Полный текст (2 242 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
تفسير قوله تعالى: (ثم قفينا على آثارهم برسلنا .)
قال تعالى: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا﴾ [الحديد:٢٧] .
أي: أتبعناهم برسلنا، ثم قال تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ [الحديد:٢٧] ، فمن الذي يجعل الرأفة والرحمة في القلوب؟ الذي يجعلها في القلوب هو الله، فالله سبحانه يلين قلوب أقوام حتى تكون ألين من اللبن والماء، ويختم على قلوب أقوامٍ آخرين حتى تكون أقسى من الحجارة والجبال والحديد، كما قال موسى ﵇: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ [يونس:٨٨] ، فإذا أردت أن يلين قلبك فعليك أن تطلب إلانته من الله ، فقد كان النبي ﷺ يدعو ويقول: (اللهم إني أعوذ بك من قلبٍ لا يخشع) ، وكان يتعوذ بالله من قسوة القلب صلوات الله وسلامه عليه.
قال تعالى: (وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً) والرأفة: الرقة، ثم قال تعالى: (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ) ، هنا يقال: هل الواو هنا عاطفة أو هي ابتدائية؟ أي: هل يقرأ بالعطف: (وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ) ، أو يقال: إن الابتداء من قوله تعالى: (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا) ، أي: جعلنا في قلوبهم رحمة، وهم ابتدعوا رهبانية، واخترعوا رهبانية، ونحن ما كتبنا عليهم هذه الرهبانية، ولكنهم هم الذين كتبوها على أنفسهم، أي: ألزموا أنفسهم بها؟ وقد ورد من حديث ابن عباس ﵄ في شأن عيسى أنه كان جالساً مع بني إسرائيل، أو كان جالساً مع بعض الحواريين، وقال لهم: من منكم -أو أيكم- يلقى عليه شبهي ويكون معي في الجنة؟ فقال شابٌ: أنا.
إلخ.
فذكر في آخر هذا الحديث أن فئةً من الفئات شهدت أن لا إله إلا الله وأن عيسى رسول الله، فتظاهرت عليها الفئات الكافرة فقاتلتها، فمنهم من صمد وصبر أمام القتال، ومنهم من اتجه إلى القفار والبراري يعبد الله فيها، وتعاقد مع أولئك الظلمة عقداً على أن يمكث في الصحراء والقفار والبراري لا ينزل إلى المدن ولا إلى البلدان، ويعيش فيها يعبد ربه في الصوامع حتى يأتيه الأجل، فأقر على ذلك، فأنشأوا لأنفسهم صوامع، وألزموا أنفسهم بأنواع من العبادات، فمنهم من ألزم نفسه أن يصوم الدهر، ومنهم من ألزم نفسه أن لا يأكل اللحم، ومنهم من ألزم نفسه أن لا يتزوج النساء، فهذه الرهبانية هم الذين اخترعوها وابتدعوها وألزموا أنفسهم بها بمثابة النذر في شرعنا، لكنهم اختلقوا هذه الرهبانية، فلما ألزموا أنفسهم بها ألزمهم بها ربنا ، قال تعالى: (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ) ، فتكون (إلا) هنا من باب الاستثناء المنقطع، كما يقول القائل: جاء القوم إلا حماراً.
فـ (إلا حماراً) هنا: استثناء منقطع؛ لأن الحمار ليس من جنس المستثنى منه، و (إلا) هنا في الآية من باب الاستثناء المنقطع.
قوله تعالى: (مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ) أي: لكن كتبناها عليهم ابتغاء رضوان الله، أي الحرص على طلب رضوان الله سبحانه، فهم رأوا أن هذا الترهب يقربهم من الله .
وهذه الرهبانية لم تكتب على أمة محمد ﵊، فقد جاء عثمان بن مظعون إلى رسول الله ﷺ يستأذنه في التبتل، أو في الانقطاع للعبادة، فنهاه رسول الله ﷺ ، قال الصحابة: لو أذن له الرسول لاختصينا، ويقول الرسول ﷺ : (لا رهبانية في الإسلام) ، فهذا الترهب ليس في ديننا، وقد أنكر رسولنا محمد ﵊ على النفر الثلاثة الذين قال أحدهم: أما أنا فأصوم ولا أفطر وقال الآخر: أما أنا فأعتزل النساء.
وقال الثالث: أما أنا فأقوم ولا أنام، فقال النبي ﷺ : (إن أخشاكم وأتقاكم وأعلمكم بالله أنا، ولكني أصوم وأفطر، وأنام وأقوم، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني) ، أو كما قال صلوات الله وسلامه عليه.
قال تعالى: (فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا) أي: لما ألزموا أنفسهم بها، فمنهم -مثلاً- من قال: لن أتزوج النساء، وليته لم يتزوج النساء، بل زنى والعياذ بالله.
والرهبان الذين يبقون في الصوامع والكنائس ويدعون أنهم لا حاجة لهم في النساء، وأنهم ترهبوا وانقطعوا للعبادة، وبعد ذلك يفعلون الفواحش ويزنون يتركون المباح من الزواج الذي أباحه الله سبحانه أمام الناس (وإذا خلوا بمحارم الله انتهكوها) ، قال تعالى: (فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ) ، الذين وفوا بهذه الأمور آتيناهم أجرهم، (وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) .
فهذه شهادة الله في هؤلاء الذين ترهبوا، ولذلك قال ربنا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة:٣٤] .
فمنهم من أصبح مختلساً للأموال وهو في صورة الراهب، ومنهم من أصبح من الزناة وهو في صورة الراهب، ومنهن من أصبحت من البغايا وهي في صورة الراهبة المتبتلة.
(وكثيرٌ منهم فاسقون) فهذا حالهم كما قال الله في كتابه الكريم.
стр. 1192
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله .)
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾ [الحديد:٢٨] .
من أهل العلم من حمل قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ) على أن المراد بالذين آمنوا هنا أهل الكتاب من اليهود والنصارى، فيكون التأويل: يا أيها الذين آمنوا بعيسى وآمنوا بموسى آمنوا أيضاً بمحمد ﷺ ، وشهد لهذا التأويل قوله تعالى: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الحديد:٢٨] ، والكفل هو النصيب، وإن كان الكفل يطلق على نصيب الشر في بعض الأحيان، لكن في أحيانٍ أُخر يطلق على النصيب، سواءٌ من الخير أو من الشر.
أما إطلاقه على نصيب الخير فلهذه الآية: (يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ) ، وأما إطلاقه على نصيب الشر فكقوله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ [النساء:٨٥] ، فعبر عن الحسنات بالنصيب، وعبر عن السيئات بالكفل.
فقوله تعالى: (يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ) ، يفسره حديث النبي ﷺ : (ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: ورجلٌ من أهل الكتاب آمن بنبيه، وآمن بمحمد ﷺ ، فهذا يرجّح قول من قال: إن المراد بالذين آمنوا -هنا في الآية- هم اليهود والنصارى.
ومنهم من قال: إن قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ) ، خطابٌ موجه لأهل الإيمان.
