← Тафсир

Тафсир · id 7695

سلسلة التفسير لمصطفى العدوي

مصطفى العدوي

Полный текст (2 242 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

تفسير سورة النساء [ ١-٣] لقد حدد الإسلام معالم الحقوق بين الناس بنظام بديع، فهو يدعو إلى احترام حقوقهم وأدائها دون استغلال لحالة ضعف صاحب الحق مما يؤدي إلى ظلمه، وبين أيدينا أنموذج للمعاملة مع اليتامى في أداء أموالهم إليهم، وما يراعى عند قصد الوصي نكاح اليتيمة التي في حجره، كل هذا مصدراً بالتذكير بتقوى الله ونعمته في الخلق والإيجاد، والتذكير برقابته على الناس جميعاً.

стр. 2

بين يدي السورة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد: فسورة النساء سورة مدنية، أي: نزلت على النبي ﷺ في المدينة، قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها: (ما نزلت سورة النساء الطولى إلا وأنا عند رسول الله ﷺ ، فهناك سورة النساء الطولى، وسورة النساء القصرى، فسورة النساء القصرى هي سورة الطلاق، أما سورة النساء الطولى فهي سورة النساء التي بعد سورة آل عمران في ترتيب المصحف؛ فتقول أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها: (ما نزلت سورة النساء الطولى إلا وأنا عند رسول الله ﷺ وهو يفيد أن سورة النساء مدنية، فإن النبي ﷺ ما تزوج عائشة إلا بالمدينة، فدل ذلك على أن سورة النساء مدنية، وفيه رد على من يقول إن كل آية فيها (يا أيها الناس) إنما نزلت بمكة، وكل آية فيها (يا أيها الذين آمنوا) إنما نزلت بالمدينة، فهذا الإطلاق لا يوافق عليه مطلقاً، فإن قال: هذا هو الغالب سُلِّم له قوله. وفيها آيات يعدها كثير من أهل العلم من أعظم آيات الرحمة والرجاء، كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء:٣١] ، وكقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء:٢٧] ، وكقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء:٢٨] ، وكقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] ، فهذه كلها آيات الرجاء، وآيات تبين سعة رحمة الله بالعباد.

стр. 3

تفسير قوله تعالى: (يا أيها الناس اتقوا ربكم ... ) وما قيل في سبب نزولها يقول : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١] ، قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) ؛ (يا) : حرف نداء، و (أي) منادى، والهاء للتنبيه، أما (الناس) فلها اشتقاقان: فمن العلماء من يقول: إن (الناس) مشتقة من النوَس، والنوَس من الحركة، ومنه قول أم زرع في وصف أبي زرع كما في حديث عائشة ﵂: (أناسَ من حلي أذني) أي: ملأ أذني حلياً حتى اهتز الحلي فيها. ومن العلماء من يقول: إن (الناس) مشتقة من النسيان؛ لأن هذا شيء جُبِل عليه الناس حتى الأنبياء، فقد قال النبي ﷺ : (إنما أنا بشر أنسى كما تنسون) ، وقال ﵊: (فنسي آدم فنسيت ذريته) . ولهذه الآية سبب نزول صحيح عند بعض العلماء، وإن كانت أغلب أسباب النزول ضعيفة لا تثبت، وكثير من إطلاقات أهل العلم أن آية كذا نزلت في كذا وكذا لا يسلم لهم، خاصة إطلاق القرطبي رحمه الله تعالى، أو الإطلاقات التي تأتي عن كثير من التابعين كـ قتادة والحسن البصري وغيرهما من أهل العلم رحمهم الله تعالى. وقد تتعدد أسباب النزول للآية الواحدة، فيحدث أمر، ويحدث أمر آخر، ويحدث أمر ثالث فتنزل الآية شاملة لكل ما حدث، كما في قوله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥] فقد قال أبو أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنه: نزلت في الأنصار لما قالوا: نبقى في أموالنا نصلحها، لما كثر الإسلام وأعز الله تعالى ناصريه، وقال البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه أو غيره: إنما نزلت ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥] في الرجل يذنب الذنب ويقول: لا يغفر الله تعالى لي، فيسلم نفسه للشيطان ولا يستغفر، فهذا إلقاء باليد للتهلكة، وثم أقوال أخرى، ولا يطعن سبب في السبب الآخر ما دام قد صح الإسناد إلى قائله. وسبب نزول هذه الآية عند القائلين به ما حاصله: (أن النبي ﷺ كان جالساً في المسجد، فجاءه قوم من غطفان مجتابي النمار -أي: يلبسون جلود النمور-، وعليهم أثر الفاقة والفقر، فلما رأى النبي ﷺ ما بهم من الفاقة والفقر خرج وتلا على أصحابه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١] ، فقام رجل فتصدق، فتبعه آخر فتصدق، فتبعه ثالث فتصدق، فتهلل وجه النبي ﷺ ، فقال: من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة) . والصحيح أن النبي ﷺ إنما تلاها لما قدم عليه الوفد، والله أعلم.

стр. 4

الأمر بالتقوى واقترانه بصفة الخلق وقوله تعالى: ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ التقوى: أن تجعل بينك وبين غضب الله تعالى عليك وقاية، أو تجعل بينك وبين عذاب الله تعالى وقاية، فأصل التقوى مأخوذة من التغطية أو التستر، قال الشاعر: سقط النصيف ولم ترد إسقاطه فتناولته واتَّقتنا باليد أي: غطت وجهها بيديها. قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ ، قال كثير من أهل العلم: عبر بلفظ الخلق أو بصفة الخلق هنا دون غيرها من الصفات؛ لأن الناس المخاطبين بالآية كانوا يقرون بصفة الخلق، فمن ثم خاطبهم بالصفة التي يقرون بها، كما قال سبحانه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف:٨٧] ، فلما خاطبهم الله تعالى بقوله: ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ خاطبهم بصفة يقرون بها، ويدينون بها لله مسلمهم وكافرهم، ويقرون بأن الخالق هو الله . وقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَة﴾ النفس الواحدة هي آدم ﷺ ، وقوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ هي حواء ﵍، ولم يرد لحواء ذكر في الكتاب العزيز باسمها، وأما سنة النبي ﷺ فقد ورد فيها ذكر حواء، ففي صحيح الإمام البخاري رحمه الله تعالى أن النبي ﷺ قال: (لولا حواء لم تخن أنثى زوجها) . وقوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ يفيد أن حواء خلقت من آدم وهو الصحيح لا شك، وقد جاء عن رسول الله ﷺ ما يوضح ذلك، ففي الحديث أن النبي ﷺ قال: (إن المرأة خلقت من ضلع) الحديث، فهي خلقت من أحد أضلاع آدم على ما فهم من حديثه ﵊، وعلى ما ذكره الشراح، ولذلك تجد المرأة تميل إلى الرجل، والرجل يميل إلى المرأة. وفي قوله تعالى: ((زَوْجَهَا)) دليل على إطلاق لفظ الزوج على المرأة، ولفظ الزوجة وإن كان جائزاً، لكن الأفصح استعمال (زوج) بغير تاء، كما قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ﴾ [الأعراف:١٨٩] ، وأما لفظ (الزوجة) فمنه قول عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنه في شأن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها: (والله إني أعلم أنها زوجة نبيكم ﷺ في الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلاكم بها ليعلم أتتبعوه أم تتبعوها) . لكن الأفصح أن يقال: (زوج) بغير تاء. قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا﴾ بث، أي: فرق ونشر، و (منهما) أي: من آدم وحواء. وقوله تعالى: ﴿رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ أي: ونساء كثيراً كذلك، فحذفت كثيراً عند ذكر النساء لدلالة السياق عليها، وهذا وارد بكثرة في كتاب الله تعالى، ومنه قول الله تعالى حكاية عن سليمان ﷺ : ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص:٣٢] ، أي: حتى توارت الشمس، فحذفت لدلالة السياق عليها. فإن قال قائل: فما هو الدليل على أن النساء كثير؟ قلنا: إنَّ النساء أكثر -لا شك- من الرجال، بدليل قول النبي ﷺ : (اطلعت على النار فرأيت أكثر أهلها النساء) ، وأهل النار أكثر بكثير من أهل الجنة، لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف:١٠٣] ، ولقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦] ، إلى غير ذلك.

