← Джавами‘

Джавами‘ · id 7694

دروس للشيخ مصطفى العدوي

مصطفى العدوي

Полный текст (802 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

تفسير قوله تعالى: (ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم) قال تعالى: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٦٨]. ﴿مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا﴾ بمعنى: لكن، ﴿إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ يؤخذ من ذلك أدب من آداب الخطباء وخلق من خلق التوجيه وهو: أنك إذا بينت أن شخصاً ما عنده خلل في ذاته، فينبغي أن تعقب هذا البيان بثناء حسن على هذا الشخص ولا تضيع حقوقه، هذا إذا سلمنا أنه إنسان مخطئ، ولكن ليس هذا بخطأ من يعقوب ﷺ ، بل قد أثنى الله عليه بقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ ولكن المقام مقام رد الأمور إلى الله ، وإنما الذي صنعه يعقوب ﵊ من باب الأخذ بالأسباب. فنقول: من أدب التخاطب إذا كنت تريد التنبيه على شيء صدر من شخص، أن تتكلم بهذا التنبيه بطيب الكلام، وبطيب الثناء ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء:٧٨] * ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ وأثنى الله على داود أيضاً فقال الله سبحانه: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء:٧٩] فينبغي أن يثني على الشخص الآخر أيضاً.

стр. 737

أخذ يوسف لأخيه ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [يوسف:٦٩]. ﴿آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾ أي: ضمه إليه ﴿قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وفيه دليل على أن شقيق يوسف لاقى عناء وشدة أيضاً هو الآخر بعد غياب أخيه ﷺ ، ومن ثَم سلاّه وجبر خاطره بقوله: ﴿فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [يوسف:٦٩]. قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ [يوسف:٧٠] السقاية: هو صواع الملك، ﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ أي: نادى منادٍ ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ﴾ أي: يا أصحاب العير! يا أصحاب الإبل! ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ * قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ﴾ [يوسف:٧٠ - ٧١] ﴿قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ﴾ أخذ من ذلك: أن المتهم إذا كان بريئاً فإنه يكون جريئاً، فهؤلاء جاءوا ولم يهربوا ولم يشردوا، وحتى العجماوات تفهم ذلك، يقول بعض العلماء: إن القطة إذا كانت بجوارك، وأنت تأكل سمكاً فألقيت إليها سمكة فإنها تأكلها بجوارك آمنة مطمئنة، لكنها إذا سرقت السمكة فإنها تأخذها وتهرب، فكأنه قذف فيها معرفة الحلال من الحرام بما أودعه الله سبحانه فيها. قال تعالى: ﴿قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ * قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف:٧١ - ٧٢]. ﴿وَأَنَا بِهِ﴾ يقوله المنادي ﴿زَعِيمٌ﴾ أي: ضمين، وأخذ من هذا حكم يتعلق باللقطة، فإذا وجد شخص لقطة في الطريق عليه -كما هو معلوم- أن يعرّفها إذا كانت من ذوات القيمة، فإن نادى منادٍ فقال: يا أيها الناس! فقد مني كذا وكذا، ولمن يأتني به كذا وكذا فلا جناح على الذي وجده أن يقبله؛ لأن الآية فيها: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ لكن ليس لمن وجدها أن يشترط ذلك، لكن إن أعطي شيئاً فله أن يقبل للآية الكريمة: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف:٧٢]. قال الله تعالى: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾ [يوسف:٧٣]. ﴿قَالُوا تَاللَّهِ﴾ أي: والله، فأحرف القسمة ثلاثة: الواو والباء والتاء، تقول: والله، وبالله، وتالله، ﴿لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ * قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنتُمْ كَاذِبِينَ * قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [يوسف:٧٣ - ٧٥] أي: من يوجد هذا الصواع في رحله يؤخذ كعبد مسترق لصاحب الصواع، وقد كان هذا في شريعة يعقوب ﵇، فنحن في شريعتنا شريعة محمد ﵊ أن السارق تقطع يده، أما في شريعة يعقوب فكان السارق يؤخذ كعبد مسترق مقابل السرقة، بمعنى: أن يأخذه صاحب المتاع المسروق كعبد مسترق مقابل السرقة، وفي الروايات الإسرائيلية على ما سيأتي عند قوله تعالى: ((إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ)) أن عمة يوسف كانت قد أحبته في صغره حباً شديداً فطلبته من أبيه يعقوب فأبى عليها يعقوب ذلك، فدست له شيئاً أي: يوسف واتهمته به حتى تضمه وتؤيه إليها، وهذا من الإسرائيليات التي لا ينبغي أن تصدق ولا تكذب، ولكنها تفيد في بعض البيان والله تعالى أعلم. قال تعالى: ﴿قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [يوسف:٧٥] أي: في شريعة يعقوب، فشرائع الأنبياء تتنوع لكن أصل الدين وهو التوحيد ثابت، قال الله سبحانه: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة:٤٨] لكن الأصل واحد لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]. قال الله: ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٧٦]. ﴿قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ لنفي التهمة، ﴿ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ فالذي دبر هذا ويسره ليوسف هو الله، فالمعلَّم من علمه الله؛ وقد قال النبي ﷺ : (إن الله خلق كل صانع وصنعته). ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ فليدرك كل عالم ذلك ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٧٦]. ﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف:٧٧] قالوا وأبانوا عما في صدورهم تجاه أخيهم: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ يعرضون بيوسف ﵊.

стр. 738

ازدياد حزن يعقوب بعد فقد ابنه الآخر قال تعالى: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف:٨٣]. قوله: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ أي: زينته وحسنته، فالمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين. ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ صبرٌ لا تبث معه الشكوى إلا لله. قال الله تعالى: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف:٨٤]. قوله: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾ أي: أعرض عنهم، ﴿وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ فلم يذكر (بنيامين) فالمصائب يرقق بعضها بعضاً، وحب يوسف وفقده أنساه سائر أبنائه، ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ أي: ممتلئ غماً وهماً. قيل للحسن البصري ﵀ وقد بكى على بعض أبنائه إذ مات: أتبكي يا حسن؟! قال: سبحان الله، ما أنساك ليعقوب ﵇ إذ قال الله في شأنه: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ أي: ممتلئ هما وغماً.

стр. 739

كظم يوسف ﵇ لغيظه قال الله: ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ﴾. يقول أهل العلم: ينبغي أن يتسم المدير أو القائم أو المسئول بضبط النفس وكظم الغيظ ولا يكون طائشاً متهوراً، فيوسف ﵇ لم ينفعل بل كان كما قال تعالى: ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ﴾ فلنستق أخلاقنا من كتاب ربنا ومن سير أنبيائنا عليهم الصلاة والسلام كما قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام:٩٠]. قال تعالى: ﴿قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف:٧٨] ((قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ)) فيه: جواز إطلاق لفظ (العزيز) على بعض البشر. ﴿إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ فتوسلوا إلى يوسف بشيخوخة أبيهم، وبكبر سن والدهم، فللكبير حق معروف عند المتقدمين والمتأخرين، وإلى هذا الأدب مع الكبار أرشدنا نبينا محمد ﵊. قال ﷺ : (ليس منّا من لم يوقر كبيرنا) وقال ﵊ (رأيتني الليلة أتسوك، فأتاني رجلان فدفعت السواك للأصغر منهما، فقيل لي: كبر كبر) وجاء حويصة ومحيصة إلى النبي ﷺ فذهب أصغرهما يتكلم، فقال له النبي ﵊: (كبر كبر) فالكبير له حق، ويجب أن يعطى حقه، فكم سجد هذا الكبير من سجدة! وكم ركع من ركعة! وكمن ابتلي فصبر! فله حق ينبغي أن يؤدى إليه، وجعل النبي ﵊ من المقدمين في الإمامة عند تساوي الحفظ الأكبر سناً حيث قال: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأكبرهم سناً) هكذا للكبير حق ينبغي أن يؤدى إليه ولا يضيع. وهذا عبد الله بن عمر يعلمنا أدباً لزمه مع الكبار عندما سأل النبي ﷺ أصحابه ذات يوم فقال: (إن من الشجر شجرة مثلها مثل المؤمن أخبروني ما هي؟) قال عبد الله بن عمر: فوقع الناس في شجر البوادي، ووقع في نفسي أنها النخلة، فجئت أتكلم فنظرت فإذا أنا أصغر القوم فاستحييت، فقال النبي ﷺ : (هي النخلة) الشاهد من ذلك: أدب ابن عمر مع كبار السن، ﴿قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف:٧٨] فعلامات الإحسان على يوسف بادية وظاهرة، وهكذا كما قال تعالى ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح:٢٩]. قال الله: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾ [يوسف:٧٩] وهكذا الأمور فلا تزر وازرة وزر أخرى وهذا مما كان في الصحف الأولى ﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأعلى:١٩] ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى * أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [النجم:٣٦ - ٣٨] وقال تعالى: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام:١٦٤]. قال يوسف: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ﴾ فإن فعلنا ذلك ﴿إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾ [يوسف:٧٩]. قال الله: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ كان بعض الأعراب يعجب غاية العجب من هذا الأسلوب في كتاب الله، وذكر بعض السلف ﵏ أن هذا اللفظ: ((خَلَصُوا نَجِيًّا)) حمل البعض على الإسلام، انظر إلى دقة التعبير، فقد كانوا يتذوقون القرآن ويفهمونه، وعلى قدر بصيرتك وتقواك وإيمانك تفهم كتاب الله. وعرضاً أذكر أثراً -وإن لم يسعفني الوقت لتحقيقه- فقد كان ابن عباس يفهم كتاب الله، والأثر فيه: أن أمير المؤمنين عمر ﵁ كان إذا صلى الفجر دخل مجلسه ودخل معه حملة القرآن من أصحاب النبي ﷺ ، وكان يدخل معهم عبد الله بن عباس، فيتدارسون القرآن ويتلوه تالٍ، ويؤله مؤول، ويفسره مفسر، فدخل ابن عباس مع أمير المؤمنين عمر ومعه رجال من الصحابة ﵃، فبدأ التالي يتلو قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة:٢٠٤] وابن عباس ينصت تمام الإنصات ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة:٢٠٥] وابن عباس ينصت، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة:٢٠٦] وابن عباس ينصت وينتبه، ثم قرأ القارئ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة:٢٠٧] فضرب ابن عباس وبشدة رجل جليسه، وصاح: (اقتتلا والله اقتتلا والله، قال عمر متعجباً: ماذا قلت يا ابن عباس؟! فاستحيا أن يتكلم، فأعاد عليه عمر: ماذا قلت يا ابن عباس؟! فاستحيا ابن عباس، فأعاد عليه عمر: ماذا قلت يا ابن عباس؟! قال: يا أمير المؤمنين! قلت: اقتتلا والله، اقتتلا والله. فقال عمر: من هما يا ابن عباس؟! قال ابن عباس: يا أمير المؤمنين! إن الله ذكر في كتابه رجلاً مجرماً أصبح والياً أو أميراً، فلما تولى ﴿سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ يقتل هذا، ويضرب هذا، ويسمم بهائم هذا، ويحرق ثمر هذا، فقام له قوم يذكرونه ويقولون له: اتق الله، فما يزيده التذكير إلا فساداً، وتأخذه العزة بالإثم، فقام رجل مؤمن محتسب شرى نفسه ابتغاء مرضات الله لوقف زحف هذا العدو الصائل فحصلت المعركة بينهما. انظر كيف كان ابن عباس يسير مع الآيات ويفهمها ﵁. قال تعالى: ﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ * ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ [يوسف:٨٠ - ٨١]. فقوله: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ أي: هذا الذي رأيناه، ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [يوسف:٨٢]. ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ أي: اسأل أهل القرية. ومن العلماء من قال: القرية على ظاهرها، فإن الأنبياء لهم ما ليس لغيرهم، إن النبي ﵊ قال (إني أعرف حجراً بمكة كان يسلم عليّ إني أعرفه الآن) أخرج ذلك مسلم في صحيحه. ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ أي: واسال القرية واسأل العير. وإن المتأمل لهذه الآيات ليرى عظيم الابتلاء الذي حل بيعقوب ﵊، فتخيل إذا رجعت القوافل كلها آمنة مطمئنة، ورجعت قافلتك وأحد أبنائك فقد لسرقته، ماذا سيكون؟ فابتلاؤه ﷺ شديد، إذا يرجع الناس آمنون مطمئنون وابن يعقوب ﵇ يرجع وقد سرق وأخذ كعبد مسترق مقابل السرقة إنه لبلاء عظيم!!

