← Джавами‘

Джавами‘ · id 7694

دروس للشيخ مصطفى العدوي

مصطفى العدوي

Полный текст (802 стр.). Показаны 771–802 · переход к 776.

стр. 771

تفاضل بعض السور على بعض وقوله ﷺ : (لأعلمنك أعظم سورة في كتاب الله) يدل على تفاضل بعض السور على بعض، أو على فضل بعض السور على بعض، وإن كان القرآن كله من عند الله سبحانه إلا أن بعضَ الآيات تفضُل بعضاً، وبعضَ السور تفضُل بعضاً. قال النبي ﷺ لـ أبُي بن كعب: (يا أبُي! أتدري أي آية في كتاب الله معك أعظم؟ قال: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] وضرب النبي ﷺ بيده في صدره، وقال: ليهنك العلم أبا المنذر). فدل هذا على فضل آية الكرسي على غيرها. ودل حديث أبي سعيد بن المعلَّى على فضل سورة الفاتحة على غيرها. وقال النبي ﷺ لأصحابه كما في صحيح مسلم: (احشدوا، فإني سأقرأ عليكم ثلث القرآن، فاجتمعوا لرسول الله ﷺ ، فخرج فقرأ عليهم سورة الإخلاص: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]، وقال: والذي نفسي بيده! إنها لتعدل ثلث القرآن). فدل هذا على تفاضل بعض السور، وعلى فضل بعض الآيات على بعض، وإن كان الكل من عند الله .

стр. 772

قراءة الفاتحة للمأموم في الصلاة الجهرية هل تجب قراءة الفاتحة على المأموم في الصلاة الجهرية أم لا تجب؟ هذه المسألة من المسائل التي وردت فيها أقوالٌ لأهل العلم، حاصلها: أن جمهور أهل العلم يقولون: أن قراءة الإمام قراءةٌ لمن خلفه، واستدلوا بحديث: (من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة)، وهذا الحديث في كل طرقه مقال، إلا أن بعض أهل العلم يقويه بمجموع طرقه، والبعض يبقيه على حاله من الضعف، واستؤنس لهذا القول أيضاً بأن أبا بكرة ﵁ قَدِم والنبي ﷺ يصلي، فكان راكعاً فركع خلف الصف ثم دخل في الصف، فقال له الرسول ﷺ : (زادك الله حرصاً ولا تعد) قالوا: ولم يأمره النبي ﷺ بالإتيان بركعة جديدة. أما الإمام البخاري رحمه الله تعالى وطائفة من أهل العلم فقد روَوا أنه لا بد من قراءة الفاتحة، مستدلين بالحديث الثابت الصحيح: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب). وبحديث: (أيما رجل صلى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج فهي خداج فهي خداج) أي: فهي ناقصة فهي ناقصة. وعلى كلٍ فللعلماء القولان المشهوران في هذا الباب، وبأيهما أخذ الشخصٌ وسعه ذلك.

стр. 773

نزول سورة الفاتحة سورة الفاتحة مكية، ويدل على ذلك قوله تعالى في سورة الحجر: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعَاً مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر:٨٧]، والسبع المثاني والقرآن العظيم بتفسير النبي ﷺ : هي فاتحة الكتاب، وقد قال النبي ﷺ : (فاتحة الكتاب هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته). وقوله تعالى في سورة الحجر: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر:٨٧] وسورة الحجر مكية بالإجماع، فدل ذلك على أن سورة الفاتحة مكية أيضاً، ويؤيد القول بأنها مكية أيضاً بأن الصلاة فرضت بمكة، والنبي ﷺ قال: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب). فهذان دليلان يدلان على أن السورة مكية.

стр. 774

أسماء سورة الفاتحة لسورة الفاتحة عدة أسماء: - منها: الفاتحة. - ومنها: أم الكتاب. - ومنها: أم القرآن. - ومنها: الشافية. - ومنها: الرُّقْية. - وثَمَّ أسماء أخر لهذه السورة الكريمة.

стр. 775

فضائل سورة الفاتحة لقد ثبت في فضلها جملة من الأحاديث عن رسول الله ﷺ . منها: ما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث ابن عباس ﵄ قال: (كان النبي ﷺ جالساً مع أصحابه، إذ سمع نقيضاً، فقال له جبريل: يا محمد، هذا ملك نزل من السماء لم ينزل قبل اليوم، فقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي من الأنبياء قبلك: سورة الفاتحة، وخواتيم سورة البقرة). وهذا الحديث: أفاد أن ملكاً نزل إلى رسول الله ﷺ بهذه البشارة. وقد حمل بعض أهل العلم القول بأن الملك هو الذي نزل بالفاتحة وخواتيم البقرة على رسول الله ﷺ ولم ينزل بهما جبريل. لكن هذا القول مدفوع، فإن الملك نزل مبشراً بفضل سورة الفاتحة ولم ينزل بأصل سورة الفاتحة، وإلا فالكتاب العزيز كله نزل به الروح الأمين، كما قال الله سبحانه: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٣ - ١٩٥]. فالفاتحة شأنها شأن غيرها في هذا. - ومن فضائلها كذلك: ما أخرجه البخاري من حديث أبي سعيد بن المعلى قال: (كنت أصلي، فدعاني النبي ﷺ فأقبلت على صلاتي، ثم انصرفت منها، فأقبلت على رسول الله ﷺ ، فقال لي: ما منعك أن تأتي إذ دعوتك؟ قلت: يا رسول الله! إني كنت في صلاة، قال: ألم يقل الله: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال:٢٤]، ثم قال: لأعلمنك أعظم سورة في كتاب الله، ثم انصرف ولم يخبرني، فتبعته، فقلت: يا رسول الله! قلت: لتعلمنني أعظم سورة في كتاب الله، فقال النبي ﷺ : فاتحة الكتاب هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته)، وهي أعظم سورة في كتاب الله. - وورد في فضلها كذلك: قول الله في الحديث القدسي الذي أخرجه مسلم: (قسمتُ الصلاة بيني وبين عبدي قسمين، ولعبدي ما سأل: إذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] قال الله: حمدني عبدي، فإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣] قال: أثنى عليَّ عبدي، فإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٣] قال: مجدني عبدي، فإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٦] قال الله: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل). فقوله: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي)، المراد بالصلاة هنا: الفاتحة، فأحياناً الصلاة تأتي ويراد بها معناها المعهود الذي هو افتتاحها بالتكبير، وانتهاؤها بالتسليم. وأحياناً تأتي كلمة (الصلاة) ويراد بها الدعاء، وأحياناً تأتي كلمة الصلاة ويراد بها تلاوة القرآن، كما قال الله سبحانه: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ﴾ [الإسراء:١١٠] أي: لا تجهر بقراءتك ﴿وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:١١٠]، وهنا أريد بالصلاة الفاتحة. أعني في قوله سبحانه في الحديث القدسي: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي قسمين). - ومما ورد في فضلها كذلك: قول النبي ﷺ في الحديث المتفق عليه: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب). فهذه الأدلة تدل على فضل هذه السورة الكريمة، ومن ثَمَّ افتُتِح بها كتاب الله .