стр. 5

تفسير قوله تعالى: (واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام) قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾ كرر الأمر بتقوى الله تعالى لبيان أهمية التقوى، وقد قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١] ، فأوصى الله الذين أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوصانا بتقوى الله. وقوله تعالى: ﴿الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾ أي: الذي يسأل بعضكم بعضاً به، فيقول أحدكم للآخر: أسألك بالله، فهذا قول، وثم معانٍ أُخَر. وقوله تعالى: ﴿وَالأَرْحَامَ﴾ أي: واتقوا الأرحام أن تقطعوها، أو على المعنى الآخر: واتقوا الأرحام التي تساءلون بها، فيسأل بعضهم بعضاً بالرحم، فيقول: أناشدك الرحم، قال الله لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى:٢٣] وقد حذر الله تعالى من قطع الأرحام أشد تحذير، قال سبحانه: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٣] ، وقال الله : ﴿وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [الرعد:٢٥] ، فقطع الأرحام كبيرة بالاتفاق. والأحاديث في قطع الرحم والتحذير منه كثيرة جداً عن رسول الله ﷺ ، فقد قال ﵊: (لما خلق الله الخلق، قامت الرحم فتعلقت بالعرش وقالت: يا رب! هذا مقام العائذ بك من القطيعة -أي: شخص يعوذ بك من القطيعة هذا مقامه- فقال الله لها: أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى يا رب! قال: فهو لك) ، فيقطع الله تعالى من قطع الرحم، ويصل الله من وصل الرحم، وقال النبي ﷺ : (ألا إن آل بني فلان ليسوا بأوليائي، إنما أوليائي المتقون، إلا أن لهم رحماً سأبلها ببلالها) أي: سأصلها بصلتها، ومعناه: أن الرحم شبيهة بالجلد جلد الشاة أو جلد الماعز اليابس، فإذا وضعت على الجلد اليابس ماء أصبح ليناً في يديك، أما إذا لم تضع عليه الماء ولم تبله فسيصير يابساً يعسر عليك ثنيه، فأرحامك وأقاربك إن كنت تصلهم وتهدي إليهم وتودهم سيصيرون لينين في يديك، فإذا أمرتهم بأمر أطاعوك، وإذا نهيتم عن نهي اتبعوك، وأما إذا لم تكن تصلهم وتبلهم بالبلال فسيصيرون يابسين في يديك، كلما أردت منهم شيئاً عصوك؛ لأنه ليس لهم فيك منفعة. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١] .

стр. 6

أموال اليتامى وما جاء فيها قال تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء:٢] قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء:٢] أي: الذين كانوا يتامى؛ لأن اليتامى لا يؤتون الأموال إلا إذا كبروا، فإذا كبروا لم يصدق عليهم أنهم يتامى؛ لأنه لا يُتْم بعد احتلام، فإيتاء الأموال لليتامى لا يكون إلا بعد أن يكبروا. فإطلاق اليتامى هنا من باب إطلاق الاسم على الشيء باعتبار ما كان عليه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾ [الشعراء:٤٦] ، إذ لا سجود مع سحر، ولكن أطلق عليهم (السحرة) باعتبار ما كانوا عليه من السحر. كما يطلق الاسم على الشيء باعتبار ما سيئول إليه، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء:١٠] فأطلق تعالى على أموال اليتامى (ناراً) باعتبار ما ستئول إليه. ومعنى: ((وَآتُوا)) أي: أعطوا، وحد اليتم البلوغ ويحصل بواحد من ثلاثة أشياء: الأول: الاحتلام عند الرجل والمرأة، أو الحيض عند المرأة. الثاني: السن وهو خمسة عشر عاماً؛ لحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: (عرضت على النبي ﷺ يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة للبلوغ فلم يجزني وردني، وعرضت عليه يوم الأحزاب وأنا ابن خمس عشرة فأجازني) فجعله بعض العلماء حداً للبلوغ. الثالث: إنبات شعر العانة حول الذكر أو الفرج، وهذا حد لبعض العلماء مستدلاً بحديث محمد بن كعب القرظي: (أنه لما قضى سعد بن معاذ في يهود بني قريظة أن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم، ففتش عن الصبيان فمن وجد قد أنبت قتل، ومن لم ينبت لم يقتل، فكان محمد بن كعب فيمن لم ينبت) . قوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء:٢] ، أي: مع أموالكم، فحروف الجر تتناوب في الكتاب العزيز، فـ (إلى) تأتي بمعنى: (مع) و (مع) تأتي بمعنى الباء، وهكذا. قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ﴾ أي: أكل أموال اليتامى، ﴿حُوبًا كَبِيرًا﴾ أي: إثماً كبيراً. فأكل أموال الناس بالباطل كله إثم، ولكن أكل أموال اليتامى أشد إثماً من أموال غيرهم، فقد يكون الشيء محرماً ويزداد تحريماً لقرينة أخرى، فالزنا حرام لا شك في ذلك، لكن الزنا بحليلة الجار أشد حرمة، والكذب حرام، لكن الكذب على رسول الله ﷺ أشد حرمة، والكذب على الله أشد من ذلك، والمعصية في كل مكان حرام، لكن المعصية في البيت الحرام أشد حرمة لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج:٢٥] ، والمعصية من أي امرأة حرام، والفاحشة من أي امرأة حرام، لكن الفاحشة من أزواج النبي ﷺ -وحاشاهن من ذلك- أشد حرمة، لقوله تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب:٣٠] . وإذا تكاثرت نعم الله تعالى على العبد كانت المؤاخذة أشد، وإن قلت نعم الله تعالى على العبد كانت المؤاخذة أقل، فالأمة إن زنت فعليها نصف ما على الحرة من العذاب؛ لأنها لا حق لها أصلاً في القسم، فإن شاء جامعها وإن شاء لم يجامع، أما الحرة فلا بد من القسم لها. فأكل أموال الناس محرم، لكن أكل أموال اليتامى ﴿كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ أي: إثماً كبيراً؛ لأن اليتيم ضعيف ليس له أحد يرعاه ولا يدافع عن ماله ولا ينافح عنه، فقد تضرب اليتيم على رأسه وتضربه بالرجل ولا أحد يدافع عنه، ولو أن له أباً فلن تستطيع أن تفعل ذلك، فلذلك دافع الله تعالى عنهم بما شرعه في كتابه من وقاية وحماية لهم. والأحاديث في كفالة اليتيم والحث على رعايته في غاية الكثرة، فقد قال النبي ﷺ : (أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة) ، وجاءت امرأة بطفلتين لها إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها تسألها الصدقة، فلم تجد عائشة عندها شيئاً تتصدق به إلا تمرة، فأعطتها التمرة، فأخذت المرأة التمرة وشقتها نصفين، نصف لهذه الطفلة ونصف لهذه الطفلة، فتعجبت عائشة من فعلها، فأخبرت النبي ﷺ فقال: (إن الله قد أوجب لها الجنة) وقال: (من ابتلي بشيء من هؤلاء البنات فأحسن إليهن كن ستراً له من النار) ، أو كما قال ﵊. وإيتاء اليتامى أموالهم يتمثل في صورتين: الصورة الأولى: الإنفاق عليهم من أموالهم وعدم الشح عليهم أثناء صغرهم. والصورة الثانية: تسليم الأموال إليهم بعد البلوغ، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء:٦] .