стр. 740

تحريم اليأس والقنوط من رحمة الله ﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ * قَالَ إِنَّمَا أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ * يَا بَنِيَ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٥ - ٨٧]. فقوله: ﴿وَلا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ إذ اليأس من روح الله كبيرة من الكبائر ﴿إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ لقد عدّ أهل العلم اليأس من رحمة الله من الكبائر؛ بدليل هذه الآية، وبقوله تعالى: ﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر:٥٦] فينبغي ألا ييئس أحد أبداً من رحمة الله، فلا ييئس مكروب من الفرج، ولا مبتلىً في بدنه ولا في ولده من الفرج، ولا ينبغي أن تيأس امرأة عقيم من رحمة الله، فهكذا علمنا ربنا سبحانه بقوله: ﴿إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧].

стр. 741

مصارحة يوسف لإخوته والعفو عنهم قال الله: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ [يوسف:٨٨] وهذه الآية تبين لنا أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرى، وأن الله يرفع المظلوم ويخفض الظالم، ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ أي: ذل وانكسار والانكسار، ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾ أي: قليلة لا تصلح لشيء، فنحن فقراء مسنا وأهلنا الضر، وأبونا أصابه العمى، ومسنا نحن الضر في الأبدان والقلة في الزاد. قال تعالى: ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ هكذا يتسول الظالمون أخاهم الذي قد ظلموه ﴿أَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ فحينئذ لا يرضى لهم يوسف أن يصلوا إلى أشد من ذلك فيقول لهم كما قد أخبره الله سبحانه وهو يلقى في غيابه الجب عندما كان يتعلق بصدر هذا فيضربه، ويأتي ويستغيث بذلك فيلطمه، يقول الله جابراً لخاطره آنذاك: ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [يوسف:١٥] فهاهو هذا يتحقق فيقول يوسف: ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾ [يوسف:٨٩] فتكون المفاجأة ((قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ)) فيقول بأدب جم: ((قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذَا أَخِي)) أنا يوسف لم يقل مقولة المفتخر المتباهي: أنا العزيز يوسف، ولا أنا الملك يوسف، ولا أن الرئيس يوسف، إنما بأدب نتعلمه ((أَنَا يُوسُفُ)) ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ﴾ وكذا سليمان قال: [النمل:٣٠] وكذا نبينا محمد ﷺ : (من محمد عبد الله ورسوله) وهكذا نتعلم الأدب من كتاب الله. قال ﵊ (ثلاث أقسم بالله عليهن: وذكر: ما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه الله). ﴿قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف:٩٠] ثم يذكر بفضل الله أي: فالفضل الذي فيه ليس من كسبي ولا من كدي إنما هو من فضل الله، ﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ * قَالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف:٩٠ - ٩٢]. قال ﵇ مقولة تعلمنا الأدب: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾ أي: لا تعيير ولا توبيخ مني أبداً عليكم بعد اليوم ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ وهكذا الأدب في العفو ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [يوسف:٩٢ - ٩٣] نقول نحن أهل الإسلام: إن الله على كل شيء قدير. وقد أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء ما يفيد أن النبي ﵊ أوتي من جنس هذه المعجزة، فدخل أحد أحفاد أبي قتادة على عمر بن عبد العزيز ﵀ فقال له: من أنت؟ قال: أنا ابن الذي سالت على الخد عينه فردت بكف المصطفى أجمل الرد فعادت كما كانت لأول وهلة فيا حسن ما عين ويا حسن ما رد قال الله: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ [يوسف:٩٤] أما قوله تعالى ((فَصَلَتِ)) أي: خرجت وفارقت بلاد مصر، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾ [البقرة:٢٤٩]. قال تعالى: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ أي: تفندون قولي وتتهمونني بالتخريف، كيف وجد ريح يوسف ﷺ ؟ نقول نحن أهل الإسلام: إن الله على كل شي قدير، ومن جنس هذه المعجزة معجزات حدثت لنبينا محمد ﵊، فإن النبي ﷺ أخبر أصحابه بموت النجاشي في اليوم الذي مات فيه، ولم يكن ثَم هواتف، والرسول ﷺ كذلك أخبر أصحابه بمقتل الثلاثة: زيد بن حارثة وجعفر وابن رواحة في اليوم الذي قتلوا فيه، وكذلك بعض أصحاب نبينا حصلت لهم ببركة اتباعهم للنبي محمد ﵊ كرامات من هذا الجنس، فإن من العلماء من حسن القصة التي فيها أن عمر رضي الله تعالى عنه كان يخطب في مسجد رسول الله ﵊، وكان قد أرسل رجلاً أميراً على سرية من السراري يقال له: سارية، فخرج سارية مع أصحابه في غزوة من الغزوات في دولة أخرى وعمر في المدينة يخطب الجمعة وسارية يبارز الأعداء ويناجزهم فإذا بـ عمر يتحول في خطبته منادياً وقائلاً: يا سارية! الجبل الجبل يا سارية! الجبل الجبل، وسارية يسمع هذه المقالة من هذا البعد البعيد، فيلتزم الجبل هو وأصحابه فيفتح الله عليهم وينصرهم، وأصحاب عمر في المسجد يقولون: ما الذي حدث لأمير المؤمنين؟ أين سارية؟ وكيف يتكلم عمر؟ ولكن الله على كل شيء قدير سبحانه، فجاء سارية ومن معه وأخبروا أهل المدينة أنهم سمعوا صوت أمير المؤمنين عمر وكان سبباً في نصرهم.

стр. 742

اعتراف إخوة يوسف بذنبهم قال الله: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ﴾ [يوسف:٩٥] أي: ما زلت تخرف هكذا، ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ * قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾ [يوسف:٩٦ - ٩٧] هكذا قال واعترف الظالم بظلمه، واعترف بخطئه وإن لم يكن ثَم اعتراف في الدنيا فثَم اعترافات يقينية في الآخرة، فيومها وحينها تبلى السرائر، فليطمئن كل مظلوم إلى نصر الله له في الدنيا ويوم يقوم الأشهاد. ﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يوسف:٩٨] لماذا أخر الاستغفار؟ بعض العلماء يذكرون أنه أخر الاستغفار لساعة هي أرجى في الجواب كالثلث الأخير من الليل، حيث قال النبي ﷺ : (إن الله ينزل إلى سماء الدنيا إذا كان الثلث الأخير من الليل، فيقول: هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من سائل فأعطيه؟ هل من داع فأجيبه؟ حتى يطلع الفجر). ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [يوسف:٩٩] ﴿آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾ ضمهم إليه، ﴿وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ﴾ من أهل العلم من أخذ من قوله ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ﴾ أنه استقبلهم خارج البلاد ولم يجلس على الكرسي حتى دخلوا عليه، ولكن استقبلهم خارج البلدة مرحباً بهم، لا كما يفعل الجهلة الذين لا يعلمون إذ يتبرءون من أقوامهم إذا تقلدوا مناصب، فَثم شاب أهله ينفقون عليه كبير أموالهم حتى يتخرج ويصبح طبيباً على سبيل المثال، أو يصبح من ذوي المناصب العالية، فإذا بلغ هذا المنصب تنكر لأهله وعشيرته، فإذا جاءه أهله من البادية تنكر لهم، فيأتيه أبوه ليعالجه فيقول: ماذا تريد. يعامل أباه وكأنه رجل غريب، ويستحي من والده الفقير أمام زملائه الأطباء أو الوزراء، لكن يوسف لم يكن كذلك ﵊، بل علّمنا إكرام العشيرة، فللأقارب حق ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ [الإسراء:٢٦] ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ [النساء:٣٦] فذووا القربى لهم حق يجب أن نؤديه.

стр. 743

سجود إخوة يوسف ليوسف إن يوسف ﵇ لم يضع إخوته بل استقبلهم قائلاً فرحاً بقدومهم: ﴿وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [يوسف:٩٩] ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ ولم يقنع بهذا بل رفع أبويه على العرش على سرير الملك ولم يجلسهم أدنى منه بل رفع أبويه على العرش ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ سجود تحية، وكان السجود جائز في شرائع من كان قبلنا ثم نسخ في شريعتنا لقوله ﵇: (لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها) ﴿وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ أي: قد تتحقق تأويل الرؤيا بعد عشرات السنين، فلا يلزم أن تتحقق في ذات الوقت، بل قد تتحقق بعد عشرات السنين، ﴿يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي﴾ وكما قال الرسول ﵊: (وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثاً) والأنبياء رؤياهم وحي عند كثير من أهل العلم. قال تعالى: ﴿قَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف:١٠٠] لماذا لم يقل يوسف ﵇: وقد أحسن بي إذا أخرجني من غيابة الجب؟ يقول المفسرون: لأنه وعد إخوته عن قريب. فقال لهم: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾ [يوسف:٩٢] أي: لن أعيركم ولن أوبخكم أبداً، ولن أكدر خواطركم بحال من الأحوال، فمن ثم إذا ذكر البئر سيذكرهم بالمآسي التي صنعوها في حقه، فأعرض عن ذكر البئر وما حدث له منه تماماً، بل قال: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ فالسجن يجمع السكير والعربيد، واللص والقاتل، وأضراب هؤلاء. قال: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾ ثم حمل الشيطان الجريمة كلها، فالشيطان لها أهل، فلم يقل: من بعد أن ظلمني إخوتي، بل قال: ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾ فكل شيء عنده بمقدار، فهو الذي يقدر، وهو الذي يعلم النوايا والخفايا ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾.

стр. 744

لكل شيء إذا ما تم نقصان لما رأى يوسف ﵇ أن الدنيا قد اجتمعت له، وأقر الله عينه بالملك وبوالديه وإخوته وبأهله أجمعين، علم يوسف ﵇ أن أمر الآخرة قد اقترب، فلا يكاد شيء يكتمل إلا وآذن بزواله ورحيله؛ ولذلك فإن من أصحاب النبي ﷺ من بكى لما نزل على الرسول ﵊، قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣] فعلم أن أمر الرسول ﷺ قد اقترب، ولما نزل قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر:١] * ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر:٢] * ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر:٣] فعلم ابن عباس أن أجل الرسول ﵊ قد اقترب. وهكذا فلا تكاد أمور تكتمل إلا ويؤذن بزوالها، فيوسف ﵇ رأى أن الله أقر عينيه بوالديه وبأهله أجمعين، وأقر عينيه بالملك، فلا جرم أن يؤذن بالرحيل، فطلب من ربه كما أتم النعمة عليه في الدنيا أن يتممها عليه في الآخرة، فقال مقولة الصالحين: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ﴾: ﴿رَبِّ﴾ أي: يا رب. ﴿قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ﴾ فما أنا فيه من الملك من فضلك يا رب ﴿فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف:١٠١]. وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 745

وقفات مع فريضة الحج [١] الحج فريضة من فرائض الله، وهو من أركان الإسلام، وقد أمر الله نبيه إبراهيم أن يؤذن في الناس بالحج، فأجابه كل من كتب الله له حج بيته الحرام، وفي الحج شعائر شرعها الله لإقامة ذكره، وتعظيمها من تقوى القلوب، وينبغي للحاج قبل سفره أن يتحلل من المظالم، وما أكثر المظالم التي قد يقع فيها المسلم وهو لا يشعر.

