← Тафсир

Тафсир · id 7695

سلسلة التفسير لمصطفى العدوي

مصطفى العدوي

Полный текст (2 242 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

حكم لبس الحرير الصناعي السؤال هل يجوز لبس الحرير الصناعي؟ الجواب نعم يجوز لبس الحرير الصناعي؛ إذ هو ليس بحرير حقيقة، ولكن من حام حول الحمى يوشك أن يواقعه، فاجعل بينك وبين الحرام حجباً، والله أعلم.

стр. 1262

حكم قراءة القرآن وإهداء ثوابه للميت السؤال هل يجوز أن يقرأ الولد الصالح القرآن ليصل ثوابه إلى والده الميت؟ الجواب لم يرد هذا على عهد الرسول ﵊.

стр. 1263

حكم إقامة صلاة الفجر بعد ربع ساعة من الأذان السؤال في مسجدي الذي أصلي فيه تقام صلاة الفجر بعد خمسة عشر دقيقة من الأذان، فهل يكون قد دخل الوقت الفعلي لصلاة الفجر؟ الجواب نعم، يكون قد دخل.

стр. 1264

حقيقة جملة: المعية هنا معية العلم والإحاطة السؤال المعية هنا معية العلم والإحاطة، هل هذه الجملة قول لأحد الصحابة أم قول لأحد التابعين؟ الجواب هي قول لبعض المفسرين، لا أعلمها عن صحابي، ولا عن تابعي، ولا أنفيها أيضاً، لكنها قول لكثير من أهل التفسير.

стр. 1265

ضرورة نصيحة الغاصب قبل الإبلاغ عنه السؤال اغتصب جار لنا قطعة أرض لجار لنا آخر، فهل من واجبي أن أبلغ صاحب الأرض المغتصبة، مع العلم بأن صاحب الأرض يسكن في المدينة ونحن نسكن في القرية؟ الجواب عليك أن تنصح المغتصب بالحسنى، وإن لم تستطع فبلغ صاحب الأرض أيضاً بالحسنى، فقد قال النبي ﷺ : (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، قالوا: كيف ننصره ظالماً يا رسول الله؟! قال: تمنعه من الظلم) .

стр. 1266

حكم تأخير بعض الصلوات عن أول وقتها للحاجة السؤال تأخير وقت الصلاة في بعض الظروف هل هو جائز، كأن يؤذن لصلاة العصر ونحن في المحاضرة؟ فهل نترك المحاضرة فور سماع الأذان أم ننتظر إلى بعد المحاضرة، فهناك إخوة قالوا: ننتظر، واستدلوا على ذلك بتأخير صلاة العشاء مثلاً عندما تكون هناك محاضرة دينية؟! الجواب بالنسبة لتأخير الصلاة عن وقتها في المسألة تفصيل، فإذا كنت تؤخر الظهر إلى آخر وقتها الذي هو قبيل وقت العصر فلا بأس بذلك عند الضرورة؛ لحديث عبد الله بن عباس في الصحيح: (صلى النبي ﷺ الظهر والعصر والمغرب والعشاء سبعاً وثمانياً، من غير عذر من خوف، ولا مرض، ولا مطر، ولا سفر) فقال له قائل: يا ابن عباس! لعله أراد ألا يحرج أحداً من أمته؟ قال: وأنا أظن ذلك، فيجوز لك أن تعمل بهذا الحديث في بعض الأحيان، سواء على رأي من قال: إنه جمع صوري، أو سواء على رأي من قالوا: إنه مطلق الجمع، فيجوز لك أن تستعمل هذا الحديث في وقت الضرورات، والله أعلم. وقد كان ابن عباس في درس، فجاءه رجل وقال: (الصلاة يا ابن عباس! الصلاة يا ابن عباس! وابن عباس لا يلتفت إليه، فلما كان في الثالثة قال له عبد الله بن عباس: أتعلمني بالسنة لا أم لك؟! لقد صلى النبي ﷺ الظهر والعصر والمغرب والعشاء سبعاً وثمانياً، من غير عذر من خوف، ولا مرض، ولا سفر) .

стр. 1267

حكم من اشتهر وعرف باسم الأولى تغييره السؤال اسمي عبد العال، فما وجه الحرمة فيه؟ الجواب عبد العال، العال أو العالي ليس من أسماء الله الحسنى، لكن إذا كنت قد سميت بهذا الاسم واشتهرت به فلا إثم عليك، وما دام الناس قد عرفوك به فلا إثم عليك، فقد عُرِفَ الرسول بأنه ابن عبد المطلب ﵊، وكان من أصحابه رجل يقال له: عبد العزى بن قثم، والعزى صنم ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [النجم:١٩] ، وثم أسماء أخر، فإن كان باستطاعتك أن تغيره فلتغيره، فإن من هدي النبي ﷺ تغيير الأسماء إلى ما هو أحسن، فقد غير جملة أسماء: مثل حزن أمره أن يغير اسمه إلى سهل ﵊، وبرة غيرها النبي ﷺ إلى زينب، وثم جملة أسماء غيرها النبي ﷺ ، وإلا فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها.

стр. 1268

تفسير سورة المجادلة [٣] لقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يحبون رسول الله ﷺ حباً شديداً، ومن محبتهم لرسول الله ﷺ كثرة مناجاته، لكن لما كان هذا الفعل منهم يؤدي إلى مشقة تحصل للرسول ﷺ أمروا بأن يقدموا بين يدي نجواهم صدقات، ثم إن الله تعالى خفف عنهم فنسخ هذا الأمر بالآية التي بعدها. ثم إن الله لفت أنظار المسلمين إلى وجود الطابور الخامس، وهم المنافقون، وبين أنهم يوالون أعداء الله من اليهود والمشركين وغيرهم، وأنه يجب الحذر منهم. ثم بين سبحانه بعض صفات المؤمنين الذين لا يوادون من عصى الله ورسوله، ولو كانوا أقرباء لهم، وأنه كتب الإيمان في قلوبهم وأيدهم، ورضي عنهم ورضوا عنه.

стр. 1269

تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول .) باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد: فيقول الله في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المجادلة:١٢] . هذه الآية على رأي جماهير أهل العلم منسوخة، فكل مفسر ساق في تفسيره قول من قال بالنسخ، نسختها الآية التي بعدها وهي قوله تعالى: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ﴾ [المجادلة:١٣] . وقد وردت جملة أسانيد، وإن كان في كل منها مقال، تفيد: أن الذي عمل بهذه الآية هو علي بن أبي طالب ﵁ وحده دون سائر الصحابة؛ وذلك أنه عندما نزلت آية النجوى هذه: ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ [المجادلة:١٢] عمد ﵁ إلى دنانير فقسمها، وكان إذا أراد مناجاة الرسول ﷺ قدم صدقة بين يدي مناجاته، ثم نسخت الآية، قالوا: ولم يعمل بها غير علي رضي الله تعالى عنه، وقد ورد ذلك كما أسلفنا من عدة طرق، وإن كان في كل منها مقال، لكن بعض العلماء حسنها بمجموعها، فالله أعلم. وكان سبب نزول هذه الآية فيما ذكره المفسرون -وإن لم يرد بذلك إسناد صحيح- أن الناس كانوا يكثرون من مناجاة الرسول ﷺ ، فيشق ذلك على رسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فأراد الله ضبط هذه المسألة، ورفع المشقة عن سائر المسلمين الذين يريدون شيئاً من وقت الرسول ﵊، ورفع العناء عن رسول الله ﷺ ، فنزلت هذه الآية لضبط أمر المناجاة، فمن ثمّ لم يقدم إلا من كانت له حاجة ماسة إلى المناجاة، وإلا فسيعرض عن المناجاة من الأصل. فإن قال قائل: ما هو وجه المشقة على المسلمين في إطالة بعضهم المناجاة لرسول الله ﷺ ؟ فالإجابة: أن المناجاة في حد ذاتها في الجملة فيها أذى، في الغالب إذا رأيت اثنين يتناجيان ذهبت بك الظنون واستحوذ الشيطان عليك في كثير من الأحيان، ولذلك فالمناجاة في الغالب أو في الجملة تذم، كما قال الله : ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء:١١٤] ، فحتى أهل الإيمان إذا رأى بعضهم اثنين يتناجيان دخل في قلبه شيء، ودخل له الشيطان من هذا المدخل، وقال: بم يتناجيان؟ لعلهما يتناجان في أمر يخصك ويريدان كتمان هذا الأمر عليك، لعلهما، لعلهما، لعلهما!! فالمسلمون كذلك مع الرسول ﵊، كثرة إطالة المناجاة قد تحمل البعض على أن يفكر: هل هناك عدو يريد أن يداهم بلاد المسلمين؟ هل أصيب الرسول ﷺ بشيء؟ هل آل بيت الرسول ﷺ أصابهم شيء؟ هل نزل شيء جديد من كتاب الله؟ ما الذي حدث؟ كانت تسبب أيضاً مشاكل ووساوس في صدور البعض، وخاصة صدور من قلّ علمهم بالله وقلّ علمهم برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فيشق الأمر على المسلمين، فنظمت الأمور بصدقة تقدم بين يدي المناجاة على النحو الذي سمعتموه.