стр. 7

تفسير قوله تعالى: (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى .) قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء:٣] . قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ أقسط أي: عدل، وقسط: جار وظلم، فمن الأول قول النبي صلى الله وعليه وسلم: (المقسطون على منابر من نور يوم القيامة الذين يعدلون في حكمهم وأهاليهم وما ولوا) ، ومن الثاني قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن:١٥] . فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا﴾ أي: ألا تعدلوا في مهور وصداق اليتامى، فالنساء سواهن كثير. والذي دل على المحذوف المقدر هو سبب النزول، فقد سأل عروة عائشة ﵂ عن هذه الآية: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ فورد عنها في ذلك روايتان: الرواية الأولى: (كانت اليتيمة تكون عند وليها، فتكون ذات مال وجمال، فيريد أن يتزوجها من أجل مالها وجمالها، ولا يريد أن يقسط لها في الصداق، أي: أن يعدل لها في الصداق، فأمرهم الله حين رغبوا في مالها وجمالها أن يتزوجوها، أن يقسطوا لها في الصداق، أو يتزوجوا نساء أخريات. الرواية الأخرى: أن هذه يتيمة تكون في حجر وليها ليس له فيها حاجة -أي: لا يرغب أن يتزوجها- ولا يريد أن يزوجها لناس آخرين خشية أن يأخذوا الميراث، فيتزوجها كرهاً من أجل حبس ميراثها، ولا يقسط لها في الصداق، فنهوا أن يتزوجوهن إلا عند العدل في الصداق. وفي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ دليل على جواز تزويج الصغيرة؛ لأن اليتيمة هي الصغيرة، فدل ذلك على بطلان القانون الوضعي الذي يمنع الزواج بالصغيرة، ولكن لا يُمكّن منها إلا بعد أن تتحمل الوطء، فالرسول ﷺ تزوج عائشة رضي الله تعالى عنها وهي بنت ست، وبنى بها ﵊ وهي بنت تسع، فدل ذلك على أنه يجوز تزويج اليتيمة، واليتيمة هي التي لم تبلغ. والقسط في مهر اليتيمة مبني على الأعراف السائدة بين الناس، فإذا كانت الواحدة من النساء تتزوج بخمسة آلاف جنيه، فاليتيمة أيضاً تتزوج بخمسة آلاف جنيه، وتبلغ أعلى سنتها في الصداق، كما قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: (اجعلها أعلى سنتها في الصداق) وفي الآية دليل على مشروعية مهر المثل، ومن الأدلة على ذلك: (أن النبي ﵊ قضى في بروع بنت واشق وكان زوجها مات ولم يسم لها صداقاً أن لها مهر مثلها، من غير وكس ولا شطط) فقوله ﷺ : (من غير وكس) أي: من غير بخس (ولا شطط) : أي: ولا غلو، فأصبح الدليلان يدلان على مشروعية مهر المثل.

стр. 8

تفسير قوله تعالى: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء .) قوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا﴾ أي: تزوجوا، والنكاح له معنيان: فيأتي بمعنى عقد التزويج، ويأتي بمعنى الجماع أو الوطء. فالنكاح: عقد التزويج في الشرع، ولكن في اللغة أصل النكاح: الضم والتداخل، كما يقال: نكح النوم عينه، فالنكاح في عموم الآيات الواردة في الكتاب يأتي بمعنى عقد التزويج، إلا في مواطن قليلة كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة:٢٣٠] ، قال النبي ﷺ : (لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك) . وقوله تعالى: ((مَا طَابَ لَكُمْ)) (ما) لغير العاقل، و (من) للعاقل، والعلماء يقولون: إن (ما) تأتي في كتاب الله تعالى للعاقل ولغير العاقل، والدليل على إتيانها للعاقل قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا * وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾ [الشمس:٥-٦] ، فـ (ما) هنا لله ، وهذا دليل على إتيان (ما) للعاقل. وقوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى﴾ أي: مثنى إن شئتم، ﴿وَثُلاثَ﴾ إن شئتم ﴿وَرُبَاعَ﴾ إن شئتم. والواو تكون للتخيير، وتكون للجمع، وأحياناً تأتي بمعنى التنويع، كقوله تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر:١] . وأحياناً تأتي الواو عطفاً للصفات كقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى * وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ [الأعلى:١-٤] . الواو في قوله: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ للتخيير، أي: مثنى إن شئتم، وثلاث إن شئتم، ورباع إن شئتم. فإن قال قائل: إن الآية محتملة الجمع كما قالت الشيعة، فيصير العدد تسعة؛ لأن النبي ﷺ تزوج تسعاً فلا بد أن يكون هناك من الحجة ما يبطل مثل هذا القول. فإذا حاججتهم بأن الواو هنا مقتضية للتخيير، فله وجه، لكن ليس بوجه قاضٍ على قولهم، وأما حديث الباب: عن غيلان بن سلمة رضي الله تعالى عنه كان متزوجاً عشراً، فلما أسلم أمره النبي ﷺ أن يفارق ستاً ويبقي أربعاً، فهذا الحديث الراجح فيه أنه معلّ. وإنما يحتج عليهم بإجماع أصحاب رسول الله ﵊ على أنه لا يزيد الرجل على أربع نسوة، ولم يكن فيهم واحد على الإطلاق على عهد الرسول ﷺ له أكثر من أربع نسوة زوجات، وأما الإماء فلك من الإماء ما شئت. فلأجل هذا حملنا الواو على التخيير.