стр. 746

تفسير آيات الحج في سورة الحج بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وصحبه. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. وبعد: فيقول الله في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ * وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ * ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٥ - ٢٩]. أذن إبراهيم ﷺ في الناس بالحج كما أمره الله، فأتاه الناس من كل فجٍ عميق، أتوه على كل ضامر، ورجالاً كذلك، ممتثلين أمر ربهم . مطلع الآيات فيها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الحج:٢٥] أي: ويصدون أيضاً عن المسجد الحرام، فثم سعاة إلى بيت الله يطلبون مغفرة الله ورضوانه، وثم مانعون يمنعون الناس من بيت الله، ويصرفونهم عن طاعة الله، وثم قوم رغبوا في مغفرة ربهم، فشدوا رحالهم إلى بيت الله الحرام، كي تسكب عنده العبرات، وثم آخرون وقفوا لهم بكل مرصد، يصدون الناس عن بيت الله الحرام وعن مغفرة الله. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج:٢٥] أي: ويصدون عن المسجد الحرام كذلك، ((الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً)) [الحج:٢٥] أي: يستوي فيه (العاكف) أي: المقيم بمكة، (والباد) أي: الخارج عن مكة، فلكل الناس حق في المسجد الحرام.

стр. 747

تعظيم حرمات الله قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ﴾ [الحج:٣٠] أي: يوقرها حق توقيرها ولا يعبث بها، بل ينزلها منازلها، ويتقن عمله فيها. ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج:٣٠]، ومن تعظيم حرمات الله: أن تعظم حرمات الله في بيت الله الحرام، وأن تعظم حرمات الله عند الأضاحي، فلا تأخذ منها الهزيل الذي لا يجزئ، ومن تعظيم حرمات الله أن تؤدي المشاعر كما أمرك ربك، وكما علمك نبيك محمد ﵊. ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج:٣٠] أي: قول الشرك والافتراء الكاذب. كذلك: ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣١] كما حدث رسول الله ﵊: (عن روح الكافر إذا مات، تلقتها الملائكة فصعدت بها إلى السماء، فيخرج منها أنتن ريح عُرفت على وجه الأرض، فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا وتسأل: ما هذه الروح الخبيثة كانت في الجسد الخبيث؟ ما هذه الريح النتنة؟ فيقولون: روح فلان بن فلان، فتصعد بها الملائكة إلى السماء، فتستفتح لها، فلا تفتح لها أبواب السماء، ثم يأمر الله سبحانه أن تُرد هذه الروح إلى الأرض السابعة السفلى، وأن يكتب كتابها في سجين، فتخر من السماء، وقرأ رسول الله ﷺ ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣١]).

стр. 748

تعظيم شعائر الله قال الله: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ [الحج:٣٢] وشعائر الله: أعلام الدين الظاهرة، فكل ظاهر من ديننا فهو شعيرة من شعائر الله، فالصلاة شعيرة، والذبح شعيرة، والطواف بالبيت شعيرة، والسعي بين الصفا والمروة شعيرة، وإشعار البدن شعيرة، وكل ما هو ظاهر في ديننا ومن أعمال ديننا فهو شعيرة من شعائر الله، فإشعار البدن وتقليدها شعيرة من الشعائر، ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ * لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ * وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ [الحج:٣٢ - ٣٤] لكل أمة من الأمم جعلنا مكاناً وزماناً للتقرب فيه إلى الله، ولكل أمة جعلنا عيداً تتقرب فيه إلى الله، فالمنسك يطلق على هذا كله، على المكان، وعلى الزمان، ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ [الحج:٣٤] أي: عيداً ومكاناً وزماناً للعبادة تتقرب فيه إلى الله. ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج:٣٤] فالمناسك والمواقيت جعلت لتعظيم أوامر الله، وللإكثار من ذكره تعالى، كما قال رسول الله ﵊: (إنما جُعل الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمار، لإقامة ذكر الله ، فهذه العبادات شُرعت فيما شُرعت له، وهذه الأماكن حددت فيما حددت له؛ للإكثار من ذكر الله ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ * الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الحج:٣٤ - ٣٦] والبدن هنا هي: الإبل. (صواف) أي: قائمة على ثلاثة أرجل معقولة الرجل الرابعة اليسرى، وهكذا تنحر. (فإذا وجبت جنوبها) أي: سقطت جنوبها على الأرض. ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الحج:٣٧].

стр. 749

الركوب في الحج أفضل من المشي قال تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج:٢٧] أخبرهم بأن الله تعالى افترض عليهم هذه الفريضة، رجالاً: أي: على أرجلهم. وهنا أورد العلماء سؤالاً: هل الحج على الرجل أفضل أم الركوب أفضل؟ فذهب أكثر أهل العلم إلى أن الحج راكباً أفضل؛ لأن النبي ﷺ مع كمال قوته في الحج حج راكباً ﵊، وذلك حتى يتفرغ الحاج لعبادة ربه، للتهليل والتكبير، والدعاء، والحمد والثناء، فكان هدي رسول الله أنه حج راكباً، حتى أنه صلوات الله وسلامه عليه طاف في بعض ليالي منىً بالبيت العتيق وهو راكب على بعيره، كلما أتى الحجر أشار إليه بعصاه، فطاف ﷺ راكباً، ولم يذكر أنه كان مريضاً، فأُخذ من ذلك أنه ينبغي للعبد أن يقبل على العبادة بنشاط وبجد، فإذا كانت كثرة المشي ستؤثر عليه بهذا الصدد، فحينئذٍ فليحج راكباً وهو الأفضل لفعل رسول الله ﵊ ذلك، ثم إن النبي أيضاً قال في شأن رجل نذر أن يقوم ولا يقعد، ولا يستظل ولا يتكلم، قال ﵊: (إن الله غني عن تعذيب هذا لنفسه). أما قول النبي ﵊: (أجركِ على قدر نصبكِ) فهذا محله إذا لم تستطع الركوب، فلم يكن ما عندك مال يؤهلك لذلك، أما وقد استطعت الركوب فالركوب أفضل ولا يُتعبد بالمشي، فلو كان التعبد بالمشي حينئذٍ مستحباً لفعله نبينا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.

стр. 750

جواز البيع والشراء في الحج قال الله: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج:٢٨] أُخذ من ذلك أن الحاج يجوز له أن يبيع ويشتري ويتعاقد على الأعمال في الحج، وليس في ذلك نقص لحجته. قال تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج:٢٨] أخذ العلماء من ذلك: أنه يستحب الأكل من ذبيحة الأنعام، ومن ثم إذا كان باستطاعتك أن تذبح ذبيحتك بنفسك وتأكل منها فهو أولى ثم أولى، أما توكيل غيرك من الشركات التي تتصرف فيها كيف شاءت، فإنك في الغالب تحرم الأكل من ذبيحتك، وربنا يقول في كتابه الكريم: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج:٢٨]، ومما يدل على استحباب الأكل منها: أن النبي ﵊ كان مجموع الهدي الذي قدمه في الحج مائة من الإبل، نحر بيده ثلاثاً وستين ناقة، ثم أعطى علياً ﵁، فنحر ما بقي، ثم إن النبي ﵊ أمر بقطعة من كل ناقة، فوضعت المائة قطعة في قدر، فأكل النبي ﵊ منها، وشرب من مرقها، فدل ذلك على استحباب الأكل من لحوم الهدي والأضاحي.

стр. 751

عقوبة من أراد الإلحاد في الحرم قال الله: ﴿الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ [الحج:٢٥]. الإلحاد: الميل، الميل حتى إلى المعصية، ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ [الحج:٢٥] والإلحاد -كما سمعتم- الميل، والإرادة محلها القلب، فمن ثمّ قال العلماء: إن من فكر في أذىً للعباد في المسجد الحرام، وفي مكة عموماً، بل وفي عموم الحرم الذي يشمل منى بتمامها وجزءاً من مزدلفة، من فكر في أذى الناس هنالك، ومن خاض في الأعراض كذلك، وهم بذلك ونواه؛ يذقه الله من عذاب أليم، ومن العلماء من أفرط فقال: إن كنت في بلدتك -في أي قطر كنت- ورتبت لأذىً في الحرم فيلحقك نفس الوعيد وأنت في بلدك، إذا كنت تخطط لسوءٍ في الحرم، أو تبيت لمنكر في الحرم، فسيحلقك نفس الوعيد.

стр. 752

تطهير البيت الحرام قال الله: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ [الحج:٢٦] أي: أعلمناه به وأرشدناه إليه، وأنزلناه فيه، ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج:٢٦] مم يطهره إبراهيم ﷺ ؟ قال أهل العلم: يطهره أول ما يطهره من الأوثان التي فيه، وكذلك يُطهر كل مسجد من الأوثان التي فيه، ومن ثم جاء النهي عن اتخاذ القبور مساجد، قال نبينا محمد ﵊: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد) يحذر ما صنعوا، وقال صلوات الله وسلامه عليه: (لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها)، وقال ﷺ في قوم اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد: (أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة، أولئك إذا مات فيهم العبد الصالح بنوا على قبره مسجداً، وصوروا فيه تلك التصاوير)، وقال ﵊: (الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام). قال تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحج:٢٦] أخذ العلماء من ذلك: فضيلة تطهير المساجد بصفة عامة، حتى من الأذى، فتبخير المساجد، وتطيبها فضيلة. كانت امرأة سوداء تقم المسجد فماتت، فقبروها ليلاً، ولم يخبروا النبي ﷺ بذلك، فلما أصبح سألهم عنها، فقالوا: ماتت، وكرهنا أن نوقظك فدفناها ليلاً، فذهب رسول الله ﷺ إلى قبرها فصف أصحابه وصلى عليها مرة ثانية؛ لأنها كانت تقم المسجد.

стр. 753

الحث على اغتنام الأيام المباركة في الطاعات فيا عباد الله! أنتم على مشارف مواسم مباركة، يتقرب فيها إلى الله بذكره بالنحر له، ويتقرب فيها إلى الله بحج بيته الحرام، وبسائر أعمال البر عموماً، فلا تفوتنكم هذه المواسم الطيبة، ولا تفرطوا فيها، فإن أيامكم مرصودة ومحدودة، ولكم آجال لن تؤخروا عنها يوماً ولن تقدموا عنها ساعة، وغداً ستنظر كل نفس ما قدمت من خير أو شر، وستقول نفس: ﴿يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ [الزمر:٥٦]. فلا تجعل أخي عاماً ينصرم وقد غبنت فيه، فما هي إلا سنوات يسيرة وتوضع في قبر موحش مظلم، ليس لك أنيس، ولا جليس إلا عملك الصالح، فلا يفوتنك ذكر الله في هذه الأيام، ولا تبخلن بمال تنفقه في حج بيت الله الحرام، وفي التقرب إلى الله بالأضاحي، وإطعام المساكين، ولا تبخلن بمالٍ تزود به حاجاً يهدي لك عند بيت الله الحرام، وهذه سنة افتقدها الناس: ألا وهي إرسالهم الهدي، فإن لم تحج فأرسل الهدي إلى بيت الله الحرام، فإن نبينا محمداً ﵊ كان يقلد الهدي وهو بالمدينة، ويرسله مع الحجيج كي ينحر عند البيت الحرام، ويتصدق به على المساكين. ومسألة: الأخذ من الشعور والأظفار في العشر الأُول من ذي الحجة: مذهب الشافعي أن ذلك على الكراهة وليس على التحريم، وبعض الشافعية يقولون: لا يمنع أصلاً؛ لأن النبي ﷺ كان يرسل هديه من المدينة إلى مكة ولا يجتنب شيئاً مما يجتنبه المحرم، وستأتي هذه المسألة بتوسع إن شاء الله، فمن لم يستطع منكم الحج وعنده سعة من المال فليرسل مع أي حاج من الحجيج كي ينسك ويهدي له هنالك، فيثاب ويغفر له مع المغفور لهم، إذ من أقرب القربات أن تتقرب إلى الله بإطعام الطعام، فمن كان في سعة فلا يمتنعنَّ من ذلك، وبين الحين والآخر يذبح ذبيحة إن كان موسراً، فيرسل بها هدياً إلى المساكين في الحرم، فيشكر الله منه هذا الصنيع، ويرفعه الله به درجات. لا تغفلوا عباد الله في مثل هذه الأيام عن عمل الصالحات.