стр. 1270

بعض المسائل المعاصرة تحتاج إلى اجتهاد لتنظيمها ونستطرد إلى بعض المسائل النازلة التي تهمنا في عصرنا، هناك مسائل نزلت بالمسلمين ليست لها نصوص صريحة في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله ﷺ ، هذه المسائل النازلة التي نزلت بالمسلمين تحتاج إلى أنواع من الأقيسة، على مسائل مشابهة كانت على عهد النبي ﷺ ، وتحتاج أيضاً إلى اجتهادات لأهل العلم. فمثلاً من المسائل التي من الممكن أن تدخل في بابنا هذا: قول مدير العمل مثلاً أو المسئول عن مصلحة من المصالح: لا تكلمني ولا تخاطبني إلا على عرض حال دمغة، فهل عرض حال الدمغة تصرف صحيح، فلا تكلم المسئول ولا تكتب طلباتك إلا على عرض حال دمغة؟ فقد يقول قائل من إخواننا: إنه ليس هناك دليل في الشرع على مسألة الخطاب بعرض حال الدمغة، فحينئذ يجوز لي أن أنزع الدمغة، أو أستغفله وأقدم الكلام بدون عرض حال دمغة أو شيء من هذا، إلا أن مصلحة الأعمال تقتضي أنك إذا تكلمت تكتب على عرض حال دمغة؛ لضبط الأمر؛ ولبيان جدية العمل، وليس هناك نص شرعي يخالفها، لسنا نستدل بآية المناجاة: ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ [المجادلة:١٢] ، ولكن نستدل بأشياء أخر، فالآية منسوخة كما سمعتم، ولكن مسألة المصالح المرسلة، إذا كنت مسئولاً وبابك مفتوح، فالكل سيأتي يتكلم، قد يأتي الذي له حاجة، والذي ليست له حاجة، فيضر الذي ليست له حاجة بالذي له الحاجة، وتضيع الأوقات سدى. فإذا قال قائل بجواز هذا الأمر، فلا يتكلم الشخص إلا على عرض حال دمغة؛ تنظيماً للأعمال، فلا يقال حينئذ: إنه مبتدع، أو قد أحدث حدثاً في الدين، وغاية ما يقال: إنها مسألة اجتهادية، تعد من المصالح المرسلة، وليست تشريعات تصادم الكتاب والسنة، بل هي تندرج في الجملة تحت قول النبي ﷺ : (أنتم أعلم بأمور دنياكم) ، فعلى الأقل إذا أثيرت مثل هذه المسألة، فيقال: في المسألة وجهان: وجه بالجواز تنظيماً للأمور وترتيباً للمصالح، ووجه بالمنع؛ لأن الآية منسوخة، وللتعسير الذي يأتي على الفقراء، فحينئذ تمتص المسألة، والله أعلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ [المجادلة:١٢] هل كان ذلك قبل النجوى أو مع النجوى؟ وكم هي الصدقة؟ لم تحدد، فكل على حسب سعته، كل على حسب قدرته وطاقته، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ [المجادلة:١٢] أي ذلك التقديم. ﴿خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ [المجادلة:١٢] ، فالصدقة تثبت في صحائفكم، وهو طهرة أيضاً لأموالكم. ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المجادلة:١٢] ، أي: غفر الله لكم ولا يكلفكم إلا وسعكم، ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] ، و ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق:٧] .

стр. 1271

تفسير قوله تعالى: (أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات .) قال تعالى: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ﴾ [المجادلة:١٣] ، أي: أبخلتم أو أخشيتم الفقر من تقديم صدقات قبل كلامكم مع رسول الله ﷺ ؟ ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المجادلة:١٣] ، أي: برفع هذه الصدقة عنكم، فهناك بدائل أخر تغنمون بها الثواب وتكسبون بها الأجر، قال سبحانه: ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [المجادلة:١٣] ، هناك الصلاة لمن لم يجد الصدقات، وآتوا الزكاة التي فرضها الله عليكم، يعني: هناك صدقات، وهناك زكوات، فإن لم تستطع فعل النفل وقد نسخ، فافعل الفرض لزاماً، فلزاماً أن تقيم الصلاة المفروضة وأن تؤدي الزكاة المفروضة كذلك. ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُون﴾ [المجادلة:١٣] .

стр. 1272

تفسير قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين تولوا قوماً غضب الله عليهم .) ثم قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [المجادلة:١٤] ، القوم الذين غضب الله عليهم هم اليهود، والقوم الذين تولوهم هم المنافقون، فالمنافقون تولوا اليهود، وصادقوهم، وناصروهم، وواعدوهم بالنصرة، فالآية في شأن المنافقين، ألم تر إلى هؤلاء المنافقين الذين تولوا وناصروا وآزروا قوماً غضب الله عليهم وهم اليهود؟ وقد وسم اليهود بأنهم مغضوب عليهم في عدة آيات، فقد فسر النبي ﷺ قوله تعالى: ( ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٧] قال: المغضوب عليهم هم اليهود) ، وكذلك قال الله سبحانه: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة:٦٠] ، وهؤلاء اليهود؛ لأن الله مسخ اليهود إلى قردة وخنازير، فالمغضوب عليهم هم اليهود، فلماذا خصوا بغضب الله عليهم، مع أن أهل الكفر كذلك مغضوب عليهم، والنصارى كذلك مغضوب عليهم؟ لماذا وصفوا ووسموا بهذه السمة والوصف؟ قال كثير من أهل العلم: لأنهم كفروا وجحدوا نبوة الرسول ﷺ على علم. وهذا التعليل أيضاً ورد في الملاعنة، لماذا قال الله في آيات الملاعنة في شأن الرجل: ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النور:٧] ، وقال في شأن المرأة: ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور:٩] ؟ فلماذا المرأة خاصة اختصت بغضب الله عليها إن كانت كاذبة؟ لأن الرجل لا يكون متيقناً اليقين التام في زنا امرأته كالمرأة، فقد يرى الرجل رجلاً يفاخذ امرأته ويظن أنها زنت، فلا تكن قد زنت، لكن هي تعلم يقيناً الذي حدث، وقد ينفي الرجل الولد عن نفسه؛ لظنون ظنها، ويقول: هذا الولد ليس ولدي، أنا تزوجت ووضعت زوجتي بعد ستة أشهر، وينفي الولد عن نفسه، ويلاعن من أجل ذلك، لكن المرأة تعلم يقيناً ممن هذا الولد؛ فلذلك إذا أنكرت المرأة وأقسمت ستقسم على علم، فمن ثم حل عليها غضب الله إذا أقسمت اليمين الخامسة وهي كاذبة؛ لكونها متيقنة تماماً بالذي حدث.

стр. 1273

المقصود من قوله: (ما هم منكم ولا منهم .) قال تعالى: ﴿مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ﴾ [المجادلة:١٤] ، أي: المنافقون الذين تولوا اليهود ليسوا منكم وليسوا من اليهود، هذا قول قتادة رحمه الله تعالى، كما وصفهم الله بقوله: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ﴾ [النساء:١٤٣] ، فقوله: (ما هم) أي: أهل النفاق، وهذا كما سمعتم قول قتادة ﵀. وقول آخر: أن قوله: (ما هم) راجعة إلى اليهود، أي: اليهود ليسوا منكم يا مسلمون! لم يسلموا إسلاماً حقيقياً، وليسوا من المنافقين، إنما لهم اتجاه آخر وهو أنهم مغضوب عليهم، لكن القول الأول أظهر. ﴿مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [المجادلة:١٤] ، أي: يقسمون أيماناً كاذبة لكم وهم يعلمون أنها كاذبة.