أي: ليزدد إيمانكم بالله، وليزدد إيمانكم برسول الله ﷺ ، فإذا ازداد إيمانكم تضاعفت أجوركم.
стр. 1193
تفسير قوله تعالى: (لئلا يعلم أهل الكتاب .)
قال تعالى: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الحديد:٢٨-٢٩] .
قوله تعالى: (لِئَلَّا يَعْلَمَ) ، معناه: ليعلم ومن قال: إن (لا) صلة وتوكيد تفيد تقوية الكلام فـ (لئلا يعلم) معناها: ليعلم، كما تقدم نظيره في قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف:١٢] أي: ما منعك أن تسجد.
وكما قال تعالى: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء:٩٥] أي: يرجعون.
ففي الآية دخلت كلمة (لا) لتقوية الكلام.
قال تعالى: (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ) ، فليسوا متحكمين في الخلق كما يقولون، قال تعالى: (وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ) ، فهو الذي اختص النبي محمدا ﷺ بالنبوة، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء، قال تعالى: (وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) .
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 1194
الأسئلة
стр. 1195
حكم استبدال الذهب مع دفع فارق
السؤال
هل يجوز استبدال مائة جرام ذهب قديم بمائة جرام ذهب جديد مع دفع الفرق؟
الجواب
لا يجوز.
ولكن بع الجرامات القديمة وتسلم قيمتها، ثم اشتر كيف تشاء؛ لأن النبي ﷺ : (نهى عن بيع الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل، ويداً بيد) .
стр. 1196
حكم الطلاق عبر الهاتف
السؤال
رجل قال في التلفون لأخته: زوجتي طالق فهل وقع الطلاق؟
الجواب
نعم.
فإذا كان يقصد الطلاق وقال لأخته: زوجتي طالق فالطلاق واقع.
стр. 1197
حكم قبول الهدية ممن يتعامل بالربا
السؤال
هل تقبل الهدية مع من يتعامل بالربا حتى وإن كانت أكلاً؟
الجواب
الذي يظهر أنها تقبل والإثم عليه؛ لأن النبي ﷺ دعته امرأة يهودية إلى شاة فأكل منها ﷺ .
стр. 1198
حكم أخذ الرجل من وديعة لديه بغير إذن مودعها
السؤال
رجلٌ أعطى رجلاً مالاً وديعة، فاحتاج الرجل إليها لشدة ألمت به، ولم يستأذن صاحب المال، وبعد أن فرج الله كربته وضع المال، ولم يشعر صاحب المال، فهل هذا جائز أم لا؟
الجواب
إذا كنت متأكداً أنك عند طلب صاحب المال لماله أنك تؤديه إليه فلك أن تأخذ منه بقدر الحاجة وترده إليه، وإذا لم يكن بوسعك أن ترد فأد الأمانة ولا تعبث بها، واسأل منه إذا أردت أخذ شيء منه.
وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضاه.
стр. 1199
حكم العمل الحكومي
السؤال
كيف نرد على من يقول: إن الدولة كافرة والعمل في وظائفها حرام؟
الجواب
دولتنا مختلطة، فيها قوانين باطلة كفرية، وفيها قوانين شرعية، والمثال واضح في المحاكم، فقوانين الزنا التي في المحاكم قوانين كفرية، وقوانين الطلاق والأنكحة قوانين شرعية، فالدولة مختلطة، وأما بالنسبة للعمل فهو جائز -حتى عند الكفار- إذا لم تكن فيه مهانة لدينك، فقد قال يوسف الصديق ﵇: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٥٥] ، وقال خباب بن الأرت ﵁: كنت قيناً -أي: حداداً- بمكة، فعملت لـ للعاص بن وائل أسيافاً ثم جئت أتقاضاه، فقال: لا أقضيك حتى تكفر بمحمد.
فالمرتب الذي تتقاضاه هو مقابل عملك.
стр. 1200
مواطن أداء المسافر زكاة الفطر
السؤال
شخص يريد أن يسافر للعمرة، فهل يخرج الزكاة في الموطن الذي صام فيه وأفطر، أو يجوز له أن يخرج الزكاة في بلده التي هو منها؟! وهل يجوز له أن ينقلها إلى بلدة أخرى؟
الجواب
الذي تطمئن إليه النفس -مع أن الأمر فيه سعة- أن تخرج في أي مكان تيسر لك فيه الإخراج؛ حملاً للضمير في قوله ﵊: (تؤخذ من غنيهم فترد على فقيرهم) ، على أنه يرجع إلى عموم المسلمين.
стр. 1201
تفاوت الكفارة في الثواب
السؤال
هل الإطعام والكسوة في كفارة اليمين سواء؟
الجواب
قال تعالى: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ [آل عمران:١١٥] ، فلو كان هناك رجلان كلاهما ثري، فأخرج أحدهما زكاته أرزاً، والآخر أخرجها زبيباً، فمن ناحية الإجزاء كلاهما قد أجزأه فعله لكن هل الله يثيب هذا كما يثيب ذاك؟ وإن كان الكل قد سقط عنه فرض زكاة، لكن هل من تيمم الطيب وتصدق به كمن تيمم الأدنى وتصدق به؟ قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧] .
وكذلك هل نقول: إن من كسا عشرة مساكين في كفارة اليمين كمن أطعمهم؟ فالإجزاء تم، لكن هل يستوي الثواب؟ أما إخراج القيمة بدلاً عن الطعام فأفهام صحابة رسول الله ﵊ تلقي ضوءاً على المسألة باتساع، والإمام البخاري مع الذين يرون أن القيمة تجزئ، ومن الاستدلالات التي استدل بها البخاري أثر منقطع علقه البخاري: أن معاذاً لما ذهب إلى اليمن -وهذا ليس في زكاة الفطر، إنما في زكاة أخرى- قال لأهل اليمن: ائتوني بثياب خميصة -نوع من أنواع الثياب التي كانت تصنع في اليمن- أيسر عليكم، وأنفع لأصحاب محمد ﷺ فمن العلماء من بنى على هذا الأثر أنه يجوز إخراج القيمة وفي سند الأثر: طاووس، وهو لم يدرك معاذاً، لكن ما زلنا بصدد البحث عنه.
وفي سنن النسائي وغيره أن النبي ﷺ ، ذكر أن من لم يجد بنت لبون فليخرج كذا وكذا، وحدد أشياء، فالمسألة -إن شاء الله- نذكر منها أقوال للسلف الصالح، ليس -فقط- أصحاب المذاهب الأربعة ﵏ -وإن كان منهم الأحناف الذين قالوا بالجواز-، لكن من الصحابة والتابعين رضي الله تعالى عنهم.
والخلاصة أننا احتياطاً لديننا نخرج كما قال الرسول ﵊، ونحتاط لديننا في ذلك.
والله أعلم.
стр. 1202
حال حديث: (الذنب لا يكتب إلا بعد ست ساعات لكي يتوب المذنب)
السؤال
حديث (الذنب لا يكتب إلا بعد ست ساعات لكي يتوب المذنب) هل هو صحيح؟
الجواب
صححه الشيخ ناصر الدين الألباني حفظه الله تعالى.