стр. 754

أنواع النسك في الحج ونذكر بأن الحج على ثلاثة أنساك: الإفراد، والقران، والتمتع، وفي كل ذلك لزاماً أن تحرم من الميقات، وميقاتنا أهل مصر إذا مررنا بطريق أهل الشام هو: (الجحفة)، وهي قريبة جداً من (رابغ)، أما إذا نزلنا المدينة أولاً ثم توجهنا إلى مكة، فالميقات حينئذٍ هو: (ذو الحليفة)، فإن كنت مفرداً تقول: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، لبيك حجاً، إذا كنت مفرداً تقول: لبيك حجاً، محلي حيث حبستني، وهذا الاشتراط إن خشيت على نفسك أن تنقطع، فعلى سبيل المثال تخشى أن تفقد جواز سفر، أو تخشى من مرض لا تتم معه الحج، فإذا خشيت من أي عائق فلك أن تشترط، فتقول: اللهم محلي حيث حبستني، وذلك لأنك إذا تحللت من إحرامك بعد اشتراطك لا يلزمك دم من الدماء، بل تتحلل ولا شيء عليك، أما إذا لم تشترط فكما قال تعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة:١٩٦]، فإذا لم تشترط وقدر أن فقد منك جواز سفرك وأنت محرم، فحينئذٍ لا يحل لك أن تتحلل من إحرامك إلا بذبيحة تذبحها. وأين تذبحها؟ من أهل العلم من يقول: تذبحها حيث أحصرت، أي: في المكان الذي انقطعت فيه؛ لأن النبي ﵊ لما صده المشركون ومنعوه من دخول الحرم، وكان عند حدود مكة، ومشارفها، ومكان يقال له الآن: (الشميسي)، وهو: بوابة مكة. في الحديبية منع الرسول هنالك وحبس من العمرة، وصده المشركون عن بيت الله الحرام، فأمر أصحابه أن يذبحوا ما معهم من الهدي عند هذا المكان، فكاد بعضهم أن يقتل بعضاً من القهر والحزن؛ لأنهم منعوا عن بيت الله الحرام. فالشاهد: أن جمهور العلماء يقولون: المحصر يذبح ذبيحته في المكان الذي أحصر فيه، ومن العلماء من يقول: إن المحصر يرسل بهديه إلى البيت العتيق، ولا يتحلل من إحرامه إلا بعد أن يتأكد أن الذبيحة قد ذبحت، واستدلوا على ذلك بقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٣٣]، وقوله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح:٢٥] أي: ممنوعاً، وهذا مفسر لقوله تعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة:١٩٦]، فذهب فريق من أهل العلم إلى أن المحرم إذا أحصر لا يتحلل إلا إذا أرسل هدياً وذبح عند المسجد الحرام، والجمهور على أن الذبح يكون في المكان الذي أحصرت فيه، فخشية من الوقوع في هذا الحرج فلتشترط عند إحرامك قائلاً: اللهم محلي حيث حبستني -أي: مكان تحللي في المكان الذي منعت فيه من الحج- ودليل ذلك أن ضباعة بنت الزبير أتت إلى رسول الله فقالت: (يا رسول الله! إني أريد الحج وأنا شاكية -أي: أخشى من المرض، ألا استطيع المواصلة- قال: حجي واشترطي، قالت: كيف أقول يا رسول الله؟ قال: قولي: اللهم محلي حيث حبستني)، فحينئذٍ الإفراد والقران والتمتع يجوز فيها الاشتراط في الحج، ودليله الحديث الذي سمعتم. وأصحاب الرسول ﵊ كانت لهم تلبيات أخرى إضافة إلى تلبية رسول الله ﷺ ، فمنهم من كان يقول: لبيك ذا المعارج لبيك ذا الفواضل، ومنهم من يقول: لبيك حقاً حقاً تعبداً ورقاً، ومنهم من يقول: لبيك إله الحق، لكن نبينا ﵊ لزم تلبيته التي سمعتم قبل، ولم ينكر على من زاد عليها، فكان عدم نكيره بمثابة السنة التقريرية لأصحابه على هذا الصنيع. وإذا كنت قارناً فينبغي أن تكون قد سقت معك الهدي فتقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك عمرة في حجة، فتدخل الحجة مع العمرة وتمضي قائلاً: لبيك اللهم لبيك، بصيغ التلبية المذكورة، فإذا وصلت إلى مكة اعتمرت، فتطوف طواف القدوم، وإن شئت -أيها القارن- أن تسعى سعيت، وإن شئت أن تؤجل السعي مع طواف الإفاضة أجلته، فالقارن والمفرد ليس عليهما إلا سعي واحد، إن قدماه أولاً مع طواف القدوم فلا مانع من ذلك، ولا يلزمهم سعي آخر، وإن أخراه فلهم ذلك، أما المتمتع فيأتي ويطوف ويسعى ثم يتحلل، ثم عليه سعي آخر مع طواف الإفاضة، فالمتمتع عليه سعيان وطوافان، أما القارن والمفرد فليس عليهما إلا سعي واحد. والسعي والطواف ورمي الجمار كل ذلك شعائر؛ جعلت لإقامة ذكر الله، لكن ثم سنن قد تغفل، فمنها: الإكثار من الدعاء على جبلي الصفا والمروة، فهذه سنة مهجورة، والنبي ﷺ كان يطيل الدعاء على الصفا والمروة إطالة شديدة، وكان ﵊ يطيل الدعاء أيضاً كثيراً كثيراً بعد رمي الجمرة الصغرى وبعد رمي الجمرة الوسطى في أيام التشريق، فقد كان يطيل الدعاء هنالك إطالة شديدة، أما جمرة العقبة فليس بعدها دعاء.

стр. 755

تحلل الحاج من المظالم ويلزمنا جميعاً حجاجاً وغير حجاج أن نتحلل من المظالم، وهذا يلزم الحجيج بالدرجة الأولى، فيلزم الحجيج أن يتحللوا من المظالم قبل ذهابهم للحج، فإن الله سبحانه يكفر بالحج الذنوب التي في حقه، أما الذنوب التي في حق العباد فلا تغفر إلا بالتحلل منها. قال النبي ﵊: (يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين)، وقال الله في كتابه الكريم: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم:٤٢]، ويقول ﵊: (من كانت له عند أخيه مظلمة فليتحلل منه قبل أن لا يكون ديناراً ولا درهماً، إنما هي الحسنات والسيئات)، ويقول ﵊: (إذا خلص المؤمنون من النار حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار يتقاصون مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا هذبوا ونقوا أُذن لهم بدخول الجنة)، فلن تدخل الجنة وأنت ملوث بالمظالم، لن تدخل الجنة وأنت حامل لظلمات، ولن تدخلها أبداً إلا إذا تطهرت من ذنوبك. فلزاماً أن تؤدي المظالم إلى أهلها قبل أن تخرج إلى حج بيت الله الحرام. قال النبي ﵊: (الظلم ظلمات يوم القيامة)، والله يقول: (إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا). فلزاماً لزاماً أن تؤدي المظالم إلى أهلها، ولا تستقل شيئاً منها، وقد يكون الظلم في أمر لا تتصوره أن يكون فيه ظلم.

стр. 756

صور من المظالم لقد أورد العلماء أبواباً من الظلم لا تكاد تخطر لأحد منكم على بال، فمما أورده العلماء في أبواب المظالم: أن ترفع بيتك طابقاً عن البيت الذي أمامك، فمن ثم يتأذى من بجوارك، وتجرح جارك، فقيد العلماء رفع البيوت بقيود: أن يكون رفع هذه البيوت لا يجرح من حولك؛ لأن النبي ﵊ قال: (إنما جُعلت الاستئذان من أجل البصر) لا يكاد أحد منا يتصور أن العلماء يوردون في أبواب المظالم: الشرفة والغرفة المرتفعة، ولا تكاد أن تتصور أن العلماء أوردوا في كتاب المظالم حديث رسول الله ﵊: (لا يمنعن جار جاره أن يغرز خشبة في جداره) أورد البخاري وهذا الحديث في كتاب المظالم، من حديث أبي هريرة وكان يحدث بالحديث وكأنه يخشى أن ينكر عليه هذا الحديث، فيقول أبو هريرة: والله وإن أبيتم لأرمين بها بين أظهركم، لأرمين بها، أي: لأرمين بالكلمات التي سمعتها من رسول الله بين أظهركم، شئتم ذلك أم أبيتم، لأن قوماً كانوا يستنكرون ذلك، إذ كيف يلزمني أن أسمح لجاري أن يغرز خشبة في جداري؟ فأورد أبو هريرة عليهم هذا الحديث. وقد أورد البخاري ﵀ في كتاب المظالم من صحيحه حديث النبي ﷺ : (إياكم والجلوس في الطرقات، قالوا: ما لنا بد منها يا سول الله! قال: فإن كان ولابد فأعطوا الطريق حقه، قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: كف الأذى، وغض البصر، ورد السلام) فللطريق حق في الشرع؛ ولأن الكثيرين لا يستطيعون أن يعطوا الطريق حقها سدت الذريعة، فقال ﵊: (إياكم والجلوس في الطرقات) هذا نهي منه ﵊، عن الجلوس في الطرقات. ومن العلماء من أورد في كتاب المظالم أحاديث الرسول ﵊ التي فيها كسر أواني الخمر في الطرقات، وبعضهم علق ترجمة، فقال: هل يجوز لي أن أكسر القدور التي فيها خمر وألقي بها في الشوارع أو لا يجوز ذلك؟ أوردوا في ذلك مباحث فقهية، وحصل أخذ ورد بين العلماء في الجواز من عدمه، والقول بتحريم ذلك حجته أننا سنؤذي المارة، وفي الحديث: (اتقوا اللعانين: الذي يتبول أو يتغوط في طريق الناس أو في مجالسهم) يعني: إذا بلت في طريق الناس أو قضيت حاجتك في طريق الناس لعنك الناس، فكانت هذه من حجة المانعين، وفي إلقاء ذلك في الطرقات أذىً للمارة، والله سبحانه نهى بلفظ عام عن إيذاء المؤمنين والمؤمنات فقال: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب:٥٨]، استدل المجيزون لذلك بأن أصحاب رسول الله لما حرمت عليهم الخمر قاموا إلى الأواني التي فيها الخمر فكسروها في الطرقات، فمن العلماء الأولين من أجاب على ذلك بقوله: إن المصلحة كانت راجحة في هذا الباب، إنما ألقوها في الطرقات للإعلان عن رفضهم للخمر، وللإعلان على أن الخمر قد حرم، ولأن الشوارع كانت متسعة، أما إذا كان المكان ضيقاً فلا يصح لك أن تؤذي المارة، والشاهد من ذلك: أن مثل هذه الأشياء اليسيرة ذكرها العلماء في كتاب المظالم. ومن منا لا يقع في مثل هذه الأمور وهو لا يشعر؟ وأوردوا أيضاً في كتاب المظالم: حديث النبي: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه) وقالوا: الذي لا يكرم الضيف قد ظلم الضيف، فمن ثم قال ﵊: (أيما رجل نزل بقوم ولم يقروه بما ينبغي له، كان له أن يأخذ منهم بقدر قراه) وفي تفسير قوله تعالى: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء:١٤٨] قال فريق كبير من أهل العلم: هذا في الرجل ينزل ضيفاً على قوم فلا يقدمون له ما ينبغي له، فله حينئذٍ أن يتكلم فيهم، وأن يصفهم بالبخل، لكونه حرم حق له، ولكن عفوه أنفع له عند الله، وإن فعل فلا جناح عليه، وهذا قول قوي جداً في تفسير الآية. فلا تستغرب أن مثل هذه الأمور ذكرها العلماء، فكم من شخص ظلم الآخرين وهو لا يشعر! وكم من شخص آذى العباد وهو لا يشعر! فلا يحملنك الشيطان على الأنفة والكبر فلا تطلب من إخوانك أن يعفوا عنك بين يدي سفرك، وبين يدي مماتك، فما منا أحد يضمن نفسه أن يعيش لغد، فإن الله سبحانه قال في كتابه: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان:٣٤]. فيا معشر الإخوة! تتخففوا من الذنوب والأوزار بالأعمال الصالحة والاستغفار، وتخففوا من مظالم العباد بالتحلل ورد المظالم إلى أهلها وطلب العفو منهم. اللهم أعنا على أنفسنا، اللهم أعنا على أنفسنا، واجعلنا من المنتصرين عليها ابتغاء وجهك وابتغاء مرضاتك، اللهم مسِّكْنا بالعروة الوثقى حتى نلقاك، اللهم سلم الحجاج والمعتمرين، واكتب للجالسين بنواياهم الطيبة أجر الحاجين والمعتمرين يا رب العالمين! إنك واسع العطاء إنك كريم جواد، يا رب العالمين! اللهم يا ربنا يا سميع الدعاء انصر المستضعفين من المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها، وارحم أمواتنا وأموات المسلمين، وأقل عثراتنا وعثرات المسلمين، وأختم لنا بخير، واجعل مآلنا إلى خير، وأورثنا جناتك جنات النعيم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 757