стр. 1274

تفسير قوله تعالى: (أعد الله لهم عذاباً شديداً .) قال الله تعالى: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [المجادلة:١٥] ، أي: ساء هذا الفعل وساء هذا الصنيع. فالآية إذاً ذمت كل من يتولى اليهود، ويلحق بهم كل من يتولى الكفار أو النصارى ويناصرهم، ويؤازرهم، وقد تضافرت نصوص الكتاب والسنة على ذلك، قال الله في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة:٥١] أي: يا من آمنتم بي وصدقتم رسلي، وأقررتم بكتبي. ﴿لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ [المائدة:٥١-٥٢] ، وقال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [النساء:١٤٤] ، أي: أتريدون أن تجعلوا لله سبباً يسلط عليكم بسببه العذاب؟ وقال الله سبحانه: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة:٤] الآيات، وقال سبحانه: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩] ، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ [آل عمران:١١٨] ، أي: لا يقصرون في إغوائكم وإضلالكم: ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ [آل عمران: ١١٨] ، أي: رغبوا في نزول العنت والمشقة بكم، ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * هَاأَنْتُمْ أُوْلاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران:١١٨-١١٩] ، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة:٥٤-٥٥] ، هؤلاء هم أولياؤكم، ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة:٥٦] ، والآيات في هذا الباب لا تكاد تحصر، فالله يقول في شأن المنافقين الذين اتخذوا الكافرين أو اليهود أولياء: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [المجادلة:١٥] ، أي: ساء صنيعهم من اتخاذهم اليهود أولياء من دون المؤمنين، ساء صنيعهم من موالاتهم اليهود والنصارى.

стр. 1275

تفسير قوله تعالى: (اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله .) قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [المجادلة:١٦] ، أي: أهل النفاق أقسموا أيماناً بالله كي تقيهم من القتل، فإذا بقوا على كفرهم فدماؤهم حلال، وأموالهم حلال؛ فحتى يقوا أنفسهم من القتل، وحتى يحافظوا على أموالهم؛ أقسموا أيماناً بالله إنهم على الإيمان، وأنهم أهل إسلام، فجعلوا الأيمان وقاية لهم من القتل، فالجُنة: بمعنى الوقاية، الجُنة: بمعنى الشيء الذي يتقى به، ومنه قول النبي ﷺ في الحديث: (حتى تجن بنانه) ، أي: حتى تخفي بنانه، وكما تقدم قيل للجَنة: جَنة؛ لأنها تجن من دخل فيها، أي: تغطيه بكثرة أشجارها، وقيل للجن: جن؛ لاستتارهم. فقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المجادلة:١٦] ، أي: وقاية يتقون بها السيف، ويحفظون بها أموالهم.

стр. 1276

صور الصد عن سبيل الله قوله سبحانه: ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [المجادلة:١٦] فيها للعلماء قولان مشهوران: القول الأول: (فصدوا عن سبيل الله) أي: أعرضوا عن طريق الإسلام والمسلمين وعن طريق الهدى والخير، ففسر الصدود بالإعراض. القول الثاني: (فصدوا عن سبيل الله) أي: منعوا غيرهم عن الدخول في الإسلام، فهم أظهروا الإسلام بألسنتهم، وخالفوه وناقضوه وصرفوا الناس عنه، إما أنهم صرفوا الناس بقيلهم، وإما أنهم صرفوا الناس بأفعالهم، صرفوا الناس بقيلهم فتراهم يذهبون إلى شياطينهم كما حكى الله قولهم لهم: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة:١٤] ، فهؤلاء يصرفون الناس عن رسول الله ﷺ ، ويصرفون الناس عن المؤمنين بتشويشهم على القرآن كما قال سبحانه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت:٢٦] ، شوشوا عليه حتى لا يفهم، ﴿لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت:٢٦] ، فصرفوا الناس عن كتاب الله بقولهم، وصرفوا الناس عن كتاب الله بأفعالهم، فالشخص إذا كان في ظاهره مسلماً وهو يغش، وهو يكذب، وهو يسرق، وهو يزني، وهو يطعن في نبيه محمد ﷺ ، ويطعن في الإسلام؛ فهو يصرف الناس عن الدين، وإذا كان هناك شخص مسلم، صورته صورة المسلم، شخص ملتح، ويرتدي الثوب الأبيض، ويأتي بالموبقات، وتراه ينصب على الناس، ويغش الناس، ويكذب على الناس، ويغدر بهم؛ فهذا بلا شك سيسبب للناس نفوراً عن الدين، وطعناً في طريق المتبعين لسنة النبي الأمين محمد ﵊، فهم يظهرون للناس أنهم على الإسلام، ويطعنون في الإسلام، بالكذب، وبتشويه صورة المسلمين، وبإخلاف المواعيد، وبإلصاق التهم برسول الله ﷺ ، بل وبالسباب لرسول الله ﷺ ، كما كان قائلهم يصف الرسول وأصحابه فيقول: ما نرى أصحابنا هؤلاء إلا أكذب ألسنة، وأوسع بطوناً، وأجبن عند اللقاء، حتى نزل فيهم قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥-٦٦] ، فالشاهد: أنهم لكونهم أعلنوا راية الإسلام، وقالوا بألسنتهم: لا إله إلا الله، وصاروا من المعدودين على المسلمين، فمن ثم بدءوا يشوهون صورة المسلمين، وهذا مسلك قد سلكه اليهود من قبل، كما قال : ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [آل عمران:٧٢] ، فإذا آمنتم بكتابهم في الصباح وكفرتم به في المساء فقد شكّكتم الناس في هذا الكتاب؛ فيرجعون عن دينهم. قال تعالى: ﴿فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [المجادلة:١٦] ، أي: لهم عذاب مذل ومخزٍ.

стр. 1277

تفسير قوله تعالى: (لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم .) قال تعالى: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المجادلة:١٧] ، أي: يوم القيامة، قال النبي ﷺ : (يقول الله يوم القيامة للكافر: أرأيت لو أن لك ما في الأرض جميعاً ومثله معه أكنت مفتدياً به؟ فيقول: نعم يا رب! كنت أفتدي به، فيقال: قد سئلت أيسر من ذلك، سئلت ألا تشرك بي شيئاً فأبيت إلا أن تشرك بي) ، فكما قال الله سبحانه: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ [الأنعام:٧٠] ، أي: إن تفتدي النفس الكافرة بكل فدية لا تقبل منها هذه الفدية، وقد قال تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة:٢٥٤] . ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المجادلة:١٧] ، كأن بينهم وبين النار صداقة قديمة، فالمصاحبة لطول الملازمة.

стр. 1278

تفسير قوله تعالى: (يوم يبعثهم الله جميعاً .) قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ [المجادلة:١٨] أي: يحلفون لله في الآخرة كما يحلفون لكم في الدنيا، ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ [المجادلة:١٨] أي: يحسبون أنهم بأيمانهم سيخدعون بها الرب في الآخرة، كما خدعوكم بها -بزعمهم- في الدنيا! وقوله: (فيحلفون له) تفسيرها في قوله تعالى: ﴿قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:٢٣] وهذا على منهج من يفسر القرآن بالقرآن، وهذا منهج حسن في هذا المقام. ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ﴾ [المجادلة:١٨] ، قائلين: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:٢٣] ، فهم ينكرون في الآخرة شركهم! ﴿كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ [المجادلة:١٨] ، في هذه الآية سبب نزول أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن عن ابن عباس ﵄ قال: (كان النبي ﷺ جالساً في ظل حجرة من حجر نسائه، فقال: يدخل عليكم الآن رجل أزرق، ينظر بعيني شيطان، فدخل رجل بنفس الوصف، فقال له الرسول ﷺ : علام تشتمني أنت وأصحابك؟ قال: والله! ما شتمتك، ثم انطلق وأتى بأصحابه كلهم، فأقسموا أمام رسول الله ﷺ أنهم ما شتموه) فنزل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [المجادلة:١٨] .

стр. 1279

تفسير قوله تعالى: (استحوذ عليهم الشيطان .) قال تعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ [المجادلة:١٩] ، أي: غلبهم وقهرهم وسيرهم وأحاط بهم، وإذا قلت: استحوذ فلان من الناس على الشيء، أي: أخذه بكامله وأحاط به، وقد وصف عمر بأنه كان رجلاً أحوذياً رضي الله تعالى عنه، أحوذياً بالذال أو بالزاي على رواية، أي: أنه كان محيطاً بأمره، مجتمعاً عليه أمره رضي الله تعالى عنه. ﴿فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ﴾ [المجادلة:١٩] ، أي: فحملهم الشيطان على ترك ذكر الله، والنسيان هنا ليس النسيان المعهود، فإن النبي ﵊ قال: (يرحم الله فلاناً! لقد أذكرني آية كيت وكيت من سورة كيت وكيت كنت أنسيتها) ، فهنا النسيان: بمعنى الترك، ﴿فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ﴾ [المجادلة:١٩] ، أي: حملهم على ترك ذكر الله، وما المراد بذكر الله هنا؟ فيه أقوال: أحدها: أنه على بابه الذكر المعهود. والثاني: ذكر الله هو القرآن. والثالث: ذكر الله هو توحيد الله سبحانه، والكل محتمل وصحيح. ﴿أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المجادلة:١٩] .