стр. 776

أحكام تتعلق بالبسملة

стр. 777

حكم التسمي بالرحمن من أهل العلم من قال: إن (الرحمن) اسم خاص بالله سبحانه، لا يشاركه فيه غيره، فثَمَّ أسماء لله قد تطلق على أشخاص كألقاب أو صفات، فمثلاً: - اسم (العزيز): ﴿قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ [يوسف:٥١]، وقال الله عن نفسه: ﴿الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ﴾ [الحشر:٢٣]. - واسم (المؤمن): تَسَمَّى الله به، وسَمَّى عبادَه المؤمنين، فقال الرسول ﷺ : (إن من الشجر شجرة مَثَلُها مَثَلُ المؤمن). - واسم (الأعلى) قال الله : ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١]، وقال لموسى ﵇: ﴿قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى﴾ [طه:٦٨]. - واسم (العظيم)، قال سبحانه: ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة:٤٦]. لكن اسم (الرحمن) على وجه الخصوص لم يَتَسَمَّ به أحد، ولا يجوز لأحد أن يسمي نفسه بـ (الرحمن)، فهو من أسماء الله الذي لا يتسمى به إلا هو ، فهو خاص في دلالته وواقع في معناه، فرحمته وسعت كل شيء في الدنيا.

стр. 778

معنى (الرحيم) أما ((الرَّحِيْمِ)): فقد قال الله : ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]، وهذا في وصف رسول الله ﷺ . وقال النبي صلوات الله وسلامه عليه: (وأهل الجنة ثلاثة: رجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومؤمن) فـ (الرحيم) أعم في المدلول أخص في المعنى، فإن (الرحيم) -كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ [الأحزاب:٤٣]- فـ (الرحمة) خاصة بأهل الإيمان في الآخرة، وإن أطلقت في الدنيا وعمَّت، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:١٤٣].

стр. 779

الاختلاف في تحديد اسم الله الأعظم قال تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ﴾ من أهل العلم من قال: إن اسم الله الأعظم هو (الله) ، وليس هناك من الكتاب ولا السنة ما يدل على ذلك صراحةً؛ لكن قول القائل: إن لفظ الجلالة (الله) أُتْبِعَت به كل الأسماء، فمثلاً: يقول الله سبحانه: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ﴾ [الحشر:٢٣] فكلها نسبت إلى الله. ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ [الحشر:٢٤]. كذلك: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥]. كذلك قول النبي ﷺ : (إن لله تسعةً وتسعين اسماً). فكلها نسبت إلى الله سبحانه؛ ولكن هذا ليس بمستند كافٍ كي يُقَرر أن اسم الله الأعظم هو (الله)، صحيح أن اسم الله (الله) لا يشاركه فيه غيره، ولا يُثنى ولا يُجمع، فهذه حقائق وثوابت؛ لكنها ليست كافية للقطع بأن اسم الله الأعظم هو (الله)، أما الله فنسبت إليه كل صفات الكمال على ما تقدم.

стр. 780

معنى البسملة ﴿بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ﴾ أو (باسم الله) أو يطلق عليها (البَسْمَلَة)، وهي لغة مُوَلَّدَة، قال بعض أهل العلم: وهي مما اختُصَّت به لغة العرب، فتقول: (الحَمْدَلَة)، ويراد بها: (الحمد لله)، وتقول: (السَّبْحَلَة)، ويراد بها: (سبحان الله)، وتقول: (الحَسْبَلَة) ويراد بها: (حسبي الله ونعم الوكيل)، ويقولون: (الطَّبْقَلَة)، ويريدون بها: (أطال الله بقاءك)، وهكذا. فـ (باسم الله) إطلاق (البَسْمَلَة) عليها على أنها لغة مُوَلَّدَة. (باسم الله) من أهل العلم من قال: معناها: أبتدئ باسم الله، أو ابتدائي باسم الله. ثم منهم من قال: (اسم) هنا زائدة، وأوَّلَ ذلك تأويلاً، فقال: معناها: أبتدئ مستعيناً بالله، وقد استدل هذا القائل على مقولته ببيت من الشعر فيه: إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يبك حولاً كاملاً فقد اعتذر واستنكر الطبري رحمه الله تعالى هذا التأويل، ووجه البيت الشعري بتوجيهين. وبيت الشعر مطلعه ابتداءً: تمنى ابنتاي أن يعيش أبوهما وهل أنا إلا من ربيعة أو مضر فقوما وقولا بالذي قد علمتما ولا تخدشا وجهاً ولا تحلقا شعر إلى أن قال: إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يبك حولاً كاملاً فقد اعتذر فالرجل يقول لابنتيه: إذا كان ثم بكاء فلتبكياني إلى الحول، أي: إلى سنة، وبعد السنة قال: اسم السلام عليكما فقال المؤوِّل الأول: ثم السلام عليكما. أما الطبري فقال: ثم اسم السلام عليكما تحتمل احتمالين: - أي: سلام الله عليكما، فلا تبكياني، فقد أديتما الذي عليكما. - الوجه الآخر: ثم الزما ذكر الله بعد انقضاء الحول. الشاهد: أن معنى قوله تعالى: ((بِاسْمِ اللهِ)) أي: أبتدئ باسم الله، أو ابتدائي باسم الله.