стр. 9

القول في مسألة التعدد ومشروعيته وهنا يقال: هل هذه الآية تفيد أن القصد في الزواج التعدد، أو لا تفيد ذلك؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ ؟ فذهب بعض العلماء إلى القول بأنها تفيد التعدد؛ لأنه لا يتجه إلى الواحدة إلا عند خوف عدم العدل بنص هذه الآية. وفي الحقيقة هذا القول لا يسلم له؛ لأن قوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا﴾ ليس ابتداءً، فليست الآية كما لو قال تعالى -فرضاً-: (يا أيها الذين آمنوا انكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة) ، فحينئذٍ إذا كانت الآية بهذا السياق نقول: الأصل التعدد، ولكن الآية جاءت مبنية على شرط سابق، فإذا كنت خائفاً أن تتزوج اليتيمة فتظلمها فلك أن تتزوج اثنتين أو ثلاثاً أو أربعاً، وهذا وجه الدقة في الاستنباط. إلا أنهم استدلوا بأدلة أخرى على استحباب التعدد، كحديث: (تكاثروا فإني مباه بكم الأمم) ، وحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه الموقوف عليه (تزوج فإن خير هذه الأمة أكثرها نساء) ، وكقول ابن عباس ﵄: (تزوج فإنه يخرج من صلبك ما كان مستودعاً) ، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد:٣٨] ، وقول النبي ﷺ : (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث:) . ولا شك أن في التعدد كسر خاطر للزوجة الأولى، وأذى للزوجة الأولى، ولكن المصالح العامة للمسلمين مقدمة، فكم من امرأة ترملت على أطفالها وتحتاج إلى من يعفها، وكم من امرأة طلقت من زوجها لسبب شرعي كأن يكون زوجها سكيراً عربيداً، وهي عفيفة طلبت الطلاق وطلقت، فإن كان فيه كسر للزوجة الأولى، لكن عموم تشريع الله لا يصدر إلا من حكيم حميد، وما شرع ذلك إلا لفائدة تعم العباد .

стр. 10

الكلام على قوله تعالى: (فإن خفتم ألا تعدلوا .) قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ أي: فاقتصروا على الواحدة، وقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يعني: عندكم إماء، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى﴾ أي: أقرب، وقوله تعالى: ﴿أَلَّا تَعُولُوا﴾ ، قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى أي: اقتصروا على الواحدة أو ما ملكت أيمانكم حتى لا تكثر عيالكم فتصابوا بالفقر، واستدل على أن معنى العيلة الفقر بقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى:٨] ، واستدل بلامية أبي طالب، وبقول الشاعر: وما يدري الفقير متى غناه وما يدري الغني متى يعيل والجمهور ومنهم ابن القيم قالوا: إنه لو كان الاقتصار على الواحدة خشية كثرة العيال -كما ذكر- لأمرنا الله تعالى بالاقتصار على واحدة أيضاً مما ملكت اليمين! فكيف يقول: إن العلة كثرة العيال، والله تعالى يبيح لنا في نفس الآية أن نمتلك أكثر من ألف أمة، وكل هؤلاء الإماء محل للإنجاب؟! فلو كانت العلة كثرة العيال لقصرنا الله تعالى في ملك اليمين على واحدة. وأيضاً النبي ﷺ قال: (تكاثروا فإني مباه بكم الأمم) ، والآية مصدرة بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ وعليه فيقال: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ أي: أدنى إلى ألا تجوروا، حتى تقابل العدل، أي: إن كنت خائفاً أنك ما تعدل فتزوج واحدة بس حتى لا تقع في مسألة عدم العدل، واستشهدوا بقول أبي طالب في لاميته: بميزان قسط لا يخيس شعيرة له شاهد من نفسه غير عائل أي: غير مائل، أو غير جائر. والله أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 11

الأسئلة

стр. 12

التحاليل الطبية لأجل الإنجاب السؤال يسأل عن التحليل من أجل الإنجاب؟ الجواب التطبيب جائز من أجل الإنجاب، ولا يستطيع أحد أن يمنعه إلا بنص.

стр. 13

تشبيك الأصابع في المسجد وما جاء فيه السؤال ما صحة حديث: (إذا توضأ أحدكم وذهب إلى المسجد فلا يشبكن بين أصابعه) ؟ الجواب الحديث منازع في تحسينه وتضعيفه، فمن العلماء من حسنه، وكأن قوله ظاهر أو قوي في التحسين، ولكن هناك ما هو أقوى منه عورض به هذا الحديث، مثل حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ قال له: (يا عبد الله بن عمرو! كيف بك إذا بقيت في حثالة من الناس قد مرجت عهودهم، وخفت أماناتهم، وأصبحوا هكذا، وشبك بين أصابعه) . وقال النبي ﵊ أيضاً: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً، وشبك بين أصابعه) ، فلهذا بوب الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه بباب: (تشبيك الأصابع في المسجد وغيره) .

стр. 14

عمل الرجل في كي ملابس النساء السؤال أخ يتعامل مع مصانع ملابس، ويكوي ملابس النساء، وجارته تأتي له بملابس يكويها، أي: يكوي ملابس المتبرجات فما الحكم؟ الجواب أظن أنه لا يكويها فهو أفضل له، وليشتغل بعمل آخر.

стр. 15

التصرف في المال المتبرع به لمسجد حين لا يفي بحاجة ذلك المسجد السؤال إذا أعطاني أحدٌ من الناس مبلغاً لمسجد، فهل يجوز لي أن أعطيه لمسجد آخر على اعتبار أن المسجد الذي أرسل له المبلغ يحتاج أكثر من المسجد الذي حدده صاحب المبلغ؟ الجواب يستأذن صاحب المبلغ؛ لأنه قد يكون له وجهة نظر في المسجد الذي تبرع له، كأن يكون المسجد على السنة مثلاً، أو مسجد في حي أهله يحتاجون إلى مسجد.

стр. 16

الوارد في المستمع إلى حديث قوم هم له كارهون السؤال ما صحة حديث: (من استمع إلى قوم وهم له كارهون صب في أذنه الآنك يوم القيامة) ؟ الجواب في صحيح الإمام البخاري رحمه الله تعالى.