стр. 1280

تفسير قوله تعالى: (إن الذين يحادون الله ورسوله .) قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ﴾ [المجادلة:٢٠] ، الأذل: المهان الصاغر. وقوله: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة:٢١] ، كتب هنا بمعنى: كتب في اللوح المحفوظ، وقضى في اللوح المحفوظ. ﴿لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة:٢١] ، قال العلماء: الغلبة على قسمين: غلبه باللسان والبيان، وغلبة بالسيف، فالرسل الذين أمروا بقتال غلبوا جميعهم، وكانت لهم العاقبة في آخر أمرهم، كانت الأيام بينهم وبين عدوهم دولاً، ثم كانت العاقبة والنصر لهم. أما الرسل أو الأنبياء الذين لم يؤمروا بقتال فغلبوا باللسان والبيان، ومنهم من قتل ومنهم من مات، قال سبحانه: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة:٨٧] ، وقال الله سبحانه في كتابه الكريم: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [آل عمران:١٨١] ، فقتل فريق من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، لكنهم لم يؤمروا بقتال، فغلبوا بالحجة والبيان، وهذا وجه دفع الإشكالات في مثل هذا الموطن، ونحوه في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:١٧١-١٧٣] ، مع أن منهم من قتل، قال سبحانه: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٦] * إلى قوله: ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٤٨] . قال سبحانه: ((كَتَبَ اللَّهُ)) [المجادلة:٢١] ، أي: في الكتاب الذي قضاه، في اللوح المحفوظ، وقدر سبحانه وقضى ﴿لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة:٢١] (قوي) أي: على نصرة أوليائه، (عزيز) أي: منيع الجناب، عظيم السلطان، لا يغالب ولا يمانع من شيء أراده .

стр. 1281

تفسير قوله تعالى: (لا تجد قوماً يؤمنون بالله .) ثم قال سبحانه: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة:٢٢] ، هذه الآية فيها وقفات: أحد هذه الوقفات: أنه ينبغي أن يعلم أن المودة غير البر والصلة، فالبر والصلة شيء، والمودة والمحبة القلبية شيء آخر، فالبر والصلة مشروعتان للمسلم في حق الكافر غير المحارب؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة:٨] ، وقالت أسماء لرسول الله ﷺ : (يا رسول الله! إن إمي أتتني وهي راغبة - فيها قولان: هل راغبة في الإسلام، أو راغبة عن الإسلام؟ - أفأصل أمي يا رسول الله؟ قال النبي ﷺ : صلي أمك، ونزل قوله تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ﴾ [الممتحنة:٨-٩] ) ومن ثم كان النبي ﷺ يقبل هدايا اليهود، ويقبل هدايا الكفار، ويهدي أيضاً لليهود، ويهدي أيضاً للكفار ﵊، قَبِلَ من المقوقس مارية رضي الله تعالى عنها، وقبل أيضاً من اليهودية شاة دعته إليها، وقبل من ملك أيلة بغلة فكان النبي ﷺ يركبها، وقبل هدية أيضاً من أكيدر دومة الجندل، وهذا عبد الله بن عمرو بن العاص ذبح ذبيحة، فقال لأهل بيته: (أهديتم لجارنا اليهودي؟) ، فهي نصوص عامة، فهناك فرق بين البر والصلة، وفرق بين الموالاة والمحبة القلبية، فالبر والصلة أمرنا به وحثنا عليه شرعنا مع غير المحاربين من الكفار، أما الموالاة القلبية فلا، والله أعلم. يقول الله : ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَان﴾ [المجادلة:٢٢] ، أي: أثبت الله في قلوب هؤلاء البراءة من الكفر وأهله، وإن كانوا من الأقارب أو العشائر، وكتب الله الإيمان في قلوب هؤلاء الذين تبرءوا من الكفار. وقوله: ﴿أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَان﴾ [المجادلة:٢٢] ، أي: جعله في قلوبهم، ومن العلماء من يقدر محذوفاً فيقول: كتب في كتابه أنهم أهل إيمان، ولكن هي كقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:٧] .

стр. 1282

ذكر بعض أسباب نزول الآية وبيان ضعفها من العلماء من ذكر لهذه الآية أسباب نزولٍ، وإن كان في أكثرها ضعف: كالقول بأنها نزلت في أبي عبيدة بن الجراح عندما قتل أباه يوم بدر. وقول آخر أنها نزلت في أبي بكر الصديق؛ وذلك حين تعرض لقتل ابنه عبد الرحمن في بدر أيضاً. وقول ثالث: أنها نزلت في عمر وأنه قتل قريباً له. وقول رابع: أنها نزلت في عمر أيضاً لما قال لرسول الله ﷺ في أسارى بدر: (أرى أن تمكنني -يا رسول الله- من فلان قريب لي فأقتله، وتمكن علياً من عقيل، وتمكن حمزة من فلان، وتمكن أبا بكر من فلان، فهؤلاء صناديد الكفر، وأئمة الضلال) ، وثم أقوال أخر، لكن ما ذكر من سبب نزول الآية كلها ضعيفة، ولم أقف إلى الآن على سند صحيح يثبت لي أن أبا عبيدة بن الجراح قتل أباه يوم بدر، رضي الله عن أبي عبيدة، فهذا يحتاج إلى إثبات، وإن كان الأمر في الجملة على ما ذكره المفسرون من أن هذه الخصال توافرت في أهل الإيمان، ولو تعرض لهم آباؤهم لقتلوهم إذا أمرهم بذلك رسول الله ﷺ . وثم أسباب نزول أخرى أيضاً فيها مقال منها: (أن عبد الله بن عبد الله بن أبي أتى إلى رسول الله ﷺ ، والنبي ﷺ يشرب فقال: يا رسول الله! أبق فضلة أسق منها أبي لعل الله ينفعه بها، فأبقى له فضلة فذهب بها إلى أبيه، فقال له أبوه المنافق رأس المنافقين: ما هذه الفضلة؟ قال: فضلة من رسول الله ﷺ لعلك تشربها، فقال: لو أتيتني ببول أمك كان خيراً لي! ثم ردها، فرجع عبد الله إلى رسول الله ﷺ يستأذنه في قتل أبيه، فقال: بل استوص به خيراً) . وهذا أيضاً ضعيف الإسناد لا يثبت. قال الله في كتابه الكريم: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة:٢٢] ، ومعنى حاد الله: أي: كان في حد وأوامر الله سبحانه في حد آخر، كما في قوله: ﴿شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال:١٣] ، أي: جعلوا أنفسهم في شق معادٍ لله ومعادٍ لرسول الله ﷺ . قال تعالى: ﴿وَأَيَّدَهُمْ﴾ [المجادلة:٢٢] أي: قواهم ونصرهم. وقوله تعالى: ﴿بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة:٢٢] ، ما المراد بروح منه؟ للعلماء فيها جملة أقوال: أحدها: أن المراد بقوله سبحانه: (بروح منه) أي: بنصر منه. والثاني: أن المراد: (بروح منه) أي: بجبريل ﵇، فإن الله أطلق عليه الروح في عدة مواطن: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل:١٠٢] ، ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ﴾ [الشعراء:١٩٣] ، (اهجهم وجبريل معك) ، (اللهم! أيده بروح القدس) ، إلى غير ذلك. ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [المجادلة:٢٢] هذه الآية فيها دليل على أن الجنة مخلوقة الآن، وثم أدلة أخر تدل على ذلك، منها قوله ﵊: (يفسح له في قبره، ويأتيه من الجنة ومن طيبها) ، وثم دليل آخر: (احتجت الجنة والنار، فقالت الجنة: مالي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم؟) الحديث إلى آخره، وفيه: (قال الله لها: أنت رحمتي أصيب بك من أشاء) ، ومن الأدلة على ذلك كذلك قوله ﵊: (أرواح الشهداء في جوف طير خضر تسرح في الجنة حيث تشاء) ، إلى غير ذلك من الأحاديث. قوله تعالى: ﴿وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المجادلة:٢٢] ، قوله: (رضي الله عنهم ورضوا عنه) ، من العلماء من قال: إن الله عوضهم خيراً بفراقهم لأهاليهم وعشيرتهم وذويهم، فلما تركوا قرابتهم لله سبحانه، أبدلهم الله خيراً من قرابتهم تفضلاً منه، وقد صح قول رسول الله ﷺ : (إنك لن تترك شيئاً اتقاء الله سبحانه إلا أبدلك الله خيراً منه) ، وهذا الذي يرويه الناس بالمعنى: (من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه) . قال تعالى: ﴿وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة:٢٢] ، وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى.