стр. 781

معنى (الرحمن) أما ((الرَّحْمَنِ)) فهو اسم من أسماء الله سبحانه، أثبته الله لنفسه، وأثبته له أنبياؤه عليهم الصلاة والسلام. وكان أهل الشرك يستنكرون هذا الاسم، ومن ثم قال الله سبحانه: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيَّاً مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء:١١٠]. ومما يدل على استنكارهم له -أي: استنكار أهل الشرك له-: في صلح الحديبية لما قال الرسول ﷺ لـ علي: (يا علي! اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، فاعترض سهيل بن عمرو على ذلك، وقال: لا تكتب الرحمن، ولا تكتب الرحيم، فإنا لا ندري ما الرحمن، ولكن اكتب: باسمك اللهم) فكان أهل الجاهلية يستنكرون هذا الاسم، ويقولون: (لا نعرف إلا رحمان اليمامة)، ويعنون بذلك مسيلمة الكذاب، ولقد وُسِم أنه كذاب -كما قال فريق من أهل العلم- لكونه لقب نفسه وسمى نفسه بهذا الاسم: الرحمن، فمع أن هناك من الكذابين الكثير، كـ العنسي صاحب صنعاء، وكـ المختار بن أبي عبيد، وغيره من الكذابين، إلا أن أكثرهم لصوقاً بالكذب هو مسيلمة الكذاب، فلا يقال له إلا: مسيلمة الكذاب، فهذا بالنسبة لاسم الرحمن. ولذلك قال بعض أهل العلم: قال النبي ﷺ : (إن أحب الأسماء إلى الله: عبد الله وعبد الرحمن)، وقد وردت في هذا الحديث زيادة نوزِع فيها، (وأصدقها: حارث وهمام).

стр. 782

حكم الجهر بالبسملة في الصلاة إذا ثبت أن البسملة آية فهل يُجْهَرُ بها في الصلاة، أم يُسَرُّ بها؟ ورد في ذلك حديث أنس رضي الله تعالى عنه في صحيحي البخاري ومسلم، وفيه: (صليت خلف رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يفتتحون الصلاة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]) وزاد مسلم: (لا يذكرون ﴿بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ﴾) فاستدل بهذا من قال: يُسَرُّ بالبسملة ولا يجهر بها. أما الذين قالوا بالجهر بها، فأجابوا على ذلك: بأن مراد أنس ﵁: (كانوا يفتتحون القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢])، أي: يفتتحون القراءة بالفاتحة وليس فيه تعرُّضٌ لنفي البسملة أو إثباتها. أما قول القائل الوارد في صحيح مسلم: (لا يذكرون ﴿بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ﴾) فهي زيادة مدرجة زادها بعض الرواة، وليست من قول أنس، إنما زادها بعض الرواة توهماً منه أن النبي ﷺ عندما كان يفتتح القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] أنه لا يذكر البسملة، قالوا: وقد أخطأ في هذا التوهم. واستدل القائلون بأن البسملة لا يُجْهَرُ بها: بما أخرجه الترمذي من حديث عبد الله بن مغفل عندما سأله ابنه عن الجهر بالبسملة فقال: (يا بني! بدعة)، وهذا الحديث في إسناده رجل مجهول، والظاهر أنه ضعيف كذلك. أما الذين ذهبوا إلى مشروعية الجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ﴾ فمن أدلتهم: أولاً: إذا كانت آيةً فيُجْهَرُ بها كما يُجْهَرُ بسائر الآيات. ثانياً: (أن أبا هريرة رضي الله تعالى عنه صلى صلاة فكان يكبر فيها عند كل خفض ورفع، وجَهَرَ فيها بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ﴾، ولما انصرف قال: إني أشبهكم صلاةً بصلاة رسول الله ﷺ ؛ إلا أن فريقاً من أهل العلم قال: إن وجه الشبه انصب على التكبير الذي استُنْكر على أبي هريرة، فقد صلى أبو هريرة ﵁ وكان يكبر عند كل خفض ورفع، فقالوا له: (ما هذا التكبير يا أبا هريرة؟ قال: إني أشبهكم صلاةً بصلاة رسول الله ﷺ . ثالثاً: أن عموم الأعمال تُبْتَدأ وتُفْتَتح بـ (بسم الله الرحمن الرحيم)، فالطعام يُبْدأ بـ (بسم الله الرحمن الرحيم)، ودخول البيت يُبْدأ بـ (باسم الله)، وأخذ المضجع يُبْدأ بـ (باسم الله)، وكذلك إتيان الرجل أهله يُبْدأ بـ (باسم الله)، وكذلك إرسال كلبك المعلَّم للصيد ترسله بـ (باسم الله)، وكذلك الرُّقْيَة تُبْدأ بـ (باسم الله): باسم الله أَرْقيك، -ثلاثاً-، أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر -سبعاً-، وكذلك الرسائل تُسَطَّر بـ (بسم الله الرحمن الرحيم)، وبنود المصالحات تُسَطَّر وتُقَدَّم بـ (بسم الله الرحمن الرحيم)، فقالوا: يُبْدأ بها، وما دمنا نبدأ بها -وقد وجهنا حديث الإسرار بالتوجيه السابق- فعلى ذلك لا مانع من الجهر بها. والحاصل: أنك إذا جهرت أحياناً وأسررت أحياناً بها فلا غبار عليك ولا جناح، فمثلاً: إذا صليت مع قومٍ ولك قول من القولين ولهم هم القول الآخر، وتحاملوا عليك حتى تبدأ بها، فلك مستندك أيضاً. فالذي يظهر: أن الأمر في ذلك كله واسع.