стр. 1203
المقصود بالمصلى في فضل الجلوس بعد الفجر حتى الشروق
السؤال
حديث: (من جلس يذكر الله في مصلاه من بعد صلاة الفجر كان له أجر حجة وعمرة تامة) ، هل المقصود بمصلاه مكانه الذي صلى فيه حيث لو انتقل داخل المسجد لسقط الأجر؟
الجواب
المراد عموم المسجد؛ لأن الله قال: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة:١٢٥] ، ومقام إبراهيم من المعلوم أنه الحجر الذي كان ملصقاً بالكعبة، ثم أبعد عنها وأحيط بالإكليل، فكل من صلى خلف المقام يكون متخذاً من مقام إبراهيم مصلى.
стр. 1204
الجمع بين حديث: (لم يضره شيطان) لمن ذكر الدعاء المأثور عند الجماع، وحديث: (إلا وطعنه الشيطان في خاصرته، فيستهل صارخاً غير مريم وابنها)
السؤال
كيف نوفق بين حديث الرسول في الدعاء عند الجماع أن من قاله فقدر له ولد لم يضره شيطان، وحديث: (ما من مولود يولد إلا ويطعنه الشيطان في خاصرته، فيستهل صارخاً إلا مريم وابنها) ؟
الجواب
الضرر في حديث النبي ﵊: (ما من مسلم يأتي أهله فيقول -كما أمره النبي ﵊: باسم الله.
اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، ثم قدر بينهما ولد لم يضره شيطان) ، المراد به: لم يضره شيطان بشرك، أو بكبيرة لا يتوب منها، لكن الضرر الواقع من المعاصي لابد منه، ولزاماً أن يذنب؛ لقوله ﷺ : (كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا مدرك ذلك لا محالة) ، فالضرر المنفي في قوله: (لم يضره شيطان) أي: لم يضره شيطان بشرك أو بكبيرة لم يتب منها، كما قال كثير من أهل العلم، وقد استشهد بعضهم في ذلك بقوله تعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾ [آل عمران:١١١] ، فقالوا: إنهم يضرون بأذى، لكن لا يضرون ضررا مخرجاً عن ديننا إن شاء الله.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:١٦١-١٦٣] .
стр. 1205
حكم الصدقة على الكافر
السؤال
هل يجوز التصدق على الجار النصراني إذا كان في ضائقة شديدة؟
الجواب
إذا كنت تقصد بالصدقة صدقة غير الزكوات المفروضة فجائز، فالصدقة غير المفروضة جائزة، أما إذا كنت تقصد زكاة المال فزكاة المال لا تعطى للنصراني، إلا إذا كان من المؤلفة قلوبهم، وذلك لأن النبي ﷺ قال: (أعلمهم أن الله افترض عليهم زكاةً في أموالهم تؤخذ من غنيهم وترد على فقيرهم) أي: فقير المسلمين.
والله أعلم.
стр. 1206
حكم توريث أبناء البنت
السؤال
ماتت ابنتي في حياتي وتركت أولاداً، فهل هؤلاء الأولاد يرثون من تركتي بعد موتي، وأنا جدهم لأمهم، أم لا ميراث لهم؟
الجواب
شرعاً لا أعلم لهم نصيباً في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ﷺ ، لكن الحكومة تقضي لهم بالوصية الواجبة، وهي أن لهم ثلث التركة مجتمعين.
стр. 1207
مسائل في زكاة الفطر
السؤال
ما حكم إخراج زكاة الفطر نقوداً؟ زكاة الفطر لا تخرج مالاً؛ لحديث ابن عمر ﵁ قال: (فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر صاعاً من تمر، أو صاعاً من أقط، أو صاعاً من زبيب، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من طعام على الحر والعبد، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين) .
ولا يجوز الإخراج قيمةً، وهذا رأي مالك والشافعي وأحمد رحمهم الله تعالى.
لكن هناك اعتبارات لا بد من ملاحظتها، وهي أننا في الحرم المكي، وبعد أن ننتهي من صوم آخر يوم من رمضان نخرج لإخراج الزكاة، فنجد أمام الحرم أقواماً يبيعون أرزاً، كل كيس يحوي صاعاً، فأشتري كيس الأرز بثمانية ريالات، وأبحث عن فقير، فإذا بأناس فقراء بجوار البائع، فأُسلم الكيس لأحدهم، وبهذا برئت ذمتي.
وأمام عيني يأخذ الفقير الكيس ويبيعه للتاجر الذي اشتريت أنا منه، ومن حق الفقير أن يبيع، فيأخذ التاجر الكيس منه بستة ريالات، ثم أرجع أشتري مرة ثانية لكي أتصدق عن زوجتي، أو عن أولادي، وأشتري من نفس التاجر، وأعطي الفقير يردها إلى التاجر، وهكذا، وفي كل حالة يستفيد التاجر.
فلماذا لا أسلم للفقير الثمانية الريالات وانتهي؟ لأن التاجر ليس بحاجة إلى الصدقة، والفقير أحوج منه، فهذا وجه للنظر.
وأنا موقرٌ لأقوال القائلين بأن زكاة الفطر لا تخرج إلا من الأصناف التي ذكرها الرسول، لكن لهذا فقه ولهذا محل، وأحياناً القيمة لا تجزئ، فإذا كانت السيولة متوافرة والمطعومات شحيحة فقد أقول لك: لا تجزئ القيمة.
لكن إذا كان الطعام متوافراً من كل الأصناف، وهو يستطيع أن يشتري الذي يناسبه ويتناسب مع أسرته، ألا يجزئ في هذه الحالة أن يأخذ برأي الأحناف؟ صحيح أن أمير المؤمنين معاوية ﵁ رأى أن نصف صاع من بر الشام يعدل صاعاً من تمر المدينة، لكنه اجتهد في مصادمة نص صريح؛ لأن الرسول ﵊ قال: (صاعاً من تمر، أو صاعاً من زبيب، أو صاعاً من أقط، أو صاعاً من طعام) ، ومعلوم يقيناً أن قيمة الصاع من الزبيب تختلف عن قيمة الصاع من التمر، فالمسألة ليست مسألة قيمة؛ لأن صاع التمر يختلف عن صاع الزبيب من ناحية الثمن، فصاع الزبيب يمكن أن يأتي بخمسة وعشرين جنيهاً، وصاع التمر يمكن أن يأتي بخمسة جنيهات، أو بعشرة جنيهات.
وأنا لا أقرر المسألة، لكن أذكر الأقوال في المسألة، أما أنا فلا أخرج إلا طعاماً، لكن لا أستطيع أن أقول: إن من أخرج الزكاة قيمة تبطل زكاته؛ لأنه أولاً بنى على اجتهاد علماء أفاضل، وعليه مذهب من المذاهب، لكن متى نحكم أن القيمة لا تجزئ؟ إذا لم يكن الطعام متوافراً؛ لأنها لم تفد الفقير بشيء.