стр. 1283

الأسئلة باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد:

стр. 1284

التوفيق بين حديث ابن عباس وأحاديث وجوب صلاة الجماعة السؤال ذكرتم في الدرس الماضي حديث ابن عباس ﵄: (أن النبي ﷺ صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء سبعاً وثمانياً، من غير عذر من خوف، ولا مرض، ولا مطر) الحديث، فكيف يوفق بين هذا الحديث والأحاديث الدالة على وجوب صلاة الجماعة؟ الجواب بسهولة ويسر أن كل عام يخص، وهذه صورة مخصوصة ومستثناة عند وجود الأعذار فلا إشكال، والله أعلم. السائل: وهل الأخذ بهذا الحديث في بعض الأحيان دون الأخرى يعتبر تلوناً في الدين؟ الجواب: حسبنا الله! كيف يكون تلوناً في الدين؟ الرسول ﵊ نَوّع العبادات ﵊؛ لأجل أن يرفع بها الحرج عن أمته ﷺ ، فليس معنى كوننا أخذنا بحديث في ظروف معينة أو في ملابسات خاصة أننا نتلون في الدين.

стр. 1285

حكم بناء القبر بالطوب الأحمر السؤال أرض المقابر عندنا أرض زراعية ونخشى سقوط الحاجز، أو حدوث شق لرطوبة الأرض، هل يجوز أن نبني فوق الأرض بالطوب الأحمر؛ لأنه لا يتأثر؟ الجواب إذا دعت الضرورة أو بدون ضرورة بناء القبر بالطوب الأحمر ليس هناك دليل يمنع منه، يتوهم البعض أن الطوب الأحمر لا يستخدم في القبور؛ لأنه دخل في النار فلا يجوز بناء القبر به، وليس على المنع دليل إن احتيج إليه فلا بأس، هذا إذا استجزنا رفع القبر عن الأرض، وأحياناً يكون مستجازاً رفع القبر عن الأرض لضرورة، صحيح أن النبي ﵊ قال: (لا تدع قبراً مشرفاً إلا سويته، ولا صورة إلا طمستها) ، ولكن الآن إذا جئنا -كما ذكر أخونا السائل حفظه الله- وحفرنا القبر في الأرض في بلدة مستوى الأرض فيها منخفض، فستأتي المياه تفسد الجثة وتسبب نتناً للميت، فالضرورة قد تلجئنا أحياناً لبعض الأشياء، ونحن مع الضرورة نسير، ألا ترى أن الضرورة ألجأتنا إلى أكل لحم الميتة عند اضطرارنا؟ ألا ترى أن الضرورة ألجأتنا إلى أكل لحم الخنزير عند اضطرارنا؟ ألا ترى أن الضرورة تلجئ إلى النطق بكلمة الكفر عند الاضطرار؟ من هذا الباب فقط. بالمناسبة هنا زيادة أفادنا بها أحد إخواننا اليوم، وراجعناها معه مراجعة دقيقة شيئاً ما، وهي زيادة: (وبركاته) عند التسليم من الصلاة، وهذه الزيادة لا تثبت، زيادة: (وبركاته) عند التسليم من الصلاة لا تثبت، وهذا رأي أكثر الشافعية، وعدد كبير من العلماء، وهي وردت من طريق عبد الله بن مسعود ﵁ عن رسول الله ﷺ ، صحيح أن لها إسناداً عن ابن مسعود ظاهره الصحة، لكن كل الطرق الأخرى عن ابن مسعود نفسه أوردت الحديث بدون الزيادة، (كان يسلم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله، وعن شماله: السلام عليكم ورحمة الله) ، فأكثر الطرق عن ابن مسعود فيهما الاقتصار على: السلام عليكم ورحمة الله، ففي مثل هذه الحالة لا يناقش الإسناد استقلالاً، وهذه فائدة لإخواننا دارسي الحديث، مثلاً: إذا كان للحديث عشرون طريقاً عن ابن مسعود، تسعة عشر طريقاً مثلاً رووا الحديث عن ابن مسعود بلفظ: (كان يسلم عن يمينه السلام عليكم ورحمة الله) ، وأحدها روى الحديث بلفظ: (كان يسلم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته) ، ففي هذه الحالة نحن مع التسعة عشر راوياً. فضلاً عن هذا فهناك من العلماء كـ شعبة بن الحجاج ينكر رفع الحديث بكامله إلى الرسول ﷺ ، ويقول: هو موقوف على ابن مسعود، فكيف بثبوت هذه الزيادة؟! وورد الحديث من طريق آخر، من طريق وائل بن حجر: (كان النبي ﷺ يسلم عن يمينه السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وعن يساره السلام عليكم ورحمة الله) ، وهذا الحديث أيضاً اختلف في إثبات هذه الزيادة من عدمها، لكن العلة التي هي أشد قدحاً: أنه مروي من طريق علقمة بن وائل بن حجر عن أبيه وائل بن حجر، وقال يحيى بن معين ﵀: علقمة لم يسمع من أبيه وائل، وثم طريق ثالثة من طريق حذيفة أو عمار بن ياسر وفيها ضعف أشد من الضعف في الأولين، والله أعلم.

стр. 1286

حكم الجمعيات التعاونية والمسابقات السؤال هل هناك ما يجعل المسابقات والجمعيات داخلة في الربا؟ الجواب أما الجمعيات فليست داخلة في أبواب الربا، والجمعيات التي يفعلها الناس للتعاون فيما بينهم حلال، لا نعلم دليلاً صريحاً على تحريمها، وهي من باب التعاون على البر والتقوى، أما المسابقات فبحسبها، إن كان كل من يدفع مبلغاً يأخذ الفائدة فهذا يعد نوعاً من الميسر، أما إذا دخل معهم محللاً فبحسبه، وفي المسألة تفصيل أوسع.

стр. 1287

حكم حديث: (لا عزاء فوق ثلاث) السؤال يسأل أخونا عن حديث: (لا عزاء فوق ثلاث) ؟ الجواب ضعيف لا يثبت، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 1288

تفسير سورة الحشر [١] اليهود في كل زمن أهل لؤم وخسة وغدرٍ وخيانة، ولقد عرض لنا القرآن الكريم أنموذجاً لهذه الطباع في يهود بني النضير، فقد عاندوا الله تعالى ورسوله ﷺ ، حتى حلت بهم نقمة الله تعالى وغضبه، فأخرجهم من ديارهم، وجعل أموالهم فيئاً للمسلمين، وسلط رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃ على نخيلهم وأشجارهم فقطعوها وأحرقوها عظة وعبرة لأولي القلوب والأبصار.

стр. 1289

بين يدي السورة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد: سورة الحشرة يطلق عليها سورة بني النضير، وبنو النضير طائفة من اليهود كانت تقطن جانباً من جوانب مدينة رسول الله ﷺ . ومن المعلوم أن الكفار في مدينة رسول الله ﷺ فور مقدمه كانوا على ثلاث طوائف: - طائفة ناصبت الرسول ﷺ العداء، وانشغلت بحرب الرسول ﷺ ، وهم المشركون الذين بقوا على شركهم. - وطائفة أخرى صالحت الرسول ﵊ وتحالفت معه تحالفات، وهم اليهود. وطائفة ثالثة أمسكت، فلم تعاد ولم تصالح، وبقيت تترقب إلى أي شيءٍ سيئول الأمر برسول الله ﷺ ، وهؤلاء هم المنافقون. وطوائف اليهود هم: بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة، أما بنو قينقاع فقد حاربهم الرسول ﷺ بعد بدر، وأما بنو النضير فكان بينهم وبين الرسول ﷺ حلف فغدروا برسول الله ﷺ ، وهمّوا بقتله والفتك به ﵊، كما ذكر جمهور أهل السير أن الرسول ﷺ ذهب يستعين بهم في دية الرجلين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري ﵁، وكان الرسول ﷺ قد أرسل سبعين من القراء مع قوم فقُتِل القراء في بئر معونة، ونجا منهم عمرو بن أمية الضمري، فلقي رجلين من بني عامر فقتلهما، ولم يكن يعلم بالحلف الذي بينهم وبين رسول الله ﷺ ، فذهب الرسول ﵊ يستعين بيهود بني النضير في أداء شيءٍ من الدية لأولياء العامريين، فغدروا برسول الله ﷺ ورتبوا أمرهم على أن يُلقوا على رأسه صخرة وهو جالس فيقتلوه غدراً، فأطلع الله نبيه على ذلك، وكان هذا -على ما ذكره جمهور أهل السير- سبب جلاء بني النضير، فحاصرهم الرسول ﷺ حصاراً طويلاً، وآل بهم الأمر في النهاية إلى الاستسلام على ما سيأتي بيانه، فنزل مطلع سورة الحشر في هذه الحوادث. والحشر معناه: الجمع، كما قال تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [الصافات:٢٢] أي: اجمعوا، وقال تعالى: ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾ [الشعراء:٥٣] أي: قوماً يجمعون الناس ويحشرونهم.

