: ما تستقر به العين فلا تنظر إلى غيره. مثال ذلك: لو أن عندك زوجة دميمة فإنك كلما رأيت امرأة حسناء اتجه نظرك إليها، بخلاف ما لو كانت زوجتك أحسن النساء ما امتد بصرك إلى غيرها، وكذلك لو كان ولدك أعقل الأولاد وأهدأ الأولاد ما امتد بصرك إلى غيره، ولذلك كان أهل الإيمان يقولون: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان:٧٤] أي: ما تستقر به الأعين ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان:٧٤]. وذكر الله حال هذا الرجل الذي بلغ أشده وبلغ أربعين سنة فقال: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأحقاف:١٥] فدعا ربه أن يصلح له ذريته. وهكذا أيضاً إبراهيم الخليل ﷺ ، يقول: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم:٣٧]، ويطلب زكريا ﵊ نحواً من هذا فيقول: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ [مريم:٥ - ٦]، ويقول: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [آل عمران:٣٨]. فالصلاح والهدى في الأصل من الله . وهذا يوسف ﷺ تربى في بيوت الملوك من أهل الكفر، ثم أخذ وألقي به في السجن مع طائفة من المجرمين الخمارين، والسرق واللصوص، ومع ذلك كله حفظه الله ، حفظه وهو غلام وسيم أوتي شطر الحسن كما قال النبي ﷺ : (أوتي يوسف ﷺ شطر الحسن) -أي: نصف جمال الكون- ومع ذلك حفظه الله سبحانه، فلم تمتد إليه يد عابث وتناله بشيء من السوء. وهذا الغلام صاحب قصة أصحاب الأخدود أبواه كافران، ولم يذكر عنهما الإيمان، وأرسل كي يتعلم السحر، فمن الذي هداه إلى الراهب كي يتعلم منه الإيمان ويكون من أمره ما كان؟! إنه الله . فجديرٌ بنا أن نتوجه بالدعاء إلى الله ، ونبتهل إليه كي يصلح لنا الذريات، فهذا شأن أهل الإيمان، فهم دائماً يطلبون من الله أن يصلح لهم النية والذرية، فإن المؤمن مهما أوتي من براعة وطاعة لله وفنٍ للدعوة إلى الله فأمر الهداية ليس إليه، فهذا نوح ﵊ ينادي ولده ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾ [هود:٤٢] فيقول الولد الشقي: ﴿سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود:٤٣] ولم تجد دعوة نوح ﷺ مع ولده. فجديرٌ بنا أن نكثر من الدعاء لصلاح الذريات، وبعد ذلك كل ما سيأتي إنما هو من باب الأسباب والمسببات.

стр. 692

أهمية الأخذ بالأسباب في تربية الأولاد لقد جعل الله للأسباب دوراً في صلاح الأبناء، فمن سلك أسباب الخير فتحها الله له وزاده هدى، كما قال الله في سورة الليل: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى﴾ [الليل:٥] أي: أعطى المال وأنفقه في سبيل الله وفي أوجه الخير ﴿وَاتَّقَى﴾ [الليل:٥] أي: اجتنب محارم الله، ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل:٦ - ٧] أي: سنهيئه لعمل الخير، فهو قدم خيراً ففتح الله له سائر أبواب من الخير. وفي المقابل: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل:٨ - ٩] فهذا الذي سلك هذه الأسباب ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل:١٠] أي: سنوفقه ونهيئه لعمل أهل الشقاوة -والعياذ بالله- فإذا سلكت أسباب الهداية والتمستها نور الله لك بصيرتك، وفتح لك أبواباً أخر من أبواب الخير، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩]. وإذا أمعنت النظر في كتاب الله اتضح لك هذا المفهوم وضوحاً جلياً، والله يقول في شأن نبيه موسى ﷺ : ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [القصص:١٤] فدل على أنه قدم إحساناً ثم آتاه الله الحكم والعلم، وقوله تعالى ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [القصص:١٤] فلما قدم إحساناً آتاه الله حكماً وآتاه الله علماً. وكذلك قال الله في شأن الخليل إبراهيم ﷺ : ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة:١٢٤] فطمع إبراهيم أن تكون كل ذريته أئمة، فقال: ﴿قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:١٢٤]، وفي الآية الأخرى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا﴾ [الصافات:١١٣] أي: إبراهيم وإسحاق ﴿مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصافات:١١٣]. وقال تعالى في شأن بني إسرائيل: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤] فلما قدموا الصبر واليقين جعل الله منهم هؤلاء. وقال سبحانه في شأن لوط ﵇ وقومه الذين آمنوا به: ﴿نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ﴾ [القمر:٣٥] فلزاماً أن تلتمس الأسباب المؤدية إلى الخير، فإذا التمست هذه الأسباب فتح الله لك أبواب الخير باباً تلو الباب، أما إذا التمست أسباب الشر فكذلك تُهيأ للشر وأعمال أهل الشر، قال الله : ﴿ثُمَّ انصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة:١٢٧]، وقال: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف:٥]، وقال: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [الأعراف:١٦٦]، وقال: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام:٤٤].