وأقول: نحن نخرج كما أخرج رسول الله عملاً بظاهر النص: (فرض رسول الله صدقة الفطر صاعاً من تمر، أو صاعاً من أقط، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من زبيب) .
وأيضاً أراعي أحوال الناس من ناحية كون القيمة يستطاع الانتفاع بها، أو لا يستطاع؟ وأمر ثالث: لا أثبت هذه القيمة بشيء ثابت، فمن شاء أن يخرج قيمة الزبيب أخرج، ومن شاء أن يخرج قيمة البر أخرج، لكن القطع ببطلان من أخرج القيمة وأن زكاته لا تجزئ لا أستطيعه، ولا أتحمله.
وأنا آخذ برأي أكثر العلماء، وأخرج الأنفع للفقير، وهو ما نص عليه رسول الله ﵊، لكن لا أستطيع القطع ببطلان من أخرج القيمة ولا أتحمله.
وتحديد القيمة بـ (دينار) ليس بصحيح؛ لأن العملة تتغير من زمن إلى زمن، فأحياناً الأرز -مثلاً- يباع بدينار، وأحياناً الدينار لا يأتي بربع صاع الأرز، على حسب اختلاف العملات.
وهب أن الرسول ﵊ قال -مثلاً-: صدقة الفطر دينار.
والدينار يعادل -مثلاً- نصف ريال سعودي، فالريال السعودي كان إلى عهد قريب تستطيع أن تشتري به كميات هائلة من الطعام، أما الآن فما تستطيع أن تشتري الذي كنت تشتريه بالريال من قبل.
فإذا أثبتنا القيمة يأتي زمن والقيمة لا تنفع الفقير بحال من الأحوال.
أما وقت إخراج الزكاة فأنسب الأوقات وأنفعها بعد غروب شمس آخر يوم من رمضان إلى صلاة العيد.
أما الوقت المختار عند الأكثرين فهو قبل العيد بيوم أو يومين، ومن العلماء من أجازها طيلة رمضان.
وهناك مسائل في الشرع ليس هناك أحد يفكر فيها، حتى أهل الإحسان، وهي كفارة اليمين: إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، فما هناك أحد يفكر أبداً أنه يكسو عشرة مساكين من أجل كفارة يمين.
حتى الأثرياء يكفر أحدهم بإطعام عشرة مساكين، أما أن يكفر بتحرير رقبة عن يمين فهذا مستحيل، لكن ورد من تصرفات أم المؤمنين عائشة أنها كانت أقسمت أيماناً وعقدت الأيمان ألا تكلم عبد الله بن الزبير لأنه قال: لتنتهين أم المؤمنين عن كذا وكذا أو لأحجرن عليها، فأقسمت وعقدت أيماناً ألا تكلمه طيلة حياتها، ثم احتال عليها عبد الله بن الزبير بحيلة حتى يدخل عليها؛ إذ هي خالته، فجاء مع بعض أحد محارم أم المؤمنين من الرضاعة، فطرق عليها الباب فقالت له: من؟ قال: أنا فلان.
قالت: ادخل، قال: أدخل ومن معي؟! قالت: أدخل ومن معك.
فدخل عبد الله بن الزبير معه، ووثب على رأسها يقبل رأسها ويبكي؛ وهي تبكي وتقول: يميني ماذا أصنع بها؟ ثم إنها أعتقت في هذا اليمين عدة رقاب.
فمن العلماء من يقول: يستحب مضاعفة الكفارة وليس إيجاباً.
أي أن اليمين إذا كانت مغلظة تغليظا شديداً كفّر عنها بإطعام عشرة مساكين أو كسوتهم كما قال الله، ولكن لا مانع من أن تكفر عنها بما هو أفضل من ذلك، ولك ثواب.
وهذه اليمين التي تكفر ليست اليمين الكاذبة، فاليمن الغموس لا كفارة لها عند الجمهور، واليمين الغموس: هي اليمين التي أقسمها رجل ليقتطع بها مال امرئ مسلم ولا كفارة لها إلا إذا ردت المظلمة إلى أهلها.
وإذا أقسم كاذباً ليس لاقتطاع حق امرئٍ مسلم وإنما ستراً على شخص مثلاً، أو لأي سبب فهو آثم؛ لأنه كاذب، لكن كونه يكفر بكفارة مادية لإطعام عشرة مساكين، أو لا يكفر فالإمام الشافعي رحمه الله تعالى يرى أنه يكفر؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة:٨٩] ، وجمهور العلماء يرون أن هذه لا كفارة لها.
стр. 1208
تفسير سورة المجادلة [١]
لقد بين في بداية سورة المجادلة أنه يسمع تحاور المتحاورين، وشكوى الشاكين، وهذا دليل على عظمة الله وقدرته، ولقد بين حال المؤمنين إذا ألمت بهم المعضلات كيف أنهم يلجئون إليه سبحانه، ويشكون إليه ويدعونه ويستغيثون به؛ ليكشف ما بهم من بلاء وهم وغم؛ لأنهم يعلمون علم اليقين أن الله وحده هو الذي يفرج همهم وينفس كربهم ويقضي حوائجهم، وهذا ما فعلته المجادلة عن نفسها حين لم تجد جواباً عند النبي ﷺ ، ففزعت إلى ربها واشتكت إليه، فإذا برب العزة والجلال وفي الحال يجيب شكواها ويرفع بلواها ويجبر كسرها، ويرحم عجزها وضعفها، ويبقي لها زوجها؛ حتى لا تكون وحيدة لا تجد من يأويها ويقوم برعايتها.
فلابد إذاً من اللجوء إلى الله في كل وقت وفي كل حال، فهو النافع والضار، وهو الرحيم بعباده .
стр. 1209
تفسير قوله تعالى: (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها .)
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
وبعد: فنحن في استهلال تفسير الجزء الثالث من كتاب الله بعد أن أنهينا الجزء الأول، والثاني، أعني الثلاثين، والتاسع والعشرين.
سورة المجادلة على رأي أكثر أهل العلم سورة مدنية نزلت على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالمدينة.
وقد استثنى بعض أهل العلم بعض آياتها وقالوا في بعض آياتها: إنها نزلت بمكة.
لكن كما سمعتم أكثر أهل العلم على أنها سورة مدنية، وهي تتعلق بالأحكام والمعاملات بين المؤمنين، كما هو شأن أكثر السور المدنية، بينما تتعرض السور المكية في أكثر أحوالها إلى مناقشة أمور العقائد، والتذكير بالجنة وبالنار في الجملة.
يقول الله : ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِير﴾ [المجادلة:١] .
стр. 1210
ثبوت صفة السمع والبصر لله، وتعزيز مبدأ المراقبة له سبحانه
قال تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة:١] ، الآية أثبتت كغيرها ما هو من بدهيات الإسلام: صفة السمع لله ، ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة:١] ، ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة:١] ، فهذه الآية مع غيرها من الآيات تعزز مبدأ مراقبة الله ، وعليك أن تعبد الله على هذا النحو، تعبده عبادة المحسنين، إن لم تكن تراه فإنه يراك، قال تعالى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الشعراء:٢١٨-٢٢٠] ، وقال سبحانه: ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [النور:٦٤] ، وقال جل شأنه: ﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾ [هود:٥] أي: وهم متغطون بثيابهم.
﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [هود:٥] .
وهذا المعنى قد لقنه لقمان لولده: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان:١٦] ، وأيضاً: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس:٦١] ، والآيات في باب الحث على مراقبة الله لا تكاد تنتهي، قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٩] ، ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الملك:١٣] ، آيات لا تحصى ولا تنتهي، تفيد أنك مراقب بدقة وأي دقة، مراقب مراقبة دقيقة من كل صوب ومن كل اتجاه، وكل الحركات منك محسوبة عليك، بل ما بداخلك مطلع عليه ربك ، قال ﷻ : ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦] ، فأنت يا ابن آدم ضعيف كما قال ربك سبحانه، وكما قال النبي ﷺ ، وأنت عجول، ومع هذا كله فأنت مراقب مراقبة صارمة ودقيقة في غاية الدقة.
قال الله سبحانه: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة:١] ، والمحاورة: هي إرجاع الكلام إلى الطرف الآخر، هو يتكلم وأنت تحاوره، أي: ترد الكلام عليه، كما قال الشاعر في وصف فرسه: لو كان يدري ما المحاورة اشتكى ولكان لو علم الكلام مكلمي قال الله : ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة:١] ، (وقد تلا النبي ﷺ آية ختامها يشابه هذا الختام: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:٥٨] ولما تلاها النبي ﵊ وضع إبهامه على أذنه وسبابته على عينه) ، فاستنبط بعض العلماء من هذا الحديث: إثبات السمع والبصر لله ، ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة:١] .
стр. 1211
سبب نزول الآيات الأولى من سورة المجادلة وفيمن نزلت
أخرج البخاري في صحيحه من حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: (الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات -وفي رواية: تبارك الذي وسع سمعه الأصوات- لقد جاءت المجادلة إلى رسول الله ﷺ تجادله وتحاوره وأنا في ناحية البيت، لا أسمع ما تقول، ولا أدري ما تقول، حتى نزل قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِير﴾ [المجادلة:١] ) .
وقوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة:١] ، قد هنا للتحقيق كما هو واضح، وكذلك إذا دخلت (قد) على المضارع في كثير من الأحيان تأتي للتحقيق: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب:١٨] ، ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْه﴾ [النور:٦٤] ، وهنا ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة:١] .
المجادِلة على رأي جمهور المفسرين هي: خولة بنت ثعلبة، والأسانيد بهذه التسمية وإن كان في كل منها مقال، إلا أن رأي جمهور المفسرين أن المجادلة هي خولة بنت ثعلبة، وزوجها على رأي الجمهور هو أوس بن الصامت أخو عبادة بن الصامت، وعبادة بن الصامت هو الصحابي الجليل المشهور أحد نقباء الأنصار الذين بايعوا النبي ﷺ ليلة العقبة، فأوس أخوه، وجملة الأسانيد -كما قلنا- لا يخلو سند منها من مقال، لكن بجملتها تعطي هذا المعنى الذى قلناه وتقلده أكثر المفسرين، وسبب نزول الآية وهو: (أن خولة بنت ثعلبة أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله! زوجي وابن عمي، أفنى شبابي، وأكل مالي، ونثرت له بطني، فتركني حتى ضعفت قوتي، ورق عظمي، ثم جاء وظاهر مني وقال: أنت عليَّ كظهر أمي) .
وكان في الجاهلية إذا قال قائل لزوجته: أنت علي كظهر أمي، يعد طلاقاً وفراقاً، فجاءت تشتكي -بعد هذه العشرة الطويلة مع زوجها- مقالة زوجها للنبي ﷺ ، فلم ير النبي ﷺ فيها شيئاً، إلا الشيء الذي كان متبعاً وهو إتمام الفراق، فجادلت النبي ﷺ في ذلك، وراجعت النبي ﷺ في ذلك علها تجد رخصة من النبي ﷺ في البقاء مع زوجها، فما وجدت شيئاً عند النبي ﷺ ، فاتجهت بشكواها إلى ربها ، إلى الله أشكو حالتي، إلى الله أشكو ضعف قوتي، إلى الله أشكو فراق ابن عمي، واتجهت بشكواها إلى الله .
وهذا هو شأن أهل الصلاح، إذا انقطع رجاؤهم في البشر فإن رجاءهم في الله لا ينقطع، كما قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها بعد سماعها مقالة النبي ﷺ في حديث الإفك: (يا عائشة إن كنت قد ألممت بذنب فاستغفري الله، فإن الله يغفر الذنوب جميعاً، وإن العبد إذا أذنب واستغفر الله غفر الله له) ، فقالت بعد مجيء هذه المقولة من أحب الناس إليها من رسول الله ﷺ ، وهو آخر من كانت تتوقع أن يقول هذه المقالة، قالت مقالتها الشهيرة: (لقد قلتم قولاً واستقر في أنفسكم، والله يعلم أني منه بريئة، ولو قلت لكم: إني بريئة ما صدقتموني، ولو قلت لكم: إني فعلت الذي تريدون مني لصدقتموني، فلا أجد لي ولكم مثلاً إلا كما قال أبو يوسف: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف:١٨] ) ، ونحو هذه المقولة أيضاً قالها هلال بن أمية الواقفي رضي الله تعالى عنه لما رأى رجلاً مع زوجته، وجاء وأخبر النبي بذلك، فقال له الرسول ﷺ : (هات البينة.
قال: ما عندي بينة يا رسول الله! قال ﵊ مكرراً: هات البينة.
قال: ما عندي بينة يا رسول الله! قال ﵊: البينة أو حد في ظهرك) وأخذ ليقام عليه الحد، ولكن رجاؤه في الله لم ينقطع فأخذ كي يقام عليه الحد، ويقسم بالله وهو في طريقه لإقامة الحد عليه: أن الله سيبرئ ظهره وقد كان، فنزلت آية الملاعنة فرجاً ومخرجاً لـ هلال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النور:٦-٧] .
وهكذا ينبغي أن نكون، إذا انقطع رجاؤنا في البشر فلا ينقطع رجاؤنا في ربنا ، فبابه مفتوح، وعنده خزائن كل شيء، ويجعل دائماً بعد العسر يسراً .
شكت المجادلة حالها إلى ربها ، واستمع الله لشكواها كما نص على ذلك في هذه السورة الكريمة.