стр. 17

حديث الجد والهزل في الطلاق والنكاح والرجعة ومدى صحته السؤال ما صحة حديث: (ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: الطلاق، والنكاح، والرجعة) ؟ الجواب الحديث ضعيف لا يثبت عن رسول الله ﷺ ، وقد أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجة رحمهم الله تعالى، وفي إسناده عبد الرحمن بن أردك قال فيه النسائي: منكر الحديث، وقد وثقه ابن حبان والعجلي وهما متساهلان في التوثيق، وقول النسائي مقدم على قولهما؛ لأنه إمام في الجرح والتعديل. وقد أورد له الحافظ ابن حجر عليه رحمة الله تعالى في تلخيص الحبير جملة أسانيد وأشار إلى ضعفها، فليراجعها من شاء.

стр. 18

تفسير سورة النساء [٤-١٠] احتوت سورة النساء على العديد من الأحكام المهمة، ومنها: حكم صداق المرأة، وهل يجوز للولي أن يأخذ منه شيئاً، وأيضاً حكم اليتيم، ومتى يدفع إليه ماله، وهل يجوز للقائم عليه أن يأكل من ماله أم لا يجوز، وغير ذلك من الأحكام المتعلقة به. وكذلك ذكر في هذه السورة حكم إعطاء ذوي القربى واليتامى والمساكين شيئاً من المال عند حضورهم لقسمة التركة، ثم حكم أكل أموال اليتامى ظلماً.

стр. 19

تفسير قوله تعالى: (وآتوا النساء .) بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً أما بعد: فيقول الله : ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء:٤] . قوله تعالى: (وَآتُوا) أي: وأعطوا، فالإيتاء يطلق على الإعطاء، أما أتى فمعناها: جاء. (صدقاتهن) : جمع صداق، ومعناها: مهورهن، أي: وآتوا النساء مهورهن.

стр. 20

حكم تنازل المرأة عن أكثر المهر لزوجها ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء:٤] : في الآية دلالة أن الأليق والأولى بالمرأة ألا تعطي الزوج الصداق كله، ولا تتنازل له عن الصداق كله، لأن الله قال: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ [النساء:٤] فقال: (عن شيء) ولم يقل: عن كل الصداق، فاحتفاظها بأكثر الصداق أولى من أن تعطيه كله وتمد له يدها بعد ذلك. وقد جاء في الحديث أن كعب بن مالك لما قال لرسول الله ﷺ : (إن من توبتي أن أنخلع من مالي كله صدقة لله ورسوله، قال له النبي ﵊: يا كعب أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك) فدل ذلك على أن الزوجة إن أعطت من مهرها فلا تعطي إلا الشيء اليسير وتمسك الأكثر، ولا تتنازل للزوج عن كل الصداق، وتنازلها عن كل الصداق ليس محرماً لكن الكلام عن مسألة المفضول والفاضل. والله أعلم.

стр. 21

حكم المهر إذا لم يسم وقد يكون الصداق مقدماً، وقد يكون مؤخراً، وقد يكون جزءٌ منه مقدماً وجزءٌ منه مؤخراً، ويجوز أن تعقد عقد النكاح ولا تسمي الصداق، أي: يجوز أن تقول لرجل: زوجتك ابنتي، ولا تحدد الصداق، لكن بعد ذلك تتفقان على الصداق. فإذا اختلفتما في الصداق بعد العقد فالمرد إلى الأعراف السائدة، فمثلاً: رجل عقد على امرأة لم يسم لها صداقاً، فيفرض لها صداقها، فإما أن يتفق مع وليها على الصداق، فإن اتفقا فذاك، وإن اختلفا في الصداق فيرد إلى الأعراف السائدة، فإن النبي ﷺ (قضى في بروع بنت واشق بأن لها مهر مثلها من غير وكس ولا شطط) ، أي: لا نقص ولا زيادة.

стр. 22

حكم أخذ الولي من مهر المرأة ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ [النساء:٤] أي: إن طابت نفس المرأة وأعطتك شيئاً من الصداق أو تنازلت لك عن شيء من الصداق بنفس طيبة، فلا مانع من أخذه بشرط طيب نفسها. وقوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ﴾ [النساء:٤] يدل أن الصداق للمرأة وليس لوليها، فهي أحق بالصداق لهذه الآية؛ لأن الله قال: ﴿صَدُقَاتِهِنَّ﴾ [النساء:٤] وقال: ﴿فَإِنْ طِبْنَ﴾ [النساء:٤] ، فنسبة الصداق إليهن دلالة على تملكهن إياه، ولا يملك منه الولي شيئاً إلا إذا طابت نفس المرأة بإعطائه له. ودل على ذلك أيضاً حديث النبي ﵊: (لها مهر مثلها) ، وقول النبي ﷺ في حديث الملاعنة: (إن كنت كاذباً عليها فلها الصداق بما استحللت من فرجها) ، فدلت هذه النصوص على أن الصداق من حق المرأة وليس من حق الولي. في هذا إشارة وإيماء إلى توهين حديث: (أنت ومالك لأبيك) ، أو على الأقل إظهار فقه لهذا الحديث: (أنت ومالك لأبيك) فله فقه في حالة ثبوته، أما من ضعَّفه فلا يحتاج إلى التكلف في توجيهه.

стр. 23

حكم المهر ومتى يسقط ﴿نِحْلَةً﴾ [النساء:٤] أي: فريضة، فالصداق واجب للمرأة، بل هو فرض، والفرض أعلى من الواجب، ولا يسقط الصداق إلا في بعض الاستثناءات كمن وهبت نفسها لرسول الله ﷺ فلا صداق لها، وهذه الحالة خاصة بالنبي ﵊ لقول الله : ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب:٥٠] . فهبة المرأة نفسها للرجل كان خاصاً برسول الله ﷺ ، فقوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء:٤] أي: وأعطوا النساء مهورهن فريضة، فالصداق فرض لهذه الآية.

стр. 24

تفسير قوله تعالى: (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم .) ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء:٥] .