стр. 693

الأسباب المعينة على صلاح الأولاد

стр. 694

غرس الثقة في نفوسهم ومكافأة النبيه منهم خامساً: من الأسباب المعينة على صلاح الأولاد: غرس الثقة في نفوسهم ومكافأة النبيه منهم: فيسن أن تغرس الثقة في نفوس الأطفال، فالرسول ﷺ قد سلك هذا المسلك وسلكه من بعده أصحابه رضوان الله عليهم. فعليك أن تكتشف وتختبر مدى فهم هؤلاء الأطفال الذين أمامك، وهل يفهمون أو لا يفهمون، وبعد ذلك ترتب على هذا التعامل مهم. وقد ورد في حديث معاوية بن الحكم السلمي لما لطم الجارية وجاء آسفاً إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! إني رجل أغضب كما يغضب البشر، فكانت لي جارية ترعى غنماً لي، فعدت الذئب على شاة فأخذتها فلطمتها -أي: لطم الجارية على وجهها- فأرسل إليها النبي ﷺ فسألها: (أين الله؟ قالت: في السماء، فقال النبي ﷺ : اعتقها فإنها مؤمنة) فأخذ بعض أهل العلم من هذا: جواز الاختبار لاستكشاف ما عند الشخص، ثم ترتيب العمل بناءً على هذا الذي يصدر منه بعد الاستكشاف. وينبغي أن يكرم الولد النبيه ويشجع حتى يستمر في نباهته وإقباله على الخير، فـ عبد الله بن عباس ﵄ كان صغيراً ولكنه كان نبيهاً ذكياً، وقد دعا له النبي ﷺ بالفقه في الدين. قال عبد الله بن عباس: دخل النبي صلى الله عليه الخلاء فأتيته بماء كي يتوضأ به، فوضعته أمام الخلاء، فخرج فقال: من وضع هذا؟ فقالوا: عبد الله بن عباس، فقال: (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل) فدعا له الرسول ﷺ لفهمه. وفي هذا: جواز خدمة الصغير للكبير، فـ عبد الله بن عباس وضع الوضوء لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأنس كان يخدم النبي ﷺ ، حتى في أول الإسلام قال أنس: (كنت ساقي القوم يوم نزل تحريم الخمر، وكان شرابهم النبيذ وكنت أسقي أبا طلحة وأبي بن كعب فلما نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة:٩٠] قال أبو طلحة: يا أنس! قم إلى هذه الدلال فاكسرها، أو فاهرقها). الشاهد: أنه يسن أو يشرع أن يقوم الصغار بخدمة الكبار، ويتمرنون على ذلك، بل ويتمرنون أيضاً على البيع والشراء، ونحو ذلك. وقد ورد في ذلك: أن الرسول ﷺ ذهب إلى بيت أسماء بنت عميس كما سبق، فرأى عبد الله بن جعفر وكان صغيراً، فقال: (اللهم بارك لـ عبد الله في صفقة يمينه) فكان عبد الله تاجراً مع أنه كان صغيراً، وكان يربح أرباحاً طائلة ﵁ ببركة دعوة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فالشاهد: أن الأطفال يستكشفون، ومن وجد منهم فيه نباهة حُمّل من التعليم ما يوازي نباهته وفهمه، ويكرم ويشجع على هذه النباهة، ولذلك كان أمير المؤمنين عمر يدخل عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما مع كبار السن من الصحابة، ويجلسه معهم في المجالس، وفيهم عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان علي بن أبي طالب وكان لا يتجاوز عمره العشرين سنة وهو يجلس مع هؤلاء الكبار من أهل الشورى، فقال بعض الصحابة لـ عمر: ما لك تدخل هذا الصبي وتجلسه معنا ولنا أبناء أكبر منه سناً؟ فقال: إنه من حيث علمتم - أي: أنه ابن عم رسول الله وقد دعا له بالفقه في الدين- ثم استدعاه يوماً فقال له أمامهم: يا ابن عباس! ما تقول في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر:١ - ٢]؟ فأما الصحابة ففسروها بالظاهر وقالوا: إذا جاء نصر الله ورأينا الناس يسلمون نحمد الله ونستغفره. فقال عمر: ما تقول أنت يا ابن عباس! في هذه الآية؟ قال: أما أنا فلا أقول مثل مقالتهم يا أمير المؤمنين، قال: إذاً فما تقول؟ قال: أقول: إن الله نعى إلى النبي أجله في هذه الآية، قال عمر: وأنا كذلك لا أعلم منها إلا الذي تعلم. وكان الأمر كذلك فقد مات الرسول بعد نزول هذه السورة بفترة وجيزة، وهي آخر سورة كاملة نزلت على رسول الله ﵊. فـ ابن عباس قاس الأمور، وعلم أن الاستغفار تختم به الأعمال؛ لأنك إذا نظرت ترى أن المجالس تختم بالاستغفار: (سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك)، والصلوات تختم بالاستغفار: (اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم). ونوح لما انتهى من رسالته ختم الرسالة بقوله بعد أن أغرق الله قومه وأهلكهم: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾ [نوح:٢٨]، فيطرد أن الاستغفار تختم به الأعمال؛ فلذلك قال ابن عباس ﵄: إن هذه السورة نعت إلى رسول الله ﷺ أجله. فكان عمر يكرم عبد الله بن عباس. وهكذا فكل من وجدت فيه نباهة ينبغي أن يكرم ويشجع حتى يواصل العطاء، فرب كلمة طيبة يتحول بسببها شخص من الفساد أو الكسل إلى الصلاح والنشاط. والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 695