стр. 1290

تفسير قوله تعالى: (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ .) قال الله : ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر:١] (سبح) أي: نزَّه ومجَّد وعظَّم، فالمعنى: أن ما في السماوات وما في الأرض كل ذلك نزَّه الله ومجّد الله وعظَّم الله عن كل ما لا يليق به من اتخاذ الشريك، واتخاذ الصاحبة، واتخاذ الولد، ونزَّه الله عن كل نقص وعن كل عيب. فكل شيء في السماوات وفي الأرض يسبح لله، وهذا المعنى مثبت في عشرات السور، كما قال سبحانه: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء:٤٤] ، وقال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج:١٨] ، وقال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [الرعد:١٥] ، حتى الجمادات تسبِّح لله، وتنزِّه الله عن كل ما لا يليق به، ففي الحديث أن النبي ﷺ قال: (إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن) ، وقال النبي ﷺ في شأن الضفادع: (نقيقها تسبيح) ، والنصوص من الكتاب والسنة في هذا في غاية الكثرة، لا تكاد تُحصر ولا يأتي عليها العد.

стр. 1291

مناسبة ذكر العزيز الحكيم في مقدمة السورة وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر:١] العزيز: منيع الجناب، عظيم السلطان، القوي الذي لا يُغَالَب، ولا يُردُّ شيءٌ أراده ، إذا أراد أمراً فلا بد وأن يقع، وهذا وجه الاستهلال بهذه الآية في مقدمة قصة الحشر وإجلاء اليهود، فالله أراد إجلاء اليهود فلا راد لقضائه، ولا مانع لأمره ، ولن يقف أحد في طريق إرادته ، فلهذا استهلت الآية بـ (العزيز) و (الحكيم) ، فكل شيء يفعله بحكمة، وكل أمر يقضيه لحكمة ، فإن قال قائل: لماذا أراد الله سبحانه إجلاء اليهود من مدينة رسول الله ﷺ ؟ قلنا: إن ذلك لحكمة يعلمها الله ، وهو العزيز الحكيم ، فلا يفعل شيئاً عبثاً، ولا يفعل شيئاً بغير حكمة، وهو أعلم بخلقه، وأعلم بقلوب خلقه، وأعلم بمن يستحق العذاب، ومن يستحق العقاب، ومن يستحق الإجلاء، ومن يستحق الإخراج، وهو العزيز الحكيم.

стр. 1292

تفسير قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا .) قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر:٢] المراد بالكفار هنا: صنف مخصوص من الكفار وهم اليهود، وصنف مخصوص من اليهود وهم يهود بنو النضير، فإن قال قائل: وهل اليهود والنصارى كفار؟ قلنا: نعم؛ لأن الله قال: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة:١] ، فوسِموا بالكفر في قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [البينة:١] ، وكذلك قال تعالى في شأن النصارى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة:٧٣] ، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:١٧] . فقوله سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحشر:٢] ، عام أُرِيد به الخصوص، فالمراد هنا طائفة مخصوصة، وهم يهود بني النضير. وقوله تعالى: (مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) الكتاب المراد به: التوراة، وهو كتاب اليهود الذي نزل على نبي الله موسى ﷺ ، وقوله تعالى: (مِنْ دِيَارِهِمْ) هي: المتاخمة للمدينة في أطرافها. وقوله تعالى: (لِأَوَّلِ الْحَشْرِ) قال عكرمة رحمه الله تعالى، ونُقِل القول أيضاً عن ابن عباس ﵄ وعن غير واحد من أهل العلم: من شك أن الشام هي أرض المحشر فليقرأ هذه الآية: (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ) أي: لأول الجمع، فالحشر حشران: الأول هو حشر اليهود وجمعهم في الشام، والحشر الثاني هو حشرهم يوم القيامة مع الخلائق، وذلك أن يهود بني النضير أُخرِجوا وأجلوا إلى الشام حين حاربهم رسول الله ﷺ وحاصرهم حصاراً شديداً بعد ظهور الغدر منهم، فنزلوا على حكمه بإجلائهم مع حمل ما أقلّته ركابهم وخيولهم إلا السلاح.

стр. 1293

إثبات القياس في العقوبات والأحكام وقوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ) أي: اعتبروا أن يصيبكم مثل الذي أصابهم إن أنتم ظلمتم، وإن أنتم غدرتم، وإن أنتم خنتم رسولكم محمداً ﷺ ، فإن نقضتم العهود والمواثيق مع الله فاحذروا حينئذٍ أن يصيبكم مثل ما أصاب الذين نقضوا العهود وخالفوا العقود مع رسول الله ﷺ ، فالظلم عاقبته وخيمة، والغدر عاقبته أليمة، ونقض العهود والمواثيق مع الله ومع رسل الله عليهم الصلاة والسلام من أكبر الكبائر، ومن أعظم المصائب التي تسبب للشخص العذاب في الدنيا والآخرة، فقوله : (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ) أي: اتعظوا، وانظروا إلى أحوالهم، وما حل بهم لظلمهم! ومثل هذا يحل بكل باغ، وما هي من الظالمين ببعيد. وقد استدل جمهور الأصوليين بهذه الآية الكريمة (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ) على مشروعية القياس، وعلى ذلك جمهور أهل العلم، أي: انظروا يا أولي الأبصار! فإذا ظلمتم وبغيتم وغدرتم حل بكم مثل الذي حل بمن ظلم وبغى وغدر، فهؤلاء اليهود، انظروا إلى أمرهم! وتفكروا فيه وتدبروا! فإن أنتم صنعتم مثل صنيعهم حل بكم مثل الذي حل بهم، فالأمور تقاس على مثلها، ومن هنا استدل الجمهور على مشروعية القياس. أما أبو محمد بن حزم رحمه الله تعالى فطفِق يتهكم على الاستدلال بهذه الآية، فقال -جرياً على ظاهريته-: من الذي قال: إن معنى قوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ) قيسوا يا أولي الأبصار؟! ويجاب عن قوله: بأنه ليس المراد أن لفظ (اعتبروا) بمعنى (قيسوا) ؛ ولكن المراد النظر فيما حل بسابق الأمم الظالمة، وسيحل بكم إن فعلتم فعلهم مثل الذي حل بهم. وليست هذه الآية هي دليل القائلين بالقياس فحسب، بل لهم أدلة أخرى، ومن ذلك ما جاء في الحديث: (أن امرأة قالت: يا رسول الله! إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يثبت على راحلة، أفأحج عن أبي؟ قال: أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيته؟ قالت: نعم يا رسول الله! قال: فدين الله أحق أن يقضى) . ومن ذلك قول عمر ﵁ لرسول الله ﷺ : (يا رسول الله! هششت فقبلت وأنا صائم، فقال له الرسول ﷺ : أرأيت لو تمضمضت؟) ، فقاس قبلة الصائم على المضمضة. ومن ذلك ما ورد: (أن أعرابياً أتى رسول الله ﷺ ، فقال: إن امرأتي ولدت غلاماً أسود، وإني أنكرته، فقال له رسول الله ﷺ : هل لك من إبل؟ قال: نعم قال: فما ألوانها؟ قال: حمر، قال: هل فيها من أورق؟ قال إن فيها لورقاً، قال: فأنى ترى ذلك جاءها؟ قال: يا رسول الله! عرق نزعها. قال: ولعل هذا عرق نزعه) ، ولم يرخص له في الانتفاء منه. والأدلة في هذا الباب كثيرة، والقياس -كما قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى- لا يُصار إليه إلا عند الضرورة، كما يصير الرجل إلى التيمم عند فقدان الماء، فلا يُصار إلى القياس مع وجود النص، وأما قول القائل: إن من قاس فهو إبليس، ويتهكم بذلك على من يقيس فقولٌ غير سديد، وإن كان أول من قاس هو إبليس لمّا أُمِر بالسجود فأبى وقاس وقال كما حكى الله تعالى عنه: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢] ، وكذلك حكى الله تعالى عنه قوله: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء:٦١] أي: كما أن النار أفضل من الطين بزعمه، فكيف يسجد من خُلِق من شيءٍ أفضل لمن خلِق من شيءٍ أدنى؟ والإجابة: أن هذا قياس باطل فاسد؛ لأنه قياس مع وجود النص، ووجود الأمر من الله ؛ إذ قال الله له وللملائكة: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [البقرة:٣٤] ، فلا اجتهاد ولا قياس مع النص بحالٍ من الأحوال.