стр. 25

معنى السفه وعلى من نطلقه السفه أصلاً معناه الرقة، ومنه قولهم: هذا ثوب سفيه. أي: رقيق خفيف المزج، فالسفهاء هم قليلو العقول أو رقيقو العقول أو ضعفاء العقول، هذا أصل تعريف السفه، فالسفيه ضعيف ورقيق العقل. ومن العلماء من فسر السفهاء هنا بالنساء والصبيان، قال: لأن المرأة همتها تتلخص في إلقاء المال في التزين لزوجها في الغالب كما قال سبحانه: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف:١٨] فالنساء في الغالب لا يحسن التصرف إلا من رحم الله منهن، والصبيان كذلك. ومن العلماء من فسر السفهاء بمن لا يحسن التصرف بصفة عامة، ومن العلماء من فسر السفهاء بالفساق، والأولى أن السفيه: هو كل ضعيف لا يحسن التصرف في المال أخذاً أو إعطاءً، وحكمه ألا يمكن من التصرف في ماله. وهذه الآية من الآيات الدالة على الحجر على الأشخاص، فهنا حجر على السفيه، وهناك أنواع أخرى من الحجر: كالحجر على المفلس -وهو المدين- حتى يؤدي للناس حقوقهم. والحجر على البكر، فلا تتزوج إلا بإذن وليها. ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء:٥] ، أي: التي وكلكم الله وجعلكم قائمين عليها، فأشعرت الآية أن المال الذي في يديك إنما هو مال الله وأنت قائم عليه فقط. ﴿الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء:٥] أي: أنتم قائمون على هذا المال، فالأصل أننا مستخلفون في هذا المال، ولسنا مالكين له، فمادة القيام من القيوم، والقيوم أي القائم، كما قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد:٣٣] ولذلك أطلق اسم القيوم على الله ، ومعناه: القائم على كل شيء، وبإذنه تقوم السماء والأرض. فـ ﴿جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء:٥] أي: جعلكم قائمين على هذه الأموال، ومن ذلك قوله ﷺ : (مثل القائم على حدود الله) أي: المحافظ على حدود الله والعامل بحدود الله. ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا﴾ [النساء:٥] قد تقدم أن حروف الجر تتناوب، أي: وارزقوهم منها. : ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [النساء:٥] أي: لا تعطوهم المال ولكن طيبوا خاطرهم ولو بكلمة.

стр. 26

حكم مداراة السفيه وهذه الآية تعد أيضاً من آيات جبران الخاطر، فآيات جبران الخاطر تقدمت لها النماذج، مثل قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:٢٤١] فجبر الله خاطر المطلقة بأن جعل لها متعة، وجبر خاطر اليتامى والفقراء في تقسيم الميراث فقال: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [النساء:٨] أي: أعطوا المساكين إذا حضروا شيئاً من المال. ومن الأدلة على جبران الخاطر أيضا هذه الآية التي نحن بصددها، ومعناها: لا تؤتوهم الأموال لكن قولوا لهم قولاً معروفاً، وهو تطييب الخاطر ولو بالكلمة، ونحوه قوله تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ [الإسراء:٢٦] إلى قوله سبحانه ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ [الإسراء:٢٨] يعني: إذا لم ترد أن تعطي الوالدين أو الأقارب أو المساكين المال لعلة من العلل فقل لهم قولاً طيباً ميسوراً، قل لهم مثلاً: إن شاء الله يوسع الله عليّ وأعطيكم كل ما تريدون، أو أي كلام طيب يعد جبراً للخاطر مقابل منع المال عنهم. ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [النساء:٥] وقال النبي ﷺ : (والكلمة الطيبة صدقة) .

стр. 27

تفسير قوله تعالى: (وابتلوا اليتامى .) ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء:٦] ، أي: اختبروا اليتامى. ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء:٦] أي: بلغوا الحلم. ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ﴾ [النساء:٦] أي: أبصرتم ورأيتم وعلمتم ﴿مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء:٦] أي: عقلاً وتدبيراً وحكمة في الإنفاق ﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء:٦] . ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء:٦] قلنا: إن النكاح هنا المراد به: الحلم.

стр. 28

حكم الإشهاد عند دفع المال لليتيم فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء:٦] . أي: فإذا سلمت لليتيم ماله وميراثه فأشهد عليه، وفي هذا بيان أن الرب حريص عليك وعلى مصلحتك وعلى اليتيم، فقد يجحد اليتيم بعد ذلك ويتحدث الناس في عرضك ويقولون: أكل أموال اليتامى ظلماً. ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء:٦] ، دفعتم أي: سلمتم ﴿إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء:٦] أي: من الميراث الذي كان لهم ﴿فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء:٦] فالإشهاد مشروع في الأعمال. ومن ثم أمر النبي ﷺ بالكتابة والشهود، وهذا لما جحد آدم فجحدت ذريته كما في قصة داود ﵇، لما وهب له أبوه آدم أربعين سنة أو ستين سنة، وقال بعد ذلك لما جاء ملك الموت يقبضه (ما وهبت له شيئاً) قال رسول الله ﷺ : (فنسي آدم فنسيت ذريته، وجحد فجحدت ذريته، وعصى فعصت ذريته،) ومن ثم أمر بالكتابة والإشهاد. إذا كان أبونا آدم أعقل البشر على الإطلاق كما أطلق ذلك فريق من العلماء، فإنه عاقل رشيد متزن مؤمن ﷺ ، ومع ذلك جحد، كما في الحديث (أنه رأى ذريته أمام عينيه كالذر فنظر إلى رجل من أوضئهم فقال: من هذا يا رب؟ قال هذا ابنك داود. قال: كم عمره؟ قال ستون أو أربعون سنة، قال قد وهبته من عمري أربعين أو ستين سنة. فلما جاء ملك الموت يقبضه قال: قد بقي من عمري أربعون أو ستون، قال ألم تكن وهبتها داود؟ قال: ما أعطيته شيئاً. قال الرسول ﵊: فجحد فجحدت ذريته، وعصى فعصت ذريته، ونسي فنسيت ذريته) ومن ثم أمر بالكتابة والإشهاد. فلا تسلف أحداً من الناس مالاً إلا كتبت وأشهدت على ذلك الدين، فما دام آدم قد جحد فغيره من باب أولى. وقد ورد في هذا الباب حديث صححه بعض أهل العلم، لكن المحققين من أهل الحديث ضعفوه، ألا وهو حديث: (ثلاثة لا يكلمهم الله -أو يبغضهم الله- رجل كانت تحته امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها، ورجل أعطى سفيهاً مالاً، ورجل أعطى رجلاً ديناً ولم يشهد عليه) لكن الحديث ضعيف والصواب فيه: أنه من قول أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه، فهو موقوف ورفعه إلى رسول الله ﷺ خطأ كما ذكر ذلك الحفاظ من أهل الحديث. ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء:٦] فالإشهاد في دفع الأموال إلى الأيتام والإشهاد على الديون، والإشهاد عند الطلاق، الإشهاد عند إرجاع الرجل لزوجته، والإشهاد عند النكاح؛ أمور لابد من التنبه لها.