مداعبة الأطفال بما يناسب سنهم رابعاً: من الأسباب التي تعين على صلاح الأولاد: مداعبتهم وملاطفتهم بما يناسب سنهم: ومع التعويذ تبدأ مسألة الملاطفة مع الأطفال في صغرهم، ولنبينا ﷺ هديٌ واسع في هذا الجانب، فالولد لا يتحمل التعليم لأول وهلة، إنما تمر عليه فترة يكتشف فيها، ومن ثم يعطى الجرعة المناسبة له من التعليم. قد كان النبي ﷺ لطيفاً رقيقاً مع الأطفال ﵊، فقد جاءه رجلٌ من بني تميم فرآه يقبل بعض أبنائه، فقال: يا رسول الله! تقبلون أبناؤكم؟! إن لي عشرة من الولد لم أقبل أحداً منهم قط، فقال الرسول ﷺ : (وما أملك لك إن كان الله قد نزع الرحمة من قلبك) فكان النبي ﷺ يقبل الأطفال، ويداعبهم ﵊. قال أنس بن مالك ﵁: كان لي أخٌ يقال له: أبو عمير، وكان النبي ﷺ يأتي إليه فيقول: (يا أبا عمير! ما فعل النغير؟) كان لـ أبي عمير طائر يربطه ويلعب معه، وكلما ذهب الرسول ﷺ إلى البيت ناداه: يا أبا عمير!، وكناه بهذه الكنية؛ ففيه جواز تكنية الصغير، أي: يجوز لك أن تكني ابنك وهو صغير، وهذه سنة عن رسول الله ﷺ ، وذهب إليهم النبي ﷺ يوماً فرآه حزيناً فقال: (يا أبا عمير! ما فعل النغير؟ فقالوا: مات النغير يا رسول الله!) فالشاهد: أن النبي ﷺ كان يمازح هذا الطفل ويداعبه؛ إذ سنه وعمره لا يتحمل إلا هذه المداعبة وهذا التلطف، وكناه النبي ﷺ باسم يحبه، ولذلك يلزمك أن تختار لولدك اسماً طيباً حتى لا تسبب له ألماً بعد ذلك، والرسول ﷺ كما لا يخفى عليكم غير اسم عاصية إلى جميلة، فيسن أن تختار للولد اسماً طيباً حتى يشكرك بعد ذلك ولا يتأذى من اسمه أمام الناس، ويسن أيضاً أن تعق عنه لحديث النبي ﷺ : (يعق عن الغلام بشاتين، وعن الجارية بشاة). فالشاهد: أن الرسول كان يتلطلف مع الصبيان. قال أنس: (خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين فلم يقل لشيء صنعته: لم صنعته؟ ولا لشيء تركته: لما تركته). وكان النبي ﷺ أحسن الناس خلقاً ﵊.