стр. 1294

قدرة الله تعالى فوق الأسباب المادية وقوله تعالى: (مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا) أي: لم تكونوا -يا أهل الإيمان- تتوقعون في يوم من الأيام أن هؤلاء اليهود سيخرجون من ديارهم لقوة حصونهم ولشدة بأسهم، فقد كانوا متحصنين وأقوياء، لهم حصون شديدة منيعة، ونخل باسقات لها طلع نضيد، وكانوا ذوي رسوخ في بلادهم، وذوي صداقات مع أهل الكفر وأهل النفاق، فقد أسسوا صداقات مع عبد الله بن أبي بن سلول رأس النفاق، وأسسوا صداقات ووثقوا علاقات مع سائر قبائل الكفر، ومع سائر الأحزاب المتألبين على رسول الله ﷺ ، ففي بلادهم كانوا مُمَكَّنين، ومع جيرانهم كانوا متظاهرين ومتعاونين ومتحالفين، فلم يكن يخطر ببال أحد أنهم سيجلون عن مدينة رسول الله ﷺ ، ومن ثم قال الله : (مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا) ، فعلى المسلم ألا ينقطع أمله أبداً في الله سبحانه، ولا ينقطع رجاؤه أبداً في الله ، فالذي أخرجهم مرة قادر على أن يخرجهم مرات، وقد قال في كتابه الكريم: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء:٨] ، وقال تعالى عن الحجارة المرسلة على مدائن قوم لوط: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود:٨٣] . وقوله تعالى: (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ) أي: أيقنوا، والظن هنا بمعنى: اليقين؛ إذ الظن ظنان: ظن بمعنى اليقين، وظن بمعنى الشك، ويأتي في كتاب الله تعالى بأحد المعنيين، فقد يأتي بمعنى الشك كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس:٣٦] ، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات:١٢] ، وأحياناً يأتي الظن بمعنى اليقين كقوله تعالى: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ [الكهف:٥٣] أي: أيقنوا، ﴿إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٠] . أي: أيقنت، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:٤٦] أي: يوقنون، فاليهود هنا كانوا مستيقنين أنهم لن يُخرَجوا أبداً لقوة حصونهم وشدة منعتهم، وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله، فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا، أي: من مكان ومن مصدر لا يتوقعونه، فقد تأتي البلايا إلى الشخص الظالم المبير من حيث لا يحتسب، كما قال تعالى: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النحل:٢٦] ، فالظالم قد يحتاط من باب من الأبواب، ويحرص غاية الحرص على غلق هذا الباب حتى لا يأتيه منه الشر والبلاء، فإذا بالبلاء يأتيه من باب آخر لم يكن يتوقعه، ولم يكن يتخيله! أما المؤمن فهو محفوظ بحفظ الله ، بل يأتيه رزقه من حيث لا يحتسب، كما قال الله سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢-٣] . وقوله تعالى: (وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ) الرعب سلاح قوي أيد الله به نبيه محمداً ﷺ ، ففي الحديث أنه ﷺ قال: (أُعطِيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر ... ) الحديث، أي: يكون بين الرسول ﷺ وبين العدو مسيرة شهر، ويقذف الله في قلب العدو الرعب من رسول الله ﷺ ، فإذا قُذِف الرعب في قلب العدو؛ انهارت قواه، وتفتتت سواعده، وكانت الهزائم من نصيبه. وقوله تعالى: (يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ) وجه ذلك أن الصلح الذي صالحهم عليه رسول الله ﷺ كان من بنوده: أن يحملوا معهم من المتاع ما أقلته ركابهم، وحملته خيولهم، فكانوا ينتقون أثمن شيء وأعز شيءٍ في البيت ويأخذونه، فإذا رءوا عِرقاً قوياً من خشب هدموا السقف حتى يأخذوا هذا العِرق، ولا يتركوه لرسول الله ﷺ ، فكان تخريب البيوت بأيديهم من ناحية، وبأيدي المؤمنين من ناحية أخرى.

стр. 1295

تفسير قوله تعالى: (وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا .) قال الله : ﴿وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر:٣-٤] . قوله تعالى: (وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا) هذه الآية الكريمة فيها رد على القدرية الذين يزعمون أن لا قدر، وأن الأمور لم تكتب على العباد، فهذه الآية أفادت أن الأمور مكتوبة ومسجلة على العباد، فقد جفت الأقلام، وطويت الصحف كما قال الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقال تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ [القمر:٥٢] ، ومعنى الآية الكريمة: لولا أن الله قدر عليهم قبل أن يُخلقوا أنهم سيخرجون من المدينة، ويجلون إلى أرض الشام لعذبهم في الدنيا بالقتل والسبي والأسر، ولكنه كتب عليهم الجلاء، فلا بد من إمضاء ما كتبه الله سبحانه. ومثل هذا قوله للمسلمين لما قبلوا الفدية من أسارى بدر: ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال:٦٨] ، أي: أنه لا يعذبكم ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٨] ، وأفادت هذه الآية كذلك أن الأمور مكتوبة ومقدَّرة على الإنسان، ففيها ردٌ على القدرية. فقوله تعالى: (لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا)) أي: لبقوا في المدينة، وحلّ بهم ما حل بسائر أصحابهم من اليهود كالقرظيين الذين حُكِم في مقاتلتهم بالقتل، وفي ذراريهم ونسائهم بالسبي. وقوله تعالى: (وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ) ، هذا مصير كل من يشاقق الله تعالى ورسوله ﷺ ، فله في الدنيا خزي، وفي الآخرة عذاب النار، وهذا التعليل لا ينسحب على اليهود فحسب، بل على كل معاند لله، وكل معاند لشرع الله، وكل معاند لرسل الله عليهم الصلاة والسلام أياً كان. فقوله تعالى: (ذَلِكَ) أي: ذلك العذاب الحال بهم (بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) .

стр. 1296

تفسير قوله تعالى: (مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ .) قال تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الحشر:٥] . هذه الآية فيها تسلية وتسرية عن أهل الإيمان، وذلك أن أهل الإيمان وُبِّخوا من عدوهم لعمل عملوه وصنيعٍ صنعوه، وهو أن النبي ﷺ لما حاصر بني النضير، وامتنعت بنو النضير من النزول من حصونهم، قطّع النبي ﷺ النخل وحرّقه، قال حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه في ذلك: وهان على سراة بني لؤي حريق بالبويرة مستطير وقال في ذلك أبو سفيان بن الحارث ابن عم رسول الله ﷺ رضي الله تعالى عنه: أدام الله ذلك من صنيعٍ وحرق في نواحيها السعير فشق ذلك على اليهود أيما مشقة، وكانت مقالة تقاولتها العرب، وطعنوا بها في رسول الله ﷺ وأصحابه رضي الله تعالى عنهم، فقالوا: كيف يقطِّع محمد ﷺ وأصحابه رضي الله تعالى عنهم النخيل؟ ولكن لله في الأمر حِكَمٌ، ومن المعلوم أن المفاسد إذا تواردت على محل اختار الشخص أخفها، فكان الأخف هو تحريق نخيل بني النضير، فحينئذ سرَّى الله عن المؤمنين، وأذهب عنهم الهموم والأحزان بقوله تعالى: (مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ) واللينة: النخلة، وقال فريق من العلماء: هي الشجرة، فأفادت الآية أن هذا أمر قدره الله وقضاه، فليس لكم -يا أهل الإيمان- أن ترتابوا في فعل نبيكم محمد ﷺ ، فما فعله لم يكن يخرج عن إذن الله، ولا عن إرادة الله، وعلى فرض كونكم أخطأتم فهذا مقدر عليكم، وعلى كل حال فـ (مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ) فلتطمئن خواطركم.