стр. 783

الخلاف في كون البسملة آية من الفاتحة قال تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ﴾: هل هي آية من سورة الفاتحة أم ليست بآية منها؟ أيضاً: نفس الخلاف دب بين العلماء: - فمن أهل العلم من اعتبرها آية من الفاتحة؛ مستدلاً بقول الله جل ذكره: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعَاً مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر:٨٧]، وتفسير الرسول ﷺ للسبع المثاني بأنها الفاتحة، قالوا: ولا تكمل سبعاً إلا إذا اعتبرنا البسملة آيةً منها. وكذلك استدلوا بأنها أثبتت في المصاحف في أول سورة الفاتحة، وفي أول كل سورة، فدل إثباتها من عهد الصحابة إلى الآن على كونها آيةً من سورة الفاتحة ومن غيرها. واستدلوا أيضاً: بأن النبي ﷺ خرج على أصحابه، فقال: (لقد أنزلت عليَّ سورة هي أحب إليَّ من كذا وكذا، ثم قال: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ﴾ * ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١])، فأتى على السورة إلى آخرها. أما الذين قالوا: إنها ليست آية من الفاتحة؛ فقد استدلوا بقول الله في الحديث القدسي: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي قسمين ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] قال الله: حمدني عبدي)، ولم تُذْكر البسملة. واستدلوا كذلك بقول جبريل للنبي ﷺ : (اقرأ، قال: ما أنا بقارئ، قال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ، قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ [العلق:١ - ٢])، ولم تُذْكر البسملة في مطلع هذه السورة. قالوا: فدل ذلك على أنها ليست بآية. فهذان وجهان لأهل العلم في هذا الباب، والأمر في ذلك قريب، فأيُّ القولين قلدتَ فلا جناح عليك ولا تثريب، فقد شهدت لكل رأي أدلتُه، وعمل به من السلف عددٌ لا يحصيهم إلا الله ، وإن كان الظاهر أن الرأي القائل باعتبارها آيةً رأيٌ له قوته؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعَاً مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر:٨٧] والأدلة الأُخَر ليس فيها نفيٌ صريحٌ لذلك. والله أعلم.

стр. 784

تفسير قوله تعالى: (الحمد لله رب العالمين) قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]: (الحمد لله) كما قال العلماء: كلمة كل شاكر، وهي كلمة رضيها الله وقبلها من عباده، قال النبي ﷺ : (إن الله يرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، وأن يشرب الشربة فيحمده عليها).

стр. 785

ثناء الله تعالى على نفسه قال الله : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]: حمد ربنا نفسه، وهذا الظاهر المتبادر من الآية. ومن أهل العلم من قال: إنها آية خبرية تحمل معنى الأمر، أي: قولوا: الحمد لله رب العالمين، قالوا: وهذا كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ [آل عمران:٩٧] فمعناه: أمِّنوا أيها الناس مَن دَخَل الحرم. لكن أكثر أهل العلم على أن ربنا حمد نفسه؛ ولكن لا يجوز لنا نحن أن نحمد أنفسنا، ولا أن نزكي أنفسنا، فقد قال الله : ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم:٣٢]، وقال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ [النساء:٤٩]. فنحن ليس لنا أن نزكي أنفسنا، ولا أن نثني عليها إلا في موطن دعت إليه الحاجة والضرورة عند قومٍ يجحدون المعروف وينكرون الإحسان، كما قال عثمان ﵁ لمن حاصره: (أناشدكم الله! ولا أناشد منكم إلا أصحاب محمد ﷺ ! هل سمعتم رسول الله يقول: مَن حفر بئر رومة فله الجنة، فحفرتُها؟ قالوا: اللهم نعم. قال: أناشدكم الله! هل سمعتم رسول الله ﷺ يقول: من جهَّز جيش العسرة فله الجنة فجهَّزتُه؟ قالوا: اللهم نعم). فهذه مواطن يجوز للشخص لعلة من العلل أن يثني على نفسه إذا كان هناك مفهوم قد خفي على المخاطَب، كما قال الرسول ﵊ للأنصار: (ألم أجدكم عالةً؛ فأغناكم الله بي؟ ألم أجدكم متفرقين؛ فألفكم الله بي؟!) إلى غير ذلك. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]: كلمة إذا قلتَها أُثِبت عليها وكُتبت لك بها صدقة، قال النبي ﷺ : (ولك بكل تحميدة صدقة)، وكذلك رضيها الله منك، وزادك الله من فضله، فهي تتضمن معاني الشكر، والله يقول: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧].

стр. 786

التفريق بين الحمد والشكر من أهل العلم من سوى بين الحمد والشكر، فيقولون: الحمد والشكر يأتيان بمعنىً واحد. ومنهم من فرَّق، فقال: (الحمدُ لله) حمدٌ لله سبحانه على صفاته اللازمة وأفعاله المتعدية إلى خلقه. وأما الشكر: فلا يكون إلا في الأفعال المتعدية إلى الخلق، ويكون باللسان وبالجنان وبالأركان، كما قال الشاعر: أفادتكم النعماء مني ثلاثة يدي ولساني والضمير المحجبا قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]: إذا قالها العبد، قال الله كما في الحديث القدسي: (حمدني عبدي، وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣] قال الله: أثنى علي عبدي).

стр. 787

تكرار الرحمن الرحيم في سورة الفاتحة مِن أهل العلم مَن أورد هنا تساؤلاً فحواه: إن ﴿بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ﴾ صُدِّرَت بها السورة، فلماذا كُرِّر قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣]؟ فأجاب بعضهم على ذلك بما حاصلُه: أن ذلك من باب الترغيب والترهيب، فكلمة (رب العالمين) تتضمن ترهيباً وتخويفاً، فبعد هذا الترهيب والتخويف جيء بـ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣] التي تتضمن ترغيباً. وهذا سائد في كتاب الله ومنه: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ﴾ [غافر:٣]. وقال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ﴾ [الحجر:٤٩ - ٥٠]. وقال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة:٩٨]. فيُمْزَج الترغيب بالترهيب في كتاب الله في عدة مواقف. وعلى هذا ينبغي للمذكِّر الذي يذكِّر الناس بربهم أن يمزج بين الترغيب فيما عند الله وبين الترهيب مما أعده الله للعصاة. هذا وجه ساقه بعض أهل العلم في ذلك.

стр. 788

معاني (الرب) قال تعالى: ((رَبِّ الْعَالَمِينَ)) [الفاتحة:١]: (الرب) لها جملة من معانٍ: - فـ (الرب) تطلق على المالك، ومنه قولهم: رب الدار، أي: صاحب الدار ومالك الدار. - و (الرب) تطلق على المعبود، ومنه قول الشاعر: أَرَبٌّ يبول الثعلبانُ برأسه فقد خاب من بالت عليه الثعالبُ - و (رب) كذلك تطلق على المربي والمصلح. - و (رب) كذلك تطلق على السيد الذي عنده أمة أو عنده عبد، كما قال الصدِّيق يوسف ﵇: ﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ [يوسف:٢٣]، وكما قال: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ [يوسف:٥٠]، وقال النبي ﷺ : (أن تلد الأمة ربتها). والله أعلم.