стр. 696

اختيار الأم الصالحة ثانياً: من الأسباب التي تعين على صلاح الأولاد: اختيار الأم: فعلى الوالد أن يتخير أم الولد ابتداءً، وهذا مطلب شرعي لنفسك ثم لبنيك من بعدك، وقد قال النبي ﷺ في بيان صفات المرأة التي تختار: (تنكح المرأة لأربع: لمالها ولجمالها ولحسبها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك) وبعض هذه الصفات لها انعكاس على الأولاد، فالمرأة الجميلة في الغالب أن أولادها يكون في وجوههم مسحة جمال، ولذلك ورد عن معاوية أنه أتى بجارية بيضاء فزوجها لرجل أسمر وقال له: (بيض بها بنيك). وكما أن الجمال ينعكس على الأولاد فالذكاء أيضاً ينعكس وكل هذا بإذن الله، والثراء أيضاً، فإذا تزوجت امرأة ثرية فثراؤها يعود على الأبناء كما هو واضح، لكن محل هذا كله إذا كانت المرأة ذات دين، كما قال النبي ﷺ : (فاظفر بذات الدين تربت يداك) أما إذا لم تكن ذات دين فهي كما قال تعالى: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة:٢٢١]، وقال: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة:٢٢١]، فعلى الشخص أن يتخير امرأة صالحة لأبنائه تعلمهم كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، فإن أخلاق الأم وطباعها ينعكس على البنين والبنات. والرجل إذا اختار المرأة الصالحة وتزوجها فسيبدأ حياته معها بما يرضي الله ثم يكون هذا الزواج في خدمة الأطفال وهذا هو الذي يهمنا. إذا اخترتها ودخلت بها فافعل ما قال لك الرسول ﷺ : (إذا تزوج أحدكم امرأة أو اشترى خادماً فليأخذ بناصيته وليقل: اللهم إني أسألك خيرها وخير ما جبلتها عليه، وأعوذ بك من شرها ومن شر ما جبلتها عليه) ثم إذا جاء بعد ذلك يجامعها يقول ما علمه إياه رسول الله ﷺ حيث قال: (أما إن أحدكم لو أتى أهله قال: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، ثم قدر بينهما ولد لم يضره شيطانٌ أبداً) أي: لم يضره شيطان بشرك أو بمعصية كبيرة لا يتوب منها على ما فسره بعض العلماء، أما صغار المعاصي فلزاماً أن يقع فيها العبد، كما ورد عن النبي ﷺ في حديث: (كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا مدركٌ ذلك لا محالة)، وغير ذلك من الأحاديث.

стр. 697

تعويذ الأبناء بالأدعية الشرعية ثالثاً: من الأسباب المعينة على صلاح الأولاد: إذا جامع الرجل أهله تعوذ من الشيطان ودعا بصلاح الذرية، كما قالت أم مريم ﵍، ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران:٣٦] فتبدأ عمليات التعويذ اليومي المستمر، والرسول ﷺ كان يعوذ الحسن والحسين فيقول: (أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة، ومن كل عينٍ لامه)، ويقول النبي ﷺ بعد أن يعوذهما بهذه التعويذات: (إن أباكما إبراهيم ﵊ كان يعوذ بها إسماعيل وإسحاق ﵉. وإذا لم تكن تحفظ هذا التعويذ فعوذ بالمعوذات، فأفضل ما تعوذ به المتعوذون: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]، و: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق:١]، و: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس:١] فتبدأ يومياً في مرحلة تعويذ البنين والبنات، حفاظاً عليهم من سهام الأعين والحسد، وسهام إبليس ووسوسته، فكل هذه جنود لا نراها، ولكن لها تأثيرات -بإذن الله- في الصبي، ولا يخفى عليكم أن النبي ﷺ زار امرأة جعفر بعد قتله فرأى نحافة الأبناء، وقال لها: (ما لي أرى أجسام بني أخي ضارعة -أي: نحيفة - قالت: يا رسول الله! تسرع إليهم العين، قال: فاسترقي لهم) أي: اطلبي لهم من يرقيهم. وفي صحيح البخاري أن النبي ﷺ رأى على وجه جارية لـ أم سلمة سفعة، والسفعة هي التغير والسواد، فسأل عن ذلك، فقالت: إن بها النظرة يا رسول الله! قال: (فاسترقي لها) فيسن التعويذ بما ورد في سنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهي سنن ثابتة. وأيضاً: يحفظ الأولاد في أول الليل، كما قال الرسول ﷺ : (إذا كان جنح الليل أو أمسيتم فكفوا صبيانكم واذكروا اسم الله، وأوكئوا القردة، واذكروا اسم الله، وأغلقوا الأبواب واذكروا اسم الله) الحديث، وفي رواية في مسلم (فإن للجن انتشار وخطف) فالشاهد أنه قبيل المغرب يكف الصبيان عن الخروج حتى لا يبطش بهم الجان، ونحن مسلمون نؤمن بالغيب كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [البقرة:٣]، وهذا فارق ما بين أهل الإسلام وبين أهل الجحود والكفران. أيضاً: يمنع الصبيان من الخروج في هذا الوقت الذي تنتشر فيه الشياطين كما قال الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (فإذا ذهبت ساعة من العشاء فحلوهم).