стр. 29

متى يدفع مال اليتيم إليه ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء:٦] . فدفع الأموال إلى اليتامى قيد بشرطين في الآية: الشرط الأول: إيناس الرشد منهم، أي: أن ترى فيهم عقلاً وحكمة ورشاداً في الإنفاق. الشرط الثاني: أن يبلغوا الحلم، فلابد أن يبلغ اليتيم الحلم، ومع البلوغ يؤنس منه الرشد. وهنا مسألة وهي: إذا بلغ اليتيم الحلم ولكنه ليس رشيداً، فهل يعطى المال أو لا يعطى؟ فريق من أهل العلم قال: لا يعطى المال؛ لأن الله قال: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء:٦] قالوا: فالمفهوم المخالف: أنا إذا لم نأنس منهم رشداً لا ندفع إليهم أموالهم. وقال فريق آخر من أهل العلم: بل تدفع إليهم أموالهم وإن لم يؤنس منهم الرشد، وحجتهم أن الله قال: ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٢٩] وحديث الرسول ﵊: (كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه) . واستدل الأولون بأمور: قالوا: إذا كان اليتيم قد بلغ الحلم وهو سكير عربيد فسيأخذ المال ويفسد به في الأرض، والله يقول: ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة:٢٠٥] . أجاب أصحاب القول الثاني بقولهم: إن هذا حاصل في غير اليتيم كذلك، فهل يمنع غير اليتيم من أمواله ومن الميراث لفسقه؟ فمثلاً: إن وجد رجل فاسق مات أبوه، فهل نمنعه من الميراث لكونه فاسقاً؟ الجواب لا. فهذا هو الحاصل من أقوال العلماء في هذا الباب.

стр. 30

حكم أكل الولي من مال اليتيم ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ [النساء:٦] أي: لا تعجلوا أكلها قبل كبرهم وبلوغهم. ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ [النساء:٦] عن أموالهم، ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:٦] يستعفف أي: يتعفف، أو يطلب من الله أن يعفه، ففي الأصل أن السين إذا دخلت على الفعل أصبح معناها الطلب، فـ (استغفروني) معناه: اطلبوا مني أن أغفر لكم، واستطعموني أي: اطلبوا مني أن أطعمكم، إلا في بعض الأحيان كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠] ليس معناها المعنى المعهود. فقوله: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ [النساء:٦] أي: يتعفف عن أموال اليتامى أو يطلب من الله أن يعفه، وقد قال النبي ﷺ : (ومن يستعفف يعفه الله، من يستغن يغنه الله) ، فأنت إذا بادرت إلى الخير تقرب الله منك كما في الحديث القدسي: (إذا تقرب إلي عبدي شبراً تقربت إليه ذراعاً) فإذا سلكت سبيل الخير يسر الله لك سبل الخير. ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:٦] ما المراد بالمعروف؟ بعض أهل العلم يقول: المعروف هو المتعارف عليه بين الناس، ويكون هذا مقابل قيامك على اليتيم، أي: فإذا كان عندك يتيم تربيه وأنت فقير، وليس عندك مال وليس في وسعك أن تنفق عليه، فلتأكل من ماله بقدر قيامك عليه غير مبذر ولا مسرف ولا متأثل ماله. هذه الآية أباحت لولي اليتيم أن يخلط ماله بمال اليتيم، ويأكل من مال اليتيم بقدر قيامه عليه، وحكى هذا بعض العلماء ومنع من ذلك آخرون. إذاً قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء:١٠] هنا التقييد بالظلم غير القيام عليه في حال فقره، قال سبحانه: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:٦] .

стр. 31

تفسير قوله تعالى: (للرجال نصيب مما ترك الوالدان .) ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ﴾ [النساء:٧] من الميراث ﴿وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء:٧] .

стр. 32

تفسير قوله تعالى: (وإذا حضر القسمة .) ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [النساء:٨] . قال يحيى بن يعمر رحمه الله تعالى وهو من التابعين: ثلاث آيات ترك الناس العمل بهن: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] فيقولون: أغناكم وأوجهكم وأعلاكم منصباً ومركزاً، والله يقول: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ﴾ [النور:٥٨] وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء:٨] . أي: إذا حضر أثناء تقسيم التركة أولو القربى واليتامى والمساكين فلا بأس بأن يعطوا شيئاً من المال جبراً لخاطرهم. قال ابن عباس ﵄: يقولون إن هذه الآية منسوخة، ووالله ما نسخت إنما هي محكمة، ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء:٨] وقد تقدم حد اليتيم، والمسكنة لا تحد بشيء ثابت إنما مردها إلى الأعراف، وقد يملك الرجل بيتاً ويملك سيارة ومع ذلك فهو مسكين، وهذا قد يحصل، قال سبحانه: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف:٧٩] وقد جاء: (ليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان، لكن المسكين هو الذي لا يجد غنى يغنيه) كما في الحديث.

стр. 33

تفسير قوله تعالى: (وليخش الذين .) ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [النساء:٩] الخطاب في الآية للجلساء الذين يحضرون قسمة تركة الميت، يأتي الجليس يقول: لا نعطي اليتامى والمساكين شيئاً، وأصحاب الحق أولى بالحق. فرب العزة يقول: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [النساء:٩] فيا من قلت هذا القول قد يأتي يوم من الأيام ويكون ابنك فيه يتيماً ويحتاج إلى الصدقة، فتحتاج أنت أيضاً إلى شخص يعطف على ابنك ويحنو عليه ويقول للناس: اتركوا له شيئاً من الصدقة. وفي الآية إشعار أن جزاء الإحسان الإحسان وهذا واضح ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء:٩] فإن ما تصنعه مع أولاد الناس يصنعه الناس مع أولادك، وإن لم تكن صريحة في المعنى لكنها تدل عليه بقوة. ولذلك قلنا: عليك أن تحرص على المرأة الصالحة من البيت الصالح، وذلك لأن الله قال: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف:٨٢] فالصلاح من الوالد وكان سبباً في حفظ الجدار أو في حفظ الكنز، فهنا يذكر الله عباده بأن يقولوا كلمة طيبة ﴿فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:٩] في كلامهم ﴿وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [النساء:٩] . ومن المعلوم أن القول السديد سبب في صلاح عملك، والقول المعوج سبب في فساد عملك، يقول الله سبحانه: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [الأحزاب:٧٠-٧١] القول السديد سبب في صلاح العمل، والقول الأعوج الذي تريد به أحياناً وجه الناس وأحياناً تريد به مصلحتك، كل ذلك سبب في فساد عملك. ﴿فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [النساء:٩] أي: ما تحب أن يصنع مع أبنائك فاصنعه مع هؤلاء الأيتام. وقد يأتي رجل محتضر فيأتي شخص يقول له: أوص بمالك كله في سبيل الله، والأولاد يتولاهم الله، فهذا من الجور في النصيحة، وآخر يعكس المسألة فيقول: اترك أموالك كلها لأولادك ولا تنفق شيئاً في سبيل الله، فهذا أيضاً من الجور في النصيحة، والقول السديد: هو الوسط الحق العدل.