стр. 789

معاني (العالمين) أما ((الْعَالَمِينَ)) فتأتي وتحتمل عدة معانٍ: - فمنها: البشر، ومنه قول لوط ﵇: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:١٦٥] أي: من البشر. - وتأتي أحياناً كلمة (العالمين) ويراد بها: الإنس والجن، كما في قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ [الفرقان:١]. - وتأتي كلمة (العالمين) ويراد بها: السماء والأرض وما بينهما، كما قال فرعون لموسى: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ * قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إنْ كُنتُمْ مُوقِنِينَ﴾ [الشعراء:٢٣ - ٢٤]. وعلى ذلك فيؤخذ من المعاني المعنى المناسب للسياق الذي وردت فيه الآية، وكما قدمنا فإن ضلال مَن ضل من الفرق كان بسبب إلباس كلمة معنىً غير معناها، وإن كان معناها يحتمل هذا المعنى؛ لكنها سيقت في موطن لا تتحمل إلَّا معنىً معيناً، فحملها البعض على معنىً آخر من المعاني، فضلُّوا كثيراً وأضلُّوا غيرهم وضلُّوا عن سواء السبيل. فالكلمة يكون لها عدة معانٍ، فإذا ألبستها في موطن ثوباً ومعنىً غير معناها الذي يليق بالسياق انحرفتَ وابتعدتَ، ككلمة (السيئة) وكلمة (الفسق) وكلمة (الكفر) ونحوها من الكلمات، فكلمة (الفسق) تتعدد معانيها، وكذلك (الكفر)، وكذلك (الظلم)، فإذا ألبستها في موطن معنىً غير معناها ضللتَ وما كنتَ من المهتدين، كما فعل الخوارج -مثلاً- عند قول الرسول ﷺ : (سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر)، وكما فعلوا عند قوله ﵊: (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)، وكما فعلوا كذلك عند قول النبي ﷺ : (اثنتان في الناس هما بهم كفر: النياحة على الميت، والطعن في الأنساب). فهذا علم يجب أن يُنْتَبَه إليه ويُتَفَطَّن له. فكلمة (السيئة) -مثلاً-: - تأتي بمعنى الكفر. - وتأتي بمعنى الكبيرة. - وتأتي بمعنى الصغيرة. وكأمثلةٍ لذلك: قوله : ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [يونس:٢٧]، فالسيئات هنا بمعنى الكفر لدلالة قوله تعالى: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [يونس:٢٧]. وتأتي بمعنى الكبيرة أحياناً، كما في قول ربنا في شأن قوم لوط: ﴿وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:٧٨]. وتأتي بمعنى الصغيرة أحياناً، كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء:٣١].

стр. 790

مواطن الحمد الحمدلة تقال في الابتداء وعند الانتهاء كذلك. في الابتداء: الحمد لله رب العالمين، بدئت بها السورة. وفي ختام المجلس: سبحانك اللهم وبحمدك. وعند المنام: الحمد لله الذي كفانا وآوانا. وعند الاستيقاظ: الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور. وعند الركوب: تذكر كذلك مُضَمَّنَةً في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [الزخرف:١٣]. وفي شتى المواطن تذكر: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس:١٠]. وكذلك: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف:٤٣].

стр. 791

تفسير سورة الفاتحة [٢] تضمنت سورة الفاتحة إفراد الله تعالى بالعبادة والاستعانة، فلا يعبد إلا الله، ولا يستعان إلا بالله فيما لا يقدر عليه إلا الله، وهذه العبادة الخالصة هي الصراط المستقيم الذي يسأل العبد ربه أن يوفقه ويهديه إلى سلوكه في كل ركعة، والابتعاد عن صراط المغضوب عليهم والضالين.

стр. 792

تفسير قوله تعالى: (مالك يوم الدين) قال تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤]: في قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] قراءتان مشهورتان: إحداهما: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٣]، بدون ألف. والأخرى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤]. ومن ناحية الشواهد العامة فـ: (ملك يوم الدين) تشهد لها: ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ [الناس:٢]، و ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] تشهد لها: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران:٢٦]، فالقراءتان صحيحتان. أما ﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] فهو يوم الجزاء والحساب، فإن سأل سائل: كيف والله مالك الدنيا ومالك الآخرة، هو المالك الآن والمالك بالأمس والمالك في الغد، وهو مالك على الدوام وملك على الدوام، فكيف قيل: ملك يوم الدين؟ أجاب فريق من أهل العلم على ذلك بما حاصله: أن الدنيا قد ينازع منازع ويدعي لنفسه الملك، كهذا العتل الجبار الذي قال: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة:٢٥٨]، أو كالآخر الذي قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، وقال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨]، لكن كل هذا ينتهي يوم القيامة، ويقول الله : ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر:١٦]، فلا منازع آنذاك ينازع، والله أعلم. قال تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٤ - ٥]، كما تقدم أن العبد إذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] قال الله: مجدني عبدي.