وقفات مع فريضة الحج [٢] الحج فريضة الله على عباده لمن استطاع إليه سبيلاً، وينعقد الحج بالنية والتلبية، ولشعائر الحج معان عظيمة، إذ إنها شرعت لإقامة ذكر الله، حتى الهدي والأضاحي ما شرعت إلا لذكر الله.

стр. 758

الحج فريضة لله على عباده بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. وبعد: فوقفات مع فريضة الحج التي هي لله على عباده، كما قال الله في كتابه الكريم: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٧]، فهذه الآية الكريمة هي التي عول عليها جمهور العلماء في إيجاب الحج، فضلاً عن سائر الأحاديث الواردة عن رسول الله ﷺ ، فهذه الآية الكريمة عول عليها كافة أهل العلم في إيجابهم للحج، فلله عليك حق لا بد أن تؤديه إذا استطعت إليه سبيلاً.

стр. 759

التلبية فنقف وقفات مع هذه الفريضة التي هي ركن من أركان الإسلام: تنعقد هذه الفريضة بقول القائل: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، وبعد ذلك إن شئت أن تضيف إليها بعض الإضافات فلتضف، وإن شئت أن تثبت عليها فاثبت عليها ولازمها، فإن النبي ﷺ لازمها واستمر عليها من بداية حجه إلى أن رمى جمرة العقبة الكبرى، فلم يؤثر عنه أنه فارق هذه الصيغة: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، أما أصحابه فكانوا يزيدون أحياناً، فمنهم من يقول: لبيك إله الحق!، ومنهم من يقول: لبيك حقاً حقاً تعبداً ورقاً، ومنهم من يقول: لبيك ذا الفواضل! لبيك ذا المعارج! ولم ينكر النبي ﷺ على أحد منهم. إنما أنكر ﷺ على قوم من أهل الشرك زادوا ما لم ينزل الله به سلطاناً، فكان أهل الشرك يقولون: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك، فكانوا إذا بلغوا إلى قولهم: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، يوقفهم النبي ﷺ ويقول: (يا أيها الناس حسبكم: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك) فيعارضونه ويعاندونه ويزيدون: إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك، فيبطلون أعمالهم بهذه الصيغة، ويوردون أنفسهم النار -عياذاً بالله- خالدين فيها مخلدين بسبب زيادتهم: إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك. فهذا هو الذي أنكره رسول الله ﷺ . إذاً: تنعقد فريضة الحج بالتلبية، ويبدأ الإهلال بالنية المصحوبة بقوله: لبيك اللهم لبيك، أي: إجابة لك -يا رب- بعد إجابة، وسمعاً لك وطاعة يا ربي! ثم سمعاً لك وطاعة، سمعاً لك وطاعة -يا ربي- وحدك لا شريك لك، فطاعتنا لكل شخص إنما هي منبثقة من طاعتنا لله، فطاعتنا للوالدين؛ لأن الله أمرنا بها، وطاعتنا لأولي الأمر؛ لأن الله أمرنا بها، وطاعة الزوجة لزوجها؛ لأن الله أمرها بها، قال تعالى: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء:٣٤]. الشاهد من ذلك: أن كل طاعة تصدر منا، وكل توقير يصدر منا لأحد، فهو لأن الله أمرنا بذلك، فامتثلنا أمره سبحانه، وإن حدث نزاع بيننا وبين شخص فالمرد إلى الله والمرجع إليه سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء:٥٩]، وطاعتنا لنبينا محمد ﵊ إنما هي منبثقة من طاعتنا لله ، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور:٥٤]، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء:٦٤].

стр. 760

معنى التلبية يحرم الحاج بقوله: لبيك اللهم لبيك أي: إجابة لك -يا رب- بعد إجابة، إذ دعانا خليلك ﷺ ، وإذ أذن فينا بالحج، فأتيناه رجالاً وعلى كل ضامر، أتيناه من كل فج عميق، أتينا يا ربي سامعين لك وملبين لنداء خليلك ﷺ ، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، الناس غير مبتغين وجهاً غير وجهك يا ربنا! لبيك لا شريك لك، كلمة التوحيد: لبيك اللهم لبيك، سمعاً وطاعة لك -يا رب- إذ ناديتنا، ثم بعد ذلك السمع والطاعة لرسول الله إذ الله أمرنا بطاعة رسوله محمد. لبيك لا شريك لك لبيك، سمعاً وطاعة لك يا ربنا! ثم سمعاً وطاعة لنبيك إبراهيم ﵇، ثم سمعاً وطاعة -يا ربنا- لنبيك محمد، لا شريك لك، لا نبي يشاركك، ولا ولي يشاركك في ملكك يا ربنا! أنت وحدك لا شريك لك، لبيك لا شريك لك لبيك، فلذلك لا نقول للسيد البدوي بعد موته: لبيك يا سيد يا بدوي أبداً، ولا نقول أبداً: لبيك يا حسن ويا حسين، بعد موتهم، ولا لأي شخص كائناً من كان بعد أن مات، ولا نهل له بالحج أبداً، حتى الذين يزورون قبور الذين يزعمون أنهم أولياء لله، ويطوفون بها، عند حجهم لا يهلون لهم كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٦٧] فالذي يزور السيد البدوي ويتبرك به، في حجه لا يقول أبداً: لبيك يا سيد يا بدوي، لا يقول ذلك أبداً بحال من الأحوال، وقد ورد في حديث في إسناده كلام، أن النبي قال لوالد عمران بن حصين لما جاء يسلم: (كم تعبد من إله يا عمران؟ قال: سبعة ستة في الأرض وواحد في السماء، فقال: من الذي تعد لرغبتك ولرهبتك؟ قال: الذي أعده لرغبتي ورهبتي الذي في السماء) فمن هنا ألزمه رسول الله ﵊ أن يسلم. فقال النبي ﷺ وهو يعلم مناسك التوحيد: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك) ختمت التلبية أيضاً بلا شريك لك؛ لتأكيد التوحيد، وللتأكيد على كلمة التوحيد لأنها معقد الإسلام، وبها ينجو الشخص من الخلود في النار، وبها يحاجج لك رسولك محمد ﷺ عند ربك. قال النبي ﷺ لـ أبي طالب: (يا عمي! قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله أي: بها تنال شفاعة النبي ﷺ ، وقال ﵊ لما سُئل من أحق الناس وأولى الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: (من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه). فأكثروا من قولها -يا عباد الله- حتى تكون سبباً في نجاتكم يوم القيامة، وتنالون بها رفعة الدرجات، فهي أعلى شعب الإيمان كما قال النبي ﷺ : (الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق) بين ذلك أعمال وأذكار وطاعات، وأعظم شعب الإيمان كلها قول: لا إله إلا الله، فأكثروا منها، فهي خير ما قاله النبي محمد ﵊، وخير ما قاله النبيون من قبله.

стр. 761

فضائل الكعبة بعد التلبية تشد الرحال إلى بيت الله الحرام الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ [آل عمران:٩٦] فليس هو بيت المقدس كما زعم الإسرائيليون، إنما كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٩٦] كي يعبدوا فيه ربهم ويتقربوا إليه، وقد سُئل رسول الله ﷺ : أي مسجد وضع للناس أول يا رسول الله؟ قال: (المسجد الحرام، قيل: ثم ماذا؟ قال: ثم المسجد الأقصى، قيل: كم بينهما؟ قال: أربعون سنة، وحيثما أدركتك الصلاة فصل) هكذا قال رسولنا محمد ﵊. قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ [آل عمران:٩٦] وجه البركة فيه: ما ذكره النبي ﷺ إذ قال: (اللهم إن إبراهيم دعا لمكة أن تبارك في مدها وفي صاعها، وأنا أدعوك للمدينة كما دعا إبراهيم لمكة: أن تبارك لنا في صاعنا وفي مدنا وفي ثمرنا، وأن تجعل لنا ضعف ما لمكة من البركة) هذا وجه من البركة. ووجه آخر: أن الصلاة في المسجد الحرام تعدل مائة ألف صلاة فيما سواه من المساجد. ووجه ثالث: أن به زمزم، وهي: (طعام طعم وشفاء سقم) كما قال النبي ﷺ . ووجه رابع: أن من دخله كان آمناً، فمكة لا ينفر صيدها، ولا يعضد شوكها، ولا تحل لقطتها إلا لمنشد، ولا يُختلى خلاها، ولا يقطع فيها الحشيش الذي ينبت على الأرض، وكل هذا من تحريم الله لمكة، ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٩٦] به تهتدي، ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ [آل عمران:٩٧]، أي: دلالات واضحات. ما هذه الدلالات؟ ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران:٩٧] فيه مقام إبراهيم، ففي هذا المقام تتذكر أئمة الهدى الذين أُمرنا بالاقتداء بهم، فلكل فريق إمام، سواءً كان كافراً أو مؤمناً، ونحن أهل الإيمان أئمتنا أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم، فعليهم نصلي ونسلم، وبهم نتأسى ونقتدي، وعلى دربهم ونهجهم ومعتقدهم نسير، قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ * وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام:٨٣ - ٩٠]، هؤلاء الذين أُمرنا بالاقتداء بهم، وهم سلفنا وأئمتنا، وأكبر أئمتنا هذا الرهط الكريم المبارك، ثم خاتمتهم محمد ﷺ ، فهؤلاء أئمتنا نصلي عليهم ونسلم، وبهم نتأسى ونقتدي صلوات الله وسلامه عليهم. فنتذكر هذا الموكب الكريم الذي سبقنا بإحسان وببر وبصلاح، وختم حياته بخير، متجهاً إلى ربه، لقد ماتوا على التوحيد الذي اصطفاه الله لهم واختارهم له، وأوصونا جميعاً به، ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٢]، ونتذكر أئمتنا الذين حلوا ونزلوا بهذه المواطن الكريمة، والذين طافوا حول الكعبة، والذين سعوا بين الصفا والمروة، الذين فُجرت لهم زمزم، الذين صلوا في مسجد الخيف، فقد صلى في مسجد الخيف سبعون نبياً، نتذكر هؤلاء الأئمة، ومن ثم نقتدي بهم ونقتفي أثرهم، سائلين الله أن يجمعنا جميعاً بهم عليهم الصلاة والسلام. أما أئمة الضلال فأئمتهم: فرعون، وهامان، وقارون، وأُبي بن خلف، وأبو جهل بن هشام، وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة، وقوم تبع، وأصحاب الأيكة، وثمود، وعاد، وإخوان لوط، فهؤلاء هم أئمة أهل الكفر، فهم يتلاعنون فيما بينهم، أما نحن أهل الإيمان فبيننا تراحم، ونترحم على سلفنا، ونصلي على أنبياء الله ونسلم، ويستغفر لنا بعد موتنا من تبعونا بإحسان إلى يوم الدين، قال نوح ﵇: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾ [نوح:٢٨] وهذا من محاسن هذا الدين القيم، فمن سبقونا نصلي عليهم ونترحم، ومن يأتون بعدنا يصلون علينا ويترحمون علينا، ثم يوم القيامة نحمد الله على هذا الصنيع، نحمد الله الذي هدانا له وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا إليه، ثم نحمده لإخواننا الذين كانوا سبباً في هدايتنا. أما أهل الغواية فيوم القيامة يكفر بعضهم ببعض، ويلعن بعضهم بعضاً، ومأواهم النار وما لهم من ناصرين ﴿الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧].