стр. 698

استقامة الأباء وصلاح أحوالهم أولاً: من الأسباب المعينة على صلاح الأولاد: أن تستقيم أنت في نفسك وتعمل الصالحات، فلعمل الصالحات منك انعكاسٌ على أولادك، فتطييبك لمطعمك ومشربك له انعكاس على أولادك، ولذلك قال الله في كتابه الكريم: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف:٨٢] فصلاح الآباء اتجه أو عاد على الأبناء بالنفع، وتحمل الخضر وموسى ﵉ المشقة لبناء الجدار بدون أجر، قال الله سبحانه: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [الكهف:٨٢] هذا كله لصلاح الأب، وأيضاً ورد أن بعض السلف ونسب القول إلى سعيد بن المسيب أنه قال لابنه: (يا بني! لأزيدن في صلاتي من أجلك) يعني: لو كنت أصلي ركعتين فأصلي أربعاً أو ستاً من أجلك؛ لأن الله قال: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف:٨٢] وهذا المعنى يتأيد بقوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [النساء:٩] فقولك السديد يبقى أثره إلى الأولاد، فإذا تكلمت كلاماً سديداً في مجلس فيه حقوق للأيتام ستضيع فهذا القول السديد يبقى لك، ويخلفك الله في بنيك بسبب هذا القول السديد، ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [النساء:٩] فعموم أعمال الصالحات وأعمال البر من الرجل تنعكس إيجابياً على أبنائه، فهو في نظرهم القدوة والأسوة.

стр. 699

فقه تربية الأولاد [٢] جرى السلف في تربية أبنائهم على تعليمهم معالي الأمور لا سفاسفها، وأعلى المعالي توحيد الله تعالى وعبادته منذ الصغر، فما أن يكبر الطفل ويبلغ حتى يصبح رجلاً يعتمد عليه في ميادين الجهاد. ومما يراعى في التربية أن تكون تربية نظرية بالأقوال والأحاديث والقصص، وعملية بالفعل الحسن والأخلاق الماجدة الرفيعة من كلا الأبوين.

стр. 700

غرس التوحيد ومحبة الله ورسوله في قلوب الأبناء بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد فإن أهم ما نعلمه الأبناء هو ما بدأ به رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وما جاء في كتاب الله سبحانه وتعال؛ فيجب أن يُعرّفوا بربهم وبنبيهم محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وتغرس في قلوبهم محبة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

стр. 701

تعليم الأولاد آداب الطعام ومما ينبغي تربية الأولاد عليه: آداب الطعام: علم ولدك التسمية عند الطعام كما علم رسول الله ﷺ الأطفال، تخيل أن الرسول جلس يأكل مع أصحابه فجاءت جارية كأنما تدفع ووضعت يدها في الطعام، فنزع الرسول يدها من الطعام، ورسول الله أرحم الخلق ﵊، فينزع يدها من الطعام ويمنعها من الأكل، ويأتي غلام يجري كأنما يدفع فيضع يده في الطعام، فينزع الرسول ﷺ وهو أرحم الخلق يده من الطعام، ويقول له: (إن الشيطان يستحل الطعام إذا لم يذكر اسم الله عليه)، وإنه أتى بهذه الجارية وبهذا الغلام كي يستحل بهم الطعام، (والذي نفسي بيده إن يده - أي: يد الشيطان- مع يديهما في يد). ويقول: (يا غلام! إذا أكلت فسم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك). فلا يأخذك الحياء بل علمهم واتق الله فيهم، فكما قال القائل: وينشأ ناشئ الفتيان فينا على ما كان عوده أبوه فليس من يلقنه أبوه كل يوم كتاب الله وسنة رسول الله كمن يلقنه أبوه الكفر والعربدة. يقول عكرمة: (لقد رأيتني وإن ابن عباس لموثقي على تعلم القرآن) يقول: أنا أذكر ابن عباس وهو رابطني حتى أتعلم القرآن، وكان ابن عباس قد رأى في عكرمة نباهة زائدة، فربطه حتى يتعلم كتاب الله، ربطه في وقت التعليم، حتى يحفظ كتاب الله ، فجدير بالشخص أن يراعي أولاده.