стр. 793

تفسير قوله تعالى: (إياك نعبد وإياك نستعين) قال تعالى: ((إِيَّاكَ نَعْبُدُ)) [الفاتحة:٥] قدم المفعول على الفاعل للاختصاص، أي: لا نعبد إلا إياك، ولا نستعين إلا بك، وكما قال أعرابي لرجل حليم عاقل جلس يسبه ويلعنه، والحليم العاقل هادئ وساكن، فقال له الأعرابي الجاهل: إياك أعني -أي: أنا أقصدك أنت بشخصك، لما وجده لا يرد- قال: وعنك أعرض. وقوله: (نَعْبُدُ) العبادة كما يقول كثير من أهل العلم: هي اسم جامع لما يحبه الله ويرضاه. وقوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] الاستعانة هي طلب العون على العبادة، فلماذا قدم العبادة على الاستعانة؟ نقول: معنى كلمة: (نستعين) أي: نطلب منك العون يا رب، فدخول السين والتاء على الفعل تعني الطلب، ومنه: (نستهديك) أي: نطلب هدايتك، (نستغفرك): نطلب مغفرتك. فمن أهل العلم من قال: إنها من باب عطف الخاص على العام؛ لبيان أهمية هذا الخاص، كما قال الله : ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم:٤]، فالملائكة عطفوا على جبريل، لكن مع الفارق، هذا عطف عام على خاص، وكما قال تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن:٦٨]، فعطف الرمان الذي هو من الفاكهة على الفاكهة من باب عطف الخاص على العام؛ لبيان أهمية هذا الخاص. ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ [الأحزاب:٧] ونوح من النبيين، ﴿وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [الأحزاب:٧]، وكما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ﴾ [النساء:١٦٣]، فهذا وجه من الوجوه. قالوا: هذا من باب عطف الخاص على العام؛ لبيان أهمية هذا الخاص. والقول الآخر: أن الاصطلاحات في كتاب الله قد تتسع معانيها أحياناً وتضيق أحياناً، فمثلاً: اصطلاح البر والتقوى، واصطلاح الإثم والعدوان. فالبر إذا أفرد في السياق دخل في معناه التقوى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٧٧]، فحمل البر معنى التقوى. لكن إذا جاء (البر) مع كلمة (التقوى) في سياق واحد، فالبر يحمل على أفعال الخير التي تقرب الشخص من الله، والتقوى تحمل على اتقاء المعاصي التي يرد بها الشخص النار -والعياذ بالله-، فالتقوى تحمل على الاتقاء، والبر يحمل على فعل المعروف، هذا إذا اشتركا في سياق واحد. وكذلك الإثم والعدوان، فالإثم يطلق على الآثام التي يرتكبها الشخص في حق نفسه، أما العدوان فهو التعدي على الآخرين. كما قال : ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢]، ولكن إذا جاء الإثم مفرداً دخل في معناه العدوان. وكذلك العبادة والاستعانة، فأحياناً تأتي العبادة ويراد بها معنى أخص، كما قال الرسول ﷺ : (الدعاء هو العبادة)، وأحياناً تأتي ويراد بها معنى أعم. ومن معاني كلمة (عبد) أي: خضع ودان وذل، وتأتي العبادة ومعها المحبة، فعبد الله خاضع لله، وذليل لله مع حبه لله : فهنا فرق بين العبادة التي تأتي للشخص عن كره، فشخص مثلاً يعبد شخصاً، أي: يخضع له ويذل له ويدين له مع كراهيته، لكن آخر يخضع لشخص ويدين له ويذل له مع محبته، فيقدم أمره فوق كل أمر، ويجعل نهيه مقدماً على كل نهي. فالعبادة تتضمن محبته والخضوع له والانقياد. إذاً: معنى كلمة عبد: خضع ودان وذل، فقولنا: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة:٥] أي: يا رب، نحن نخضع لك، وندين لك، ونتذلل لك، ونقوم بين يديك، ونمتثل أمرك، وننتهي عما نهيتنا عنه، ولا حول لنا عن معاصيك إلا إذا أعنتنا عليها يا رب، فقوله تعالى: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] أي: نستعين بك يا رب على عبادتك. ويتأيد هذا بقول رسول الله ﷺ : (يا معاذ! لا تدعن دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) فهو خرج من الصلاة لكنه طلب من الله العون على الذكر والشكر وحسن العبادة. ويدخل في ذلك أيضاً قوله تعالى: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [هود:٨٨]. ويدخل في هذا أيضاً قول يوسف ﵇: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف:٣٣]. فالشاهد: أننا أعلنا أننا نعبد الله ولا نعبد غيره، ولكن طلبنا عونه على عبادته، فهنا اتضح وجه الربط بين: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]. فإذا فهم الشخص هذا المعنى لم يغتر بعبادته لربه، فالذي أعانه على العبادة هو الله ، فكما قال رسولنا: اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا. وكما قال أهل الإيمان: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف:٤٣]، فإذاً كما قال العلماء: إن عبادتنا لربنا نعمة تحتاج إلى شكر منا لمن أسداها إلينا وهو الله . فقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] كما أسلفنا أن العبادات أحياناً تأتي ومعناها قاصر على أشياء، كما نقول مثلاً: فقه العبادات، ونعني بها فقه الصلاة وفقه الصيام وفقه الزكاة وأبواب الطهارة ونحو ذلك، وأحياناً تأتي عامة، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥].

стр. 794

تفسير قوله تعالى: (اهدنا الصراط المستقيم) بعد هذا التمهيد الذي يؤخذ منه فقه للدعاء، جاء قولنا: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦]. فقدمنا الدعاء الذي هو: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] بحمد الله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]. وبالثناء على الله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣]. وبتمجيد الله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤]. وبسؤال الله العون، ثم بعد ذلك ندعو.

стр. 795

معنى الصراط المستقيم وقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] فسر الصراط المستقيم بأنه: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] ففسر الصراط المستقيم بالآية التي بعدها. ومن أهل العلم من قال: إن الصراط المستقيم هو الإسلام، والمعنى كله قريب. وقد ورد: (أن النبي ﷺ خط خطاً مستقيماً وخط خطوطاً عن يمينه وعن يساره أو عن شماله، فقال: هذا سبيل الله مستقيماً وهذه سبل، على كل سبيل منها شيطان).

стр. 796

أنواع الهداية قال تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] (اهدنا) من الهداية ومن الهدية، ومدار النعمة فيها على الإمالة، ومنه أطلق على الهدية هدية؛ لأنها تمال من مال شخص إلى مال شخص آخر، أو تمال من سقف إلى سقف آخر، ومنه: (خرج النبي ﷺ يتهادى بين رجلين) أي: يتمايل بين رجلين ﷺ . فقوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] أي: مل بقلوبنا إلى الصراط المستقيم، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف:١٥٦]، أي: ملنا بقلوبنا إليك. والهداية تنقسم إلى قسمين، وكلاهما مراد هاهنا: ١ - هداية دلالة، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢]. ٢ - هداية توفيق، ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص:٥٦] أي: لا توفق من أحببت. فطلبنا هنا للهداية بقسميها: أن يوجهنا للخير، وأن يميل بقلوبنا إليه، ويوفقنا للعمل به. وفي الآية الكريمة رد على القدرية الذين يزعمون أن لا قدر وأن الإنسان هو الذي يختار لنفسه ما شاء! فنقول لهم: إذا كان الإنسان يختار لنفسه ما شاء، فلماذا تقولون في كل صلاة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦]؟ ولماذا قال أهل الإيمان: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف:٤٣]؟ ولماذا قال الرسول ﵊: اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا؟ فلنسأل الله الهداية.