стр. 762

عبرة وعظة من استسلام إبراهيم ﵇ لربه عند توجهنا إلى بيت الله الحرام نتذكر أئمتنا كيف كان استسلامهم لربهم وخالقهم سبحانه؟ وكيف كان استسلام إبراهيم ﵇ إذ أمر أن يطرح ولده إسماعيل، وهو طفل رضيع لا يجري ولا يسعى، وأمه هاجر امرأة ضعيفة مستضعف، فيلقيهما إبراهيم ﵇ في أرض موحشة قفر، ليس لهم فيها أنيس ولا جليس، وينصرف عنهم ﷺ ، فتقول هاجر: يا إبراهيم! إلى أين تذهب وتتركنا في هذا المكان؟ ولم يكن ثم بيت لله ظاهر، ولم تكن الكعبة قد بنيت، فمعالم الحرم مندثرة تماماً، فتركهم إبراهيم في جبال مكة عند ماء زمزم الآن، وليس ثم ماء، وليس ثم أنيس، ولا جليس، وتركهم إبراهيم ﵇ على هذا النحو وعلى هذا المنوال، فنظرت هاجر المرأة الضعيفة إلى إبراهيم وهو ينصرف عنها وعن ولدها الرضيع الصغير فقالت: يا إبراهيم! إلى أين تنصرف؟ ولمن تتركنا؟ قال: أترككم لله، فقالت: آلله أمرك أن تنزلنا هذا المكان وتنصرف؟ قال: نعم، ومضى متجلداً أمامها، ثم لما اختفى عن عينيها رفع يديه إلى السماء: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم:٣٧] فاستجاب الله دعاءه، وعطشت هاجر عطشاً شديداً هي ووليدها، فطفقت تسعى بين الصفا والمروة ذاهبة وعائدة، تبحث عن الماء ولا تجد ماءً، حتى ضرب ولدها الأرض برجله فتفجرت زمزم ينبوعاً. قال أبو هريرة: فتلك أمكم يا بني ماء السماء. وتفجر الماء المبارك ماء زمزم، فأتاها الناس إذ رأوا الطير تحوم حول الماء، وأنزلوها منزلاً كريماً، وكفاها الله وولدها شر ما أهمها، وأزال الله عنها الحزن بعد أن كادت أن تهلك، فرحمها الله، عليها سلام الله هي وولدها وزوجها. فانظر إلى امتثال إبراهيم ﵇ لأمر الله ، فقد ترك ولده وأم ولده ممتثلاً لأمر الله، ولتلتمس نساؤنا هدياً من هاجر إذ سألت زوجها: آلله أمرك بهذا؟ فقال: نعم. قالت: إذاً لا يضيعنا! فما ضيعها الله بعد أن أحسنت الظن بالله سبحانه. نمتثل هدياً، نمتثل استسلاماً لله، إذ يؤمر إبراهيم الشيخ الكبير بأن يذبح ولده، وقد رزقه الله إياه بعد زمن طويل، ثم يؤمر بذبح الولد، قائلاً: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات:١٠٢] لم يكن إسماعيل عاقاً أبداً فقد قال: (افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ)، هكذا قال إسماعيل، ففداه الله سبحانه بذبح عظيم، فلنحيي سنة الأضاحي امتثالاً لأمر نبينا واتباعاً لسنة إبراهيم ﵇، إذ فدى الله ولده بذبح عظيم.

стр. 763

مقام إبراهيم ﵇ هذه المعالم كلها نستمدها من الذهاب إلى هذه الأماكن المباركة: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ [آل عمران:٩٦ - ٩٧] أي: واضحات، منها: مقام إبراهيم ﵊، ومقام إبراهيم هو: صخرة كان إبراهيم ﵇ يقف عليها ليبني عالي الكعبة بعد أن ارتفع البناء، فكان يقف عليها ويناوله إسماعيل الحجارة، وكان المقام ملصقاً بالكعبة، وكان فيه أثر قدم إبراهيم، وربنا على كل شيء قدير، فأثرت قدم إبراهيم في الحجر، ثم بقي هذا الأثر إلى زمن رسولنا محمد ﷺ ، وكان أبو طالب يستشهد به على نبوة النبي محمد ﷺ ؛ إذ كانت قدم النبي محمد مماثلة تمام التماثل لقدم إبراهيم ﵇، فكان أبو طالب يستشهد بذلك على نبوة النبي محمد ﷺ ، قال ﵊: (ورأيت إبراهيم فإذا أشبه الناس به صاحبكم) يعني: نفسه ﷺ . فلما جاء عمر أخر المقام أمتاراً عن الكعبة، وهي المسافة التي ترونها بين المقام وبين الكعبة الآن، فإذا ذهبنا إلى هذه الأماكن نصلي خلف المقام، ونتذكر نبي الله إبراهيم. أما أهل الغواية فإلى أين يذهبون؟ يذهبون إلى مقابر الفراعنة، وإلى أهرامات الكفار المتسمون بـ (خوفو وحفرع ومنقرع) هؤلاء أهل كفر وضلال وغواية، فأي ذكرى تنفع من زيارة هؤلاء الكفار الذي ماتوا على الكفر؟ وقد قال نبينا محمد ﵊ في شأن قوم ثمود: (لا تدخلوا على هؤلاء القوم إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل ما أصابهم). إن رؤية أماكن الخير تذكرنا بالخير، وإن رؤية أهل الفضل تذكرنا بالفضل، وإن رؤية أهل القرآن تذكرنا بالقرآن، أما رؤية أهل الكفر فماذا عساها أن تذكر؟ وما عسانا أن نتذكر إذا رأينا صنماً لأبي الهول أو هرماً لخوفو؟ ماذا عسانا إن اللبيب يتذكر أن هؤلاء أئمة ضلال، ماتوا على الكفر إلى غير رحمة الله، فصاروا إلى الجحيم عياذاً بالله منها.

стр. 764

تواضع النبي ﷺ في الحج نستشغر في هذه المواطن التواضع لله، فقد كان النبي ﷺ يرمي الجمرة، ويقول بعض أصحابه: رأيت النبي ﵊ يرمي جمرة العقبة، لا ضرب ولا طرد ولا إليك إليك. أي: لا توسع له الطرق، ولا يضرب الناس ولا يطردون الناس من أجله ﷺ ، بل كان يمشي ﵊ متواضعاً مع الماشين، لا يطرد الناس من حوله، ولا يضرب الناس من أجله، إنما يأتي وقوراً متواضعاً لله خاشعاً له، يرمي الجمرة كما يرميها الناس، منه يتعلم الناس وبه يقتدون، ويلتمسون منه التواضع، يلتمسون منه صحيح العبادة والنسك، فيمتثلون أمره، ويقتفون أثره ﵊. فنلتمس من رسولنا التواضع، وعدم الزحام، وعدم أذى العباد، فالرسول ﵊ كان يطوف بالبيت، فإن استطاع أن يستلم الحجر بيده فعل ولا يزاحم، وإن لم يستطع أشار إليه بمحجنه ثم انصرف ﵊، لا يزاحم الناس ولا يؤذيهم، وعند دفعه ﷺ من عرفات إلى مزدلفة كان الناس يتسارعون ويتسابقون فعلمنا صلوات الله وسلامه عليه هدياً في ذلك فقال: (أيها الناس! عليكم هدياً قاصداً، أيها الناس! السكينة السكينة -أي: الزموا السكينة- ليس البر بالإيضاع) أي: ليس البر بالإسراع وإنما الزموا السكينة، (كان يمشي بوقار وإذا وجد فجوة من الفجوات أسرع ونط) أي: قفز ﵊، فلم يكن رسولنا محمد ﵊ يزاحم ولا يلقي بيديه إلى التهلكة. وقف ﷺ في عرفات الصخرات وقال: (وقفت ها هنا، وعرفة كلها موقف)، ووقف عند المشعر الحرام بمزدلفة وقال: (وقفت هاهنا، وجمع كلها موقف)، مر ﵊ في طريقه من مزدلفة إلى منى بوادي محسر فأمر أصحابه بالإسراع وعدم التباطؤ عند هذا الوادي، فلماذا ينهى الرسول ﷺ أصحابه عن المكث في وادي محسر، ويأمرهم بالإسراع عند المرور به؟ قال علماء السير: إن وادي محسر هو: الوادي الذي عذب عنده أبرهة الحبشي، ومنع من دخول الحرم، وهنالك أرسلت عليه طيراً أبابيل، ترميه وأصحابه بحجارة من سجيل، فلم يرد النبي ﷺ أن يقف في هذا الوادي وهذا الوادي يقع على مشارف منى من ناحية مزدلفة. ومن ثم ينبغي ألا يمكث الحجيج في هذا الوادي الذي نهى الرسول ﵊ عن المكث فيه، والإطالة فيه، فعنده أهلك أبرهة، وكان الفيل قد حبس فامتنع من دخول مكة، وكان أبرهة متجهاً إلى مكة من ناحية عرفات، فإنه قدم من اليمن ومر بالطائف، وكان يريد دخول مكة من ناحية عرفات، فامتنع الفيل عن الدخول، وكان الفيل يضرب بالحديد كي ينهض ويدخل مكة فيأبى إباءً شديداً أن يدخل مكة، وهذا من قضاء الله وتدبيره أن تمتنع هذه الدابة من دخول مكة. ولذلك لما قدم رسولنا محمد ﵊ يريد دخول مكة، وعلا مشارف مكة امتنعت ناقته القصواء من دخول مكة، فكان الناس يضربون ناقة الرسول ﷺ التي تسمى القصواء كي تدخل مكة، والناقة لا تتحرك! فقال المسلمون: خلأت القصواء وليس ذاك لها بخلق، أي: لا ينبغي أن تمتنع القصواء من دخول مكة، فقال ﵊: (كلا والله. والله ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل) أي: حبسها الله من دخول مكة، ثم دخل ﵊ مكة عليها، وأمر أن يدخل مكة من طريق معينة، وتذكر ﵊ وهو داخل مكة مقولة حسان بن ثابت عندما أخرج من مكة، فقال أبياتاً من الشعر يتصبر بها: فقدت بنيتي إن لم تروها تثير النقع مطلعها كداء أي: فقدت ابنتي -يا معشر المشركين- إن لم تروا خيلنا ترجع إليكم غازية لكم، وتثير الغبار متجهة لكم من كداء، تذكر النبي ﷺ مقولة حسان تلك فامتثلها ودخل من ناحية كداء فاتحاً مكة، صلوات الله وسلامه عليه. كل هذه المعاني نتذكرها ونحن داخلون إلى مكة، فهي معان ينبغي أن نتذكرها، ثم نهتدي بها، كما قال تعالى: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران:٩٧]، نأخذ من الحج الامتثال لأمر الله، فنحن نرمي الجمرات، وما ندري لماذا نرميها؟ وما ندري لماذا نرميها بسبع؟ ورد أثر لذلك، أنه لرمي إبراهيم الشيطان، إلا أن الأثر ليس بمرفوع إلى الرسول ﵇، ونرمي الجمرات، ولا ندري لم نرم، ونطوف لا ندري لم نطوف سبعاً ولا نطوف تسعاً، والحكمة الامتثال لأمر الله، والامتثال لهدي رسول الله ﵊.