وقد ورد في بعض الأسانيد التي ينظر فيها: أن عمر كان في سفر مع بعض رجالات قريش وأكابر قريش، وفي بعض الروايات أنه خرج لبعض مغازيه فاعترضته امرأة في الطريق، فأوقفته طويلاً وخاطبته وهي عجوز، فقالت له: يا ابن الخطاب! قد كان يقال لك وأنت صغير: يا عمير! ثم قالوا لك: يا عمر! لما كبرت، ثم قالوا لك: يا أمير المؤمنين! فاتق الله يا ابن الخطاب! فإن من أيقن بالموت خاف الفوت، ومن أيقن بالحساب خاف العذاب، وطال مقامها معه حتى عاتبه بعض رجال قريش، وقال: يا أمير المؤمنين! تحبس الجيش على امرأة عجوز مثل هذه، فقال له عمر: أتدري من هذه التي أوقفتني؟ إنها التي استمع الله إلى قولها من فوق سبع سماوات، ونزل في ذلك قرآن: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة:١] ، أفيستمع ربنا إلى قولها ولا يستمع عمر إليها؟.
стр. 1212
تفسير قوله تعالى: (الذين يظاهرون منكم من نسائهم .)
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة:٢] أي: الذي يقول لزوجته ما كان أهل الجاهلية يقولونه: أنت عليّ كظهر أمي، أي: أنت محرمة عليّ كما أنه يحرم عليّ أن آتي أمي وأجامعها، فأنت كذلك، وعبر بالظهر؛ لكونه المركوب، وإلا الذي يركب هو البطن في الغالب.
﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة:٢] ، في قوله: (من نسائهم) إبطال لكل ظهار على غير الزوجة، فإذا قال رجل من الناس: فلانة عليّ كظهر أمي إن تزوجتها، فلا اعتبار لهذا الكلام؛ لأنها ليست من نسائه، وربنا يقول: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة:٢] ، ثم إنه قبل أن يتزوجها هي محرمة عليه، إن لم يكن التحريم كتحريم الأم، فاستفيد من الآية: أن المظاهر من غير امرأته لا اعتبار لظهاره، وكذلك مطلق غير امرأته، كمن يقول: فلانة طالق إن تزوجتها، كذلك يأخذ نفس الحكم.
﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ [المجادلة:٢] أي: الذي يقول لزوجته: أنت عليّ كظهر أمي، كذاب، فزوجته ليست هي أمه.
﴿إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُم﴾ [المجادلة:٢] يعني: أمك هي التي ولدتك، ولا يعكر على هذا قوله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب:٦] فأزواج النبي ﷺ أمهاتنا في المحرمية، ولسن أمهاتنا من النسب، ولكنهن محرمات علينا تحريماً أبدياً كتحريم الأمهات، كما قال تعالى: ﴿وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٣] ، لكن ليس مقتضى هذه المحرمية أننا نراهن؛ فتحريم رؤيتهن استنبط من دليل آخر ألا وهو: ﴿َإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنّ﴾ [الأحزاب:٥٣] .
قال تعالى: ﴿إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُم﴾ [المجادلة:٢] ، ويستنبط من هذه الآية منع التبني بالنسبة للنساء، فكون امرأة تأتي وتلتقط طفلاً وتنسبه إليها على أنه لها ولد فهذا باطل، فكما أن الله حرم التبني بالنسبة للرجال بقوله: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب:٥] ، كذلك الأمر بالنسبة للنساء.
﴿إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ﴾ [المجادلة:٢] أي: المظاهرون الجهلة، ﴿لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة:٢] أي: يقولون قولاً كذباً ومنكراً ومزوراً.
﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة:٢] ، فالظهار فضلاً عن الأحكام الفقهية المترتبة عليه هو في نفسه إثم، لكونه قولاً منكراً وقولاً وزوراً.
стр. 1213
دعوة أصحاب الكبائر إلى التوبة وعدم اليأس من رحمة الله
قل تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ [المجادلة:٢] وهذا التذييل لهذه الآية الكريمة مطرد في كتاب الله يفتح باب التوبة لكل مذنب، فكلما ذكرت كبيرة في كتاب الله وذكرت عقوبتها؛ ذيلت آياتها بفتح باب التوبة حتى لا يقنط شخص من رحمة الله، ولا ييئس شخص من رحمة الله، فاليأس من رحمة الله كبيرة ﴿إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧] ، ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر:٥٦] ، فحتى ينتفي هذا المعنى ألا وهو اليأس والقنوط من رحمة الله، فتح باب التوبة بعد ذكر الكبائر، فإلى هؤلاء الذين جهلوا وارتكبوا الذنوب، ويحتاج الذنب إلى رمضان يكفره، أو إلى عمرة تكفره، أو إلى حج يبيده ويزيله، وقد يعجز حتى الحج عن تكفير الذنب، فأمره يوكل إلى الله .
وقد جاءت فتاوى العلماء على هذا النمط في عدة مسائل، ليست عليها أدلة في الكفارات، كأن تذنب ذنباً فتبحث عن فتاوى العلماء في هذا الذنب تجدها متعددة، فكلٌ قيَّم الذنب بحسبه، من ذلك -مثلاً-: كفارة من جامع زوجته وهو محرم، لم يرد فيها نص عن رسول الله ﷺ إلا عموم قوله تعالى: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧] ، لكن كم هي الكفارة؟ من العلماء من قال: يذبح جملاً.
فكما أسلفنا أن عظم الكفارة تدل على عظم الذنب، والكفارات التي لم تحدد في الشرع، أو الفروض التي لم تحدد لها كفارات في الشرع، تقدر بقدرها، ويفعل الشخص حسنات توازيها أو تزيد عليها حتى تمحى وتزال، بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤] ؛ ولما روي عن النبي ﷺ أنه قال: (وأتبع السيئة الحسنة تمحها) ، وكما أسلفنا أن فتاوى العلماء أحياناً تختلف في مسألة من المسائل، مثلاً: تجد شخصاً قد أذنب ذنباً فذهب إلى الإمام الشافعي، فقال: كفارته كذا وكذا، وليس هناك دليل على هذه الكفارة التي ذكرها الإمام الشافعي، أو دليل على بيان حجمها، والإمام مالك رحمه الله تعالى يفتي بكفارة من نوع آخر، وأحمد يفتي بكفارة من نوع ثالث، فالكل نظر إلى حجم الذنب وإلى قدر الحسنات التي توازيه، فرأى هذا القدر يتمثل في كذا وكذا.