стр. 797

من آداب الدعاء أخذ العلماء من الآية أدباً من آداب الدعاء، وهو: أنك إذا دعوت ربك فينبغي أن تقدم بين يدي الدعاء مقدمات، فلا تقل مباشرة: يا رب افعل لي وافعل لي، بل تأدب بآداب الدعاء وإن كان الأخير جائزاً أحياناً، لكن الأكمل أن تقدم آداباً من آداب الدعاء ومقدمات بين يدي الدعاء. سمع النبي ﷺ رجلاً يدعو ولم يحمد الله ولم يثنِ عليه، ولم يصل على رسول الله ﷺ ؛ فقال: (إذا دعا أحدكم فليبدأ بحمد الله، والثناء عليه، والصلاة على رسول الله ﷺ ثم يتخير من الدعاء أعجبه إليه). كذلك في حديث الشفاعة الطويل: (عندما تدنو الشمس من رءوس الخلائق يوم القيامة، يبلغ بالناس من الهم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون، فيقولون: بمن نستشفع؟ فيقولون: اذهبوا إلى آدم فإنه أبو البشر، خلقه الله بيده، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء، فيأتون إليه، فيقول: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، نفسي نفسي! اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح) الحديث. وفي نهايته تنتهي الشفاعة إلى رسول الله ﷺ ، قال النبي ﵊ قبل أن يشفع: (فأخر لربي ساجداً، فيفتح الله عليّ بأنواع المحامد والثناءات لا أحصيها الآن ثم يقال لي: يا محمد! ارفع رأسك، واشفع تشفع، وسل تعطه) فسؤاله الشفاعة جاء بعد حمد الله والثناء عليه. وكذلك في حديث الرسول ﵊ في دعائه بالليل: (اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت قيوم السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد لك ملك السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت الحق، ووعدك الحق، وقولك حق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد ﷺ حق، والساعة حق، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت، أو: لا إله غيرك). فقوله: (اغفر لي ما قدمت وما أخرت) جاء بعد قوله: (اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن) إلى آخر الحديث. وكذلك في صلاة الاستخارة: (إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب) ثم بعد ذلك يأتي بالدعاء -والركعات حملت حمداً وتسبيحاً وتمجيداً وتهليلاً وتكبيراً-. فإذا أردت أن تدعو ربك فاحمد الله واثنِ عليه بين يدي الدعاء، ولذلك قال العلماء: إن هناك مناسبة في قول رسولنا محمد ﵊: (أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء فقمن -أي: جدير- أن يستجاب لكم)، حيث جاء الدعاء في السجود بعد تعظيم الرب وتمجيده وتسبيحه في الركوع. فعلى ذلك عليك أن تنظر إلى كتاب الله وتستخرج منه المقدمات التي تقدم بها دعاءك، وتتوسل بها إلى ربك سبحانه، كما قال زكريا ﵇ متأدباً بآداب الدعاء: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [مريم:٣] وبدأ يظهر حاله من الانكسار لله: ﴿قَالَ رَبِّ﴾ [مريم:٤] أي: يا رب ﴿إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ [مريم:٤] أي: ضعف عظمي، ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم:٤] أي: ضعفت قوتي، ونحل جسمي، وشاب شعر رأسي، ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ [مريم:٤] أي: ما أشقيتني أبداً يا رب بالرد والحرمان، فأنت كريم كلما دعوتك أجبت، وكلما سألتك أعطيت، ما تعودت منك المنع، فأنت الكريم. ثم برر أيضاً مسألته، قائلاً: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾ [مريم:٥] أي: خفت من أقاربي وبني عمي ألا يقيموا الدين، فليس فيهم فيما أرى رجل من أهل الصلاح يحمل هذا الدين، ويسوس بني إسرائيل: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا﴾ [مريم:٥] وبعد هذه المقدمة كلها يقول: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ [مريم:٥ - ٦]. فجدير بك أن تستنبط آداب الدعاء من كتاب الله ومن سنة رسول الله، وتمهد له تمهيدات، تخرج من بيتك قائلاً: يا رب! خرجت من بيتي ألتمس فضلك ورزقك، تركت أماً عجوزاً كبيرة ووالداً شيخاً كبيراً في حاجة إلى فضلك ورزقك، فيا رب ارزقني برفق هؤلاء الضعفة. فهذه المقدمات تقربك إلى الله سبحانه، وتحيي قلبك الذي قد علاه الران، هذه المقدمات والاستهلالات بها يستجاب الدعاء بإذن الله، قال الرسول ﵊ لـ سعد لما رأى لنفسه فضلاً: (ابغوني ضعفاءكم، فإنما تنصرون وترزقون بضعفائكم؟). فلتظهر حالك من الانكسار لله، كما قال موسى ﵇: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص:٢٤]، وكما قال أيوب ﵇: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٣]. فقدم مقدمات تثني بها على الله، كما قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠] ولا تمل من السؤال والدعاء، فالذي يعطي هذا وذاك هو الله سبحانه، لا يشغله كبير عن صغير، ولا جليل عن حقير.