стр. 765

الحكمة من تشريع الشرائع عباد الله: التمسوا من حجكم المتثال والسمع والطاعة لله ثم لرسول الله ﵊: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور:٥٤]، فإن الأنساك والشعائر إنما شرعت لإقامة ذكر الله، وكذلك المواسم عند أهل الإسلام إنما شرعت لإقامة ذكر الله، وكذلك الأماكن إنما فضلت لذكر الله فيها، فالأزمنة والأمكنة ما فضلت لكبير شيء؛ إلا لأن الله يذكر فيها. قال تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج:٣٤] فالأنساك، والأعياد، والمواسم، والذبائح، والصلوات، والحج، والجهاد، والصيام؛ كل ذلك شرع لإقامة ذكر الله ، فالصلوات شرعت لإقامة ذكر الله، قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه:١٤] أي: لتذكرني فيها، وقال تعالى في بيان حكمة شرعه للجهاد: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [الحج:٤٠] فالجهاد إنما شرع لإقامة ذكر الله، وكذلك الذبائح والأضاحي التي نتقرب بها إلى الله، نتقرب بها لذكره، ﴿لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة:١٨٥]، ولذلك قال فريق من أهل العلم في الآية الأخيرة: إذا نذرت أن تذبح كبشاً فلا يجزئ أن تشتري مائة كيلو لحم وتتصدق بها؛ لأن ذبح الكبش فيه ذكر الله.

стр. 766

فضيلة عشر ذي الحجة أيها الأحبة: المواسم والأعياد شرعت لإقامة ذكر الله، وهذه العشر من ذي الحجة يوشك هلالها أن يرى الليلة أو في الغد، فهي عشرة أيام من أشرف أيام السنة كلها، بالنص من سنة رسول الله، أو قول راجح عند جمهور المفسرين في الآية، أما الآية فإن الله أقسم بها: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر:١ - ٢] يقسم الله بعظائم الأمور في كتابه الكريم، ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر:١ - ٢]، أما النبي ﷺ فقال: (ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه العشر -يعني: العشر الأول من ذي الحجة- قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله يا رسول الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا أن يخرج أحدكم بنفسه وماله ثم لا يرجع من ذلك بشيء). هل هلال هذه العشر أو كاد أن يهل، ونسأل الله أن يهله علينا جميعاً بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، والتوفيق لما يحب ويرضى من صالح القول وصالح العمل وصالح النوايا، فهي نعمة من الله أن يبلغك مواسم تتقرب ففيها إليه، فيها تغفر الذنوب وتحط الخطايا، وهذه نعمة من الله أن يبلغك هذه العشر، ويفتح لك فيها أبواباً للطاعات، ويضاعف لك الثواب، فإذا كان ثواب التسبيحة في يوم من الأيام بحسنة أو بعشر حسنات، فثواب التسبيحة في هذه العشر أضعاف مضاعفة، وثواب التهليل أضعاف مضاعفة، وثواب التكبير كذلك، ولا يعلم قدر تضاعف للثواب في هذه الأيام إلا الله . فلا ينبغي أبداً أن تغبن وتبخس في هذه الأيام، ولا ينبغي أن تغفل عن الذكر فيها، فقد كان أصحاب نبينا ﷺ في هذه الأيام يكبرون ويهللون، ويحمدون ويسبحون، فقد أخرج البخاري تعليقاً عن أبي هريرة وابن عمر أنهما كانا في هذه العشر يخرجان إلى الأسواق يكبران ويهللان ويذكران الله ، وهذا معروف عن ابن عمر أنه كان يخرج إلى الأسواق يذكر الله ويذكر به على مدار السنة، لكنه كان يكثر الخروج في هذه الأيام، وكان يخرج في بعض أوقات السنة إلى الأسواق أحياناً لمجرد إلقاء السلام على الناس، فيغنم الحسنات، ويغنم من رد ﵇ الحسنات. فيا عباد الله! كان سلفكم الصالح يكثرون من التحميد والتهليل، والتكبير والتمجيد، والتسبيح، وعموم الذكر في هذه الأيام، وكذلك تلاوة القرآن، فإن كان لك من كتاب الله ورداً تقرأ مثلاً جزءاً، فلتقرأ في هذه العشر جزأين، إن كان لك في يومك مائة تسبيحة فلتجعلها مائتين أو ثلاثمائة، وما تفعل من خير فلن تكفره. أدب اللسان بعض الشيء في هذه الأيام، قل: كفاك أيها اللسان لغواً، وخوضاً في القيل والقال، كفاك أيها اللسان طول العام خوضاً في الأعراض، فلتكثر أيها اللسان من ذكر الله فإنك مسئول وناطق أمام الله ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور:٢٤]. فيا عبد الله! كفاك لغواً، وقيلاً وقال، وكفاك مزاحاً وكثرة كلام طول العام، فهذه الأيام أجمع فيها القلب والعقل والفؤاد على ذكر الله ، كفاك مزاحاً وجلوساً في الطرقات، فاغتنم هذه الأيام بما تكفر به ذنوبك وتحط به خطاياك، فهذه الأيام ستنصرم، بل ستنصرم الدنيا كلها، فلا تخرج منها وأنت مغبون، فالخاسر من خسر نفسه، والهالك من نسي نفسه، فزك نفسك: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس:٩ - ١٠] زك نفسك في هذه الأيام، زك لسانك وبصرك، ووزكِ فؤادك وخطاك فإن هذه الأيام سترد ثم ستنصرم غداً. أما الصيام في هذه العشر فلأهل العلم فيه قولان: ورد عن أمنا عائشة ﵂ كما في صحيح مسلم أنها قالت: (ما صام النبي ﷺ العشر قط) فاستدل به على أنه لا يسن صيام العشر، وورد حديث آخر من طريق راو يقال له هنيدة عن بضع أزواج النبي أنها قالت: (ما ترك رسول الله صيام العشر)، ومن ناحية الإسناد فحديث عائشة أصح، ومن العلماء من جمع بين الحديثين وقال: فلتصم أحياناً ولتترك أحياناً، هذا إذا سلمنا بصحة الخبرين معاً، فنقول: إن كل زوجة أخبرت بما علمت، فيكون النبي ﷺ قد صام أحياناً وترك أحياناً، وهذا جمع ممكن وحسن، والله ﵎ أعلم.

стр. 767

الأضاحي أيها الأحبة: أنتم على مشارف العشر، وقد قال الله في يوم منها وهو يوم النحر: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:٢]، والخطاب وإن كان موجهاً لرسولنا محمد ﷺ إلا أن المسلمين أخذوا من ذلك سنة متبعة عامة، وهي سنة الأضاحي: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:٢] أي: وانحر لربك، فإذا كنت موسراً فأنفق في هذه السبل، والقربات فهي خير ما تنفق فيه الأموال، والله لأن تنفق مالاً في أضحية خير من أن تنفقه في بدلة وفي كرفته، ولأن تنفق مالاً في أضحية خيرٌ من أن تنفق مالاً في غير قربة، ولأن تنفق مالاً في حج خير لك من أن تنفقه في سيارة فخمة، وقد تغني عنك سيارة تقوم بالغرض، فلتؤجل شراء السيارة الفخمة، فإنفاقك في الأضاحي -إن كنت موسراً ووسع الله عليك- إحياء لسنة إبراهيم ﵇، وإحياء لسنة نبيك محمد ﵊. وفي هذه الأضاحي ذكر لله، ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة:١٨٥] فغيرك يهل بآلهة أخرى، فليس المراد فقط أنك تقول عند الذبح: باسم الله والله أكبر، وفي هذا ثواب بلا شك، ولكن الإهلال نفسه لله فيه أجر، ففيه إقرار بالتوحيد، وبالذبح لله وحده، فعندما تقول: باسم الله والله أكبر على الذبيحة فأنت مأجور أجراً أعظم ثم أعظم ثم أعظم من رجل يقول: باسم الله والله أكبر، في موطن آخر، وقد يقول قائل: أنا أقول: (باسم الله والله أكبر) في أي وقت فما الفضل الزائد في كوني أقول: (باسم الله والله أكبر) على الذبيحة؟ نقول: إن هذا إقرار بتوحيدك وإخلاصك لله، فإن أهل الكفر يسمون باسم اللات أو العزى أو مناة الثالثة الأخرى، والنصارى يهلون لغير الله، وكذلك عموم أهل الكفر، أما قولك عند الذبح: باسم الله والله أكبر، فهو دال على توحيدك وإخلاصك لله، فالأجر في ذلك أعظم. ثم إن الله قال: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا﴾ [الحج:٣٧] أي: الله ليس في حاجة إلى طعامكم ولا إلى شرابكم أبداً سبحانه، فهو الغني له ما في السماوات وما في الأرض، ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج:٣٧] هذا كلام ربنا، فإذا قست الأمور بالمقاييس المادية خبت وخسرت، فعموم الناس -إلا من رحم الله- يزنون الأمور بميزان المال والدنيا، لكن إذا وقفنا مع ربنا ومع آيات ربنا علمنا أن الميزان هو التقوى، ماذا فعل ابني آدم؟ كلاهما قرب قرباناً، فهذا تقرب إلى الله بقربان، وهذا تقرب إلى الله بقربان، لكن التقي الذي استعظم القربان، وطاب نفساً به، فأخرجه غير شحيح به، بل أخرجه متقرباً به إلى الله محباً لذلك، وُقِي شح نفسه، وأخلص لله في ذلك كله، ورجا بالقربان التقرب إلى الله كما هو مفهوم القربان؛ فتقبل منه، أما الذي قرب وهو شحيح، وذبح وهو شحيح، يمد رجلاً ويؤخر الأخرى، يمد يداً ويؤخر الأخرى، يقول: أنا أولى، زوجتي أولى، ثم قد يمتنع، فهذا الله غني عنه وعن قربانه. إذا قست الأمور بالمقاييس الشرعية تجد أن الأمم من قبلنا كان إذا غنم نبيها غنيمة يجمع كل الغنائم التي غنمها من الكفار في مكان واحد، فتنزل نار من السماء تلتهم الغنيمة كلها، فماذا يكون حال ذلك النبي حينئذٍ؟ يسعد أيما سعادة هو وأصحابه، ويفرحون أشد الفرح إذا نزلت النار وأكلت هذه الغنائم، فهذا دليل على قبولها، ومن ثم قال اليهود للرسول ﷺ كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران:١٨٣] جاءت أنبياء اليهود بهذا ومع ذلك قتلتهم اليهود، فاليهود قوم بهت، وفي بعض الآثار أن اليهود قتلوا ثلاثمائة نبي في صبيحة واحدة، ثم قاموا إلى السوق آخر النهار يبيعون العدس والفول ولم يبالوا بما فعلوا!! الشاهد: أن من قبلنا كان أحدهم يفرح إذا تقرب بقربان وقبل منه، قال نبيكم محمد ﵊: (غزا نبي من الأنبياء -وفسر هذا النبي بأنه يوشع بن نون ﵇ فأوشكت الشمس على الغروب فقال: يا شمس! إنكِ مأمورة وأنا مأمور، أنتِ مأمورة بالغروب، وأنا مأمور أن افتح البلدة قبل غروبك، اللهم احبسها علينا، فحبست الشمس إلى أن فتح البلدة ثم قال: ائتوني بالغنائم، فأتوه بالغنائم، فجمعها في صعيد ولم تنزل النار لالتهامها وأكلها! فقال لأصحابه: أيها الناس! إن فيكم رجلاً قد غل -أي: سرق من الغنيمة- فليبايعني من كل قبيلة منكم رجل، فبايعه رجلٌ رجلٌ من كل قبيلة، فلصقت يده بيد رجل منهم، فقال: في قبيلتك الغلول، فلتبايعني قبيلتك رجلاً رجلاً، فبايعوه، فلصقت يده بيد رجل منهم فقال: عندك الغلول؟ قال: نعم يا نبي الله! فذهب وأتى برأس بقرة من ذهب كان قد أخفاها من الغنيمة، فأخذها النبي ووضعها في الغنائم، فنزلت النار والتهمتها). فالشاهد من ذلك: أننا لا ينبغي أن نقيس الأمور بمقاييس الدنيا أبداً، فالمال مال الله، وما أنفقت من شيء فالله يخلفه، ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ:٣٩] قد قال الله: (يا ابن آدم! أنفق أنفق عليك، يا ابن آدم أنفق أنفق عليك). فإذا كان بوسعك أن تشتري أضحية تستعظم هذه الأضحية وتسمنها ثم تتقرب بها تقرباً جميلاً إلى الله؛ فلا تبخل عن نفسك، ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [محمد:٣٨] ولتطعم منها الفقراء، والمحتاجين فكم من رجل لا يكاد يأكل اللحم إلا في هذه المواسم، وكم من رجل ينتظر صدقتك في مثل هذا الموسم؟! كم من رجل ينتظر اللحم الذي ما ذاقه طول العام هو وأولاده وينتظرون قطعة تسوقها إليهم؟ فلا تحرم نفسك الأجر، ولا تحرم الفقراء والمساكين الطعم، وكما تقدم فالله قال: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج:٣٧].