стр. 1297

تفسير آيتي الفيء قال تعالى: ((وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)) [الحشر:٦] الفيء يختلف شيئاً ما عن الغنيمة، فالفيء هو: مال العدو الذي يأتي إلى المسلمين على وجه مشروع بلا قتال، أما الغنيمة فهي التي تأتي للمسلمين من أموال العدو بعد قتال، وكل له مصارفه. قول تعالى: (وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ) أي: من بني النضير، وقوله تعالى: (فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ) الإيجاف: الإيضاع، وهو: الإسراع، كما قال الرسول ﷺ في الحج: (فإن البر ليس بالإيضاع) أي: ليس البر بالإسراع، و (ما) في قوله تعالى: (فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ) نافية، أي: ما غرتم إغارة على هذه القرية قرية بني النضير بخيولكم ولا بركابكم، ولا بذلتم فيها زاداً للقتال، وما أجهزتم على عدوكم بقتلٍ بخيولكم أو بإبلكم، ولا سافرتم لعدوكم سفراً طويلاً أو قصيراً بخيولكم ولا بركابكم، فقد كانوا في أطراف مدينة رسول الله ﷺ ، ولكن الذي كان أنهم استسلموا ونزلوا على أمر رسول الله ﷺ . فلما نزلوا على أمر رسول الله ﷺ ، وحملوا معهم ما استطاعت إبلهم وخيلهم أن تحمله، وغادروا المدينة؛ بقي هناك فيء في بيوتهم، وهذا الفيء كله له حكم، فالله هو الذي سلط عليهم رسوله ﷺ ، وهو الذي قذف في قلوبهم الرعب حتى خرجوا وتركوا الأموال وذهبوا، كما قال تعالى: (وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) . قال تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر:٧] . هذه الآية مع الآية السابقة مختلف في كونهما متغايرتين أو أن مؤداهما واحدٌ، والذي عليه فريق من العلماء أن الآية الأولى هي في بني النضير، وهي قوله تعالى: (وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ) أي: من بني النضير، (فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ) والتقدير: وما أفاء الله على رسوله ﷺ من أموال يهود بني النضير، فهذا الفيء الذي أتى إلى رسول الله من بني النضير كله خاص برسول الله ﷺ ، ليس لكم منه أي شيء يا أهل الإيمان! فالله هو الذي يسلط رسله على من يشاء، والله على كل شيءٍ قدير. وأما الآية الأخرى وهي قوله تعالى: (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى) فهي في القرى الأخرى كقريظة وخيبر، فهذه مصارفها لله تعالى وللرسول ﷺ ولذي القربى واليتامى والمساكين. فعلى هذا القول يكون فيء بني النضير خاصةً خاصٌ برسول الله ﷺ ، ومما أيد هذا القول أن أمير المؤمنين عمر ﵁ لما أتى إليه العباس وعلي ﵄ يطلبان ميراثهما من رسول الله قال لهما: (قد كانت أموال بني النضير خاصة لرسول الله) . وأما ما أفاء الله على رسوله ﷺ من أهل القرى الأخرى كبني قريظة وخيبر وسائر الأمصار والقرى ففيئها على التقسيم المذكور في قوله تعالى: (فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) . وأما الغنائم التي ذكر الله في كتابه فمحل تقسيمها في سورة الأنفال في قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ. ﴾ [الأنفال:٤١] ، فالأنفال التي غنمت عن طريق الحروب بين المسلمين والكفار تُقسَّم خمسة أقسام، أربعة أخماس الغنيمة للمحاربين، والخمس الخامس يُقسَّم خمسة أخماس، لله ولرسوله ﷺ ، ولذي القربى -أي: قربى رسول الله ﷺ لكونهم محرومين من الزكوات، فليس لآل البيت زكاة- واليتامى والمساكين وابن السبيل. وهناك اتجاه آخر وهو اتجاه الإمام الشافعي رحمه الله تعالى فحواه أن الفيء في الآية الأولى -وهو فيء بني النضير- لرسول الله ﷺ ، والفيء الآية الثانية يقسم خمسة أخماس، فأربعة أخماسه لرسول الله ﷺ ، والخمس الخامس يُقسم خمسة أخماس، يدفع منها خمسٌ إلى رسول الله ﷺ ، فيصير له ﷺ من كل الفيء أربعة أخماس وخمس الخمس، والباقي يصرف في المصارف المذكورة في قوله تعالى: (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ) ، وبعد وفاة رسول الله ﷺ يدفع للمجاهدين الذين يسدون الثغور، ويصرف في تعبيد الطرق وتشييد المستشفيات ونحوها من المجامع التي يحتاج إليها عموم المسلمين. وفي الحقيقة آيات الأنفال والفيء من الآيات التي أُهدِر العمل بها في هذا الزمان؛ إذ المشروع في حالة انتصار دولة مسلمة على دولة كافرة أن المجاهدين يُقسم لهم كلٌ بحسب جهاده وقتاله، فالمشاة على عهد الرسول ﷺ كان لهم قسم من الغنيمة يختلف عن الركبان، ومن بذل في الجهاد واشترى فرساً يجاهد به فيعطى قسماً للفرس، ويعطى قسماً لنفسه، وكلٌ بحسب ما بذل واجتهد، وقد كان الرسول ﷺ يقول في المعارك أو في بعضها: (من قتل قتيلاً فله سلبه) . وكل هذه المسائل أضاعتها الأنظمة العلمانية في العالم كله، وعلى رأسها هيئة الأمم المتحدة التي أضاعت مثل هذه الأشياء، وكان من دعاوى الحكومة الإيرانية التي ذهبت أدراج الرياح مع أكاذيب الحكومة الإيرانية: أن نظام الأنفال سيعود، وكانوا يدندنون بهذا في مطلع ثورتهم، ولكنه ذهب أيضاً مع الريح، وعاد إليهم العبث الذي عاد إلى غيرهم، أو الذي هم نشئوا فيه من الأصل. قوله تعالى: (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى) هي قريظة وبنو النضير وغيرهما من القرى، وقوله تعالى: (فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى) أي: قرابة رسول الله ﷺ ؛ لكونهم لا يأخذون من الصدقة، وهم: آل علي، وآل جعفر، وآل عقيل، وآل العباس. وقوله تعالى: (وَابْنِ السَّبِيلِ) هو المسافر الذي انقطعت به السبل، أو الذي ليس معه مال يوصله إلى بلده، فيأخذ من المال ما يكفيه للرجوع إلى بلده. وقوله تعالى: (كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ) أي: نحن قسّمنا لكم أموال الفيء حتى لا يتسلط الأغنياء أصحاب النفوذ والسلطة على الفيء فيأخذونه غنيمة، ويتداولونه فيما بينهم، كما يحدث في الدول، فأكابر الناس والأغنياء منهم يتسلطون على الأموال وعلى الأراضي وعلى المؤسسات فينهبونها لأنفسهم، فالله جعل للفيء مصارف حتى لا يتسلط عليه الأغنياء، ويصبح مال الفيء دولةً بين الأغنياء، أي: يتداوله الأغنياء فقط، فالله يقول ما معناه: إنما أظهرت لكم مصارف الفيء كي لا يتسلط الأغنياء الأقوياء على مال الفيء فيستحوذون عليه دون الفقراء، ويقسمونه ويتداولونه فيما بينهم، فإلغاءً لهذا بيّنا لكم مصارف الفيء.

стр. 1298

وجوب اتباع الرسول ﷺ قال تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) أي: امتثلوا أمره، واتبعوا شرعه، وما أرشدكم إليه فاعملوا به، وما أعطاكم فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا عنه، وما منعكم منه فلا تأخذوه، فالآية وإن كان ظاهرها في الفيء إلا أن معناها عام، وقد قال العلماء: العبرة بعموم الألفاظ وليس بخصوص أسباب النزول، وقد احتج ابن مسعود ﵁ بعموم هذه الآية الكريمة على امرأة يقال لها: أم يعقوب، فقد روى ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: (لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله ... ) الحديث. فجاءت المرأة فقالت: يا ابن مسعود! ما لك تلعن الناس؟! قال: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله ﷺ ، وهو في كتاب الله؟ قالت: في كتاب الله؟ والله! لقد قرأت ما بين الدفتين فما وجدت ذلك في كتاب الله! قال: إن كنتِ قرأتِه فقد وجدتهِ، ألم تقرئي قول الله تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) ؟ قالت بلى، قال: فهو ذاك، أو كما قال رضي الله تعالى عنه. فالاستشهاد بعموم الكريمة رأي الجمهور، وقد قال ﵊: (يوشك رجلٌ متكئٌ على أريكته يحدث بحديثي فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله -أي: يعرض عن السنة، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله- فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا وإن ما حرم رسول الله فهو مثل ما حرم الله) ، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم:٣] ، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال:٢٠] ، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩] ، وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور:٥٤] .

стр. 1299

الأسئلة

стр. 1300

إسلام مارية القبطية رضي الله تعالى عنها السؤال كيف تم إسلام السيدة مارية القبطية رضي الله تعالى عنها ملك يمين رسول الله ﷺ ؟ الجواب لا أعلم كيف تم إسلام السيدة مارية رضي الله تعالى عنها ملك يمين رسول الله ﷺ .
следующие страницы →