ومن هذا الباب ما روي عن عبد الله بن عباس ﵄: أن رجلاً أتاه فقال: يا ابن عباس! إني أذنبت ذنباً كبيراً كلما تذكرته اقشعر جلدي، قال: وما هو؟ قال: رزقت ببنت من زوجتي وكانت حسناء، فأصابني ما يصيب أهل الجاهلية من العار، وهممت بوأدها، ولكني تصبرت حتى كبرت وأصبحت ذات جمال، فقلت لأمها ذات يوم: جمليها وألبسيها أحسن الثياب، فجملتها وألبستها أحسن الثياب، ثم أخذتها فلما رأت أمها في وجهي الشر قالت: اتق الله ولا تمس ابنتك بسوء، فوعدتها خيراً، وذهبت بها بعيداً إلى حافة بئر، فأردت أن أقذفها في البئر، فتعلقت بثيابي وقالت: يا أبتِ! ماذا تريد أن تصنع بي؟ فأمسكت عنها، وأخذتني الرأفة، ثم ذهبت بها بعيداً وعاودني ما يعتري أهل الجاهلية من الجهل والعار فجئت لأدفعها فتعلقت بثيابي قائلة: يا أبت! ماذا تريد أن تصنع بي؟ فأخذتني الرأفة، ثم تحاملت على نفسي وقذفتها في البئر وقتلتها، فماذا عليّ يا ابن عباس؟ فـ ابن عباس استعظم الذنب -وهذا هو الشاهد- فقال: اذهب فلا أجد لك شيئاً، فانطلق الرجل ثم دعاه ابن عباس فقال: هل لك أم حية؟ قال: لا، فانصرف الرجل ثم رجع إلى ابن عباس فقال: يا ابن عباس! وماذا تريد مني بسؤالك: هل لك أم حية؟ قال: لا أعلم شيئاً يوازي الذي صنعت إلا برك بأمك.
فـ ابن عباس ﵄ نظر إلى حجم الذنب، ونظر إلى حسنة تكافئ هذا الذنب أو تزيله وهو البر بالأم، فمن ثم بين للمذنب هذه الحسنات وهذه الخيرات التي تباد بها هذه السيئات.
إذاً: إذا علمت هذا؛ فلا يعد خلافاً بين العلماء أن يفتي عالم بفتاوى وبكفارة معينة في المسائل التي ليس فيها نص، ويفتي عالم آخر بكفارة أخرى في نفس المسألة التي ليس فيها نص، فيكون هذا قد اجتهد في تحديد حجم الكفارة، وهذا قد اجتهد في تحديد حجم الكفارة.
أما أن تأتي وتقول: المسألة ليس فيها دليل فيكفي أن تستغفر الله، صحيح أن المسألة ليس فيها دليل، لكن نهاية الكلام فيه قصور، فالاستغفار قد لا يكفي في أكثر الأحيان مع الذنوب الكبار، إلا إذا شاء ربي شيئاً آخر.
فمن ثم جاءت عقوبة الظهار تحرير رقبة، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فدل على عظم ذنب من قال لزوجته هذا القول المنكر: أنت عليّ كظهر أمي، فهي مقولة لا تصدر إلا من أهل الجهل وأهل الغباء، إذ هي في نفسها مقولة قبيحة مستقبحة مستنكرة، هي منكر من القول كما وقال ربنا، وإضافة إلى النكارة فهي زور ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة:٢] .
стр. 1214
تفسير قوله تعالى: (فمن لم يجد فصيام شهرين .)
قال الله : ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [المجادلة:٤] ، المراد: بالشهور العربية، وليس بالشهور الميلادية، فإن كان الهلال يتراءى فابنِ على رؤية الهلال، وإن كان الهلال مهملاً لا يتراءى في أكثر الشهور، فقال كثير من العلماء: تصوم ثمانية وخمسين يوماً، لقول النبي ﵊: (الشهر هكذا، الشهر هكذا، الشهر هكذا، وخنس الإبهام في الثالثة -أي: تسعة وعشرون يوماً- فإذا غم عليكم فأتموا عدة شعبان ثلاثين يوماً) أو كما قال ﵊.
﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ﴾ [المجادلة:٤] ، والاستطاعة في الحقيقة يعلمها ربك، فكثير من الشباب يفعل فعلة تستوجب الصيام، والله يعلم من حاله أنه يطيق الصيام، فيتجه إلى الإطعام، فليعلم مثل هذا أن الاتجاه إلى الإطعام مع استطاعة الصيام لا يجزئ؛ لأن الله يقول: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ﴾ [المجادلة:٤] .
فكذلك أصحاب الكفارات الأخرى، مثل: المجامع في رمضان، وقاتل الخطأ، كأن يصدم شخصاً بسيارته فيموت المصدوم، كل هؤلاء في حقهم الكفارة المغلظة التي هي صيام شهرين متتابعين، فمن لم يستطع فحينئذ يتجه إلى إطعام ستين مسكيناً، ﴿ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ [المجادلة:٤] أي: فلا تعتدوها ولا تتخطوها، ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المجادلة:٤] عافانا الله وإياكم منه!
стр. 1215
الأسئلة
стр. 1216
حكم من قتل جرادة أثناء العمرة ولم يذكر التحريم
السؤال
كنت في العمرة في رمضان، وأثناء الطواف قتلت جرادة ماشية، ولم أتذكر التحريم فهل عليّ شيء أفعله؟
الجواب
إذا كنت ناسياً فإن الله وضع عن أمة محمد ﷺ الخطأ والنسيان، وإذا كنت عالماً فابعث مع من يذهب إلى مكة ليتصدق بقيمته في مكة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة:٩٥] .
وهذا إذا قلنا بالكفارة.
стр. 1217
معنى العج والثج
السؤال ما هو العج والثج؟
الجواب
الثج: كثرة إراقة الدماء في الحج، والعج: رفع الصوت بالتلبية.
стр. 1218
رجل سافر مع إحدى زوجتيه هل يقضي للأخرى أيامها ؟
السؤال
زوجي كان معي في العمرة على نفقتي، وعند عودتنا يريد أن يمكث مدة مثل التي قضيناها في العمرة عند الزوجة الأخرى، فهل له ذلك؟
الجواب
يعني زوجته أنفقت عليه وأخذته للعمرة على نفقتها، ثم رجع من العمرة فيريد أن يقضي الأيام التي قضاها معها في العمرة عند الأخرى، فإذا كانت الأخرى اشترطت عليه ذلك ووافقت المعتمرة على ذلك؛ فله أن يقضي الأيام عند الأخرى، وإن لم تكن اشترطت وخرج بموافقتها فلا قضاء عليه، إذا خرج بموافقة الباقية هنا، لو قالت له: اخرج ولم يحدث بينهما شروط ولا اتفاقيات فلا قضاء عليه، والله أعلم.
стр. 1219
حكم من تلفظ بالطلاق وهو في حالة تفكير عميق
السؤال
تلفظ شخص مع نفسه وفي حالة من التفكير في موضوع بلفظ: أنت طالق يا فلانة باسمها، وهو وحده ليس معه أحد أثناء تفكيره بالانفصال عن زوجته التي لم يبن بها؟
الجواب
أخونا السائل موسوس! ولا شيء في طلاقه، والنبي ﷺ قال: (إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تقل أو تفعل) وهو موسوس كما قال العلماء فلا شيء في ذلك.
стр. 1220
حكم أخذ المرتب أثناء العطلة الصيفية
السؤال
نعمل في التربية والتعليم، فما الحكم في المرتب أثناء الإجازة الصيفية فنحن لا نذهب؟
الجواب
المرتب حلال لك.