стр. 798

تفسير قوله تعالى: (صراط الذين أنعمت عليهم) قال تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٧] المنعم عليهم فسروا في سورة النساء بقوله تعالى: ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء:٦٩]. وقوله: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٧] أي: بالهداية والتوفيق، وأنعمت عليهم بالهداية كذلك، وأنعمت عليهم بعموم نعمك. وقوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٧] المغضوب عليهم هم اليهود، وقد قال الله سبحانه: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة:٦٠]. قال: ((وَلا الضَّالِّينَ)) [الفاتحة:٧] وهم النصارى، وقد فسر ذلك رسول الله ﷺ . قال بعض العلماء: لماذا اختص اليهود بأنهم مغضوب عليهم والنصارى بأنهم ضلال؟ فأجيب على ذلك: أن الغضب جاء على اليهود؛ لكونهم عرفوا الحق وجحدوه، كما اتضح ذلك من مجيئهم إلى رسولنا محمد ﵊ برجل وامرأة منهم قد زنيا، فقال لهم الرسول ﵊: (ما تجدون حد الزنا في كتابكم؟ قالوا: نجد التحميم يا محمد -أي: نصبغ وجه هذا بالسواد ووجه هذه بالسواد- ويركبا على حمار ويطاف بهما في الأسواق، فقال لهم الرسول ﵊: أناشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى هل تجدون هذا الحد في كتابكم؟ قالوا: أما وقد ناشدتنا فإن حد الزنا في كتابنا الرجم). وفيهم نزل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤] وهم اليهود حين جحدوا حكم الله، أي: أنكروه وأظهروا خلافه وأوهموا الناس أن هذا هو حكم الله. وهنا تفهم الآية من خلال هذا المعنى، وهذا الذي اختاره الطبري رحمه الله تعالى في نهاية بحثه فيمن جحد، فاليهود أظهروا لنبينا محمد ﵊ أن حد الزنا في كتابهم هو التحميم، وأخفوا عليه أن حد الزنا في كتابهم هو الرجم، فجحدوا حكم الله الذي هو الرجم وأظهروا حكماً آخر وهو التحميم. فلذلك قال الطبري إنها فيمن جحد وإن الذي حكم بغير ما أنزل الله بلا جحود ولا استحلال فيخرج من هذا الحكم، وله تفصيل سيأتي. فالشاهد: أن اليهود مغضوب عليهم؛ لأنهم يعرفون الحق ويجحدونه. وأيضاً قد يطلق عليهم أنهم ضالون كذلك، فهم مغضوب عليهم وضالون، لكنهم اختصوا بالنصيب الأكبر من الغضب، والنصارى وإن كانوا مغضوباً عليهم لكنهم اختصوا بالنصيب الأكبر من الضلال. ففسر الرسول ﵊ المغضوب عليهم باليهود، والضالين بالنصارى. ومن هنا يظهر ما تقدمت الإشارة إليه في سورة النور: لماذا اختصت المرأة في الملاعنة قوله تعالى: ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور:٩]؟ و الجواب لأنها تعرف وتوقن أكثر من زوجها ما الذي حدث؟ هل كانت مفاخذة أو كان هناك إيلاج، فهي أمور تتقنها أكثر من زوجها، فإذا أقسمت فإنها تقسم على علم، والله أعلم. وقد جاء زيد بن عمرو بن نفيل كما في صحيح البخاري لما خرج يبحث عن دين غير دين أهل الشرك الذي يتعبد به أهل مكة، فذهب إلى اليهود، وقال: إني أريد أن أدخل في دينكم، قالوا: لن تدخل في ديننا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله، قال: أعوذ بالله من غضب الله، والله لا أحمل من غضب الله شيئاً أبداً، أنا فررت من غضب الله، فهل عندكم شيء آخر؟ قالوا: لا، إلا أن تكون حنيفاً، قال: وما الحنيف؟ قالوا: ملة إبراهيم ﵇؛ فانطلق إلى النصارى، وقال: إني أريد أن أدخل في دينكم، قالوا: لن تدخل في ديننا حتى تأخذ بنصيبك من لعنة الله، قال: أعوذ بالله من لعنة الله، والله لا أحمل منها شيئاً أبداً، فهل هناك شيء آخر؟ قالوا: لا، إلا أن تكون حنيفاً، قال: وما الحنيف؟ قالوا: ملة إبراهيم ﵇، فخرج وقال: اللهم إني أشهدك أني على ملة إبراهيم ﵊. وقد كان يفتخر الشعراء من أحفاده، فيقولون: وجدي الذي منع الوائدات وأحيا الوئيد فلم يوأد فكان ينقذ الموءودة، ويقول لأهل الجاهلية: أعطوني إياها أنا أكفيكموها، وإذا كبرت فأردتم أن تأخذوها فخذوها.

стр. 799

حكم قول: (آمين) آمين كائنة بعد الفاتحة فليست من الفاتحة إجماعاً. أما معنى كلمة: آمين، فجمهور المفسرين على أن (آمين) معناها: اللهم استجب، فهي دعاء.

стр. 800

الرد على الشيعة في الجهر بآمين أما قول الشيعة البعداء البغضاء: إن من قال: (آمين) فقد بطلت صلاته، فهذا جهل وتخريف منهم وبعد عن سنة رسول الله ﵊. وسندهم في ذلك أن هذا كلام ليس من القرآن، والكلام في الصلاة يبطلها؛ هكذا قالوا وزعموا، وهو قول باطل وزعم أبطل، فإن الدعاء مشروع في الصلاة، والنبي ﷺ حث على الدعاء في السجود، وهو ﵊ دعا في صلاته وقال: (اللهم انصر المستضعفين من المؤمنين)، ثم إن الرسول ﷺ قال: (من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه)، وحث على ذلك بقوله: (إذا قال الإمام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] فقولوا: آمين).

стр. 801

وقت قول المأموم: آمين متى يقول المأموم: آمين: هل بعد أن يقولها الإمام، أم يقولها مع الإمام؟ ففريق قال: يقولها إذا انتهى الإمام من مقولته؛ لأن الإمام إنما جعل ليؤتم به؛ ولأن النبي ﷺ قال: (إذا أمن فأمنوا) وهذا الحديث صحيح، لكن الاستدلال به ليس بصحيح؛ لأن النبي ﷺ قال في الرواية الأخرى: (إذا قال الإمام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] فقولوا: آمين) فهي ثلاث موافقات كما قال العلماء: موافقة الإمام مع المأمومين مع الملائكة، وقد قال النبي ﵊: (من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه) هذا والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

стр. 802

الجهر بآمين بعد قراءة الفاتحة هل نجهر بها أو نسر؟ من العلماء من قال: إن الدعاء في العموم يسر به؛ لقوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف:٥٥]، فرأى هذا الفريق أن (آمين) يسر بها. ورأى آخرون من أهل العلم: أنه يجهر بها وإن كانت دعاء؛ لأن من صور الدعاء ما يجهر به أحياناً، ومن الأدلة التي استدل بها على الجهر بآمين، قول أبي هريرة: (لا تفتني بآمين)، وصلى ابن الزبير صلاة فجهر فيها هو ومن معه بآمين حتى إن للمسجد ضجة، وقال ﵊: (ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على التأمين والسلام) فلا تحسدنا على شيء خاص وسري وإنما تحسدنا على شيء ظاهر.