стр. 768

ما يسن لمن أراد أن يضحي معشر الإخوان! يسن لمن أراد أن يضحي ألا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئاً إذا دخلت هذه العشر، على المذهب الصحيح من أقوال العلماء، لقول رسول الله ﷺ : (إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئاً)، وهل أهل بيت الرجل يلتحقون به في هذا الحكم؟ بمعنى: إذا كنت -يا رب البيت- تريد أن تضحي فهل أهلك أيضاً يمتنعون من أخذ شيء من الشعور والأظفار في هذه العشر؟ يرى فريق من أهل العلم أنه كما أن الأضحية تجزئ عن الرجل وأهل بيته، فكذلك يلزم الرجل وأهل بيته جميعاً ألا يأخذوا منها شيئاً من باب المقابل والقياس، فقالوا: ينبغي ألا تأخذ من شعرك ولا من أظفارك شيئاً إذا كنت تريد أن تضحي، وأهل بيتك كذلك، هذا قول. والقول الآخر: أن أهل البيت يستثنون، والأول أحوط وأقرب إلى الأقيسة، والله ﵎ أعلم. وهذا الحكم استثني منه الحجيج بلا شك، إذ الرسول ﵊ وصل إلى مكة الرابع من ذي الحجة، وأمر أصحابه الذين اعتمروا عمرة التمتع أن يتحللوا ويقصروا من شعورهم، فليعلم إخواننا الحجيج المتمتعين أن عمرة التمتع السنة فيها التقصير، وهذا بالنسبة لعمرة التمتع خاصة، لأنه سيأتي عليك الحلق في الحج، وحديث: (غفر الله للمحلقين ثلاثاً) هو في غير عمرة الحج. هذا، ونسأل الله سبحانه أن يلهمنا وإياكم ذكره وشكره وحسن عبادته في هذه الأيام، قال النبي ﵊: (أتحبون أن تجتهدوا في الدعاء؟ قولوا: اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، اللهم أهل علينا هلال ذي الحجة بأمن وإيمان، وسلامة وإسلام، وتوفيق لما تحب وترضى. اللهم ارفع الضر عن المتضررين من المسلمين، وارفع البأساء عن البائسين من المسلمين يا رب العالمين! اللهم انصر المستضعفين من عبادك المسلمين في كل البقاع، وارحم أموات المسلمين، ونور قبورهم، وافسح لهم فيها يا رب العالمين! وغنمنا حياتنا قبل الممات، وتوفنا مسلمين. وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد.

стр. 769

تفسير سورة الفاتحة [١] فضائل سورة الفاتحة كثيرة، منها: أنها أعظم سورة في القرآن، وقد احتوت على أنواع التوحيد الثلاثة، ولم ينزل في التوراة ولا الإنجيل مثلها، ولا تجزئ العبد صلاته إلا بقراءتها، ولها فوائد وأحكام ومعان عظيمة جعلتها هي السبع المثاني والقرآن العظيم.

стр. 770

مسائل تتعلق بسورة الفاتحة

стр. 771

تفاضل بعض السور على بعض وقوله ﷺ : (لأعلمنك أعظم سورة في كتاب الله) يدل على تفاضل بعض السور على بعض، أو على فضل بعض السور على بعض، وإن كان القرآن كله من عند الله سبحانه إلا أن بعضَ الآيات تفضُل بعضاً، وبعضَ السور تفضُل بعضاً. قال النبي ﷺ لـ أبُي بن كعب: (يا أبُي! أتدري أي آية في كتاب الله معك أعظم؟ قال: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] وضرب النبي ﷺ بيده في صدره، وقال: ليهنك العلم أبا المنذر). فدل هذا على فضل آية الكرسي على غيرها. ودل حديث أبي سعيد بن المعلَّى على فضل سورة الفاتحة على غيرها. وقال النبي ﷺ لأصحابه كما في صحيح مسلم: (احشدوا، فإني سأقرأ عليكم ثلث القرآن، فاجتمعوا لرسول الله ﷺ ، فخرج فقرأ عليهم سورة الإخلاص: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]، وقال: والذي نفسي بيده! إنها لتعدل ثلث القرآن). فدل هذا على تفاضل بعض السور، وعلى فضل بعض الآيات على بعض، وإن كان الكل من عند الله .

стр. 772

قراءة الفاتحة للمأموم في الصلاة الجهرية هل تجب قراءة الفاتحة على المأموم في الصلاة الجهرية أم لا تجب؟ هذه المسألة من المسائل التي وردت فيها أقوالٌ لأهل العلم، حاصلها: أن جمهور أهل العلم يقولون: أن قراءة الإمام قراءةٌ لمن خلفه، واستدلوا بحديث: (من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة)، وهذا الحديث في كل طرقه مقال، إلا أن بعض أهل العلم يقويه بمجموع طرقه، والبعض يبقيه على حاله من الضعف، واستؤنس لهذا القول أيضاً بأن أبا بكرة ﵁ قَدِم والنبي ﷺ يصلي، فكان راكعاً فركع خلف الصف ثم دخل في الصف، فقال له الرسول ﷺ : (زادك الله حرصاً ولا تعد) قالوا: ولم يأمره النبي ﷺ بالإتيان بركعة جديدة. أما الإمام البخاري رحمه الله تعالى وطائفة من أهل العلم فقد روَوا أنه لا بد من قراءة الفاتحة، مستدلين بالحديث الثابت الصحيح: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب). وبحديث: (أيما رجل صلى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج فهي خداج فهي خداج) أي: فهي ناقصة فهي ناقصة. وعلى كلٍ فللعلماء القولان المشهوران في هذا الباب، وبأيهما أخذ الشخصٌ وسعه ذلك.

стр. 773

نزول سورة الفاتحة سورة الفاتحة مكية، ويدل على ذلك قوله تعالى في سورة الحجر: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعَاً مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر:٨٧]، والسبع المثاني والقرآن العظيم بتفسير النبي ﷺ : هي فاتحة الكتاب، وقد قال النبي ﷺ : (فاتحة الكتاب هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته). وقوله تعالى في سورة الحجر: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر:٨٧] وسورة الحجر مكية بالإجماع، فدل ذلك على أن سورة الفاتحة مكية أيضاً، ويؤيد القول بأنها مكية أيضاً بأن الصلاة فرضت بمكة، والنبي ﷺ قال: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب). فهذان دليلان يدلان على أن السورة مكية.

стр. 774

أسماء سورة الفاتحة لسورة الفاتحة عدة أسماء: - منها: الفاتحة. - ومنها: أم الكتاب. - ومنها: أم القرآن. - ومنها: الشافية. - ومنها: الرُّقْية. - وثَمَّ أسماء أخر لهذه السورة الكريمة.

стр. 775

فضائل سورة الفاتحة لقد ثبت في فضلها جملة من الأحاديث عن رسول الله ﷺ . منها: ما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث ابن عباس ﵄ قال: (كان النبي ﷺ جالساً مع أصحابه، إذ سمع نقيضاً، فقال له جبريل: يا محمد، هذا ملك نزل من السماء لم ينزل قبل اليوم، فقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي من الأنبياء قبلك: سورة الفاتحة، وخواتيم سورة البقرة). وهذا الحديث: أفاد أن ملكاً نزل إلى رسول الله ﷺ بهذه البشارة. وقد حمل بعض أهل العلم القول بأن الملك هو الذي نزل بالفاتحة وخواتيم البقرة على رسول الله ﷺ ولم ينزل بهما جبريل. لكن هذا القول مدفوع، فإن الملك نزل مبشراً بفضل سورة الفاتحة ولم ينزل بأصل سورة الفاتحة، وإلا فالكتاب العزيز كله نزل به الروح الأمين، كما قال الله سبحانه: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٣ - ١٩٥]. فالفاتحة شأنها شأن غيرها في هذا. - ومن فضائلها كذلك: ما أخرجه البخاري من حديث أبي سعيد بن المعلى قال: (كنت أصلي، فدعاني النبي ﷺ فأقبلت على صلاتي، ثم انصرفت منها، فأقبلت على رسول الله ﷺ ، فقال لي: ما منعك أن تأتي إذ دعوتك؟ قلت: يا رسول الله! إني كنت في صلاة، قال: ألم يقل الله: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال:٢٤]، ثم قال: لأعلمنك أعظم سورة في كتاب الله، ثم انصرف ولم يخبرني، فتبعته، فقلت: يا رسول الله! قلت: لتعلمنني أعظم سورة في كتاب الله، فقال النبي ﷺ : فاتحة الكتاب هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته)، وهي أعظم سورة في كتاب الله. - وورد في فضلها كذلك: قول الله في الحديث القدسي الذي أخرجه مسلم: (قسمتُ الصلاة بيني وبين عبدي قسمين، ولعبدي ما سأل: إذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] قال الله: حمدني عبدي، فإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣] قال: أثنى عليَّ عبدي، فإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٣] قال: مجدني عبدي، فإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٦] قال الله: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل). فقوله: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي)، المراد بالصلاة هنا: الفاتحة، فأحياناً الصلاة تأتي ويراد بها معناها المعهود الذي هو افتتاحها بالتكبير، وانتهاؤها بالتسليم. وأحياناً تأتي كلمة (الصلاة) ويراد بها الدعاء، وأحياناً تأتي كلمة الصلاة ويراد بها تلاوة القرآن، كما قال الله سبحانه: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ﴾ [الإسراء:١١٠] أي: لا تجهر بقراءتك ﴿وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:١١٠]، وهنا أريد بالصلاة الفاتحة. أعني في قوله سبحانه في الحديث القدسي: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي قسمين). - ومما ورد في فضلها كذلك: قول النبي ﷺ في الحديث المتفق عليه: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب). فهذه الأدلة تدل على فضل هذه السورة الكريمة، ومن ثَمَّ افتُتِح بها كتاب الله .
следующие страницы →