стр. 34

تفسير قوله تعالى: (إن الذين يأكلون أموال اليتامى .) ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء:١٠] جاء التقييد بالظلم هنا، لأنه من الممكن أن تأكل أموال اليتامى بدون ظلم، إذا كنت تأكل بقدر قيامك عليهم كما قال سبحانه: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة:٢٢٠] أي: بمنزلة الإخوان ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة:٢٢٠] ، وكما قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:٦] . وهذه الآية لما نزلت تحرج بسببها كثير من الناس غاية التحرج، فتجدهم لا يقتربون من أموال اليتامى، ويبتعدون عنها تماماً حتى أن أموال الأيتام أحياناً تأكلها الصدقات. وتساهل بعض الناس في هذا الأمر، وقال: إن الله أباح الأخذ من مال اليتيم بالمعروف إذا كانت نيتك صالحة، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة:٢٢٠] . وقد كان فريق من أهل العلم إذا سئل عن شيء مما يتعلق بأمر اليتامى أجاب بهذه الآية: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة:٢٢٠] . ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء:١٠] أطلق أنها نار باعتبار ما ستئول إليه، فإنها ستكون ناراً يوم القيامة، وسيصلون سعيراً، فأكل أموال اليتامى من الكبائر، قال رسول الله ﷺ : (اتقوا السبع الموبقات، قيل: وما هن يا رسول الله؟ قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، والسحر، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات، وأكل أموال اليتامى) فذكر النبي ﷺ من الكبائر أكل أموال اليتامى ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء:١٠] . وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى. والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.

стр. 35

الأسئلة

стр. 36

التوبة من النياحة السؤال امرأة توفي زوجها ولطمت الخدود وناحت فما كفارتها؟ الجواب ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٣] تستغفر الله كثيراً وتصلي لله ركعتين أو ركعات وتتصدق إن استطاعت، وباب التوبة مفتوح، ولا تقنط أبداً من رحمة الله، فإن هذا نوع من إلقاء الشخص بيده إلى التهلكة قال البراء في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥] : الذي يؤدي إلى التهلكة أن يذنب الشخص وييأس من رحمة الله فلا يستغفر. إلى هنا وجزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 37

حكم المكياج للمرأة السؤال هل المكياج الذي تضعه المرأة وتتزين به لزوجها حرام؟ الجواب المكياج ليس حراماً إلا إذا صحبه محرم منصوص على تحريمه كالنمص، فالنمص منصوص على تحريمه، لكن إذا كانت تضع أصفر وأحمر للتزين لزوجها فلا دليل يمنع، وقد ثبت عن نساء السلف أنهن كن يتزين للأزواج، تقول إحداهن: إن المرأة إذا لم تتزين لزوجها مال عنها. وأيضاً (رأى النبي على عبد الرحمن بن عوف أثر صفرة فقال: مهيم؟ قال: تزوجت) فأثر الصفرة الذي على عبد الرحمن إما أن يكون أصابه من الزوجة أثناء تقبيلها أو مداعبتها أو نحو ذلك، أو يكون هو الذي وضعه على نفسه، فإذا كان وضعه على نفسه فالمرأة من باب أولى، وإذا كان أصابه من زوجته دل على أنها تزيت، والله يقول: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف:٣٢] .

стр. 38

علاج السحر السؤال امرأة لم تتزوج بسبب سحر ماذا تفعل؟ الجواب تدعو وتدعو وتدعو كما فعل النبي ﷺ ، سحر النبي ﷺ ، فدعا ودعا ودعا، ولتعتصم بالله ولتعتقد أن الساحر لن يضرها إلا بإذن الله، فما دام الأمر كله بيد الله، وأن إلى ربك المنتهى، وأن بيده خزائن السماوات والأرض؛ فلتعتصم بالله ولتكثر من الدعاء والفرج من عند الله، وقد فعل ذلك نبينا ﵊ حين سحر، فدعا ودعا ودعا حتى قال: (يا عائشة إن الله أفتاني فيما استفتيته، فأتاني ملكان جلس أحدهما عند رجلي والآخر عند رأسي قال الذي عند رأسي للملك الذي عند رجلي: الرجل مطبوب، قال: ومن طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم، قال: في ماذا؟ قال: في مشط ومشاطة قال: أين دفنها؟ قال: في بئر ذروان) ، وجاء الفرج من عند الله . فإن سحرت وابتليت بالسحر دعت الله، فلتعلم أنها اقتربت من الله؛ لأن الدعاء يقرب من الله ، فكلما دعت سجل لها دعاؤها في صحيفتها، ومن المعلوم أن كل شيء تفعله سيأتي في صحيفتك، ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا﴾ [الإسراء:١٣] وإن تأخر الشفاء لعلة فهي مثابة إن شاء الله بدعائها الله ، كما قال : ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩] .

стр. 39

حكم النهي عن الترجل السؤال النهي عن الترجل إلا غبا هل للكراهة أو للتحريم؟ الجواب للكراهة وليس للتحريم، لحديث: (إن الله جميل يحب الجمال) .

стр. 40

السنة في كيفية الهوي إلى السجود السؤال أيهما أولى عند الهوي إلى السجود هل أن ينزل على الركبة أم على الأيدي؟ الجواب الأمر فيه سعة، والنفس لا تنشط لا لتصحيح هذا الحديث ولا لتصحيح ذاك الحديث، وهذا رأي فريق كبير من العلماء، والمسألة اختلف فيها أصحاب النبي ﵊ أنفسهم، فالمسألة على التوسعة وكلا الحديثين عندنا فيه مقال، وقد ألفت رسالتان في هذا الباب، رسالة لأخينا الفاضل الشيخ أبي إسحاق الحويني حفظه الله، ورسالة مقابلة لأحد إخواننا في السعودية اسمه خالد المؤذن مضادة لرسالة أخينا أبي إسحاق، وفي الحقيقة أن الأمر على التوسعة وما دامت هذه المسألة دب فيها خلاف بين أصحاب النبي ﷺ وبين جماهير أهل العلم فالتوسط فيها مطلوب. وأما بالنسبة لنا فالحديثان عليهما تحفظ من ناحية الضعف. بالنسبة لـ عمر بن علي المقدمي متهم بتدليس السكوت وكان بعض أهل العلم - النووي - قد نفى عنه ذلك؛ لأن أول من أطلق عليه ذلك ابن سعد، ومعظم مادته عن الواقدي والواقدي متهم بالكذب. مداخلة: قد ذكر ذلك ابن حجر في أكثر من موضع في هدي الساري، نرجو التفصيل في ذلك. الجواب: أما التفصيل لا أستطيعه الآن؛ لأني أحتاج إلى الاطلاع على رواية عمر بن علي المقدمي لكن جزمنا أن منشأ كلام ابن سعد هو من الواقدي لم يسلم بذلك، لأنه قد يكون أخذه عن الواقدي وقد يكون أخذه عن غيره، صحيح أن أغلب روايات ابن سعد عن الواقدي لكن القطع بأن هذا الرأي نقله ابن سعد عن الواقدي لا نتحمله أمام الله .
следующие страницы →