стр. 702

تعليم الأولاد آداب الاستئذان ومما ينبغي أن يربى عليه الأولاد: الاستئذان: علم ولدك الاستئذان كما في قوله تعالى في هذه الآيات الذي فرط الناس في العمل بها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النور:٥٨]، فينبغي على الأب يعلم ولده الاستئذان في هذه الأوقات الثلاث، فلو أن الأب والأم في غرفة النوم قبل الفجر، أو في الظهيرة، أو من بعد صلاة العشاء فعليهما أن يعلما الأبناء الاستئذان ولا يفتحان الباب مباشرة، حتى لا ترتسم صورة في ذهن الطفل فيخرج يطبقها مع أخته أو مع أخيه، فأمر الله بالاستئذان في هذه الأوقات حتى تبقى تصورات الأطفال نظيفة وبعيدة عن التشويش والفساد. وهذا يسوقنا إلى منع الأطفال عن الأفلام التي تعرض في التلفزيونات، وقد امتلأت بالدعارة والرقص والفساد، فالطفل يملأ سمعه وبصره وفؤاده بالمناظر التي يراها من هذا التلفزيون الفاسد، فيخرج يطبقها مع أخته وجارته، وهذا من أهم الأمور التي يجب أن تراعى وهي: إبعاد الأطفال عن التلفزيونات والمسلسلات الخليعة وما ينشر فيها من الفساد، فإن هذا يهدم كثيراً مما تبنيه. فأنت تعلم الولد: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ﴾ [الناس:١ - ٣] فيضيع هذا التعليم أمام التلفاز وما يعرض فيه من الفساد، فيدمر كل ما علمته إياه. فجديرٌ بكل أب يريد أن يحافظ على أولاده أن يبعد التلفزيون من بيته جملة واحدة؛ فإن النفع الذي فيه لا يشكل أدنى نسبة بالنسبة للشر الذي فيه، فجدير بكل أب غيور وإن كانت هناك بعض الأشياء التي يراها منافع من التلفزيون؛ أن يبعد التلفزيون جملة وتفصيلاً من البيت سداً للذريعة الموصلة إلى الفساد، وهذا من أهم الأمور التي يركز عليها في تربية الأطفال، فينبغي أن يكون مشرب الأطفال مشرباً واحداً ألا وهو كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما إن تعددت المشارب التي يشرب منها الطفل، فالشهوات -والعياذ بالله- لها قبول عند كثير من الناس، فعندما تجد الشهوات القلب فارغاً من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإنها تتمكن منه، فجديرٌ بالشخص أن يبعد أولاده تماماً عن هذه التلفزيونات. وينبغي على الآباء أ، يعلموا أولادهم معالي الأمور، فقد كان أصحاب رسول الله يمرنون أبناءهم على معالي الأمور، بل تخيل أن الصحابي كـ ابن عمر ﵁ يقول: عرضت للجهاد في أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة -يريد أن يمسك سيفاً ويبدأ في قتال الكفار وهو في هذا السن- فردني رسول الله ﷺ ، ثم عرضت عليه في العام المقبل يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. انظر ابن خمس عشرة سنة يشارك في القتال مباشرة. وقال عبد الله بن عمر ﵄: كنت جالساً مع أصحاب النبي ﷺ ، فسأل النبي أصحابه سؤالاً فقال: (إن من الشجر شجرة مثلها مثل المؤمن، فأخبروني ما هي؟)، فوقع الناس في شجر البوادي، ووقع في نفسي أنها النخلة، فجئت أتكلم وأقول: هي النخلة يا رسول الله! فإذا أنا أصغر القوم، فامتنعت عن الكلام، فقال الرسول: (هي النخلة)، فقلت لأبي: يا أبتي! قد وقع في نفسي أنها النخلة، فقال: لو قلتها لكان أحب إلي من حمر النعم. بمَ يفرح عمر؟ هل يفرح لأن ولده أتى بـ (١٠٠%) في الثانوية، أم يفرح لأن الولد أجاب على مسألة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟

стр. 703

تعليم الأولاد حسن الخلق ومما يربى عليه الأبناء: حسنالخلق: فلا تعلم ولدك سباب أمه كما يفعل الجهلة والذين لا يعلمون، فتجد الوالد الغبي يفرح بولده الذي يسب أمه، وتفرح الأم الجاهلة بابنها الذي يسب أباه، ولا يشعران أن هذا إثم عليهما، وفيه شرٌ عليهما. علم ولدك احترام الكبير، وحقوق الكبير بينها له: قال النبي ﷺ : (ليس منا من لم يوقر كبيرنا)، وقال النبي ﷺ : (أراني الليلة في المنام وأتيت بسواك كي أتسوك به، فناولته لصغير فقيل لي: كبر -يعني: أعطه الأكبر-)، وجاء رجلان إلى رسول الله ﷺ فذهب أحدهما يتكلم وكان هو الأصغر، فقال له الرسول ﷺ : (كبر كبر) يعني: الكبير هو الذي يتكلم. فلزاماً أن تعلم ولدك حق الكبير، فعلمه إذا التقى بكبير أن يبدأ الكبيرَ بالسلام -الصغير يسلم على الكبير- كما قال رسول الله ﷺ : (يسلم الصغير على الكبير)، فالصغير هو الذي يبدأ. وعلمه خدمة الأضياف كما كان أبو بكر يعلم ولده عبد الرحمن، إذ يرسله بالأضياف كي يخدمهم ويقوم عليهم. أيضاً: أعط ولدك حقه الذي شرع له، فكان النبي ﷺ جالساً ذات يوم وعن يمينه غلام، وعن يساره أشياخ، فأوتي النبي بشراب فاستأذن الغلام، في أن يسقي هؤلاء الذين هم عن يساره؛ فإنه عن اليمين وله حق في ذلك وكان عن اليسار أبو بكر وعمر وأقوام من كبار الصحابة، وعن اليمين غلام، فتخيل سيد ولد آدم يستأذن هذا الطفل الصغير، فيقول الغلام: لا يا رسول الله! لا أوثر بنصيبي منك أحداً. أي: أنا أريد أن أشرب بعدك يا رسول الله! شفتاي تأتي في موطن شفتيك يا رسول الله، ويصر الطفل فيجيبه النبي ﷺ إلى طلبه ويسقيه. وقد مرض غلام من اليهود كان يخدم رسول الله، فانطلق إليه رسول الله ﷺ في بيته فيزوره الرسول يعود غلاماً صغيراً مرض في البيت، تخيل الروح المعنوية التي ترتفع في الطفل لما يرى زميلاً لأبيه جاء يزوره، جاء صديق الأب يزور الولد الصغير في البيت وأتى للطفل بهدية صغيرة، تخيل مدى تأثير هذه الهدية على الطفل، فذهب محمد ﵊ إلى بيت رجل يهودي. لماذا يطرق الرسول ﷺ البيت على هذا اليهودي؟ ماذا تريد يا محمد؟ فيقول: أريد أن أزور ابنك الصغير، فيدخل الرسول ﷺ يزور الولد الصغير وهو مريض فيقول له: (قل لا إله إلا الله) أي: أسلم، فينظر الولد إلى أبيه فيقول أبوه له: أطع أبا القاسم ﷺ ، فيقول الولد: لا إله إلا الله، فيقول النبي ﷺ : (الحمد لله الذي أنقذه بي من النار). فعلم ولدك حفظ السر، وقل له: لا تنقل كل شيء تراه أو تسمعه. فهذا أنس يقول: أرسلني رسول الله ﷺ في أمر فأسر إلي به وأنا صغير، فسألتني أمي - أم سليم - إلى أين تذهب؟ فقلت: ما كنت لأفشي سر رسول الله، فقالت له: إذاً لا تفشي لأحدٍ أبداً هذا السر الذي علمك إياه أو أخبرك به رسول الله ﷺ . فينبغي أن تعلمه حفظ الأسرار وعدم نقل أسرار البيت إلى الخارج فكل بيت له عورات، قل له: لا تنقل كل ما تراه أو تسمعه، فهذا خطأ، وأدبه بهذا الأدب الذي كن الصحابيات يؤدبن به أبناءهن. قل له إذا رفع صوته أمام أمه أو أخته أو أخيه: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان:١٩] كما قال لقمان ﷺ لابنه، فلا تترك الولد يعبث بالبيت ويصيح ويجري هنا وهنا ويبطش بهذا وبذاك بل أدبه، فإذا لم يجد معه التأديب بالكلام فانتقل إلى ما هو أشد من الكلام إن احتاج الأمر إلى ذلك. وقد ورد حديثٌ في هذا الباب صححه بعض أهل العلم (علق السوط حيث يراه أهل البيت)، أي: ضع العصا في مكان حيث يراه أهل البيت من الأطفال، فهناك أطفال نظرة واحدة تكفي لزجرهم، وأطفال آخرون لا يكفي النظر، ولا يكفي الكلام لزجرهم بل يحتاج معهم إلى نوع من التأديب سواءً باليد أو بالضرب ونحو ذلك، فالله لا يحب الفساد، فلا يترك الولد يسرق ويعبث ونقول: نحتاج إلى أدلة خاصة، بل الأدلة العامة تضبط لنا هذه القضية، فمنها: قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة:٢٠٥].

стр. 704

تعويدهم على أعمال الخير والبر ومن تربية الأبناء أن تجتهد أن ترسم في ذهن ولدك مناظر البر وأعمال الخير، فخذه معك للحج أو للعمرة إذا وسع الله عليك، فقد رفعت امرأة صبياً لها وقالت: (يا رسول الله! ألهذا حج؟ قال: نعم ولك أجر) فإذا أخذت ولدك -المميز خاصة- إلى الحرم وحببته في الكعبة وفي الطواف حول الكعبة، ووقفت به على الصفا والمروى، ونزلت به وشربت من زمزم أنت وهو، وارتسمت في ذهنه هذه المناظر؛ كنت أنت مأجور؛ لأنك تعلم ولدك الخير وتملأ قلبه وسمعه وبصره وفؤاده بلبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك. وهل تستوي أنت مع من أخذ ولده إلى المصيف ورأى العراة والعرايا، أو من أخذه إلى السينما ورأى الفساد العريض، أو إلى المسارح ووجد فيها هذا الفساد المدمر؟ أو هل تستوي أنت مع من أخذ ولده إلى النادي يشجع الكابتن فلان والكابتن فلان؟ لا يستويان ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة:١٨]، ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص:٢٨] ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية:٢١]، إذا سويت بين الرجل الذي يأخذ ولده ويمرنه على صلاة الفرض والنفل والتراويح، ويعوده على صلاة الجنائز في الحرم، والطواف حول البيت العتيق، ويريه مقام إبراهيم وحجر إسماعيل، ويريه الركن اليماني، ويعلمه الدعاء ورمي الجمار، بمن مرن أولاده على شرب الخمر، وأرسل ولده يشتري له السجائر، أو المخدرات فهذا ظلم عظيم. فخذ ولدك معك لأعمال البر وخذه معك إلى المساجد، وعلمه الورع. يقول الحسن بن علي وقد كان صغيراً في زمان رسول الله: (حفظت من رسول الله ﷺ : دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)، ورأى النبي ﷺ تمرة في فم الحسن بن علي من تمر الصدقة فنزعها من فِيه، وقال: (كِخ كخ، أما علمت إنَّا آل محمد لا نأكل الصدقة) انظر إلى هذا الورع وهو طفل صغير غير مكلف، لكن مع ذلك فالرسول ﷺ لا يقره على أن يدخل في بطنه لقمة لا تحل له، فقال: (كخ كخ، أما علمت إنَّا آل محمد لا نأكل الصدقة) فانظر إلى تصرف رسول الله مع الحسن! ينزل مرة من على المنبر وهو يخطب للناس الجمعة فيحتضن الحسن ويقبله، ثم المرة الثانية يستخرج التمرة من فيه، فالمباح لا بأس بالإقبال عليه وعمله، والمحرم يجب أن يوقف عنده ولا يتمادى معه.