стр. 1221
حكم الاستمناء وكيفية الابتعاد منه
السؤال
يسأل الأخ عن حكم الاستمناء؟
الجواب
نذكره بمراقبة الله في السر والعلن، فإذا راقبت ربك استحيت من نفسك، فأنت تستحي أن يراك رجل من صالحي قومك على حال سيئة، كيف والرقيب شهيد سبحانه وقد قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون:٥-٧] ، وإذا ابتليت بشيء من ذلك فأتبعه بفعل حسنات، وإكثار من الصلاة والصيام، واعمل بنصيحة النبي ﵊ (من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم) .
стр. 1222
حكم تعاطي ما يمنع الحمل لإتمام الرضاع
السؤال
زوجة لها ابن لم يبلغ السنتين وتريد أن تأخذ ما يمنع الحمل حتى تستطيع أن تعطيه حظه من الرضاعة، هل عليها في ذلك إثم؟
الجواب
إذا كان لإتمام الرضاع، والوسيلة المستعملة لا تضر بها ولا بطفلها بشهادة الأطباء العدول الثقات، فلا بأس بذلك إلى أن ينقضي العامان والله أعلم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 1223
حكم حلق الشارب
السؤال
هل ورد شيء في حلق الشارب بالكلية؟
الجواب
الرسول ﷺ قال (قصوا الشوارب) ، والذي أعلمه فقط مقولة الإمام مالك: من حلق الشارب يؤدب، والمسألة محل بحث، والله أعلم.
стр. 1224
حكم من سرق شيئاً قبل البلوغ وأراد التوبة
السؤال
يقول الأخ: سرقت وأنا في سن الثالثة عشرة، وتبت ورجعت إلى الله، ولكن عند المعرفة بأن توبة السارق لا تقبل إلا برد ما أخذه مع عظم الشعور بالذنب، ولم أعد أفكر في أي ذنب إلا هذا الذنب الذي بدد عليّ رجوعي إلى الله، وحال بيني وبين الله، مع العلم بأني قلت لنفسي: حينما يخلف الله علي سأقضي الدين، ولكن أخشى الموت قبل سداد الدين، ولا أستطيع الاعتراف لهم بسرقتي؛ لأني شديد الحياء؟
الجواب
لا تعترف بسرقتك الآن، واستر على نفسك إلى أن يوسع الله عليك، وسدد إليهم المال إذا وسع الله عليك، ولا تقنط من رحمة الله، واطلب مسامحتهم إجمالاً، ولا تحدد أنك سرقت وأنت ابن ثلاثة عشر عاماً.
وعندنا مخرج آخر، لكن أخبرك به أنت وحدك، إلا إذا كان هنا لا يوجد صغار، وهو: إذا كنت دون البلوغ فالأمر أخف، والله أعلم.
стр. 1225
حكم الجمع بين تحية المسجد وسنة الوضوء
السؤال
هل يجوز الجمع بين تحية المسجد وسنة الوضوء بنية واحدة؟
الجواب
نعم يجوز الجمع بين تحية المسجد وسنة الوضوء، بل وسنة الظهر القبلية، بل والاستخارة مع هذه كلها بنية واحدة، يعني: يجوز أن تصلي ركعتين هي سنة الظهر القبلية، وهي تحية المسجد، وهي سنة الوضوء، وهي استخارة، يجوز أن تجمع بين هذه الأشياء.
أما قضاء رمضان مع الست من شوال فلا؛ لأن هذه مسألة أخرى، لا يجوز الجمع بين النيتين في مسألة قضاء رمضان مع الست من شوال.
стр. 1226
حكم الصفرة والكدرة بعد الطهر وقبله
السؤال
تقول امرأة: إنها في فترة نفاس، ورأت الطهر في اليوم الثلاثين صباحاً، وفي نفس اليوم وجدت إفرازات لونها متغير صفراء حمراء، فتركت الصلاة، تقول: لكن أرى هذه الإفرازات مرة على لونها الطبيعي ومرة متغيرة، فإذا كان ما رأيته هو الطهر فماذا أفعل في الصلوات التي فاتتني؟ وكيف أتأكد من الطهر الذي قبل الأربعين؟
الجواب
إذا رأت المرأة الطهر في صبيحة الثلاثين كما ذكرت، وبعد أن رأت الطهر وتأكدت منه نزلت إفرازات، أو نزلت الصفرة والكدرة، فالصفرة والكدرة إذا كانت أثناء النفاس أو أثناء الحيض فحكمها حكم الحيض أو النفاس، وإذا كانت بعد رؤية الطهر فلا اعتبار لها، فتبني على الطهر.
الحاصل في مسألة الصفرة والكدرة: إذا كانت أثناء الحيض فهي حيض، وإذا كانت بعد الطهر فلا اعتبار لها، ولا تمنع المرأة من طهرها.
فنقول لها: لا تعتذر بالصفرة والكدرة، بل عليها أن تصلي، أما بالنسبة للأيام التي تركت الصلاة فيها، فإن كان قد مضى زمنها من مدة طويلة فلا شيء عليها؛ لأنها اجتهدت وأخطأت في هذا الباب، وإن كانت قريبة العهد بذلك تقضي مع كل صلاة صلاة.
стр. 1227
حكم زيارة المقابر في يومي الخميس والجمعة
السؤال
هل هناك فضيلة في زيارة المقابر يوم الخميس أو الجمعة أو بعد صلاة فجر السبت؟
الجواب
ليست هناك فضيلة في ذلك؛ بل قد تكون إلى الابتداع أقرب لتخصيص يوم بمراسم معينة، ولكن جاءت أحاديث الرسول ﷺ عامة (زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة) ، فلم يقيد النبي ﷺ ذلك بوقت دون آخر.
стр. 1228
عدم لزوم صلاة الظهر لمن طهرت بعد المغرب بقليل
السؤال
إذا طهرت الحائض وقد دخل وقت المغرب بقدر ركعة، فهل يجب على المرأة أن تصلي الظهر والعصر جمع تأخير أم يستحب ذلك؟
الجواب
هذه المسألة فيها أقوال كثيرة للعلماء، لكن ليس هناك دليل يلزم المرأة التي هذه حالتها بأن تقضي الظهر ولا العصر، ليس هناك دليل، فعليه ليس في ذمتها إلا فرض المغرب.
стр. 1229
حكم إزالة المرأة الشعر من الرجل واليد وما بين الحاجبين
السؤال
الشعر الذي ينبت في رجل المرأة ويدها وما بين حاجبيها، هل يشرع لها إزالته؟
الجواب
أما الذي في رجلها ويدها فيجوز لها أن تزيله، وما بين الحاجبين من حام حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، فلتبتعد عن الشعر الذي بين الحاجبين، فمن العلماء من يحكم بأن إزالته نمص، وأما الذي في اليد أو الرجل لها أن تزيله.
стр. 1230
عدم ثبوت ذكر معين عند إقامة الصلاة
السؤال
هل يشرع ذكر معين عند إقامة المؤذن للصلاة؟ وماذا يجب عند سماع الإقامة؟
الجواب
لا يثبت في ذلك حديث، وحديث: (أقامها الله وأدامها) حديث ضعيف.
ويجب عليك أن تقوم عند سماع الإقامة.
следующие страницы →