стр. 705

تعليم الأولاد الصلاة فرضها ونفلها ومما يربى عليه الأبناء بعد التوحيد: إقامة الصلاة، قال الرسول ﷺ : (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة) وتعليمه الصلاة يبدأ من سن السابعة. ولكن قبل السابعة هل أعلمه الصلاة أم لا؟ المسنون قبل السابعة اصطحاب الصبيان إلى المسجد، لقول النبي ﷺ : (إني أدخل الصلاة أريد إطالتها فأسمع بكاء الصبي فأخفف من شدة وجد أمه عليه)، وقال لما أمر بالتخفيف في الصلاة: (من أمَّ الناس فليخفف؛ فإن وراءه الكبير والصغير وذا الحاجة) فالصغار كانوا يصطحبون إلى المسجد، والنبي ﷺ كان يحمل أمامة على كتفه وهو يصلي؛ فإذا سجد وضعها وإذا قام رفعها ﷺ . بل أن النبي ﷺ كان يخطب خطبة فرأى الحسن والحسين مقبلين فنزل من على المنبر واحتضنهما وقال: (صدق الله إذ يقول: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن:١٥]، رأيت هذين فلم أصبر عليهما). الشاهد: أن الشخص يشرع له أن يعلم الأولاد الصلاة وهم أبناء سبع لقول النبي ﷺ : (علموا أولادكم الصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع) لكن قبل السبع إن علمهم فلا يشدد عليهم في التعليم، فهذا هديه ﷺ . وليعلم أن يختلفون فمنهم من يستوعب قبل السبع، ومنهم من لا يستوعب، ولكن التقعيد العام أن الأولاد يبدأ تعليمهم الصلاة وهم أبناء سبع كما قال الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فيعلمون ويمرنون على الفرض مع النفل، فالرسول ﷺ كان يصلي في الليل واليتيم خلفه والعجوز خلفهما، واليتيم يطلق عليه يتيم؛ لأنه دون البلوغ، فيمرن الأطفال على صلاة الفرض والنفل، وإن كان فيهم كفاءة فلا مانع أبداً أن يقدموا للصلاة، فيقدم ويشجع إذا كان ذكاؤه يسمح بذلك ويتسع له، ويعلم أيضاً الصوم ويدرب عليه، وينبغي للأم أن لا تحملها شفقتهما على أن تمنع ولدها من الصيام، فإذا بكى الولد من الجوع فلا ينبغي للأم أن تأخذها العاطفة، وتطعمه وتفطره من الصيام، والربيع بنت معوذ ﵂ قالت: (كنا نصوم عاشوراء ونصومه صبياننا، فإذا جاع أحدهم جعلنا له اللعبة من العهن - أي: من الصوف - حتى يأتي وقت المغرب) ليس بمجرد الجوع أو البكاء من الجوع تقدم له الإفطار، بل قالت: إذا بكى أحدهم - أي: من شدة الجوع- جعلنا له اللعبة من العهن؛ لأن كثيراً من الآباء يخاف على ولده من الصوم، ويمنعه منه، وكثير من الأمهات إذا خرج ولدها لصلاة الفجر تمنعه حتى لا يصاب بالبرد، فهؤلاء أصحاب رسول الله ﷺ يعلمون أولادهم وبناتهم الصيام وعمر يقول لرجلٍ سكران: (ويحك! وصبياننا صيام)، يعني: أنت تفطر يا كبير وعندنا الأطفال الصغار يصومون. ويسن أيضاً: تعويدهم على صوم الفرض والأطباء يعرفون ما في الصيام من فوائد.
следующие страницы →